أبو داود عن زياد بن الحارث الصدائي، وهو ضعيف: «إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء».
حكمة الزكاة:
أبان الرازي في تفسيره (١) الحكمة في إيجاب الزكاة، وذكر اثني عشر وجها من المصالح عائدة إلى معطي الزكاة، وثمانية وجوه من المصالح عائدة إلى آخذ الزكاة، أشير إليها بإيجاز وتصرف.
أما فوائد الزكاة للمزكي فهي ما يلي:
١ - الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب، وكسر شدة الميل إلى المال، والمنع من انصراف النفس بالكلية إليه، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة ١٠٣/ ٩] أي تطهرهم وتزكيهم عن الاستغراق في طلب الدنيا.
٢ - الحد من ملذات الدنيا، والتوجه إلى عالم عبودية الله وطلب رضوانه، بالإنفاق في طلب مرضاة الله.
٣ - الوقوف أمام طغيان المال وقسوة القلب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق ٦/ ٩٦ - ٧] فإيجاب الزكاة يقلل الطغيان ويرد القلب إلى طلب رضوان الرحمن.
٤ - تربية النفس عن طريق الشعور بآلام الآخرين، والإحسان إلى الناس، والسعي في إيصال الخيرات إليهم، ودفع الآفات عنهم، وهذا من صفات الله،
والنبي ﵌ يقول: «تخلقوا بأخلاق الله».
٥ - توفير محبة الفقراء للأغنياء؛ لأن الإنفاق عليهم يستدعي حبهم، على
стр. 3187
ما قال ﵌ فيما رواه ابن عدي وأبو نعيم البيهقي عن ابن مسعود وصححه:
«جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها» وإذا أحبوه دعوا له بالخير، فيصير الدعاء سببا لبقاء الإنسان في النعمة، كما قال تعالى:
﴿وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد ١٧/ ١٣]
وقال ﵊ فيما رواه الطبراني وأبو نعيم والخطابي عن ابن مسعود، وهو ضعيف:
«حصّنوا أموالكم بالزكاة».
٦ - الزكاة تنقل الإنسان من درجة الاستغناء بالشيء إلى مقام أعلى وهو الاستغناء عن الشيء، والأول صفة الخلق، والثاني صفة الحق.
٧ - الإنفاق من المال في وجوه البر والخير والمصالح العامة يوجب المدح الدائم في الدنيا، والثواب الدائم في الآخرة، فيكون ذلك سببا لنقل المال إلى القبر وإلى القيامة، بعد أن كان معرضا للزوال؛ لأن المال غاد ورائح.
٨ - إن بذل المال تشبّه بالملائكة والأنبياء، وإمساكه تشبه بالبخلاء المذمومين، فكان البذل أولى.
٩ - إن إفاضة الخير والرحمة من صفات الحق تعالى، والإنفاق يؤدي إلى التخلق بأخلاق الله.
١٠ - الإنفاق من المال يحقق السعادة الاجتماعية، كما أن الإيمان يحقق السعادة الروحانية، والصلاة تحقق السعادة البدنية.
١١ - الزكاة: شكر النعمة، وشكر المنعم واجب، وشكر النعمة: صرفها إلى طلب مرضاة المنعم.
١٢ - إن إيجاب الزكاة يوجب حصول الألفة بالمودة بين المسلمين، وزوال الحقد والحسد عنهم.
وأما فوائد الزكاة للآخذ، فهي ما يأتي:
стр. 3188
١ - دفع الحاجة وسد الخلّة، وذلك مقصد راجح على مراعاة جانب المالك الذي اكتسب المال وتعلق قلبه به، لكنه فضل عنده فائض زائد على قدر حاجته، فأبقينا له الكثير، وأخذنا منه اليسير.
٢ - عدم تعطيل المال الفاضل عن الحاجات الأصلية، وقد خلق الله تعالى المال وسيلة لتوفير الحوائج، لا للاكتناز والادخار والإمساك.
٣ - المال مال الله، والأغنياء خزّان الله، والفقراء عيال الله، ولا بد من تضامن الفريقين وتعاطفهم وتعاونهم، وتنفيذ أمر الله المالك الحقيقي للكون بالإنفاق على المحتاجين من عباده، والإنفاق على عيال الله تعالى.
٤ - الحكمة والرحمة تقتضيان صرف الغني بعض ماله غير المحتاج إليه إلى الفقير العاجز عن الكسب بالكلية الذي هو أحوج إليه، وهذا يحقق معنى التكافل الاجتماعي في الإسلام.
٥ - الزكاة جبران للنقص الحادث عند الفقير، ويستطيع المالك جبر النقصان الذي حدث بسبب الزكاة، عن طريق الاتجار فيه.
٦ - الحد من ارتكاب الجرائم واللحاق بالأعداء، فلو لم ينفق الأغنياء على مهمات الفقراء، لأقدم هؤلاء على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها، أو على الالتحاق بأعداء المسلمين.
٧ - أداء الزكاة يساعد جميع المكلفين على الاتصاف بصفة الصبر والشكر معا،
وقد قال ﵊ فيما رواه البيهقي عن أنس، وهو ضعيف: «الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر» فإذا أدى الغني الزكاة شكر النعمة، وصبر على نقصان جزء من المال، وإذا أعطي الفقير الزكاة، صار شاكرا بعد أن كان صابرا.
٨ - أخذ الزكاة فيه مساعدة الفقير الغني بتخليصه في الدنيا من الذم والعار، وفي الآخرة من عذاب النار، فيكون الفقير كالمنعم على الغنى بتخليصه من النار.
стр. 3189
إيذاء المنافقين النبي ﵌ وتصحيح مفاهيمهم
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾
الإعراب:
﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ خبر مبتدأ مقدر، أي هو أذن خير، أي هو مستمع خير وصلاح، لا مستمع شر وفساد، والمراد بالأذن: صاحب الأذن. ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ اللام زائدة للفرق بين إيمان التسليم وغيره.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ مرفوعا معطوف على ﴿أُذُنٌ﴾ وقرئت بالجر عطفا على ﴿خَيْرٍ﴾ أي وهو أذن رحمة، فكما أضاف أذنا إلى الخير أضافه إلى الرحمة؛ لأن الرحمة من الخير، والخير من الرحمة. وعدى فعل الإيمان بالباء لأنه قصد التصديق بالله الذي هو نقيض الكفر به، وعدّى المؤمنين باللام؛ لأنه قصد السماع من المؤمنين، وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقهم؛ لكونهم صادقين عنده.
البلاغة:
﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ تشبيه بليغ، حذف منه أداة التشبيه أي هو كالأذن يسمع كل ما يقال له، كأن جملته أذن سامعة، مثل قولهم للربيئة: عين.
﴿يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ﴾ أظهر كلمة رسول مقام الإضمار، تعظيما لشأنه ﵊، وجمعا بين رتبتي النبوة والرسالة. وأضافها إلى الله زيادة في التكريم.
المفردات اللغوية:
﴿وَمِنْهُمُ﴾ من المنافقين. ﴿يُؤْذُونَ﴾ الإيذاء: ما يؤلم الإنسان في نفسه أو بدنه أو ماله، قليلا كان أو كثيرا، والمراد هنا: عيبه ونقل حديثه. ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ أي يسمع من كل واحد ما يقول، ويصدق كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد، وهذا من باب تسمية الإنسان باسم جزء منه
стр. 3190
وهو آلة السماع للمبالغة في وصفه، وكأن جملته أذن سامعة، كما يقال للجاسوس: عين. وإيذاؤهم له: هو قولهم فيه: هو أذن. و ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ مثل قولك: رجل صدق وشاهد عدل، تريد الجودة والصلاح، كأنه قيل: نعم هو أذن، ولكن نعم الأذن ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ أي يصدق بالله، لما قام عنده من الأدلة ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يقبل من المؤمنين الخلّص من المهاجرين والأنصار لا من غيرهم، ويصدقهم بسبب إيمانهم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي وهو رحمة لمن آمن منكم، أي أظهر الإيمان أيها المنافقون حيث يسمع منكم، ويقبل إيمانكم الظاهر، ولا يفضح أسراركم، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، فهو أذن كما قلتم، إلا أنه أذن خير لكم، لا أذن سوء، ومستمع خير لا مستمع شر.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان نبتل بن الحارث (١) يأتي رسول الله ﵌، فيجلس إليه، فيسمع منه، وينقل حديثه إلى المنافقين، فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الآية.
وذكر القرطبي: أن الآية نزلت في عتّاب بن قشير قال: إنما محمد أذن، يقبل كل ما قيل له.
وقال ابن عباس ﵁: إن جماعة من المنافقين ذكروا النبي ﵌ بما لا ينبغي من القول، فقال بعضهم: لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ما نقول، فقال الجلاس بن سويد بن الصامت: بل نقول ما شئنا، ثم نذهب إليه، ونحلف أنا ما قلنا، فيقبل قولنا، إنما محمد أذن سامعة، فنزلت هذه الآية.
والغرض من كلامهم أنه ليس له ذكاء ولا تعمق في الأمور، بل هو سليم القلب، سريع الاغترار بكل ما يسمع، فلهذا سموه بأنه أذن، كما أن الجاسوس يسمى بالعين.
стр. 3191
المناسبة:
هذا نوع آخر من جهالات المنافقين، وهو أنهم كانوا يقولون في رسول الله ﵌: إنه أذن على وجه الطعن والذم، وإنه يصدق كل من حلف له. وقد ذكر تعالى في الآيات السابقة أنهم طعنوا في أفعاله ﵌ ولمزوه في قسمة الصدقات.
التفسير والبيان:
ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله ﵌ بالكلام فيه، ويعيبونه، فيقولون: هو أذن سامعة، يسمع كل ما يقال له، ويصدقه، فمن قال له شيئا صدقه، ومن حدثه صدقه، فإذا جئناه وحلفنا له صدقنا. يقصدون بقولهم أنه سليم القلب، سريع الاغترار بكل ما يسمع، دون أن يتدبر فيه ويميز بين الأمور، وذلك لأنه ﵊ كان يعاملهم بالظاهر، ولا يكشف أسرارهم.
فرد الله عليهم بأنه أذن خير لا أذن شر، أي مستمع خير، لا مستمع شر أي هو مستمع ما يحب استماعه، كما يقال: فلان رجل صدق وشاهد عدل، فهو يعرف الصادق من الكاذب، لكنه يعامل المنافقين بأحكام الشريعة وآدابها، فلا يفتضح أحدا منهم، وهو صاحب الخلق الكامل والإنسان المثالي.
وهو يصدق بالله لما قام عنده من الدلائل، وبما أوحي إليه مما فيه خيركم وخير غيركم، ويصدق المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار، لا غيرهم، وهو رحمة لمن آمن منكم أي أظهر الإيمان أيها المنافقون، ويقبل إيمانكم الظاهر، ولا يكشف أسراركم ولا يفضحكم، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، مراعاة لما رأى الله من المصلحة في الإبقاء عليكم، فهو أذن خير ورحمة، لا يسمع غيرهما ولا يقبله، ويصدق ما أخبره به المؤمنون، ولا يصدق خبر المنافقين، وهو رحمة للناس بهدايتهم إلى ما فيه سعادة الدنيا والآخرة.
стр. 3192
والذين يؤذون الرسول بالقول أو بالفعل كوصفه بالسحر أو الكذب، وعدم الفطنة، والطعن في عدالته، فلهم عذاب شديد مؤلم في الآخرة بسبب إيذائه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن النبي ﵌ صاحب الخلق الكامل، والفهم الشامل العميق، والذكاء الخارق، فسكوته عن المنافقين ليس عن غباء واغترار، وإنما لحكمة هي أن يترك الفرصة للمنافقين بالعدول التلقائي عن قبائحهم، وكيلا يعطي الفرصة للمشركين باستغلال حال المنافقين، والقول بأن هذا النبي يقتل من آمن به.
ودلت الآية أيضا على أن هذا النبي أذن خير لا أذن شر، يستمع ما فيه الصلاح والخير، ويعرض ترفعا وإباء عن سماع الشر والفساد، وهو أيضا رحمة للمؤمنين، لأنه هداهم إلى سعادة الدنيا والآخرة.
وأرشدت الآية إلى أن النبي لا يؤمن بأخبار المنافقين إيمان تسليم، ولا يصدقهم فيما يقولون، وإن أكدوا القول بالأيمان، لأن أدبه ﵌ يمنعه من مواجهة الناس بما يكرهون، فهو يجري أمر المنافقين على الظاهر، ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنهم.
وقد وصفه الله بأوصاف ثلاثة هي أنه يؤمن بالله، ويؤمن للمؤمنين أي يسلم لهم قولهم، ورحمة لمن آمن، وهذه الأوصاف توجب كونه أذن خير.
ويستنبط من الآية أيضا أن إيذاء الرسول ﵌ فيما يتعلق برسالته كفر، يترتب عليه العقاب الشديد. أما الإيذاء الخفيف المتعلق بشخصه وشؤونه الشرية وعاداته الدنيوية، وكذا إيذاء أهل بيته، فحرام، لا كفر، مثل إيذائه في إطالة المكث عنده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ، فَيَسْتَحْيِي
стр. 3193
مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ٥٣/ ٣٣] ومثل رفع الصوت في ندائه وتسميته باسمه، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات ٢/ ٤٩].
بيان أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك
الإقدام على اليمين الكاذبة، وتخوفهم من نزول القرآن فاضحا لهم،
واستهزاؤهم بآيات الله
﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اِسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾
الإعراب:
﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ﴾ أحق: خبر ﴿رَسُولُهُ﴾ وحذف خبر الأول لدلالة خبر الثاني عليه، في مذهب سيبويه، وتقديره: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه. وفي مذهب المبرد:
لا حذف في الكلام، ولكن فيه تقديم وتأخير، وتقديره: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك.
وإنما وحّد الضمير؛ لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله، فكانا في حكم مرضيّ واحد.
стр. 3194
﴿فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ فيه أربعة أوجه: إما خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فالواجب أن له نار جهنم، أو بتقدير محذوف بين الفاء وأن، أي فله أن له نار، أو بدل من ﴿فَأَنَّ﴾ الأولى المنصوبة بيعلموا، أو مؤكّدة للأولى في موضع نصب، والفاء زائدة.
﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ..﴾. أن وصلتها في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: من أن تنزل، ويجوز أن تكون في موضع جر على إرادة حرف الجر؛ لأن حرف الجر يكثر حذفه معها دون غيرها.
﴿وَلَئِنْ﴾ اللام لام القسم.
البلاغة:
﴿ذلِكَ الْخِزْيُ﴾ الإشارة بالبعيد عن القريب للإشعار ببعد درجته في الهول والشناعة.
المفردات اللغوية:
﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، أي لترضوا عنهم ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ أحق بالإرضاء بالطاعة والوفاق، وتوحيد الضمير لتلازم الإرضاءين ﴿إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ حقا ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ﴾ أي الشأن ﴿مَنْ يُحادِدِ﴾ يشاقق، والمحادّة مفاعلة من الحد، كالمشاقة من الشّق، والحد: طرف الشيء، والشق: الجانب، أي يصبح كلّ في ناحية وشق بالنسبة لخصمه وعدوه، وهما بمعنى المعاداة من العدوة: وهي جانب الوادي.
﴿يَحْذَرُ﴾ يخاف في المستقبل أو يتحرّز ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي على المؤمنين ﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق، وهم مع ذلك يستهزئون ﴿اِسْتَهْزِؤُا﴾ أمر تهديد ﴿إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ﴾ مظهر الشيء الخفي المستتر، ويشمل إظهار مكنون الصدور، وإخراج الحب من الأرض، والنفي من الوطن ﴿ما تَحْذَرُونَ﴾ إخراجه من نفاقكم.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ عن استهزائهم بك والقرآن، وهم سائرون معك إلى تبوك ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ معتذرين ﴿إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ في الحديث، لنقطع به الطريق، ولم نقصد ذلك. والخوض في الأصل: الدخول في الماء أو في الوحل، كثر استعماله في الباطل، لما فيه من التعرض للأخطار، والمراد: الإكثار من العمل الذي لا ينفع لا تعتذروا عنه، والاعتذار: الإدلاء بالعذر: أي لمحو أثر الذنب ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ أي ظهر كفركم بعد إظهار الإيمان ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ بإخلاصها وتوبتها كمخشّ بن حمير ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ الطائفة: الجماعة من الناس، والقطعة من الشيء ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مصرّين على النفاق والاستهزاء.
стр. 3195
سبب النزول:
نزول الآية (٦٢):
﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ﴾:
روى ابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال في شأن المتخلّفين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم ما نزل: والله، إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقا، لهم (١) شر من الحمير، فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله، إن ما يقول محمد لحق، ولأنت شر من الحمار، وسعى بها الرجل إلى النبي ﵌ فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال:
ما الذي حملك على الذي قلت؟ فجعل يتلعن (يلعن نفسه) ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدّق الصادق، وكذّب الكاذب، فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية. وروي ذلك أيضا عن السدّي.
نزول الآية (٦٥):
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك في مجلس يوما: ما رأينا مثل قرآن هؤلاء، ولا أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء! فقال له رجل: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﵌، فبلغ ذلك رسول الله ﵌، ونزل القرآن.
وسمي الرجل في رواية أخرى: عبد الله بن أبي، والأصح أنه وديعة بن ثابت لأن عبد الله لم يشهد تبوك.
وأخرج ابن أبي حاتم أيضا عن كعب بن مالك: قال مخشّ بن حمير:
لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منكم مائة، على أن ننجو من أن ينزل فينا قرآن، فبلغ النبي ﵌، فجاءوا يعتذرون، فأنزل الله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾
стр. 3196
الآية، فكان الذي عفا الله عنه مخشّ بن حمير، فسمي عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمقتله، فقتل يوم اليمامة، لا يعلم مقتله إلا من قتله.
وقال السّدّيّ: قال بعض المنافقين: والله وددت لو أني قدّمت، فجلدت مائة، ولا ينزل فينا شيء يفضحنا؛ فنزلت الآية.
وأخرج ابن جرير الطبري وابن المنذر وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن قتادة أن ناسا من المنافقين قالوا: في غزوة تبوك: يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات له ذلك، فأطلع الله نبيه على ذلك، فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا، قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، فنزلت.
المناسبة:
هذا نوع آخر من قبائح المنافقين وهو إقدامهم على اليمين الكاذبة، ومشاقة (معاداة) الله ورسوله، وتحرزهم من نزول القرآن فاضحا لهم، واستهزاؤهم بآيات الله (القرآن) وهي آيات في الجملة لشرح أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك.
أخرج أبو الشيخ ابن حيان عن قتادة قال: كانت هذه السورة تسمى الفاضحة فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المنبئة؛ لأنها أنبأت بمثالبهم وعوراتهم.
التفسير والبيان:
يخاطب الله المؤمنين مبينا لهم أن المنافقين يقدمون على حلف الأيمان الكاذبة لترضوا عنهم والله يعلم إنهم لكاذبون، وذلك يدل على أنهم شعروا بموقفهم الحرج، وظهور نفاقهم، وافتضاح أمرهم.
يحلفون لكم معتذرين عما صدر منهم من قول أو فعل ليرضوكم، والحال أن
стр. 3197
الله ورسوله أحق بالإرضاء من المؤمنين، وذلك يكون بالطاعة والوفاق والإيمان الصادق والعمل الصالح.
والتعبير بإفراد ضمير ﴿يُرْضُوهُ﴾ للإعلام بأن إرضاء الرسول إرضاء لله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء ٨٠/ ٤] لأن مصدر الرسالة واحد، والأوامر والنواهي واحدة.
هذا إذا كانوا مؤمنين حقا كما يدّعون ويحلفون، فمن كان مؤمنا فليرض الله ورسوله، وإلا كان كاذبا.
ثم وبخهم الله تعالى مبينا خطورة الأمر والشأن الذي أقدموا عليه وفي ذلك مزيد تعظيم وتهويل، فقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ﴾ أي ألم يعلم هؤلاء المنافقون ويتحققوا أن من يعاد الله ورسوله ويخالفه، بتجاوز حدوده، أو يلمز رسوله في أعماله كقسمة الصدقات، أو في أخلاقه كقولهم: هو أذن يسمع كل ما يقال له، وكان في حد، والله ورسوله في حد، فجزاؤه جهنم خالدا فيها أبدا، أي مهانا معذبا، وذلك العذاب هو الخزي العظيم أي هو الذل العظيم، والشقاء الكبير.
والحقيقة أن المنافقين يعرفون حقيقة أمرهم، فهم غير مؤمنين بالله والرسول، وهم شاكّون مرتابون في الوحي، قلقون مضطربون، والشك والقلق يدعوهم إلى الحذر والخوف، لذا وصفهم تعالى بقوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ﴾ أي يخاف المنافقون ويتحرزون أن تنزل على المؤمنين سورة تكشف أحوالهم، وتفضح أسرارهم، وتبين نفاقهم، كهذه السورة التي سميت: الكاشفة والفاضحة والمنبئة، التي تنبئ المؤمنين بما في قلوب المنافقين، وتخبرهم بحقيقة وضعهم، فيفتضح أمرهم، وتنكشف أسرارهم.
وقوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ﴾ خبر وليس بأمر بدليل ما بعده: ﴿إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ لأنهم كفروا عنادا. وقوله: ﴿مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ أي أن
стр. 3198
الله مظهر ما كنتم تحذرونه من إظهار نفاقكم.
وهم مع ذلك كانوا دائما يستهزئون بالقرآن وبالنبي والمؤمنين: ﴿إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ [البقرة ١٤/ ٢]، فهددهم الله وأوعدهم بقوله: ﴿قُلِ: اِسْتَهْزِؤُا..﴾.
أي قل لهم يا محمد: استهزءوا بآيات الله كما تشاؤون، وهو أمر يقصد به التهديد والوعيد، إن الله مظهر ما تخافون حصوله، وسينزل على رسوله ما يفضحكم به، ويبين له أمركم، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ -إلى قوله-و ﴿لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد ٢٩/ ٤٧ - ٣٠].
ثم يقسم الله بأنه إن سألتهم أيها الرسول عن أقوالهم هذه وهزئهم، لاعتذروا عنها بأنهم لم يكونوا جادّين فيها، بل هازلين لاعبين خائضين في اللغو بقصد التسلي واللهو، فوبخهم الله وأنكر عليهم بقوله: ﴿أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي إن هذا ليس مجال استهزاء، ألم تجدوا ما تستهزئون به غير ذلك؟ فإن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر محض، وشر مستطير. والمراد بالاستهزاء بالله: الاستهزاء بذكر الله وصفاته، وتكاليف الله تعالى. والمراد بآيات الله: القرآن وسائر أحكام الدين، والاستهزاء بالرسول معلوم كالطعن برسالته وتطلعاته وأخلاقه وأعماله.
فليس قولكم عذرا مقبولا، ولا تعتذروا أبدا بهذا أو بغيره، للتخلص من هذا الجرم العظيم، فإنكم قد كفرتم وظهر كفركم، كما أظهرتم إيمانكم، وتبين أمركم للناس قاطبة. وقوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ على جهة التوبيخ، كأنه يقول:
لا تفعلوا ما لا ينفع.
فإن نعف عن بعضكم لتوبتهم الخالصة كمخشّ بن حميّر، نعذّب طائفة أي جماعة أخرى لبقائهم على النفاق، وارتكابهم الآثام، وإجرامهم في حق أنفسهم وغيرهم، فتعذيبكم بسبب إجرامكم.
стр. 3199
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - تعداد قبائح المنافقين وهي الإقدام على الأيمان الكاذبة، ومعاداة الله ورسوله، والاستهزاء بالقرآن والنبي والمؤمنين، والتخوف من نزول سورة في القرآن تفضح شأنهم، واعتذارهم بأنهم هازلون لاعبون، وهو إقرار بالذنب، بل هو عذر أقبح من الذنب.
٢ - لا يقبل الهزل في الدين وأحكامه، ويعتبر الخوض في كتاب الله ورسله وصفاته كفرا، ولا خلاف بين الأمة في أن الهزل بالكفر كفر، لأن الهزل أخو الباطل والجهل، كما قال ابن العربي.
٣ - دل قوله تعالى: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ على أربعة أحكام هي:
أولا-الاستهزاء بالدين كفر بالله تعالى، لمنافاته مقتضى الإيمان وهو تعظيم الله تعالى.
ثانيا-لا يقتصر الكفر على القلب، وإنما يشمل الأقوال والأفعال المكفرة.
ثالثا-قولهم الذي صدر منهم كفر حقيقي، وإن كانوا منافقين من قبل، وأن الكفر يتجدد.
رابعا-حدث الكفر بعد أن كانوا مؤمنين في الظاهر.
والخلاصة: إنه تعالى حكم عليهم بالكفر وعدم قبول الاعتذار من الذنب، ما لم يتوبوا من النفاق.
٤ - التوبة عن النفاق أو الكفر مقبولة، فمن تاب عفي عنه، ومن أصر على الكفر أو النفاق عوقب في جهنم.
стр. 3200
هذا في أساسيات العقيدة، أما حكم الهزل في العقود كالبيع والزواج، والفسوخ كالطلاق، فمختلف فيه بين العلماء على ثلاثة أقوال:
لا يلزم مطلقا، يلزم مطلقا، التفرقة بين البيع وغيره، فيلزم في الزواج والطلاق، ولا يلزم في البيع. والقول الثالث هو المشهور في المذاهب، لما
روى أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌:
«ثلاث جدّهن جدّ، وهزلهن جدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة» وفي موطأ مالك عن سعيد بن المسيّب قال: ثلاث ليس فيهن لعب: النكاح، والطلاق، والعتق. وذكر ابن المسيب عن عمر قال: أربع جائزات على كل أحد: العتق، والطلاق، والنكاح، والنذور.
٥ - تضمنت آية ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ﴾ قبول يمين الحالف، وإن لم يلزم المحلوف له الرضا. واليمين حق للمدّعي. وتضمنت أن يكون اليمين بالله .
وقال النبي ﵌ في الحديث المتفق عليه عن ابن عمر: «من حلف فليحلف بالله أو ليصمت، ومن حلف له فليصدّق».
أوصاف المنافقين وجزاؤهم الأخروي
﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اِسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾
стр. 3201
الإعراب:
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حال، والعامل فيه محذوف أي يصلونها خالدين ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الكاف في موضع نصب، لأنها صفة مصدر محذوف، وتقديره: وعدا كما وعد الذين من قبلكم، بدليل قوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ﴾.
﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ..﴾. الكاف في موضع نصب أيضا صفة لمصدر محذوف، وتقديره: استمتاعا كاستمتاع الذين من قبلكم. وكذلك كاف ﴿كَالَّذِي خاضُوا﴾ في موضع نصب أيضا صفة محذوف دل عليه الفعل، وتقديره: وخضتم خوضا كالخوض الذي خاضوا.
البلاغة:
﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ قبض اليد: كناية عن الشح والبخل، كما أن بسط اليد كناية عن الجود.
﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ من باب المشاكلة، لأن الله لا ينسى، أي تركوا طاعته، فتركهم تعالى من رحمته.
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ و ﴿خُضْتُمْ﴾: فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التقريع والذم.
﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ..﴾. فيه إطناب، قصد منه الذم والتوبيخ، لاشتغالهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة.
стр. 3202
المفردات اللغوية:
﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي متشابهون في صفة النفاق والبعد عن الإيمان كأبعاض الشيء الواحد كما يقال: أنت مني وأنا منك، أي أمرنا واحد لا مباينة فيه. وقال الزمخشري: المراد به نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في حلفهم بالله: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾، وتقرير لقوله: ﴿وَما هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة ٥٦/ ٩] وما بعده كالدليل عليه، فإنه يدل على مضادّة حالهم لحال المؤمنين، وهو قوله:
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ أي بالكفر والمعاصي. والمنكر: إما شرعي: وهو ما يستقبحه الشرع ويمنعه، وإما عقلي: وهو ما تستنكره العقول السليمة والفطر النقية، لمنافاته الأخلاق والمصالح العامة. وضده المعروف. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ أي الإيمان والطاعة، والمعروف: كل ما أمر به الشرع، أو استحسنه العقل والعرف الصحيح غير المصادم للشرائع والأخلاق.
﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ عن الإنفاق في الطاعة، ويراد به الكف عن البذل فيما يرضي الله، وضده: بسط اليد ﴿نَسُوا اللهَ﴾ تركوا طاعته وأوامره حتى صارت بمنزلة المنسيّ ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ فتركهم من فضله ولطفه ورحمته، وجازاهم على نسيانهم وإغفالهم ذكر الله ﴿الْفاسِقُونَ﴾ الخارجون عن الطاعة، المنسلخون عن أصول الإيمان، الكاملون في التمرد والتنكر للخير.
﴿وَعَدَ اللهُ﴾ الوعد: يستعمل في منح الخير والشر، والوعيد خاص بالشر ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ مقدّرين الخلود ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ كفايتهم عقابا وجزاء، وفيه دلالة على عظم عذابها ﴿وَلَعَنَهُمُ اللهُ﴾ أبعدهم من رحمته وأهانهم مع التعذيب، وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين، كما عظم أهل الجنة وألحقهم بالملائكة المكرّمين. واللعن: الطرد أو الإبعاد من الرحمة والإهانة والإذلال ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم ثابت لا ينقطع، والمراد أن لهم نوعا من العذاب غير الصلي بالنار، أو لهم عذاب ملازم لهم في الدنيا وهو ما يقاسونه من تعب النفاق.
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي أنتم أيها المنافقون مثل الذين من قبلكم من الكفار، أو فعلتم مثل ما فعل الذين من قبلكم، وهو أنكم استمتعتم وخضتم كما استمتعوا وخاضوا ﴿فَاسْتَمْتَعُوا﴾ تمتعوا ﴿بِخَلاقِهِمْ﴾ نصيبهم من ملاذ الدنيا ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ أيها المنافقون ﴿وَخُضْتُمْ﴾ دخلتم في الباطل والطعن بالنبي ﵌ ﴿كَالَّذِي خاضُوا﴾ أي كخوضهم. وفائدة ذكر ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ وقوله:
﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾: أن يذم الأولين بالاستمتاع بحظوظ الدنيا ورضاهم بها، والتهائهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة والسعي في تحصيل الفلاح في الآخرة، تمهيدا لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم.
﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت وفسدت أعمالهم وذهبت فائدتها في الدنيا والآخرة، ولم يستحقوا عليها ثوابا في الدارين ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ الذين خسروا الدنيا والآخرة.
стр. 3203
﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ﴾ خبر ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أغرقوا بالطوفان ﴿وَعادٍ﴾ قوم هود أهلكوا بالريح ﴿وَثَمُودَ﴾ قوم صالح أهلكوا بالرجفة ﴿وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ﴾ أهلك نمرود ببعوض، وأهلك أصحابه ﴿وَأَصْحابِ مَدْيَنَ﴾ هم قوم شعيب أهلكوا بالنار يوم الظلة ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ﴾ قرى قوم لوط، أي أهلها، ائتفكت بهم، أي انقلبت، فصار عاليها سافلها، وأمطروا حجارة من سجّيل ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أتتهم يعني الكل بالمعجزات، فكذبوهم فأهلكوا ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي لم يكن من عادته أن يعذبهم من غير ذنب ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بارتكاب الذنب وتعريضها للعقاب بالكفر والتكذيب.
المناسبة:
تستمر الآيات في بيان فضائح المنافقين وقبائحهم، وهذا نوع آخر قصد به بيان الفرق بينهم وبين المؤمنين، وتشبيههم بمن قبلهم من المنافقين والكفار، وتمثيل حالهم بحال من سبقهم، وعقد قياس أو موازنة بينهم وبين أناس غابرين، لهم شبه بهم، كما قصد به بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة، والأفعال الخبيثة.
التفسير والبيان:
تبيّن هذه الآيات وما بعدها الفروق الواضحة بين صفات المؤمنين وصفات المنافقين، ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كان المنافقون عكسهم.
المنافقون والمنافقات أي الرّجال والنّساء يشبه بعضهم بعضا في صفة النفاق والبعد عن الإيمان وفي الأخلاق والأعمال، فهم يأمرون بالمنكر: وهو ما أنكره الشّرع ونهى عنه، ولم يقرّه الطّبع السليم والعقل الصحيح، كالكذب والخيانة وخلف الوعد ونقض العهد، كما جاء في الحديث الصّحيح الذي أخرجه الشّيخان والتّرمذي والنّسائي عن أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾:
стр. 3204
وهو ما أمر به الشرع وأقرّه العقل والطّبع كالجهاد وبذل المال في سبيل الله، كما قال تعالى عنهم: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧/ ٦٣].
ونسوا ذكر الله، وأغفلوا تكاليف الشرع مما أمر به الله ونهى عنه، فنسيهم أي جازاهم بمثل فعلهم، وعاملهم معاملة من نسيهم، بحرمانهم من لطفه ورحمته، وفضله وتوفيقه في الدّنيا، ومن الثواب في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ [الجاثية ٣٤/ ٤٥]، وذلك لتركهم التّمسك بطاعة الله.
﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾، أي الخارجون عن طريق الحقّ والاستقامة، الدّاخلون في طريق الضّلالة، المتمرّدون في الكفر، المنسلخون عن كلّ خير.
ثم بيّن الله تعالى جزاءهم فقال: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ﴾.
أي أنه تعالى أكّد وعيده السابق بمجازاتهم وضمّهم إلى الكفار، فأوعدهم جميعا نار جهنم يدخلونها، ماكثين فيها أبدا، مخلدين هم والكفار فيها، هي كفايتهم في العذاب ووفاء الجزاء أعمالهم، ولعنهم أي طردهم وأبعدهم من رحمته، ولهم عذاب دائم مستمر غير عذاب جهنم والخلود فيها، أو لهم عذاب ملازم في الدّنيا وهو ما يقاسونه من مرض النفاق، والخوف من اطّلاع الرّسول والمسلمين على بواطنهم، وحذرهم من أنواع الفضائح.
وفي ذكر النساء مع الرّجال دليل على عموم الوصف وتأصّل الدّاء، وأما تأخير ذكر الكفار عن المنافقين فهو دليل على أنهم شرّ من الكفار، وأن النّفاق أخطر من الكفر الصريح.
ثم بيّن الله تعالى أن ما أصاب هؤلاء المنافقين من العذاب في الدّنيا والآخرة،
стр. 3205
له شبه بعذاب أولئك المنافقين والكفار السابقين مع أنبيائهم، فأنتم مثلهم مغرورون بالدّنيا ومتاعها الفاني، لكنهم ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً، وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً﴾، فتمتعتم وخضتم كما تمتعوا وخاضوا، وانصرفتم مثلهم إلى الاستمتاع بنصيبكم من المال والولد، وبلذائذ الدّنيا وحظوظها الزائلة، وشغلتم عن التّمتع بكلام الله وهدي رسوله ﵌، ولم تنظروا في عواقب الأمور، ولم تعملوا على طلب الفلاح في الآخرة، وتوافرت دواعي الخير عندكم، كما توافرت دواعي الشّرّ عندهم، فكنتم أسوأ حالا منهم، وأحقّ بالعقاب منهم. فقوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ أي بنصيبهم من ملاذ الدّنيا، أو بنصيبهم من الدّين، كما فعل الذين من قبلهم.
وخضتم كالذي خاضوا، أي دخلتم في الباطل كما دخلوا، أو خضتم خوضا كالذي خاضوا.
وفائدة ذكر الاستمتاع بالخلاق (النصيب) في حقّ المتقدمين أولا، ثم ذكره في حق المنافقين ثانيا، ثم العود إلى ذكره مرة أخرى في حق المتقدمين ثالثا: هو ذمّ الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدّنيا، وحرمانهم عن سعادة الآخرة، بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ العاجلة، ثم شبّه منافقي العهد الإسلامي بأولئك، نهاية في المبالغة، وزيادة في قبح وجه الشّبه، كمن أراد أن ينبّه بعض الظّلمة على قبح ظلمه، فيقول له: أنت مثل فرعون، كان يقتل بغير جرم، ويعذّب من غير موجب، وأنت تفعل مثل فعله. وبالجملة فالتّكرار هاهنا للتّأكيد.
وبعد أن بيّن الله تعالى مشابهة هؤلاء المنافقين لأولئك الكفار المتقدّمين في طلب الدّنيا، وفي الإعراض عن طلب الآخرة، بيّن شبها آخر بين الفريقين: وهو تكذيب الأنبياء، والاتّصاف بالمكر والخديعة والغدر بهم، فقال: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ أي كخوضهم الذي خاضوا، وقد خاضوا في الكذب والباطل.
стр. 3206
ثم بيّن الله تعالى مصير أعمال جميع المنافقين والكفار المتقدّمين واللاحقين، فقال: ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ..﴾. أي إن أولئك المنافقين والكفار بطلت مساعيهم وحسناتهم وفسدت أعمالهم في الدّنيا، لأنها أعمال رياء وسمعة، وفي الآخرة، فلم يكن لهم أجر أو ثواب، لأنهم لم يقصدوا وجه الله، ولأن شرط الثواب عليها الإيمان، وهم لم يؤمنوا حقّا، بل أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، فكانوا منافقين.
وأولئك هم الخاسرون الذين خسروا في مظنة الرّبح والمنفعة، لأنهم لم يحصلوا على الثّواب، وأتعبوا أنفسهم في الرّدّ على الأنبياء والرّسل، فما وجدوا إلاّ فوات الخيرات في الدّنيا والآخرة، وإلاّ حصول العقاب في الدّنيا والآخرة.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف ١٠٣/ ١٨ - ١٠٤]، وقوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ..﴾. نقيض فعل الصّالحين المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت ٢٧/ ٢٩].
والمقصود: أنه تعالى بعد أن شبّه حال هؤلاء المنافقين بأولئك الكفار، بيّن أن أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال، وإلاّ الخزي والخسار، مع أنهم كانوا أقوى من هؤلاء المنافقين وأكثر أموالا وأولادا منهم، مما جعل هؤلاء المنافقين أولى بالوقوع في عذاب الدّنيا والآخرة، والحرمان من خيرات الدّنيا والآخرة (١).
ثم وعظ الله تعالى هؤلاء المنافقين المكذّبين للرّسل وأنذرهم بقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ..﴾. أي ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذّبة للرّسل، وذكر طوائف ستّة، وهم قوم نوح الذين أغرقوا بالطّوفان الذي عمّ جميع أهل الأرض القديمة إلا من آمن بنوح ﵇، وعاد قوم هود الذين أهلكوا بالرّيح العقيم
стр. 3207
لما كذّبوا هودا ﵇، وثمود قوم صالح الذين أخذتهم الصّيحة لما كذّبوا صالحا ﵇ وعقروا النّاقة، وقوم إبراهيم الذين أهلكهم الله بسلب النعمة عنهم، وبتسليط البعوضة على ملكهم نمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني، ونصر الله إبراهيم ﵇ عليهم، وأيّده بالمعجزات الظاهرة وأنقذه من النار، وأصحاب مدين قوم شعيب ﵇ الذين أصابتهم الرّجفة وعذاب يوم الظّلّة، والمؤتفكات (١) قوم لوط الذين كانوا يسكنون في مدائن، فأهلكهم الله بالخسف، وجعل عالي أرضهم سافلها، وأمطر عليهم الحجارة، قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم ٥٣/ ٥٣] أي الأمة المؤتفكة، وأمّ قراهم:
سدوم، أهلكهم الله عن آخرهم، بتكذيبهم نبي الله لوطا ﵇، وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين.
ذكر الله تعالى هؤلاء الطوائف السّتّة، لأنه أتاهم نبأ هؤلاء تارة، بأن سمعوا أخبارهم في التاريخ المنقول من الناس، وتارة لأجل أن بلاد هؤلاء، وهي بلاد الشام، قريبة من بلاد العرب، وقد بقيت آثارهم مشاهدة.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ استفهام للتقرير والتوبيخ، أي أتاهم نبأ هؤلاء الأقوام، فلم يعتبروا.
هؤلاء أتتهم رسلهم بالبينات، أي بالمعجزات والحجج والدلائل القاطعات، وهنا لا بدّ من إضمار محذوف في الكلام، تقديره: فكذّبوا، فعجّل الله هلاكهم.
﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بإهلاكه إياهم، لأنه أقام عليهم الحجّة بإرسال الرّسل، ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بسبب أفعالهم القبيحة، وتكذيبهم
стр. 3208
الرّسل، ومخالفتهم الحقّ، فالظّلم كان من أنفسهم لا من الله تعالى، فاستحقّوا ذلك العذاب.
والهدف من التذكير بهؤلاء الأقوام أن يعرف المنافقون والكفار أنّ سنّة الله في عباده واحدة لا تتغير ولا تتبدل، فإذا ما أصرّوا على كفرهم، فإن العذاب سينزل بهم، لأن ما جرى على النّظير يجري على نظيره، قال تعالى: ﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ، أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر ٤٣/ ٥٤].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
١ - النّفاق: مرض عضال متأصّل في البشر، وأصحاب ذلك المرض متشابهون في كل عصر وزمان في الأمر بالمنكر والنّهي عن المعروف، وقبض أيديهم وإمساكهم عن الإنفاق في سبيل الله للجهاد، وفيما يجب عليهم من حق.
٢ - للمنافقين عذابان: عذاب في نار جهنم، ونوع آخر من العذاب المقيم الدائم، غير العذاب بالنار والخلود فيها.
٣ - الجزاء من جنس العمل، فقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ معناه أنهم تركوا أمره وطاعته حتى صار ذلك بمنزلة المنسي، فتركهم من رحمته، وسمّاه باسم الذّنب لمقابلته، لأنه جزاء وعقوبة على الفعل، وهو مجاز كقولهم: الجزاء بالجزاء، وقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى ٤٠/ ٤٢] ونحو ذلك.
٤ - سبب العذاب للكفار والمنافقين واحد في كل العصور: وهو إيثار الدّنيا على الآخرة والاستمتاع بها، وتكذيب الأنبياء والمكر والخديعة والغدر بهم. وقد وعد الله الكفار نار جهنم وعدا كما وعد الذين من قبلهم، لفعلهم أفعال الذين من
стр. 3209
قبلهم كالأمر بالمنكر والنّهي عن المعروف. جاء
في الصّحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النّبي ﵌: «لتتّبعنّ سنن من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنّصارى؟ قال: فمن؟».
وقال ابن عباس ونحوه عن ابن مسعود: ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل، شبّهنا بهم.
٥ - آية ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ دلّت على مشروعية القياس، وإلحاق النظائر والأشباه ببعضها، ويؤيّدها قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ [الحشر ٢/ ٥٩].
٦ - لا ثواب على أعمال الكفار في الآخرة: ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ أي بطلت حسناتهم ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ فلم يحصلوا على الثواب.
٧ - إن إهلاك الأمم والأقوام الغابرة بسبب كفرهم وتكذيبهم الأنبياء فيه عظة وعبرة للمعتبر من العقلاء.
٨ - لا عقوبة إلا بذنب: ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي ليهلكهم حتى يبعث إليهم الأنبياء، ويصدر منهم ما يستحقون به العذاب ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي ولكن ظلموا أنفسهم بعد قيام الحجة عليهم.
стр. 3210
أوصاف المؤمنين وجزاؤهم الأخروي
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾
البلاغة:
في هذه الآيات مقابلة لطيفة بين صفات المؤمنين وصفات المنافقين، ومقابلة أيضا في الجزاء بين نار جهنم والجنة، فهي مقابلة في الصفات وفي الجزاء.
المفردات اللغوية:
﴿أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي يتناصرون ويتعاضدون، من الولاية: وهي النصرة في الشدائد، والأخوة والمحبة، وهي ضد العداوة ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ لا يعجزه شيء عن إنجاز وعده ووعيده، فيعز من أطاعه، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يضع شيئا إلا في محله ﴿جَنّاتٍ﴾ هي البساتين، الكثيرة الأشجار، الملتفة الأغصان، التي تستر ما حولها من الأرض ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي حسنة البناء طيبة القرار ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عدن: اسم مكان خاص في الجنة كالفردوس، بدليل قوله تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾ [مريم ٦١/ ١٩] ويدل عليه
ما روى أبو الدرداء ﵁ عن رسول الله ﵌: «عدن: دار الله التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيون، والصدّيقون، والشهداء، يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك».
﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي وشيء من رضوان الله أكبر وأعظم من ذلك كله؛ لأن رضاه هو
стр. 3211
سبب كل فوز وسعادة، ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما وعد الله، أو إلى الرضوان ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وحده دون ما يعدّه الناس فوزا.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى صفات المنافقين الذميمة وما أعده لهم من العذاب، أعقبه بذكر صفات المؤمنين المحمودة وما أعده لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم.
وهكذا الشأن في الأسلوب القرآني يذكر المتقابلات والأضداد، للعبرة والعظة، وبيان الفروق، لاختيار الإنسان ما فيه المصلحة. وهنا يتجلى الفرق الواضح بين أفعال المنافقين الخبيثة وما يستحقونه من العذاب، وبين أفعال المؤمنين الحميدة وما يلاقونه من ثواب، ليعلم المنافقون أنهم غير مؤمنين في الحقيقة، وأن ما يظهرونه من إيمان نفاق وخداع، سرعان ما ينكشف، ولا يفيدهم مطلقا.
وأما السبب في ذكر لفظ ﴿مِنْ﴾ في المنافقين: ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ وفي المؤمنين لفظ ﴿أَوْلِياءُ﴾: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾: فهو أن تجمع المنافقين على النفاق إنما هو بسبب التقليد والميل والعادة، وأما تجمع المؤمنين على الإيمان فهو بسبب المشاركة في القناعة والاستدلال والتوفيق والهداية.
التفسير والبيان:
إن أهل الإيمان من الذكور والإناث متناصرون متعاضدون، كما
جاء في الحديث الصحيح: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه،
وفي الصحيح أيضا: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
стр. 3212
وقد كان التعاون بين المسلمين والمسلمات قائما في الميادين والمواقف الحاسمة كلها كالهجرة والجهاد، مع اعتصام الرجال بالعفة وغض البصر، واعتصام النساء بالأدب الجم والحياء والتعفف وغض البصر والاحتشام في الحديث واللباس والعمل. فقد كان للمرأة دور بارز في إنجاح الهجرة كأسماء ذات النطاقين، وكانت النسوة في المعارك والحروب مع الأعداء يسقين الماء، ويجهزن الطعام، ويحرضن على القتال، ويرددن المنهزم من الرجال، ويواسين الجرحى، ويعالجن المرضى.
وقوله في أهل الإيمان: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في مقابلة قوله في المنافقين: بعضهم من بعض؛ لأن المؤمنين إخوة تسودهم المحبة والمودة والتعاون والتعاطف، وأما المنافقون فلا رابطة قوية بينهم ولا عقيدة تجمعهم، وإنما هم أتباع بعضهم بعضا في الشكوك والجبن والبخل والانهزام والتردد؛ لأن قلوبهم مختلفة.
وقد ذكر الله تعالى هنا للمؤمنين أوصافا خمسة غير الولاية مع بعضهم يتميز بها المؤمن عن المنافق، وهي في قوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾.
فالمؤمنون يأمرون بالمعروف، والمنافقون يأمرون بالمنكر كما في الآية المتقدمة.
والمؤمنون ينهون عن المنكر، والمنافقون ينهون عن المعروف كما تقدم.
والمؤمنون يقيمون الصلاة على أكمل وجه وفي خشوع لله، والمنافقون لا يقومون إلى الصلاة إلا وهم كسالى، يراءون الناس.
والمؤمنون يؤتون الزكاة المفروضة عليهم مع التطوع بالصدقات، والمنافقون يبخلون ويقبضون أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله، كما في الآية السابقة.
стр. 3213
والمؤمنون يطيعون الله ورسوله، بفعل ما أمرا به، وترك ما نهيا عنه، والمنافقون فاسقون متمردون خارجون عن الطاعة.
وبسبب هذه الصفات التي يتصف بها أهل الإيمان استحقوا الرحمة:
﴿أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾ أي سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات، ويتعهدهم برحمته في الدنيا والآخرة، وذكر حرف السين في قوله ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾ للتوكيد والمبالغة، ويقابل هذا نسيانه تعالى المنافقين من رحمته: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ فهو تعالى كما وعد المنافقين نار جهنم، فقد وعد المؤمنين الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة.
إن الله عزيز لا يمتنع عليه شيء من وعد ولا وعيد، حكيم لا يضع شيئا في غير موضعه، فلا حائل يحول بينه وبين عباده من رحمة أو عقوبة، وهو الحكيم المدبر أمر عباده على وفق العدل والحكمة والصواب، فيخص المؤمنين بالجنة والرضوان، ويخص المنافقين بالنار والعذاب والغضب.
ثم فصل الله تعالى ما وعد به المؤمنين من الرحمة، فأبان أن تلك الرحمة تشمل خيرات كثيرة ونعيما مقيما في جنات: بساتين مشجرة تغطي ما تحتها، تجري الأنهار من تحت أشجارها، فتزيدها جمالا، وهم خالدون ماكثون فيها أبدا، ولهم فيها مساكن طيبة أي حسنة البناء طيبة القرار، كما جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: «جنتان: من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه، في جنة عدن» ثم
قال رسول الله ﵌: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلا في السماء، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم، لا يرى بعضهم بعضا».
وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة ﵁: «إن في الجنة مائة
стр. 3214
درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن».
وجنات عدن: اسم مكان ومنزل من منازل الجنة كالفردوس، بدليل قوله تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم ٦١/ ١٩] وبدليل حديث أبي الدرداء المتقدم في شرح المفردات. وقيل: العدن: الإقامة والاستقرار، فجنات عدن: هي جنات الإقامة والخلود، كقوله تعالى: ﴿جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان ١٥/ ٢٥] و ﴿جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ [النجم ١٥/ ٥٣] فالجنات كلها جنات عدن.
وللمؤمنين أيضا رضوان من الله أكبر وأعظم من الجنان، أي رضا الله عنهم أجل مما هم فيه من النعيم، وذلك دليل قاطع على أن السعادة الروحية أكمل وأشرف من السعادة الجسدية. ويؤيده
ما رواه الإمام مالك والشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبّيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون:
يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا».
وقيل: إن الرضوان هو رؤية الله يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس ٢٦/ ١٠].
ولما ذكر تعالى هذه الأمور الثلاثة (الجنات، والمساكن الطيبة في جنات عدن، والرضوان الإلهي الأكبر) قال: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي ذلك
стр. 3215
الوعد الصادر من الله، أو ذلك الرضوان أو هما معا أي النعيم الجسدي والروحي هو الفوز العظيم وحده، دون ما يعده الناس فوزا، وهو الذي يجزى به المؤمنون الخلّص، لا غيره من طيبات الدنيا الفانية التي يحرص عليها المنافقون والكفار ويطلبونها دائما.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات في صفات المؤمنين لتمييزهم عن المنافقين، وما وعدهم به ربهم في الآخرة، أما الصفات فهي ست، وأما الوعود فهي ثلاثة، والصفات الست هي ما يأتي:
١ - إن أهل الإيمان رجالا ونساء أمة واحدة مترابطة متعاونة متناصرة، قلوبهم متحدة في التوادّ والتحابّ والتعاطف. أما المنافقون بعضهم من بعض؛ لأن قلوبهم مختلفة، لا رابطة تربطهم غير الاتصاف بالنفاق وضم بعضهم إلى بعض في الحكم.
٢ - يأمر أهل الإيمان بالمعروف أي بعبادة الله تعالى وتوحيده وما يتبع ذلك من أوامر الشرع ومحاسنه وآدابه. والمنافقون يأمرون بالمنكر.
٣ - ينهي أهل الإيمان عن المنكر من عبادة الأوثان وما تبع ذلك مما منعه الشرع، والمنافقون ينهون عن المعروف.
٤ - أهل الإيمان يقيمون الصلوات المفروضة الخمس، والمنافقون إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس.
٥ - أهل الإيمان يؤدون الزكاة المفروضة عليهم، والمنافقون كانوا يزكون خوفا أو رياء، لا طاعة لله تعالى، ويقبضون أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله.
стр. 3216
٦ - أهل الإيمان يطيعون الله في الفرائض ورسوله فيما سنّ لهم، والمنافقون متنكرون للطاعة.
وأما وعد الله تعالى للمؤمنين فيشمل ثلاثة أشياء مفسّرة للرحمة التي وعدهم بها في الآية المتقدمة:
١ - الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، أي البساتين التي ينعم بها الناظر، وتجري من تحت أشجارها وغرفها الأنهار، وهي تجري منضبطة بالقدرة الإلهية في غير أخدود (شقّ).
٢ - المساكن الطيبة في جنات عدن، أي القصور من الزبرجد (جوهر معروف هو الزمرّد الأخضر) والدّرّ والياقوت (ذي اللون الأحمر) يفوح طيبها من مسيرة خمس مائة عام، في جنات عدن (اسم موضع معين في الجنة، أو دار إقامة). قال مقاتل والكلبي: عدن: أعلى درجة في الجنة، وفيها عين التسنيم، والجنان حولها محفوفة بها، وهي مغطاة من يوم خلقها الله حتى ينزلها الأنبياء والصدّيقون والشهداء والصالحون ومن يشاء الله.
٣ - رضوان من الله أكبر وأعظم وأجل من كل ما ذكر. وفي هذا دلالة واضحة على أن السعادة الروحانية أفضل من الجسمانية.
جهاد الكفار والمنافقين وأسبابه
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)﴾
стр. 3217
الإعراب:
﴿وَلَقَدْ قالُوا﴾ اللام لام القسم.
﴿إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ..﴾. الاستثناء مفرّغ.
البلاغة:
﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ﴾ فيه تأكيد المدح بما يشبه الذّم، كما قال الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم... بهن فلول من قراع الكتائب
المفردات اللغوية:
﴿جاهِدِ الْكُفّارَ﴾ بالسّلاح. والجهاد: استفراغ الجهد والوسع في مدافعة العدوّ.
﴿وَالْمُنافِقِينَ﴾ باللسان والحجّة. ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ بالانتهار والمقت، والغلظة: الخشونة والقسوة في المعاملة وهي ضدّ اللين. ﴿الْمَصِيرُ﴾ المرجع.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ أي المنافقون. ﴿ما قالُوا﴾ وهو ما بلغك عنهم من السّبّ والطّعن.
﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ أظهروا الكفر بعد إظهار الإسلام. ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ من الفتك بالنّبي ﵌ ليلة العقبة، عند عوده من تبوك، وهم بضعة عشر رجلا، فضرب عمار بن ياسر وجوه الرّواحل لما غشوه، فردّوا. ﴿وَما نَقَمُوا﴾ أنكروا وكرهوا وعابوا عليه. ﴿إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي أثراهم بالغنائم بعد شدّة حاجتهم. ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ عن النّفاق ويؤمنوا بك. ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان. ﴿عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا﴾ بالقتل. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنّار.
﴿وَلِيٍّ﴾ يحفظهم منه. ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يمنعهم منه.
سبب النزول:
نزول الآية ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾:
قال الضّحّاك: خرج المنافقون مع رسول الله ﵌ إلى تبوك، وكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبّوا رسول الله ﵌ وأصحابه، وطعنوا في الدّين، فنقل
стр. 3218
ما قالوا حذيفة إلى رسول الله ﵌، فقال رسول الله ﵌: «يا أهل النّفاق، ما هذا الذي بلغني عنكم؟»، فحلفوا ما قالوا شيئا من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية كذّابا لهم (١).
وقال قتادة فيما أخرجه عنه ابن جرير: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا، أحدهما من جهينة، والآخر من غفار، فظهر الغفاري على الجهني، فنادى عبد الله بن أبيّ، يا بني الأوس انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل:
سمّن كلبك يأكلك، فوالله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فسمع بها رجل من المسلمين، فجاء إلى رسول الله ﵌، فأخبره، فأرسل إليه، فجعل يحلف بالله ما قال، وأنزل الله تعالى هذه الآية (٢).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن الجلاس بن سويد أحد المتخلّفين عن غزوة تبوك قال: لئن كان هذا الرّجل صادقا (يعني محمدا ﵌ على إخواننا الذين هم سادتنا وخيارنا، لنحن شرّ من الحمير (يقصد الآيات التي نزلت فيمن تخلّف من المنافقين) فرفع عمير بن سعيد ذلك إلى رسول الله ﵌، فحلف بالله: ما قلت، فأنزل الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا﴾ الآية. فزعموا أنه تاب وحسنت توبته.
ولعل أصحّ ما ذكر في سبب نزول هذه الآية:
ما رواه ابن جرير والطّبراني وأبو الشيخ ابن حيان وابن مردويه عن ابن عباس ﵁ قال: «كان رسول الله ﵌ جالسا في ظلّ شجرة، فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموا، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﵌، فقال له: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرّجل، فجاء
стр. 3219
بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا، فتجاوز عنهم، فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا﴾ الآية».
والخلاصة: إنه ﵊ أقام في غزوة تبوك شهرين، ينزل عليه القرآن، ويعيب المتخلّفين، فنطق بعضهم بكلمة الكفر التي لم تذكر في القرآن، لئلا يتعبّد المسلمون بتلاوتها، فاختلف الرّواة فيها، كما ذكر، ولا مانع من تعدّد أسباب النّزول.
نزول: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾:
قال الضّحّاك: همّوا أن يدفعوا ليلة العقبة، وكانوا قوما قد أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله ﵌، وهم معه يلتمسون غرّته حتى أخذ في عقبة، فتقدّم بعضهم وتأخّر بعضهم، وذلك كان ليلا، قالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي، وكان قائده في تلك الليلة عمار بن ياسر، وسائقه حذيفة، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، فالتفت فإذا هو بقوم متلثّمين، فقال: إليكم يا أعداء الله فأمسكوا، ومضى النّبي ﵌ حتى نزل منزله الذي أراد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ (١).
المناسبة:
بعد أن قارن الله تعالى صفات المؤمنين مع صفات المنافقين، وقابل بين جزاء كل من الفريقين، عاد مرة أخرى إلى تهديد الكفار والمنافقين وإنذارهم بالجهاد، وأبان أسبابه من إظهار الكفر، وحلف الأيمان الكاذبة، وقول كلمات فاسدة، ثم فتح لهم باب الأمل وهو التوبة، وهددهم بالعذاب الأليم إن أصروا على الكفر.
стр. 3220
التفسير والبيان:
الجهاد ثلاثة أنواع: جهاد العدو الظاهر، وجهاد الشيطان، وجهاد النفس والهوى. ويشملها كلها قوله تعالى: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج ٧٨/ ٢٢] وقوله: ﴿وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة ٤١/ ٩]. و
قال ﵌ فيما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» والجهاد باللسان: إقامة الحجة والبرهان.
وروى ابن كثير عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول الله ﵌ بأربعة أسياف: سيف للمشركين: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ٥/ ٩] وسيف للكفار: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ، مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩/ ٩] وسيف للمنافقين: ﴿جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ [التوبة ٧٣/ ٩] وسيف للبغاة: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات ٩/ ٤٩].
وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، كما اختار ابن جرير الطبري. فإن لم يظهروا النفاق يعاملون باتفاق الأئمة معاملة المسلمين إلا إذا ارتدوا، أو بغوا على جماعة المسلمين بالقوة، أو امتنعوا من إقامة شعائر الإسلام وأركانه. قال ابن عباس ﵁: جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان، أي بالحجة والبرهان.
والكافر: هو كل من لم يؤمن بالإسلام، أو من لم ينطق بالشهادتين، والكفر: ستر نعمة الله تعالى وجحود الإسلام. والمنافق: هو الذي يستر كفره وينكره بلسانه.
стр. 3221
ومعنى الآية: يا أيها النبي جاهد كلاّ من الكفار والمنافقين، واغلظ عليهم أي عاملهم بالخشونة والشدة، ولا تحابهم ولا تلن لهم واعلم أن مقرهم جهنم لا مقر لهم سواه، وبئس المصير مصيرهم: ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ [الفرقان ٦٦/ ٢٥]. أي أن لهم عذابين: عذاب الدنيا بالجهاد، وعذاب الآخرة في جهنم.
والجهاد: عبارة عن بذل الجهد، وليس في الآية ما يدل على أن ذلك الجهاد بالسيف أو باللسان، أو بطريق آخر، وإنما تدل على وجوب الجهاد مع الفريقين، فأما كيفية تلك المجاهدة فلفظ الآية لا يدل عليها، بل إنما يعرف من دليل آخر، وهذا هو الرأي الصحيح الذي اختاره الرازي.
وقد دلت الدلائل الأخرى من غير الآية على أن جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين تارة بإقامة الحجة والبرهان، وبترك الرفق أحيانا، وبالانتهار أحيانا أخرى. قال ابن مسعود في قوله: ﴿جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾: تارة باليد (أي بالسلاح الحربي) وتارة باللسان، فمن لم يستطع فليكشر في وجهه، فمن لم يستطع فبالقلب.
وقد أدت سياسة الإسلام الحكيمة بأمر الله وحكمة رسوله، ومعاملة المنافقين معاملة المسلمين في الظاهر، إلى توبة أكثرهم وإسلام الألوف منهم.
ثم ذكر الله تعالى أسباب جهاد الكفار والمنافقين، وهي إظهار الكفر بالقول، والهمّ بالفتك برسول الله ﵌، والاستهزاء بآيات الله وبالنبي والمؤمنين، فقال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ..﴾ ..
أي إن القرآن يثبت للمنافقين الكذب الصريح واليمين الفاجرة، فهم يحلفون بالله، إنهم ما قالوا كلمة الكفر التي رويت عنهم، ولم يذكر القرآن تلك الكلمة، ترفعا من ذكرها، ولئلا يردد المسلمون تلاوتها، ولكنهم قالوها، وهي كما ذكر
стр. 3222
في سبب النزول: إنهم لما اجتمعوا إثر رجوع النبي ﵌ من تبوك، وكانوا خمسة عشر، بقصد الفتك به، ودفعه عن راحلته، فقد طعنوا في نبوته، ونسبوه إلى الكذب، والتصنع في ادعاء الرسالة، وذلك هو قول كلمة الكفر، كما اختار الزجاج والرازي.
وكفروا بعد إسلامهم: معناه أظهروا الكفر بعد أن أظهروا الإسلام.
وهمّهم بما لم ينالوا: هو اغتيال الرسول في العقبة، بعد رجوعه من تبوك.
والصحيح أن عددهم كما جاء في رواية مسلم اثنا عشر منافقا.
وما أنكر هؤلاء المنافقون وما عابوا من أمر الإسلام أو الدين وبعثة النبي ﵌ شيئا، ﴿إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ﴾ تعالى من فضله ورسوله، بالغنائم الحربية، وكانوا كسائر الأنصار في المدينة فقراء، كما
قال النبي ﵌ للأنصار: «كنتم عالة، فأغناكم الله بي» أي أن أكثر أهل المدينة كانوا بحاجة وضنك من العيش، فلما قدمهم رسول الله ﵌ أثروا بالغنائم.
وروي أنه قتل للجلاس بن سويد (أحد المتخلفين عن تبوك) مولى، فأمر رسول الله ﵌ بديته اثني عشر ألفا، فاستغنى.
فليس هناك شيء ينقمون منه إلا أن الإسلام كان سببا في غناهم. وهذا مدح بما يشبه الذم.
فإن ينوبوا من النفاق ومساوئ أقوالهم وأفعالهم، يكن ذلك خيرا لهم وأصلح، ويفوزوا بالخير، ويقبل الله توبتهم. وفي هذا ترغيب لهم بالتوبة، وفتح باب الأمل والرجاء بالرحمة أمامهم.
وإن يتولوا عن التوبة بالإصرار على النفاق، يعذبهم الله عذابا مؤلما في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهو قتلهم وسبي أولادهم ونسائهم واغتنام أموالهم،
стр. 3223
وعيشهم في قلق وهمّ وخوف، كما قال تعالى عنهم: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً، لَوَلَّوْا إِلَيْهِ، وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة ٥٧/ ٩] وقال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤/ ٦٣]. وأما عذابهم في الآخرة فهو معروف، وهو إلقاؤهم ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾.
وما لهم في الأرض كلها من ولي يتولى أمورهم ويدافع عنهم، ولا نصير ينصرهم وينجّيهم من العذاب، إذ أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وأما المنافقون فلا ولاية لهم ولا نصرة بينهم، فليس لهم أحد يجلب لهم خيرا أو يدفع عنهم شرا.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات جهاد الكفار والمنافقين وأسباب ذلك، وقد دلت الآيات على ما يأتي:
١ - وجوب مجاهدة الكفار والمنافقين، والخطاب للنبي ﵌ ولأمته من بعده.
وجهاد الكفار بالسيف وسائر أنواع الأسلحة الحربية، وجهاد المنافقين باللسان، وشدة الزجر والتغليط، أي بإقامة الحجة والبرهان تارة، وبالانتهار والكهر تارة أخرى. ويلاحظ أن إقامة الحجة باللسان دائمة.
٢ - أسباب جهادهم: إعلان الكفر، وسبّ النبي ﵌، والطعن في الإسلام، وتآمرهم على اغتيال النبي ﵌، واستهزاؤهم بآيات الله وبالرسول والمؤمنين.
٣ - حلفهم الأيمان الفاجرة الكاذبة. والصحيح أن هذه الأقوال والأفعال لخبيثة هي ظاهرة عامة بين المنافقين؛ لعموم القول، ووجود المعنى في
стр. 3224
عبد الله بن أبي والجلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت وفي غيرهم. وأساس اعتقادهم في النبي أنه ليس بنبي.
٤ - كلمة الكفر التي قالوها قيل: هي تكذيبهم بما وعد الله من الفتح، أو قول الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن أشرّ من الحمير، أو قول عبد الله بن أبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨/ ٦٣]، وقيل: هي سبّ النبي ﵌ والطعن في الإسلام. والظاهر هو المعنى الأخير.
٥ - دل قوله: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ أي بعد الحكم بإسلامهم، على أن المنافقين كفار، ويدل عليه دلالة قاطعة قوله تعالى في آية أخرى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون ٣/ ٦٣].
ودلّ هذا القول أيضا على أن الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق بالله وبالنبوة، والمعرفة لله ، وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله، دون غيره من الأقوال والأفعال إلا في الصلاة. فمن شوهد يصلي الصلاة في وقتها، حتى صلّى صلوات كثيرة حكم عليه بالإيمان.
٦ - دلّ قوله: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ على مؤامرة جماعية من المنافقين، وكانوا في الأصح اثني عشر منافقا، لقتل النبي ﵌ ليلة العقبة في غزوة تبوك.
تشبه مؤامرة كفار قريش ليلة الهجرة.
٧ - المنافقون من شرّ الناس؛ لأنهم كما ذكر تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ..﴾. غادرون، يقابلون الإحسان بالإساءة، فقد استغنوا بالغنائم، ومع ذلك هموا بقتل النبي ﵌، فانطبق عليهم المثل المشهور: «اتق شرّ من أحسنت إليه».
стр. 3225
٨ - أرشد قوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ﴾ على توبة الكافر الذي يسرّ الكفر، ويظهر الإيمان، وهو الذي يسميه الفقهاء: الزنديق. وقد اختلف العلماء في شأن توبته، فقال الشافعي والجمهور: تقبل توبته، وقال مالك: توبة الزنديق لا تعرف؛ لأنه كان يظهر الإيمان ويسرّ الكفر، ولا يعلم إيمانه إلا بقوله. فإذا عثر عليه وقال: تبت، لم يقبل قوله، وإذا جاءنا تائبا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه، قبلت توبته. وهو المراد بالآية.
٩ - المنافقون خسروا الدنيا والآخرة، فإن هم أصروا على النفاق يعذبهم الله عذابين: في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار، وما لهم في الأرض كلها وليّ أي مانع يمنعهم، ولا نصير أي معين ينصرهم.
كذب المنافقين وإخلافهم العهد والوعد
قصة ثعلبة بن حاطب المزعومة
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥) فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾
الإعراب:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾ ﴿مَنْ﴾: مبتدأ ﴿وَمِنْهُمْ﴾ متعلق بالخبر المحذوف، وتقديره كائن منهم. وهي صيغة قسم في المعنى، بدليل اللام في قوله: ﴿لَئِنْ﴾ وهي لام القسم، وأما لام: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ فهي لام الجواب. وكلاهما للتأكيد.