← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

صلّى الله عليه وآله وسلم: وأي داء أدوى (١) من البخل؟ بل سيدكم الفتى الأبيض بشر بن البراء بن معرور. نزول الآية (٥٠): ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة، يخبرون عن النبي ﵌ أخبار السوء، يقولون: إن محمدا وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم تكذيب حديثهم، وعافية النبي ﵌ وأصحابه، فساءهم ذلك، فأنزل: «﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾» الآية. المناسبة: الآيات السابقة واللاحقة في تعداد قبائح المنافقين، وبيان نوع آخر من كيدهم ومن خبث بواطنهم، وشماتتهم بالمؤمنين إذا أصيبوا بمصيبة، وترحهم إذا تعرضوا لحسنة. التفسير والبيان: ومن المنافقين من يقول لك: يا محمد ائذن لي في القعود والتخلف عن القتال، ولا توقعني في الإثم والهلاك بالخروج معك، حتى لا أفتتن بنساء الروم، منتحلين الأعذار الواهية، مظهرين التمسك بالفضيلة، فيرد الله عليهم مكذبا دعواهم، كاشفا حقيقتهم فقال: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي إنهم بهذه المقالة وقعوا فعلا في الفتنة، حين انتحلوا الأعذار الكاذبة، وقعدوا عن الجهاد، فقوله: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي في الإثم والمعصية وقعوا.

стр. 3152

وإن نار جهنم لمحيطة بهم، لا يجدون عنها محيدا ولا محيصا ولا مهربا. وهذا وعيد شديد لهم بأنهم أهل جهنم؛ لكثرة خطاياهم، كما قال تعالى: ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً، وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة ٨١/ ٢]. ثم ذكر الله تعالى نوعا آخر من كيد المنافقين وخبث باطنهم، معلما نبيه ﵌ بعداوتهم، فقال: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ..﴾. أي إن عرضت لك في بعض الغزوات حسنة، أي فتح ونصر وغنيمة، كيوم بدر، ساءهم ذلك؛ وإن أصابتك مصيبة، أي نكبة وشر وشدة كانهزام وتراجع في معركة، كما حدث يوم أحد، قالوا: قد اتخذنا ما يلزم من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم، واحترزنا من متابعته من قبل هذا الذي وقع، إذ تخلفنا عن القتال، ولم نتعرض للهلاك؛ لأنا متوقعون هذه الهزيمة، وانصرفوا إلى أهاليهم عن موضع التحدث والمفاخرة بآرائهم هذه، وهم مسرورون للنتيجة. والحسنة: ما يسرّ النفس حصوله، والسيئة: ما يسوء النفس وقوعه. فأرشد الله تعالى رسوله إلى إجابتهم عن هذا الموقف الشامت فقال: قل لهم: لن يصيبنا أبدا إلا ما كتب وخطّ لنا في اللوح المحفوظ، فنحن تحت مشيئته وقدره، هو مولانا، أي ناصرنا ومتولي أمورنا ونتولاه، كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد ١١/ ٤٧] فكل ما كتب لنا هو الخير والصلاح. وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون، أي ونحن متوكلون عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وحق المؤمنين ألا يتوكلوا على غير الله، فليفعلوا ما هو حقهم، ومن حقهم اتخاذ ما يجب من أسباب النصر المادية والمعنوية، كإعداد العدة

стр. 3153

اللازمة، وتوقي كل المنازعات التي تؤدي الى الفشل وتفرق الكلمة. والتوكل: تفويض الأمر إلى الله، بعد اتخاذ الأسباب المطلوبة عادة. ثم أرشد الله تعالى إلى جواب ثان عن فرح المنافقين بمصائب المؤمنين، فقال: ﴿قُلْ: هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ أي قل لهم يا محمد: هل تنتظرون بنا إلا إحدى العاقبتين الحسنتين: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والثواب العظيم، فإن عشنا عشنا أعزة كراما مؤمنين، وإن متنا متنا شهداء مأجورين. أما نحن فننتظر بكم إحدى السوأتين من العواقب: إما ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾، وهو قارعة من السماء، كما نزلت على عاد وثمود، أو بعذاب بأيدينا وهو السبي أو القتل على الكفر أو الإذن لنا في قتالكم، فانتظروا بنا ما ذكرنا من عواقبنا، إنا معكم منتظرون ما هو عاقبتكم، فلا بد أن يلقى كلنا ما يتربصه، لا يتجاوزه، فنحن على بيّنة من ربنا، ولا بينة لكم، لا تشاهدون إلا ما يسرّنا، ولا نشاهد إلا ما يسوؤكم، وانتظروا أنتم مواعد الشيطان، إنا منتظرون مواعد الله. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن الأعذار الكاذبة لا تخفى على الله المطلع على الغيوب وأسرار النفوس وخفايا ما في الصدور، فلا يغترن أحد بذكائه وفطنته في تعمية الحقائق، فإن الله كاشف كل شيء، ولكن المنافقين قوم أغرار جاهلون لا يعلمون هذه الحقيقة. ٢ - المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله ﵌ في الخروج معه إلى غزوة تبوك هم الواقعون في الإثم والمعصية. قال أهل المعاني في قوله: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾: فيه تنبيه على أن من عصى الله لغرض ما، فإنه تعالى يبطل عليه

стр. 3154

ذلك الغرض، ألا ترى أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة، فالله تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ساقطون. ٣ - المنافقون حصب جهنم وهم لها واردون، وهي تحيط بهم إحاطة شاملة، لا يفلت من حرها أحد منهم يوم القيامة. وقد عبر قوله تعالى عن ذلك: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ وأفاد التعبير أنهم كانوا في أشد الخوف على أنفسهم وأموالهم وأولادهم بسبب تزايد دولة الإسلام واستعلائها وامتدادها، والخوف الشديد مع الجهل الشديد أعظم العقوبات الروحانية، كما قال الرازي (١). ٤ - هناك نوع آخر من كيد المنافقين وخبث بواطنهم، وهو إساءتهم إن أصاب المؤمنين في بعض المعارك حسنة كظفر أو غنيمة، وفرحهم إن أصاب المؤمنين سيئة من نكبة وشدة ومصيبة ومكروه، ثم قولهم: قد أخذنا أمرنا الذي نحن مشهورون به، وهو الحذر والتيقظ والعمل بالحزم، من قبل وقوع ما وقع، ثم توليهم عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم، وهم فرحون مسرورون. ٥ - كان الرد الحاسم الأول على كل تلك المكائد: أنه لن يصيب الإنسان خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء، ولا شدة ولا رخاء، إلا وهو مقدر عليه مكتوب عند الله، معلوم لله، مقضي به عند الله تعالى. وهذا دليل في رأي أهل السنة على أن قضاء الله شامل لكل المحدثات، وأن تغير الشيء عما قضي الله به محال. ويؤكد مضمون الآية قوله ﵌: «من علم سر الله في القدر، هانت عليه المصائب».

стр. 3155

٦ - التوكل على الله بمعنى تفويض الأمر إليه بعد اتخاذ الأسباب من أصول الإيمان. ٧ - الجواب الثاني الحاسم عن فرح المؤمنين بمصائب المؤمنين: أن المؤمنين ينتظرون إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وأما المنافقون فينتظرون إحدى السوأتين: العذاب الإلهي بالإهلاك الشامل في الدنيا كما عذبت الأمم الخالية، كعاد وثمود، أو العذاب على أيدي المؤمنين بالقتل أو غيره. إحباط ثواب المنافقين على نفقاتهم وصلواتهم وتعذيبهم في الدنيا والآخرة ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥)﴾ الإعراب: ﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ نصب على الحال، أي طائعين أو مكرهين. ﴿أَنْ تُقْبَلَ﴾ فاعل منع، والضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ و ﴿أَنْ تُقْبَلَ﴾: مفعولا منع. ﴿وَهُمْ كُسالى﴾ مبتدأ وخبر، والجملة حالية.

стр. 3156

البلاغة: ﴿أَنْفِقُوا﴾: أمر في معنى الخبر، كقوله ﵎: ﴿قُلْ: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾. ﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿أَنْفِقُوا﴾ في طاعة الله كالجهاد ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ ما أنفقتموه ﴿إِنَّكُمْ﴾ تعليل لرد إنفاقهم ﴿فاسِقِينَ﴾ الفسق: التمرد والعتو ﴿كُسالى﴾ متثاقلون ﴿وَهُمْ كارِهُونَ﴾ النفقة؛ لأنهم يعدونها مغرما ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ أي لا تستحسن نعمنا عليهم، فهي استدراج ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أي أن يعذبهم ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بما يلقون في جمعها من المشقة وما فيها من المصائب ﴿وَتَزْهَقَ﴾ تخرج ﴿وَهُمْ كافِرُونَ﴾ فيعذبهم في الآخرة أشد العذاب. سبب النزول: نزول الآية (٥٣): ﴿قُلْ: أَنْفِقُوا﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: قال الجدّ بن قيس: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمالي، قال: ففيه نزلت: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ أي لقوله: أعينك بمالي. فهذه الآية نزلت في الجدّ بن قيس حين تخلف عن غزوة تبوك وقال لرسول الله ﵌: هذا مالي أعينك به، فاتركني. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى عاقبة المنافقين وهي العذاب في الدنيا والآخرة، أعقب ذلك ببيان أنهم وإن أتوا بشيء من أعمال البر كالإنفاق على الجهاد، فإنهم لا ينتفعون به في الآخرة؛ لأنهم يفعلونه رياء وسترا على نفاقهم من الفضيحة. والمقصود بيان أن أسباب العذاب في الدنيا والآخرة مجتمعة في حقهم، وأن

стр. 3157

أسباب الراحة والخير زائلة عنهم في الدنيا والآخرة، فأموالهم الكثيرة إنما هي عذاب لهم في الدارين. والآيات من [٤٢] وما بعد هذه الآية إلى الآية [٥٩] كلها في المنافقين، ثم جاءت آية مصارف الزكاة. التفسير والبيان: قل أيها النبي للمنافقين: مهما أنفقتم من نفقة في سبيل الله ووجوه البر طائعين أو مكرهين، لن يتقبل منكم؛ لأنكم كفرتم بالله ورسوله، وما زلتم في شك مما جاء به الرسول من الدين والجزاء على الأعمال في الآخرة، ولأنكم قوم فاسقون أي عتاة متمردون خارجون عن الإيمان، والأعمال إنما تصح بالإيمان، ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٢٧/ ٥] وقوله: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ.﴾. تعليل لرد إنفاقهم وعدم القبول منهم في الدنيا والآخرة: وهو أن عدم القبول معلل بكونهم فاسقين، أي كافرين. وقوله: ﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ معناه: طائعين من غير إلزام من الله ورسوله، أو ملزمين، أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم؛ لأن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون على الإنفاق، لما يرون من المصلحة فيه، أو مكرهين من جهتهم. وعدم القبول غير معلل بعموم كونه فسقا، بل بخصوص وصفه: وهو كون ذلك الفسق كفرا، لذا صرح الله تعالى في الآية التالية بذلك فقال: ﴿وَما مَنَعَهُمْ..﴾. أي وما منع قبول نفقاتهم إلا مجموع هذه الأمور الثلاثة: وهي الكفر بالله ورسوله، وعدم الإتيان بالصلاة إلا في حال الكسل، والإنفاق على سبيل الكراهية.

стр. 3158

فهم كفروا بالله ورسوله وبما جاء به، والأعمال إنما تصح بالإيمان، كما ذكرت، ولا يصلون إلا وهم متكاسلون؛ لأنهم لا يرجون بصلاتهم ثوابا، ولا يخشون بتركها عقابا، فهي ثقيلة عليهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ [البقرة ٤٥/ ٢]. ولا ينفقون نفقة في سبيل الجهاد وغيره إلا وهم كارهون لها، لا تطيب بها أنفسهم؛ لأنهم لا ينفقون لغرض الطاعة، بل رعاية للمصلحة الظاهرة، وسترا للنفاق، ويعدون الإنفاق مغرما وخسارة بينهم. وقد أخبر النبي ﵌ أن الله لا يمل حتى تملوا، وأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، فلهذا لا يقبل الله من هؤلاء المنافقين نفقة ولا عملا؛ لأنه إنما يتقبل من المتقين، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار. فلا تعجبك أيها النبي وأيها السامع أموالهم ولا أولادهم ولا سائر نعم الله عليهم، فإنما هي من أسباب المحن والآفات عليهم. والإعجاب بالشيء: السرور به مع التعجب والافتخار من حسنه، والاعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه. أما أموالهم في الدنيا فهي سبب لتعذيبهم بها حيث يتعبون في جمعها، ويصحبها الهم والقلق، ثم ينفقونها كارهين في الجهاد والزكاة وفي سبيل الله وتقوية المسلمين، وكذلك أولادهم ربما يموتون في الحروب، فيحزنون عليهم أشد الحزن، وفي الآخرة يعذبون عذابا شديدا، حيث يموتون على الكفر الذي يحبط العمل الصالح، وهذا من قبيل الاستدراج لهم فيما هم فيه، وتكون النتيجة أنهم خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. والاستدراج بالنعم: الإمداد بها مع البقاء على المعصية، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران ١٧٨/ ٣]. فما يظنون أنه من منافع الدنيا هو في الحقيقة سبب لعذابهم وبلائهم، وبه

стр. 3159

يظهر أن النفاق مرض خطير جالب لجميع الآفات في الدين والدنيا، ومبطل لجميع الخيرات فيهما. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ، وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [طه ١٣١/ ٢٠] وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون ٥٦/ ٢٣ - ٥٥]. فقه الحياة أو الأحكام: في الآيتين دلالة على ما يأتي: ١ - إن أفعال الكافر الخيرية كصلة القرابة وإغاثة الملهوف قد تفيده في الدنيا بدفع ضرر أو سوء، ولكن لا يثاب عليها، ولا ينتفع بها في الآخرة. بدليل ما رواه مسلم عن عائشة ﵂ قالت: «قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوما ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين». وروي عن أنس قال: قال رسول الله ﵌ فيما رواه أحمد ومسلم: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها». والصحيح أن إفادته من حسناته في الدنيا مقيّد بمشيئة الله المذكورة في قوله: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء ١٨/ ١٧]. والخلاصة: أن شيئا من أعمال البر لا يكون مقبولا عند الله، مع الكفر بالله. أما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩] فيراد به بالنسبة للكافر تأثير الخير في تخفيف العقاب أو العذاب عنه.

стр. 3160

٢ - لم تكن أعمال الخير في الظاهر، الصادرة من المنافقين عن إيمان وقناعة وطيب نفس، وإنما كانت في الواقع عن إكراه نفسي، سترا على نفاقهم، فهم لم يؤدوا الصلاة إلا وهم كسالى متثاقلون في أدائها، ولم ينفقوا نفقة في سبيل الله كالزكاة والجهاد، لغرض الطاعة، بل رعاية للمصلحة الظاهرة؛ لأنهم يعدّون النفقة مغرما، ومنعها مغنما، وإذا كان الأمر كذلك فهي غير متقبّلة ولا مثاب عليها، حسبما تقدم. ٣ - الأموال والأولاد قد تكون سببا للعذاب في الدنيا، وقد تكون سببا للعذاب في الآخرة. أما الأموال في الدنيا فهي عذاب على المنافقين في كسبها وفي إنفاقها، فكسبها يحتاج إلى عناء شديد، والحفاظ عليها يتطلب الحذر، ويصحبها القلق والهم، والتهديد بالضياع والخسارة، وقد تؤدي إلى قسوة القلب والطغيان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق ٦/ ٩٦] وإنفاقها يكون كرها لا طواعية، فيعذبون بما ينفقون، وأما الأولاد فقد يموتون في الجهاد، فيعقب موتهم الحزن والغم والندم، وقد يؤمنون فيحترق الآباء غيظا عليهم، مثل حنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي شهد بدرا وكان من الله بمكان. وأما في الآخرة فيعذبون إذا اكتسبوا الأموال من حرام، وإذا آمن الأولاد وتبرموا من نفاق الآباء نجوا من العذاب الدائم.

стр. 3161

حلف المنافقين الأيمان الكاذبة وانتهازهم الفرصة للطعن بالنبي ﵌ ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ (٥٩)﴾ الإعراب: ﴿إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ إذا للمفاجاة، أي وإن لم يعطوا منها فاجؤوا النبي بالسخط. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: ولو أنهم رضوا لكان خيرا لهم. البلاغة: ﴿رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ هنا طباق بين الرضا والسخط. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ أي مؤمنون ﴿يَفْرَقُونَ﴾ يخافون أن تفعلوا بهم كالمشركين، فيحلفون تقية. والفرق: الخوف الشديد الذي يحجب الإدراك الصحيح ﴿مَلْجَأً﴾ مكانا يلتجئون إليه للاعتصام به، كالقلعة أو الحصن أو الجزيرة أو نحوها ﴿مَغاراتٍ﴾ سراديب، جمع مغارة: وهي الكهف أو الغار في الجبل، سمي بذلك لأنه يستتر فيها ﴿مُدَّخَلاً﴾ موضعا يدخلونه، أو سربا في الأرض للدخول فيه بمشقة ﴿يَجْمَحُونَ﴾ يسرعون في دخوله إسراعا لا يقاوم ﴿يَلْمِزُكَ﴾ يعيبك، والهمز: العيب

стр. 3162

في الغيبة، واللمز: العيب في الوجه، وأصله: الإشارة بالعين ونحوها، وقال الزجاج والجوهري: الهمز كاللمز وزنا ومعنى، أي لا فرق بينهما ﴿حَسْبُنَا﴾ كافينا ﴿راغِبُونَ﴾ محبون أن يغنينا، يقال: رغب ورغب فيه: أحبه، ورغب عنه: كرهه، ورغب إليه: طلبه وتوجه إليه. سبب النزول: نزول الآية (٥٨): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾: روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بينما رسول الله ﵌ يقسم قسما، إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي-وهو حرقوض بن زهير أصل الخوارج-فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال رسول الله ﵌: دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّميّة، فنزلت فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر نحوه. وروى ابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال: «أتى النبي ﵌ بصدقة، فقسمها هاهنا وهاهنا، حتى ذهبت، ورأى ذلك رجل من الأنصار، فقال: ما هذا بالعدل، فنزلت هذه الآية» ومجموع الروايات يدل على أن الطاعنين من المنافقين. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى أن المنافقين جامعون لكل مضار الآخرة والدنيا، كاستئذانهم كاذبين، بيّن هنا إقدامهم على الأيمان الكاذبة، وانتهازهم الفرصة للطعن بالنبي ﵌، وقد طعنوا فيه بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء، ويقولون: إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته، وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل.

стр. 3163

التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن فزع المنافقين وهلعهم أنهم يحلفون بالله يمينا مؤكدة: إنهم لمنكم أي لمن جملة المسلمين أهل الملة والدين، وما هم منكم في نفس الأمر فليسوا على دينكم، بل هم أهل شك ونفاق، ولكنهم قوم يخافونكم فيحلفون، فالخوف من القتل هو الذي حملهم على الحلف، فأظهروا الإيمان وأسروا النفاق، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا: آمَنّا، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إِنّا مَعَكُمْ، إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ [البقرة ١٤/ ٢]. ومن مظاهر خوفهم أنهم يتمنون الفرار منكم والمعيشة بعيدا عنكم، فلو وجدوا مفرا يتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم، لفروا إليه ولفارقوكم. ولو وجدوا ملجأ، أي مكانا يتحصن فيه، أو مغارة أي كهفا في الجبال، أو مدّخلا أي سربا تحت الأرض كالآبار والقنوات، لولّوا إليه أي رجعوا إليه من أحد هذه المواضع مع أنها شر الأمكنة، وهم يجمحون أي يسرعون إسراعا في ذهابهم عنكم على نحو لا يقاوم؛ لأنهم إنما يعيشون معكم كرها لا محبة وودا، ولكن للضرورة أحكام. ولهذا لا يزالون في همّ وحزن وغم؛ لأن الإسلام وأهله في تقدم ورفعة، وعز ونصر، وذلك كله يسوؤهم. ومن المنافقين من يعيب عليك ويطعن بك يا محمد في قسمة الصدقات وهي إما المغانم أو أخذ الصدقات من الأغنياء وهي أموال الزكاة المفروضة، قيل: هم المؤلفة قلوبهم كان يعطيهم النبي ﵌ للتأليف، وقيل: هو ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج، كان رسول الله ﵌ يقسم غنائم حنين، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال صلوات الله وسلامه عليه: ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟!. وقيل: هو أبو الجوّاط من المنافقين قال: ألا ترون إلى صاحبكم؟ إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم، وهو يزعم أنه يعدل، فقال رسول الله ﵌:

стр. 3164

لا أبا لك، أما كان موسى راعيا، أما كان داود راعيا؟ فلما ذهب، قال ﵊: احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون. ثم وصفهم الله تعالى بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم، لا للدين، وما فيه صلاح أهله؛ لأن رسول الله ﵌ استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم، فضجر المنافقون منه. فقال تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا.﴾. أي إن أعطوا من الزكاة أو من الغنائم ولو بغير حق رضوا، وإن لم يعطوا منها فاجؤوك بالسخط، وإن لم يستحقوا العطاء، فهم إنما يغضبون لأنفسهم ولمنافعهم، لا للمصلحة العامة، فليس طعنهم أو نقدهم بريئا، ولكن لهدف خاص. ولو أنهم رضوا ما أعطاهم الرسول من الغنائم وطابت به نفوسهم، وإن قلّ نصيبهم، وقالوا: كفانا فضل الله وصنعه، وحسبنا ما أصبناه، وسيرزقنا الله غنيمة أخرى، فيؤتينا رسول الله ﵌ أكثر مما آتانا اليوم، إنّا إلى الله في أن يمنحننا من فضله لراغبون، لا نرغب إلى غيره أبدا. وقد تضمنت هذه الآية أدبا عظيما حيث إنها ترشدهم وتعلمهم الرضا بما آتاه الله ورسوله، والتوكل على الله وحده، وهو قوله: ﴿وَقالُوا: حَسْبُنَا اللهُ﴾. والمقصود إنما هو التعليم بأن يرضوا بنعمة الله، وبقسمة الرسول، فهو لا يفعل إلا العدل وما فيه المصلحة العامة للإسلام وأهله، وما على المؤمن إلا أن يرضى بما قسمه الله له، ولا يطمع بأكثر من ذلك. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يلي: ١ - إن من أخلاق المنافقين الحلف بأنهم مؤمنون، والإقدام على الأيمان

стр. 3165

الكاذبة، كما قال تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ الآية [المنافقون ١/ ٦٣]. ٢ - المنافقون جماعة حيارى مضطربون قلقون كارهون العيش في الحقيقة مع المؤمنين، خوفا من افتضاح أمرهم، ويخافون أن يظهروا على ما هم عليه فيقتلوا، لذا يتمنون النجاة بأنفسهم واللجوء إلى شر الأمكنة كالحصون (الملاجئ) والمغارات (الكهوف في الجبال) والمداخل (السراديب المحفورة تحت الأرض). ٣ - ومن أسوأ أخلاق المنافقين وقبائحهم وفضائحهم طعنهم في الرسول ﵌ بسبب أخذ الصدقات المفروضة من الأغنياء، ويقولون: إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته، أو بسبب قسمة غنائم الحرب المغنومة من الأعداء، كغنائم حنين التي تألف بها النبي المؤلفة قلوبهم من أهل مكة، وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل. ٤ - تدل الآية على أن من طلب الدنيا وحدها آل أمره إلى النفاق، وأما من طلب الدنيا بقدر ما أذن الله فيه، وكان غرضه من الدنيا أن يتوسل إلى مصالح الدين، فهذا هو الطريق الحق. والأصل في هذه الأمور المادية الرضا بقضاء الله وقدره، بعد اتخاذ الأسباب، لذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَقالُوا: حَسْبُنَا اللهُ، سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ، إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾. ٥ - اشتملت هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ على مراتب أربع: الأولى-الرضا بما آتاهم الله ورسوله؛ لأنه تعالى حكيم منزه عن العبث والخطأ، فحكمه حق وصواب. الثانية-أن تظهر آثار الرضا على اللسان، وهو قوله: ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾ أي الرضا بحكم الله وقضائه.

стр. 3166

الثالثة-أن يقول الإنسان إن لم يقل: ﴿حَسْبُنَا اللهُ: سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ أي إما في الدنيا أو في الآخرة. الرابعة-أن يقول: ﴿إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾ أي لا نبغي بالإيمان مكاسب الدنيا من مال وجاه، وإنما نريد الفوز بسعادة الآخرة. مصارف الزكاة الثمانية ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ الإعراب: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ منصوب بفعل مقدر، وهو في معنى المصدر المؤكد لما دلت عليه الآية، أي فرض الله لهم الصدقات فريضة، أو حال من الضمير المستكن في ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ وقرئ بالرفع على تقدير: تلك فريضة. البلاغة: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كلاهما بصيغة فعيل التي هي للمبالغة، أي واسع العلم، عالي الحكمة يضع الأشياء في مواضعها. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ﴾ الزكوات المفروضة مصروفة لهؤلاء الثمانية، أفادت اللام وجوب إعطائها لهم، وأنها مختصة بهم لا تتجاوزها إلى غيرهم، فظاهر الآية يقتضي تخصيص استحقاق الزكاة بالأصناف الثمانية ووجوب الصرف إلى كل صنف وجد منهم، ومراعاة التسوية بينهم بسبب الاشتراك في الحق. وهو مذهب الشافعي ﵁. وعن عمر وحذيفة وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين جواز صرفها إلى صنف واحد، وبه قال الأئمة الثلاثة. والمعنى: إنما الزكوات مستحقة لهؤلاء المعدودين دون غيرهم، وهو دليل على أن المراد باللمز في الآية السابقة لمزهم في قسم الزكوات دون الغنائم.

стр. 3167

﴿لِلْفُقَراءِ﴾ الفقير: من لا مال له ولا كسب يقع موقعا من حاجته، من الفقار كأنه أصيب فقاره. ﴿وَالْمَساكِينِ﴾ المسكين: من له مال أو كسب لا يكفيه، من السكون كأن العجز أسكنه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ [الكهف ٧٩/ ١٨] وأنه ﵊ كان يسأل المسكنة، ويتعوذ من الفقر. وقيل: المسكين: هو عديم المال، لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد ١٦/ ٩٠] والمسألة خلافية بين الشافعية والحنفية. والفقر والمسكنة يتحددان بما دون الحد الأدنى اللازم للمعيشة، بحسب كل زمان ومكان. ﴿وَالْعامِلِينَ عَلَيْها﴾ الساعين في تحصيلها وجمعها وهم الجباة. ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قوم أسلموا ونيتهم ضعيفة بالإسلام فتستألف قلوبهم، أو هم أشراف قد يترقب بإعطائهم ومراعاتهم إسلام نظرائهم، وقد أعطى رسول الله ﵌ عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس لذلك. وقيل: أشراف يستألفون على أن يسلموا، فإنه ﵊ يعطيهم، والأصح أنه كان يعطيهم من خمس الخمس الذي كان خاص ماله من الغنائم. وقد عدّ منهم من يؤلف قلبه بشيء منها على قتال الكفار ومانعي الزكاة، فهم أقسام: إما أن يعطوا ليسلموا، أو يثبت إسلامهم، أو يسلم نظراؤهم، أو يدافعوا عن المسلمين. والأول والأخير لا يعطيان اليوم عند الشافعي ﵁؛ لعز الإسلام، بخلاف الآخرين، فيعطيان على الأصح. ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ أي وفي فك المكاتبين، بأن يعاون المكاتب بشيء من الزكاة على أداء الأقساط (النجوم) أو بأن يبتاع الرقاب فتعتق، وبه قال مالك وأحمد، أو بأن يفدى الأسارى. والعدول عن اللام إلى ﴿فِي﴾ للدلالة على أن الاستحقاق للجهة، لا للرقاب. ﴿وَالْغارِمِينَ﴾ المديونين إن استدانوا لأنفسهم في غير معصية ولا إسراف ولم يكن لهم وفاء للديون، أو استدانوا لإصلاح ذات البين ولو أغنياء؛ لقوله ﵌ فيما رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري: «لا تحل الصدقة إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لغارم، أو رجل اشتراها بماله، أو رجل له جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغني، أو لعامل عليها». ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي القائمين بالجهاد ولو أغنياء، أو للصرف في مصالح الجهاد بالإنفاق على المتطوعة وشراء السلاح. وقيل: وفي بناء القناطر والمصانع. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر المنقطع في سفره عن ماله. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ أي فرض الله ذلك فريضة، ليس لأحد فيها رأي.

стр. 3168

المناسبة: لما لمز المنافقون الرسول ﵌ في الصدقات، بيّن لهم أن مصرف الصدقات هؤلاء الأصناف الثمانية، فلا يبقى لأحد حق الاعتراض أو النقد والطعن في الرسول ﵌ بسبب أخذ الصدقات. فهم مخطئون في اعتراضهم، والرسول ﵌ محق فيما صنع، والآية قاضية على أطماعهم. وورود الآية ضروري أيضا لبيان طريق الحق والعدل في صرف الزكاة، فلا يجور الأغنياء، وليس لهم أن يتحايلوا في صرفها إلى غير هؤلاء المستحقين، كما أن الآية تنبيه وتذكير دائم بهؤلاء المحتاجين، وحمل للأغنياء على إعطاء حقوق الله في أموالهم دون أن يكون لهم منّة، وحدّ من أطماعهم وحبهم للمال. وأما السبب في ذكر هذه الآية بين آيات المنافقين ومكايدهم فللتنبيه على أنهم ليسوا من مستحقي الزكاة، حسما لأطماعهم، وإشعارا باستحقاقهم الحرمان، وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها. التفسير والبيان: إنما مصارف الزكاة الواجبة لهؤلاء الأصناف الثمانية، وقد أفادت ﴿إِنَّمَا﴾ حصر الصدقات في هذه الأصناف، دون غيرهم. والدليل على أن المراد بالصدقات هنا هو الزكوات الواجبة: أن (أل) في الصدقات للعهد الذكري، والمعهود هو الصدقات الواجبة المشار إليها في الآية المتقدمة: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾؛ ولأن الله أثبت الحق في هذه الصدقات بلام التمليك للأصناف الثمانية، والمملوك لهم إنما هو الزكاة الواجبة؛ ولأنه ذكر في الآية سهما للعاملين، والعمال يوظفون لجباية الصدقات الواجبة لا المندوبة، ولأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها في غير هذه الأصناف. والزكوات الواجبة هي زكاة النقود والأنعام والزروع والتجارة.

стр. 3169

وقد أوجب الإمام الشافعي صرف جميع الصدقات الواجبة من الفطرة وزكاة الأموال إلى الأصناف الثمانية؛ لأن الآية أضافت جميع الصدقات إليهم بلام التمليك، وشرّكت بينهم بواو التشريك، وحصرت صرفها في الأصناف الثمانية؛ لأن لفظة ﴿إِنَّمَا﴾ تقتضي الحصر فيهم، فدلت الآية على أن الصدقات كلها مملوكة لهم، مشتركة بينهم. ولا يجوز الصرف لأقل من ثلاثة أشخاص من كل صنف؛ لأن أقل الجمع ثلاثة. وأجاز الأئمة الثلاثة الآخرون صرفها إلى صنف واحد، وإلى شخص واحد من كل صنف في رأي أبي حنيفة ومالك؛ لأن الآية للتخيير في هذه الأصناف دون غيرهم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢٧١/ ٢] وقوله ﵌ فيما رواه الجماعة عن معاذ بن جبل: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها إلى فقرائكم» والمذكور فقط في الآية والحديث هو صنف واحد وهم الفقراء. ودليلهم على جواز الاقتصار على شخص واحد: هو أن (أل) في الجمع المعرف هنا مجاز في الجنس، أي جنس الصدقة لجنس الفقير، وجنس الفقير يتحقق بواحد، فتصرف إليه. وتحمل (أل) على المجاز؛ لتعذر حملها على الحقيقة، وهو استغراق جميع الفقراء، وإعطاء الصدقة لكل فقير. والسر في التعبير باللام المفيدة للملك في ستة أصناف (وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والغارمون، وابن السبيل) أن أصحابها أشخاص يملكون. وأما التعبير ب ﴿فِي﴾ في صنفين (وهما: في الرقاب، وفي سبيل الله) فلأن المراد الجهة أو الأوصاف والمصالح العامة للمسلمين، وليس المراد الأشخاص، وللإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، فالتعبير بفي في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فيه ترجيح لهذين الصنفين على الرقاب والغارمين.

стр. 3170

وأما بيان الأصناف الثمانية فهو فيما يأتي: ١ - الفقراء: وهم المحتاجون غير الأغنياء، الذين لا يجدون كفايتهم. ٢ - المساكين: وهم فئة أخرى من المحتاجين. وقد اختلف الفقهاء فيمن هو أسوأ حالا: الفقير أم المسكين، فقال الشافعية والحنابلة: الفقير أسوأ حالا من المسكين، فهو المعدم الذي لا يملك شيئا من مال ولا كسب يغطي حاجته، وأما المسكين: فهو من يملك أقل من كفايته. وقال الحنفية والمالكية: المسكين أسوأ حالا من الفقير. وليس للخلاف ثمرة في الزكاة، وإنما تظهر فائدة الخلاف في الوصية للفقراء دون المساكين أو العكس، وفيمن أوصى بشيء للفقراء وبشيء آخر للمساكين. وأدلة الشافعية والحنابلة هي: أنه تعالى قدم الفقراء؛ لأنهم أحوج من غيرهم، وأنه تعالى بقوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ..﴾. [الكهف ٧٩/ ١٨] وصف بالمسكنة من له سفينة، وأنه ﵌ كان يتعوذ من الفقر، ويقول فيما رواه الحاكم عن أبي سعيد الخدري: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين» ولا يعقل أن يتعوذ من شيء، ثم يسأل حالا أسوأ منه، فالمسكين يملك شيئا؛ وقد نقل جماعة من أهل اللغة كابن الأنباري: أن المسكين: الذي له ما يأكل، والفقير: الذي لا شيء له. وقالوا: والفقير: معناه في كلام العرب: الذي نزعت بعض فقرات ظهره من شدة الفقر، فلا حال أشدّ من هذه. وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي يطوف على الناس، فترده اللّقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا».

стр. 3171

وأدلة الحنفية والمالكية على أن المسكين أسوأ حالا من الفقير هي: أنه تعالى وصفه بقوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد ١٦/ ٩٠] أي ألصق جلده بالتراب لمواراة جسده، مما يدل على شدة حاجته؛ وأن بعض أهل اللغة كالأصمعي وابن السّكّيت قالوا: المسكين: الذي لا شيء له، والفقير: هو الذي له بعض ما يكفيه؛ وأن المسكين: هو الذي يسكن حيث يحل، مما يدل على نهاية الضرر والبؤس. والظاهر أن المنقول في اللغة متعارض، فيعذر الفريقان فيما ذهبا إليه، وهما متفقان على أنهما صنفان. وروي عن أبي يوسف ومحمد: أنهما صنف واحد. وفائدة الخلاف: تظهر فيمن أوصى بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين؛ فمن قال: هما صنف واحد قال: يكون لفلان نصف الثلث وللفقراء والمساكين النصف الآخر، ومن جعلهما صنفين قسم الثلث بينهم أثلاثا. حدّ الفقر الذي يجوز معه الأخذ: أجمع العلماء على أن من له دار وخادم لا يستغني عنهما: أن له أن يأخذ من الزكاة، وللمعطي أن يعطيه. واختلفوا فيما عدا ذلك. فقال أبو حنيفة: من معه عشرون دينارا أو مائتا درهم (نصاب الزكاة) فلا يأخذ من الزكاة. فاعتبر النصاب، لقوله ﵊ فيما رواه الجماعة عن معاذ: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردّها في فقرائكم». وقال أحمد والثوري وإسحاق وغيرهم: لا يأخذ من له خمسون درهما أو قدرها من الذهب، ولا يعطى منها أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما؛ لما رواه الدارقطني عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﵌ قال: «لا تحل الصدقة لرجل له خمسون درهما» لكن في إسناده ضعف.

стр. 3172

والمشهور عن مالك: ما رواه ابن القاسم عنه أنه سئل: هل يعطى من الزكاة من له أربعون درهما؟ قال: نعم. والفقير عند المالكية: هو من ملك من المال أقل من كفاية السنة. وقال الشافعي وأبو ثور: من كان قويا على الكسب والتحرّف، مع قوة البدن وحسن التصرف، حتى يغنيه ذلك عن الناس، فالصدقة عليه حرام؛ لما أخرجه أبو داود والترمذي والدارقطني عن عبد الله بن عمر عن النبي ﵌ قال: «لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مرّة سوي» (١). هل تعطى الزكاة للكفار وآل البيت ؟ ظاهر الآية وإطلاق اللفظ يقتضي إعطاء الزكاة لمن اتصف بصفة الفقير والمسكين، سواء في ذلك آل البيت وغيرهم، وسواء الأقارب وغيرهم، والمسلمون والكفار، ولكن رأى الفقهاء أن الزكاة محصورة في المسلمين، فلا يجوز دفع شيء منها إلى كافر؛ لما جاء في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فتردّ على فقرائهم». وأباح أبو حنيفة ﵀ دفع الفطرة إلى الكفار؛ لأن الحديث مختص بالزكاة. وكذلك رأى الفقهاء أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى من تلزم المزكي نفقته من الأقارب (وهم الأصول والفروع) والزوجات؛ لأن الزكاة لدفع الحاجة، ولا حاجة بهم مع وجود النفقة لهم، ولأنه بالدفع إليهم يجلب لنفسه نفعا. واتفق العلماء على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى هاشمي؛ لما رواه مسلم عن

стр. 3173

المطلّب بن ربيعة أن رسول الله ﵌ قال: «إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد». ولم يجز الشافعي أيضا دفعها إلى مطّلبي؛ لما رواه البخاري عن جبير بن مطعم أن رسول الله ﵌ قال: «إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد، وشبّك بين أصابعه». مقدار ما يعطى للفقير والمسكين: للعلماء آراء متفاوتة في ذلك، فرأى أبو حنيفة: أنه لا يزاد على النصاب، أي أنه يكره أن يعطى إنسان من الزكاة مائتي درهم. وذهب مالك إلى أن الأمر راجع إلى الاجتهاد، وأجاز مع الإمام أحمد إعطاء ما يكفي سنة. ورأى الشافعي أنه يعطى الفقير والمسكين ما تزول به حاجته؛ لأن المقصود من الزكاة سدّ الحاجة. نقل الزكاة لفقراء بلد آخر: للعلماء رأيان: فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز نقل الزكاة عن البلد الذي فيه المال إلى بلد آخر، لكن أجاز المالكية والشافعية والحنابلة نقلها إلى بلد آخر دون مسافة القصر (٨٩ كم) لأنه في حكم موضع الوجوب. وأوجب الشافعية نقلها إلى أقرب البلاد لبلد الوجوب إذا لم توجد الأصناف الثمانية في بلد الزكاة، أو فضل شيء عن بعض منهم. وأباح ابن القاسم وسحنون نقلها لبلد آخر لضرورة أو حاجة شديدة؛ فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج، «والمسلم أخو المسلم،

стр. 3174

لا يسلمه (١)، ولا يظلمه» قال ابن العربي: وهو الصحيح. وقال الحنفية: يكره تنزيها نقل الزكاة من بلد إلى آخر إلا أن ينقلها إلى قرابته المحتاجين ليسد حاجتهم، أو إلى قوم هم أحوج إليها وأصلح أو أورع أو أنفع للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام، أو إلى طالب علم، أو إلى الزهاد، أو كانت معجلة قبل تمام الحول، فلا يكره نقلها. ولو نقلها لغير هذه الأحوال جاز؛ لأن المصرف مطلق الفقراء. والدليل قول معاذ لأهل اليمن: ايتوني بخميس (٢) أو لبيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير في الصدقة، فإنه أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة. وقد دلّ هذا الحديث على أمرين: أحدهما-نقل الزكاة من اليمن إلى المدينة، فيتولى النبي ﵌ قسمتها، ويعضد هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ ولم يفرق بين فقير بلد وفقير آخر. والثاني-أخذ القيمة في الزكاة. وهو رأي الحنفية؛ لأن المقصود من الزكاة سدّ حاجة الفقراء، وأي شيء سدّ حاجتهم جاز، وقال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ولم يخص شيئا من شيء. ولم يجز الجمهور إخراج القيمة في شيء من الزكاة؛ لأن الحق لله تعالى، وقد علقه على ما نص عليه، فلا يجوز نقل ذلك إلى غيره، كالأضحية لما علقها على الأنعام، لم يجز نقلها إلى غيرها، وإنما يجب العلم بالمنصوص عليه. والمعتبر عند الحنفية والشافعية والحنابلة في زكاة المال: المكان الذي فيه المال، والمعتبر في صدقة الفطر مكان وجود الصائم.

стр. 3175

وعند المالكية قولان: قول يعتبر مكان المال وقت تمام الحول، فتفرق الصدقة فيه، وقول يعتبر مكان المالك، إذ هو المخاطب بإخراج الزكاة، فصار المال تبعا له. ومن أعطى فقيرا مسلما، ثم تبين له أنه عبد أو كافر أو غني، أجزأه على الأصح عند مالك، بدليل حديث مسلم عن أبي هريرة المتضمن قبول الصدقة على زانية وغني وسارق، ولأن المطلوب منه الاجتهاد في المعطى، فإذا اجتهد وأعطى من يظنه من أهل الزكاة، فقد أتى بالواجب عليه. ومن أخرج الزكاة عند حلول الحول، فهلكت من غير تفريط، لم يضمن عند المالكية؛ لأنه وكيل للفقراء. فإن أخرجها بعد ذلك بمدة، فهلكت ضمن؛ لتأخيرها عن محلّها، فتعلقت بذمته، فلذلك ضمن. وإذا كان الإمام يعدل في الأخذ والصرف، لم يسغ للمالك أن يتولى الصرف بنفسه في الناضّ (١) ولا في غيره. ٣ - العاملون عليها: وهم السّعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة بالتوكيل على ذلك. روى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله ﵌ رجلا من الأسد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللّتبيّة، فلما جاء حاسبه. واختلف العلماء في المقدار الذي يأخذونه على ثلاثة أقوال: الأول-قال مجاهد والشافعي: هو الثمن، فإن زادت أجرتهم على سهمهم، تمّم لهم من بيت المال، وقيل: من سائر السهمان. وهذا رأي موافق لظاهر الآية.

стр. 3176

الثاني-قال الحنفية والمالكية: يعطون قدر عملهم من الأجرة؛ لأنهم عطّلوا أنفسهم لمصلحة الفقراء، فكانت كفايتهم وكفاية أعوانهم في مال الفقراء. وإذا استغرقت كفايتهم الزكاة، فلا يزيدهم الحنفية على النصف، ويعطون الوسط. الثالث-يعطون من بيت المال، وهو قول ضعيف الدليل؛ فإن الله سبحانه أخبر بسهمهم في الزكاة، فكيف لا يعطونه؟ والذي يعطى للعامل هو بمثابة الأجرة على العمل، فيعطاها ولو كان غنيا، لذا فإنه يعطاها ولو كان هاشميا في رأي مالك والشافعي؛ لأن النبي ﵌ بعث علي بن أبي طالب مصدّقا، وبعثه عاملا إلى اليمن على الزكاة، وولّى جماعة من بني هاشم، وولى الخلفاء بعده كذلك، ولأن العامل أجير على عمل مباح، فوجب أن يستوي فيه الهاشمي وغيره كسائر الصناعات. وقال أبو حنيفة: لا يعطى العامل الهاشمي؛ لأن سهمه جزء من الصدقة، وقد قال ﵊ فيما رواه مسلم عن المطّلب بن ربيعة: «إن الصدقة لا تحلّ لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس». ودلّ قوله تعالى: ﴿وَالْعامِلِينَ عَلَيْها﴾ على أن كل ما كان من فروض الكفايات كالساعي والكاتب والقسّام والعاشر والعريف والحاسب وحافظ المال، يجوز للقائم به أخذ الأجرة عليه. ومن ذلك الإمامة، فإن الصلاة وإن كانت فرضا عينيا على كل واحد، فإن التفرغ للإمامة من فروض الكفايات، كما ذكر القرطبي ودلّ هذا القول أيضا على أنه يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة (الزكاة)؛ لأن بعض من يملك المال لا يعرف ما يجب عليه، وبعضهم قد يبخل، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ بعث عمر بن الخطاب

стр. 3177

رضي الله عنه على الصدقات. وروى أبو داود عن أبي رافع مولى رسول الله ﵌ قال: ولى رسول الله ﵌ رجلا من بني مخزوم على الصدقة. والنص على العامل في الآية يدل على أن أخذ الزكاة إلى الإمام، ويجب دفعها له، ولا يجزي رب المال أن يعطيها إلى المستحقين، ويؤكده قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة ١٠٣/ ٩]. لكن يعارض ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج ٢٥/ ٧٠ - ٢٤] والحق يجوز لمن يجب عليه دفعه للسائل والمحروم مباشرة. لذا فصل العلماء فقالوا: أ-إن كان مال الزكاة خفيا (باطنا) كالنقود: فيجوز بالإجماع للمالك أن يفرقه بنفسه أو أن يدفعه إلى الإمام. ب-وإن كان مال الزكاة ظاهرا كالماشية والزرع والثمر: فيجب دفعه إلى الإمام في رأي الجمهور؛ لأن حق المطالبة فيه للإمام، فيدفع إليه كالخراج والجزية. وقال الشافعي في الجديد: يجوز للمالك توزيعه بنفسه؛ لأنه زكاة كزكاة المال الخفي. ٤ - المؤلفة قلوبهم: وهم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يظهر الإسلام، يتألّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم. وهم نوعان: مسلمون وكفار، يعطون ليتقوى إسلامهم. أما الكفار حال كونهم كفارا: فيعطون من الزكاة في مذهب الحنابلة والمالكية، ترغيبا في الإسلام؛ لأن النبي ﵌ «أعطى المؤلفة قلوبهم من المسلمين والمشركين» (١).

стр. 3178

ولا يعطون من الزكاة في مذهب الحنفية والشافعية، لا لتأليف ولا لغيره؛ لأن إعطاءهم في صدر الإسلام إنما كان في حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم، وقد أعزّ الله الإسلام وأهله، واستغنى بهم عن تألف الكفار، ولم يعطهم الخلفاء الراشدون بعد النبي ﵌، قال عمر ﵁: «إنا لا نعطي على الإسلام شيئا، ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾». وأما المسلمون من المؤلفة: فهم أصناف، يعطون لتثبيت إسلامهم: أولا-ضعفاء النية في الإسلام: يعطون ليتقوى إسلامهم. ثانيا-الشريف المسلم في قومه الذي يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه، فقد أعطى النبي ﵌ أبا سفيان بن حرب وآخرين، وأعطى الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم، لشرفهما في قومهما. ثالثا-المقيم في ثغر من ثغور المسلمين المجاورة للكفار، ليكفينا شر من يليه من الكفار بالقتال. رابعا-من يجبي الصدقات من قوم يتعذر إرسال ساع إليهم، وإن لم يمنعوها. وقد ثبت أن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم حين قدم عليه بزكاته وزكاة قومه عام الردة. وهل بقي سهم المؤلفة قلوبهم أو نسخ؟ رأيان: قال الحنفية ومالك: قد سقط سهم المؤلفة بانتشار الإسلام وقوته، فيكون عدد الأصناف من بعد صدر الإسلام وإلى الآن سبعة لا ثمانية، ويكون سقوط هذا السهم من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته، كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار. وقال الجمهور منهم العلامة خليل من المالكية: حكم المؤلفة قلوبهم باق لم

стр. 3179

ينسخ، فيعطون عند الحاجة، ويحمل ترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم على عدم الحاجة إلى إعطائهم في خلافتهم، لا لسقوط سهمهم، فإن الآية من آخر ما نزل من القرآن، ولأن المقصود من إعطائهم ترغيبهم في الإسلام، لا لإعانتهم لنا، حتى يسقط بانتشار الإسلام. والخلاصة: أن هذا السهم حق للإمام يفعل فيه ما يراه محققا للمصلحة. ٥ - وفي الرقاب: أي في فك الرقاب، كما قال ابن عباس وابن عمر، أي أن فيه محذوفا، والمراد به عند أكثر العلماء: المكاتبون (١) المسلمون الذين لا يجدون وفاء ما يؤدون لأسيادهم، ولو مع القوة والتكسب؛ لأنه لا يمكن الدفع إلى الشخص الذي يراد فك رقبته إلا إذا كان مكاتبا، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ [النور ٣٣/ ٢٤] إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة، ولكن يعطى منها في رقبة، ويعاون بها مكاتب؛ لأن قوله: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ يقتضي مشاركة المزكي في عتق الرقبة، لا أن يستقل بالعتق. وقال المالكية: يشترى بسهمهم رقيق، فيعتق؛ لأن كل موضع ذكرت فيه الرقبة: يراد بها عتقها، والعتق والتحرير لا يكون إلا في القن (العبد الخالص العبودية) كما في الكفارات. ويكون ولاؤهم لبيت المال. وقد ورد حديث يدل على جواز عتق الرقبة وإعانة المكاتب معا، روى أحمد والبخاري والدارقطني عن البراء بن عازب قال: جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: دلّني على عمل يقربني من الجنة، ويباعدني من النار، فقال: «أعتق النسمة، وفك الرقبة» فقال: يا رسول الله، أو ليستا واحدا؟ قال: «لا،

стр. 3180

عتق النسمة: أن تنفرد بعتقها، وفكّ الرقبة: أن تعين في ثمنها». وشرط إعطاء المكاتب: هو كونه مسلما محتاجا. وقال بعض العلماء كابن حبيب المالكي: يفدى من هذا السهم الأسارى. ويؤخذ بهذا القول اليوم لإنهاء الرق من العالم. ٦ - الغارمون: وهم المدينون الذين ركبهم الدّين ولا وفاء عندهم به، سواء استدان المدين في رأي الشافعية والحنابلة لنفسه أو لغيره، وسواء كان دينه في طاعة أو في معصية. فإن استدان لنفسه لم يعط إلا إذا كان فقيرا، وإن استدان لإصلاح ذات البين، ولو بين أهل الذمة، بسبب إتلاف نفس أو مال أو نهب، فيعطى من سهم الغارمين، ولو كان غنيا؛ لقوله ﵌: «لا تحل الصدقة لغني إلا خمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين إليه» (١). وقال الحنفية: الغارم: من لزمه دين، ولا يملك نصابا فاضلا عن دينه، أي أنه الفقير. وقال المالكية: الغارم: هو من فدحه الدين للناس في غير سفه ولا فساد، أي من ليس عنده ما يوفي به دينه، أي أنه الفقير، إذا كان الدين في غير معصية كشرب خمر وقمار، ولم يستدن لأخذ الزكاة، كأن يكون عنده ما يكفيه وتوسع في الإنفاق بالدين لأجل أن يأخذ من الزكاة، فلا يعطى منها؛ لأنه قصد مذموم، بخلاف فقير استدان للضرورة، ناويا الأخذ من الزكاة، فإنه يعطى قدر دينه منها لحسن قصده. لكن إن تاب من استدان لمعصية، أو بقصد ذميم، فإنه يعطى على الأحسن.

стр. 3181

وقال الجمهور: يقضى من الزكاة دين الميت؛ لأنه من الغارمين؛ قال ﵌: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه: من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا (١) فإليّ وعلي» (٢). ٧ - وفي سبيل الله: وهم في رأي الجمهور الغزاة المجاهدون الذين لا حق لهم في ديوان الجند، يعطون ما ينفقون في غزوهم، كانوا أغنياء أو فقراء؛ لأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو، وهو المستعمل في القرآن والسنة. وأما من له شيء مقدر في الديوان فلا يعطى؛ لأن من له رزق راتب يكفيه، فهو مستغن به. ولا يحج أحد بزكاة ماله، ولا يغزو بزكاة ماله، ولا يحج بها عنه، ولا يغزى بها عنه، لعدم الإيتاء المأمور به. وعلى هذا الرأي: لا يعطى الجيش الحالي من الزكاة لأن الجنود والضباط تصرف لهم اليوم رواتب شهرية دائمة، وإنما يمكن المساهمة عند الضرورة أو الحاجة العامة في شراء السلاح، أو إعطاء المتطوعة في الجهاد. وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي في سبيل الله إلا إذا كان فقيرا. وقال أحمد في أصح الروايتين عنه: الحج من سبيل الله، فيعطى مريد الحج من الزكاة؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس: «أن رجلا جعل ناقة في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي ﵌: اركبيها، فإن الحج من سبيل الله» وأجاب الجمهور بأن الحج سبيل الله، ولكن الآية محمولة على الجهاد، قال مالك: سبل الله كثيرة، وقال ابن العربي: ولكني لا أعلم خلافا في أن المراد بسبيل الله هاهنا الغزو، ومن جملة سبيل الله، إلا ما يؤثر عن أحمد وإسحاق فإنهما قالا: إنه الحج.

стр. 3182

وفسر بعض الحنفية سبيل الله بطلب العلم، وفسره الكاساني بجميع القرب، فيدخل فيه جميع وجوه الخير مثل تكفين الموتى وبناء القناطر والحصون وعمارة المساجد؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ عام في الكل. والخلاصة: المراد بسبيل الله: إعطاء المجاهدين ولو كانوا أغنياء عند الشافعية، وبشرط كونهم فقراء عند الحنفية، والحج من سبيل الله عند أحمد والحسن وإسحاق. واتفق العلماء إلا ما يروى عن بعضهم أنه لا يجوز صرف الزكاة لبناء المساجد والجسور والقناطر وإصلاح الطرقات، وتكفين الموتى، وقضاء الدين، وشراء الأسلحة ونحو ذلك من القرب التي لم تذكر في الآية، مما لا تمليك فيه. ٨ - ابن السبيل: هو المسافر المنقطع في أثناء الطريق عن بلده، أو الذي يريد السفر في طاعة غير معصية، فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة. والطاعة: مثل الحج والجهاد وزيارة مندوبة. وأما السفر المباح كالرياضة والسياحة فلا يعطى في رأي بعض الشافعية لعدم حاجته، ويعطي في رأي آخرين بدليل جواز القصر والفطر له. ويعطى ابن السبيل ما يبلغ به مقصده إذا كان محتاجا في سفره، ولو كان غنيا في وطنه. ومن جاء مدعيا وصفا من الأوصاف السابقة، فيطالب بإثبات ما يقول، وعليه أن يثبت الدّين، وأما سائر الصفات فظاهر الحال يشهد لها، ويكتفى به فيها، كما ذكر ابن العربي والقرطبي المالكيان. وذكر الرافعي الشافعي أن الوصف الخفي كالفقر والمسكنة لا يطالب المدعي بإثباته، ويعطى بلا بيّنة، وأما الوصف الجلي فيطالب العامل والمكاتب والغارم بإثباته، ولا يطالب المؤلف قلبه بإثبات ما يدعيه من ضعف نيته في الإسلام،

стр. 3183

فإن ادعى أنه شريف مطاع في قومه طولب بالبينة. واشتهار الحال أو الاستفاضة قائم مقام البينة في حق من يطالب بها. ولا يجوز إعطاء الزكاة من تلزمه نفقته وهم الوالدان والولد والزوجة. أما إن أعطى الإمام صدقة الرجل لولده ووالده وزوجته جاز. والأفضل إعطاء الزكاة للأقارب المحتاجين، قال مالك: أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتك الذين لا تعول. والدليل قول النبي ﵌ لزوجة عبد الله بن مسعود زينب فيما رواه البخاري ومسلم: «لك أجران: أجر الصدقة، وأجر الصلة». وقدر المعطى مختلف فيه، فالغارم يعطى قدر دينه، والفقير والمسكين يعطيان كفايتهما وكفاية عيالهما مدة سنة عند مالك وأحمد كما تقدم، وبقدر الحاجة عند الشافعية، وألا يزاد على نصاب الزكاة عند الحنفية. ويلاحظ ضرورة الاهتمام في توزيع الزكاة بالترتيب المذكور في الآية، فإن الترتيب مقصود ومراد، لكن في سبيل الله وابن السبيل صنفان مفضلان على الرقاب والغارمين للتعبير بفي كما تقدم بيانه. ثم قال الله تعالى بعد بيان أصناف مستحقي الزكاة: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ أي فرض الله الصدقات فريضة، أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه وقسمه، وذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده، لا يشرع إلا ما فيه الخير والصلاح للعباد، فإنه سبحانه شرع الزكاة تطهيرا للنفس، وتحصينا للمال، وشكرا للخالق على ما أنعم به، كما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ، وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة ١٠٣/ ٩].

стр. 3184

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على بيان مصارف الزكاة، وأنها لثمانية أصناف، لكن اليوم تعطى الزكاة في الغالب من بعض الأغنياء لا من جميعهم للفقراء والمساكين، وإعطاؤها نادر للغارمين المديونين وأبناء السبيل. أما الرقاب والعاملون على الزكاة وفي سبيل الله والمؤلفة قلوبهم فلا يصرف من الزكاة عليهم شيء؛ لأن سهم ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ قد انتهى بسبب انتهاء الرق في العالم، وأما العاملون أو الموظفون على جباية الزكاة فلم يعد لهم وجود بسبب ترك توزيع الزكاة لأصحابها، وعدم جباية الحاكم لها، إلا في بعض محاولات تقوم بها بعض الدول الإسلامية المعاصرة، وأما سهم في سبيل الله فإن الجيوش النظامية أصبحت تزود بالمؤن والذخائر والأسلحة والرواتب الشهرية الدائمة من خزينة الدولة العامة، ولم تعد تنتظر زكوات المزكين وإنما يمكن الإنفاق في شراء السلاح أو دعم المتطوعين للجهاد، وأما المؤلفة قلوبهم حتى عند القائلين ببقاء سهمهم فقد أصبح وجودهم وتشجيعهم وترغيبهم في الإسلام نادرا، ومحدودا جدا؛ لأن نشاط الدول طغى على نشاط الأفراد، ولم تعد الدول المعاصرة تفكر غالبا في أمر انتشار الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى. وفي الآية أحكام سبعة هي: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ﴾ يدل على أن مصارف الصدقات لثمانية أصناف، والمراد من لفظ الصدقات هنا هو الزكوات الواجبة، بدليل إثباته تعالى هذه الصدقات بلام التمليك للأصناف الثمانية، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة الواجبة، ولأن الحصر المستفاد من إنما في هؤلاء الثمانية يصحّ لو حملنا هذه الصدقات على الزكوات الواجبة، أما لو أدخلنا فيها المندوبات فلم يصح هذا الحصر؛ لأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها إلى بناء المساجد والرباطات في

стр. 3185

الثغور، والمدارس، وتكفين الموتى وتجهيزهم وسائر الوجوه. ثم إن قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ﴾ منصرف إلى الصدقات التي سبق بيانها وهي الصدقات الواجبة. ٢ - دلت الآية على أن هذه الزكاة يتولى أخذها وتفرقتها الإمام أو من يليه من قبله، بدليل تعيين نصيب أو سهم للعاملين فيها، فيدل على أنه لا بد في أداء هذه الزكوات من عامل، والعامل: هو الذي يعينه الإمام لأخذ الزكوات، فدلّ هذا النص على أن الإمام هو الذي يأخذ هذه الزكوات. وتأكد هذا النص بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة ١٠٣/ ٩]. أما إخراج المالك زكاة أمواله الباطنة بنفسه فيستفاد من قوله تعالى: ﴿فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج ٢٤/ ٧٠ - ٢٥] وحق السائل والمحروم يجوز دفعه إليه من غير واسطة الإمام. ٣ - للعامل في مال الزكاة حق، وإن كان غنيا في رأي الأكثرين. ٤ - ظاهر الآية يدل على وجوب تعميم الزكاة للأصناف الثمانية، وقد ذكرت آراء العلماء وأدلتهم في جواز الصرف إلى ثلاثة منهم أو إلى واحد. ٥ - العامل والمؤلفة والرقاب مفقودون في هذا الزمان. وأما مصرف ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي للمجاهدين فلم يعودوا بحاجة للزكاة، لأخذهم مرتبات شهرية دائمة، وإنما يعطى المتطوعون أو من أجل شراء السلاح عند الضرورة أو الحاجة الملحة. ٦ - قوله: ﴿لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ﴾ يشمل بعمومه الكافر والمسلم، لكنه خصص بالسنة النبوية التي دلت على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الفقراء والمساكين إلا إذا كانوا مسلمين. ٧ - المقصود من قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ الزجر عن مخالفة هذا الظاهر، وتحريم إخراج الزكاة عن هذه الأصناف، قال النبي ﵌ فيما رواه

стр. 3186

أبو داود عن زياد بن الحارث الصدائي، وهو ضعيف: «إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء». حكمة الزكاة: أبان الرازي في تفسيره (١) الحكمة في إيجاب الزكاة، وذكر اثني عشر وجها من المصالح عائدة إلى معطي الزكاة، وثمانية وجوه من المصالح عائدة إلى آخذ الزكاة، أشير إليها بإيجاز وتصرف. أما فوائد الزكاة للمزكي فهي ما يلي: ١ - الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب، وكسر شدة الميل إلى المال، والمنع من انصراف النفس بالكلية إليه، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة ١٠٣/ ٩] أي تطهرهم وتزكيهم عن الاستغراق في طلب الدنيا. ٢ - الحد من ملذات الدنيا، والتوجه إلى عالم عبودية الله وطلب رضوانه، بالإنفاق في طلب مرضاة الله. ٣ - الوقوف أمام طغيان المال وقسوة القلب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق ٦/ ٩٦ - ٧] فإيجاب الزكاة يقلل الطغيان ويرد القلب إلى طلب رضوان الرحمن. ٤ - تربية النفس عن طريق الشعور بآلام الآخرين، والإحسان إلى الناس، والسعي في إيصال الخيرات إليهم، ودفع الآفات عنهم، وهذا من صفات الله، والنبي ﵌ يقول: «تخلقوا بأخلاق الله». ٥ - توفير محبة الفقراء للأغنياء؛ لأن الإنفاق عليهم يستدعي حبهم، على

стр. 3187

ما قال ﵌ فيما رواه ابن عدي وأبو نعيم البيهقي عن ابن مسعود وصححه: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها» وإذا أحبوه دعوا له بالخير، فيصير الدعاء سببا لبقاء الإنسان في النعمة، كما قال تعالى: ﴿وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد ١٧/ ١٣] وقال ﵊ فيما رواه الطبراني وأبو نعيم والخطابي عن ابن مسعود، وهو ضعيف: «حصّنوا أموالكم بالزكاة». ٦ - الزكاة تنقل الإنسان من درجة الاستغناء بالشيء إلى مقام أعلى وهو الاستغناء عن الشيء، والأول صفة الخلق، والثاني صفة الحق. ٧ - الإنفاق من المال في وجوه البر والخير والمصالح العامة يوجب المدح الدائم في الدنيا، والثواب الدائم في الآخرة، فيكون ذلك سببا لنقل المال إلى القبر وإلى القيامة، بعد أن كان معرضا للزوال؛ لأن المال غاد ورائح. ٨ - إن بذل المال تشبّه بالملائكة والأنبياء، وإمساكه تشبه بالبخلاء المذمومين، فكان البذل أولى. ٩ - إن إفاضة الخير والرحمة من صفات الحق تعالى، والإنفاق يؤدي إلى التخلق بأخلاق الله. ١٠ - الإنفاق من المال يحقق السعادة الاجتماعية، كما أن الإيمان يحقق السعادة الروحانية، والصلاة تحقق السعادة البدنية. ١١ - الزكاة: شكر النعمة، وشكر المنعم واجب، وشكر النعمة: صرفها إلى طلب مرضاة المنعم. ١٢ - إن إيجاب الزكاة يوجب حصول الألفة بالمودة بين المسلمين، وزوال الحقد والحسد عنهم. وأما فوائد الزكاة للآخذ، فهي ما يأتي:

стр. 3188

١ - دفع الحاجة وسد الخلّة، وذلك مقصد راجح على مراعاة جانب المالك الذي اكتسب المال وتعلق قلبه به، لكنه فضل عنده فائض زائد على قدر حاجته، فأبقينا له الكثير، وأخذنا منه اليسير. ٢ - عدم تعطيل المال الفاضل عن الحاجات الأصلية، وقد خلق الله تعالى المال وسيلة لتوفير الحوائج، لا للاكتناز والادخار والإمساك. ٣ - المال مال الله، والأغنياء خزّان الله، والفقراء عيال الله، ولا بد من تضامن الفريقين وتعاطفهم وتعاونهم، وتنفيذ أمر الله المالك الحقيقي للكون بالإنفاق على المحتاجين من عباده، والإنفاق على عيال الله تعالى. ٤ - الحكمة والرحمة تقتضيان صرف الغني بعض ماله غير المحتاج إليه إلى الفقير العاجز عن الكسب بالكلية الذي هو أحوج إليه، وهذا يحقق معنى التكافل الاجتماعي في الإسلام. ٥ - الزكاة جبران للنقص الحادث عند الفقير، ويستطيع المالك جبر النقصان الذي حدث بسبب الزكاة، عن طريق الاتجار فيه. ٦ - الحد من ارتكاب الجرائم واللحاق بالأعداء، فلو لم ينفق الأغنياء على مهمات الفقراء، لأقدم هؤلاء على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها، أو على الالتحاق بأعداء المسلمين. ٧ - أداء الزكاة يساعد جميع المكلفين على الاتصاف بصفة الصبر والشكر معا، وقد قال ﵊ فيما رواه البيهقي عن أنس، وهو ضعيف: «الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر» فإذا أدى الغني الزكاة شكر النعمة، وصبر على نقصان جزء من المال، وإذا أعطي الفقير الزكاة، صار شاكرا بعد أن كان صابرا. ٨ - أخذ الزكاة فيه مساعدة الفقير الغني بتخليصه في الدنيا من الذم والعار، وفي الآخرة من عذاب النار، فيكون الفقير كالمنعم على الغنى بتخليصه من النار.

стр. 3189

إيذاء المنافقين النبي ﵌ وتصحيح مفاهيمهم ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾ الإعراب: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ خبر مبتدأ مقدر، أي هو أذن خير، أي هو مستمع خير وصلاح، لا مستمع شر وفساد، والمراد بالأذن: صاحب الأذن. ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ اللام زائدة للفرق بين إيمان التسليم وغيره. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ مرفوعا معطوف على ﴿أُذُنٌ﴾ وقرئت بالجر عطفا على ﴿خَيْرٍ﴾ أي وهو أذن رحمة، فكما أضاف أذنا إلى الخير أضافه إلى الرحمة؛ لأن الرحمة من الخير، والخير من الرحمة. وعدى فعل الإيمان بالباء لأنه قصد التصديق بالله الذي هو نقيض الكفر به، وعدّى المؤمنين باللام؛ لأنه قصد السماع من المؤمنين، وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقهم؛ لكونهم صادقين عنده. البلاغة: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ تشبيه بليغ، حذف منه أداة التشبيه أي هو كالأذن يسمع كل ما يقال له، كأن جملته أذن سامعة، مثل قولهم للربيئة: عين. ﴿يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ﴾ أظهر كلمة رسول مقام الإضمار، تعظيما لشأنه ﵊، وجمعا بين رتبتي النبوة والرسالة. وأضافها إلى الله زيادة في التكريم. المفردات اللغوية: ﴿وَمِنْهُمُ﴾ من المنافقين. ﴿يُؤْذُونَ﴾ الإيذاء: ما يؤلم الإنسان في نفسه أو بدنه أو ماله، قليلا كان أو كثيرا، والمراد هنا: عيبه ونقل حديثه. ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ أي يسمع من كل واحد ما يقول، ويصدق كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد، وهذا من باب تسمية الإنسان باسم جزء منه

стр. 3190

وهو آلة السماع للمبالغة في وصفه، وكأن جملته أذن سامعة، كما يقال للجاسوس: عين. وإيذاؤهم له: هو قولهم فيه: هو أذن. و ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ مثل قولك: رجل صدق وشاهد عدل، تريد الجودة والصلاح، كأنه قيل: نعم هو أذن، ولكن نعم الأذن ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ أي يصدق بالله، لما قام عنده من الأدلة ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يقبل من المؤمنين الخلّص من المهاجرين والأنصار لا من غيرهم، ويصدقهم بسبب إيمانهم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي وهو رحمة لمن آمن منكم، أي أظهر الإيمان أيها المنافقون حيث يسمع منكم، ويقبل إيمانكم الظاهر، ولا يفضح أسراركم، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، فهو أذن كما قلتم، إلا أنه أذن خير لكم، لا أذن سوء، ومستمع خير لا مستمع شر. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان نبتل بن الحارث (١) يأتي رسول الله ﵌، فيجلس إليه، فيسمع منه، وينقل حديثه إلى المنافقين، فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآية. وذكر القرطبي: أن الآية نزلت في عتّاب بن قشير قال: إنما محمد أذن، يقبل كل ما قيل له. وقال ابن عباس ﵁: إن جماعة من المنافقين ذكروا النبي ﵌ بما لا ينبغي من القول، فقال بعضهم: لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ما نقول، فقال الجلاس بن سويد بن الصامت: بل نقول ما شئنا، ثم نذهب إليه، ونحلف أنا ما قلنا، فيقبل قولنا، إنما محمد أذن سامعة، فنزلت هذه الآية. والغرض من كلامهم أنه ليس له ذكاء ولا تعمق في الأمور، بل هو سليم القلب، سريع الاغترار بكل ما يسمع، فلهذا سموه بأنه أذن، كما أن الجاسوس يسمى بالعين.
следующие страницы →