← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

٣ - الإسلام دين الحق والصواب والاستقامة؛ لقوله تعالى: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي ذلك الشرع والطاعة، والقيّم أي القائم المستقيم. وقيل: ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوفى، وقيل: ذلك القضاء، وقيل: الحق. ٤ - تحريم ظلم النفس بارتكاب المعاصي والذنوب في جميع السنة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ على قول ابن عباس: راجع إلى جميع الشهور. وقال الأكثرون: راجع إلى الأشهر الحرم خاصة؛ لأنه إليها أقرب، ولها مزية في تعظيم الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ وهذا تعظيم لحرمتها وتأكيد لامتيازها، لا أن الظلم في غير هذه الأيام جائز، وإنما هو حرام في كل الأيام والشهور والسنين، وإذا عظم الله تعالى شيئا عظّمه من جهتين، وصارت حرمته متعددة، فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيء، كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، وذلك ثابت في البلد الحرام. وقيل: إن الظلم هو إباحة القتال فيها، ثم نسخ بإباحة القتال في جميع الشهور، كما قال قتادة وعطاء الخراساني والزهري وسفيان الثوري، وهو الصحيح المعتمد؛ لأن النبي ﵌ غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة. ونظرا لتعظيم حرمة الشهر الحرام، قال الشافعي فيمن قتل فيه شخصا خطأ: تغلظ عليه الدية، وقال: تغلظ الدية في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وذوي الرحم. وقال الأوزاعي: القتل في الشهر الحرام تغلّظ فيه الدية فيما بلغنا، وفي الحرم، فتجعل دية وثلثا. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وابن أبي ليلى: القتل في الحلّ والحرم سواء، وفي الشهر الحرام وغيره سواء، قال القرطبي: وهو الصحيح؛ لأن النبي ﵌ سنّ الديات، ولم يذكر فيها الحرم ولا الشهر الحرام. وأجمعوا على أن

стр. 3117

الكفارة على من قتل خطأ في الشهر الحرام وغيره سواء، فالقياس أن تكون الدية كذلك. ٥ - تعظيم حرمة الأشهر الحرم: خصّ الله تعالى الأربعة الأشهر بالذكر، ونهى عن الظلم فيها تشريفا لها، وإن كان منهيا عنه في كل الزمان، كما قال: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ وهذا رأي أكثر المفسرين، أي لا تظلموا في الأربعة الأشهر أنفسكم. وروي عن ابن عباس قال: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ في الاثني عشر. ٦ - الأمر بقتال المشركين كافة، قال ابن العربي: يعني محيطين بهم من كل جهة وحالة، فمنعهم ذلك من الاسترسال في القتال (١). وهذا ترغيب في قتالهم وتحريض، معاملة بالمثل، وتوحيدا للصف وجمعا للكلمة. وقال بعض العلماء: كان الغرض بهذه الآية قد توجّه على الأعيان (أي أن القتال فرض عين) ثم نسخ ذلك، وجعل فرض كفاية. وفي هذا الكلام بعد؛ لأن النبي ﵌ لم يلزم الأمة جميعا النّفر، وكان القتال قد استقرّ على أنه فرض كفاية بعد أن كان في مرحلة قصيرة فرض عين، وإنما معنى هذه الآية-كما ذكر القرطبي-الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة، ثم قيدها بقوله: ﴿كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم (٢). فليس في هذه الآية إعلان شامل للحرب على المشركين، وإنما هي آمرة بتوحيد المؤمنين، وجعلهم جبهة واحدة عند قتال المشركين، فهي لتحريضهم

стр. 3118

على التعاون والتناصر، وعدم التخاذل والتقاطع، كما أن المشركين جبهة واحدة متعاونون متناصرون أثناء قتالهم المسلمين. ٧ - تحريم النسيء، أي تأخير حرمة شهر ووقته إلى شهر آخر، فذلك يضادّ الحقائق، ويظهر التلاعب بالسنن الإلهية، ويغير أوقات العبادة، وهو أيضا زيادة في كفر المشركين، الذين أنكروا وجود الباري فقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمنُ؟﴾ [الفرقان ٦٠/ ٢٥] في أصح الوجوه، وأنكروا البعث فقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟﴾ [يس ٧٨/ ٣٦] وأنكروا بعثة الرسل فقالوا: ﴿أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ؟﴾ [القمر ٢٤/ ٥٤]، وزعموا أن التحليل والتحريم عائد إليهم، فحللوا ما حرّم الله وحرموا ما أحل الله على وفق شهواتهم وأهوائهم، وأضلوا الذين كفروا، وحافظوا على مجرد العدد في التحريم: ﴿لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ أي لم يحلّوا شهرا إلا حرموا شهرا لتبقى الأشهر الحرم أربعة، وذلك كله من تزيين الشيطان لهم هذا العمل السيء، والله لا يرشد كل كفار أثيم. وكان الهدف من النسيء شيئين ماديين لمصالح الدنيا: الأول-ترتيب وقت الحج في زمن يناسب ظروف تجاراتهم، بدلا من تقلّبه تارة في الصيف وتارة في الشتاء، والثاني-شن الغارات والحروب، أو الاستمرار في القتال، على وفق رغباتهم وأهوائهم ومصالحهم. وترتب على النسيء الاعتماد على السنة الشمسية في الواقع؛ لأنهم جعلوا السنة القمرية تساير السنة الشمسية، عن طريق الكبيسة، وأدى ذلك إلى جعل بعض السنين ثلاثة عشر شهرا، ونقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غير وقته المخصص له.

стр. 3119

التحريض على الجهاد والتحذير من تركه ومعجزة الغار في الهجرة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ الإعراب: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾ بإدغام لا في نون إن الشرطية، ومثلها: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾. ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ منصوب ب ﴿نَصَرَهُ اللهُ﴾ و ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي أحد اثنين، وهو منصوب على الحال من هاء ﴿أَخْرَجَهُ﴾ وهو النبي ﵌. وقيل: هو حال من ضمير محذوف تقديره: فخرج ثماني اثنين. ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ جواب الشرط. ﴿إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ منصوب على البدل من قوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهو بدل الاشتمال.

стр. 3120

﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ بدل من قوله: ﴿إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ وهاء ﴿لِصاحِبِهِ﴾ يراد بها أبو بكر. ﴿لا تَحْزَنْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب ب ﴿يَقُولُ﴾. وهاء ﴿أَيَّدَهُ﴾ يراد بها النبي ﵊. ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ﴾ مبتدأ مرفوع، و ﴿هِيَ الْعُلْيا﴾ خبره. وقرئ كلمة بالنصب، وفيه بعد؛ لأن كلمة الله لم تزل عالية، فيبعد نصبها ب ﴿جَعَلَ﴾ لما فيه من إيهام أنها صارت عالية بعد أن لم تكن. والذي عليه جماهير القراء: هو الرفع. ﴿هِيَ الْعُلْيا﴾ ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة به دون سائر الكلم. البلاغة: ﴿ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ﴾ استفهام للإنكار واللوم أو التوبيخ. ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي أرضيتم بنعيم الدنيا بدل نعيم الآخرة. ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ إظهار الدنيا في مقام الإضمار؛ لزيادة التقرير، والمبالغة في التهوين بشأن الدنيا وبيان حقارتها بالنسبة للآخرة. ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾: ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ استعارة للشرك والدعوة إلى الكفر، ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا﴾ استعارة للإيمان والتوحيد والدعوة إلى الإسلام. المفردات اللغوية: ﴿اِنْفِرُوا﴾ أقدموا على القتال بخفة ونشاط، والمصدر: النفر والنفور، واستنفر الإمام الناس إلى القتال: أعلن النفير العام، وحثهم ودعاهم إلى جهاد العدو، واسم ذلك القوم الذين يخرجون: النفير. ﴿اِثّاقَلْتُمْ﴾ تباطأتم وملتم عن الجهاد. ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ قعدتم فيها، والاستفهام للتوبيخ. ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ آثرتم الدنيا على الآخرة، وقبلتم بدل نعيمها. ﴿مَتاعُ﴾ ما يتمتع به من لذائذ الدنيا. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في جنب متاعها. ﴿إِلاّ قَلِيلٌ﴾ حقير. ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾ إن لم تخرجوا مع النبي ﵌ للجهاد. ﴿أَلِيماً﴾ مؤلما. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾ أي يأت بهم بدلكم. ﴿وَلا تَضُرُّوهُ﴾ أي الله

стр. 3121

أو النبي ﵌. ﴿شَيْئاً﴾ بترك نصره، فإن الله ناصر دينه. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مقتدر، ومنه نصر دينه ونبيه. ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾ إن لم تنصروا النبي ﵌. ﴿إِذْ﴾ حين. ﴿أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من مكة، أي ألجؤوه إلى الخروج، لما أرادوا قتله أو حبسه أو نفيه، بدار الندوة. ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أحد اثنين، والآخر أبو بكر، والمعنى: نصره الله في مثل تلك الحالة، فلا يخذله في غيرها. ﴿الْغارِ﴾ غار جبل ثور، والغار: النقب أو الفتحة في الجبل. ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ أبي بكر الذي قال للنبي ﵌ لما رأى أقدام المشركين: لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا. ﴿لا تَحْزَنْ﴾ المراد بالنهي عن الحزن مجاهدة النفس وتوطينها على عدم الاستسلام له. ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ بنصره وتأييده. ﴿سَكِينَتَهُ﴾ طمأنينته. ﴿عَلَيْهِ﴾ الضمير يعود على النبي ﵌، وقيل: على أبي بكر. ﴿وَأَيَّدَهُ﴾ أي النبي. ﴿بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ ملائكة في الغار، وفي مواطن قتاله. ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي دعوة الشرك والكفر. ﴿السُّفْلى﴾ المغلوبة. ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ﴾ أي كلمة التوحيد أو الشهادة بتوحيد الإله. ﴿هِيَ الْعُلْيا﴾ الغالبة. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ في ملكه. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه. سبب النزول: نزول الآية (٣٨): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أخرج ابن جرير عن مجاهد في هذه الآية قال: هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وحنين في الصيف حين طابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج، فأنزل الله هذه الآية. نزول الآية (٣٩) ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن نجدة بن نفيع قال: سألت ابن عباس عن هذه الآية، فقال: استنفر رسول الله ﵌ أحياء من العرب، فتثاقلوا عنه، فأنزل الله: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ فأمسك عليهم المطر، فكان عذابهم. والخلاصة: لا خلاف أن هذه الآيات نزلت عتابا على تخلّف من تخلّف عن رسول الله ﵌ في غزوة تبوك، سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام.

стр. 3122

قال المحققون: وإنما استثقل الناس الخروج لغزوة تبوك لجهاد الروم لأسباب. أحدها-شدة الزمان في الصيف والقحط. وثانيها-بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات. وثالثها-إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت. ورابعها-شدة الحر في ذلك الوقت. وخامسها-مهابة عسكر الروم (١). المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أسباب قتال الكفار من المشركين واليهود والنصارى، وذكر منافع مقاتلتهم، كقوله: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾. ذكر هنا ما يوجب قتال الروم وأتباعهم من النصارى من عرب الشام في غزوة تبوك. وتبوك في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق، تبعد عن الأولى ٦٩٠ كم وعن الثانية ٦٩٢ كم، وكانت هذه الغزوة في رجب السنة التاسعة للهجرة بعد رجوع النبي ﵌ من غزوة حنين والطائف. ونزلت هذه الآيات لما دعا الرسول ﵌ إلى غزوة تبوك، وكانوا في عسرة وضيق. وشدة حر وقد حان قطاف التمر عندهم، فشق ذلك عليهم، فأبان تعالى أنه لا يصح ترك سعادة الآخرة والخير الكثير من أجل سعادة الدنيا وطيباتها، فذلك جهل وسفه. والكلام من هنا إلى آخر السورة في غزوة تبوك، وما صاحبها من هتك ستر

стр. 3123

المنافقين وضعفاء الإيمان، وتطهير قلوب المؤمنين من عوامل الشقاق، إلا آيتين في آخرها، وإلا ما جاء في أثنائها من أحكام وحكم، جريا على منهج القرآن في أسلوبه الذي اختص به. وسبب الغزوة: استعداد الروم والقبائل العربية المتنصرة من لخم وجذام وغيرهم، وتجهيز جيش كثيف، لغزو المدينة، بقيادة «قباذ» وعدد جنده أربعون ألفا. فندب النبي ﵌ الناس للخروج لقتالهم، وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام للتجارة، فقال: يا رسول الله، هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية (من الفضة) فقال النبي ﵌: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم». ولما لم يجد النبي من يقاتله عاد إلى المدينة، بسبب انسحاب الروم وعدولهم عن فكرة الزحف واقتحام الحدود. ولكن كان لهذه الغزوة أثر معنوي كبير في نظر العرب والروم، فكانت كفتح مكة؛ لأنها كانت احتكاكا بأعظم قوة حينذاك، وأثرت على المدى البعيد في نفوس الأعداء، بعد أن كان العرب يخشون غزو الروم في عقر دارهم. وقد مهد الله بهذا الغزو الذي كان له أثر عميق في نفوس العرب، لغزو المسلمين للشام في عهد الخليفتين: أبي بكر وعمر. التفسير والبيان: يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، ما لكم تثاقلتم وتباطأتم عن الجهاد، حين قال لكم الرسول الأمين: ﴿اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ لقتال الروم الذين تجهزوا لقتالكم ومهاجمتكم؟ فقوله: ﴿ما لَكُمْ﴾ ما: حرف استفهام معناه التقرير والتوبيخ، والتقدير: أي شيء يمنعكم عن كذا؟

стр. 3124

ومعنى: ﴿اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله ولإعلاء كلمته. و ﴿اِثّاقَلْتُمْ﴾: تكاسلتم وملتم إلى الراحة وطيب الثمار والتفيؤ في الظلال. فهذا ليس من شأن الإيمان الذي يدعو إلى بذل النفس والمال في سبيل الله وطاعة الرسول ﵌، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحجرات ١٥/ ٤٩]. أرضيتم بلذات الحياة الدنيا بدلا من الآخرة وسعادتها ونعيمها؟ إن كنتم فعلتم ذلك فقد تركتم الخير الكثير في سبيل الشيء الحقير، فما تتمتعون به في الدنيا متاعا مقترنا بالهم والألم، إذا قيس بنعيم الآخرة الدائم المقيم، إلا شيء حقير، لا يصلح عوضا عن الشيء الكثير. روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله ﵌: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع؟» وأشار بالسبابة. وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة» ثم تلا هذه الآية: ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾. فالآية والحديث تزهيد في الدنيا، وترغيب في الآخرة. ثم توعد الله تعالى من ترك الجهاد، فقال: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ..﴾. أي إن لم تخرجوا مع النبي ﵌ إلى ما دعاكم إليه، يعذبكم عذابا مؤلما في الدنيا كالهلاك بالقحط وغلبة العدو، ويستبدل بكم قوما غيركم، لنصرة نبيه وإقامة دينه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨/ ٤٧] أي أنه تعالى يهلكهم ويستبدل بهم قوما آخرين خيرا منهم وأطوع،

стр. 3125

وأنه غني عنهم في نصرة دينه، لا يؤثر تثاقلهم فيها شيئا. قال ابن عباس: استنفر رسول الله ﵌ حيا من العرب، فتثاقلوا عنه، فأمسك الله عنهم القطر، فكان عذابهم. ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد، وتثاقلكم عنه؛ لأنه هو القاهر فوق عباده. وقيل: الضمير للرسول، أي ولا تضروه؛ لأن الله وعده أن يعصمه من الناس، وأن ينصره، ووعد الله كائن لا محالة: ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ [آل عمران ١٩٤/ ٣]. ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج ٤٧/ ٢٢]. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم. ثم رغبهم الله تعالى في الجهاد ثانية ومناصرة النبي ﵌ فقال: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ..﴾. أي إن لم تنصروا رسوله، فإن الله ناصره ومؤيده، وكافيه وحافظه، كما تولى نصره عام الهجرة، لما همّ المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه من بلده: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ..﴾. [الأنفال ٣٠/ ٨]. فخرج منهم هاربا بصحبة صدّيقه وصاحبه أبي بكر، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام، ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيروا نحو المدينة. ففزع أبو بكر على النبي ﵌ لما رأى المشركين، حال كون النبي أحد اثنين، والثاني أبو بكر في غار جبل ثور، إذ قال لصاحبه: لا تخف ولا تحزن، إن الله معنا يؤيدنا بنصره وعونه وحفظه. روى أحمد والشيخان عن أنس قال: «حدثني أبو بكر قال: كنت مع النبي ﵌ في الغار، فرأيت آثار المشركين، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه، لأبصرنا تحت قدمه، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، الله

стр. 3126

ثالثهما» وفي رواية أحمد: «لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه...». ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ.﴾. أي فأنزل الله طمأنينته وتأييده ونصره عليه، أي على الرسول ﵌، في أشهر القولين، وقيل: على أبي بكر، قال ابن عباس وغيره: لأن الرسول ﵌ لم تزل معه سكينة، وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال. والسكينة: ما ألقى في قلبه من الأمن. وقال ابن العربي: عود الضمير على أبي بكر هو الأقوى؛ لأنه خاف على النبي ﵌ من القوم، ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ بتأمين النبي ﵌، فسكن جأشه، وذهب روعه، وحصل الأمن، ورجح الرازي هذا القول؛ لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات في هذه الآية: هو أبو بكر، ولأن الحزن والخوف كان حاصلا لأبي بكر لا للرسول ﵊، ولو كان الرسول خائفا لما أمكنه تسكين خوف أبي بكر بقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾، وقال الجمهور: الضمير عائد على النبي ﵌، لأن السكينة هنا بمعنى الصون وخصائص النبوة. ثم قال: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ أي قوّاه وآزره بالملائكة. وجعل كلمة الشرك والكفر هي السفلى أي المغلوبة، وكلمة الله التي هي لا إله إلا الله أو الدعوة إلى الإسلام هي العليا الغالبة، والله عزيز غالب في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب، لا يضام من لاذ به، حكيم في أقواله وأفعاله، يضع الأشياء في مواضعها. وقد تم نصر الرسول ﵌ وارتقاء دولته، وهزمت كلمة المشركين وذلت دولة الشرك، وأظهر الله دينه على كل الأديان: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف ٩/ ٦١] قال ابن عباس: يعني بكلمة الذين كفروا: الشرك، وكلمة الله: هي لا إله إلا الله. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سئل رسول الله ﵌ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حميّة، ويقاتل رياء، أي

стр. 3127

ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات عتاب من تخلف عن رسول الله ﵌ في غزوة تبوك، سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام واحد. ودلت الآية الأولى: ﴿اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ..﴾. على وجوب الجهاد في كل حال، وذلك ليس من صيغة الأمر عند القائلين بأن الأمر يقتضي الفعل فقط، وإنما من النص على العقاب، وإنكار التثاقل؛ لأنه تعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر، ولو لم يكن الجهاد واجبا، لما كان هذا التثاقل منكرا. ثم إن الآية التي بعدها وهي ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾ فيها تهديد شديد، ووعيد مؤكد في ترك النفير، بعذاب أليم، ولا يكون العذاب أو العقاب إلا على ترك واجب، فوجب بمقتضى الآيتين النفير للجهاد والخروج إلى الكفار لمقاتلتهم، على أن تكون كلمة الله هي العليا، لكن قيل: المراد بهذه الآية الثانية وجوب النفير عند الحاجة وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم. وآية: ﴿ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ﴾ وإن دلت على خطاب كل المؤمنين، إلا أن المراد بها البعض، وخطاب الكل وإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن، وفي سائر أنواع الكلام، كقول بعضهم: إياك أعني واسمعي يا جارة. ثم إن فرضية الجهاد العينية المستفادة من هاتين الآيتين قد نسخت بما يدل على أن فرض الجهاد استقر كونه فرض كفاية؛ روى أبو داود عن ابن عباس قال: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ و ﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ -إلى قوله- ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة ١٢٠/ ٩ - ١٢١] نسختها الآية التي تليها: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة ١٢٢/ ٩]. وهو قول الضحاك والحسن البصري وعكرمة.

стр. 3128

وقال المحققون: إن هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول الله ﵌ فلم ينفروا، وعلى هذا التقدير فلا نسخ. وتضمنت آية ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾ عتاب الله أيضا للمؤمنين بعد انصراف نبيه ﵌ من تبوك؛ لأن معناها كما عرفنا: إن تركتم نصره، فالله يتكفّل به؛ إذ قد نصره الله في مواطن القلة، وأظهره على عدوه بالغلبة والعزة. وأبانت الآية في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ، إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ فضل أبي بكر بسبب صحبته النبي ﵌ في أحلك الظروف وشدة الخوف، وتعرضه للقتل إن عثر المشركون عليه وعلى النبي، واختيار النبي له لعلمه بأنه من المؤمنين الصادقين، ولأن الظاهر يدل على كون الاختيار بأمر الله. ولتسميته بأنه ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ ولوصف الله تعالى أبا بكر بكونه صاحبا للرسول ﵌. قال الليث بن سعد: ما صحب الأنبياء ﵈ مثل أبي بكر الصديق. وقال سفيان بن عيينة: خرج أبو بكر بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ ما يدل على أن الخليفة بعد النبي ﵌ أبو بكر الصديق ﵁؛ لأن الخليفة لا يكون أبدا إلا ثانيا. وجاء في السنة أحاديث صحيحة، يدل ظاهرها على أنه الخليفة بعده، وقد انعقد الإجماع على ذلك، ولم يبق منهم مخالف. روى البخاري عن ابن عمر قال: كنا نخيّر بين الناس في زمن رسول الله ﵌، فنخيّر أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان.

стр. 3129

وجمهور أئمة السلف على تقديم عثمان على علي ﵃ أجمعين. وتضمنت آية ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ﴾ أيضا معجزتين هما: تأييد الله نبيه بجند من الملائكة في قوله: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ والضمير يعود إلى النبي ﵌، وحماية الله نبيه في الغار من أذى المشركين في قوله: ﴿إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ والمراد غار ثور. وقصة الهجرة ومعجزة الغار هي بإيجاز: لما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة، قالوا: هذا شر شاغل لا يطاق؛ فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله ﵌، فبيّتوه ورصدوه على باب منزله طوال ليلتهم، ليقتلوه إذا خرج؛ فأمر النبي ﵌ علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه (١)، ودعا الله أن يعمّي عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض، فلما أصبحوا، خرج عليهم علي ﵁، وأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله ﵌ قد فات ونجا. وتواعد رسول الله ﵌ مع أبي بكر الصديق للهجرة، فدفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أرقط، ويقال: ابن أريقط، وكان كافرا، لكنهما وثقا به، وكان دليلا بالطرق، فاستأجراه ليدل بهما إلى المدينة. وخرج رسول الله ﵌ من خوخة (ثغرة) في ظهر دار أبي بكر التي في بني جمح، ونهضا نحو الغار في جبل ثور. وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع ما يقول الناس، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه، ويريحها (يردّها) عليهما ليلا، فيأخذا منها حاجتهما. ثم نهضا فدخلا الغار.

стр. 3130

وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام، ويأتيهما عبد الله بن أبي بكر بالأخبار، ثم يتلوهما عامر بن فهيرة بالغنم، فيعفّي آثارهما، فلما فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر، حتى وقف على الغار، فقال: هنا انقطع الأثر، فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته (١)؛ ولهذا نهى النبي ﵌ عن قتله. فلما رأوا نسج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه، فرجعوا وجعلوا في النبي ﵌ مائة ناقة لمن ردّه عليهم، والخبر مشهور، وقصة سراقة بن مالك بن جعشم في ذلك مشهورة أيضا. وقد روي من حديث أبي الدرداء وثوبان ﵄: أن الله أمر حمامة، فباضت على نسج العنكبوت، وجعلت ترقد على بيضها، فلما نظر الكفار إليها ردهم ذلك عن الغار. روى البخاري عن عائشة قالت: استأجر رسول الله ﵌ وأبو بكر رجلا من بني الدّيل هاديا خرّيتا (٢)، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث، فارتحلا وارتحل معهما عامر بن فهيرة والدليل الدّيلي، فأخذ بهما طريق الساحل، أي موضع بعينه، ولم يرد به ساحل البحر. قال المهلب: وفي هذا من الفقه ائتمان أهل الشرك على السرّ والمال إذا علم منهم وفاء ومروءة، كما ائتمن النبي ﵌ هذا المشرك على سرّه في الخروج من مكة وعلى الناقتين. وقال ابن المنذر: فيه استئجار المسلمين الكفار على هداية الطريق (٣).

стр. 3131

وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى..﴾. دلالة واضحة على أنه تعالى جعل يوم بدر كلمة الشرك مغلوبة خاسئة حقيرة، وأن كلمة الله هي العليا، وهي قوله: لا إله إلا الله. وختام الآية: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فيه بيان مقتضب يدل على قدرة الله الباهرة وحكمته العالية، فالله قاهر غالب، لا يفعل إلا الصواب. النفر للجهاد في سبيل الله ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ الإعراب: ﴿خِفافاً وَثِقالاً﴾ منصوبان على الحال من واو ﴿اِنْفِرُوا﴾. البلاغة: ﴿خِفافاً وَثِقالاً﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿اِنْفِرُوا﴾ أصل النفر: الخروج إلى مكان، لأمر واجب، والمراد هنا الحث على الجهاد والدعوة إليه، ومنه قول النبي ﵌ فيما رواه النسائي عن صفوان بن أمية: «إذا استنفرتم فانفروا» واسم ذلك القوم الذين يخرجون: النفير، ومنه قولهم: فلان لا في العير ولا في النفير. ﴿خِفافاً وَثِقالاً﴾ نشاطا وغير نشاط، وقيل: أقوياء وضعفاء، كهولا وشبانا، في العسر واليسر، أو أغنياء وفقراء، ثم خفف الأمر على الضعفاء بآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ..﴾. [التوبة ٩١/ ٩]. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه خير لكم فلا تتثاقلوا.

стр. 3132

سبب النزول: أخرج ابن جرير عن حضرمي: أنه ذكر له أن أناسا ربما كان أحدهم عليلا أو كبيرا، فيقول: إني آثم، فأنزل الله تعالى: ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً﴾. وعن أبي طلحة: كهولا وشبانا، ما سمع الله عذر أحد. ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل. وعن مجاهد: قالوا: فإن فينا الثقيل وذا الحاجة والضيعة والشغل والمتيسر به أمره، فأنزل الله تعالى، وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا: ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً﴾ أي على ما كان منهم. والخلاصة: نزلت الآية في الذين اعتذروا بالضيعة والشغل، فأبى الله أن يعذرهم دون أن ينفروا على ما كان منهم. التفسير والبيان: موضوع الآية: أمر الله تعالى بالنفير العام مع رسول الله ﵌ عام غزوة تبوك، لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب، وحتّم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال، في المنشط والمكره والعسر واليسر. والمعنى: اخرجوا إلى الجهاد على كل حال من يسر أو عسر، صحة أو مرض، غنى أو فقر، شغل أو فراغ منه، كهولة أو شباب، نشاط وغير نشاط، أي خفاف في النفر لنشاطكم له، وثقال عنه لمشقته عليكم. ﴿وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ أي قاتلوا أعداءكم الذين يقاتلونكم، وفيه إيجاب للجهاد بالنفس والمال إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال، فمن قدر على

стр. 3133

الجهاد بنفسه وماله، وجب عليه ذلك، ومن قدر على الجهاد بالنفس فقط، أو بالمال فقط، وجب عليه. ذلكم المأمور به من النفر والجهاد خير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال النبي ﵌ فيما رواه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة: «تكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرده إلى منزله بما نال من أجر أو غنيمة». ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك وأنه خير، فانفروا ولا تتثاقلوا. فقه الحياة أو الأحكام: الآية تدل على إيجاب الجهاد والنفير العام في غزوة تبوك، لكن روي عن ابن عباس وآخرين أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى﴾ [التوبة ٩١/ ٩]. قال القرطبي: والصحيح أنها ليست بمنسوخة. ويبقى الجهاد فرض عين إذا تعيّن بغلبة العدو على قطر من الأقطار، فيجب حينئذ على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إلى الجهاد خفافا وثقالا، شبانا وشيوخا، كلّ على قدر طاقته، يخرج الابن بغير إذن أبيه، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج. فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بدحر العدو، كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا لتحقيق الهدف المرجو، فالمسلمون كلهم يد واحدة على من سواهم، حتى إذا قام هؤلاء بدفع العدو سقط الفرض عن الباقين. ولو قارب العدو دار الإسلام، ولم يدخلوها، لزم المسلمين أيضا الخروج إليه، حتى تعلو كلمة الله، وتصان البلاد، ويخزي العدو. وفرض أيضا على الإمام غزو الأعداء كل سنة مرة، حتى يدخلوا الإسلام،

стр. 3134

أو يعطوا الجزية عن يد (١). وقد بادر الصحابة لتنفيذ هذا الأمر الإلهي الحاسم العام، فقال أبو أيوب الأنصاري-وقد شهد المشاهد كلها إلا غزاة واحدة-: قال الله تعالى: ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً﴾ فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا. وروى ابن جرير الطبري عن أبي راشد الحرّاني قال: وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله ﵌ جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، وقد فصل عنها من عظمه، يريد الغزو، فقلت: قد أعذر الله إليك، فقال: أتت علينا سورة البعوث (أي سورة براءة): ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً﴾. وروى ابن جرير أيضا عن صفوان بن عمرو قال: كنت واليا على حمص، فلقيت شيخا قد سقط حاجباه، من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو، قلت: يا عم، أنت معذور عند الله، فرفع حاجبيه، وقال: يا ابن أخي، استنفرنا الله خفافا وثقالا، ألا إن من أحبه الله ابتلاه. والجهاد واجب بالنفس والمال إذا قدر عليهما، أو على أحدهما، على حسب الحال والحاجة، فقد كان المسلمون ينفقون على أنفسهم من أموالهم، وهم يعدّون السلاح، وقد ينفقون على غيرهم، كما فعل عثمان ﵁ في تجهيز جيش العسرة في غزوة تبوك، وكما فعل غيره من أغنياء الصحابة. فهذه الآية: ﴿اِنْفِرُوا﴾ تتناول القادر المتمكن؛ إذ عدم الاستطاعة عذر في التخلف. ولما أصبح في بيت المال وفر وسعة، صار الحكام يجهزون الجيوش من بيت المال، وهذا هو المتبع الآن، حيث تخصص بنود من الميزانية كل عام لنفقات الحرب والدفاع، وتزاد الميزانية عند الحاجة.

стр. 3135

وللجهاد ثمرة يانعة عظيمة، فهو يحقق إحدى الحسنيين: إما النصر، وما الشهادة في سبيل الله، وفي ذلك من الخير العظيم مالا يوصف، سواء في الدنيا بإعلاء كلمة الله وإعزاز المسلمين، وفي الآخرة بالقرار في نعيمها والاستمتاع بخلود الجنة، ولا يقدّر هذا إلا المؤمن الصادق الإيمان، الذي يؤمن بأن القيامة حق، وبأن الثواب والعقاب فيها حق وصدق. فما يستفاد بالجهاد من نعيم الآخرة خير وأعظم مما يستفيده القاعد عنه من الراحة والدعة والتنعم بهما، ولا تدرك هذه الخيرات إلا بالتأمل، ولا يعرفها إلا المؤمن بالآخرة، لذا قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. تخلف المنافقين عن غزوة تبوك وقضية الإذن لهم ﴿لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَاِرْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ الإعراب: ﴿بِاللهِ﴾ متعلق ب ﴿سَيَحْلِفُونَ﴾ أو هو من جملة كلامهم، والقول مراد في الوجهين، أي سيحلفون، يعني المتخلفين، عند رجوعك من غزوة تبوك، معتذرين يقولون: ﴿بِاللهِ﴾.

стр. 3136

﴿لَخَرَجْنا﴾ سادّ مسدّ جوابي القسم والشرط. وهذا من المعجزات؛ لأنه إخبار عما وقع قبل وقوعه. ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إما أن يكون بدلا من ﴿سَيَحْلِفُونَ﴾ أو حالا بمعنى: مهلكين. ويحتمل أن يكون حالا من قوله: ﴿لَخَرَجْنا﴾ أي لخرجنا معكم، وإن أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما نحملها من المسير في تلك المشقة. ﴿أَنْ يُجاهِدُوا﴾ في موضع نصب بإضمار: في، وقيل: التقدير كراهية أن يجاهدوا، مثل: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦/ ٤]. البلاغة: ﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ استعار الشقة للمسافة الطويلة البعيدة الشاقة. ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾ كناية عن خطئه في الإذن؛ لأن العفو يعقب الخطأ، وهو خبر قصد به تقديم المسرة على المضرة، وإن من لطف الله بالنبي أن بدأه بالعفو قبل العتاب. ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ بيان لما كني عنه بالعفو، ومعناه: مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك وهلا استأنيت بالإذن؟ المفردات اللغوية: ﴿لَوْ كانَ﴾ ما دعوتهم إليه من الخروج للجهاد ﴿عَرَضاً﴾ متاعا من الدنيا قريبا سهل المأخذ، أو ما يعرض من منافع الدنيا، ويكون غنيمة قريبة ﴿سَفَراً قاصِداً﴾ أي سهلا لا عناء فيه ولا مشقة، أي وسطا معتدلا ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ طلبا للغنيمة ﴿الشُّقَّةُ﴾ المسافة البعيدة التي تحتاج لعناء ومشقة ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ إذا رجعتم إليهم ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾ الخروج ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بالحلف الكاذب ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾ العفو: التجاوز عن الخطأ وترك المؤاخذة عليه ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في التخلف ﴿وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شكت قلوبهم في الدين ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ يتحيرون. سبب النزول: نزول الآية (٤٣): ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن عمرو بن ميمون الأزدي قال: اثنتان فعلهما رسول الله ﵌ لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذ

стр. 3137

الفداء من الأسارى، فأنزل الله: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ، لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. وهذا مروي أيضا عن قتادة. قال بعض العلماء: إنما بدر منه ترك الأولى، فقدّم الله العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب. وهو عتاب تلطف؛ إذ قال: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾. وكان ﵌ أذن من غير وحي نزل فيه. المناسبة: بعد أن بالغ الله تعالى في ترغيب المؤمنين في الجهاد في سبيل الله، ووبخ المتثاقلين عنه بقوله: ﴿ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ: اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ عاد إلى تقرير كونهم متثاقلين، وبيّن أن أقواما، مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد، تخلفوا عن غزوة تبوك، وأما الأكثر فكان يلبي نداء الجهاد بسرعة ونشاط؛ لأنهم ينتظرون إحدى الحسنيين: إما الشهادة، وإما النصر. فهذه الآيات نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وهي أول ما نزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال، لذا سميت سورة براءة كما بينت آنفا «الفاضحة» لأنها فضحت أحوال المنافقين، قال ابن عباس: لم يكن رسول الله ﵌ يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة أي لم يعرف شؤونهم مفصلة، فلما رجع من غزوة تبوك أظهر الله نفاق قوم. التفسير والبيان: وبخ الله تعالى في هذه الآيات المتخلفين عن غزوة تبوك، الذين استأذنوا

стр. 3138

النبي ﵌ في التخلف، مظهرين أنهم ذوو أعذار، ولم يكونوا كذلك، فقال: ﴿لَوْ كانَ عَرَضاً..﴾ .. أي لو كان الأمر الذي دعوتهم إليه غنيمة أو منفعة قريبة المنال، أو سفرا سهلا قريبا لا عناء فيه، لاتبعوك أي لجاؤوا معك، وسارعوا إلى الذهاب، ولكنهم تخلفوا حينما رأوا أن السفر شاق إلى مسافة بعيدة إلى الشام، وأن القتال لأكبر قوة في العالم وهم الروم حينذاك، فآثروا الجبن والراحة والسلامة، والتفيؤ في الظلال وقت الحر والقيظ، فدل ذلك على انهم جماعة نفعيون ماديون دنيويون، كما قال ﵌ في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا-أي عظما عليه لحم-سمينا أو مرماتين (١) حسنتين، لشهد العشاء» أي لو علم أحدهم أنه يجد شيئا ماديا حاضرا معجّلا يأخذه، لأتى المسجد من أجله. ثم أخبر الله تعالى عن شيء سيقع منهم فقال: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ أي سيقسمون بالله اليمين الكاذبة عند رجوعك من غزوة تبوك، كما قال: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٩٤/ ٩] ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة ٩٦/ ٩] قائلين: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾، أي لو لم يكن لنا أعذار لخرجنا معكم. ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ في العذاب باليمين الكاذبة أو بالكذب والنفاق، كما قال النبي ﵌ فيما رواه خيثمة بن سليمان: «اليمين الغموس تدع الديار بلاقع». ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ، إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في الاعتذار والاعتلال وحلفهم بالله، وقولهم: لو استطعنا الخروج لخرجنا معكم، فإنهم لم يكونوا ذوي أعذار، وإنما كانوا أقوياء الأجسام، وأصحاب يسار. قال قتادة: لقد كانوا يستطيعون الخروج، ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم وزهادة في الجهاد.

стр. 3139

ثم عاتب الله نبيه ﵌ في إذنه لطائفة ممن تخلف من هؤلاء المنافقين، فقال: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ..﴾. أي سامحك الله بإذنك لهم، لم أذنت لهم بالتخلف، وهلا استأنيت بالإذن وتوقفت عنه حتى تظهر لك الحقيقة، ويتبين لك الفريقان: الذين صدقوا، والذين كذبوا في إبداء الأعذار، وهلا تركتهم لما استأذنوك لتعلم الصادق منهم من الكاذب، فإنهم كانوا مصرين على التخلف وإن لم تأذن لهم فيه. على أن الله كره انبعاثهم، وكان في خروجهم ضرر وخطر على المسلمين. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول الله ﵌، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. لهذا أخبر الله تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو أحد يؤمن بالله ورسوله، فقال: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ..﴾. أي لا يستأذنك في القعود عن الغزو المؤمنون بالله واليوم الآخر في أن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، بل يقدمون على الجهاد من غير استئذان؛ لأنهم يرون أن الجهاد قربة وسبيل إلى الجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحجرات ١٥/ ٤٩]. فليس من شأن المؤمنين ولا من عادتهم أن يستأذنوك في الجهاد، وكان أكابر المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي ﵌ في الجهاد، فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى، فأي فائدة في الاستئذان؟ والله عليم بالمتقين خبير بمن خافه فاتقاه، باجتناب ما يسخطه، وفعل ما يرضيه. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال فيما رواه مسلم وابن ماجه عن

стр. 3140

أبي هريرة: «من خير معاش الناس لهم: رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعا، طار على متنه، يبتغي القتل والموت في مظانّه...» أي خير أعمال الرجل إعداد فرسه في سبيل الله، كلما سمع صيحة لقتال أو دعوة لجهاد، أقدم قاصدا الاستشهاد في المواضع التي يظن فيها ذلك. وإذا كان أهل الإيمان لا يستأذنون للجهاد عادة، فإن الذي يستأذنك في التخلف عن الجهاد من غير عذر، إنما هم المنافقون الذين لا يصدّقون بالله واليوم الآخر، ولا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم، وشكّت قلوبهم في صحة ما جئتم به، فهم في شكهم أو ريبهم يتحيرون، ليس لهم ثبات على شيء، فهم قوم حيارى هلكى. روي أن عدد هؤلاء كان تسعة وثلاثين رجلا. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: ١ - إن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك، كما قال ﵌ في الحديث المتقدم عن خيثمة بن سليمان: «اليمين الغموس تدع الديار بلاقع». ٢ - الجهاد يتطلب التضحية والإيمان، للتغلب على أهواء النفس، وميلها إلى حب المنافع المادية العاجلة، وإيثارها على الباقي الدائم الخالد. ٣ - القرآن معجز لأسباب كثيرة منها إخباره عن المغيبات في المستقبل، مثل إخباره تعالى هنا أنهم سيحلفون، والأمر لما وقع كما أخبر، كان هذا إخبارا عن الغيب، فكان معجزا. ٤ - كان تقديم العفو على العتاب واللوم بالإذن للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك لطفا عظيما من الله برسوله، ومبالغة في تعظيمه وتوقيره، وهو أخف من

стр. 3141

العتاب على قبوله مفاداة أسرى بدر، الذي صدر بتقرير حازم صارم في قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ [الأنفال: ٦٧/ ٨]. أما ما احتج به بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب عن الرسول من وجهين: الأول-إصدار العفو، والعفو يستدعي سابقة الذنب، والثاني-الاستفهام الإنكاري في قوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ فيجاب عن الأول بأنا لا نسلم أن قوله: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾ يوجب الذنب، وإنما ذلك دليل على مبالغة الله في تعظيم نبيه وتوقيره. ويجاب عن الثاني بأنه بعد حصول العفو عنه يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، ويحمل قوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ على ترك الأولى والأكمل، لا سيما وهذه الوقعة من قضايا الحرب ومصالح الدنيا التي يجوز للنبي ﵌ الاجتهاد فيها اتفاقا، فكان ما حكم به صادرا بمقتضى الاجتهاد. ٥ - دل قوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ.﴾. على وجوب الاحتراز عن العجلة، ووجوب التثبت والتأني، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص والتريث. ٦ - قال قتادة: عاتبه الله كما تسمعون في هذه الآية، ثم رخص له في سورة النور، فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [٦٢]. ٧ - لا ينبغي الاستئذان في أداء شيء من الواجبات، وفضائل العادات مثل إكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، وفعل المعروف، قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ، أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء ١١٤/ ٤]. ٨ - المنافقون غير مؤمنين بالله ورسوله واليوم الآخر، وعدم إيمانهم إنما كان بسبب الشك والريب، لا بسبب الجزم والقطع بعدمه، وهذا يدل على أن الشاك المرتاب غير مؤمن بالله تعالى.

стр. 3142

٩ - قوله: ﴿أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ دليل على أن الجهاد نوعان: جهاد بالمال وجهاد بالنفس. والجهاد بالمال له وجهان: إنفاق المال في التسليح والإعداد المادي الذي تتطلبه المعارك عادة، وإنفاق المال على المجاهدين وأسرهم وإعانتهم بالزاد والعتاد. والجهاد بالنفس أنواع منها: مباشرة القتال بالفعل وهو الأفضل، ومنها التحريض على القتال والأمر به، ومنها الإخبار بعورات العدو ومواطن الضعف لديه، والإرشاد إلى مكايد الحرب، وتنبيه المسلمين إلى الأولى والأصلح في أمر الحروب، كما قال الحباب بن المنذر حين نزل النبي ﵌ ببدر، فقال: يا رسول الله، أهذا رأي رأيته أم وحي؟ فقال: بل رأي رأيته، قال: فإني أرى أن تنزل على الماء وتجعله خلف ظهرك، وتغوّر الآبار التي في ناحية العدو، ففعل النبي ﵌ ذلك. ومنها بيان ما افترض الله من الجهاد وذكر الثواب الجزيل لمن قام به والعقاب لمن قعد عنه. وأي الجهادين أفضل، أجهاد النفس والمال، أم جهاد العلم؟ الحقيقة أن جهاد العلم أصل، وجهاد النفس فرع، والأصل أولى بالتفضيل من الفرع. فإذا كان النفير عاما: تعين فرض الجهاد على كل أحد، فيكون الاشتغال في هذه الحال بالجهاد أفضل من تعلم العلم؛ لأن ضرر العدو إذا وقع بالمسلمين لم يمكن تلافيه، وتعلم العلم ممكن في سائر الأحوال، ولأن تعلم العلم فرض على الكفاية، لا على كل أحد في خاصة نفسه. وأما إذا لم يكن النفير عاما: ففرض الجهاد على الكفاية، مثل تعلم العلم، إلا أن الاشتغال بالعلم في هذه الحال أولى وأفضل من الجهاد، لعلو مرتبة العلم على مرتبة الجهاد؛ لأن ثبات الجهاد بثبات العلم، ولأن الجهاد فرع عن العلم ومبني عليه (١).

стр. 3143

ويجوز الجهاد وإن كان أمير الجيش فاسقا، وجنوده فساقا، وقد كان أصحاب النبي ﵌ يغزون بعد الخلفاء الأربعة مع الأمراء الفساق، وقد غرا أبو أيوب الأنصاري مع يزيد بن أبي سفيان. وإذا جاهد الفساق فهم مطيعون في ذلك. ثم إن الجهاد نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو رأينا فاسقا يأمر بمعروف وينهى عن منكر، كان علينا معاونته على ذلك، فكذلك الجهاد (١). الدليل على تخلف المنافقين بغير عذر وخطر خروجهم للقتال ﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ اِبْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨)﴾ الإعراب: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الواو في ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾. و ﴿الْفِتْنَةَ﴾: مفعول به ثان. البلاغة: ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ و ﴿اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ الأصل: ولأوضعوا ركائبهم بينكم بالنميمة، والتضرية أو الهزيمة، أو

стр. 3144

لسعوا بينكم بالنمائم وإفساد ذات البين، يقال: وضع البعير وضعا: إذا أسرع، وأوضعته أنا. فيه استعارة تبعية حيث شبه سرعة إفسادهم ذات البين بالنميمة بسرعة سير الراكب، ثم أستعير لها الإيضاع وهو للإبل. المفردات اللغوية: ﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ﴾ معك ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أهبة من السلاح والزاد، فالعدة: هي ما يعده الإنسان ويهيئه لما يفعله في المستقبل، وهو نظير الأهبة ﴿وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ استدراك عن مفهوم قوله: ﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ﴾ كأنه قال: ما خرجوا، ولكن تثبطوا، لأنه تعالى كره انبعاثهم، أي نهوضهم للخروج ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ فحبسهم وعوقهم بالجبن والكسل ﴿وَقِيلَ:﴾ ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ تمثيل لإلقاء الله كراهة الخروج في قلوبهم، أو وسوسة الشيطان بالأمر بالقعود، أو حكاية قول بعضهم لبعض، أو إذن الرسول لهم، والقاعدين يحتمل المعذورين وغيرهم، وعلى الوجهين لا يخلو عن ذم ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ﴾ بخروجهم شيئا ﴿إِلاّ خَبالاً﴾ فسادا وشرا ونميمة وزرع الاختلاف، وأصل الخبال: مرض في العقل كالجنون، ينشأ عنه اضطراب في الرأي وفساد في العمل. وهذا ليس من الاستثناء المنقطع في شيء، كما يقولون؛ لأن الاستثناء المنقطع: هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيرا إلا خبالا، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعمّ العام الذي هو الشيء، فكان استثناء متصلا؛ لأن الخبال بعض أعم العام، كأنه قيل: ما زادوكم شيئا إلا خبالا. ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ أسرعوا بالمشي بينكم بالنميمة ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم أو الرعب في قلوبكم، و ﴿الْفِتْنَةَ﴾: التشكيك في الدين والتخويف من الأعداء. وخلال الأشياء: ما يفصل بينها من الفرجة ونحوها. ﴿وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي فيكم قوم ضعاف يسمعون قول المنافقين ويطيعونهم، أو فيكم نمامون يسمعون حديثكم وينقلونه إليهم ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي لقد طلبوا وأرادوا لك تشتيت أمرك وتفريق أصحابك من قبل، أول ما قدمت المدينة، يعني يوم أحد، فإن عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين، كما تخلفوا عن تبوك، بعد ما خرجوا مع الرسول ﵌ إلى ذي جدّة أسفل من ثنية الوداع (١)، انصرفوا يوم أحد ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أجالوا الفكر في تدبير المكايد والحيل لك، ونظروا في إبطال دينك وأمرك ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ﴾ النصر والتأييد الإلهي ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾ علا دينه وغلب شرعه ﴿وَهُمْ كارِهُونَ﴾ أي على رغم منهم.

стр. 3145

المناسبة: بعد ما ذكر الله تعالى أن استئذان المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك كان بغير عذر، وأنهم أرادوا التخلف ثم استأذنوا سترا لنفاقهم، أقام الدليل هنا على ذلك وهو تركهم الاستعداد للمشاركة في هذه الغزوة، وأوضح أن خروجهم مع الرسول ﵌ ما كان مصلحة، وإنما يؤدي إلى مفاسد ثلاثة: هي الإفساد والشر، وتفريق كلمة المؤمنين بالنميمة، والتسبب في سماع بعض ضعفاء الإيمان كلامهم وقبول قولهم. فكانت الآية الأولى فضحا لاعتذارهم ونفاقهم، والآيتان الآخريان لتسلية الرسول ﵌ والمؤمنين على تخلفهم، وبيان ما ثبطهم الله لأجله، وكره انبعاثهم له، وهتك أستارهم، وكشف أسرارهم، وإزاحة اعتذارهم، تداركا لأسباب عتاب الرسول ﵊ على الإذن. والخلاصة: تستمر الآيات في توضيح قبائح المنافقين، وبيان أخطارهم، وتحذير المؤمنين من مكائدهم. التفسير والبيان: ولو قصدوا الخروج معك إلى القتال لاستعدوا وتأهبوا له بإعداد السلاح والزاد والراحلة ونحوها، وقد كانوا مستطيعين ذلك، و ﴿لكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ﴾، أي أبغض الله خروجهم مع المؤمنين، لما فيه من أضرار، فثبطهم أي أخرهم بما أحدث في قلوبهم من المخاوف، وفي نفوسهم من الكسل والفتور، وقيل لهم من الرسول ﵌: اقعدوا مع القاعدين من النساء والأطفال والمرضى والعجزة الذين شأنهم القعود في البيوت، كما قال تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ [التوبة ٨٧/ ٩] وهم القاعدون والخالفون.

стр. 3146

ثم ألقى الله الطمأنينة في نفوس المؤمنين، وبيّن أن عدم خروجهم مصلحة للجيش، إذ لو خرج هؤلاء المنافقون ما زادوكم شيئا من القوة والمنعة، بل زادوكم اضطرابا في الرأي وفسادا في العمل والنظام، ولأسرعوا بالسعي بينكم بالنميمة والبغضاء، وتفريق الكلمة، وبذر بذور التفرقة والاختلاف، وإشاعة الخوف والأراجيف من الأعداء، وتثبيط الهمة. علما بأن فيكم قوما ضعاف العقل والإيمان والعزيمة يسمعون كلامهم، ويصدقونهم في قولهم، ويطيعونهم، فتفتر عزائمهم عن القيام بأمر الجهاد، وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. والله عليم علم إحاطة بأحوال الظالمين الظاهرة والباطنة، فهو يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن، ومجازيهم على أعمالهم كلها. وفي هذا دلالة واضحة على أن خروجهم شر لا خير فيه، وضعف لا قوة. ثم ذكّر الله تعالى بموقفهم المتخاذل في الماضي، وحرّض نبيه ﵌ على مهادنة المنافقين، فقال تعالى ذاكرا نوعا آخر من مكر المنافقين وخبث باطنهم: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ..﴾. أي لقد أرادوا إيقاع الفتنة بين المسلمين من قبل ذلك، في غزوة أحد، حين اعتزلهم عبد الله بن أبي زعيم المنافقين بثلث الجيش، في موضع يسمى الشوط بين المدينة وأحد، ثم قال للناس: أطاع النبي الولدان ومن لا رأي له، فعلام نقتل أنفسنا؟ وكاد يتبعه بنو سلمة وبنو حارثة، ولكن عصمهم الله من الهوان: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا، وَاللهُ وَلِيُّهُما..﴾. [آل عمران ١٢٢/ ٣] فكان خروجهم مع المؤمنين خطرا عليهم، وشرا محققا بهم. وأرادوا أيضا تدبير الحيل والمكايد للنبي، وفكروا في إبطال أمره، حتى جاء النصر والتأييد، وظهر أمر الله، أي وغلب دينه وعلا شرعه، بالتنكيل باليهود، وإبطال الشرك بفتح مكة، وانتشار الإسلام، وهم كارهون لذلك.

стр. 3147

قال ابن كثير: لما قدم النبي ﵌ المدينة، رمته العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر، وأعلى كلمته، قال عبد الله بن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه (أي أقبل). فدخلوا في الإسلام ظاهرا، ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله، غاظهم ذلك وساءهم، ولهذا قال تعالى: ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ، وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ، وَهُمْ كارِهُونَ﴾ (١). فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: ١ - ترك المنافقين الاستعداد للمعركة دليل واضح على أنهم أرادوا التخلف، سواء أذن لهم النبي ﵌ أو لم يأذن، مع أنهم كانوا موسرين قادرين على تحصيل الأهبة والعدة. ٢ - إن لوم هؤلاء على ترك الإعداد للقتال يدل على وجوب الاستعداد للجهاد قبل وقت وقوعه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال ٦٠/ ٨]. ٣ - لم تكن مشاركة المنافقين وخروجهم للقتال مع المؤمنين في غزوة تبوك وغيرها خيرا ومصلحة، وإنما كانت شرا ومفسدة، وقد شرح تعالى المفاسد وحصرها في ثلاث: إفساد النظام والعمل، وتفريق كلمة المسلمين بالنميمة، واستدراج فئة من ضعاف الإيمان والعقل والحزم إلى صفوفهم وسماع كلامهم. ثم تأكد ذلك بآيات أخرى، منها: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ، فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ، فَقُلْ: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً﴾ [التوبة ٨٣/ ٩] ومنها:

стр. 3148

﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ﴾ -إلى قوله- ﴿قُلْ: لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ [الفتح ١٥/ ٤٨]. ٤ - كراهية انبعاثهم: معناها إرادة الله عدم ذلك الشيء (١)، أي عدم خروجهم؛ لأن خروجهم يؤدي إلى الفساد وتخذيل المسلمين وتخويفهم من العدو وإثارة الخلافات والمنازعات، والخروج على هذا النحو معصية وكفر، فكرهه الله تعالى وثبطهم عنه، إذ كان معصية، والله لا يحب الفساد (٢). ٥ - المقصود من قوله: ﴿اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ التنبيه على ذمهم وإلحاقهم بالنساء والصبيان والعاجزين الذين شأنهم القعود في البيت، وهم القاعدون والقواعد، والخالفون والخوالف. ٦ - لن تفلح مكائد البشر من منافقين ويهود ومشركين وغيرهم، ولن تقف أي قوة في الدنيا أمام إرادة الله القاهرة إعلاء دينه، وغلبة شرعه، ونصرة نبيه ﵌. انتحال المنافقين أعذارا أخرى للتخلف عن غزوة تبوك وفرحهم عند السيئة التي تصيب المؤمنين وترحهم عند الحسنة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾

стр. 3149

الإعراب: ﴿أَلا﴾ للتنبيه وافتتاح الكلام. البلاغة: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ..﴾. فيها المقابلة بين أمرين. ﴿إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا﴾ اللام هنا مفيدة معنى الاختصاص، كأنه قيل: لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله بإثباته وإيجابه من النصرة عليكم أو الشهادة. ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ تقديم الجار والمجرور على الفعل لإفادة القصر، وإظهار لفظ الجلالة مكان الإضمار لتربية المهابة والخوف منه تعالى. ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا﴾ اللفظ استفهام، والمعنى توبيخ. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أمر يراد به التهديد والوعيد. المفردات اللغوية: ﴿اِئْذَنْ لِي﴾ في التخلف والقعود ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي، فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت. وقيل: ولا تلقني في الهلكة، فإني إذا خرجت معك، هلك مالي وعيالي. ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي إن الفتنة هي التي وقعوا فيها وهي فتنة التخلف ﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ يعني أنها تحيط بهم يوم القيامة، أو هي محيطة بهم؛ لأن أسباب الإحاطة معهم، فكأنهم في وسطها، والمعنى: لا محيص ولا مهرب لهم عنها.

стр. 3150

﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أي إن تصبك في بعض الغزوات حسنة كنصر وغنيمة ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ نكبة وشدة ﴿يَقُولُوا: قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي لقد احتطنا بالحزم حين تخلفنا من قبل هذه المصيبة ﴿فَرِحُونَ﴾ بما أصابك ﴿ما كَتَبَ اللهُ لَنا﴾ إصابته ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ ناصرنا ومتولي أمورنا ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا﴾ أي تنتظرون أن يقع، والأصل: تتربصون، فحذفت إحدى التاءين. ﴿إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ إلا إحدى العاقبتين: النصر أو الشهادة، وهي تثنية حسنة تأنيث أحسن ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ ننتظر ﴿بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ بقارعة من السماء ﴿أَوْ بِأَيْدِينا﴾ بأن يؤذن لنا في القتال ﴿مُتَرَبِّصُونَ﴾ عاقبتكم. سبب النزول: نزول الآية (٤٩): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: اِئْذَنْ لِي﴾: أخرج الطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: لما أراد النبي ﵌ أن يخرج إلى غزوة تبوك قال للجدّ بن قيس: يا جدّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي، ولا تفتني، فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ أي لا تفتني بصباحة وجوههن. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله مثله، وعبارته قال للجدّ بن قيس: يا جدّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال: الأصفر؟ قال جدّ، وكان من شيوخ المنافقين: أتأذن لي يا رسول الله، فإني رجل أحبّ النساء، وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن، فقال رسول الله ﵌، وهو معرض عنه: قد أذنت لك، فنزلت الآية. ولما نزلت قال النبي ﵌ لبني سلمة-وكان الجد بن قيس منهم- «من سيدكم يا بني سلمة؟» قالوا: جدّ بن قيس، غير أنه بخيل جبان. فقال النبي

стр. 3151

صلّى الله عليه وآله وسلم: وأي داء أدوى (١) من البخل؟ بل سيدكم الفتى الأبيض بشر بن البراء بن معرور. نزول الآية (٥٠): ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة، يخبرون عن النبي ﵌ أخبار السوء، يقولون: إن محمدا وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم تكذيب حديثهم، وعافية النبي ﵌ وأصحابه، فساءهم ذلك، فأنزل: «﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾» الآية. المناسبة: الآيات السابقة واللاحقة في تعداد قبائح المنافقين، وبيان نوع آخر من كيدهم ومن خبث بواطنهم، وشماتتهم بالمؤمنين إذا أصيبوا بمصيبة، وترحهم إذا تعرضوا لحسنة. التفسير والبيان: ومن المنافقين من يقول لك: يا محمد ائذن لي في القعود والتخلف عن القتال، ولا توقعني في الإثم والهلاك بالخروج معك، حتى لا أفتتن بنساء الروم، منتحلين الأعذار الواهية، مظهرين التمسك بالفضيلة، فيرد الله عليهم مكذبا دعواهم، كاشفا حقيقتهم فقال: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي إنهم بهذه المقالة وقعوا فعلا في الفتنة، حين انتحلوا الأعذار الكاذبة، وقعدوا عن الجهاد، فقوله: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي في الإثم والمعصية وقعوا.

стр. 3152

وإن نار جهنم لمحيطة بهم، لا يجدون عنها محيدا ولا محيصا ولا مهربا. وهذا وعيد شديد لهم بأنهم أهل جهنم؛ لكثرة خطاياهم، كما قال تعالى: ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً، وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة ٨١/ ٢]. ثم ذكر الله تعالى نوعا آخر من كيد المنافقين وخبث باطنهم، معلما نبيه ﵌ بعداوتهم، فقال: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ..﴾. أي إن عرضت لك في بعض الغزوات حسنة، أي فتح ونصر وغنيمة، كيوم بدر، ساءهم ذلك؛ وإن أصابتك مصيبة، أي نكبة وشر وشدة كانهزام وتراجع في معركة، كما حدث يوم أحد، قالوا: قد اتخذنا ما يلزم من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم، واحترزنا من متابعته من قبل هذا الذي وقع، إذ تخلفنا عن القتال، ولم نتعرض للهلاك؛ لأنا متوقعون هذه الهزيمة، وانصرفوا إلى أهاليهم عن موضع التحدث والمفاخرة بآرائهم هذه، وهم مسرورون للنتيجة. والحسنة: ما يسرّ النفس حصوله، والسيئة: ما يسوء النفس وقوعه. فأرشد الله تعالى رسوله إلى إجابتهم عن هذا الموقف الشامت فقال: قل لهم: لن يصيبنا أبدا إلا ما كتب وخطّ لنا في اللوح المحفوظ، فنحن تحت مشيئته وقدره، هو مولانا، أي ناصرنا ومتولي أمورنا ونتولاه، كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد ١١/ ٤٧] فكل ما كتب لنا هو الخير والصلاح. وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون، أي ونحن متوكلون عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وحق المؤمنين ألا يتوكلوا على غير الله، فليفعلوا ما هو حقهم، ومن حقهم اتخاذ ما يجب من أسباب النصر المادية والمعنوية، كإعداد العدة

стр. 3153

اللازمة، وتوقي كل المنازعات التي تؤدي الى الفشل وتفرق الكلمة. والتوكل: تفويض الأمر إلى الله، بعد اتخاذ الأسباب المطلوبة عادة. ثم أرشد الله تعالى إلى جواب ثان عن فرح المنافقين بمصائب المؤمنين، فقال: ﴿قُلْ: هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ أي قل لهم يا محمد: هل تنتظرون بنا إلا إحدى العاقبتين الحسنتين: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والثواب العظيم، فإن عشنا عشنا أعزة كراما مؤمنين، وإن متنا متنا شهداء مأجورين. أما نحن فننتظر بكم إحدى السوأتين من العواقب: إما ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾، وهو قارعة من السماء، كما نزلت على عاد وثمود، أو بعذاب بأيدينا وهو السبي أو القتل على الكفر أو الإذن لنا في قتالكم، فانتظروا بنا ما ذكرنا من عواقبنا، إنا معكم منتظرون ما هو عاقبتكم، فلا بد أن يلقى كلنا ما يتربصه، لا يتجاوزه، فنحن على بيّنة من ربنا، ولا بينة لكم، لا تشاهدون إلا ما يسرّنا، ولا نشاهد إلا ما يسوؤكم، وانتظروا أنتم مواعد الشيطان، إنا منتظرون مواعد الله. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن الأعذار الكاذبة لا تخفى على الله المطلع على الغيوب وأسرار النفوس وخفايا ما في الصدور، فلا يغترن أحد بذكائه وفطنته في تعمية الحقائق، فإن الله كاشف كل شيء، ولكن المنافقين قوم أغرار جاهلون لا يعلمون هذه الحقيقة. ٢ - المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله ﵌ في الخروج معه إلى غزوة تبوك هم الواقعون في الإثم والمعصية. قال أهل المعاني في قوله: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾: فيه تنبيه على أن من عصى الله لغرض ما، فإنه تعالى يبطل عليه

стр. 3154

ذلك الغرض، ألا ترى أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة، فالله تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ساقطون. ٣ - المنافقون حصب جهنم وهم لها واردون، وهي تحيط بهم إحاطة شاملة، لا يفلت من حرها أحد منهم يوم القيامة. وقد عبر قوله تعالى عن ذلك: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ وأفاد التعبير أنهم كانوا في أشد الخوف على أنفسهم وأموالهم وأولادهم بسبب تزايد دولة الإسلام واستعلائها وامتدادها، والخوف الشديد مع الجهل الشديد أعظم العقوبات الروحانية، كما قال الرازي (١). ٤ - هناك نوع آخر من كيد المنافقين وخبث بواطنهم، وهو إساءتهم إن أصاب المؤمنين في بعض المعارك حسنة كظفر أو غنيمة، وفرحهم إن أصاب المؤمنين سيئة من نكبة وشدة ومصيبة ومكروه، ثم قولهم: قد أخذنا أمرنا الذي نحن مشهورون به، وهو الحذر والتيقظ والعمل بالحزم، من قبل وقوع ما وقع، ثم توليهم عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم، وهم فرحون مسرورون. ٥ - كان الرد الحاسم الأول على كل تلك المكائد: أنه لن يصيب الإنسان خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء، ولا شدة ولا رخاء، إلا وهو مقدر عليه مكتوب عند الله، معلوم لله، مقضي به عند الله تعالى. وهذا دليل في رأي أهل السنة على أن قضاء الله شامل لكل المحدثات، وأن تغير الشيء عما قضي الله به محال. ويؤكد مضمون الآية قوله ﵌: «من علم سر الله في القدر، هانت عليه المصائب».

стр. 3155

٦ - التوكل على الله بمعنى تفويض الأمر إليه بعد اتخاذ الأسباب من أصول الإيمان. ٧ - الجواب الثاني الحاسم عن فرح المؤمنين بمصائب المؤمنين: أن المؤمنين ينتظرون إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وأما المنافقون فينتظرون إحدى السوأتين: العذاب الإلهي بالإهلاك الشامل في الدنيا كما عذبت الأمم الخالية، كعاد وثمود، أو العذاب على أيدي المؤمنين بالقتل أو غيره. إحباط ثواب المنافقين على نفقاتهم وصلواتهم وتعذيبهم في الدنيا والآخرة ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥)﴾ الإعراب: ﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ نصب على الحال، أي طائعين أو مكرهين. ﴿أَنْ تُقْبَلَ﴾ فاعل منع، والضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ و ﴿أَنْ تُقْبَلَ﴾: مفعولا منع. ﴿وَهُمْ كُسالى﴾ مبتدأ وخبر، والجملة حالية.
следующие страницы →