← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

المفردات اللغوية: ﴿الضُّعَفاءِ﴾ كالشيوخ أو الهرمى جمع ضعيف وهو غير القوي، والمرضى جمع مريض، كالزمنى والعمي ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾ في الجهاد ﴿حَرَجٌ﴾ ذنب أو إثم في التخلف عن الجهاد ﴿إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في حال قعودهم بعدم الإرجاف والتثبيط، وبالطاعة ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ما عليهم بذلك من طريق بالمؤاخذة ﴿غَفُورٌ﴾ لهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم في التوسعة عليهم ﴿حَزَناً﴾ الحزن والحزن: ضد السرور. والحزن: الصعب وما غلظ من الأرض، وفيها حزونة. ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ معك إلى الجهاد وهم البكاؤون سبعة من الأنصار: معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب، وسالم بن عمير، وثعلبة بن عتمة، وعبد الله بن مغفل، وعلية بن زيد، أتوا رسول الله ﵌، وقالوا: نذرنا الخروج، فاحملنا على الخفاف المرفوعة، والنعال المخصوفة، نغز معك، فقال ﵌: لا أجد ما أحملكم، فتولوا وهم يبكون. وقيل: هم بنو مقرن من مزينة: معقل وسويد والنعمان وعقيل وسنان، وسابع لم يسم، وعلى هذا جمهور المفسرين. وقيل: أبو موسى وأصحابه. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب براءة فإني لواضع القلم في أذني، إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله ﵌ ينظر ما ينزل عليه، إذ جاءه أعمى، فقال: كيف بي يا رسول الله، وأنا أعمى؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ الآية. وأما آية: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ﴾ فذكر في سبب نزولها ثلاث روايات: الأولى- أخرج ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﵌ الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءت عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن مغفل المزني، فقالوا: يا رسول الله، احملنا، فقال: والله ما أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء، وعز عليهم أن يحبسوا عن الجهاد، ولا يجدوا نفقة ولا محملا،

стр. 3257

فأنزل الله عذرهم: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية. وقد ذكرت أسماؤهم في المبهمات، وكانوا يسمون البكائين. الثانية: قال مجاهد: هم ثلاثة إخوة: معقل، وسويد، والنعمان بن مقرن، سألوا النبي ﵌ أن يحملهم على الخفاف المدبوغة، والنعال المخصوفة، فقال: ﴿لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ وهذا رأي الجمهور. والثالثة: قال الحسن البصري: نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه، أتوا رسول الله ﵌ يستحملونه، ووافق ذلك منه غضبا، فقال: «والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه». المناسبة: هناك ارتباط واضح بين هذه الآيات وما قبلها، فبعد أن ذكر تعالى الوعيد لمن يوهم العذر أو ينتحل الأعذار، مع أنه لا عذر له، ذكر أصحاب الأعذار الحقيقية، وبين إسقاط فريضة الجهاد عنهم. التفسير والبيان: أبان الله تعالى في هذه الآيات الأعذار التي يقبل بها القعود عن القتال، وذكر أصنافا ثلاثة من ذوي الأعذار المقبولة: وهم الضعفاء، والمرضى، والفقراء. فقال: ليس على الضعفاء والمرضى والفقراء العاجزين عن الإنفاق في الجهاد إثم أو ذنب أو عتاب في عدم الجهاد ﴿إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾، بأن أخلصوا الإيمان لله، وللرسول في الطاعة في السر والعلن، وعرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه، وللأمة بالحفاظ على مصلحتها العامة العليا من كتمان السر، والحث على البر، وعدم الإرجاف والتثبيط والقضاء على الإشاعات الكاذبة أو المغرضة، روى مسلم عن تميم الداري أن رسول الله ﵌ قال: «الدين النصيحة، قالوا لمن

стр. 3258

يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». والنصيحة لله وللرسول: إخلاص الإيمان بهما وطاعتهما والحب والبغض فيهما، والنصيحة لكتابه: تلاوته وتدبر معانيه والعمل بما فيه، والنصيحة لأئمة المسلمين: مؤازرتهم وترك الخروج عليهم، وإرشادهم إن أخطئوا، والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى طريق الحق، والعمل على تقويتهم. والنصح: إخلاص العمل من الغش. والضعفاء: كل من لا قدرة لهم على القتال كالشيوخ والعجزة والنساء والصبيان. والمرضى: من طرأ لهم مرض مزمن أو مؤقت لا يتمكنون معه من الجهاد، كالزمنى والعمي والعرج، والمحمومين. والفقراء: الذين عدموا النفقة على أنفسهم في أثناء الجهاد، وعلى عيالهم. ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي ليس عليهم جناح ولا مؤاخذة، ولا إلى معاتبتهم طريق، ولا إثم عليهم بسبب القعود عن الجهاد. وهذا نص عام يشمل كل من أحسن عملا من أعمال البر والخير، وهو أصل معتبر في الشريعة، في تقرير أن الأصل براءة الذمة أو البراءة الأصلية، وعدم مطالبة الغير له في نفسه وماله، فالأصل في نفسه حرمة القتل، والأصل في ماله حرمة الأخذ إلا لدليل ثابت، والأصل عدم مطالبته بشيء من التكاليف إلا بدليل مستقل. فما دام هؤلاء المعذرون عذرا شرعيا ناصحين لله ورسوله، مخلصين أعمالهم لله، فلا مؤاخذة عليهم. والله غفور، كثير المغفرة لهم ولأمثالهم، رحيم بهم، فلا يكلفهم ما لا طاقة

стр. 3259

لهم به. أما العصاة والمنافقون فلا يغفر لهم إلا إذا تابوا وأقلعوا عن العصيان والنفاق الذي كان سببا في الإثم. وكذلك لا حرج ولا إثم على من استعد للقتال بنفسه، ولكنه لا يجد مركبا أو نفقة ينفقها في أثناء الجهاد على نفسه وعياله، بسبب فقره، ومن أخصهم أولئك النفر من الأنصار البكاؤون، أو من بني مقرن من مزينة الذين جاؤوا للنبي ﵌، ليحملهم على الرواحل، أو ليمدهم بالزاد والماء والنفقة في غزوهم، فيخرجوا معه، فلم يجد ما يحملهم عليه، فانصرفوا من مجلسه، وهم يبكون بكاء شديدا بسبب حزنهم على ما فاتهم من شرف المشاركة في الجهاد، وبسبب فقدهم النفقة التي تساعدهم على الجهاد. والتعبير بقوله: ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ يفيد عموم سائر وسائل النقل والحرب والقتال القديمة والحديثة. قال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب. قال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله ﵌، وهم البكاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلي بن زيد أخو بنى حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني. وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وحرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعياض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله ﵌، وكانوا أهل حاجة، فقال: ﴿لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾. وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: قال رسول الله ﵌: «لقد خلفتم بالمدينة أقواما، ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديا، ولا نلتم من عدو نيلا

стр. 3260

إلا وقد شركوكم في الأجر» ثم قرأ: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ:﴾ ﴿لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية. وأصل الحديث في الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله ﵌ قال: «إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا، ولا سرتم سيرا إلا وهم معكم، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: نعم، حبسهم العذر» وفي رواية أحمد: «حبسهم المرض». فقه الحياة أو الأحكام: أوضحت الآيات إسقاط فرضية الجهاد بسبب العذر عن أصناف ثلاثة من ذوي الأعذار وهم الضعفاء والمرضى والفقراء، وأنه لا حرج ولا إثم على المعذورين بسبب القعود عن الجهاد، وهم قوم عرف عذرهم، كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون. والجمهور من العلماء على أن من لا يجد ما ينفقه في غزوة: لا يجب عليه الجهاد. وقال المالكية: إذا كانت عادته المسألة، لزمه كالحج، وخرج على العادة؛ لأن حاله إذا لم تتغير، يتوجه الفرض عليه كتوجهه على الواجد المليء. ودلت الآيات على أصلين عظيمين من أصول الشريعة وهما: الأصل الأول-سقوط التكليف عن العاجز، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ فكل من عجز عن شيء سقط عنه، فتارة إلى بدل هو فعل، وتارة إلى بدل هو غرم، ولا فرق بين العجز من جهة القوة البدنية، أو العجز من جهة المال. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢] وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور ٦١/ ٢٤]. الأصل الثاني-الأصل في الإنسان براءة الذمة، أو براءة المتهم حتى تثبت

стр. 3261

إدانته، ويعبر عنه بعبارة: الأصل براءة الذمة، وهذا مبدأ البراءة الأصلية. وذلك لقوله تعالى: ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ فالأصل في النفس حرمة القتل، والأصل في المال حرمة الأخذ، إلا لدليل ثابت أو لدليل منفصل مستقل. ولا تكرار بين هؤلاء وبين قوله تعالى سابقا: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ لأن الذين لا يجدون ما ينفقون: هم الفقراء الذين ليس معهم نفقة، وهؤلاء في الآية الأخيرة هم الذين ملكوا قدر النفقة، إلا أنهم لا يجدون المركوب.

стр. 3262

مؤاخذة المتخلفين الأغنياء بغير عذر ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾ المفردات اللغوية: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ بالمعاتبة ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ في التخلف عن الجهاد ﴿وَهُمْ أَغْنِياءُ﴾ واجدون للأهبة ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ استئناف لبيان ما هو السبب لاستئذانهم من غير عذر، وهو رضاهم بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف من النساء والصبيان والعجزة، إيثارا للدعة والراحة ﴿وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ ختم عليها بسبب تقصيرهم حتى غفلوا عن سوء العاقبة ﴿فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يدركون مغبة عملهم. المناسبة: لما قال الله تعالى في الآية السابقة: ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ قال في هذه الآية: إنما السبيل على من كان مستأذنا من الأغنياء، أي إن طريق المعاتبة بالتخلف عن الجهاد لهؤلاء المنافقين. التفسير والبيان: لما بيّن الله تعالى من لا سبيل عليه وهم ذوو الأعذار بحق، ذكر من عليهم السبيل، أي إن العلامة والمعاتبة لا على المحسنين، وإنما على هؤلاء الذين يستأذنون في العقود عن الجهاد، وهم أغنياء قادرون على إعداد العدة من زاد وراحلة وسلاح وغير ذلك، فلا عذر لهم البتة، والسبب في استحقاقهم المؤاخذة: أنهم رضوا لأنفسهم بأن يكونوا مع الخوالف والخالفين من النساء والصبيان

стр. 3263

والعجزة والمرضى والمعذّرين المفسدين، فكان شأنهم قبول المهانة والمذلة والانتظام في جملة الخوالف، وذلك من أخس مظاهر الخزي والعارفي عرف العرب وغيرهم. وقد تكرر هذا مع الآية السابقة [٨٧] لترسيخ هذا الوصف فيهم، وللتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم. وترتب على تقصيرهم ما قاله تعالى في الآيتين: ﴿وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ..﴾. أي وختم عليها، حتى لا يصل إليها الخير، ولا ينفذ إليها النور، فهم لذلك لا يهتدون، ولا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا، بسبب ما أحاطت بهم خطاياهم وذنوبهم، فأصبحوا لا يدركون حقيقة أمرهم، وسوء عاقبتهم. فقه الحياة أو الأحكام: الإسلام دين العقل والمنطق والواقعية، كما أنه دين الرحمة والحق والعدل، لذا فإنه تعالى نفى السبيل على المحسنين، أي رفع العقوبة والإثم عن المؤمنين ذوي الأعذار، وأوجب العقوبة والمأثم على المنافقين المستأذنين وهم أغنياء ذوو قدرة على الجهاد بالمال والنفس. وقد كرر تعالى ذكرهم للتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم. فلا عذر لهم بالتخلف عن الجهاد، وإنما كان السبب في استئذانهم رضاهم بالدناءة والخسة، وخذلان الله تعالى إياهم، وأن الله طبع على قلوبهم، بسبب سوء أعمالهم. ويا لها من خسارة! فقد شلّ فيهم عنصر أو أداة التمييز بين الخير والشر، وبين المصلحة والضرر. وإنهم خسروا الدنيا والآخرة، ففي الدنيا أصبحوا قوما منبوذين عن المجتمع، وفي الآخرة ينتظرهم العذاب الأليم.

стр. 3264

اعتذار المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك وحلفهم الأيمان الكاذبة ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦)﴾ الإعراب: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا﴾ نبّأ: بمعنى أعلم، وهو يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، ويجوز أن يقتصر على واحد، ولا يجوز أن يقتصر على اثنين دون الثالث. ولهذا لا يجوز أن يكون ﴿نُؤْمِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾ زائدة، وإنما تعدى إلى مفعول واحد، ثم تعدى بحرف جر. ﴿جَزاءً بِما..﴾. يجوز أن يكون مصدرا، وأن يكون علة أي مفعولا لأجله. البلاغة: ﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ بينهما طباق، وقوله: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ.﴾. أي إليه، فوضع الوصف موضع الضمير، للدلالة على أنه مطلع على سرّهم وعلنهم، لا يفوت عليه شيء من ضمائرهم وأعمالهم. ﴿لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ فيه أيضا إظهار في موضع الإضمار؛ لزيادة التشنيع والتقبيح، وأصله: لا يرضى عنهم.

стр. 3265

المفردات اللغوية: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ في التخلف ﴿إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من الجهاد أو من هذه السفرة ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ بالمعاذير الكاذبة؛ لأنّه ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدقكم؛ لأنه ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾ أي أخبرنا بأحوالكم، وأعلمنا بالوحي إلى نبيه بعض أخباركم، وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد ﴿وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ هل تتوبون عن الكفر أم تبقون عليه، وكأنه إعطاء فرصة للتوبة ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ بالبعث ﴿إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي إلى الله. والغيب: كل ما غاب عنك علمه. والشهادة: كل ما تشهده وتعرفه من عالم الحس ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم عليه بالتوبيخ والعقاب عليه ﴿اِنْقَلَبْتُمْ﴾ رجعتم إليهم ووصلتم من تبوك ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لتصفحوا عنهم ولا تعاتبوهم ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ ولا توبخوهم ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ قذر، لخبث باطنهم، فيجب الإعراض عنهم، ولا ينفع فيهم التأنيب ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ من تمام التعليل، أي إن النار كفتهم عتابا، فلا تتكلفوا عتابهم ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ..﴾. المقصود من الآية: النهي عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم، بعد الأمر بالإعراض وعدم الالتفات نحوهم. فلا ينفع رضاكم مع سخط الله وتأكد عقابه إياهم. سبب النزول: روي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في الجدّ بن قيس، ومعتّب بن قشير وأصحابهما من المنافقين، وكانوا ثمانين رجلا، أمر النبي ﷺ المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة بألا يجالسوهم ولا يكلموهم. وقال قتادة ومقاتل: إنها نزلت في عبد الله بن أبيّ، فإنه حلف للنبي ﷺ بعد عودته ألا يتخلف عنه أبدا، وطلب أن يرضى عنه، فلم يفعل. المناسبة: بعد أن لام الله تعالى المنافقين المعذّرين الذي انتحلوا الأعذار للتخلف عن غزوة تبوك، وعذر المحقين من أصحاب الأعذار، ورفع الحرج عن الضعفاء والمرضى والفقراء، أخبر المؤمنين بما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا في

стр. 3266

المدينة وما حولها عن تبوك، بعد عودتهم. وهذا من شأن الوحي على النبي ﷺ ومن الإخبار عن المغيبات في المستقبل. التفسير والبيان: هذا كلام مستأنف قصد به الإخبار عن المنافقين إذا رجع المؤمنون من تبوك إليهم، أنهم يعتذرون إليكم أيها المؤمنون عن سيئاتهم وتخلفهم عن القتال بغير عذر إذا رجعتم إليهم من غزوة تبوك. قل لهم أيها الرسول: لا تعتذروا بالأعذار الكاذبة؛ لأنا لن نصدقكم أبدا. والسبب في عدم تصديقكم أن الله قد أخبرنا سلفا بالوحي إلى نبيه بعض أخباركم وأحوالكم: وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد ومناقصة الحقائق. وسيرى الله عملكم ورسوله، أي سيظهر أعمالكم للناس في الدنيا، ويعلم مستقبلكم من الإصرار على النفاق أو التوبة منه، فإن تبتم فإن الله يتقبل توبتكم، ويغفر لكم ذنوبكم، وإن مكثتم فيما أنتم عليه من النفاق، عاملكم الرسول بما تستحقون. وفي هذا ترغيب لهم بالتوبة وإمهال لإظهارها وإصلاح شؤونهم. ثم يكون مصيركم إلى الله عالم الغيب والشهادة، فيعلم ما تكتمون وما تعلنون، فيخبركم بأعمالكم خيرها وشرها، ويجزيكم عليها، علما بأنكم أشد عذابا من الكفار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء ١٤٥/ ٤] وقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ..﴾. تصريح بالتوبيخ والعقاب على أعمالهم. وهذا يتضمن ضرورة تجنب المعاذير الكاذبة، وتحاشي كل ما يعتذر منه من السيئات، كما قال ﷺ فيما رواه الضياء عن أنس: «إياك وكل أمر يعتذر منه». ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم سيؤكدون تلك الأعذار بالأيمان الكاذبة، فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ..﴾. أي إنهم سيحلفون لكم بالله معتذرين، لتعرضوا عنهم،

стр. 3267

فلا تعاتبوهم ولا تؤنبوهم على قعودهم مع الخالفين من النساء وأمثالهم. فأعرضوا عنهم ولا توبخوهم، احتقارا لهم؛ لأنهم رجس أي قذر معنوي، وخبث نجس بواطنهم واعتقاداتهم، لا يقبلون التطهير، وهذا علة الإعراض وترك المعاتبة. ومأواهم في آخرتهم جهنم، جزاء بما كانوا يكسبون في الدنيا من الآثام والخطايا. وهذا من تمام التعليل، وكأنه قال: إنهم أرجاس من أهل النار، لا ينفع فيهم التوبيخ في الدنيا والآخرة. ثم أعلمنا الله تعالى بأن أيمانهم الكاذبة التي يحلفونها هي مجرد استرضاء لكم، لتستديموا في معاملتهم كأهل الإسلام. وإنكم إن رضيتم عنهم، فلا ينفعهم رضاكم، إذا كانوا في سخط الله وبصدد عقابه، بسبب فسقهم، أي خروجهم عن طاعة الله وطاعة رسوله، فليكن همهم إرضاء الله ورسوله، لا إرضاؤكم، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ، وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء ١٠٨/ ٤] وقال سبحانه: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر ١٣/ ٥٩]. وهذا إرشاد إلى منع المؤمنين من الرضا عنهم، والاغترار بأيمانهم الكاذبة، وكفى بالله شهيدا، وكفى بالله عليما ومعلما للمؤمنين طريق الاستقامة والصواب ومواقف الحزم والسداد. ونظرا لأهمية هذه المعاني أعيدت هنا مرة أخرى، ويكون الكلام شاملا مناهج المنافقين كلهم، سواء كانوا من أهل الحضر وهم من سبق أو من أهل البادية، وهم المقصودون هنا.

стр. 3268

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الأحكام التالية: ١ - عدم تصديق المنافقين في اعتذاراتهم، بعد إعلام الله بحقيقة أمرهم وأخبارهم. ٢ - المستقبل خير شاهد وكفيل لإظهار كذب المنافقين. ٣ - الله تعالى عالم بكل شيء، يعلم السر وأخفى، ويعلم ما في بواطن المنافقين من خبث ومكر ونفاق، وكذب وكيد. وفي هذا تخويف شديد، وزجر عظيم لهم. ٤ - الجزاء على الأعمال ثابت، يردع كل فاسق وعات وظالم. ٥ - المنافقون أنجاس أرجاس رجسا معنويا يقتضي الاحتراز عنهم، كما يجب الاحتراز عن الأرجاس الحسية، خوفا من التأثر بأعمالهم والميل إلى طبائعهم. وزادهم رجسا أنهم حصب جهنم هم لها واردون، جزاء بما كسبوا في الدنيا من أعمال النفاق وخبث الأفعال وسوء الأخلاق. ٦ - ينبغي الابتعاد عن كل ما يقتضي الاعتذار من الذنوب والسيئات. ٧ - لا ينفع رضا الناس مع سخط الله، فإن المعول عليه عند العقلاء وأهل الإيمان الحق التماس رضا الله تعالى، أخرج الترمذي عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «من التمس رضاء الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس». ٨ - إن سخط الله على المنافقين وأمثالهم إنما هو بسبب فسقهم وخروجهم عن دائرة الطاعة الواجبة لله وللرسول.

стр. 3269

كفر الأعراب ونفاقهم وإيمانهم ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾ الإعراب: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم، والدائرة في الأصل: مصدر أو اسم فاعل من دار يدور، سمي بها دورة الزمان، وهي هنا ما يحيط بالإنسان حتى لا يجد له منه مخلصا، وأضيفت إلى السوء (بضم السين وفتحها) للمبالغة والتأكيد والبيان، كقولهم: شمس النهار، ورجل صدق. ﴿قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ﴾ ﴿قُرُباتٍ﴾: مفعول ثان ليتخذ، و ﴿عِنْدَ اللهِ﴾: صفتها، أو ظرف ليتخذ. البلاغة: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ مجاز مرسل أي في جنته، من باب إطلاق الحال وإرادة المحل أي محل الرحمة. المفردات اللغوية: الأعراب لفظ عام معناه الخصوص في جماعة من أهل البدو من العرب، والعرب: من ينطق بالعربية، سواء البدو والحضر وسميت العرب عربا؛ لأن ولد إسماعيل نشؤوا من عربة، وهي

стр. 3270

من تهامة، فنسبوا إليها ﴿أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً﴾ من أهل المدن، لجفائهم وغلظ طباعهم، وبعدهم عن سماع القرآن ﴿وَأَجْدَرُ﴾ أحق وأولى ﴿أَلاّ يَعْلَمُوا﴾ بأن لا يعلموا ﴿حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ من الأحكام والشرائع ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه بهم. ﴿مَغْرَماً﴾ غرامة وخسرانا لازما؛ لأنه لا يرجو ثوابه، بل ينفقه خوفا، وهم أسد وغطفان ﴿وَيَتَرَبَّصُ﴾ ينتظر ﴿بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ دوائر الزمان ذات الضرر والسوء أن تنقلب عليكم فيتخلص من الإنفاق ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصونه، أو الإخبار عن وقوع ما يتربصون عليهم، أي يدور العذاب والهلاك عليهم، لا عليكم، والسوء: اسم لما يسوء ويضر ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوال الناس ولما يقولون عند الإنفاق ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالهم وبما يضمرون. ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ كجهينة ومزينة ﴿قُرُباتٍ﴾ جمع قربة: وهي ما يتقرب به إلى الله تعالى، ويقصد بها هنا اتخاذ المنزلة والمكانة عند الله ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ جمع صلاة ويراد بها هنا دعاؤه واستغفاره، فالصلاة من الله تعالى: الرحمة والخير والبركة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب ٤٣/ ٣٣] والصلاة من الملائكة: الدعاء، وكذا هي من النبي ﷺ ؛ كما قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة ١٠٣/ ٩] أي دعاؤك تثبيت لهم وطمأنينة ﴿أَلا﴾ استئناف بحرف التنبيه ﴿إِنَّها﴾ أي نفقتهم ﴿قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ أي تقرّبهم من رحمة الله ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ جنته ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لأهل طاعته ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم. سبب النزول: نزول الآية (٩٧): ﴿الْأَعْرابِ.﴾. قال الواحدي: نزلت في أعاريب من أسد وغطفان، ومن أعاريب حاضري المدينة. نزول الآية (٩٩): ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ.﴾. أخرج ابن جرير الطبري عن مجاهد أنها نزلت في بني مقرّن الذين نزلت فيهم: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾. [التوبة ٩٢/ ٩] وأخرج عن عبد الرحمن بن معقل المزني قال: كنا عشرة ولد مقرّن، فنزلت فينا هذه الآية.

стр. 3271

المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم بالمدينة، ذكر أحوال الأعراب خارج المدينة وهم سكان البادية، وأخبر أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين. ويرى الرازي أن هذه الآيات كسابقتها مباشرة تخاطب منافقي الأعراب وأصحاب البوادي أي الصحاري. ويرى المفسرون الآخرون أن ما سبق كله في منافقي المدينة وهذا في منافقي الأعراب. التفسير والبيان: إن كفر بعض الأعراب سكان البادية ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد، وأحرى وأولى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله أي فرائض الشرع؛ لأنهم أغلظ طبعا وأقسى قلبا، وأكثر جهلا، روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» ورواه أبو داود والبيهقي أيضا عن أبي هريرة مرفوعا، وزاد فيه: «وما ازداد أحد من سلطانه قربا إلا ازداد من الله بعدا» لأن السلاطين لا يريدون غالبا النصح وصراحة القول، فلا يتقرب منهم إلا المراؤون عادة. والله عليم واسع العلم بأحوال خلقه من أهل المدن والبوادي، حكيم فيما شرعه لهم وفيما يجازي محسنهم ثوابا ومسيئهم عقابا. وليس هذا طعنا في الأعراب وإنما هو وصف لأحوالهم، وذم لواقعهم ما داموا راضين به، وكل من نزل البادية فهم أعراب. وأما من استوطن القرى والبلاد فهم عرب، ولا يقال للمهاجرين والأنصار أعراب، إنما هم عرب، وقد قال النبي ﷺ : «حب العرب إيمان» (١).

стр. 3272

ومن الأعراب أناس ينفقون أموالهم رياء أو تقيّة، وتقربا للمسلمين ويعدون ذلك مغرما وخسارة؛ لأنهم لا يرجعون به ثوابا عند الله، وينتظرون بكم الحوادث والآفات، فيتخلصون من الإنفاق، وقد كانوا يتوقعون انتصار المشركين على المؤمنين، فلما يئسوا انتظروا موت النبي ﷺ ظنا منهم أن الإسلام ينتهي بموته. روي أنهم أسد وغطفان كانوا يفعلون ذلك. فرد الله عليهم: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي هي منعكسة عليهم، والسوء دائر عليهم وحدهم، أو أن هذا دعاء عليهم بنحو ما ينتظرونه في المسلمين، وقد تحقق هذا الدعاء، فدارت دائرة السوء والشر عليهم، وأصيبوا بالهزيمة والخيبة والخذلان، والله سميع لما يقولون عند الإنفاق، ولدعاء عباده عليهم، عليم بما يضمرون وبمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا﴾ [التوبة ٥٢/ ٩]. وكما أن في الأعراب كفارا ومنافقين، فيهم أيضا مؤمنون لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ..﴾. أي وبعض آخر من الأعراب يؤمنون إيمانا صحيحا، مثل جهينة ومزينة، وبنو أسلم وغفار، وقال مجاهد: هم بنو مقرّن من مزينة، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ وهؤلاء الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله تعالى، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم، أي صلواته. ألا إن ذلك قربة حاصلة لهم، وهذا شهادة من الله بصحة معتقدهم، وتصديق لرجائهم وتمنيهم، على الاستئناف مع حرف التنبيه، وإنّ المحققة للنسبة. وضمير ﴿إِنَّها﴾ لنفقتهم. سيدخلهم الله في رحمته أي في جنته ورضوانه، وهذا وعد لهم بإحاطة الرحمة

стр. 3273

بهم، إن الله غفور رحيم واسع المغفرة والرحمة للمخلصين في أعمالهم، فهو يستر لهم ما فرط منهم من ذنب أو تقصير، ويرحمهم بهدايتهم إلى صالح الأعمال المؤدية إلى حسن الختام والمصير، وإحاطة الرحمة في هذه الآية أبلغ في إثباتها لهم في مثل قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة ٢١/ ٩]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين. أما الكفار والمنافقون فهم أشد كفرا ونفاقا من غيرهم، بسبب قسوة البيئة التي يعيشون فيها، وضعف مستوى الثقافة والمعرفة والعلم في أوساطهم، مما يجعلهم قساة الطباع والأكباد والقلوب، ويرتعون في مفاسد الجهل والأهواء ونقص السياسة والتأديب. وهم أيضا لذلك أولى بألا يعلموا حدود الشرائع ومقادير التكاليف والأحكام وما أنزله الله على رسوله بالوحي الثابت. وترتب على ذلك أحكام ثلاثة (١): أولها-لا حق لهم في الفيء والغنيمة، كما قال النبي ﷺ في صحيح مسلم من حديث بريدة: «ثم أدعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم بأنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين».

стр. 3274

وثانيها-إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة؛ لما في ذلك من تحقق التهمة. وأجازها أبو حنيفة قال: لأنها لا تراعى كل تهمة، والمسلمون كلهم عنده على العدالة. وأجازها الشافعي إذا كان عدلا مرضيا، قال القرطبي: وهو الصحيح. وثالثها-أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة؛ لجهلهم بالسنة، وتركهم الجمعة. وقال الشافعي والحنيفة: الصلاة خلف الأعرابي جائزة. ومن الأعراب جماعة منافقون يعدون النفقة خسارة، وينتظرون أن تحيط الدواهي والمصائب والحوادث بالمسلمين ليتخلصوا من الإنفاق. فقوله: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ يعني الموت والقتل، وانتظار موت الرسول ﷺ ، وانتصار المشركين. ولكن الأمر سيكون بالعكس مما يتوقعون، فعليهم وحدهم دائرة العذاب والبلاء. وبعض آخرون من الأعراب مؤمنون، وصفهم الله بوصفين: الأول: كونهم مؤمنين بالله واليوم الآخر، وهذا دليل على أنه لا بد في جميع الطاعات حتى الجهاد من تقدم الإيمان. والثاني: كونهم ينفقون أموالهم تقربا إلى الله تعالى، وبقصد التوصل إلى صلوات الرسول ﷺ أي استغفاره ودعائه؛ لأن الرسول ﷺ كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم، كقوله: «اللهم صلّ على آل أبي أوفى» وقال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ كما تقدم. وقد شهد الله تعالى بقوله: ﴿أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، أي إن نفقاتهم تقربهم من رحمة الله، وذلك حاصل لهم، وهو وعد من الله، والله لا يخلف الميعاد.

стр. 3275

أصناف الناس في المدينة وما حولها ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾ الإعراب: ﴿وَالسّابِقُونَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿﵃﴾ ومعناه: ﵃ لأعمالهم وكثرة طاعاتهم. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا﴾ عطف على: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ أو خبر لمحذوف تقديره: قوم مردوا على النفاق، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. مثل: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا. البلاغة: ﴿عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ بين الصالح والسيء طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ وهم من شهد بدرا، أو الذين صلوا إلى القبلتين، أو الذين أسلموا قبل الهجرة، وأهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير، أو جميع الصحابة ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ﴾ اللاحقون بالسابقين من الفئتين، أو الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم

стр. 3276

القيامة ﴿﵃﴾ أي قبل طاعتهم وارتضى أعمالهم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما نالوا من نعمه الدينية والدنيوية، أو بما أفاض عليهم من نعمه الجليلة في الدين والدنيا. ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ ممن حول بلدتكم المدينة يا أهل المدينة ﴿مُنافِقُونَ﴾ هم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا نازلين حولها ﴿مَرَدُوا﴾ مرنوا وحذقوا واستمروا ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ لا تعرفهم بأعيانهم أيها النبي ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ بالفضيحة والقتل في الدنيا، وعذاب القبر، أو بأخذ الزكاة وإنهاك الأبدان ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ في الآخرة ﴿إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ هو النار. ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً﴾ هو الجهاد السابق قبل ذلك أو إظهار الندم والتوبة ﴿وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ وهو تخلفهم، وهم أبو لبابة وجماعة من المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، لما بلغهم ما نزل في المتخلفين، وحلفوا ألا يحلهم إلا النبي ﷺ ، فحلّهم لما نزلت ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أن يقبل توبتهم ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه. سبب النزول: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾: الصحيح عند الرازي أنهم السابقون في الهجرة وفي النصرة. ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾: قال البغوي، والواحدي نقلا عن الكلبي: نزلت في جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار من أهل المدينة أي كانوا حول المدينة، يعني عبد الله بن أبيّ، وجدّ بن قيس، ومعتّب بن قشير، والجلاس بن سويد، وأبي عامر الراهب. ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾: أخرج ابن مردويه وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: غزا رسول الله ﷺ ، فتخلّف أبو لبابة وخمسة معه، ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكروا وندموا، وقالوا لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها، حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقها، ففعلوا، وبقي ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم، فرجع رسول الله ﷺ من غزوة، فقال: من هؤلاء الموثقون بالسواري؟ فقال رجل: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم، فقال: لا أطلقهم حتى أؤمر

стр. 3277

بإطلاقهم، فأنزل الله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية. فلما نزلت أطلقهم وعذرهم، وبقي الثلاثة الذين لم يوثقوا أنفسهم لم يذكروا بشيء، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ﴾ الآية، فجعل أناس يقولون: هلكوا إذ لم ينزل عذرهم، وآخرون يقولون: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، حتى نزلت: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى فضائل قوم من الأعراب ينفقون تقربا إلى الله تعالى ومن أجل دعاء الرسول، أبان فضائل قوم أعلى منهم منزلة وأعظم، وهي منازل السابقين الأولين، ثم أتبعهم ببيان حال طائفة من منافقي المدينة وما حولها، وإن كانوا غير معلومين بأعيانهم، وحال طائفة أخرى خلطوا صالح العمل بسيئه وهؤلاء يرجى قبول توبتهم، ثم عاد بعدئذ لبيان حال طائفة أخرى يرجى أمر قبول توبتهم إلى الله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ﴾ [الآية: ١٠٦]. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن رضاه على أرفع منزلة في المسلمين وتفضيلهم على من عداهم، وهم السابقون الأولون، وهم ثلاث طبقات: الأولى: السابقون الأولون من المهاجرين الذين هاجروا قبل صلح الحديبية، فتقدموا على غيرهم في الهجرة والنصرة. وأفضل هؤلاء الخلفاء الراشدون الأربعة، ثم العشرة المبشرون بالجنة، وأول السابقين من المهاجرين: أبو بكر الصديق ﵁؛ لأن المعول عليه في السبق: الإيمان والهجرة والجهاد والبذل والنصرة. والثانية: السابقون الأولون من الأنصار: وهم أصحاب بيعة العقبة الأولى

стр. 3278

في منى سنة إحدى عشرة من البعثة، وكانوا سبعة، ثم أصحاب بيعة العقبة الثانية، وكانوا سبعين رجلا وامرأتين. والثالثة: التابعون للأولين بإحسان: أي بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة. وهؤلاء جميعا ﵃ بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم، ورضوا عنه بما أسبغ عليهم من نعمه الدينية والدنيوية، فانقذهم من الشرك والضلال، ووفقهم إلى الخير، وهداهم إلى الحق، وأعزهم وأغناهم، وأعز بهم الإسلام، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا، وذلك هو الفوز العظيم الذي لا فوز غيره، وهو فوز شامل، كما أن نعيم الجنة شامل للبدن والروح معا. ويلاحظ أن الاتباع المطلوب هو الاتباع بإحسان، أي إحسان الأعمال والنيات والظواهر والبواطن، أما الاكتفاء بظاهر الإسلام فلا يحقق شرط الإحسان. وحينئذ ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠/ ٣] وقوله : ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢]. ثم أخبر الله تعالى عن فئة المنافقين حول المدينة وفيها، فقال: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ..﴾. أي إن في المدينة وما حولها مردة المنافقين الذين مرنوا على النفاق وأتقنوه، وثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا، وهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، الذين كانت منازلهم حول المدينة، وكان جماعة منهم آخرون في المدينة من الأوس والخزرج، لا تعلمهم أو لا تعرفهم بأعيانهم أيها النبي، ولا تعلم عاقبة أمورهم، وإنما نحن نختص بعلمها وبمعرفتهم، كما قال تعالى فيهم: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ. وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ﴾ [محمد ٢٩/ ٤٧ - ٣٠]. وقوله ﴿وَمِمَّنْ﴾ يشير إلى بعضهم، أما الآخرون فهم مؤمنون بدليل

стр. 3279

ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأشجع وغفار موالي لله تعالى، لا موالي لهم غيره» وقال ﷺ أيضا داعيا لبعضهم: «أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما إني لم أقلها، لكن قالها الله تعالى». هؤلاء المنافقون سنعذبهم في الدنيا مرتين: بالفضيحة والمصائب في أموالهم وأولادهم أولا، ثم بآلام الموت وعذاب القبر ثانيا، أو بأخذ الأموال وإنهاك الأبدان. قال ابن عباس: بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة، فمرض المؤمن كفارة، ومرض الكافر عقوبة. ثم يكون لهم عذاب جهنم، وهو أشد العذاب. والغرض من الآية بيان مضاعفة العذاب عليهم. وهناك فريق آخر حول المدينة وفيها وهم: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي إنهم جماعة أقروا بمعاصيهم واعترفوا بها لربهم، ولهم أعمال آخر صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه، إن الله غفور لمن تاب، رحيم بمن أحسن وأناب: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف ٥٦/ ٧]. وهذه الآية، وإن كانت نزلت في أناس معينين إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطائين المخلطين المتلوثين. قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه. وقال ابن عباس وآخرون: نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه... إلخ ما ذكر في سبب النزول.

стр. 3280

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: وهم الذين سبقوا إلى الهجرة قبل صلح الحديبية، وإلى النصرة في بيعتي العقبة الأولى والثانية. وقيل: هم الذين صلوا إلى القبلتين، أو الذين شهدوا بيعة الرضوان، وهي بيعة الحديبية، أو أهل بدر. وأفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة المبشرين بالجنة، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. ولا خلاف أن أول السابقين من المهاجرين أبو بكر الصديق. وقال ابن العربي: السبق يكون بثلاثة أشياء: وهو التقدم في الصفة أو في الزمان أو في المكان، فالصفة: الإيمان، والزمن: لمن حصل في أوان قبل أوان، والمكان: من تبوّأ دار النصرة واتخذه بدلا عن موضع الهجرة. وأفضل هذه الوجوه: سبق الصفات. والدليل عليه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «نحن الآخرون الأولون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم. فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فاليهود غدا، والنصارى بعد غد» فأخبر النبي ﷺ أن من سبقنا من الأمم بالزمان، فجئنا بعدهم، سبقناهم بالإيمان، والامتثال لأمر الله تعالى، والانقياد إليه، والاستسلام لأمره، والرضا بتكليفه، والاحتمال لوظائفه، لا نعترض عليه، ولا نختار معه، ولا نبدّل بالرأي شريعته، كما فعل أهل الكتاب، وذلك بتوفيق الله لما قضاه، وبتيسيره لما يرضاه، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله (١).

стр. 3281

والصحابي في علم الحديث: كل مسلم رأى رسول الله ﷺ . والتابعي: من صحب الصحابي. قال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بن المسيّب، فقيل له: فعلقمة والأسود؟ فقال: سعيد بن المسيب، وعلقمة والأسود. وفي التابعين طبقة تسمى المخضرمين: وهم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله ﷺ وأسلموا ولا صحبة لهم، وعددهم كما ذكر مسلم عشرون نفسا، منهم أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة الكندي، وعمرو بن ميمون الأودي. وممن لم يذكره مسلم: أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب، والأحنف بن قيس. لكن رجح الرازي: أن السبق ليس في زمن الإيمان أو الإسلام؛ لأن لفظ السابق مجمل أو مطلق، يمكن حمله على السبق في سائر الأمور، لكن وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارا، فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا مهاجرين وأنصارا، وهو الهجرة والنصرة، فوجب أن يكون المراد منه: السابقون الأولون في الهجرة والنصرة، إزالة للإجمال عن اللفظ (١). ٢ - الرضا الدائم عنهم؛ لأن قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ يتناول جميع الأحوال والأوقات، بدليل أنه لا وقت ولا حال إلا ويصح استثناؤه منه، مثل وقت طلب الإمامة، ولأن ذلك الحكم معلل بكونهم سابقين في الهجرة، والسبق في الهجرة وصف دائم في جميع مدة وجوده، ولأن إعداد الجنات لهم يقتضي بقاءهم على تلك الصفة التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك الجنات. وبعض العلماء أثبت هذا المدح لجميع الصحابة؛ لأن كلمة ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ ليست للتبعيض، بل للتبيين، فأوجب الله لجميع أصحاب النبي ﷺ الجنة والرضوان. وشرط على التابعين شرطا هو أن

стр. 3282

يتبعوهم بإحسان في العمل: وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدوا بهم في غير ذلك. ٣ - الرضا عن التابعين والثواب إلى يوم القيامة مشروط باتباع الصحابة بإحسان، أي إحسان القول والعمل، فمن لم يحسن القول في المهاجرين والأنصار لا يكون مستحقا للرضوان من الله تعالى، ولا يكون من أهل الثواب لهذا السبب. ٤ - هناك قوم منافقون مردوا على النفاق، أي ثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا عنه، وهم قوم من الأعراب حول المدينة، يعني مزينة وجهينة وأسلم وغفار وأشجع، وقوم من أهل المدينة أيضا. وهؤلاء لهم عذاب مضاعف: في الدنيا بالأمراض والمصائب، وفي الآخرة بالإصلاء (الإلقاء) في نار جهنم. وقيل: بالفضيحة في الدنيا، ثم عذاب القبر. وقيل بغير ذلك. والأولى في رأي الرازي حمل قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ على عذاب الدنيا بجميع أقسامه، وعذاب القبر، وأما قوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ يراد منه العذاب في يوم القيامة. ٥ - ومن أهل المدينة ومن حولها قوم أقروا بذنبهم، وآخرون مرجون لأمر الله، يحكم فيهم بما يريد. والصنف الأول: إما قوم من المنافقين، تابوا عن النفاق وما مردوا عليه، أو إنهم قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك، لا للكفر والنفاق، لكن للكسل، ثم ندموا على ما فعلوا ثم تابوا. ومجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة وإنما هو مقدمة للتوبة، فإذا اقترن به الندم على الماضي، والعزم على تركه في المستقبل، كان ذلك توبة. وقد تاب هؤلاء؛ لقوله تعالى: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ والمفسرون قالوا: إن (عسى) من الله يدل على الوجوب.

стр. 3283

قال ابن عباس: نزلت في عشرة تخلفوا عن غزوة تبوك، فأوثق سبعة منهم أنفسهم في سواري المسجد. وقال بنحوه قتادة، وقال: وفيهم نزل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وهي الآية التالية. أخذ الصدقة وقبول التوبة والأمر بالعمل الصالح ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ الإعراب: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ جملتان فعليتان في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿خُذْ﴾ أو أن يكون ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ وصفا لصدقة، وتزكيهم: حالا من ضمير: ﴿خُذْ﴾. البلاغة: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ فيه تشبيه بليغ، وأصله كالسكن، فحذفت أداة التشبيه ووجه الشبه. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ استفهام للتقرير في النفس، قصد به حثهم على التوبة والصدقة. ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ مجاز عن قبوله لها. المفردات اللغوية: ﴿صَدَقَةً﴾ ما ينفقه المؤمن قربة لله ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ تنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل

стр. 3284

المخلصين، فأخذ ثلث أموالهم وتصدق بها. ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ادع لهم واستغفر ﴿سَكَنٌ﴾ أي تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم، والسكن في الأصل: ما تسكن إليه النفس وترتاح من منزل وأهل ومال ودعاء وثناء ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لاعترافهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بندامتهم ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ يقبلها ﴿التَّوّابُ﴾ صيغة مبالغة، أي يقبل توبة عباده ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم، صيغة مبالغة أيضا. ﴿اِعْمَلُوا﴾ ما شئتم ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ بالبعث ﴿إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ الله ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يجازيكم به سبب النزول: نزول الآية (١٠٣): ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾: أخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن هؤلاء الذين أطلقهم النبي ﷺ من سواري المسجد لما اعترفوا بذنوبهم وتاب الله عليهم، وهم أبو لبابة وأصحابه، جاؤوا بأموالهم، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي كانت سببا في تخلفنا، فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا، فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية. فأخذ الرسول ﷺ من أموالهم الثلث. قال الحسن البصري: وكان ذلك كفارة الذنب الذي حصل منهم. وقال جماعة من الفقهاء: المراد بهذه الآية الزكاة المفروضة، وعلى هذا يكون قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ هو لجميع الأموال والناس، وهو عام يراد به الخصوص في الأموال، إذ يخرج عنه الأموال التي لا زكاة فيها كالديار والثياب (١). وهذا النص، وإن كان خاصا بالرسول ﷺ ، وذا سبب خاص، فهو عام يشمل خلفاء الرسول ومن بعدهم من أئمة المسلمين، لذا قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة مانعي الزكاة من أحياء العرب، حتى أدّوا الزكاة إلى الخليفة، كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ ، وقال الصدّيق: «والله لو منعوني عقالا-أو عناقا-كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ ، لأقاتلنهم على منعه».

стр. 3285

المناسبة وتعيين المراد بالصدقة: إذا كان المقصود من كلمة ﴿صَدَقَةً﴾ كفارة الذنب الذي صدر من المتخلفين عن غزوة تبوك، كما قال الحسن البصري فيما تقدم، فالمناسبة بين هذه الآية وما قبلها واضحة؛ لأن المراد علاج خطأ هذه الفئة من الناس، وتكون الآية خاصة بهم. ويمكن تعميم المراد بالآية بأن يقال: إنكم لما رضيتم بإخراج الصدقة التي هي غير واجبة، فلأن تصيروا راضين بإخراج الواجبات أولى. وأما إذا كان المقصود من الآية الزكوات الواجبة أو إيجاب أخذ الزكاة من الأغنياء، وهو رأي أكثر الفقهاء، وهو الصحيح، فالمناسبة تكون على النحو التالي: لما أظهر هؤلاء التوبة والندامة عن تخلفهم عن غزوة تبوك، وأقروا بأن السبب الموجب لذلك التخلف هو حبهم للأموال، وشدة حرصهم على صونها عن الإنفاق، فكأنه قيل لهم: إنما تظهر صحة قولكم في ادعاء هذه التوبة والندامة لو أخرجتم الزكاة الواجبة؛ لأن الدعوى لا تتقرر إلا بالمعنى، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان. فإن أدوا تلك الزكوات عن طيب نفس، ظهر كونهم صادقين في توبتهم، وإلا فهم كاذبون. ومما يدل على أن المراد الصدقات الواجبة قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ أي تطهرهم عن الذنب بسبب أخذ تلك الصدقات. قال الجصاص: والصحيح أنها الزكوات المفروضة، إذ لم يثبت أن هؤلاء القوم أوجب الله عليهم صدقة دون سائر الناس، سوى زكوات الأموال، وإذا لم يثبت بذلك خبر، فالظاهر أنهم وسائر الناس سواء في الأحكام والعبادات، وأنهم غير مخصوصين بها دون غيرهم من الناس. ولأنه إذا كان مقتضى الآية وجوب هذه الصدقة على سائر الناس لتساوي الناس في الأحكام إلا من خصه دليل، فالواجب أن تكون هذه الصدقة واجبة

стр. 3286

على جميع الناس، غير مخصوص بها قوم دون قوم، وإذا ثبت ذلك كانت هي الزكاة المفروضة؛ إذ ليس في أموال سائر الناس حق سوى الصدقات المفروضة. وقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ لا دلالة فيه على أنها صدقة مكفرة للذنوب غير الزكاة المفروضة؛ لأن الزكاة المفروضة أيضا تطهر وتزكي مؤديها، وسائر الناس في المكلفين محتاجون إلى ما يطهرهم ويزكيهم (١). التفسير والبيان: خذ أيها الرسول وكل حاكم مسلم بعدك من أموال هؤلاء التائبين ومن غيرهم صدقة مقدرة بمقدار معين، تطهرهم بها من داء البخل والطمع، وتزكي أنفسهم بها، وتنمي بها حسناتهم، وترفعهم إلى منازل المخلصين. والتزكية: مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال، أي أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سببا للإنماء، وفي الحديث الذي رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة: «ما نقصت صدقة من مال». ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادع لهم واستغفر وترحم، فإن دعاءك واستغفارك سكن لهم يسكنون إليه وتطمئن قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم. والصلاة من الله على عباده: الرحمة، ومن ملائكته: الاستغفار، ومن النبي والمؤمنين: الدعاء. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ يسمع اعترافهم بذنوبهم ودعاءهم، وسميع لدعائك سماع قبول وإجابة، عليم بما في ضمائرهم وبإخلاصهم في توبتهم وصدقاتهم وبما فيه الخير والمصلحة لهم. فالصدقة مطهرة للنفس، مرضاة للرب، وحصن للمال. ألم يعلم أولئك التائبون وجميع المؤمنين أن الله هو الذي يقبل توبة عباده،

стр. 3287

ويتجاوز عن سيئاتهم، ويأخذ الصدقات أي يقبلها ويثيب عليها ويضاعف أجرها، كما قال: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً، يُضاعِفْهُ لَكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [التغابن ١٧/ ٦٤] وفي الحديث الثابت الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة: «إن الله يربي الصدقة كما يربي أحدكم فلوّه» أي ولد الفرس، وهذا تمثيل لزيادة الأجر. وفي هذا حث على التوبة وإعطاء الصدقة سواء كانت فريضة أو تطوعا. قيل في سبب نزول هذه الآية: قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس، لا يكلّمون ولا يجالسون، فما لهم الآن؟ وما هذه الخاصة التي خصّوا بها؛ فنزلت: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ فالضمير في ﴿يَعْلَمُوا﴾ عائد إلى الذين لم يتوبوا من المتخلفين. وأن الله هو التواب الذي من شأنه قبول توبة التائبين، والتفضل عليهم، وهو الرحيم بعباده التائبين، الذي يثيبهم على أعمالهم الصالحة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه ٨٢/ ٢٠] وقال : ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ، فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا، وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ١٣٥/ ٣] والتوبة مفيدة في تجديد همة النفس والعهد، ومحو الذنب. وقل أيها الرسول لهؤلاء التائبين ولغيرهم: اعملوا، فإن عملكم لا يخفى على الله وعباده، خيرا كان أو شرا، فالعمل أساس السعادة، وسيرى الله عملكم، ورسوله والمؤمنون باطلاعه إياهم على أعمالكم. وهذا وعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار على الذنب والذهول عن التوبة، ولكل المخالفين أوامر الله، بأن أعمالهم ستعرض عليه تعالى، وعلى الرسول، وعلى المؤمنين، وهذا كائن لا محالة يوم القيامة، كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٨/ ٦٩]. وقال النبي ﷺ فيما يرويه أحمد والبيهقي عن أبي سعيد الخدري: «لو أن

стр. 3288

أحدكم يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كوّة، لأخرج الله عمله للناس، كائنا ما كان» وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي، روي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك». وستردون يوم القيامة إلى الله الذي يعلم سرائركم وعلانيتكم، يعلم الغائب والحاضر، والباطن والظاهر، فيعرفكم أعمالكم، ثم يجازيكم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهذا كلام جامع للترغيب والترهيب. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات الأحكام الثلاثة التالية: ١ - فرضية أخذ الصدقات وهي الزكوات الواجبة لتطهير النفوس وتزكيتها وتنمية الأموال والبركة فيها. وأن صلاة الرسول ﷺ شفاعة وطمأنينة. ٢ - قبول الله توبة التائبين بحق أي التوبة الصحيحة، وقبول الصدقات الصادرة عن خلوص النية والإثابة عليها، وسمى تعالى نفسه باسم ﴿اللهُ﴾ لينبه على أن كونه إلها يوجب قبول التوبة، والتخصيص بالله يدل على أن قبول التوبة وردها إلى الله، لا إلى الرسول ﷺ . ٣ - كل إنسان مجزي بعلمه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، والعمل مشهود عند الله ورسوله والمؤمنين، وفي ذلك وعيد من الله تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه ﵎ وعلى الرسول ﷺ ، وعلى المؤمنين، في عالم البرزخ، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٨/ ٦٩].

стр. 3289

لكن آية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ عامة في أصناف الأموال، لم تبين نوع المال المأخوذ منه ولا مقدار المأخوذ، فيقتضي الظاهر أن يؤخذ من كل صنف بعضه؛ لأن ﴿مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ تقتضي التبعيض، فدلت الآية على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، لا كلها، لكن البعض غير مذكور هنا صراحة في اللفظ، فجاءت السنة والإجماع لبيان مقدار المأخوذ والمأخوذ منه، ومقادير الأنصبة ووقت الاستحقاق، ويكون لفظ الزكاة مجملا في هذه الوجوه كلها، مفتقرا إلى البيان فيما ذكر كما قال الجصاص. وقد نص القرآن على زكاة الذهب والفضة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ، فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة ٣٤/ ٩] ونص أيضا على زكاة الزروع والثمار في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ، وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام ١٤١/ ٦] وأوضحت السنة زكاة سائر الأموال الأخرى التي تجب فيها الزكاة، وهي عروض التجارة، والأنعام السائمة (الإبل والبقر والغنم) وبينت مقاديرها وأنصبتها روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة» (١). وأجمع العلماء على أن الأوقية أربعون درهما؛ فإذا ملك الحر المسلم مائتي درهم من الفضة، وهي الخمس الأواق المنصوصة في الحديث، حولا كاملا، فقد وجبت عليه صدقتها، وذلك ربع عشرها خمسة دراهم. وإنما اشترط الحول لما أخرجه الترمذي من قوله ﷺ : «ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول. وما زاد على المائتي درهم من الفضة فبحساب ذلك في كل شيء منه ربع عشره، قل أو كثر.

стр. 3290

وأما زكاة الذهب فتجب في رأي جمهور العلماء إذا كان الذهب عشرين دينارا قيمتها مائتا درهم، فما زاد، عملا بحديث علي الذي أخرجه الترمذي. وأما زكاة الغنم ففي كل أربعين شاة شاة، على ما جاء في كتاب الصّديق لأنس لما وجهه إلى البحرين، وأخرجه البخاري وأبو داود والدارقطني والنسائي وابن ماجه وغيرهم. وزكاة البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنّة؛ لما رواه الدارقطني والترمذي عن معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن. ولا زكاة في رأي الجمهور على الأنعام إلا إذا كانت سائمة ترعى في البراري ونحوها؛ لما روى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «ليس في البقر العوامل صدقة» وروى الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن معاذ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي الأربعين مسّنة» وروى أبو داود والدارقطني عن علي «ليس على العوالم شيء» وفي حديث البخاري عن أنس أن النبي ﷺ كتب لأبي بكر الصديق كتابا في الصدقات، جاء فيه: «صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين، فيها شاة» فنفى بذلك الصدقة عن غير السائمة. وقال مالك والليث: في العوامل صدقة، لعموم قوله ﷺ في حديث أنس المتقدم: «في خمس من الإبل شاة» والجواب: ذلك مخصوص بالأحاديث المتقدمة. وظاهر عموم هذه الآية يوجب الزكاة في مال المديون وفي مال الضمان أي الكفالة. وأما قوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ فقال الزجاج: والأجود أن تكون المخاطبة للنبي ﷺ ، أي فإنك تطهرهم وتزكيهم بها، على القطع والاستئناف. ويجوز الجزم على جواب الأمر، والمعنى: إن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم. وظاهر الآية يدل على أن الزكاة إنما وجبت طهرة عن

стр. 3291

الآثام، وبما أن الإثم لا يتقرر إلا في حق البالغ، فوجب ألا تجب الزكاة في حق الصغير، كما قال أبو حنيفة ﵀. وأوجب الجمهور الزكاة في مال الصبي والمجنون، لأن الآية تدل على أخذ الصدقة من أموالهم، فتكون طهرة للأموال. وظاهر قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أنه يجب على الإمام أو نائبه إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق بالبركة، وهذا رأي الظاهرية. وأما سائر الأئمة فحملوا الأمر على الندب والاستحباب؛ لأن النبي ﷺ قال لمعاذ في الحديث المتفق عليه عن ابن عباس: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم» ولم يأمره بالدعاء لهم، ولأن الفقراء إذا أخذوا الزكاة لا يلزمهم الدعاء. ومع هذا، روى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم: قال: «اللهم صل عليهم» فأتاه ابن أبي أوفى بصدقته، فقال: «اللهم صلّ على آل أبي أوفى» والصلاة هنا: الرحمة والترحم. وبناء عليه قال الحنابلة والظاهرية في صيغة الدعاء: لا مانع أن يقول آخذ الزكاة: اللهم صل على آل فلان. وقال باقي الأئمة: لا يجوز هذا القول؛ لأن الصلاة صارت مخصوصة بالأنبياء ﵈. ولا خلاف أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم، فيقال: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه؛ لأن السلف استعملوه، وأمرنا به في التشهد. والسلام في حكم الصلاة؛ لأن الله تعالى قرن بينهما، فلا يفرد به غائب على غير الأنبياء. أما استحباب السلام في مخاطبة الأحياء تحية لهم وفي تحية الأموات فهو ثابت في السنة. واستحسن الشافعي أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورا، وبارك لك فيما أبقيت.

стр. 3292

وقوله: ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ﴾ دليل على كونه تعالى رائيا للمرئيات، ودليل لأهل السنة أن كل موجود فإنه يصح رؤيته، أي إبصاره؛ لأن الرؤية المعداة إلى المفعول الواحد معناها الإبصار. والعمل المرئي يشمل أعمال القلوب كالإرادات والكراهات والأنظار، وأعمال الجوارح، كالحركات والسكنات. وقوله تعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ نص صريح في أن الله تعالى هو الآخذ لها والمثيب عليها وأن الحق له جل وعز، والنبي ﷺ واسطة، فإن توفي فعامله هو الواسطة بعده، والله حي لا يموت. وهذا يبين أن قوله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ليس مقصورا على النبي ﷺ ، وإنما يشمل الأئمة بعده، كما تقدم. روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم، كما يربي أحدكم مهره، حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾، و ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا، وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾. وفي صحيح مسلم: «لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه، فتربو في كفّ الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل». وهذا كناية عن القبول والجزاء عليها، كما كنى بنفسه الكريمة المقدسة عن المريض، تعطفا عليه بقوله في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني». وخصّ اليمين والكف بالذكر؛ إذ كل قابل لشيء إنما يأخذه بكفه وبيمينه، أو يوضع له فيه؛ فخرج على ما يعرفونه، والله جل وعز منزّه عن الجارحة. الثلاثة الذين خلّفوا عن التوبة عليهم ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾

стр. 3293

المفردات اللغوية: ﴿وَآخَرُونَ﴾ من المتخلفين ﴿مُرْجَوْنَ﴾ مؤخرون عن العقوبة، وموقوف أمرهم ﴿لِأَمْرِ اللهِ﴾ في شأنهم بأن يأمر فيهم بما شاء ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ بأن يميتهم بلا توبة وإما يتوب عليهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه. سبب النزول: قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وآخرون: هم الثلاثة الذين خلّفوا عن التوبة، وهم مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية من بني واقف، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال، لا شكا ونفاقا. وكان المتخلفون عن غزوة تبوك أصنافا ثلاثة (١): ١ - المنافقون الذين مردوا على النفاق، وهم أكثر المتخلفين. ٢ - التائبون المؤمنون الذين اعترفوا بذنوبهم وتابوا فتاب الله عليهم، وهم الذين ربطوا أنفسهم بالسواري وهم أبو لبابة وأصحابه، فنزلت توبتهم. ٣ - الذين بقوا موقوفين وهم المؤمنون الذين حاروا في أمرهم ولم يعتذروا إلى النبي ﷺ عن تخلفهم، وأرجؤوا توبتهم، فلم يربطوا أنفسهم بالسواري، فأرجأ الله الحكم في أمرهم، فوقف أمرهم خمسين ليلة، وهجرهم الناس حتى نزلت توبتهم بعد، وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، والذين نزلت فيهم هذه الآية: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ [التوبة ١١٨/ ٩]. التفسير والبيان: وآخرون من المتخلفين موقوفون مرجون أي مؤخرون لأمر الله في شأنهم،

стр. 3294

ولا يدري الناس ما ينزل فيهم، هل يتوب الله عليهم أولا، وقد نهى الرسول ﷺ عن مجالستهم، وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن إلى أهلهن، إلى أن نزل قوله: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.﴾. [التوبة ١١٨/ ٩]. هؤلاء في هذه الآية أمرهم متردد بين أمرين: التعذيب والتوبة. وقد ترك أمرهم غامضا، لا للشك، فالله تعالى منزه عنه، وإنما ليكون أمرهم على الخوف والرجاء، وإثارة الغم والحزن في قلوبهم، ليقدموا على التوبة، ويصير أمرهم عند الناس على الرجاء، فجعل أناس يقولون: هلكوا إذا لم ينزل الله تعالى لهم عذرا، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم. ولا شك أن القوم كانوا نادمين على تأخرهم عن الغزو، فلم يحكم تعالى بكونهم تائبين؛ لأن الندم وحده لا يكون كافيا في صحة التوبة، ثم ندموا على المعصية لكونها معصية، فصحت توبتهم. والله عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، وبما يصلح عباده ويربّيهم، حكيم في أفعاله وأقواله، وفيما يشرعه لهم من الأحكام المؤدية لهذا الصلاح. ومن حكمته: إرجاء النص على توبتهم. فقه الحياة أو الأحكام: إن الحكمة الإلهية قد تقتضي البت في شأن بعض العباد، وقد ترجئ ذلك، ليظل الناس في أمل ورجاء ورهبة وخوف، وقد أثمرت هذه الحكمة في دفع هؤلاء المخلفين عن التوبة إلى مزيد من الشعور بالقلق والاضطراب والخوف والهلع، وكادوا يحسون باليأس من قبول عذرهم، حتى أنزل الله في شأنهم ما يدل على قبول توبتهم في قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا..﴾ .. وقوله: ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ دليل على أنه لا حكم إلا أحد

стр. 3295

هذين الأمرين، وهو إما التعذيب وإما التوبة. أما العفو عن الذنب من غير توبة فغير معتبر. مسجد الضّرار (مسجد المنافقين) ومسجد التّقوى (مسجد قباء) ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾ الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ عطف على ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ أو مبتدأ، وخبره: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ﴾، أو خبره محذوف، أي وفيمن وصفنا أو ممن ذكرنا الذين اتّخذوا، أو كما رجح أبو حيان منصوب على الاختصاص، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء ١٦٢/ ٤]. ﴿ضِراراً﴾ إما منصوب على المصدر أي مضارّة للمؤمنين، وإما مفعول به، وما بعده من المنصوبات عطف عليه. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلق بحارب أو باتّخذوا، أي اتّخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتّخلف، لما روي أنه بني قبيل غزوة تبوك. ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ فيه مضاف محذوف، تقديره: من تأسيس أول يوم؛ لأن ﴿مِنْ﴾
следующие страницы →