← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

أي اتقوا وتجنبوا ما لا يرضاه الله من مخالفة الرسول ﷺ ، وكونوا مع الرسول ﷺ وأصحابه في الغزوات، ولا تكونوا متخلفين عنها، وجالسين مع المنافقين في البيوت، وكونوا في الدنيا مع الصادقين في إيمانهم وعهودهم، أو في دين الله نية وقولا وعملا، تكونوا في الآخرين مع الصادقين في الجنة. والصدق: الثبات على دين الله وشرعه، وتنفيذ أوامره، وطاعة رسوله ﷺ ، وقد استتبع صدق هؤلاء الثلاثة في ندمهم على ما فعلوا قبول الله تعالى توبتهم. وذلك مؤذن بأن الصدق في المواقف طريق النجاة والفلاح، قال النبي ﷺ فيما أخرجه البيهقي مرفوعا: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، إنه يقال للصادق: صدق وبرّ، ويقال للكاذب: كذب وفجر، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا، ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا». وترك الكذب كما أوصى النبي ﷺ سبيل لترك جميع المعاصي من خمر وزنا وسرقة ونحوها. ولا يرخص في الكذب إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته ليرضيها، كأن يقول لها: أنت أجمل الناس، وأحب الناس إلى، لا في غير ذلك كمصالح البيت والنفقة ونحوها. أخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أسماء بنت يزيد عن النبي ﷺ قال: «كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل يكذب في خديعة حرب، أو صلاح بين اثنين، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها». وجاء في حديث آخر أخرجه ابن عدي والبيهقي عن عمران بن حصين، وهو ضعيف: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب». فقه الحياة أو الأحكام: موضوع الآيات: التوبة والصدق.

стр. 3327

أما التوبة فكانت شاملة عامة لكل من شارك في غزوة العسرة أو غزوة تبوك. وذلك تفضل من الله ورحمة، بعد ما تعرضوا للشدائد في جميع أوقات تلك الغزوة، قال جابر: اجتمع عليهم عسرة الظّهر، وعسرة الزاد، وعسرة الماء. قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ هو كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ٢/ ٤٨] وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر ٥٥/ ٤٠] وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبي والمهاجرين والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأن صفة التوابين الأولين صفة الأنبياء (١). وشملت هذه التوبة أيضا الثلاثة الذين خلّفوا عن هذه الغزوة، أي أرجئوا وأخّروا عن المنافقين، فلم يقض فيهم بشيء، وذلك أن المنافقين لم تقبل توبتهم، واعتذر أقوام فقبل عذرهم، وأخّر النبي ﷺ هؤلاء الثلاثة حتى نزل فيهم القرآن. وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم والبخاري وغيرهما. قال كعب فيما رواه مسلم: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه؛ فبذلك قال الله : ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس الذي ذكر الله مما خلّفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه. والأوصاف الثلاثة التي وصفهم بها القرآن دليل على صدقهم في التوبة. لذا

стр. 3328

أمر تعالى بالصدق بعد هذه الأوصاف، وهو خطاب لجميع المؤمنين يأمر فيه تعالى التزام مذهب الصادقين وسبيلهم. والآية هذه توجب الصدق، وهو أمر حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق، وأبعدهم عن منازل المنافقين، وهي دالة على فضل الصدق، وكمال درجته. ولا شك بأن التوبة النصوح من أخص أحوال الصدق، فما على العاقل المتقي إلا ملازمة الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأفعال، والصفاء في الأحوال، ومن اتصف بذلك صار مع الأبرار، وحظي برضا الإله الغفار. موقفا صدق وإيمان للمقارنة مع المتخلفين: الأول- عن أبي ذر الغفاري أن بعيره أبطأ به، فحمل متاعه على ظهره، واتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيا، فقال رسول الله ﷺ لما رأى سواده: كن أبا ذر! فقال الناس: هو ذاك، فقال: «رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده». والثاني- أن أبا خيثمة الأنصاري بلغ بستانه، وكانت له امرأة حسناء فرشت له في الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب والماء البارد، فنظر فقال: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله ﷺ في الحر والريح، ما هذا بخير، فقام فرحل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومر كالريح، فمد رسول الله ﷺ طرفه إلى الطريق، فإذا براكب يزهاه السراب، فقال: كن أبا خيثمة! فكان، ففرح به رسول الله ﷺ ، واستغفر له (١).

стр. 3329

فرضية الجهاد على أهل المدينة و الأعراب وثوابه ﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾ الإعراب: ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً﴾ مفعول به، وهو اسم منقوص كقاض، ودخلته الفتحة في النصب لخفتها، وجمعه أودية، وليس في كلام العرب فاعل جمعه أفعلة غيره. البلاغة: ﴿يَطَؤُنَ مَوْطِئاً﴾ بينهما جناس اشتقاق، وكذلك ﴿يَنالُونَ..﴾. ﴿نَيْلاً﴾ ﴿صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾ إذا غزا ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ بأن يصونوها عما رضيه لنفسه من الشدائد، والرغبة الأولى: المحبة والإيثار، والثانية: الكراهة، وهو نهي بلفظ الخبر ﴿ذلِكَ﴾ أي النهي عن التخلف ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿ظَمَأٌ﴾ عطش ﴿نَصَبٌ﴾ تعب ﴿مَخْمَصَةٌ﴾ جوع ﴿يَغِيظُ﴾ يغضب ﴿نَيْلاً﴾ أسرا أو قتلا أو أخذ مال ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ إلا استوجبوا به الثواب والجزاء عليه ﴿لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أجرهم على إحسانهم، بل يثيبهم، وهو تنبيه على أن الجهاد إحسان، أما في حق الكفار فلأنه سعي في تكميلهم بأقصى ما يمكن

стр. 3330

كشرب المريض الدواء المرّ، وأما في حق المؤمنين فلأنه صيانة لهم من سطوة الكفار واستيلائهم. ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ أي في الجهاد ولو مثل التمرة ﴿وَلا كَبِيرَةً﴾ مثل إنفاق عثمان ﵁ في تجهيز جيش العسرة ﴿وادِياً﴾ في مسيرهم، وهو كل منفرج ينفذ فيه السيل، والمراد أي أرض ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ أثبت لهم ذلك ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ﴾ بذلك ﴿أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ جزاء أحسن أعمالهم أو أحسن جزاء أو أحسن جزاء أعمالهم. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ بالصدق في متابعة الرسول في جميع الغزوات، أكد هنا ذلك، فنهى عن التخلف عنه، وأبان حسن الجزاء على الجهاد. التفسير والبيان: يعاتب الله تعالى المتخلفين عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، من أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، ورغبتهم بأنفسهم عن مشاركته في المشاق التي تعرض لها، فقال: ﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ.﴾. أي ما كان ينبغي لأهل المدينة المؤمنين، ومن حولهم من قبائل العرب المجاورة لها؛ كمزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم، التخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، بل عليهم أن يصحبوه، فإن النفير كان فيهم، وخص هؤلاء بالعتاب لقربهم وجوارهم، وأنهم أحق بذلك من غيرهم، بل إن المراد من النص النهي عن التخلف، والتوبيخ عليه؛ لأن المتخلف يؤثر نفسه على نفس رسول الله ﷺ التي لا بد من إيثارها وحبها أكثر من حب النفس. وظاهر هذه الألفاظ وجوب الجهاد على كل هؤلاء إلا أصحاب الأعذار بدليل العقل، وبقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢] وقوله أيضا: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ.﴾. [النور ٦١/ ٢٤] ولا يقصد بهذا وجوب الجهاد عينا على كل واحد، فقد دل الإجماع على أن الجهاد فرض كفاية،

стр. 3331

فيكون مخصوصا من هذا العموم، ويكون المنصوص عليهم هم المقصودين بالنص العام. ولا يصح لهؤلاء إيثار أنفسهم على نفس الرسول ﷺ ، فلا يرضوا لأنفسهم بالدعة والراحة، ورسول الله ﷺ في المشقة. لم يكن لهم حق التخلف، بل يجب عليهم الاتباع والجهاد، بسبب أن كل ما يصيبهم في جهادهم-من معاناة ومكابدة ومشاق كالعطش والتعب والجوع والألم في سبيل الله، ووط ء جزء من أرض الكفر يغيظ الكفار، والنيل من الأعداء بالأسر أو القتل أو الهزيمة أو الغنيمة-يستوجب الثواب الجزيل المكافئ لما قدموه وزيادة، وذلك مما يوجب المشاركة في الجهاد، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، أي لا يدع له شيئا من الثواب على إحسانه إلا كافأه به، كقوله تعالى: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف ٣٠/ ١٨]. وكذلك لا ينفق هؤلاء المجاهدون (الغزاة) (١) في سبيل الله نفقة صغيرة ولا كبيرة، أي قبيلا ولا كثيرا، ولا يقطعون واديا، أي في السير إلى الأعداء، إلا أثبت لهم الجزء الأوفى، ليجزيهم الله أحسن الجزاء على عملهم؛ لأن الجهاد في سبيل الله إعلاء لكلمة الإسلام، وصون الإيمان، وحفظ الأوطان، وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا واستعبدوا. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الأحكام التالية: ١ - فرضية الجهاد ووجوبه على أهل المدينة وقبائل العرب المجاورة لها، بسبب كون المدينة عاصمة الإسلام، وكونهم سكانها، وجيران الرسول ﷺ ،

стр. 3332

ويصيبهم مباشرة ما أصابه من مجد أو خير أو نصر أو غير ذلك. ٢ - لا يصح لمؤمن إيثار نفسه على نفس الرسول ﷺ ؛ لأن الإيمان لا يكمل إلا بأن يحب الرسول ﷺ أكثر مما يحب نفسه. ٣ - إن كل ما يتعرض له المجاهد من مكابدة ومتاعب في السفر للجهاد يثاب عليه ثوابا جزيلا. ٤ - إن في الجهاد إحسانا، سواء في حق الأعداء؛ لأنه قد ينقلهم من دائرة الكفر إلى دائرة الإسلام، وفي حق المسلمين؛ لأنهم يصونون به الحرمات: حرمة الدين والإيمان، وحرمة البلاد والأوطان والأموال والأعراض، ويحققون به العزة والمجد والكرامة. ٥ - تستحق الغنيمة بمجرد الاستيلاء، كما قال الشافعي؛ لأن الله تعالى جعل وط ء ديار الكفار بمثابة النّيل من أموالهم، وإخراجهم من ديارهم، وهو الذي يغيظهم، ويدخل الذّل عليهم، فهو بمثابة نيل الغنيمة والقتل والأسر. ٦ - إن هذه الآية منسوخة بالآية التالية بعدها: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً.﴾. وإن حكمها كان في حال قلة المسلمين، فلما كثروا نسخت، وأباح الله التخلف عن الجهاد مع الحكام لمن شاء. قال قتادة: كان هذا خاصا بالنبي ﷺ ، إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر؛ فأما غيره من الأئمة والولاة، فلمن شاء أن يتخلف خلفه من المسلمين إذا لم يكن بالناس حاجة إليه ولا ضرورة. قال القرطبي: قول قتادة حسن، بدليل غزاة تبوك. أما المعذورون الباقون في المدينة فلهم مثل أجر العاملين المجاهدين؛ لما روى أبو داود عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «لقد تركتم بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر» وأخرجه مسلم من حديث جابر قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، فقال:

стр. 3333

إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم المرض» فأعطى ﷺ للمعذور من الأجر مثل ما أعطى للقوي العامل. ويؤكد ذلك أن النية الصادقة هي أصل الأعمال، فإذا صحت في فعل طاعة، فعجز عنها صاحبها لمانع منها، فله الثواب على عمله؛ لقوله ﷺ فيما رواه البيهقي عن أنس وهو ضعيف: «نية المؤمن خير من عمله». الجهاد فرض كفاية وطلب العلم فريضة ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ الإعراب: لولا: للتحضيض، وهي داخلة هنا على الماضي، فتفيد التوبيخ واللوم على ترك الفعل فيما مضى، والأمر به في المستقبل. المفردات اللغوية: ﴿لِيَنْفِرُوا﴾ إلى الجهاد ﴿فَلَوْلا﴾ فهلا وهي تفيد الحض والحث على ما تدخل عليه ﴿نَفَرَ﴾ خرج للقتال ﴿فِرْقَةٍ﴾ قبيلة أو جماعة عظيمة ﴿طائِفَةٌ﴾ جماعة قليلة أقلها اثنان أو واحد، ومكث الباقون ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ ليتعلم الباقون الفقه والأحكام الشرعية، والتفقه: تكلف الفقاهة والفهم، وتجشم مشاق التحصيل ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ يخوفوا ﴿إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ من الجهاد، بتعليمهم ما تعلموه من الأحكام ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ليحذروا عقاب الله بامتثال أمره ونهيه، والحذر من الشيء: التحرز منه. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً

стр. 3334

أَلِيماً﴾ وقد تخلف عنه ناس في البدو يفقهون قومهم، فقال المنافقون: قد بقي ناس في البوادي، هلك أصحاب البوادي، فنزلت: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. وأخرج ابن أبي حاتم أيضا عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال: كان المؤمنون، لحرصهم على الجهاد، إذا بعث رسول الله ﷺ سرية، خرجوا فيها، وتركوا النبي ﷺ بالمدينة في رقة من الناس، فنزلت. قال ابن عباس: لما شدّد الله على المتخلفين قالوا: لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية أبدا، ففعلوا ذلك، وبقي رسول الله ﷺ وحده، فنزل: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية. وقال ابن عباس أيضا: فهذه مخصوصة بالسرايا، والتي قبلها بالنهي عن تخلف واحد، فيما إذا خرج النبي ﷺ . المناسبة: هذه الآية من بقية أحكام الجهاد، فهي لا توجب على جميع المؤمنين الجهاد إذا لم يخرج النبي ﷺ إليه، وإنما أرسل سرية. وحينئذ يجب على المؤمنين طلب العلم والتفقه في الدين؛ لأن الجهاد يعتمد على العلم، ولأن نشر الإسلام في الأصل يتوقف على البيان بالحجة والبرهان. التفسير والبيان: هذا بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلهم، فتكون فئة منهم للتفقه وفئة أخرى للجهاد، فإنه فرض كفاية على الناس، كما أن طلب العلم فرض كفاية أيضا. فما كان من شأن المؤمنين أن ينفروا جميعا، ويتركوا النبي ﷺ وحده، فإن

стр. 3335

الجهاد فرض كفاية، متى قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، لا فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل، وإنما يصبح فرض عين إذا خرج الرسول للجهاد واستنفر الناس إليه. فهلا نفر في أثناء النهضة من كل جماعة كالقبيلة أو البلد طائفة قليلة منهم للتفقه في الدين، ومعرفة أحكام الشريعة وأسرارها، حتى إذا ما رجع المجاهدون من المعركة أنذروهم من الأعداء وحذروهم من غضب الله وعرفوهم أحكام الدين، لكي يخافوا الله، ويحذروا عاقبة عصيانه، ومخالفة أمره. والضمير في ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾، و ﴿لِيُنْذِرُوا﴾ للمقيمين مع النبي ﷺ . وضمير ﴿إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي المجاهدون من الجهاد. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على الأحكام التالية: ١ - الجهاد فرض كفاية، وليس فرض عين، إذ لو نفر الكل لتعطلت مصالح الأمة، وتضررت الأسر والأولاد، فليخرج فريق من المسلمين للجهاد، وليقم فريق يتفقهون في الدين، ويحفظون الحريم، ويصونون مصلحة البلاد. حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع. وهذه الآية مبينة لقوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾ وللآية التي قبلها: ﴿اِنْفِرُوا﴾. وقال مجاهد وابن يزيد: ناسخة والأصح القول بأنها مبينة لا ناسخة. وكل من ﴿مِنْ﴾ المفيدة للتبعيض، والفرقة (الجماعة الكثيرة) والطائفة (الجماعة الأقل) يفيد كون الجهاد وطلب العلم موجها للبعض. ٢ - وجوب طلب العلم، والتفقه في القرآن والسنة، وهو فرض على الكفاية لا على الأعيان؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 3336

لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ١٦/ ٤٣]. وآية ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ وإن اقتضت فقط الحث على طلب العلم والندب إليه دون الوجوب والإلزام، فقد لزم طلب العلم بأدلة أخرى، مثل حديث: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» رواه ابن عدي والبيهقي عن أنس، ورواه آخرون. والطائفة وإن أطلقت على الاثنين والواحد في اللغة، فلا شك إن المراد بها هنا جماعة؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ فجاء بضمير الجماعة، ولأن العلم لا يتحصل بواحد في الغالب. ومما يدل على أن الواحد يقال له طائفة قوله: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩/ ٤٩] يعني نفسين، بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فجاء بلفظ التثنية. وأما ضمير ﴿اِقْتَتَلُوا﴾ وإن كان ضمير جماعة، فأقل الجماعة اثنان، في أحد القولين للعلماء. ٣ - يجب أن يكون المقصود من التفقه والتعلم دعوة الخلق إلى الحق، وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم؛ لأن الآية أمرت بإنذارهم إلى الدين الحق، وعليهم أن يحذروا الجهل والمعصية، ويرغبوا في قبول الدين. فغرض المعلم الإرشاد والإنذار، وغرض المتعلم اكتساب الخشية. هذا.. وطلب العلم ينقسم قسمين: فرض على الأعيان؛ كالصلاة والزكاة والصيام، وفرض على الكفاية؛ كتحصيل الحقوق وإقامة الحدود والفصل بين الخصوم ونحوه. وطلب العلم فضيلة عظيمة، ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل، لما رواه مسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» وروى الترمذي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل

стр. 3337

العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، إنما ورّثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر». ٤ - خبر الواحد حجة؛ لأن الطائفة مأمورة بالإنذار أو الإخبار، وهو يقتضي فعل المأمور به، ولأنه سبحانه أمر القوم بالحذر عند الإنذار، والمراد: ليحذروا. السياسة الحربية في قتال الكفار ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ المفردات اللغوية: ﴿يَلُونَكُمْ﴾ يجاورونكم الأقرب فالأقرب ﴿غِلْظَةً﴾ شدة وخشونة، أي اغلظوا عليهم ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بالعون والنصر. المناسبة: لما أمر الله سبحانه المؤمنين بقتال المشركين كافة، كما يقاتلونهم كافة، أرشدهم في هذه الآية إلى الطريق الأصوب الأصلح، وهو أن يبتدءوا من الأقرب فالأقرب، ثم ينتقلوا إلى الأبعد فالأبعد. وقد فعل النبي ﷺ وصحابته بهذه الخطة، فقد قاتل قومه في مكة، ثم قاتل سائر العرب، ثم انتقل إلى قتال الروم في الشام، ثم دخل صحابته العراق. وهكذا سار خط الدعوة الإسلامية على هذا الترتيب، فقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤/ ٢٦] ثم اتسع نطاقها إلى الجزيرة العربية، فقال

стр. 3338

تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الأنعام ٩٢/ ٦] وقال : ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح ١٦/ ٤٨] ثم انتشرت خارج الجزيرة بين أهل الكتاب فقال سبحانه: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة ٢٩/ ٩] وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩/ ٦] أي لأنذر العرب ومن يبلغه القرآن في كل زمان ومكان. فالسياسة الإسلامية تسير على منهج دعوة الأقرب فالأقرب سلما، وقتال الأقرب فالأقرب إذا توافرت دواعي القتال. التفسير والبيان: يأيها المؤمنون قاتلوا الأقرب منهم فالأقرب إلى ديار الإسلام، فإن الأقرب أحق بالشفقة والإصلاح، ولأن تكوين الأتباع المؤمنين من الجوار بالدعوة الإسلامية أفيد وأحصن وأجدى، وفيه حماية الديار والوطن، ولأن هذا الترتيب يحقق قلة النفقات، والاقتصاد في نقل الآلات وانتقال المجاهدين بأمان، حتى لا يطعنوا من الخلف. وهذا بالطبع يشمل أولا اليهود حوالي المدينة كقريظة والنضير وخيبر، ثم المشركين في جزيرة العرب، ثم أهل الكتاب وهم الروم في الشام شمال المدينة. وسياسة القتال أن يجدوا في المؤمنين المقاتلين غلظة أي شدة وخشونة، وقوة وحميّة، وصبرا على القتال، وجرأة على خوض المعارك والفتك والأسر ونحو ذلك، وهذه طبيعة الحرب ومصلحة القتال، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ، وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٧٣/ ٩]. وأعلموا أن الله مع المتقين أي بالنصر والحراسة والإعانة، والمتقون: هم

стр. 3339

المتبعون أوامر الله، المجتنبون نواهيه. فهذه المعية ملازمة للتقوى، فالله معكم إذا التزمتم أحكام شرعه ومن أهمها إقامة الفرائض والسنن، والثبات والصبر والطاعة والنظام، وابتعدتم عن اختراق حدوده والتقصير في إعداد العدة المناسبة لكل عصر وزمان ومكان، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال ٦٠/ ٨]. وإذا أريد بالمتقين المخاطبون، ففيه إظهار بدل الإضمار للدلالة على أن الإيمان والقتال من باب التقوى، والشهادة بكونهم من زمرة المتقين. وإذا أريد بالمتقين الجنس دخل المخاطبون دخولا أولياء، والكلام تعليل وتوكيد لما قبله، أي قاتلوهم واغلظوا عليهم ولا تخافوهم؛ لأن الله معكم أو لأنكم متقون. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى ما يلي: ١ - التعريف بكيفية الجهاد، وكون الابتداء به بالأقرب فالأقرب من العدو، ولهذا بدأ رسول الله ﷺ بالعرب، ثم قصد الروم بالشام. وروي عن الحسن البصري أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة ٥/ ٩]. والأصح أنها غير منسوخة؛ لأنها للإرشاد ورسم خطة الحرب في قتال الكفار. قال قتادة: الآية على العموم في قتال الأقرب فالأقرب، والأدنى فالأدنى (١). ٢ - أمر المؤمنين بالاتصاف بالغلظة على الكفار، حتى يجدهم الكفار متصفين بذلك. وهذا لا شك في أثناء القتال، أما قبل بدء المعركة فشأن المسلمين هو الرفق واللين والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن وجدوا تنمرا وتجهما

стр. 3340

من الأعداء، عوملوا بما يناسب من العنف والشدة؛ فالفائدة في الشدة في هذه المواطن أقوى تأثيرا في الزجر والمنع عن القبيح والشر، وقد يحتاج الأمر إلى الرفق واللطف. فالأمر بالعنف ليس مطردا، وإنما يعمل بما هو الأوفق ولو في أثناء المعركة. ٣ - إن الله نصير المتقين في السلم والحرب، والواجب أن يكون الهدف من القتال تقوى الله، لا طلب المال والجاه. موقف المنافقين من سور القرآن ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾ الإعراب: ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ جملة حالية. البلاغة: ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي كفرا مضموما إلى الكفر بغيرها. ولما ازداد المنافقون عند

стр. 3341

نزول السورة عمى، أضيف ذلك إلى السورة على طريق الاستعارة. ﴿أَوَلا يَرَوْنَ﴾ هذه ألف استفهام، دخلت على واو العطف، وهو خطاب على سبيل التنبيه. المفردات اللغوية: ﴿سُورَةٌ﴾ من القرآن ﴿فَمِنْهُمْ﴾ من المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ لأصحابه استهزاء ﴿إِيماناً﴾ تصديقا ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بها وبنزولها ﴿مَرَضٌ﴾ شك وضعف اعتقاد وكفر ونفاق ﴿رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ كفرا ونفاقا إلى كفرهم ﴿وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا على الكفر. ﴿أَوَلا يَرَوْنَ﴾ أي المنافقون يا أيها المؤمنون ﴿يُفْتَنُونَ﴾ يبتلون بأصناف البلاء، أو بالجهاد مع رسول الله ﷺ ، فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي أنهم يتعرضون للعذاب في الدنيا في كل عام مرة أو مرتين، وقال مقاتل: يفضحون بإظهار نفاقهم كل سنة مرة أو مرتين ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ من نفاقهم ﴿وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يتعظون. ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ فيها ذكرهم وقرأها النبي ﷺ ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ تغامزوا بالعيون إنكارا لها وسخرية، أو غيظا، لما فيها من عيوبهم ﴿هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي أنهم يريدون الهرب، ويقولون: هل يراكم أحد إن قمتم من حضرة الرسول ﷺ ، فإن لم يرهم أحد قاموا، وإن رآهم أحد أقاموا وتثبتوا ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ على كفرهم ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عن الهدى والإيمان، وهو يحتمل الإخبار، والدعاء ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ الحق، لسوء فهمهم وعدم تدبرهم. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أنواعا من مخازي المنافقين وأعمالهم القبيحة، كتخلفهم عن غزوة تبوك، وتعللهم بالإيمان الفاجرة، ذكر هنا أنواعا أخرى أخطر مما سبق، وهي استهزاؤهم بالقرآن وتهربهم حين سماعه؛ لأنه كلما نزلت سورة مشتملة على تبيان فضائحهم وعيوبهم تأذوا من سماعها، وكذلك كلما سمعوا سورة وإن لم يذكر فيها شيء عنهم، استهزءوا بها وطعنوا فيها، وأخذوا في التغامز والتضاحك على سبيل الطعن والهزء.

стр. 3342

التفسير والبيان: إذا ما أنزلت سورة من سور القرآن وبلغت المنافقين، فمنهم من يقول لإخوانه أي يقول بعضهم لبعض: أيكم زادته هذه السورة إيمانا؟ أي تصديقا بأن القرآن من عند الله، وأن محمدا صادق في نبوته. ومن المعروف أن الإيمان الصحيح: وهو التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس، يزيد بنزول القرآن، ويتضاعف بسماعه سماع تدبر وإمعان، مما يدفع إلى العمل بما نزل فيه. وفي هذا دلالة واضحة على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب الأكثرين. فأجابهم الله تعالى عن حقيقة أثر القرآن: فأما المؤمنون فيزيدهم نزول القرآن يقينا وتصديقا وقوة دافعة إلى العمل به، وهم أي وحالهم أنهم يفرحون بنزول السورة؛ لأنها تزكي أنفسهم، وترشدهم إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة. قال الزمخشري في ﴿فَزادَتْهُمْ إِيماناً﴾: لأنها أزيد لليقين والثبات وأثلج للصدر، أو فزادتهم عملا، فإن زيادة العمل زيادة في الإيمان؛ لأن الإيمان يقع على الاعتقاد والعمل. والذين في نفوسهم شك وكفر ونفاق، فتزيدهم السورة كفرا ونفاقا مضموما إلى كفرهم ونفاقهم السابق، ويستحكم ذلك فيهم إلى أن يموتوا وهم كافرون بالقرآن وبالنبي ﷺ . وهذا مناقض للهدف من إنزال السورة، فهي في الحقيقة هدى ونور، وشفاء لما في الصدور، وجلاء لما في القلوب، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً﴾ [الإسراء ٨٢/ ١٧] وقال : ﴿قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٤٤/ ٤١] فهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم، كما أن سيء المزاج لا يفيده الغذاء إلا تأخرا ونقصا.

стр. 3343

وبعد أن بيّن الله تعالى أن المنافقين يموتون كفارا، أوضح أنهم يتعرضون أيضا لعذاب الدنيا كل عام مرة أو مرتين، فقال: أو لا يرى هؤلاء المنافقون أنهم يختبرون كل عام مرة أو مرتين بأنواع الاختبار العديدة من جهاد وقحط ومرض وهي التي تذكّر الإنسان بالله، وتجعله ميالا إلى الإيمان وترك الكفر والتمييز بين الحق والباطل. ثم إنهم مع توالي الاختبارات لا يتوبون من ذنوبهم السابقة، ولا يتعظون فيما يستقبل من أحوالهم، مما يجعلهم غير مستعدين لقبول الإيمان. وإذا أنزلت سورة قرآنية على النبي ﷺ ، وهم جلوس عنده، تلفتوا وتغامزوا بالعيون وتهكموا لفساد قلوبهم، وعزموا على الهروب، قائلين: هل يراكم الرسول ﷺ أو المؤمنون إذا خرجتم؟ ثم انصرفوا جميعا عن مجلس النبي ﷺ أي تولوا عن الحق، فهذا حالهم في الدنيا لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه، كقوله تعالى: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ. كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر ٤٩/ ٧٤ - ٥١] وقوله: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ. عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ [المعارج ٣٦/ ٧٠ - ٣٧] أي ما لهؤلاء القوم يخرجون مسرعين، هروبا من الحق، وذهابا إلى الباطل. صرف الله قلوبهم عن الحق والإيمان وعن الخير والنور. وهذا إما دعاء عليهم به أو إخبار عن أحوالهم. ذلك الصرف بسبب أنهم قوم لا يفهمون الآيات التي يسمعونها، ولا يريدون فهمها، ولا يتدبرون فيها حتى يفقهوا، بل هم في شغل عن الفهم ونفور منه، كقوله تعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥/ ٦١].

стр. 3344

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: ١ - الإيمان يزيد وينقص، وهو مذهب أكثر السلف والخلف، فالمؤمنون يزدادون إيمانا بما يتجدد نزوله من القرآن، ويفرحون به، لتزكية نفوسهم، وتحقيق سعادتهم. ٢ - الكفر يتراكم بعضه فوق بعض، وينضم بعضه إلى بعض؛ لأنهم كلما جددوا بتجديد الله الوحي كفرا ونفاقا، ازداد كفرهم واستحكم، وتضاعف عقابهم. ٣ - المنافقون المستهزئون بالقرآن يموتون على كفرهم إن لم يتوبوا، مما يدل على مداومة الكفر. ٤ - وسائل تذكير المنافقين بالإيمان والحق كثيرة متكررة، فتتوالى عليهم اختبارات عديدة كالأمراض والأوجاع، والشّدة والقحط، والجهاد مع النبي ﷺ كل عام مرة أو مرتين، ويرون ما وعد الله من النصر والتأييد. ٥ - ومن الوسائل الداعية لإيمان المنافقين أيضا ما ينزل به القرآن كاشفا أسرارهم، معلما بمغيبات أمورهم، ومع ذلك ينصرفون عن تلك الحال التي هي مظنّة النظر الصحيح والاهتداء، ولا يسمعون القرآن سماع تدبر وتعقل ونظر في آياته: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال ٢٢/ ٨]. ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد ٢٤/ ٤٧]. وقوله: ﴿أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً﴾ قول صادر على سبيل الاستهزاء، وقوله ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ اكتفاء بنظر بعضهم إلى بعض على سبيل الهزء، وطلب الفرار.

стр. 3345

٦ - إن الله تعالى صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه في مذهب أهل السنة، لصرف نفوسهم عنه؛ لقوله: ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وهو إما دعاء عليهم أي قولوا لهم هذا، وإما خبر عن صرفها عن الخير والرشد والهدى، مجازاة على فعلهم. وهذا رد على القدرية في اعتقادهم أن قلوب الخلق بأيديهم، وجوارحهم بحكمهم، يتصرفون بمشيئتهم، ويحكمون بإرادتهم واختيارهم. صفات الرسول ﷺ ذات الصلة بأمته ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ الإعراب: ﴿ما عَنِتُّمْ﴾ ﴿ما﴾: مصدرية، وهي مع ﴿عَنِتُّمْ﴾ في تأويل المصدر، وتقديره: عزيز عليه عنتكم. وهو إما مرفوع بعزيز؛ لأنه وقع صفة لرسول، وإما مبتدأ، و ﴿عَزِيزٌ﴾ خبره، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع رفع؛ لأنها صفة ﴿رَسُولٌ﴾. المفردات اللغوية: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي منكم ومن جنسكم، وهو محمد ﷺ ﴿عَزِيزٌ﴾ شديد أو شاق ﴿ما عَنِتُّمْ﴾ أي عنتكم أي مشقتكم ولقاؤكم المكروه ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أن تهتدوا والحرص: شدة الرغبة في الحصول على الشيء ﴿رَؤُفٌ﴾ شفوق، والرأفة أخص من الرحمة، وتكون مع الضعف والشفقة والرقة ﴿رَحِيمٌ﴾ يريد لكم الخير، والرحمة عامة شاملة حال الضعف وغيره ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان بك ﴿فَقُلْ: حَسْبِيَ﴾ كافي ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ وثقت به لا بغيره ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ﴾ الكرسي ﴿الْعَظِيمِ﴾ خص العرش بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات.

стр. 3346

المناسبة: لما أمر الله رسوله ﷺ أن يبلغ في هذه السورة تكاليف شاقة شديدة صعبة يعسر تحملها إلا من خصة الله بالتوفيق، ختمها بما يوجب سهولة تحملهم تلك التكاليف، وهو أن هذا الرسول ﷺ منكم، فكل ما يحققه من عز وشرف فهو عائد إليكم، وهو بحال يشق عليه ضرركم، وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم، فهو كالطبيب الحاذق إذا أقدم على علاجات صعبة، فإنما يريد الخير، فاقبلوا منه هذه التكاليف الشاقة لتفوزوا بكل خير. وكذلك لما بدأ السورة ببراءة الله ورسوله من المشركين، وقص فيها أحوال المنافقين شيئا فشيئا، خاطب العرب على سبيل تعداد النعم عليهم والمن عليهم بكونه جاءهم رسول من جنسهم أو من نسبهم عربي قرشي يبلغهم عن الله، متصف بالأوصاف الجميلة من كونه يعز عليه مشقتهم بالوقوع في العذاب الأخروي، ويحرص على هداهم ويرأف بهم ويرحمهم (١). روى الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ..﴾. إلى آخر السورة. وروى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ، قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وآخر سورة نزلت: ﴿بَراءَةٌ﴾. وعن ابن عباس: آخر آية نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ وكان بين نزولها وموته ﷺ ثمانون يوما. وهذا قول سعيد بن جبير أيضا. التفسير والبيان: امتن الله تعالى على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم، أي من

стр. 3347

جنسهم وعلى لغتهم. لقد جاءكم أيها العرب رسول من جنسكم وبلغتكم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢/ ٦٢] وقال أيضا: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٤/ ٣] وصف الله هذا الرسول بخمس صفات: الأولى-قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي من العرب، والمقصود منه ترغيب العرب في نصرته. قال ابن عباس: إنه ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي ﷺ مضريّها وربيعيها ويمانيها، أي أن نسبه تشعب في جميع قبائل العرب. الثانية- ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ أي شديد عليه عنتكم أي مشقتكم ولقاؤكم المكروه في الدنيا والآخرة، إذ هو منكم، يتألم لألمكم ويفرح لفرحكم. الثالثة- ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي حريص على هدايتكم وإيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة. الرابعة والخامسة- ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ أي شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين. قال ابن عباس ﵄: سماه الله تعالى باسمين من أسمائه. فإن تولوا أي أعرض المشركون والمنافقون عنك وعن الإيمان برسالتك والاهتداء بشرعك، فقل: حسبي الله، أي الله كافي في النصر على الأعداء. لا إله إلا هو، أي لا معبود سواه أدعوه وأخضع له، عليه توكلت أي فوضت أمري إليه وحده، فلا أتوكل إلا عليه. وهو رب العرش العظيم، والعرش: سقف المخلوقات كلها في السموات والأرض وما بينهما، وخص العرش؛ لأنه أعظم المخلوقات، فيدخل فيه ما دونه

стр. 3348

إذا ذكر، إذ عليه تدبير أمور الخلق، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس ٣/ ١٠]. روى أبو داود عن أبي الدرداء قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: «حسبي الله، لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، سبع مرات، كفاه الله ما أهمه، صادقا كان بها أو كاذبا». وحكى النقاش عن أبي بن كعب أنه قال: أقرب القرآن عهدا بالله تعالى هاتان الآيتان: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة. وقد اتفق الصحابة حين جمع القرآن على وضع هاتين الآيتين في آخر سورة ﴿بَراءَةٌ﴾ روى أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن زيد بن ثابت في جمع القرآن وكتابته في عهد أبي بكر أنه قال: حتى وجدت من سورة التوبة آيتين عند خزيمة الأنصاري، لم أجدهما مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخرها. أي لم يجدهما مكتوبتين عند غيره، وإن كانتا محفوظتين عنده وعند غيره، كما ذكر ابن حجر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر، فقال: لا أسألك عليها. بيّنة أبدا، كذلك كان رسول الله ﷺ يقرؤها. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أمرين: ١ - اتصاف النبي ﷺ بصفات خمس تستدعي من العرب الاستجابة لدعوته، وتحمّل أعباء رسالته، والقيام بالتكاليف التي أمر بها، لأنه منهم وفيهم، وحريص على اهتدائهم، ورؤف رحيم بهم.

стр. 3349

٢ - إن أعرض الناس عن دعوة النبي فهو يستنصر بالله المعين الكافي ويكتفي باللجوء إليه في الدعاء والعبادة والإعانة، والخضوع والتذلل، لأن الله رب العرش العظيم، والناس مقهورون تحت العرش بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل.

стр. 3350

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة يونس ﵇ مكية وهي مائة وتسع آيات. تسميتها: سميت «سورة يونس» لذكر قصة نبي الله يونس فيها، وهي قصة مثيرة، سواء بالنسبة لشخصه الذي تعرض لالتقام الحوت له، أو بالنسبة لما اختص به قومه من بين سائر الأمم، برفع الله العذاب عنهم حين آمنوا وتابوا بصدق. موضوعها: تتميز بالكلام عن الأهداف الكبرى لرسالة القرآن وهي إثبات التوحيد لله وهدم الشرك، وإثبات النبوة والبعث والمعاد، والدعوة للإيمان بالرسالات السماوية وخاتمتها القرآن العظيم، وهي موضوعات السور المكية عادة. مناسبتها لما قبلها: ختمت سورة التوبة السابقة بذكر صفات الرسول ﷺ ، وبدئت هذه السورة بتبديد الشكوك والأوهام نحو إنزال الوحي على الرسول ﷺ ، للتبشير والإنذار، وكانت أغلبية آيات السورة المتقدمة في أحوال المنافقين وموقفهم من القرآن، وهذه في أحوال الكفار والمشركين وقولهم في القرآن. فالاتصال بالسورة المتقدمة واضح، فقد ذكرت أوصاف الرسول ﷺ التي تستدعي الإيمان به، ثم

стр. 3351

ذكر هنا الكتاب الذي أنزل، والنبي الذي أرسل، وأن شأن الضالين التكذيب بالكتب الإلهية. ويلاحظ أنه لا يشترط وجود تناسب واضح بين السور ولا بين الآيات في ضمن السورة الواحدة، فقد تتعدد الأغراض والانتقال من العقيدة إلى العبادة إلى الأخلاق والأمثال والقصص وأحكام السلوك والمعاملات، وذلك أسلوب خاص بالقرآن لاجتذاب الأنفس حين التلاوة والبعد عن السأم والملل، وقد أصبح هذا الأسلوب هو المرغوب فيه شعبيا كما يظهر في الإقبال على الروايات وأساليب العرض القصصي والتمثيليات، لشد انتباه المشاهدين والقارئين والسامعين، من خلال المفاجآت والاستطرادات وتحليل بعض القضايا الجانبية. فقد يكون هناك تناسب بين السور، كسور الطواسين وحواميم وسورتي المرسلات والنبأ، وقد يوجد فاصل بينهما كسورتي الهمزة واللهب مع أن موضوعهما واحد. ما اشتملت عليه السورة: سورة يونس تتحدث عن الرسالات الإلهية، والألوهية وصفات الإله، والنبوة وقصص بعض الأنبياء، وموقف المشركين من القرآن، والبعث والمعاد. ١ - بدأت السورة بتقرير سنة الله في خلقه بإرسال رسول لكل أمة، وختم الرسل بالنبي ﷺ ، مما لا يستدعي عجب المشركين من بعثته: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ [٢]. ٢ - ثم تحدثت عن إثبات وجود الإله من طريق آثاره في الكون: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ.﴾. الآيات. ثم التذكير بمصير الخلائق إليه بالبعث والجزاء: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً.﴾. وانقسام البشر إلى

стр. 3352

مؤمنين وكفار وجزاء كل منهم. وإنذار الجاحدين بإهلاك الأمم الظالمة: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا.﴾ .. ٣ - ثم أوضحت عقائد المشركين وذكرت خمس شبهات لمنكري النبوة والرسالة وناقشتهم نقاشا منطقيا مقنعا، وأثبتت أن القرآن كلام الله ومعجزة النبي الخالدة على مر الزمان: ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وأقامت الدليل على كونه من عند الله بتحدي المشركين وهم أمراء البيان وأساطين الفصاحة والبلاغة أن يأتوا بسورة من مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ..﴾. وذكرت موقف المشركين من القرآن: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ..﴾ .. ٤ - ثم ذكرت آثار القدرة الإلهية الباهرة التي تدل على عظمة الله وضرورة الإيمان به، لأنه مصدر الحياة والرزق والنعم: ﴿قُلْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، فَسَيَقُولُونَ: اللهُ، فَقُلْ: أَفَلا تَتَّقُونَ؟!﴾. ٥ - ثم تناولت بإيجاز للعبرة والعظة وتقرير صدق القرآن قصص بعض الأنبياء، كقصة نوح ﵇ في تذكير قومه، وقصة موسى ﵇ مع فرعون، واستعانة فرعون بالسحرة لإبطال دعوة موسى، وشأن موسى مع قومه، ودعائه على فرعون، ونجاة بني إسرائيل، وغرق فرعون في البحر، وقصة يونس ﵇ مع قومه، فصار المذكور في هذه السورة ثلاث قصص. ٦ - ختمت السورة بما أشارت إليه في الآية [٥٧]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو اتباع رسالة القرآن وشريعة الله، لما فيها من خير وصلاح للإنسان: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ.﴾. ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ، وَاصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ،

стр. 3353

وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾. ذكر البيضاوي حديثا عن النبي ﷺ : «من قرأ سورة يونس أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بيونس ومن كذب به، وبعدد من غرق مع فرعون»، والظاهر أنه غير صحيح. قضية إنزال الوحي إلى النبي ﷺ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾ الإعراب: ﴿تِلْكَ آياتُ﴾ مبتدأ وخبر، أي تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب الحكيم. والمراد من ﴿تِلْكَ﴾: هذه أي هذه آيات الكتاب ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا﴾ أن وما بعدها في تأويل المصدر في موضع رفع اسم ﴿كانَ﴾، و ﴿عَجَباً﴾ خبره، واللام في ﴿لِلنّاسِ﴾ متعلقة بمحذوف، لأنه صفة لعجب، فلما تقدم صار حالا، لأن صفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصبت على الحال. ولا يجوز أن تتعلق اللام بكان، لأنها لمجرد الزمان، ولا تدل على الحدث الذي هو المصدر، فضعفت. ﴿أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ ﴿كانَ﴾: هي المفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، وأصله: أنه أنذر أن لهم الباء معه محذوف. البلاغة: ﴿الْحَكِيمِ﴾ بمعنى مفعول، أي الحكم الذي لا فساد فيه ولا نقص. ﴿أَنْذِرِ.﴾. ﴿وَبَشِّرِ﴾ بينهما طباق. ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا﴾ استفهام معناه التقرير والتوبيخ.

стр. 3354

﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي سابقة وفضلا ومنزلة رفيعة. وإضافة قدم إلى صدق دلالة على زيادة فضل وأنه من السوابق العظيمة، ففي ذلك غاية البلاغة؛ لأن بالقدم يكون السبق والتقدم، كما سميت النعمة يدا، لأنها تعطى بها. وجاء في القرآن: ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر ٥٥/ ٥٤]، و ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء ٨٠/ ١٧]، و ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء ٨٠/ ١٧]، و ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس ٢/ ١٠]. المفردات اللغوية: ﴿الر﴾ تقرأ هكذا: ألف، لام، را. والحروف المقطعة في أوائل السور وتعديدها يقصد به التحدي، والإشارة إلى أن هذا القرآن كلام مكون من الحروف العربية المألوفة غير الغريبة على العرب، فما لهم عجزوا عن محاكاته؟ مما يدل على كونه كلام الله. أو هي أداة استفتاح وتنبيه لما سيلقى بعدها. ﴿تِلْكَ﴾ أي هذه الآيات ﴿آياتُ الْكِتابِ﴾ القرآن العظيم، والإضافة بمعنى من ﴿الْحَكِيمِ﴾ المحكم، أي هذه آيات القرآن المحكم المبين. ﴿أَكانَ لِلنّاسِ﴾ أي أهل مكة، استفهام إنكار ﴿أَنْ أَوْحَيْنا﴾ أي إيحاؤنا، والوحي: إعلام خفي ﴿إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ محمد ﷺ ﴿أَنْذِرِ﴾ خوّف، والإنذار: الإخبار بما فيه تخويف ﴿النّاسَ﴾ الكافرين بالعذاب ﴿وَبَشِّرِ﴾ التبشير: إعلام مقترن بالبشارة بحسن الجزاء أو الثواب ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أي سابقة وفضلا ومنزلة رفيعة عند ربهم بما قدموه من الأعمال، سميت قدما، لأن السعي إلى هذه الفضائل بالقدم، كما سميت النعمة يدا، وإضافتها للصدق للتحقق. والصدق يكون في الاعتقاد والأقوال والأفعال وسائر الفضائل. ﴿إِنَّ هذا﴾ الكتاب وما جاء به محمد ﴿لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ بيّن واضح ظاهر، والسحر: شيء مؤثر في النفوس بدون أن يكون له حقيقة. سبب النزول: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدا رسولا، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر ذلك منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فأنزل الله: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً﴾ الآية. وأنزل: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً﴾ الآية [يوسف ١٠٩/ ١٢ ومواضع أخرى]، فلما كرر الله عليهم الحجج قالوا: وإذا كان بشرا فغير محمد كان أحق بالرسالة: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى

стр. 3355

رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣] يكون أشرف من محمد، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف، فأنزل الله ردا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ الآية [الزخرف ٣٢/ ٤٣]. التفسير والبيان: ﴿الر﴾: تقرأ هذه الحروف الثلاثة هكذا: ألف، لام، را، والقصد منها التنبيه إلى ما يتلى بعدها ليعتني المرء بفهم ما يسمع أو يقرأ، وتعديد الحروف على طريق التحدي، كما مر في أول سورة البقرة. تلك آيات القرآن المحكم، أو ذات الحكمة لا لاشتماله عليها، أو تلك آيات السورة الحكيمة، التي أحكمها الله وبينها لعباده، كما قال تعالى: ﴿الر، كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي أحكمت معانيه ومبانيه. والأولى بالصواب كما ذكر القرطبي أن المراد القرآن، لأن الحكيم من نعت القرآن، كما دل قوله تعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾. والحكيم: المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام. ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ ينكر الله تعالى على من تعجب من الكفار على إرسال المرسلين من البشر، أي عجيب أمر بعض الناس الذي ينكرون إيحاءنا إلى رجل من جنسهم من البشر، كأن الاشتراك في البشرية تحول دون الإرسال، وكأنهم يريدون رسولا من غير جنسهم، كما قال تعالى في آيات أخرى حكاية عنهم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن ٦/ ٦٤] ﴿أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء ٩٤/ ١٧] ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت ١٤/ ٤١] وقال هود وصالح لقومهما: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف ٦٣/ ٧]. قال ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمدا ﷺ رسولا أنكرت العرب ذلك،

стр. 3356

أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد، فأنزل الله : ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً﴾. هذا التعجب في غير محله، إذ أن كل الرسل كانوا بشرا: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٩/ ٦] وردد الله هذا المعنى في آيات كثيرة منها: ﴿قُلْ: لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ، لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ [الإسراء ٩٥/ ١٧]. فإرسال الرسول من جنس المرسل إليهم أدعى إلى قبول دعوته، والتفاهم معه. وأما اختيار أحد هؤلاء البشر فالله أعلم من هو أولى للرسالة وأحق بالاصطفاء والاختيار: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ﴾ [الحج ٧٥/ ٢٢]، ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ٣١/ ٦]. أما معايير البشر فهي خطأ، مثل كون محمد ﷺ يتيم أبي طالب، إذ قال القرشيون: العجب أن الله تعالى لم يجد رسولا إلا يتيم أبي طالب، أو أنه فقير، وهم يريدون كونه غنيا مترفا وزعيما مرموقا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣] وهم يعنون إما الوليد بن المغيرة من مكة، أو مسعود بن عمرو الثقفي من الطائف. ومهمة هذا النبي الموحي إليه هي الإنذار من النار: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ أي أوحينا إليه بأن أنذر الناس وخوفهم من عذاب النار يوم البعث، إذا ظلوا كافرين ضالين عاصين، كما قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ، فَهُمْ غافِلُونَ﴾ [يس ٦/ ٣٦] وبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم قدم صدق عند ربهم، أي سابقة وفضلا ومنزلة رفيعة عند الله في جنات النعيم، وأجرا حسنا بما قدموا. والأعمال الصالحة: هي صلاتهم وصومهم وصدقهم في القول والفعل وتسبيحهم.

стр. 3357

والإنذار والتبشير هما من أخص صفات النبي ﷺ ، وقد صرح القرآن بهما في آيات كثيرة مثل: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ، وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ [الكهف ٢/ ١٨] ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [الأحزاب ٤٥/ ٣٣]. وفي الكلام حذف يدل الظاهر عليه تقديره: ومع أنا بعثنا إليهم رسولا منهم، رجلا من جنسهم، بشيرا ونذيرا، ﴿قالَ الْكافِرُونَ: إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي قال المنكرون المكذبون رسالته: إن محمدا ساحر ظاهر. وعلى قراءة: ﴿إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ معناه إن هذا القرآن سحر ظاهر بيّن. وعلى أي حال فإنهم وصفوا القرآن وصاحبه المنزل عليه بالسحر وكونه الساحر، وهم الكاذبون في ذلك. ووصفوه بالسحر لما رأوا من تأثيره القوي في القلوب، والسحر عندهم يطلق على كل فعل غريب خارق للعادة، لا يعرف له سبب، مؤثر في النفوس، جذاب يلفت الأنظار. ثم تبيّن لعقلاء العرب وحكمائهم أن القرآن ليس سحرا، لأنهم جربوا السحر وعرفوه، فلم يجدوه مطابقا له، لأن السحر علم يعتمد إما على الحيل والشعوذة، أو على خواص بعض الأشياء الطبيعية، أو على علم النجوم، أو على دراسات نفسانية، والقرآن ليس من هذه الأشياء إطلاقا بالتجربة والحس والمشاهدة والموازنة، وإنما هو مغاير لها، وفوقها، لأنه وحي من عند الله على قلب نبيه، مشتمل على أحكام سامية عالية في التشريع والقضاء، والسياسة والاجتماع، والعلوم والأخلاق والآداب، معجز في أسلوبه ونظمه ومعانيه، يفوق قدرة البشر على محاكاته أو الإتيان بشيء من مثله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ، وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٤١/ ٤١ - ٤٢] ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً، مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ﴾

стр. 3358

﴿اللهِ، ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩]. فقه الحياة أو الأحكام: ١ - القرآن الكريم كتاب محكم واضح بيّن فيما اشتمل عليه من حلال وحرام وحدود وأحكام. ٢ - الإيحاء إلى رجل من البشر ليؤدي رسالة الله إلى الناس أمر طبيعي منطقي، ليس محل تعجب واستغراب، وإنما هو موافق للحكمة والعقل والواقع. ٣ - ليست مقومات اختيار الأنبياء بحسب معايير الناس ومفاهيمهم كالمال والغنى والثروة والجاه والزعامة، وإنما المعيار هو ما في علم الله جل وعز من كون النبي المصطفى هو الأهل الأكفاء الأجدر بتحمل أعباء الرسالة، والأوفق لتحقيق المصلحة وتبليغ الوحي إلى الناس. ٤ - مهمة الرسول هي الإنذار والتبشير، إنذار من عصاه بالنار، وتبشير من أطاعه بالجنة. وله خصائص أخرى مثل ما أخبر النبي ﷺ في الصحاح عن نفسه أنه قال: «لي خمسة أسماء. أنا محمد وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب: أي آخر الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠/ ٣٣]. ٥ - لا يملك الضعيف أو الخاسر المفلس سوى الاتهام الرخيص الكاذب الذي لا فائدة منه، لذا قال الكافرون: إن هذا أي الرسول ﷺ لساحر مبين، أو إن هذا القرآن لسحر مبين، بحسب القراءتين، فوصف الكفار القرآن بكونه سحرا يدل كما قال الرازي على عظم محل القرآن عندهم، وكونه معجزا، وأنه تعذر عليهم فيه المعارضة، فاحتاجوا إلى هذا الكلام الذي ذكروه في معرض الذم، على

стр. 3359

ما يظهر، وأرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر، ولكنه باطل في الحقيقة، ولا حاصل له، أو ذكروه في معرض المدح، وأرادوا به أنه لكمال فصاحته وتعذر مثله، جار مجرى السحر. الله خالق السموات والأرض وعلى الخلق عبادته ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ المفردات اللغوية: ﴿خَلَقَ﴾ الخلق: التقدير والإيجاد ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ أي في قدر أيام الدنيا؛ لأنه لم يكن ثمّ شمس ولا قمر، ولو شاء لخلقهن في لحظة، ولكنه عدل عن ذلك لتعليم خلقه التثبت. واليوم لغة: الوقت الذي يحده حدث يحدث فيه. ﴿الْعَرْشِ﴾ مركز تدبير المخلوقات، ولا نعلم حقيقته، والاستواء على العرش شيء يليق به تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ بين الخلائق، والتدبير: النظر في عواقب الأمر لإيقاعها على النحو المناسب محمودة العاقبة ﴿شَفِيعٍ﴾ يشفع لأحد ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ رد لقولهم إن الأصنام تشفع لهم ﴿ذلِكُمُ﴾ الخالق المدبر ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وحده. المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحي والبعثة والرسالة، ورد عليهم تعجبهم بأنه من الممكن الإيحاء إلى رجل يبشر على الأعمال الصالحة بالثواب، وعلى الأعمال الفاسدة بالعقاب، ذكر تعالى أمرين: الأول هنا: إثبات أن لهذا العالم إلها قادرا نافذ الحكم بالأمر والنهي. والثاني في الآية التالية: إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة، ليحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر بهما الأنبياء.

стр. 3360

التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أنه رب العالم جميعه، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أزمنة أو أيام، قيل: كأيام الدنيا وهو قول الجمهور وهو الصواب، وقيل: كل يوم كألف سنة مما تعدون، والأصح عند جماعة أنه تعالى خلق الكون سماءه وأرضه في زمن لا يعلم مقداره إلا هو. واليوم في اللغة هو الجزء من الزمن. ثم استوى على العرش استواء يليق بعظمته وجلاله، ولا يعلمه إلا هو، والعرش هو كرسيه أو مركز تدبير الخلائق، وهو أعظم المخلوقات وسقفها، ولا يعلم أحد حقيقة العرش إلا هو . والله تعالى في استوائه على العرش يدبر أمر الخلائق والملكوت بما يتفق مع حكمته وعلمه، ويقدر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته. وإذا كان الله الرب خالق الأكوان وفاطر السموات والأرض على هذا النظام البديع المحكم، فيمكنه ولا يستبعد عنه أن يوحي بشيء من علمه على بشر من خلقه، ليهدي الناس إلى سواء السبيل، فذلك مظهر من مظاهر قدرته وإرادته، فيجب على منكري النبوة الإيمان بهذا الوحي وتصديق صاحبه وتأييده بكل ما جاء به. ولله تعالى أيضا السلطان المطلق يوم القيامة في حساب الخلائق، فلا يستطيع شفيع أن يشفع لأحد عنده تعالى إلا من بعد إذنه أي إرادته ومشيئته، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥/ ٢] وقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٣/ ٣٤] وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ [النجم ٢٦/ ٥٣] وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ، وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه ١٠٩/ ٢٠].

стр. 3361

وفي هذا رد واضح على عبدة الأصنام أو الملائكة أو البشر الذين يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، كما قال تعالى عن عبدة الأصنام: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر ٣/ ٣٩]. وفيه أيضا إثبات الشفاعة لمن أذن له الله الرحمن. ذلكم الله، أي الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية من الخلق والتقدير والحكمة والتدبير والتصرف في الشفاعة، هو ربكم المتولي شؤونكم، لا غيره؛ إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك. فاعبدوه، أي أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، أفلا تذكرون، أي أفلا تتفكرون أدنى تفكر في أمركم أيها المشركون، فينبهكم على أنه المستحق للربوبية والعبادة، لا ما تعبدونه من الآلهة، وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ؟ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف ٨٧/ ٤٣] وقوله: ﴿قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلّهِ، قُلْ: أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون ٨٦/ ٢٣ - ٨٧]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزمر ٣٨/ ٣٩]. فلقد كان العرب يؤمنون بوحدة الربوبية، كما فهم من الآيات المذكورة، ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية، لذا قال تعالى: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾. ثم دعاهم تعالى إلى التفكر بقوله ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي أتجهلون فلا تتذكرون أن الله هو خالق السموات والأرض، فتستدلوا بها عليه؟! فقه الحياة أو الأحكام: تدل هذه الآية على ما يأتي: ١ - إثبات الألوهية أو وجود الله بإثبات صفة الخلق لله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾.

стр. 3362

٢ - كون خلق السموات والأرض في ستة أيام، لتعليم الخلق التثبت في الأمور، مع أنه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقل من لمح البصر. ٣ - اتفق المسلمون على أن فوق السموات جسما عظيما هو العرش، الله أعلم به، وبكيفية استوائه عليه. ٤ - إن الله وحده هو الذي يدبر الخلائق بمقتضى حكمته، لا يشركه في تدبيرها أحد، وتدبيره للأشياء وصنعه لها، لا يكون بشفاعة شفيع وتدبير مدبر. ٥ - لا شفاعة لأحد-نبي ولا غيره-يوم القيامة إلا بإذن الله تعالى؛ لأنه تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب. وهذا رد على الكفار في قولهم فيما عبدوه من دون الله: ﴿هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ [يونس ١٨/ ١٠] فأعلمهم الله أن أحدا لا يشفع لأحد إلا بإذنه، فكيف بشفاعة أصنام لا تعقل؟! ٦ - إن الله الذي فعل هذه الأشياء من خلق السموات والأرض هو ربكم لا رب لكم غيره، فهو وحده الذي يستحق العبادة بإخلاص له. ٧ - قوله: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ دال على وجوب التفكر في تلك الدلائل القاهرة الباهرة، وأن التفكر في مخلوقات الله تعالى والاستدلال بها على عظمته أعلى مراتب التفكير وأكملها. إثبات البعث والجزاء ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾

стр. 3363

الإعراب: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم ﴿جَمِيعاً﴾ حال منصوب. ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ مصدران منصوبان بفعلهما المقدر، أي وعد الله ذلك وعدا وحققه. المفردات اللغوية: ﴿إِلَيْهِ﴾ تعالى ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ أي بدأه بالإنشاء ﴿حَقًّا﴾ صدقا لا خلف فيه ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بالبعث ﴿لِيَجْزِيَ﴾ يثيب ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿حَمِيمٍ﴾ ماء شديد الحرارة ﴿وَعَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي بسبب كفرهم. التفسير والبيان: أثبت الله تعالى في الآية السابقة وجوده ووحدانيته المقتضية توحيده الخالص في العبادة، وهنا يثبت أمرا آخر مهما في الإسلام وهو البعث والجزاء. يخبر الله تعالى أن إليه وحده مرجع الخلائق يوم القيامة، بعد الموت، لا يترك أحدا منكم أبدا، ووعد الله ذلك وعدا حقا ثابتا لا خلف فيه. ثم ذكر أنه تعالى كما بدأ الخلق وأنشأه حين التكوين، كذلك يعيده في النشأة الأخرى، والإعادة أهون من البدء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ، ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧/ ٣٠]. أما البدء فمشاهد بلا نزاع، ولكن البشر لم يستطيعوا إلى الآن معرفة النشأة الأولى والقوة الموجدة للحركة في المادة. وأما الإعادة فيتوقع العلماء خراب العالم، لكن بعضهم ينكر البعث والجزاء، ولكن القرآن أقام الدليل عليه بأن القادر على البدء والتكوين، قادر على إعادة الحياة مرة أخرى بعد الموت والفناء. والهدف من الإعادة حساب الخلق بالعدل: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي

стр. 3364

ليجازي المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسله وما أنزل إليهم، وعملوا الأعمال الطيبة الصالحة، بالعدل والجزاء الأوفى، فيعطي كل عامل ما يستحقه من الثواب: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١]. والجزاء بالعدل لا يمنع التفضل بمضاعفة أجر المحسنين، كما قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر ٣٠/ ٣٥] وقال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس ٢٦/ ١٠] فالحسنى جزاء، والزيادة فضل من الله وإحسان. وأما الذين كفروا بالله ورسله وأنكروا البعث، وتعجبوا من الإيحاء إلى بشر ينذرهم ويبشرهم، فلهم من الجزاء شراب ساخن شديد الحرارة يقطع الأمعاء ويشوي البطون، بئس الشراب شرابهم، ولهم أيضا يوم القيامة عذاب موجع مؤلم أشد الألم بسبب كفرهم، من سموم وحميم وظل من يحموم: ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ [ص ٥٧/ ٣٨ - ٥٨] ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ. يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن ٤٣/ ٥٥ - ٤٤]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى ما يأتي: ١ - إثبات المعاد (البعث) والحشر والنشر، بدليل أنه تعالى قادر على كل شيء، فهو الذي بدأ الخلق، وهو الذي يعيده: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف ٢٩/ ٧] فالله قادر على أن يخلقنا ابتداء من غير مثال سبق، فلأن يكون قادرا على إيجادنا مرة أخرى، مع سبق الإيجاد الأول، كان أولى وأهون. ٢ - الجزاء ثابت على الأعمال، أما جزاء المؤمنين الصالحين فهو مقصود

стр. 3365

بالذات، بدليل تعليل الرجوع إليه تعالى بأنه للجزاء: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأن العدل يقضي بتقديم المقابل على العمل الصالح، وهو جزاء حسن لا يعادل بالعمل المبذول، بل هو أفضل وأرقى وأكمل منه بكثير، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧/ ٣٢] وروى البخاري حديثا قدسيا: «أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وأما جزاء الكافرين على كفرهم فليس من مقاصد خلق الإنسان، وإنما اقتضاه العدل والعقل، للتمييز بين المحسنين والمسيئين، وبين الأبرار والفجار، وبين المؤمنين والكفار، لأننا نرى الكفار والفساق في الدنيا في أعظم الراحات أحيانا، ونرى العلماء والصالحين ضد ذلك، فهل يعقل أن يتساوى العامل مع العاطل، والمحسن مع المسيء؟! قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [ص ٢٨/ ٣٨] فثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى، لإقامة العدل بين الخلائق. ودلت الآية أيضا على أنه لا واسطة بين أن يكون المكلف مؤمنا، وبين أن يكون كافرا؛ لأنه تعالى اقتصر في هذه الآية على ذكر هذين القسمين. والخلاصة: أثبت تعالى البعث والحشر والنشر بناء على أنه لا بد من إثابة أهل الطاعة، وعقوبة أهل الكفر والمعصية، وأن الحكمة تقتضي تمييز المحسن عن المسيء.
следующие страницы →