← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

ومعنى الآية: يا أيها النبي جاهد كلاّ من الكفار والمنافقين، واغلظ عليهم أي عاملهم بالخشونة والشدة، ولا تحابهم ولا تلن لهم واعلم أن مقرهم جهنم لا مقر لهم سواه، وبئس المصير مصيرهم: ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ [الفرقان ٦٦/ ٢٥]. أي أن لهم عذابين: عذاب الدنيا بالجهاد، وعذاب الآخرة في جهنم. والجهاد: عبارة عن بذل الجهد، وليس في الآية ما يدل على أن ذلك الجهاد بالسيف أو باللسان، أو بطريق آخر، وإنما تدل على وجوب الجهاد مع الفريقين، فأما كيفية تلك المجاهدة فلفظ الآية لا يدل عليها، بل إنما يعرف من دليل آخر، وهذا هو الرأي الصحيح الذي اختاره الرازي. وقد دلت الدلائل الأخرى من غير الآية على أن جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين تارة بإقامة الحجة والبرهان، وبترك الرفق أحيانا، وبالانتهار أحيانا أخرى. قال ابن مسعود في قوله: ﴿جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾: تارة باليد (أي بالسلاح الحربي) وتارة باللسان، فمن لم يستطع فليكشر في وجهه، فمن لم يستطع فبالقلب. وقد أدت سياسة الإسلام الحكيمة بأمر الله وحكمة رسوله، ومعاملة المنافقين معاملة المسلمين في الظاهر، إلى توبة أكثرهم وإسلام الألوف منهم. ثم ذكر الله تعالى أسباب جهاد الكفار والمنافقين، وهي إظهار الكفر بالقول، والهمّ بالفتك برسول الله ﵌، والاستهزاء بآيات الله وبالنبي والمؤمنين، فقال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ..﴾ .. أي إن القرآن يثبت للمنافقين الكذب الصريح واليمين الفاجرة، فهم يحلفون بالله، إنهم ما قالوا كلمة الكفر التي رويت عنهم، ولم يذكر القرآن تلك الكلمة، ترفعا من ذكرها، ولئلا يردد المسلمون تلاوتها، ولكنهم قالوها، وهي كما ذكر

стр. 3222

في سبب النزول: إنهم لما اجتمعوا إثر رجوع النبي ﵌ من تبوك، وكانوا خمسة عشر، بقصد الفتك به، ودفعه عن راحلته، فقد طعنوا في نبوته، ونسبوه إلى الكذب، والتصنع في ادعاء الرسالة، وذلك هو قول كلمة الكفر، كما اختار الزجاج والرازي. وكفروا بعد إسلامهم: معناه أظهروا الكفر بعد أن أظهروا الإسلام. وهمّهم بما لم ينالوا: هو اغتيال الرسول في العقبة، بعد رجوعه من تبوك. والصحيح أن عددهم كما جاء في رواية مسلم اثنا عشر منافقا. وما أنكر هؤلاء المنافقون وما عابوا من أمر الإسلام أو الدين وبعثة النبي ﵌ شيئا، ﴿إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ﴾ تعالى من فضله ورسوله، بالغنائم الحربية، وكانوا كسائر الأنصار في المدينة فقراء، كما قال النبي ﵌ للأنصار: «كنتم عالة، فأغناكم الله بي» أي أن أكثر أهل المدينة كانوا بحاجة وضنك من العيش، فلما قدمهم رسول الله ﵌ أثروا بالغنائم. وروي أنه قتل للجلاس بن سويد (أحد المتخلفين عن تبوك) مولى، فأمر رسول الله ﵌ بديته اثني عشر ألفا، فاستغنى. فليس هناك شيء ينقمون منه إلا أن الإسلام كان سببا في غناهم. وهذا مدح بما يشبه الذم. فإن ينوبوا من النفاق ومساوئ أقوالهم وأفعالهم، يكن ذلك خيرا لهم وأصلح، ويفوزوا بالخير، ويقبل الله توبتهم. وفي هذا ترغيب لهم بالتوبة، وفتح باب الأمل والرجاء بالرحمة أمامهم. وإن يتولوا عن التوبة بالإصرار على النفاق، يعذبهم الله عذابا مؤلما في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهو قتلهم وسبي أولادهم ونسائهم واغتنام أموالهم،

стр. 3223

وعيشهم في قلق وهمّ وخوف، كما قال تعالى عنهم: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً، لَوَلَّوْا إِلَيْهِ، وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة ٥٧/ ٩] وقال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون ٤/ ٦٣]. وأما عذابهم في الآخرة فهو معروف، وهو إلقاؤهم ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾. وما لهم في الأرض كلها من ولي يتولى أمورهم ويدافع عنهم، ولا نصير ينصرهم وينجّيهم من العذاب، إذ أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وأما المنافقون فلا ولاية لهم ولا نصرة بينهم، فليس لهم أحد يجلب لهم خيرا أو يدفع عنهم شرا. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع الآيات جهاد الكفار والمنافقين وأسباب ذلك، وقد دلت الآيات على ما يأتي: ١ - وجوب مجاهدة الكفار والمنافقين، والخطاب للنبي ﵌ ولأمته من بعده. وجهاد الكفار بالسيف وسائر أنواع الأسلحة الحربية، وجهاد المنافقين باللسان، وشدة الزجر والتغليط، أي بإقامة الحجة والبرهان تارة، وبالانتهار والكهر تارة أخرى. ويلاحظ أن إقامة الحجة باللسان دائمة. ٢ - أسباب جهادهم: إعلان الكفر، وسبّ النبي ﵌، والطعن في الإسلام، وتآمرهم على اغتيال النبي ﵌، واستهزاؤهم بآيات الله وبالرسول والمؤمنين. ٣ - حلفهم الأيمان الفاجرة الكاذبة. والصحيح أن هذه الأقوال والأفعال لخبيثة هي ظاهرة عامة بين المنافقين؛ لعموم القول، ووجود المعنى في

стр. 3224

عبد الله بن أبي والجلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت وفي غيرهم. وأساس اعتقادهم في النبي أنه ليس بنبي. ٤ - كلمة الكفر التي قالوها قيل: هي تكذيبهم بما وعد الله من الفتح، أو قول الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن أشرّ من الحمير، أو قول عبد الله بن أبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨/ ٦٣]، وقيل: هي سبّ النبي ﵌ والطعن في الإسلام. والظاهر هو المعنى الأخير. ٥ - دل قوله: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ أي بعد الحكم بإسلامهم، على أن المنافقين كفار، ويدل عليه دلالة قاطعة قوله تعالى في آية أخرى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون ٣/ ٦٣]. ودلّ هذا القول أيضا على أن الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق بالله وبالنبوة، والمعرفة لله ، وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله، دون غيره من الأقوال والأفعال إلا في الصلاة. فمن شوهد يصلي الصلاة في وقتها، حتى صلّى صلوات كثيرة حكم عليه بالإيمان. ٦ - دلّ قوله: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ على مؤامرة جماعية من المنافقين، وكانوا في الأصح اثني عشر منافقا، لقتل النبي ﵌ ليلة العقبة في غزوة تبوك. تشبه مؤامرة كفار قريش ليلة الهجرة. ٧ - المنافقون من شرّ الناس؛ لأنهم كما ذكر تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ..﴾. غادرون، يقابلون الإحسان بالإساءة، فقد استغنوا بالغنائم، ومع ذلك هموا بقتل النبي ﵌، فانطبق عليهم المثل المشهور: «اتق شرّ من أحسنت إليه».

стр. 3225

٨ - أرشد قوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ﴾ على توبة الكافر الذي يسرّ الكفر، ويظهر الإيمان، وهو الذي يسميه الفقهاء: الزنديق. وقد اختلف العلماء في شأن توبته، فقال الشافعي والجمهور: تقبل توبته، وقال مالك: توبة الزنديق لا تعرف؛ لأنه كان يظهر الإيمان ويسرّ الكفر، ولا يعلم إيمانه إلا بقوله. فإذا عثر عليه وقال: تبت، لم يقبل قوله، وإذا جاءنا تائبا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه، قبلت توبته. وهو المراد بالآية. ٩ - المنافقون خسروا الدنيا والآخرة، فإن هم أصروا على النفاق يعذبهم الله عذابين: في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار، وما لهم في الأرض كلها وليّ أي مانع يمنعهم، ولا نصير أي معين ينصرهم. كذب المنافقين وإخلافهم العهد والوعد قصة ثعلبة بن حاطب المزعومة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥) فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾ ﴿مَنْ﴾: مبتدأ ﴿وَمِنْهُمْ﴾ متعلق بالخبر المحذوف، وتقديره كائن منهم. وهي صيغة قسم في المعنى، بدليل اللام في قوله: ﴿لَئِنْ﴾ وهي لام القسم، وأما لام: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ فهي لام الجواب. وكلاهما للتأكيد.

стр. 3226

البلاغة: ﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ و ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ فيهما جناس اشتقاق. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع. المفردات اللغوية: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي ومن المنافقين. ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس ﵁: يريد الحج. ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عن طاعة الله. ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ فأورثهم البخل، والضمير يعود للبخل، في رأي الحسن وقتادة رحمهما الله، والظاهر أن الضمير لله . ﴿نِفاقاً﴾ ثابتا متمكنا. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لأنه كان سببا فيه وداعيا إليه، وبما أن الضمير يعود لله تعالى في الراجح فالمعنى: فخذلهم حتى نافقوا، وتمكن في قلوبهم نفاقهم، فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدق والصلاح. ﴿إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ إلى يوم لقاء الله وهو يوم القيامة. سبب النزول: هناك قصة مشهورة بين الناس تروي سبب نزول هذه الآيات رددتها كتب التفسير، لكنها لم تصح لدى المحدثين، وهي ما أخرجه الطبراني وابن مردويه وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل بسند ضعيف عن أبي أمامة: أن ثعلبة بن أبي حاطب قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، قال: ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، قال: والله، لئن آتاني الله مالا، لأوتين كل ذي حقّ حقه، فدعا له، فاتخذ غنما، فنمت، حتى ضاقت عليه أزقّة المدينة، فتنحّى بها، وكان يشهد الصلاة، ثم يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذرت عليه مراعي المدينة، فتنحى بها، فكان يشهد الجمعة، ثم يخرج إليها، ثم نمت فتنحى بها، فترك الجمعة والجماعة، ثم أنزل الله على رسوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ فاستعمل على الصدقات رجلين، وكتب لهما كتابا، فأتيا ثعلبة، فأقرآه كتاب رسول الله ﵌ فقال: انطلقا إلى الناس، فإذا فرغتما، فمرا بي، ففعلا، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية! فانطلقا، فأنزل

стр. 3227

الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ، لَئِنْ آتانا﴾ الله ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَكْذِبُونَ﴾. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس نحوه. فجاء ثعلبة بالصدقة، فقال النبي ﵌: إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك. فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال: هذا جزاء عملك، قد أمرتك، فلم تطعني، فقبض رسول الله ﵌، فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فلم يقبلها، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته فلم يقبلها، وهلك في زمان عثمان ﵁. والحقيقة أن ما روي عن ثعلبة هذا غير صحيح لدى المحدثين، وثعلبة بدري أنصاري، وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان. قال ابن عبد البر: ولعلّ قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح، والله أعلم. وقال الضحاك: إن الآية نزلت في رجال من المنافقين: نبتل بن الحارث، وجدّ بن قيس، ومعتّب بن قشير. قال القرطبي: وهذا أشبه بنزول الآية فيهم، إلا أن قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً﴾ يدل على أن الذي عاهد الله تعالى لم يكن منافقا من قبل، إلا أن يكون المعنى: زادهم نفاقا ثبتوا عليه إلى الممات، وهو قوله تعالى: ﴿إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ (١). وذكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية أن ثعلبة بن أبي حاطب أبطأ عنه ماله بالشام، فحلف في مجلس من مجالس الأنصار: إن سلم ذلك لأتصدقن منه، ولأصلنّ منه، فلما سلم بخل بذلك، فنزلت. وهذا أيضا غير صحيح.

стр. 3228

المناسبة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن المنافقين، وتفضح أسرارهم، وتكشف أحوالهم للناس، وبما أنهم أقسام وأصناف ذكرهم تعالى على التفصيل، فقال: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة ٦١/ ٩] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة ٥٨/ ٩] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة ٤٩/ ٩] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ﴾. التفسير والبيان: وبعض المنافقين عاهد الله ورسوله: لئن أغناه الله من فضله، ليصدّقن وليكونن من الصالحين الذين ينفقون أموالهم في مرضاة الله، كصلة الرحم والجهاد. فقوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إشارة إلى إخراج الزكاة الواجبة، وقوله: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ إشارة إلى إخراج كل مال يجب إخراجه على الإطلاق. فلما رزقهم الله تعالى، وأعطاهم من فضله ما طلبوا، لم يوفوا بما قالوا، ولم يصدقوا فيما وعدوا، وإنما بخلوا به وأمسكوه، فلم يتصدقوا منه بشيء، ولم ينفقوا منه في مصالح الأمة كما عاهدوا الله عليه، بل تولوا بكل ما أوتوا من قوة عن العهد وطاعة الله، وأعرضوا إعراضا جازما عن النفقة وعن الإسلام، بسبب تأصل طبع النفاق في نفوسهم. وبخلوا به أي بإعطاء الصدقة وبإنفاق المال في الخير، وبالوفاء بما ضمنوا والتزموا. وهم معرضون أي عن الإسلام. وهذا يدل على أنه تعالى وصفهم بصفات ثلاث: الأولى: البخل: وهو عبارة عن منع الحق، والثانية: التولي عن العهد، والثالثة: الإعراض عن تكاليف الله وأوامره.

стр. 3229

فأعقبهم الله تعالى أي صيّر عاقبة أمرهم نفاقا دائما في قلوبهم، بمعنى زادهم نفاقا، وقيل: أعقبهم ذلك البخل نفاقا، ولهذا قال: ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ والأول أصح؛ لأن البخل لا يؤدي عادة إلى النفاق فقد يوجد لدى كثير من الفساق، ولأن الضمير في قوله تعالى: ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ عائد إلى الله تعالى. واستمر ذلك النفاق ثابتا متمكنا ملازما قلوبهم إلى يوم الحساب في الآخرة. وفي هذا دليل على أنهم ماتوا منافقين. وهذا دليل آخر على أن المنزّل فيه ليس ثعلبة أو حاطب البدريين؛ لأن النبي ﵌ قال لعمر: «وما يدريك، لعلّ الله اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وثعلبة وحاطب ممن حضر بدرا وشهدها. ثم ذكر الله تعالى سببين للموت على النفاق وهما: إخلاف الوعد والكذب، فقال: ﴿بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ، وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أي أن ملازمة النفاق لهم كان بسبب إخلافهم ما وعدوا الله تعالى من التصدق والصلاح، وكونهم كاذبين، وكذبهم: نقضهم العهد وتركهم الوفاء بما التزموه من ذلك. أي أنه تعالى أعقبهم النفاق في قلوبهم إلى الموت بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم، وخلف الوعد والكذب من أخص صفات المنافقين، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﵌ أنه قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». وخرّج البخاري أن النبي ﵌ قال: «أربع من كنّ فيه، كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». ثم ندد الله تعالى بالمنافقين ووبخهم فقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا..﴾. أي ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله يعلم السر وأخفى، ويعلم ما يسرونه من الكلام،

стр. 3230

ويتناجون أو يتحدثون به فيما بينهم من المطاعن في الدين، وأنه أعلم بضمائرهم، فإنهم إن قالوا: ليتصدقن بشيء من أموالهم، فإن الله أعلم بهم من أنفسهم، وأنه علام الغيوب، يعلم كل غيب وشهادة، وكل سرّ ونجوى، ويعلم ما ظهر وما بطن، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم الله كل ذلك وما أسروه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه، فكيف يكذبون على الله فيما يعاهدونه به، وعلى الناس فيما يحلفون عليه باسمه؟! والفرق بين السرّ والنجوى والغيب: أن السر: ما ينطوي عليه صدورهم، والنجوى: ما يتحدث به الناس فيما بينهم. والغيب: ما كان غائبا عن الخلق. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الأحكام التالية: ١ - المعاهدة مع الله توجب الوفاء بالعهد، وهل من شرط المعاهدة التلفظ بها باللسان أو لا حاجة إلى التلفظ، وإنما تكفي النية في القلب؟ خلاف بين العلماء، قال المالكية: العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء، ولا يفتقر إلى غيره فيه، فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقصده، وإن لم يتلفظ به. سئل مالك: إذا نوى الرجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه، فقال: يلزمه؛ كما يكون مؤمنا بقلبه، وكافرا بقلبه. وروي عنه غير ذلك كما سيأتي. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يلزم أحدا حكم إلا بعد أن يلفظ به، وذلك يشمل النذور والأيمان والطلاق ونحوها. ودليلهم ما رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم به» قال ابن عبد البر: هذا هو الأشهر عن مالك، وقال القرطبي: وهذا هو الأصح في النظر وطريق الأثر؛ لقول رسول الله ﵌ فيما رواه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة: «إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به».

стр. 3231

وبناء عليه: إن كان المعاهد به نذرا، فالوفاء بالنذر واجب من غير خلاف، وتركه معصية. وإن كان يمينا فليس الوفاء باليمين واجبا باتفاق. ٢ - دلّ قوله تعالى: ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ على أن من قال: «إن ملكت كذا وكذا فهو صدقة» فإنه يلزمه، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يلزمه. ويجري الخلاف في الطلاق والعتق. وقال أحمد: يلزمه ذلك في الطلاق، ولا يلزمه في العتق؛ لأن العتق قربة، وهي تثبت في الذمة بالنذر، بخلاف الطلاق، فإنه تصرف في محل. واحتج الشافعي بما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﵌: «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك» وهو قول أكثر الصحابة والتابعين وغيرهم. ٣ - مظاهر نقض المنافقين العهد تمثلت في أوصاف ثلاثة: أ-البخل بإعطاء الصدقة وبإنفاق المال في الخير وبالوفاء بما ضمنوا والتزموا ب-والتولي عن العهد وعن طاعة الله تعالى ج -وإظهار الإعراض عن الإسلام أي عن تكاليف الله وأوامره. ٤ - ظاهر هذه الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق، فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه، فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به. ٥ - دلّ قوله: ﴿إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ على أن ذلك المعاهد مات منافقا، وهذا إخبار بالغيب الذي هو أحد وجوه إعجاز القرآن. ٦ - قوله تعالى: ﴿نِفاقاً﴾: إذا كان النفاق في القلب فهو الكفر، وأما إذا

стр. 3232

كان في الأعمال فهو معصية. وعلى هذا فإن الخيانة والكذب ونقض العهد والفجور عند الخصام التي هي آية المنافق في الحديث تعتبر معاص لا تكفّر مرتكبها، قال ابن العربي: قد قام الدليل الواضح على أن متعمد هذه الخصال لا يكون كافرا، وإنما يكون كافرا باعتقاد يعود إلى الجهل بالله وصفاته أو التكذيب له، تعالى وتقدس عن اعتقاد الجاهلين وعن زيغ الزائغين. ثم قال: والذي عندي أنه لو غلبت عليه المعاصي ما كان بها كافرا ما لم يؤثر في الاعتقاد (١). وقالت طائفة عن الحديث: ذلك مخصوص بالمنافقين زمان رسول الله ﵌. ٧ - يوصف الله تعالى بأنه علام الغيوب، أي أن ذاته تقتضي العلم بجميع الأشياء، فيعلم بجميع المعلومات، وهو عالم بما في الضمائر والسرائر. فأما وصف الله بالعلاّمة فإنه لا يجوز؛ لأنه مشعر بنوع تكلف بالعلم، والتكلف في حق الله تعالى محال. طعن المنافقين بالمؤمنين وعدم المغفرة لهم ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠)﴾

стр. 3233

الإعراب: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ..﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبتدأ، و ﴿يَلْمِزُونَ﴾: صلته، و ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ من صلة ﴿يَلْمِزُونَ﴾. وما بين ﴿يَلْمِزُونَ﴾ و ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ داخل في صلة ﴿الَّذِينَ﴾. و ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾: عطف على ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ وخبر المبتدأ: إما أن يكون ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ أو أن يكون مقدرا، تقديره: ومنهم الذين يلمزون. البلاغة: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ التنوين في ﴿عَذابٌ﴾: للتهويل والتفخيم. ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ بينهما طباق السلب، والمراد بالأمر التسوية. ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ هذا جار مجرى المثل للمبالغة، وليس لتحديد العدد. وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبع مائة ونحوها في التكثير، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنه العدد بأسره. المفردات اللغوية: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ يعيبون. ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ المتطوعين أو المتنفلين المؤدي النفل بعد الواجب. ﴿إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ طاقتهم: وهي أقصى ما يستطيعه الإنسان، فيأتون به. ﴿سَخِرَ﴾ استهزأ بهم احتقارا، والمراد هنا جازاهم على سخريتهم، مثل: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة ١٥/ ٢] فهو خبر غير دعاء. ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يا محمد. ﴿أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يراد به التسوية بين الأمرين. ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ المراد بالسبعين: المبالغة في كثرة الاستغفار. سبب النزول: روى الشيخان عن أبي مسعود البدري قال: «لما نزلت آية الصدقة، كنا نحامل (١) على ظهورنا فجاء رجل (أبو عقيل اسمه الحبحاب) بشيء كثير،

стр. 3234

فقالوا: مرائي، فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزل: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ..﴾. الآية. المناسبة: هذا نوع آخر من أعمال المنافقين القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصدقات طوعا وطبعا. قال ابن عباس ﵄ فيما رواه عنه ابن جرير: إن رسول الله ﵌ خطبهم ذات يوم، وحث على أن يجمعوا الصدقات، فجاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: كان لي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت لنفسي وعيالي أربعة، وهذه الأربعة أقرضتها ربي، فقال: بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت. قيل: قبل الله دعاء الرسول ﵌ فيه، حتى صالحت امرأته ناضر عن ربع الثمن على ثمانين ألفا. وجاء عمر بنحو ذلك، وجاء عاصم بن عدي الأنصاري بسبعين وسقا من تمر الصدقة، وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر، وقال: آجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله، فأخذت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما لعيالي، وأقرضت الآخر ربي، فأمر رسول الله ﵌ بوضعه في الصدقات. فقال المنافقون على وجه الطعن: ما جاؤوا بصدقاتهم إلا رياء وسمعة. وأما أبو عقيل فإنما جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر، والله غني عن صاعه، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).

стр. 3235

التفسير والبيان: إن شأن المنافقين في كل أمة عجيب وغريب، ديدنهم تثبيط الهمم، وتدمير القيم، فلا يسلم أحد من طعنهم، ولو كان العمل خيرا محضا؛ فهم يعيبون المتطوعين في الصدقات، والمراد بها هنا النوافل، سواء أكان المتطوع غنيا يأتي بالكثير كعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، أم فقيرا كأبي عقيل، الذي يأتي بالقليل، وهو جهد المقلّ، فلا يجدون ما ينفقونه في سبيل الله إلا غاية جهدهم ومنتهى طاقتهم، فيهزءون منهم، وذكر هؤلاء، وإن كانوا داخلين في المتطوعين؛ لأن السخرية منهم كانت أشد وأوقع. ولكن الله تعالى سخر منهم، أي جازاهم على سخريتهم بمثل ذنبهم، حيث صاروا إلى النار، فقوله: ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ من باب المقابلة أو المشاكلة على سوء صنيعهم، واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر منهم، انتصارا للمؤمنين في الدنيا. وأعد للمنافقين في الآخرة عذابا شديدا مؤلما؛ لأن الجزاء من جنس العمل. ثم أبان الله تعالى أنهم كالكفار ليسوا أهلا للاستغفار، ولا ينفعهم الدعاء، فسواء استغفر لهم الرسول أو لم يستغفر لهم، فلن يستر الله عليهم ذنوبهم بالعفو عنها، وترك فضيحتهم بها، وإنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ولن يعفو عنهم، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦/ ٦٣]. وليس المراد بالسبعين هنا التحديد بعدد معين، فيكون ما زاد عليها بخلافها، وإنما المراد المبالغة في الكلام بحسب أسلوب العرب. وقد كان النبي ﵌ إظهارا لرحمته بالأمة، ولطلبهم الاستغفار منه، يدعو الله لهم بالهداية، ويستغفر لهم، كما كان يدعو للمشركين كلما اشتد إيذاؤهم له،

стр. 3236

فيقول كما روى ابن ماجه: «اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون» فمنعه الله من ذلك. وكان عذر الرسول ﵌ في استغفاره: هو عدم يأسه من إيمانهم، ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم؛ لقوله تعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣/ ٩]. وقد ذكر الله تعالى هنا سبب عدم قبول الاستغفار والدعاء لهم بقوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا..﴾. أي إنهم كفروا وجحدوا بالله ورسوله، فلم يقروا بوحدانية الله تعالى، ولم يعترفوا ببعثه النبي ﵌، وأصروا على الجحود والإنكار، فلم تعد قلوبهم مستعدة لقبول الخير والنور، وإن سنة الله ألا يوفق للخير القوم المتمردين في الكفر، الخارجين عن الطاعة، الذين فقدوا الاستعداد للإيمان والتوبة. فاليأس من المغفرة وعدم قبول الاستغفار لهم ليس لبخل من الله، ولا قصور في النبي، بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عن المغفرة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن المنافقين قوم حيارى مرضى القلوب لا يدركون حقيقة الأمور، فتراهم يعيبون غيرهم من المؤمنين، تسترا على النفاق، وحماية لأنفسهم من افتضاح أمرهم، وحبا في النقد والطعن، فافتضح القرآن أسرارهم، وأبان سوء تصرفاتهم. ٢ - لقد كان جزاء لمزهم وعيبهم المؤمنين المتطوعين بالإنفاق في سبيل الله هو النار والعذاب الأليم فيها؛ لأن الجزاء من جنس العمل كما تبين.

стр. 3237

٣ - لن ينفعهم استغفار الرسول ما داموا كفارا مصرين على النفاق. قال الشعبي: سأل عبد الله بن عبد الله بن أبيّ رسول الله ﵌، وكان رجلا صالحا أن يستغفر لأبيه في مرضه، ففعل، فنزلت الآية. أي إن استغفار الرسول ﵌ لبعض المنافقين كان بطلبهم، لكن رجح الرازي أنه ﵌ لم يستغفر لهم؛ لأنه يعلم أن المنافق كافر، والاستغفار للكافر لا يجوز في شرعه، وإنما لما طلب القوم منه أن يستغفر لهم، منعه الله منه (١). فرح المنافقين المتخلفين عن الجهاد في غزوة تبوك ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ الإعراب: ﴿خِلافَ﴾ منصوب: لأنه مفعول لأجله، وقيل: لأنه مصدر. ﴿جَزاءً﴾ مفعول لأجله، أي للجزاء. البلاغة: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً﴾ فيه ما يسمى بالمقابلة من أنواع الجناس. المفردات اللغوية: ﴿فَرِحَ﴾ سرّ وطرب، والفرح: شعور النفس بالارتياح والسرور. ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾ المتروكون في المدينة عن تبوك، من خلف فلانا، أي تركه خلفه. ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ بقعودهم. ﴿خِلافَ﴾ أي

стр. 3238

بعد، أو هو مصدر كالمخالفة، ويصح المعنيان هنا. ﴿وَقالُوا﴾ أي قال بعضهم لبعض. ﴿لا تَنْفِرُوا﴾ تخرجوا إلى الجهاد. ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ من تبوك، فالأولى أن يتقوها بترك التخلف. ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ يعقلون أو يعلمون ذلك ما تخلفوا. ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً﴾ في الدنيا. ﴿وَلْيَبْكُوا﴾ في الآخرة. وهو خبر عن حالهم وارد بصيغة الأمر. سبب النزول: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﵌ الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال: يا رسول الله، الحر شديد، ولا نستطيع الخروج، فلا ننفر في الحر، فأنزل الله: ﴿قُلْ: نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾. وأخرج ابن جرير أيضا عن محمد بن كعب القرظي قال: خرج رسول الله ﵌ في حر شديد إلى تبوك، فقال رجل من بني سلمة: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله: ﴿قُلْ: نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى بعض قبائح المنافقين من اعتذارهم عن الخروج للقتال في تبوك، ولمزهم في قسمة الصدقات، عاد إلى بيان حال أولئك الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله ﵌ في غزوة تبوك، وهو نوع آخر من قبائحهم، وهو فرحهم بالقعود وكراهتهم الجهاد. وسموا بالمخلّفين لا بالمتخلفين أي المتأخرين عن الجهاد، لأنهم تخلفوا عن الرسول ﵌ بعد خروجه إلى الجهاد، من حيث إنهم لم ينهضوا، فبقوا وأقاموا، ولأن الرسول منع أقواما منهم من الخروج معهم، لعلمه بأنهم يفسدون ويشوشون، ولأن الله تعالى لما منعهم في الآية التالية عن الخروج معه بقوله: ﴿فَقُلْ: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً﴾ صاروا بهذا السبب مخلّفين.

стр. 3239

التفسير والبيان: هذه الآيات ذمّ واضح للمنافقين المتخلفين عن المشاركة في القتال في غزوة تبوك، وإخبار عن مصيرهم السيء في الآخرة، وقد نزلت في أثناء السفر. والمعنى: فرح أولئك المنافقون المخلّفون في المدينة بقعودهم في بيوتهم، بعد أن تركهم رسول الله ﵌ عند خروجه إلى غزوة تبوك، وسبب فرحهم عدم إيمانهم بأن في الجهاد خيرا، وكراهيتهم الجهاد مع النبي ﵌ بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. والفرح بالإقامة يدل على كراهة الذهاب، إلا أنه تعالى أعاده للتأكيد. والخلاصة: إنهم فرحوا بسبب التخلف، وكرهوا الذهاب إلى الجهاد. ولم يقتصر الأمر على فرحهم بأنفسهم، بل أغروا غيرهم بعدم الخروج، وقال بعضهم لبعض: لا تخرجوا للجهاد؛ لأن غزوة تبوك في شدة الحر، وقد طابت الثمار والظلال. فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ: نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ أي إن نار جهنم التي أعدت للعصاة والتي تصيرون إليها بمخالفتكم أشدا حرا مما فررتم منه من الحر، فلو كانوا يعقلون ذلك ويعتبرون به، لما خالفوا وقعدوا، ولما فرحوا بل حزنوا، كما روى الإمام مالك والشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: «نار بني آدم التي توقدونها جزء من سبعين جزءا من نار جهنم». ثم أخبر الله تعالى عن عاقبة أمرهم فقال: ﴿فَلْيَضْحَكُوا..﴾. أي إن الأولى بهم أن يضحكوا ويفرحوا قليلا، ويبكوا كثيرا، وهو خبر عن حالهم وارد بصيغة الأمر، يقصد به التهديد وانتظار ما سيلاقون من عذاب شديد، جزاء على ما اقترفوه أو اكتسبوه من الجرائم والنفاق. أخرج الشيخان في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﵌: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لمن له نعلان وشراكان من نار جهنم، يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل،

стр. 3240

لا يرى أن أحدا من أهل النار أشدّ عذابا منه، وإنه أهونهم عذابا». فقه الحياة أو الأحكام: الآيات تدل على قصر نظر الإنسان، فهو ينظر غالبا إلى الحال والواقع الذي هو فيه، ولا ينظر إلى المستقبل وما يتمخض عنه من أحداث. فهؤلاء المنافقون فرحوا بالقعود والراحة في المدينة لعدم إيمانهم بجدوى الجهاد، وكرهوا الجهاد؛ لأنه يحرمهم نعمة التفيؤ بالظلال وقطاف الثمار. ولكن القرآن لامهم ونبّه عقولهم، فإن شدة الحر في نار جهنم التي يصيرون إليها بسبب تخلفهم عن جهاد الأعداء ونصرة الإسلام أكثر بكثير جدا من حر الصيف في الدنيا. ثم هددهم تعالى بأنهم إن فرحوا قليلا في الدنيا، فليبكوا وليحزنوا كثيرا في جهنم، أو إنهم سيضحكون قليلا ويبكون كثيرا، جزاء بما كسبت أنفسهم، واقترفته أيديهم. ولا يقتصر هذا التهديد على المنافقين، بل يشمل العباد الصالحين الذين يتحسسون شدة الخوف من الله تعالى، أخرج الترمذي أن النبي ﵌ قال: «والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، ولخرجتم إلى الصّعدات (١) تجأرون إلى الله تعالى، لوددت أني كنت شجرة تعضد». ولا يعني هذا منع الضحك الخفيف؛ لأن الله أضحك وأبكى، ولكن الإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم منهي عنه، وهو من فعل السفهاء والبطالة، وفي الخبر: «أن كثرته تميت القلب». والخلاصة: لقد صدرت من المنافقين مخالفات خطيرة ثلاثة: هي التخلف

стр. 3241

في المدينة عن غزوة تبوك، وكراهة الجهاد، وإغراء إخوانهم بعدم الجهاد، فاستحقوا نار جهنم، فهم إن فرحوا وضحكوا في كل عمرهم، فهذا قليل؛ لأن متاع الدنيا قليل، وسيكون حزنهم وبكاؤهم في الآخرة كثيرا؛ لأنه عقاب دائم لا ينقطع، بسبب ما كانوا يكسبون في الدنيا من النفاق. منع المنافقين من الجهاد والمنع من الصلاة على موتاهم والتحذير من الاغترار بأموالهم وأولادهم ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥)﴾ الإعراب: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ﴾ الكاف: منصوب برجع، وهو يكون متعديا، كما يكون لازما يقال: رجع ورجعته، نحو زاد وزدته، ونقص ونقصته، في أفعال تزيد على ثمانين فعلا. ﴿ماتَ﴾ صفة لأحد، وإنما قيل: مات وماتوا بلفظ الماضي بالنسبة إلى سبب النزول وزمان النهي، لكن معناه على الاستقبال على تقدير الكون والوجود؛ لأنه كائن موجود لا محالة. ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ تعليل للنهي. ﴿أَبَداً﴾ ظرف متعلق بالنهي.

стр. 3242

المفردات اللغوية: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ﴾ ردك. ﴿اللهُ﴾ من تبوك. ﴿إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ ممن تخلف بالمدينة من المنافقين. ﴿الْخالِفِينَ﴾ المتخلفين من النساء والصبيان. ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ لدفن أو زيارة والمراد النهي عن الوقوف على قبره حين دفنه أو لزيارته، والقبر هو مدفن الميت. ﴿فاسِقُونَ﴾ كافرون. ﴿وَتَزْهَقَ﴾ تخرج. سبب النزول: نزول الآية (٨٤): ﴿وَلا تُصَلِّ﴾: روى الشيخان عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي، جاء ابنه إلى رسول الله ﵌، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام ليصلي عليه، فقام عمر بن الخطاب، وأخذ بثوبه، وقال: يا رسول الله، أتصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي على المنافقين؟ قال: إنما خيرني الله، فقال: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً..﴾. وسأزيده على السبعين، فقال: إنه منافق، فصلى عليه، فأنزل الله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً، وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ فترك الصلاة عليهم. وقد فهم عمر ذلك من قوله تعالى: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، على أنه تقدم نهي صريح. أو أنه فهم ذلك من قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ١١٣/ ٩] لأنها نزلت بمكة. وورد ذلك من حديث عمر وأنس وجابر وغيرهم. وجاء في رواية عن ابن عباس: فقال عمر ﵁، لم تعطي قميصك الرجس النجس (١)؟ فقال ﵊: إن قميصي لا يغني عنه من الله

стр. 3243

شيئا، فلعل الله أن يدخل به ألفا في الإسلام. وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله، فلما رأوه يطلب هذا القميص، ويرجو أن ينفعه، أسلم منهم يومئذ ألف. وقوله ﵌: «إنما خيرني الله» مشكل، والظاهر أن الاستغفار للمنافقين الذي خير فيه إنما هو استغفار لساني لا ينفع، وغايته تطييب قلوب بعض الأحياء من قرابات المستغفر له. وصلى الرسول ﵌ عليه بعد أن علم كونه كافرا، وقد مات على كفره؛ لأنه لما طلب منه أن يرسل إليه قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه، غلب على ظنه أنه انتقل إلى الإيمان؛ لأن ذلك الوقت وقت يتوب فيه الفاجر، ويؤمن فيه الكافر. أو إنما صلى عليه بناء على الظاهر من إعلان إسلامه. وأخرج أبو يعلى وغيره عن أنس أن رسول الله ﵌ أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذ جبريل بثوبه، فقال: ﴿وَلا تُصَلِّ..﴾. الآية. فهذه الرواية تدل على أنه ﵌ لم يصل على عبد الله بن أبي. وأمام هذا التعارض في الروايات رجح بعض العلماء رواية البخاري، وجمع بعضهم بين الروايتين، فقال: المراد من الصلاة في رواية عمر وابنه: الدعاء، أو الهم بالصلاة عليه ثم منعه جبريل. المناسبة: ما تزال الآيات تتحدث عن مخازي المنافقين وسوء طريقتهم، فبعد أن بين تعالى قبائحهم، بين بعض المواقف الحاسمة في معاملتهم، بعد رجوعه من غزوة تبوك، فمنعهم الله تعالى من الخروج مع النبي إلى الجهاد في غزوات أخرى؛ لأن

стр. 3244

خروجهم يؤدي إلى الفساد، ومنع النبي ﵌ من الصلاة على موتاهم؛ لأن الصلاة على الميت دعاء واستغفار واستشفاع له، والكافر ليس بأهل لذلك، ونهاه عن الاغترار بأموالهم وأولادهم أو استحسان ما لديهم؛ لأنها ليست لخيرهم، وإنما هي طريق لتعذيبهم بها في الدنيا، وانشغالهم بها عن الآخرة. التفسير والبيان: يأمر الله رسوله ﵊ بأنه إن ردك الله من سفرك هذا حين رجوعك من غزوة تبوك إلى طائفة من المنافقين المتخلفين، وكانوا كما ذكر قتادة اثني عشر رجلا، فاستأذنوك للخروج معك إلى غزوة أخرى، فقل لهم تعزيرا وعقوبة: لن تخرجوا معي أبدا على أية حال، ولن تقاتلوا معي أبدا عدوا بأي وضع كان. ثم علل ذلك وبين سبب المنع بقوله: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ..﴾. أي إنكم اخترتم القعود عني أول مرة، وتخلفتم بلا عذر، وكذبتم في أيمانكم الفاجرة، وفرحتم بالقعود، بل وأغريتم بالتخلف عن الجهاد، فاقعدوا أبدا مع الخالفين أي الرجال المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد كما قال ابن عباس، أو مع فئة النساء والصبيان والعجزة كما قال الحسن، لكن قال ابن جرير: وهذا لا يستقيم؛ لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون، ولو أريد النساء لقال: فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات. وقيل: المعنى فاقعدوا مع الفاسدين، وهذا يدل على أن استصحاب المخذل في الغزوات لا يجوز. وقوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هي الخرجة إلى غزوة تبوك. وعلى كل حال، فالآية تأمر بعقابهم بألا يصاحبوا النبي ﵌ أبدا، وذلك كما قال تعالى في سورة الفتح: ﴿قُلْ: لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ [١٥]. ثم أمر الله تعالى رسوله ﵌ بأن يبرأ من المنافقين، وألا يصلي على أحد منهم إذا مات، وألا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله

стр. 3245

ورسوله، وماتوا عليه. وهذا نص في الامتناع من الصلاة على الكفار، وهو حكم عام في كل من عرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين. ومعنى الآية: ولا تصل أيها النبي على أحد من المنافقين سيموت في المستقبل، ولا تقم على قبره حين دفنه أو لزيارته، داعيا له ومستغفرا، ويجوز أن يراد بالقبر: الدفن، ويكون المعنى: لا تتول دفنه. ثم بين الله تعالى سبب النهي عن الصلاة والقيام على القبر للدعاء بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ..﴾. أي لأنهم كفروا بوجود الله وتوحيده وأنكروا بعثة نبيه؛ لأن الصلاة على الميت استشفاع له، والقيام على قبره احتفال بالميت وإكرام له، وليس الكافر من أهل الاحترام والإكرام. وماتوا وهم فاسقون أي إنهم ماتوا والحال أنهم خارجون من دين الإسلام، متمردون على أحكامه، متجاوزون حدوده وأوامره ونواهيه. ثم نهى الله رسوله عن استحسان بعض مظاهر المنافقين، فقال: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ..﴾. أي لا تستحسن ما أنعمنا به عليهم من الأموال والأولاد، فلا يريد الله بهم الخير، إنما يريد أن يعذبهم بها في الدنيا بالمصائب، وتخرج أرواحهم ويموتوا على الكفر وهم مشغولون بالتمتع بها عن النظر في عواقب الأمور. وقد سبق ذكر هذه الآية في هذه السورة رقم (٥٥) مع تفاوت في بعض الألفاظ: فلا تعجبك ولا تعجبك. أموالهم ولا أولادهم أموالهم وأولادهم، ليعذبهم أن يعذبهم، في الحياة الدنيا في الدنيا، ويفهم من اللفظ السابق: ﴿وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ أن إعجابهم بأولادهم كان أكثر من إعجابهم بأموالهم، وأما هنا رقم [٨٥] فلا تفاوت بين الأمرين. وفائدة التكرار التأكيد والتحذير من الاشتغال بالأموال والأولاد، مرة بعد أخرى، بسبب شدة تعلق النفوس بها، حتى

стр. 3246

لا تحجب عن طلب ما هو أولى وهو الاشتغال للآخرة، فهي تحذير ونهي صريح عن الاغترار بالأموال والأولاد. فقه الحياة أو الأحكام: تتضمن الآيات اتخاذ مواقف حاسمة من المنافقين، بعد أن أمهلوا لمدة طويلة، وعوملوا في الظاهر معاملة المسلمين. وهي مواقف ثلاثة: منعهم من الخروج إلى الجهاد مع المسلمين، وعدم الصلاة على موتاهم، وعدم الاغترار بأموالهم وأولادهم التي يتباهون بها، وتلك المواقف تدل على أنهم جماعة كفار، كفروا بالله ورسوله. أما الموقف الأول: فاقتصر على طائفة من المنافقين؛ لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان فيهم معذورون ومن لا عذر له، ثم عفا عنهم وتاب عليهم، كالثلاثة الذين خلفوا. وأما الموقف الثاني: فإسقاط لاعتبارهم؛ لأن الصلاة على الميت والقيام على قبره للدعاء له إكرام له واحترام، والكافر ليس من أهل الاحترام. وعلى العكس من ذلك أهل الإيمان، فإن النبي ﵌ كان يبادر إلى الصلاة عليهم؛ لأن صلاته شفاعة وسكن لهم واطمئنان وكان يطلب من المؤمنين الدعاء لهم والاستغفار تكريما وتعظيما. روى أبو داود والحاكم والبزار عن عثمان ﵁ قال: كان النبي ﵌ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم. وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل». وهذه الآية نص في الامتناع من الصلاة على الكفار وحظر الوقوف على قبورهم حين دفنهم، وكذلك تولي دفنهم، وليس فيه دليل على الصلاة على المؤمنين، وإنما يستفاد وجوب الصلاة على الميت المسلم من الأحاديث الصحيحة، مثل ما روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: «إن أخا لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه» قال: فقمنا فصففنا صفين، يعني النجاشي.

стр. 3247

وعن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج بهم إلى المصلى، وكبر أربع تكبيرات. وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين، وراثة عن نبيهم ﵌ قولا وعملا. وألحق بعض العلماء بذلك تشييع جنائز المسلمين، ويفهم من الآية من طريق دليل الخطاب مشروعية الوقوف على قبر المسلم إلى أن يدفن، وكان النبي ﵌ يفعله، وقد قام على قبر حتى دفن الميت، ودعا له بالتثبيت، وكان ابن الزبير إذا مات له ميت، لم يزل قائما على قبره حتى يدفن. وجاء في صحيح مسلم أن عمرو بن العاص ﵁ قال عند موته: إذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور، ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي. وجمهور العلماء على أن التكبير على الجنائز أربع. روى الدارقطني عن أبي بن كعب أن رسول الله ﵌ قال: «إن الملائكة صلت على آدم، فكبرت عليه أربعا، وقالوا: هذه سنتكم يا بني آدم». ولا قراءة في هذه الصلاة في المشهور من مذهب مالك، وكذلك أبو حنيفة والثوري؛ لقوله ﵌ فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة: «إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء». وذهب الشافعي وأحمد وداود وجماعة إلى أنه يقرأ بالفاتحة؛ لقوله ﵌ فيما رواه الجماعة عن عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» حملا له على عمومه، وبما أخرجه البخاري عن ابن عباس، وصلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقالوا: لتعلموا أنها سنة. وسنة الإمام أن يقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة، وهو رأي الشافعي؛

стр. 3248

لما رواه أبو داود عن أنس، وصلى على جنازة، فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله ﵌ يصلي على الجنائز كصلاتك، يكبر أربعا، ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم. ورواه مسلم عن سمرة بن جندب قال: صليت خلف النبي ﵌، وصلى على أم كعب، ماتت وهي نفساء، فقام رسول الله ﵌ للصلاة عليها وسطها. وأما الموقف الثالث مع المنافقين الذي دلت عليه الآية فهو النهي عن الاغترار بأموالهم وأولادهم، والتحذير منه مرة بعد أخرى؛ لشدة تعلق النفوس بذلك، وحملا للإنسان المؤمن على الاشتغال بما هو خالد باق، وطلب مغفرة الله تعالى. والتكرار مع ما سبق لهذه الآية لأجل التأكيد والمبالغة في التحذير، كما كرر تعالى مرتين قوله في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [١١٦، ٤]. قصة حديث الصلاة على عبد الله بن أبي: ضعف جماعة من العلماء كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين الجويني، والغزالي حديث الصلاة على زعيم المنافقين، لمخالفته لظاهر الآية من أوجه هي: ١ - إن الآية نزلت أثناء رجوع النبي ﵌ من غزوة تبوك، وابن أبي مات في السنة التي بعدها. ٢ - اعتراض عمر وقوله للنبي ﵌: «وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟» يدل على أن النهي عن هذه الصلاة سابق لموت ابن أبي. وهذا يعارض قوله بعدئذ: فصلى عليه رسول الله ﵌، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ وهو صريح في أن الآية نزلت بعد الصلاة عليه.

стр. 3249

٣ - قول النبي ﵌: «إن الله خيرني» يعارض صريح الآية بأن الله لن يغفر لهم بسبب كفرهم، فأو فيها للتسوية، لا للتخيير. وأما محاولة الجمع بين الآية والحديث فلا تخلو من تكلف غير مقنع. استئذان زعماء المنافقين للتخلف عن الجهاد وإقدام المؤمنين عليه ﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ الإعراب: ﴿مَعَ الْخَوالِفِ﴾ عاطف ومعطوف، و ﴿الْخَوالِفِ﴾: جمع خالفة، فإن فاعلة يجمع على فواعل، كقاتلة وقواتل، وضاربة وضوارب، و ﴿الْخَوالِفِ﴾: النساء. البلاغة: ﴿مَعَ الْخَوالِفِ﴾ فيها استعارة، إذ شبه النساء المقيمات في البيوت بعد رحيل الرجال بالخوالف، وهي الأعمدة التي تكون في أواخر البيوت؛ لكثرة لزوم الخوالف للبيوت.

стр. 3250

المفردات اللغوية: ﴿سُورَةٌ﴾ طائفة من القرآن. ﴿أَنْ﴾ أي بأن. ﴿أُولُوا الطَّوْلِ﴾ أولو الغنى والثروة، والمقدرة على الجهاد. ﴿ذَرْنا﴾ اتركنا ودعنا. ﴿الْقاعِدِينَ﴾ المتخلفين. ﴿الْخَوالِفِ﴾ جمع خالفة، أي النساء اللاتي تخلفن في البيوت. ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ ختم عليها، فلم تعد قابلة لشيء جديد. ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يعقلون الخير. ﴿وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ﴾ في الدنيا والآخرة. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون. المناسبة: بعد أن بين الله تعالى أن المنافقين احتالوا في التخلف عن رسول الله ﵌ والقعود عن الجهاد، أوضح أمرا آخر: وهو أنه متى نزلت آية مشتملة على الأمر بالإيمان وعلى الأمر بالجهاد، استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الجهاد، وقالوا لرسول الله ﵌: ﴿ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ﴾، أي مع الضعفاء والعاجزين عن القتال. التفسير والبيان: يذم الله تعالى في هذه الآيات فريقا ويمدح فريقا آخر، فيذم المتخلفين عن الجهاد، مع القدرة عليه، ووجود الثروة والغنى (أو السعة والطول) واستأذنوا الرسول في القعود. فكلما أنزلت سورة-والمراد بالسورة إما تمامها وإما بعضها، كما يقع القرآن والكتاب على كله وبعضه-فيها الأمر بالإيمان والدعوة إلى الجهاد مع رسول الله ﵌، استأذنك أولو الطول، أي ذوو الفضل والسعة، وأولو المقدرة على الجهاد بالمال والنفس، في التخلف قائلين: اتركنا مع القاعدين في بيوتهم من النساء والصبيان والعجزة والضعفاء، وقوله تعالى: ﴿أَنْ آمِنُوا﴾ الأمر للمؤمنين باستدامة الإيمان، وللمنافقين بابتداء الإيمان. ونظير الآية قوله تعالى:

стр. 3251

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا: لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ؟ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ، رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، فَأَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد ٢٠/ ٤٧]. وهذا دليل على الجبن والذل والهوان. وفي تخصيص ﴿أُولُوا الطَّوْلِ﴾ بالذكر فائدتان: الأولى: أن الذم لهم ألزم لكونهم قادرين على السفر والجهاد، والثانية: أن من لا مال له ولا قدرة على السفر لا يحتاج إلى الاستئذان؛ لأنه معذور. هؤلاء رضوا لأنفسهم ﴿بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ من النساء، وفي هذا طعن برجولتهم، وتشبيه لهم بالنساء. وعلة ذلك أن الله ختم على قلوبهم، بسبب نكولهم عن الجهاد والخروج مع الرسول في سبيل الله، فلم تعد قابلة لنور العلم والهداية، حتى كأنها قد ختم عليها، فأصبحوا لا يفقهون أي لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه، ولا ما فيه مضرة لهم فيجتنبوه، ولا يدركون أسرار حكمة الله في الأمر بالجهاد. ثم قارن الله تعالى وضعهم بوضع المؤمنين، وبين ثناءه عليهم ومآلهم في الآخرة، فقال: ﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾. أي بين تعالى حالهم ومآلهم، وهو أن الرسول والمؤمنين معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وأدوا واجبهم، فنالوا الخيرات العظمى في الدنيا كالنصر وهزيمة الكفر، وفي الآخرة بالاستمتاع في جنات الفردوس والدرجات العلى، وأولئك هم الفائزون بالسعادتين: سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، خلافا للمنافقين الذين حرموا منهما. وقوله: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ..﴾. إما تفسير للخيرات والفلاح، وإما أن الخيرات والفلاح هي منافع الدنيا كالعزة والكرامة والنصر والثروة، والجنات ثواب الآخرة. والفوز العظيم: هو المرتبة الرفيعة والدرجة العالية.

стр. 3252

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن رؤساء المنافقين القادرين على الجهاد بالمال والنفس تخلفوا عن الجهاد مع النبي ﵌، ورضوا لأنفسهم المذلة والمهانة بالقعود مع العاجزين عن الخروج للجهاد. وقد أدى ذلك إلى الطبع على قلوبهم، فأصبحوا لا يميزون بين الخير والشر، ولا بين المصلحة والضرر، أي أن حالهم التخلف ومآلهم انعدام الخير فيهم. قال الحسن البصري: الطبع: عبارة عن بلوغ القلب في الميل في الكفر إلى الحد الذي كأنه مات عن الإيمان. وعند المعتزلة: عبارة عن علامة تحصل في القلب. ودلت الآيات أيضا على حال المؤمنين ومآلهم، فحالهم أنهم بذلوا المال والنفس في طلب رضوان الله والتقرب إليه، ومآلهم تحصيل الخيرات أي منافع الدارين، والفوز بالجنة والتخلص من العقاب والعذاب. و ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الذي لا فوز غيره، وهو المرتبة الرفيعة والدرجة العالية. نفاق الأعراب واستئذانهم للتخلف عن الجهاد ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾ المفردات اللغوية: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ المعذر: هو المجتهد البالغ في العذر، وهو المحق، أو المقصر من عذر في الأمر: إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد، أو من اعتذر: إذا مهد العذر، أي أن في تفسيره قولين:

стр. 3253

أحدهما-أنه يكون المحق، فهو بمعنى المعتذر أو المعذور؛ لأن له عذرا. والثاني-أنه غير المحق وهو الذي يعتذر ولا عذر له. وسياق الكلام يدل على أنهم مذمومون لا عذر لهم؛ لأنهم جاؤوا ليؤذن لهم، ولو كانوا من الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا أن يستأذنوا. فهم الذين يعتذرون بالباطل، كقوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٩٤/ ٩]. ﴿الْأَعْرابِ﴾ هم سكان البادية وهم أسد وغطفان، استأذنوا في التخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال. ﴿كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أظهروا الإيمان بهما كذبا أو ادعوا الإيمان، يقال: كذبته عينه: إذا رأى ما لا حقيقة له. سبب النزول: قال الضحاك: هم رهط عامر بن الطفيل جاؤوا إلى رسول الله ﵌، فقالوا: يا رسول الله إنا إن غزونا معك، أغارت أعراب طي على أهالينا ومواشينا، فقال ﵌: «سيغنيني الله عنكم». وعن مجاهد: هم نفر من غفار أو من غطفان اعتذروا، فلم يعذرهم الله تعالى. وعن قتادة: اعتذروا بالكذب. المناسبة: بعد أن بين الله تعالى أحوال المنافقين من سكان المدينة، قفى على ذلك ببيان أحوال المنافقين من الأعراب البدو. التفسير والبيان: وجاء المعتذرون من الأعراب يطلبون الإذن من النبي ﵌ في التخلف عن غزوة تبوك، فقال لهم رسول الله ﵌: «قد أنبأني الله من أخباركم، وسيغني الله عنكم».

стр. 3254

وقعد عن الجهاد ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بادعائهم الإيمان، وهم منافقو الأعراب الذين جاؤوا وما اعتذروا، وظهر بذلك أنهم كاذبون. ثم أوعدهم بالعذاب، فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار؛ لاعتذار الأولين بغير حق، وقعود الآخرين عن القتال وعن المجيء للاعتذار الذين كذبوا الله ورسوله من منافقي الأعراب، فالآية بشقيها في منافقي الأعراب، سواء من انتحل العذر بالباطل، ومن لم ينتحل وتخلف عن الجهاد، وعاقبتهم العقاب الشديد الأليم في الدنيا والآخرة بالقتل والنار. وإنما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾ الدال على التبعيض؛ لأنه تعالى كان عالما بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص من هذا العقاب. ومن المفسرين من جعل القسم الأول معذورين صادقين، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة، أو هم أسد وغطفان جاؤوا رسول الله ﵌ يعتذرون إليه بسبب الضعف وعدم القدرة على الخروج، بدليل أنه تعالى لما ذكرهم قال بعدهم: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فلما ميز أولئك عن الكاذبين، دل ذلك على أنهم ليسوا بكاذبين. ورجح ابن كثير هذا القول لما ذكر، ورجح الرازي والزمخشري القول الأول بدلالة سياق الكلام؛ لأنهم جاؤوا ليؤذن لهم، ولو كانوا معذورين بحق لم يحتاجوا إلى الاستئذان. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على أن مصير المنافقين ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بادعائهم الإيمان، والكاذبين من المعتذرين هو العقاب في نار جهنم، بسبب عدم إيمانهم، وبسبب كذبهم، وكل من الكفر أو ادعاء الإيمان في الظاهر، والكذب التابع له أمر عظيم يستحق فاعله العقوبة عليه.

стр. 3255

وأما المعتذر بحق فيقبل عذره، وهم ذوو الأعذار في ترك الجهاد الذين أعفاهم الله، وتتحدث عنهم الآية التالية: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ..﴾ .. أصحاب الأعذار المقبولة لعدم الجهاد ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ الإعراب: ﴿تَوَلَّوْا﴾ جواب ﴿إِذا﴾ ﴿قُلْتَ: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ حال من كاف ﴿أَتَوْكَ﴾ بإضمار: وقد. ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الجملة في موضع نصب على الحال. ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ من للبيان، وهي مع المجرور في محل نصب على التمييز، وهو أبلغ من يفيض دمعها؛ لأنه يدل على أن العين صارت دمعا فياضا ﴿حَزَناً﴾ نصب على أنه مفعول لأجله، أو على الحال، أو المصدر لفعل دل عليه ما قبله. ﴿أَلاّ يَجِدُوا﴾ أي لئلا يجدوا، متعلق ب ﴿حَزَناً﴾ أو ب ﴿تَفِيضُ﴾. البلاغة: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ عطف على ﴿الضُّعَفاءِ﴾، أو على ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾. وهو من عطف الخاص على العام اعتناء بشأنهم. وهو مبتدأ معطوف على ما قبله بغير واو. ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير، للدلالة على أنهم من جملة المحسنين غير المعاتبين بالتخلف.

стр. 3256

المفردات اللغوية: ﴿الضُّعَفاءِ﴾ كالشيوخ أو الهرمى جمع ضعيف وهو غير القوي، والمرضى جمع مريض، كالزمنى والعمي ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾ في الجهاد ﴿حَرَجٌ﴾ ذنب أو إثم في التخلف عن الجهاد ﴿إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في حال قعودهم بعدم الإرجاف والتثبيط، وبالطاعة ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ما عليهم بذلك من طريق بالمؤاخذة ﴿غَفُورٌ﴾ لهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم في التوسعة عليهم ﴿حَزَناً﴾ الحزن والحزن: ضد السرور. والحزن: الصعب وما غلظ من الأرض، وفيها حزونة. ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ معك إلى الجهاد وهم البكاؤون سبعة من الأنصار: معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب، وسالم بن عمير، وثعلبة بن عتمة، وعبد الله بن مغفل، وعلية بن زيد، أتوا رسول الله ﵌، وقالوا: نذرنا الخروج، فاحملنا على الخفاف المرفوعة، والنعال المخصوفة، نغز معك، فقال ﵌: لا أجد ما أحملكم، فتولوا وهم يبكون. وقيل: هم بنو مقرن من مزينة: معقل وسويد والنعمان وعقيل وسنان، وسابع لم يسم، وعلى هذا جمهور المفسرين. وقيل: أبو موسى وأصحابه. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب براءة فإني لواضع القلم في أذني، إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله ﵌ ينظر ما ينزل عليه، إذ جاءه أعمى، فقال: كيف بي يا رسول الله، وأنا أعمى؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ الآية. وأما آية: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ﴾ فذكر في سبب نزولها ثلاث روايات: الأولى- أخرج ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﵌ الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءت عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن مغفل المزني، فقالوا: يا رسول الله، احملنا، فقال: والله ما أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء، وعز عليهم أن يحبسوا عن الجهاد، ولا يجدوا نفقة ولا محملا،

стр. 3257

فأنزل الله عذرهم: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية. وقد ذكرت أسماؤهم في المبهمات، وكانوا يسمون البكائين. الثانية: قال مجاهد: هم ثلاثة إخوة: معقل، وسويد، والنعمان بن مقرن، سألوا النبي ﵌ أن يحملهم على الخفاف المدبوغة، والنعال المخصوفة، فقال: ﴿لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ وهذا رأي الجمهور. والثالثة: قال الحسن البصري: نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه، أتوا رسول الله ﵌ يستحملونه، ووافق ذلك منه غضبا، فقال: «والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه». المناسبة: هناك ارتباط واضح بين هذه الآيات وما قبلها، فبعد أن ذكر تعالى الوعيد لمن يوهم العذر أو ينتحل الأعذار، مع أنه لا عذر له، ذكر أصحاب الأعذار الحقيقية، وبين إسقاط فريضة الجهاد عنهم. التفسير والبيان: أبان الله تعالى في هذه الآيات الأعذار التي يقبل بها القعود عن القتال، وذكر أصنافا ثلاثة من ذوي الأعذار المقبولة: وهم الضعفاء، والمرضى، والفقراء. فقال: ليس على الضعفاء والمرضى والفقراء العاجزين عن الإنفاق في الجهاد إثم أو ذنب أو عتاب في عدم الجهاد ﴿إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾، بأن أخلصوا الإيمان لله، وللرسول في الطاعة في السر والعلن، وعرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه، وللأمة بالحفاظ على مصلحتها العامة العليا من كتمان السر، والحث على البر، وعدم الإرجاف والتثبيط والقضاء على الإشاعات الكاذبة أو المغرضة، روى مسلم عن تميم الداري أن رسول الله ﵌ قال: «الدين النصيحة، قالوا لمن

стр. 3258

يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». والنصيحة لله وللرسول: إخلاص الإيمان بهما وطاعتهما والحب والبغض فيهما، والنصيحة لكتابه: تلاوته وتدبر معانيه والعمل بما فيه، والنصيحة لأئمة المسلمين: مؤازرتهم وترك الخروج عليهم، وإرشادهم إن أخطئوا، والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى طريق الحق، والعمل على تقويتهم. والنصح: إخلاص العمل من الغش. والضعفاء: كل من لا قدرة لهم على القتال كالشيوخ والعجزة والنساء والصبيان. والمرضى: من طرأ لهم مرض مزمن أو مؤقت لا يتمكنون معه من الجهاد، كالزمنى والعمي والعرج، والمحمومين. والفقراء: الذين عدموا النفقة على أنفسهم في أثناء الجهاد، وعلى عيالهم. ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي ليس عليهم جناح ولا مؤاخذة، ولا إلى معاتبتهم طريق، ولا إثم عليهم بسبب القعود عن الجهاد. وهذا نص عام يشمل كل من أحسن عملا من أعمال البر والخير، وهو أصل معتبر في الشريعة، في تقرير أن الأصل براءة الذمة أو البراءة الأصلية، وعدم مطالبة الغير له في نفسه وماله، فالأصل في نفسه حرمة القتل، والأصل في ماله حرمة الأخذ إلا لدليل ثابت، والأصل عدم مطالبته بشيء من التكاليف إلا بدليل مستقل. فما دام هؤلاء المعذرون عذرا شرعيا ناصحين لله ورسوله، مخلصين أعمالهم لله، فلا مؤاخذة عليهم. والله غفور، كثير المغفرة لهم ولأمثالهم، رحيم بهم، فلا يكلفهم ما لا طاقة

стр. 3259

لهم به. أما العصاة والمنافقون فلا يغفر لهم إلا إذا تابوا وأقلعوا عن العصيان والنفاق الذي كان سببا في الإثم. وكذلك لا حرج ولا إثم على من استعد للقتال بنفسه، ولكنه لا يجد مركبا أو نفقة ينفقها في أثناء الجهاد على نفسه وعياله، بسبب فقره، ومن أخصهم أولئك النفر من الأنصار البكاؤون، أو من بني مقرن من مزينة الذين جاؤوا للنبي ﵌، ليحملهم على الرواحل، أو ليمدهم بالزاد والماء والنفقة في غزوهم، فيخرجوا معه، فلم يجد ما يحملهم عليه، فانصرفوا من مجلسه، وهم يبكون بكاء شديدا بسبب حزنهم على ما فاتهم من شرف المشاركة في الجهاد، وبسبب فقدهم النفقة التي تساعدهم على الجهاد. والتعبير بقوله: ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ يفيد عموم سائر وسائل النقل والحرب والقتال القديمة والحديثة. قال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب. قال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله ﵌، وهم البكاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلي بن زيد أخو بنى حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني. وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وحرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعياض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله ﵌، وكانوا أهل حاجة، فقال: ﴿لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾. وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: قال رسول الله ﵌: «لقد خلفتم بالمدينة أقواما، ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديا، ولا نلتم من عدو نيلا

стр. 3260

إلا وقد شركوكم في الأجر» ثم قرأ: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ:﴾ ﴿لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية. وأصل الحديث في الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله ﵌ قال: «إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا، ولا سرتم سيرا إلا وهم معكم، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: نعم، حبسهم العذر» وفي رواية أحمد: «حبسهم المرض». فقه الحياة أو الأحكام: أوضحت الآيات إسقاط فرضية الجهاد بسبب العذر عن أصناف ثلاثة من ذوي الأعذار وهم الضعفاء والمرضى والفقراء، وأنه لا حرج ولا إثم على المعذورين بسبب القعود عن الجهاد، وهم قوم عرف عذرهم، كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون. والجمهور من العلماء على أن من لا يجد ما ينفقه في غزوة: لا يجب عليه الجهاد. وقال المالكية: إذا كانت عادته المسألة، لزمه كالحج، وخرج على العادة؛ لأن حاله إذا لم تتغير، يتوجه الفرض عليه كتوجهه على الواجد المليء. ودلت الآيات على أصلين عظيمين من أصول الشريعة وهما: الأصل الأول-سقوط التكليف عن العاجز، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ فكل من عجز عن شيء سقط عنه، فتارة إلى بدل هو فعل، وتارة إلى بدل هو غرم، ولا فرق بين العجز من جهة القوة البدنية، أو العجز من جهة المال. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢] وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور ٦١/ ٢٤]. الأصل الثاني-الأصل في الإنسان براءة الذمة، أو براءة المتهم حتى تثبت
следующие страницы →