الآثام، وبما أن الإثم لا يتقرر إلا في حق البالغ، فوجب ألا تجب الزكاة في حق الصغير، كما قال أبو حنيفة ﵀. وأوجب الجمهور الزكاة في مال الصبي والمجنون، لأن الآية تدل على أخذ الصدقة من أموالهم، فتكون طهرة للأموال.
وظاهر قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أنه يجب على الإمام أو نائبه إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق بالبركة، وهذا رأي الظاهرية. وأما سائر الأئمة فحملوا الأمر على الندب والاستحباب؛
لأن النبي ﷺ قال لمعاذ في الحديث المتفق عليه عن ابن عباس: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم» ولم يأمره بالدعاء لهم، ولأن الفقراء إذا أخذوا الزكاة لا يلزمهم الدعاء.
ومع هذا،
روى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم: قال: «اللهم صل عليهم» فأتاه ابن أبي أوفى بصدقته، فقال: «اللهم صلّ على آل أبي أوفى» والصلاة هنا: الرحمة والترحم. وبناء عليه قال الحنابلة والظاهرية في صيغة الدعاء: لا مانع أن يقول آخذ الزكاة: اللهم صل على آل فلان. وقال باقي الأئمة: لا يجوز هذا القول؛ لأن الصلاة صارت مخصوصة بالأنبياء ﵈. ولا خلاف أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم، فيقال: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه؛ لأن السلف استعملوه، وأمرنا به في التشهد.
والسلام في حكم الصلاة؛ لأن الله تعالى قرن بينهما، فلا يفرد به غائب على غير الأنبياء. أما استحباب السلام في مخاطبة الأحياء تحية لهم وفي تحية الأموات فهو ثابت في السنة.
واستحسن الشافعي أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورا، وبارك لك فيما أبقيت.
стр. 3292
وقوله: ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ﴾ دليل على كونه تعالى رائيا للمرئيات، ودليل لأهل السنة أن كل موجود فإنه يصح رؤيته، أي إبصاره؛ لأن الرؤية المعداة إلى المفعول الواحد معناها الإبصار. والعمل المرئي يشمل أعمال القلوب كالإرادات والكراهات والأنظار، وأعمال الجوارح، كالحركات والسكنات.
وقوله تعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ نص صريح في أن الله تعالى هو الآخذ لها والمثيب عليها وأن الحق له جل وعز، والنبي ﷺ واسطة، فإن توفي فعامله هو الواسطة بعده، والله حي لا يموت. وهذا يبين أن قوله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ليس مقصورا على النبي ﷺ ، وإنما يشمل الأئمة بعده، كما تقدم.
روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«إن الله يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم، كما يربي أحدكم مهره، حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾، و ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا، وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾.
وفي صحيح مسلم: «لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه، فتربو في كفّ الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل». وهذا كناية عن القبول والجزاء عليها، كما كنى بنفسه الكريمة المقدسة عن المريض، تعطفا عليه
بقوله في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني».
وخصّ اليمين والكف بالذكر؛ إذ كل قابل لشيء إنما يأخذه بكفه وبيمينه، أو يوضع له فيه؛ فخرج على ما يعرفونه، والله جل وعز منزّه عن الجارحة.
الثلاثة الذين خلّفوا عن التوبة عليهم
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾
стр. 3293
المفردات اللغوية:
﴿وَآخَرُونَ﴾ من المتخلفين ﴿مُرْجَوْنَ﴾ مؤخرون عن العقوبة، وموقوف أمرهم ﴿لِأَمْرِ اللهِ﴾ في شأنهم بأن يأمر فيهم بما شاء ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ بأن يميتهم بلا توبة وإما يتوب عليهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه.
سبب النزول:
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وآخرون: هم الثلاثة الذين خلّفوا عن التوبة، وهم مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية من بني واقف، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال، لا شكا ونفاقا.
وكان المتخلفون عن غزوة تبوك أصنافا ثلاثة (١):
١ - المنافقون الذين مردوا على النفاق، وهم أكثر المتخلفين.
٢ - التائبون المؤمنون الذين اعترفوا بذنوبهم وتابوا فتاب الله عليهم، وهم الذين ربطوا أنفسهم بالسواري وهم أبو لبابة وأصحابه، فنزلت توبتهم.
٣ - الذين بقوا موقوفين وهم المؤمنون الذين حاروا في أمرهم ولم يعتذروا إلى النبي ﷺ عن تخلفهم، وأرجؤوا توبتهم، فلم يربطوا أنفسهم بالسواري، فأرجأ الله الحكم في أمرهم، فوقف أمرهم خمسين ليلة، وهجرهم الناس حتى نزلت توبتهم بعد، وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، والذين نزلت فيهم هذه الآية: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ [التوبة ١١٨/ ٩].
التفسير والبيان:
وآخرون من المتخلفين موقوفون مرجون أي مؤخرون لأمر الله في شأنهم،
стр. 3294
ولا يدري الناس ما ينزل فيهم، هل يتوب الله عليهم أولا، وقد نهى الرسول ﷺ عن مجالستهم، وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن إلى أهلهن، إلى أن نزل قوله: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.﴾. [التوبة ١١٨/ ٩].
هؤلاء في هذه الآية أمرهم متردد بين أمرين: التعذيب والتوبة. وقد ترك أمرهم غامضا، لا للشك، فالله تعالى منزه عنه، وإنما ليكون أمرهم على الخوف والرجاء، وإثارة الغم والحزن في قلوبهم، ليقدموا على التوبة، ويصير أمرهم عند الناس على الرجاء، فجعل أناس يقولون: هلكوا إذا لم ينزل الله تعالى لهم عذرا، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم.
ولا شك أن القوم كانوا نادمين على تأخرهم عن الغزو، فلم يحكم تعالى بكونهم تائبين؛ لأن الندم وحده لا يكون كافيا في صحة التوبة، ثم ندموا على المعصية لكونها معصية، فصحت توبتهم.
والله عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، وبما يصلح عباده ويربّيهم، حكيم في أفعاله وأقواله، وفيما يشرعه لهم من الأحكام المؤدية لهذا الصلاح. ومن حكمته: إرجاء النص على توبتهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن الحكمة الإلهية قد تقتضي البت في شأن بعض العباد، وقد ترجئ ذلك، ليظل الناس في أمل ورجاء ورهبة وخوف، وقد أثمرت هذه الحكمة في دفع هؤلاء المخلفين عن التوبة إلى مزيد من الشعور بالقلق والاضطراب والخوف والهلع، وكادوا يحسون باليأس من قبول عذرهم، حتى أنزل الله في شأنهم ما يدل على قبول توبتهم في قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا..﴾ ..
وقوله: ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ دليل على أنه لا حكم إلا أحد
стр. 3295
هذين الأمرين، وهو إما التعذيب وإما التوبة. أما العفو عن الذنب من غير توبة فغير معتبر.
مسجد الضّرار (مسجد المنافقين) ومسجد التّقوى (مسجد قباء)
﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾
الإعراب:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ عطف على ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ أو مبتدأ، وخبره: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ﴾، أو خبره محذوف، أي وفيمن وصفنا أو ممن ذكرنا الذين اتّخذوا، أو كما رجح أبو حيان منصوب على الاختصاص، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء ١٦٢/ ٤].
﴿ضِراراً﴾ إما منصوب على المصدر أي مضارّة للمؤمنين، وإما مفعول به، وما بعده من المنصوبات عطف عليه. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلق بحارب أو باتّخذوا، أي اتّخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتّخلف، لما روي أنه بني قبيل غزوة تبوك.
﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ فيه مضاف محذوف، تقديره: من تأسيس أول يوم؛ لأن ﴿مِنْ﴾
стр. 3296
لا تدخل على ظروف الزمان. ويرى الكوفيون أنها تدخل على ظروف الزمان، فلا تحتاج إلى تقدير مضاف.
﴿هارٍ﴾ صفة، أصله هائر، فقلب، كما قالوا: لاث في لائث، وشاك في شائك. وحذفت الياء كما حذفت في نحو قاض ورام في الرّفع والجّر.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ﴾ من: بمعنى الذي مبتدأ، وخبره: ﴿خَيْرٌ﴾.
البلاغة:
﴿هارٍ فَانْهارَ﴾ بينهما جناس ناقص.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى﴾ استعارة مكنية، حيث شبهت التّقوى والرّضوان بأرض صلبة يقوم عليها البناء، ثم حذف المشبه به وأشير إلى شيء من لوازمه وهو التّأسيس. والاستفهام معناه التّقرير.
﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ﴾ مصدر أريد به اسم المفعول.
المفردات اللغوية:
﴿وَالَّذِينَ﴾ أي ومنهم الذين اتّخذوا مسجد الضّرار. وهم اثنا عشر من المنافقين.
﴿ضِراراً﴾ مضارّة لأهل مسجد قباء، والضّرار: إيقاع الضّرر بالغير ولا منفعة لك فيه، والضرر:
إيقاع الضّرر بالغير وفيه لك منفعة. وكلاهما ممنوع
للحديث الذي رواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس: «لا ضرر ولا ضرار». ﴿وَكُفْراً﴾ لأنهم بنوه بأمر أبي عامر الرّاهب، ليكون معقلا له، يقدم فيه من يأتي من عنده، وكان ذهب ليأتي بجنود من قيصر، لقتال النّبي ﷺ . ﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يصلّون بقباء، بصلاة بعضهم فيه، أي الذين يجتمعون للصّلاة في مسجد قباء.
﴿وَإِرْصاداً﴾ ترقبا وانتظارا مع العداوة. ﴿لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني من قبل بنائه، وهو أبو عامر الراهب. ﴿إِنْ أَرَدْنا﴾ ما أردنا ببنائه. ﴿إِلاَّ الْحُسْنى﴾ الفعلة أو الخصلة أو الإرادة الحسنى من الرّفق بالمسكين في المطر والحرّ والتّوسعة على المسلمين. ﴿إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في حلفهم ذلك، وكانوا سألوا النّبي ﷺ ، فنزل: ﴿لا تَقُمْ﴾.
﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ لا تصلّ فيه أبدا، فأرسل جماعة هدموه وحرقوه وجعلوا مكانه كناسة تلقى فيها الجيف.
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى﴾
أسسه رسول الله ﷺ وصلّى فيه أيام مقامه بقباء من الاثنين إلى الجمعة. والتأسيس: وضع الأساس الأول الذي يقوم عليه البناء. ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أي بني من
стр. 3297
أول أيام وجوده، يوم حللت بدار الهجرة، وهو مسجد قباء، كما في البخاري. والتّقوى: ما يرضي الله ويبقي من سخطه. ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أجدر بأن تقوم فيه. ﴿فِيهِ رِجالٌ﴾ هم الأنصار.
﴿يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ أي يثيبهم.
﴿عَلى تَقْوى﴾ مخافة من الله. ﴿وَرِضْوانٍ﴾ ورجاء رضوان منه وهذا مثال مسجد قباء.
﴿عَلى شَفا﴾ طرف أو حرف أو حدّ. ﴿جُرُفٍ﴾ جانب الوادي ونحوه. ﴿هارٍ﴾ مشرف على السقوط. ﴿فَانْهارَ بِهِ﴾ سقط مع بانيه. ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ وهذا تمثيل للبناء على غير التقوى بما يؤول إليه، وهو مثال مسجد الضّرار.
﴿رِيبَةً﴾ شكّا وحيرة. ﴿تَقَطَّعَ﴾ تنفصل وتنفرق قلوبهم أجزاء، بأن يموتوا. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه بهم.
سبب النزول:
نزول آية ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾:
قال المفسّرون: إن بني عمرو بن عوف وهم من الأوس اتّخذوا مسجد قباء (١)، وبعثوا إلى رسول الله ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم فصلّى فيه، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وهم من الخزرج، وقالوا: نبي مسجدا، ونبعث إلى النّبي ﷺ يأتينا فيصلّي لنا فيه، كما صلّى في مسجد إخواننا، ويصلّي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشّام؛ فأتوا النّبي ﷺ ، وهو يتجهّز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة، والعلّة، والليلة المطيرة، ونحبّ أن تصلّي لنا فيه وتدعو بالبركة.
فقال النّبي ﷺ : «إنّي على سفر وحال شغل، فلو قدمنا لآتيناكم، وصلّينا لكم فيه».
стр. 3298
فلما انصرف النّبي ﷺ من تبوك أتوه وقد فرغوا منه، وصلّوا فيه الجمعة والسبت والأحد، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم، فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضّرار.
فدعا النّبي ﷺ مالك بن الدّخشم، ومعن بن عدي، وعامر بن السّكن، ووحشيا قاتل حمزة، فقال: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وأحرقوه».
فخرجوا مسرعين، وأخرج مالك بن الدّخشم من منزله شعلة نار، ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا.
وأما أبو عامر الراهب: فهو رجل من الخزرج، كان قد تنصّر، وكان له منزلة كبيرة في أهل الكتاب، فلما قدم النّبي ﷺ إلى المدينة مهاجرا، واجتمع عليه المسلمون، وعلت كلمة الإسلام، خرج فارّا إلى مكة، وألّب المشركين على المسلمين في وقعة أحد. ولما فرغ الناس من الموقعة فرّ إلى هرقل ملك الرّوم يستنصره، فوعده وحباه.
وكتب أبو عامر إلى جماعة من قومه من أهل النّفاق: أنه سيقدم بجيش يقاتل به محمدا ويغلبه، وأمرهم أن يتّخذوا له معقلا يأوي إليه من يقوم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك.
والخلاصة: أن هذا المسجد بناه اثنا عشر رجلا من المنافقين، بمشورة أبي عامر الرّاهب، ولقي هوى في نفوس أبناء عمّ بني عمرو بن عوف، لينافسوهم على تأسيس مسجد قباء، ومضاهاتهم به، وليكون مقرّا لأبي عامر إذا قدم، ليكون إمامهم فيه.
стр. 3299
سبب نزول: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾:
أخرج التّرمذي عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجالٌ..﴾. قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم.
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: أحدث قوم الوضوء بالماء من أهل قباء، فنزلت فيهم: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.
وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بعث رسول الله ﷺ إلى عويم بن ساعدة، فقال: «ما هذا الطّهور الذي أثنى الله عليكم؟» فقال: يا رسول الله، ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه أو قال: مقعدته، فقال النّبي ﷺ : «هو هذا».
وقيل: لما نزلت مشى رسول الله ﷺ ، ومعه المهاجرون، حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس،
فقال ﵊: «أمؤمنون أنتم؟» فسكتوا، فأعادها، فقال عمر: إنهم مؤمنون، وأنا معهم، فقال ﵊: «أترضون بالقضاء؟» قالوا: نعم، قال: «أتصبرون على البلاء؟» قالوا: نعم، قال: «أتشكرون في الرّخاء؟» قالوا: نعم، قال ﵊: «أنتم مؤمنون، وربّ الكعبة» فجلس، ثم قال: «يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم، فما الذي تصنعون عند الوضوء، وعند الغائط؟»، فقالوا: يا رسول الله، نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء، فتلا: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا.﴾. الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أوصاف المنافقين وطرائقهم المختلفة في النّفاق، قال:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً.﴾ ..
стр. 3300
التفسير والبيان:
ومن المنافقين الذين ذكرناهم جماعة بنوا مسجد الضّرار بجوار مسجد قباء، وكانوا اثني عشر رجلا من منافقي الأوس والخزرج، لأسباب أربعة هي:
١ - مضارّة المؤمنين من أهل مسجد قباء الذي بناه النّبي ﷺ بمجرد وصوله إلى المدينة.
٢ - الكفر بالنّبي ﵊ وبما جاء به، وللطعن عليه وعلى الإسلام، واتّخاذه مقرّا للكيد والتّآمر على المسلمين، فصار مركز الفتنة، وبيت النّفاق، ومأوى المنافقين، للتّهرّب من أداء الصّلاة. وهذا كفر، لأن الكفر يطلق على الاعتقاد والعمل المنافيين للإيمان.
٣ - التّفريق بين المؤمنين الذين كانوا يصلّون خلف النّبي ﷺ في مسجد واحد، فإذا صلّى فيه بعضهم، حدثت الفرقة، وبطلت الألفة، وتفرّقت الكلمة. لذا كان الأصل أن يصلّي المسلمون في مسجد واحد، ويكون تكثير المساجد لغير حاجة منافيا لأغراض الدّين وأهدافه.
٤ - الإرصاد، أي التّرقب والانتظار لمجيء من حارب الله ورسوله إليه، ويتّخذه مقرّا له، ومكانا لقوم راصدين مستعدين للحرب معه، وهم المنافقون الذين بنوا هذا المسجد.
والمقصود بمن حارب الله ورسوله كما ذكر في سبب النزول: هو أبو عامر الراهب من الخزرج، والد حنظلة الذي غسلته الملائكة،
وسمّاه رسول الله ﷺ : الفاسق، وكان قد تنصّر في الجاهلية، وترهّب وطلب العلم، فلما خرج رسول الله ﷺ عاداه، لأنه زالت رياسته، وقال للرّسول ﷺ يوم أحد: «لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم» فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين،
стр. 3301
فلما انهزم مع هوازن، هرب إلى الشّام، ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله ﷺ ، ومات بقنّسرين (بلد في شمال سوريا) وحيدا. وقيل: كان يجمع الجيوش يوم الأحزاب، فلما انهزموا خرج إلى الشّام.
فذهاب أبي عامر إلى هرقل كان إما بعد يوم أحد، أو بعد يوم حنين، أو بعد يوم الأحزاب (الخندق) بحسب ما دلّت عليه الرّوايات.
وليحلفن هؤلاء المنافقون: ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى، وهي الرّفق بالمسلمين، وتيسير صلاة الجماعة على أهل الضّعف والعجز، وفي أثناء المطر؛ ليصدقهم الرّسول ﷺ ، وليصلّي معهم فيه، تغريرا لبقية المسلمين، والله تعالى يعلم أنهم لكاذبون في أيمانهم وادّعائهم، منافقون في أعمالهم، وقد أطلع رسوله بذلك، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ.﴾.: أنه يعلم خبث ضمائرهم وكذبهم فيما يحلفون عليه.
وبما أنهم بنوه للضّرر والإساءة نهى الله تعالى بوحيه إلى جبريل أن يصلّي فيه؛ والأمّة تبع له في ذلك، فقال: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ أي لا تصلّي فيه أبدا، وقد يعبر عن الصّلاة بالقيام، يقال: فلان يقوم الليل، ومنه
الحديث الصحيح لدى البخاري: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه».
ويلاحظ استعمال الظّرف ﴿أَبَداً﴾ الذي يستغرق الزمن المستقبل كله؛ لاتّصاله بلا النافية، فيفيد العموم.
ثم حثّه على الصّلاة في مسجد قباء لأمرين: الأول-أنه بني على التّقوى، أي الذي أسس من أول يوم بنيانه على التّقوى وهي طاعة الله وطاعة رسوله، وجمعا لكلمة المؤمنين، ومعقلا وموئلا للإسلام وأهله، فقال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى..﴾. أي إن المسجد المؤسس على التقوى، تقوى الله، بإخلاص
стр. 3302
العبادة فيه، وجمع المؤمنين على محبة رسول الله ﷺ ، والعمل على وحدة الإسلام، أولى وأحق من غيره بالصّلاة فيها أيها الرّسول.
والمراد به كما جاء في صحيح البخاري، وكما دلّ عليه السياق والقصة: مسجد قباء، لهذا جاء
في الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجد قباء كعمرة».
لكن
روى أحمد ومسلم والنسائي أنّ النّبي ﷺ سئل عنه، فأجاب بأنه مسجده الذي في المدينة. ولا مانع من إرادة المسجدين؛ لأن كلاّ منهما قد بني على التّقوى، من أول يوم بدئ ببنائه.
الثاني-إن في هذا المسجد رجالا يحبّون أن يتطهّروا طهارة معنوية: وهي التّطهر عن الذّنوب والمعاصي، وطهارة حسية للثوب والبدن بالوضوء والاغتسال، وبالماء بعد الحجر في الاستنجاء، وهذا النوع الأخير هو قول أكثر المفسّرين، والأولى إرادة نوعي التّطهّر.
والله يحبّ المطّهّرين، أي المبالغين في الطّهارة الرّوحية المعنويّة والجسديّة البدنيّة، وهؤلاء هم الكمّل بين النّاس. قال البيضاوي: فيه رجال يحبّون أن يتطهّروا من المعاصي والخصال المذمومة طلبا لمرضاة الله، وقيل: من الجنابة، فلا ينامون عليها. والله يحبّ المطهّرين: يرضى عنهم ويدنيهم من جنابه تعالى إدناء المحبّ حبيبه.
وقال في الكشّاف: محبّتهم للتّطهّر: أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحبّ للشيء المشتهي له على إيثاره، ومحبة الله تعالى إياهم: أنه يرضى عنهم، ويحسن إليهم، كما يفعل المحبّ بمحبوبه (١).
стр. 3303
فمحبة الله عباده: معناها الرّضا والقبول والإدناء؛ لأنّ الله تعالى منزّه عن مشابهة صفاتنا، فحبّه غير حبّنا، وهو شيء يليق بكماله تعالى، كما جاء
في الحديث القدسي الذي يرويه البخاري: «ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به».
والحبّ في هذه الآية يشبه أيضا حبّ الله تعالى في تطهير آل بيت النبّوة في قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب ٢٣/ ٣٣].
ثم قارن الله تعالى بين أهداف بناء المسجدين فقال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ..﴾.
أي لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، أي على أساس متين نافع في الدّنيا والآخرة، ومن بنى مسجدا ضرارا وكفرا، وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما يبني هؤلاء بنيانهم على شفا جرف هار، أي ساقط، وجرف: جانب الوادي الذي ينحفر بالماء، والمعنى: على طرف حفرة أو واد، أي أساس ضعيف منهار، مشرف على السقوط، فإذا أنهار فإنما ينهار في قعر جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين أي لا يصلح عمل المفسدين، ولا يوفقهم إلى الحق والعدل والسّداد والصّواب وما فيه صلاحهم ونجاتهم، قال الرّازي (١): ولا نرى في العالم مثالا أجدر مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال! وحاصل الكلام أن أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه، والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر، فكان البناء الأول شريفا واجب الإبقاء، وكان الثاني خسيسا واجب الهدم.
وقوله تعالى: ﴿فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ قيل: إن ذلك حقيقة، أي إنه
стр. 3304
موضع من مواضع جهنم، وقيل: إنه مجاز، والمعنى: صار البناء في نار جهنم، فكأنه أنهار إليه وهوى فيه.
ثم أبان الله تعالى ما يجسّده إقامة المنافقين مسجد الضّرار من معان سيئة ثابتة راسخة على ممرّ التاريخ، فقال: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ.﴾. أي لا يزال بناؤهم هذا وهدمه سبب شكهم في الدّين، وتزايد نفاقهم؛ لأنه يجسّد آثار النّفاق والكفر، فقد أورثهم نفاقا في قلوبهم، كما أشرب عابدو العجل حبّه، وأصبح وسمه لا يزول عن قلوبهم، فلا يزال هذا شأنهم في جميع الأحوال إلا في حال تقطع قلوبهم أجزاء، بحيث لا يبقى لها قابلية الإدراك، أي بموتهم، وهو في غاية المبالغة، والاستثناء من أعم الأزمنة.
والمراد أن هذا البناء الذي فرحوا به مصدر استلهام الشّكوك في الدّين، ومظهر تجسيد الكفر والنّفاق الجاثم في نفوسهم، فحينما أمر النّبي ﷺ بهدمه، ثقل ذلك عليهم، وازداد بغضهم له، وازداد ارتيابهم في نبوّته، وعظم خوفهم، وارتابوا في أمرهم: هل سيتركون أو يقتلون؟ فكان ذلك البنيان نفسه ريبة، لكونه سببا للرّيبة، وظهرت سببيّته للرّيبة بتخريبه وهدمه.
والله عليم بأعمال خلقه، حكيم في مجازاتهم عنها من خير أو شرّ، ومن حكمته تبيان حال المنافقين وإظهار ما خفي من أمرهم، لمعرفة الحقائق.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
١ - من المنافقين جماعة أقاموا مسجد الضّرار بجوار مسجد قباء لمقاصد أربعة: محاولة الضّرار، والكفر بالنّبي ﷺ وبما جاء به، وتفريق جماعة المؤمنين، واتّخاذه معقلا لمن عادى الله ورسوله.
стр. 3305
والمقصود في الضّرار بالمسجد من أهله، وليس لذات المسجد ضرار.
٢ - كانت أيمانهم على حسن النّيّة، وسلامة القصد كاذبة.
٣ - قال المالكية: كلّ مسجد بني على ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضّرار لا تجوز الصّلاة فيه. ولا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه والمنع من بنائه، لئلا ينصرف أهل المسجد الأول، فيبقى شاغرا، إلا إذا كانت البلدة كبيرة، وأهلها كثيرين، ولم يعد يكفيهم مسجد واحد، فيبنى حينئذ. ولا ينبغي أن يبنى في البلد الواحد جامعان وثلاثة، ويجب منع الثاني؛ ومن صلّى فيه الجمعة لم تجزه (١).
٤ - قال العلماء: إن من كان إماما لظالم لا يصلّى وراءه، إلا أن يظهر عذره أو يتوب، فإن عمر بن الخطّاب في خلافته لم يأذن لمجمّع بن جارية أن يصلّي إماما في مسجد قباء؛ لأنه كان إمام مسجد الضّرار، ثم أذن له لمّا تبيّن أنه كان جاهلا بما أضمر عليه المنافقون.
٥ - إذا كان المسجد الذي يتّخذ للعبادة يهدم إذا كان فيه ضرر بغيره، فكلّ ما فيه ضرر يزال ويهدم، كمن بنى فرنا أو رحى أو حفر بئرا أو غير ذلك مما يدخل به الضّرر على الغير. والضابط: أن من أدخل على أخيه أو جاره ضررا منع، وهذا ما يسمّى حديثا عند القانونيين: نظرية التّعسّف في استعمال الحقّ.
وقد سبق فقهاء المالكية وغيرهم إلى تقرير هذه النّظرية.
٦ - الكفر العملي: قال ابن العربي: لما كان اعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد قباء ولا لمسجد النّبي ﷺ ، كفروا بهذا الاعتقاد.
٧ - دلّ قوله تعالى: ﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على أنّ المقصد الأسمى من
стр. 3306
وجود الجماعة تأليف القلوب واتّحادهم على الطّاعة، حتى يأنسوا بالمخالطة، وتصفو القلوب من الأحقاد.
واستنبط مالك من هذه الآية: أنه لا تصلّى جماعتان في مسجد واحد بإمامين، خلافا لسائر العلماء.
٨ - دلّ قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى﴾ أي ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى، على أن الأفعال تختلف باختلاف المقصود والإرادة.
٩ - تحريم الصّلاة في مسجد الضّرار؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ يعني مسجد الضّرار.
١٠ - أحقيّة مسجد التّقوى بالصّلاة فيه، والتّقوى: هي الخصال التي تتّقى بها العقوبة.
١١ - ترغيب الإسلام بالنّظافة المعنوية (السّلامة من الأحقاد وصفاء النّفس وصحّة الإيمان) والنظافة البدنيّة (بالوضوء والاغتسال وإزالة النّجاسة عن الثّوب والبدن والمكان) لأن الله تعالى في هذه الآية أثنى على من أحبّ الطّهارة وآثر النّظافة.
وللعلماء في إزالة النّجاسة ثلاثة أقوال:
الأول-أنه واجب فرض، ولا تجوز صلاة من صلّى بثوب نجس، عالما كان أو ساهيا، وهو قول الشّافعي وأحمد، وروي عن مالك.
الثاني-إن كانت النّجاسة قدر الدّرهم أعاد الصّلاة. وقدر الدّرهم قياس على حلقة الدّبر. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
الثالث-إزالة النّجاسة من الثياب والأبدان سنّة وليس بفرض، وهو قول آخر لمالك وأصحابه.
стр. 3307
قال القرطبي: والقول الأول أصح إن شاء الله، لأنّ
النّبي ﷺ -فيما يرويه البخاري ومسلم-مرّ على قبرين، فقال: «إنهما ليعذّبان وما يعذّبان في كبير، أما أحدهما: فكان يمشي بالنّميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله» ولا يعذّب الإنسان إلا على ترك واجب.
وروى أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة عن النّبي ﷺ قال: «أكثر عذاب القبر من البول».
واحتجّ الآخرون بخلع النّبي ﷺ نعليه في الصّلاة لما أعلمه جبريل ﵇ أنّ فيهما قذرا وأذى (١). ولما لم يعد ما صلّى دلّ على أنّ إزالة النّجاسة سنّة، وصلاته صحيحة، ويعيد ما دام في الوقت، طلبا للكمال.
١٢ - دلّت آية: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ.﴾. على أن كلّ شيء ابتدئ بنيّة تقوى الله تعالى والقصد لوجهه الكريم، هو الذي يبقى، ويسعد به صاحبه، ويصعد إلى الله ويرفع إليه: ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف ٤٦/ ١٨].
١٣ - كان مسجد الضّرار سببا لريبة المنافقين، فإنهم لما بنوه عظم فرحهم به، ولما أمر الرّسول ﷺ بتخريبه، ثقل ذلك عليهم، وازداد بغضهم له، وزاد ارتيابهم في نبوّته. وظلّ ذلك الرّيب في قلوبهم حتى الموت.
стр. 3308
صفات المؤمنين الصادقين الكمّل
وهم المجاهدون التائبون العابدون
﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾
الإعراب:
﴿التّائِبُونَ﴾ إما بدل من واو ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم التائبون، أو مبتدأ وخبره: ﴿الْآمِرُونَ﴾ وما بعده.
﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مصدران منصوبان بفعلهما المحذوف.
البلاغة:
﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى﴾ استعارة تبعية، شبه بذلهم الأنفس والأموال وإثابتهم عليها بالجنة بالبيع والشراء. ولا يجوز أن يشتري الله شيئا في الحقيقة؛ لأن الله مالك لكل شيء. ولهذا قال الحسن:
اشترى أنفسا هو خلقها، وأموالا هو رزقها.
﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ بينهما جناس ناقص، لاختلاف الشكل.
﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾ فيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب.
стр. 3309
﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ أي المصلون، فيه مجاز مرسل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الإظهار في موضع الإضمار أي بشرهم للتكريم والاعتناء بهم، وللتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل: من اتصف بتلك الصفات.
المفردات اللغوية:
﴿اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. بأن يبذلوها في طاعته كالجهاد، وهذا تمثيل مثل قوله تعالى:
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ [البقرة ١٧٥، ١٦/ ٢].
﴿يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ.﴾. جملة استئناف بيان للشراء. ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ أي لا أحد أوفى منه. ﴿وَذلِكَ﴾ المبيع. ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ المحقق غاية المطلوب.
﴿الْعابِدُونَ﴾ المخلصون العبادة لله. ﴿الْحامِدُونَ﴾ له على كل حال. ﴿السّائِحُونَ﴾ الصائمون. ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ المصلون. ﴿وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ لأحكامه بالعمل بها.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالجنة.
سبب النزول:
نزلت هذه الآية لما بايع الأنصار-وكانوا سبعين رجلا-رسول الله ﷺ في البيعة الثالثة، وهي بيعة العقبة الكبرى، وكان أصغرهم سنّا عقبة بن عمرو.
أخرج ابن جرير عن عبد الله بن رواحة قال لرسول الله ﷺ : اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم» قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: «الجنة» قالوا: ريح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت:
﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ.﴾. الآية.
المناسبة:
بعد أن أوضح الله تعالى فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وأبان أصناف المقّصرين من المؤمنين، ذكر حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم، وأولها الجهاد في سبيل الله.
стр. 3310
التفسير والبيان:
هذه الآية تمثيل قصد به الترغيب في الجهاد، عبّر فيه تعالى عن بذل المؤمنين أنفسهم وأموالهم وإثابتهم بالجنة، كرما وفضلا وإحسانا، عبر عن ذلك بالشراء والمعارضة، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له. قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم.
والمعنى: إن الله تعالى اشترى من المؤمنين الأنفس والأموال بثمن هو الجنة، أي مثّل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بصفقة الشراء. ثم استأنف بيان ما لأجله تم الشراء، وكيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة؟ فقال:
يقاتلون في سبيل الله فيقتلون الأعداء، أو يستشهدون في سبيل الله، فسواء قتلوا أو قُتلوا أو اجتمع الأمران، فقد وجبت لهم الجنة.
ثم أكد الله تعالى وعده وإخباره بقوله: ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا.﴾. أي وعدهم بذلك وعدا أوجبه على نفسه وجعله حقا ثابتا مقررا فيما أنزله على رسله في التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وضياع التوراة والإنجيل وتحريفهما لا ينفي وقوع ذلك، فقد أثبته الله في القرآن الذي جعله مصدقا لتلك الكتب ومهيمنا عليها.
ومن أوفى بعهده من الله؟ أي لا أحد أوفى بعهده وأصدق في إنجاز وعده من الله، فإنه لا يخلف الميعاد، وهذا كقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ [النساء ٨٧/ ٤] وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ [النساء ١٢٢/ ٤].
وهذا مبالغة في الإنجاز وتقرير لكونه حقا.
وإذا كان الوفاء بالعهد مؤكدا على هذا النحو، فأظهروا غاية السرور والفرح على ما فزتم به من الجنة، ثوابا من الله وفضلا وإحسانا على بذلكم أنفسكم وأموالكم لله. وذلك الفوز هو الفوز العظيم والنعيم المقيم الذي لا فوز أعظم منه.
стр. 3311
وهؤلاء المؤمنون المذكورون الباذلون أنفسهم وأموالهم في سبيل الله هم التائبون عن الكفر حقيقة، الراجعون إلى الله، بتركهم كل ما ينافي مرضاته، والتوبة تختلف باختلاف نوع المعصية، فالتوبة عن الكفر بالرجوع عنه، وتوبة المنافق بترك نفاقه، وتوبة العاصي: بالندم على ما حصل منه والعزم على عدم العود لمثله في المستقبل، وتوبة المقصر في شيء: بالتعويض عن تقصيره، وتوبة الغافل عن ربه: بالإكثار من ذكره وشكره.
وهم العابدون: الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، الحامدون لنعمائه، أو لما نالهم من السّراء والضراء،
قالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ إذا أتاه الأمر يسّره قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات» وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: «الحمد لله على كل حال».
السائحون في الأرض للجهاد أو لطلب العلم أو للرزق الحلال، أو الصائمون،
لقوله ﷺ فيما رواه الحاكم عن أبي هريرة: «السائحون هم الصائمون» لأنه يعوق عن الشهوات واللذات، كما أن السياحة كذلك غالبا، أو لأنه رياضة نفسانية يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملك والملكوت.
الراكعون الساجدون أي المؤدون صلواتهم المفروضة، وخص الركوع والسجود بالذكر لشرفهما ولما فيهما من الدلالة على التذلل والتواضع لله تعالى.
الآمرون بالمعروف أي الداعون إلى الإيمان والطاعة، والناهون عن المنكر أي عن الشرك والمعاصي. والعاطف الواو هنا للدلالة على أنهما في حكم خصلة واحدة، كأنه قال: الجامعون بين الوصفين.
والحافظون لحدود الله أي الحافظون لفرائض الله وشرائعه وأحكامه، وهذا مجمل الفضائل، وما قبله مفصل لها، فمن اتصف بتلك الصفات كان حافظا حدود الله. وذكرت الواو هنا لقربه من المعطوف عليه وهو: ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ
стр. 3312
الْمُنْكَرِ﴾. وقيل: إنها زائدة، وهذا ضعيف لا معنى له.
وجزاؤهم المعبر عنه بقوله: بشر أيها الرسول هؤلاء المؤمنين الموصوفين بتلك الفضائل بخيري الدنيا والآخرة. وحذف المبشر به للتعظيم، كأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - إن ثواب الجهاد في سبيل الله بالمال أو النفس أو بهما معا هو الجنة. وقد دل الله تعالى على هذا المعنى من طريق المجاز، بتمثيل المبذول وعوضه بصفقة بيع وشراء، فمن العبد تسليم النفس والمال، ومن الله الثواب والنوال. وأكد تعالى منحه الثواب والجنة بمؤكدات عشرة هي: كون المشتري هو الله، وإيصال الثواب بالبيع والشراء، وذلك حق مؤكد، وقوله: وعدا، ووعد الله حق، وإثباته في الكتب الكبرى: التوراة والإنجيل والقرآن، وهذا يتضمن إشهاد جميع الكتب وجميع الرسل والأنبياء على هذه المبايعة، وقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾؟ وهو غاية في التأكيد، وقوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ وهو أيضا مبالغة في التأكيد، وقوله: ﴿وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ﴾ وقوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾.
٢ - قال العلماء: كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين، كذلك اشترى من الأطفال، فآلمهم وأسقمهم، لما في ذلك من المصلحة وما فيه من الاعتبار للبالغين، لأن هؤلاء يكونون أكثر صلاحا وأقل فسادا عند ألم الأطفال، ثم يعوض الله هؤلاء الأطفال عوضا حسنا.
٣ - القتال في سبيل الله وحده ومن أجل مرضاته هو المستحق لهذا الجزاء وهو الجنة.
стр. 3313
٤ - تشريع الجهاد أو مقاومة الأعداء قديم من عهد موسى ﵇.
٥ - لا أحد أوفى بعهده من الله، وهو يتضمن الوفاء بالوعد والوعيد، لكن وعده للجميع، وأما وعيده فمخصوص ببعض المذنبين، وببعض الذنوب، وفي بعض الأحوال.
٦ - قال الحسن عن آية: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ..﴾.: والله ما على الأرض مؤمن إلا يدخل في هذه البيعة.
٧ - آية ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ ذكرت أوصافا تسعة، بعد صفة المجاهدين، فتكون أوصاف المؤمنين الكّمل عشرة، والآيتان مرتبطتان ببعضهما، لا مستقلتان. قال ابن عباس: لما نزل: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، قال رجل: يا رسول الله، وإن زنى، وإن سرق، وإن شرب الخمر، فنزلت ﴿التّائِبُونَ﴾ الآية (١).
والأوصاف التسعة هي: الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله، المطيعون الذين قصدوا بطاعتهم الله سبحانه، والراضون بقضاء الله، المصرفون نعمته في طاعته، الذين يحمدون الله على كل حال، الصائمون، وسمي الصائم سائحا لأنه يترك اللذات كلّها من المطعم والمشرب والمنكح. وقال عطاء: السائحون المجاهدون.
و ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ في الصلاة المكتوبة وغيرها ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالإيمان أو بالسنة ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ من الكفر والبدعة والمعصية ﴿وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ أي القائمون بما أمر به، والمنتهون عما نهى عنه.
стр. 3314
هذه أوصاف المؤمنين الكلمة، ذكرها الله، ليتسابق المؤمنون في الاتصاف بها.
٨ - الحافظون لحدود الله تشمل جميع التكاليف الشرعية، سواء ما يتعلق منها بالعبادات أو بالمعاملات. وأما تفصيل الصفات التسع قبلها، فلأنها أمور تلازم المكلف غالبا.
٩ - قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للتنبيه على أن البشارة المذكورة لم تتناول إلا المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات.
الاستغفار للمشركين وشرط المؤاخذة (العقاب) على الذنوب
﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)﴾
البلاغة:
﴿لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ﴾ بينهما طباق. وكذلك بين ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ﴿مَوْعِدَةٍ وَعَدَها﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾ يطلبوا المغفرة. ﴿أُولِي قُرْبى﴾ ذوي قرابة. ﴿أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ النار، بأن ماتوا على الكفر. ﴿مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ﴾ بقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم ٤٧/ ١٩] رجاء أن يسلم. ﴿أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ﴾ بموته على الكفر. ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ وترك الاستغفار
стр. 3315
له. ﴿لَأَوّاهٌ﴾ كثير التضرع والتأوه والدعاء. ﴿حَلِيمٌ﴾ صبور على الأذى لا يغضب. والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له مع معاداته له ﴿لِيُضِلَّ قَوْماً﴾ ليسميهم ضلالا أو يؤاخذهم.
﴿بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ﴾ للإسلام. ﴿ما يَتَّقُونَ﴾ من العمل أي يبين لهم خطر ما يجب اتقاؤه، فإذا لم يتقوه استحقوا الإضلال. ﴿عَلِيمٌ﴾ يعلم كل شيء، ومنه مستحق الإضلال والهداية.
﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من غيره. ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يحفظكم منه. ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يمنعكم من ضرره.
سبب النزول:
أخرج أحمد والشيخان وابن أبي شيبة وابن جرير وغيرهم من طريق سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: لما حضر أبا طالب الوفاة، دخل عليه رسول الله ﷺ ، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: أي عم: قل:
لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى آخر شيء كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك، فنزلت: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. وأنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية [القصص ٥٦/ ٢٨].
وظاهر هذا أن الآية نزلت بمكة؛ ولأن أبا طالب مات بمكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين. ونظرا لأن هذه السورة مدنية، فقد استبعد بعض العلماء أن تكون نزلت في أبي طالب.
وأخرج الترمذي وحسنه الحاكم عن علي قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه، وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك، وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾.
وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل وغيرهما عن ابن مسعود قال: خرج
стр. 3316
رسول الله ﷺ يوما إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها، فناجاه طويلا، ثم بكى فبكيت لبكائه، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، وإني استأذنت ربي في الدعاء لها، فلم يأذن لي، فأنزل الله: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾.
وأخرج أحمد وابن مردويه، واللفظ له، من حديث بريدة قال: كنت مع النبي ﷺ ، إذ وقف على عسفان، فأبصر قبر أمه، فتوضأ وصلى وبكى، ثم قال: استأذنت ربي أن أستغفر لها، فنهيت، فأنزل الله: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال: «أتى رسول الله ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، ثم قال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرها، فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكّركم الموت».
دلت الروايات على أن سبب النزول أبو طالب أو أم النبي، أو رجل مسلم يستغفر لأبويه.
قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون لنزول الآية أسباب: متقدم، وهو أمر أبي طالب، ومتأخر، وهو أمر آمنة، وقصة علي وجميع غيره بتعدد النزول.
المناسبة:
كان موضوع سورة التوبة من أولها إلى هنا إعلان البراءة من الكفار والمنافقين في جميع الأحوال، ثم بيّن هنا أنه تجب البراءة أيضا من أمواتهم، وإن كانوا أقرب الناس إلى الإنسان كالأب والأم، كما وجبت البراءة من أحيائهم.
والمقصود بيان وجوب مقاطعتهم في الحالات كلها.
стр. 3317
التفسير والبيان:
ما ينبغي للنبي والمؤمنين، وليس من شأنهم أن يستغفروا أو يدعو الله بالمغفرة للمشركين، أو معناه ليس لهم ذلك على معنى النهي (١)؛ لأن النبوة والإيمان مانعان من الاستغفار للمشركين، ولا تستغفروا، والمعنيان متقاربان، وسبب المنع قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣/ ٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ١١٦/ ٤].
والمنع حتى ولو كانوا من أقرب المقربين، قياما بحق البر والصلة والشفقة عليهم.
من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أصحاب النار، بأن ماتوا على الكفر، أي أن العلة المانعة من هذا الاستغفار هو تبين كونهم من أصحاب النار، وهذه العلة لا تفرّق بين الأقارب والأباعد. قال البيضاوي: وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم، فإنه طلب توفيقهم للإيمان، وبه دفع النقض باستغفار إبراهيم لأبيه الكافر، فقال: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ.﴾ ..
أما استغفار إبراهيم ﵇ لأبيه آزر بقوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي، إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء ٨٦/ ٢٦] أي وفقه للإيمان، فكان بسبب صدور وعد سابق على المنع، إذ قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧/ ١٩] أي لا أملك إلا الدعاء لك. وكان من خلق إبراهيم الوفاء: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ [النجم ٣٧/ ٥٣].
стр. 3318
فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله، بأن مات على الكفر، أو أوحي إليه فيه بأنه لن يؤمن، تبرأ منه، وقطع استغفاره له، إن إبراهيم لأوّاه أي لكثير التأوه والتحسر، أو لكثير التضرع والدعاء، كما
قال ﷺ : «الأواه: الخاشع المتضرع» وهو كناية عن فرط رحمته، ورقة قلبه، حليم: صبور على الأذى. والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له، مع معاداته له وسوء خلقه معه، بدليل أنه أي آزر قال لإبراهيم: ﴿أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ، وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦/ ١٩].
ثم رفع الله تعالى المؤاخذة عن الذين استغفروا للمشركين قبل نزول آية المنع هذه، وبيّن أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يتقوه ويحترزوا عنه، فقال: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ..﴾. أي وما كان من سنة الله في خلقه ولا في رحمته وحكمته أن يصف قوما بالضلال أو يؤاخذهم مؤاخذة الضالين، بعد إذ هداهم للإسلام حتى يبين لهم ما يجب عليهم اتقاؤه من الأقوال والأفعال. وهذا يدل على أنه تعالى لا يعاقب إلا بعد التبيين، وإزالة العذر.
إن الله تعالى عليم بكل شيء، وبأحوال الناس وحاجتهم إلى البيان، وكأن هذا بيان عذر للرسول في قوله لعمه أو لمن استغفر له قبل المنع. وفي هذا دلالة على أن الغافل الذي لم تبلغه رسالة نبي غير مكلف. وبناء عليه، يستبعد أن يكون سبب نزول الآية الاستغفار لأم الرسول ﷺ ؛ لأنها ماتت قبل البعثة في عهد الفترة الجاهلية، التي انقطعت فيها النبوة بعد عيسى ﵇، ولم يعد هناك مجال للتعرف على الدين الحق، لاختلاط الأمور.
وبعد أن أمر الله تعالى بالبراءة من الكفار، بين أن النصر لا يكون إلا من عنده؛ لأن له ملك السموات والأرض، فإذا كان هو الناصر لكم، فهم لا يقدرون على إضراركم، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ..﴾. أي إنه تعالى مالك كل موجود
стр. 3319
ومتولي أمره، والغالب المهيمن عليه بيده الأمر كله، يحيي ويميت، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصرة إلا منه، ليتبرؤوا مما عداه، حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه، ولا تهمنكم القرابة والصلة الذين هم أولياء مناصرون لكم عادة، فما لكم ولي ولا نصير غير الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الأحكام التالية:
١ - تحريم الدعاء لمن مات كافرا، بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك، كقولهم: المغفور له، والمرحوم فلان، كما يفعل بعض الجهلة.
٢ - قطع الموالاة مع الكفار حيّهم وميّتهم؛ فإن الله لم يسمح للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين، فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز. وأما
دعاء النبي ﷺ يوم أحد حين كسروا رباعيته وشجّوا وجهه: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» فإنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء، كما ثبت في صحيحي البخاري ومسلم، أو أن هذا الدعاء كان قبل نزول سورة التوبة التي هي من آخر ما نزل من القرآن.
وحديث مسلم عن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:
«رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
٣ - لا حجة للمؤمنين في استغفار إبراهيم الخليل ﵇ لأبيه؛ فإن ذلك لم يكن إلا عن عدة (وعد). والواعد: إما أبو إبراهيم، فإنه وعده أن يؤمن، قال ابن عباس: كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم الخليل أن يؤمن بالله، ويخلع الأنداد، فلما مات على الكفر، علم أنه عدو الله، فترك الدعاء له.
وقوله: ﴿إِيّاهُ﴾ ترجع إلى إبراهيم، والواعد أبوه. أو أن يكون الواعد هو إبراهيم، أي وعد إبراهيم أباه أن يستغفر له، رجاء إسلامه، فلما مات مشركا تبرأ
стр. 3320
منه. ودل عليه قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم ٤٧/ ١٩]. أي إن إبراهيم وعد أباه بالاستغفار قبل أن يتبين الكفر منه، وأملا في إسلامه، فلما تبين له الكفر منه، تبرأ منه.
٤ - يحكم على الإنسان بظاهر حاله عند الموت، فإن مات على الإيمان حكم له به، وإن مات على الكفر حكم له به، وربك أعلم بباطن حاله.
٥ - لا عقوبة إلا بنص، ولا مؤاخذة إلا بعد بيان، لقوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً..﴾ ..
٦ - تدل هذه الآية أيضا: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً﴾ على أن المعاصي سبب للضلالة والهلاك، وطريق إلى ترك الرشاد والهدى.
٧ - الله مالك الملك، وبيده مقاليد السموات والأرض، فالنصر منه وحده، لا من الأقارب أو الأباعد.
التوبة على أهل تبوك وعلى الثلاثة المخلفين والصدق
﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ (١١٩)﴾
стр. 3321
الإعراب:
﴿كادَ يَزِيغُ﴾ اسمها ضمير الشأن، وجملة ﴿يَزِيغُ﴾ خبرها، وهي تفسير لضمير الشأن، وجاز إضمار الشأن في ﴿كادَ﴾ دون (عسى) لأنها أشبهت (كان) الناقصة، فإنها لا تستغني عن الخبر، بخلاف (عسى) فإنها قد تستغني عن الخبر إذا وقعت (أن) بعدها. ويجوز أن يكون اسمها ضمير القوم أصحاب النبي، وتقديره: كاد قبيل يزيغ، وضمير ﴿مِنْهُمْ﴾ عائد على هذا الاسم.
﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ﴾ معطوف على ﴿النَّبِيِّ﴾ في الآية السابقة، وتقديره: لقد تاب الله على النبي وعلى الثلاثة.
البلاغة:
﴿ضاقَتْ.﴾. و ﴿رَحُبَتْ﴾ بينهما طباق.
﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ من صيغ المبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ أدام توبته. ﴿الْعُسْرَةِ﴾ الشدة والضيق، و ﴿ساعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: وقتها، وهي حالهم في غزوة تبوك، كانوا في عسرة من الركائب والزاد، حتى قيل: إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة، والعشرة تعتقب على بعير واحد، واشتد الحر حتى شربوا الفرث.
﴿يَزِيغُ﴾ يميل عن اتباع النبي إلى التخلف، لما هم فيه من الشدة. ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ بالثبات.
وكرر للتأكيد والتنبيه على أنه تاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة. ﴿رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ الرأفة: الرفق بالضعيف، والرحمة: السعي في إيصال المنفعة. ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ﴾ أي وتاب على الثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ تخلفوا عن الغزو، أو خلّف وأخر أمرهم مدة، فإنهم المرجون لأمر الله، ثم تاب عليهم بعدئذ. ﴿رَحُبَتْ﴾ أي مع رحبها أو برحبها، أي سعتها، فلا يجدون مكانا يطمئنون إليه، وأعرض الناس عنهم بالكلية، وهو مثل لشدة الحيرة. ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ قلوبهم من فرط الوحشة والغم بتأخير توبتها، فلا يسعها سرور ولا أنس. ﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا أو علموا. ﴿أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ﴾ أن: مخففة، أي ألا ملجأ من سخطه أي لا ملاذ ولا معتصم. ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ وفقهم للتوبة. ﴿اِتَّقُوا اللهَ﴾ بترك معاصيه. ﴿مَعَ الصّادِقِينَ﴾ في الإيمان والعهود بأن تلزموا الصدق.
стр. 3322
سبب النزول:
روى البخاري وغيره عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن النبي ﷺ في غزوة غزاها إلا بدرا، حتى كانت غزوة تبوك، وهي آخر غزوة، وآذن الناس بالرحيل... فأنزل الله توبتنا: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ قال: وفينا نزل أيضا: ﴿اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾.
المناسبة:
بعد أن استقصى الله تعالى في شرح أحوال غزوة تبوك، وأحوال المتخلفين عنها، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها، وهذا أسلوب القرآن في تفريق الآيات في الموضوع الواحد، للتأثير على النفس، وتجديد الذكرى، ومنع اليأس في التلاوة.
والآية مناسبة لما قبلها في النهي عن الاستغفار للمشركين، وكان ذلك من النبي ﷺ خلاف الأولى، كما كان من بعض الصحابة زلات، فذكر تعالى أنه تفضل عليهم وتاب عليهم في تلك الزلات.
التفسير والبيان:
لقد تفضل الله ورضي عن نبيه، وتاب على أصحابه المؤمنين الذين صاحبوه واتبعوه في غزوة تبوك وقت الشدة والضيق، التي تسمى غزوة العسرة، وجيشها جيش العسرة الذي جهزه عثمان وغيره من الصحابة ﵃. فكانوا في نقص شديد من وسائط الركوب والزاد والماء، حتى إن العشرة يعتقبون البعير الواحد، ويقتسم الاثنان التمرة الواحدة، وينحرون البعير ويعتصرون الفرث الذي في كرشه، ليبلّوا به ألسنتهم، بالإضافة إلى شدة الحر أو حرارة القيظ التي
стр. 3323
صادفت خروجهم لتلك الغزوة. قال جابر بن عبد الله في ساعة العسرة: عسرة الظهر (الإبل) وعسرة الزاد، وعسرة الماء.
والتوبة على النبي؛ لأنه كان قد صدر عنه ما هو خلاف الأفضل والأولى، مثل إذن المنافقين في التخلف بناء على اجتهاد منه لم يقره الله عليه؛ لأن غيره خير منه، فسر ابن عباس التوبة على النبي ﷺ وعلى المؤمنين، بقوله: كانت التوبة على النبي لأجل إذنه للمنافقين في القعود؛ دليله قوله: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة ٤٣/ ٩] وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه.
والتوبة على الصحابة من المهاجرين والأنصار كانت بسبب تثاقل بعضهم في الخروج، أو لسماعهم للمنافقين ما يثيرونه من فتنة.
والتوبة هنا ذات معنيين: بالنسبة للنبي ﷺ تعني الرضا والعطف، وبالنسبة للصحابة تعني قبول التوبة منهم وتوفيقهم إليها.
حدثت هذه التوبة على المؤمنين من بعد ما كاد يزيغ أو يميل بعضهم عن الحق والإيمان، وهم الذين تخلفوا لغير سبب النفاق، وهم الذين عملوا عملا صالحا وآخر سيئا، واعترفوا بذنوبهم، فقبل الله توبتهم. ومن بعد ما ارتاب بعضهم بما نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم.
ثم أكد الله تعالى التوبة عليهم، فقال: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه، إن ربهم رؤف رحيم بهم، فلا يتركهم بعد ما صبروا على الجهاد في سبيله، وإنما يزيل ضررهم ويوصل المنفعة إليهم. وهذا معنى الرأفة أي السعي في إزالة الضر، والرحمة أي السعي في إيصال النفع.
وفائدة تأكيد ذكر التوبة مرة أخرى تعظيم شأنهم، وإزالة الشك من نفوسهم، والتجاوز عن وساوسهم التي كانت تقع في قلوبهم في ساعة العسرة.
стр. 3324
وتاب الله أيضا على الثلاثة الذين خلّفوا أي تخلفوا عن الغزو لا بسبب النفاق، وإنما كسلا وإيثارا للراحة والقعود. وخلفوا الغازين بالمدينة أي صاروا خلفاء للذين ذهبوا إلى الغزو وأرجئوا وأخروا عن المنافقين فلم يقض فيهم شيء، وهم المرجون لأمر الله، وهم كعب بن مالك الشاعر، وهلال بن أمية الواقفي الذي نزلت فيه آية اللعان، ومرارة بن الربيع العامري، وكلهم من الأنصار.
ووصف الله هؤلاء الثلاثة بصفات ثلاث هي:
الصفة الأولى:
﴿حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾: أي خلفوا عن التوبة حتى شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم على رحبها وسعتها بالخلق جميعا، خوفا من العاقبة، وجزعا من إعراض النبي ﷺ عنهم، ومنع المؤمنين من مكالمتهم، وأمر أزواجهم باعتزالهم، حتى بقوا على هذه الحالة خمسين يوما أو أكثر.
والصفة الثانية:
﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي ضاقت صدورهم بسبب الهم والغم، ومجانبة الأحباء، ونظر الناس لهم بعين الإهانة.
والصفة الثانية:
﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ﴾ أي علموا واعتقدوا ألا ملجأ ولا ملاذ من غضب الله إلا بالتوبة والاستغفار ورجاء رحمته.
﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي أنزل قبول توبتهم.
﴿لِيَتُوبُوا﴾ أي ليرجعوا إليه بعد إعراضهم عن هدايته واتباع رسوله ﷺ . وهذه الأوصاف السابقة كانت دليلا على توبتهم وصدقهم في ندمهم. إن الله
стр. 3325
كثير القبول لتوبة التائبين، واسع الرحمة للمحسنين. وقصة قبول توبتهم تظهر فيما يأتي:
قال أكثر المفسرين: إنهم ما ذهبوا خلف الرسول ﵊،
قال كعب: كان رسول الله ﷺ يحب حديثي، فلما أبطأت عنه في الخروج، قال ﵊: «ما الذي حبس كعبا؟» فلما قدم المدينة، اعتذر المنافقون، فعذرهم، وأتيته وقلت: إن كراعي (خيلى) وزادي كان حاضرا، واحتبست بذنبي، فاستغفر لي، فأبى الرسول ﷺ ذلك.
ثم إنه ﵊ نهى عن مجالسة هؤلاء الثلاثة، وأمر بمباينتهم حتى أمر بذلك نساءهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وجاءت امرأة هلال بن أمية، وقالت: يا رسول الله، لقد بكى هلال، حتى خفت على بصره، حتى إذا مضى خمسون يومأ أنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ وأنزل قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ فعند ذلك خرج رسول الله ﷺ إلى حجرته، وهو عند أم سلمة فقال: «الله أكبر، قد أنزل الله عذر أصحابنا» فلما صلى الفجر ذكر ذلك لأصحابه، وبشرهم بأن الله تاب عليهم، فانطلقوا إلى رسول الله ﷺ ، وتلا عليهم ما نزل فيهم.
فقال كعب: توبتي إلى الله أن أخرج مالي صدقة، فقال: لا، قلت:
فنصفه قال: لا، قلت: فثلاثة؟ قال: نعم (١).
وبعد أن نزل قوله تعالى بقبول توبة هؤلاء الثلاثة، زجر عن فعل ما مضى، وهو التخلف عن رسول الله ﷺ في الجهاد، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾.
стр. 3326
أي اتقوا وتجنبوا ما لا يرضاه الله من مخالفة الرسول ﷺ ، وكونوا مع الرسول ﷺ وأصحابه في الغزوات، ولا تكونوا متخلفين عنها، وجالسين مع المنافقين في البيوت، وكونوا في الدنيا مع الصادقين في إيمانهم وعهودهم، أو في دين الله نية وقولا وعملا، تكونوا في الآخرين مع الصادقين في الجنة.
والصدق: الثبات على دين الله وشرعه، وتنفيذ أوامره، وطاعة رسوله ﷺ ، وقد استتبع صدق هؤلاء الثلاثة في ندمهم على ما فعلوا قبول الله تعالى توبتهم. وذلك مؤذن بأن الصدق في المواقف طريق النجاة والفلاح،
قال النبي ﷺ فيما أخرجه البيهقي مرفوعا: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، إنه يقال للصادق: صدق وبرّ، ويقال للكاذب: كذب وفجر، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا، ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا».
وترك الكذب كما أوصى النبي ﷺ سبيل لترك جميع المعاصي من خمر وزنا وسرقة ونحوها.
ولا يرخص في الكذب إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته ليرضيها، كأن يقول لها: أنت أجمل الناس، وأحب الناس إلى، لا في غير ذلك كمصالح البيت والنفقة ونحوها.
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أسماء بنت يزيد عن النبي ﷺ قال: «كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل يكذب في خديعة حرب، أو صلاح بين اثنين، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها».
وجاء في حديث آخر أخرجه ابن عدي والبيهقي عن عمران بن حصين، وهو ضعيف: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب».
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات: التوبة والصدق.
стр. 3327
أما التوبة فكانت شاملة عامة لكل من شارك في غزوة العسرة أو غزوة تبوك. وذلك تفضل من الله ورحمة، بعد ما تعرضوا للشدائد في جميع أوقات تلك الغزوة، قال جابر: اجتمع عليهم عسرة الظّهر، وعسرة الزاد، وعسرة الماء.
قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ هو كقوله:
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ٢/ ٤٨] وقوله:
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر ٥٥/ ٤٠] وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبي والمهاجرين والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأن صفة التوابين الأولين صفة الأنبياء (١).
وشملت هذه التوبة أيضا الثلاثة الذين خلّفوا عن هذه الغزوة، أي أرجئوا وأخّروا عن المنافقين، فلم يقض فيهم بشيء، وذلك أن المنافقين لم تقبل توبتهم، واعتذر أقوام فقبل عذرهم، وأخّر النبي ﷺ هؤلاء الثلاثة حتى نزل فيهم القرآن.
وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم والبخاري وغيرهما. قال كعب فيما رواه مسلم:
كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه؛ فبذلك قال الله : ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس الذي ذكر الله مما خلّفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه.
والأوصاف الثلاثة التي وصفهم بها القرآن دليل على صدقهم في التوبة. لذا
стр. 3328
أمر تعالى بالصدق بعد هذه الأوصاف، وهو خطاب لجميع المؤمنين يأمر فيه تعالى التزام مذهب الصادقين وسبيلهم.
والآية هذه توجب الصدق، وهو أمر حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق، وأبعدهم عن منازل المنافقين، وهي دالة على فضل الصدق، وكمال درجته.
ولا شك بأن التوبة النصوح من أخص أحوال الصدق، فما على العاقل المتقي إلا ملازمة الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأفعال، والصفاء في الأحوال، ومن اتصف بذلك صار مع الأبرار، وحظي برضا الإله الغفار.
موقفا صدق وإيمان للمقارنة مع المتخلفين: الأول-
عن أبي ذر الغفاري أن بعيره أبطأ به، فحمل متاعه على ظهره، واتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيا، فقال رسول الله ﷺ لما رأى سواده: كن أبا ذر! فقال الناس: هو ذاك، فقال:
«رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده».
والثاني-
أن أبا خيثمة الأنصاري بلغ بستانه، وكانت له امرأة حسناء فرشت له في الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب والماء البارد، فنظر فقال: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله ﷺ في الحر والريح، ما هذا بخير، فقام فرحل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومر كالريح، فمد رسول الله ﷺ طرفه إلى الطريق، فإذا براكب يزهاه السراب، فقال: كن أبا خيثمة! فكان، ففرح به رسول الله ﷺ ، واستغفر له (١).
стр. 3329
فرضية الجهاد على أهل المدينة و الأعراب وثوابه
﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾
الإعراب:
﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً﴾ مفعول به، وهو اسم منقوص كقاض، ودخلته الفتحة في النصب لخفتها، وجمعه أودية، وليس في كلام العرب فاعل جمعه أفعلة غيره.
البلاغة:
﴿يَطَؤُنَ مَوْطِئاً﴾ بينهما جناس اشتقاق، وكذلك ﴿يَنالُونَ..﴾. ﴿نَيْلاً﴾ ﴿صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾ إذا غزا ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ بأن يصونوها عما رضيه لنفسه من الشدائد، والرغبة الأولى: المحبة والإيثار، والثانية: الكراهة، وهو نهي بلفظ الخبر ﴿ذلِكَ﴾ أي النهي عن التخلف ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿ظَمَأٌ﴾ عطش ﴿نَصَبٌ﴾ تعب ﴿مَخْمَصَةٌ﴾ جوع ﴿يَغِيظُ﴾ يغضب ﴿نَيْلاً﴾ أسرا أو قتلا أو أخذ مال ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ إلا استوجبوا به الثواب والجزاء عليه ﴿لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أجرهم على إحسانهم، بل يثيبهم، وهو تنبيه على أن الجهاد إحسان، أما في حق الكفار فلأنه سعي في تكميلهم بأقصى ما يمكن
стр. 3330
كشرب المريض الدواء المرّ، وأما في حق المؤمنين فلأنه صيانة لهم من سطوة الكفار واستيلائهم.
﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ أي في الجهاد ولو مثل التمرة ﴿وَلا كَبِيرَةً﴾ مثل إنفاق عثمان ﵁ في تجهيز جيش العسرة ﴿وادِياً﴾ في مسيرهم، وهو كل منفرج ينفذ فيه السيل، والمراد أي أرض ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ أثبت لهم ذلك ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ﴾ بذلك ﴿أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ جزاء أحسن أعمالهم أو أحسن جزاء أو أحسن جزاء أعمالهم.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ بالصدق في متابعة الرسول في جميع الغزوات، أكد هنا ذلك، فنهى عن التخلف عنه، وأبان حسن الجزاء على الجهاد.
التفسير والبيان:
يعاتب الله تعالى المتخلفين عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، من أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، ورغبتهم بأنفسهم عن مشاركته في المشاق التي تعرض لها، فقال: ﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ.﴾. أي ما كان ينبغي لأهل المدينة المؤمنين، ومن حولهم من قبائل العرب المجاورة لها؛ كمزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم، التخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، بل عليهم أن يصحبوه، فإن النفير كان فيهم، وخص هؤلاء بالعتاب لقربهم وجوارهم، وأنهم أحق بذلك من غيرهم، بل إن المراد من النص النهي عن التخلف، والتوبيخ عليه؛ لأن المتخلف يؤثر نفسه على نفس رسول الله ﷺ التي لا بد من إيثارها وحبها أكثر من حب النفس.
وظاهر هذه الألفاظ وجوب الجهاد على كل هؤلاء إلا أصحاب الأعذار بدليل العقل، وبقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢] وقوله أيضا: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ.﴾. [النور ٦١/ ٢٤] ولا يقصد بهذا وجوب الجهاد عينا على كل واحد، فقد دل الإجماع على أن الجهاد فرض كفاية،