← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

وفي هذا رد واضح على عبدة الأصنام أو الملائكة أو البشر الذين يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، كما قال تعالى عن عبدة الأصنام: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر ٣/ ٣٩]. وفيه أيضا إثبات الشفاعة لمن أذن له الله الرحمن. ذلكم الله، أي الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية من الخلق والتقدير والحكمة والتدبير والتصرف في الشفاعة، هو ربكم المتولي شؤونكم، لا غيره؛ إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك. فاعبدوه، أي أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، أفلا تذكرون، أي أفلا تتفكرون أدنى تفكر في أمركم أيها المشركون، فينبهكم على أنه المستحق للربوبية والعبادة، لا ما تعبدونه من الآلهة، وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ؟ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف ٨٧/ ٤٣] وقوله: ﴿قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلّهِ، قُلْ: أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون ٨٦/ ٢٣ - ٨٧]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزمر ٣٨/ ٣٩]. فلقد كان العرب يؤمنون بوحدة الربوبية، كما فهم من الآيات المذكورة، ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية، لذا قال تعالى: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾. ثم دعاهم تعالى إلى التفكر بقوله ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي أتجهلون فلا تتذكرون أن الله هو خالق السموات والأرض، فتستدلوا بها عليه؟! فقه الحياة أو الأحكام: تدل هذه الآية على ما يأتي: ١ - إثبات الألوهية أو وجود الله بإثبات صفة الخلق لله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾.

стр. 3362

٢ - كون خلق السموات والأرض في ستة أيام، لتعليم الخلق التثبت في الأمور، مع أنه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقل من لمح البصر. ٣ - اتفق المسلمون على أن فوق السموات جسما عظيما هو العرش، الله أعلم به، وبكيفية استوائه عليه. ٤ - إن الله وحده هو الذي يدبر الخلائق بمقتضى حكمته، لا يشركه في تدبيرها أحد، وتدبيره للأشياء وصنعه لها، لا يكون بشفاعة شفيع وتدبير مدبر. ٥ - لا شفاعة لأحد-نبي ولا غيره-يوم القيامة إلا بإذن الله تعالى؛ لأنه تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب. وهذا رد على الكفار في قولهم فيما عبدوه من دون الله: ﴿هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ [يونس ١٨/ ١٠] فأعلمهم الله أن أحدا لا يشفع لأحد إلا بإذنه، فكيف بشفاعة أصنام لا تعقل؟! ٦ - إن الله الذي فعل هذه الأشياء من خلق السموات والأرض هو ربكم لا رب لكم غيره، فهو وحده الذي يستحق العبادة بإخلاص له. ٧ - قوله: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ دال على وجوب التفكر في تلك الدلائل القاهرة الباهرة، وأن التفكر في مخلوقات الله تعالى والاستدلال بها على عظمته أعلى مراتب التفكير وأكملها. إثبات البعث والجزاء ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾

стр. 3363

الإعراب: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم ﴿جَمِيعاً﴾ حال منصوب. ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ مصدران منصوبان بفعلهما المقدر، أي وعد الله ذلك وعدا وحققه. المفردات اللغوية: ﴿إِلَيْهِ﴾ تعالى ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ أي بدأه بالإنشاء ﴿حَقًّا﴾ صدقا لا خلف فيه ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بالبعث ﴿لِيَجْزِيَ﴾ يثيب ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿حَمِيمٍ﴾ ماء شديد الحرارة ﴿وَعَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي بسبب كفرهم. التفسير والبيان: أثبت الله تعالى في الآية السابقة وجوده ووحدانيته المقتضية توحيده الخالص في العبادة، وهنا يثبت أمرا آخر مهما في الإسلام وهو البعث والجزاء. يخبر الله تعالى أن إليه وحده مرجع الخلائق يوم القيامة، بعد الموت، لا يترك أحدا منكم أبدا، ووعد الله ذلك وعدا حقا ثابتا لا خلف فيه. ثم ذكر أنه تعالى كما بدأ الخلق وأنشأه حين التكوين، كذلك يعيده في النشأة الأخرى، والإعادة أهون من البدء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ، ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧/ ٣٠]. أما البدء فمشاهد بلا نزاع، ولكن البشر لم يستطيعوا إلى الآن معرفة النشأة الأولى والقوة الموجدة للحركة في المادة. وأما الإعادة فيتوقع العلماء خراب العالم، لكن بعضهم ينكر البعث والجزاء، ولكن القرآن أقام الدليل عليه بأن القادر على البدء والتكوين، قادر على إعادة الحياة مرة أخرى بعد الموت والفناء. والهدف من الإعادة حساب الخلق بالعدل: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي

стр. 3364

ليجازي المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسله وما أنزل إليهم، وعملوا الأعمال الطيبة الصالحة، بالعدل والجزاء الأوفى، فيعطي كل عامل ما يستحقه من الثواب: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١]. والجزاء بالعدل لا يمنع التفضل بمضاعفة أجر المحسنين، كما قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر ٣٠/ ٣٥] وقال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس ٢٦/ ١٠] فالحسنى جزاء، والزيادة فضل من الله وإحسان. وأما الذين كفروا بالله ورسله وأنكروا البعث، وتعجبوا من الإيحاء إلى بشر ينذرهم ويبشرهم، فلهم من الجزاء شراب ساخن شديد الحرارة يقطع الأمعاء ويشوي البطون، بئس الشراب شرابهم، ولهم أيضا يوم القيامة عذاب موجع مؤلم أشد الألم بسبب كفرهم، من سموم وحميم وظل من يحموم: ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ [ص ٥٧/ ٣٨ - ٥٨] ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ. يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن ٤٣/ ٥٥ - ٤٤]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى ما يأتي: ١ - إثبات المعاد (البعث) والحشر والنشر، بدليل أنه تعالى قادر على كل شيء، فهو الذي بدأ الخلق، وهو الذي يعيده: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف ٢٩/ ٧] فالله قادر على أن يخلقنا ابتداء من غير مثال سبق، فلأن يكون قادرا على إيجادنا مرة أخرى، مع سبق الإيجاد الأول، كان أولى وأهون. ٢ - الجزاء ثابت على الأعمال، أما جزاء المؤمنين الصالحين فهو مقصود

стр. 3365

بالذات، بدليل تعليل الرجوع إليه تعالى بأنه للجزاء: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأن العدل يقضي بتقديم المقابل على العمل الصالح، وهو جزاء حسن لا يعادل بالعمل المبذول، بل هو أفضل وأرقى وأكمل منه بكثير، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧/ ٣٢] وروى البخاري حديثا قدسيا: «أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وأما جزاء الكافرين على كفرهم فليس من مقاصد خلق الإنسان، وإنما اقتضاه العدل والعقل، للتمييز بين المحسنين والمسيئين، وبين الأبرار والفجار، وبين المؤمنين والكفار، لأننا نرى الكفار والفساق في الدنيا في أعظم الراحات أحيانا، ونرى العلماء والصالحين ضد ذلك، فهل يعقل أن يتساوى العامل مع العاطل، والمحسن مع المسيء؟! قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [ص ٢٨/ ٣٨] فثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى، لإقامة العدل بين الخلائق. ودلت الآية أيضا على أنه لا واسطة بين أن يكون المكلف مؤمنا، وبين أن يكون كافرا؛ لأنه تعالى اقتصر في هذه الآية على ذكر هذين القسمين. والخلاصة: أثبت تعالى البعث والحشر والنشر بناء على أنه لا بد من إثابة أهل الطاعة، وعقوبة أهل الكفر والمعصية، وأن الحكمة تقتضي تمييز المحسن عن المسيء.

стр. 3366

إثبات القدرة الإلهية في الكون بالشمس والقمر واختلاف الليل والنهار ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ الإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ ضياء: مفعول به ثان لجعل. ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ الضمير إما راجع للشمس والقمر، ووحّد لكنه في معنى التثنية، اكتفاء بالمعلوم، لأن عدد السنين والحساب إنما يعرف بسير الشمس والقمر مثل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة ٦٢/ ٩]. وإما أن يكون الضمير راجعا إلى القمر وحده؛ لأن بسير القمر تعرف الشهور، والشهور المعتبرة في الشريعة هي الشهور القمرية، المبنية على رؤية الأهلة، وكذلك السنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة ٣٦/ ٩]. المفردات اللغوية: ﴿ضِياءً﴾ ذات ضياء أي نور ﴿نُوراً﴾ أي ذا نور، وسمي نورا للمبالغة، وهو أعم من الضوء. وقيل: ما بالذات ضوء، وما بالاكتساب من غيره نور، وقد نبه تعالى بذلك على أنه خلق الشمس نيّرة في ذاتها، والقمر نيرا بالاكتساب من الشمس ﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ الضمير لكل واحد من الشمس والقمر، أي قدر مسير كل واحد منهما منازل أو قدر القمر ذا منازل، والتقدير: جعل الأشياء على مقادير مخصوصة، والمنازل: مكان النزول ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ أى لتعلموا بذلك حساب الأوقات من السنين والأشهر والأيام في معاملاتكم وتصرفاتكم ﴿ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ﴾ المذكور إلا خلقا ملتبسا بالحق، مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة، لا عبثا. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يتدبرون، فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها.

стр. 3367

﴿فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان ﴿وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ﴾ من ملائكة وشمس وقمر ونجوم وغير ذلك ﴿وَالْأَرْضِ﴾ وفي الأرض من حيوان وجبال وبحار وأنهار وأشجار وغيرها ﴿لَآياتٍ﴾ دلالات على قدرته تعالى ووجوده ووحدته وكمال علمه وقدرته. ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ يتقون عواقب الأمور، فيؤمنون، لأن ذلك يحملهم على التفكر والتدبر، وخصهم بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بها. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى الأدلة على إثبات الألوهية والتوحيد، والبعث، من خلق السموات والأرض، خصص بالذكر للتأكيد أحوال الشمس والقمر الدالة على التوحيد من جهة الخلق والإيجاد، وعلى إثبات المعاد من جهة كونهما أداة لمعرفة السنين والحساب، وذلك رصد للزمن الذي لا بد له من نهاية، وموت أهله، ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار، وما خلق الله في السموات والأرض. فصارت الأدلة على الألوهية والتوحيد أربعة: خلق السموات والأرض، وأحوال الشمس والقمر، والمنافع المترتبة على اختلاف الليل والنهار، وما خلق الله في السموات والأرض من حوادث وأحوال، كالأمطار والرعد والبرق، والزلازل والبراكين، والمد والجزر في البحار، وأحوال النبات والحيوان والمعادن. التفسير والبيان: الله ربكم هو الذي خلق السموات والأرض، وجعل الشمس في النهار ضياء للكون، ومصدرا للحياة وإشعاع الحرارة الضرورية للحياة، في النبات والحيوان، وجعل القمر نورا في الليل يبدد الظلمات، وقدر مسيره في فلكه منازل أو ذا منازل، ينزل كل ليلة في واحد منها، وهي ثمانية وعشرون منزلا معروفة لدى العرب، يرى القمر فيها بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس ٣٩/ ٣٦].

стр. 3368

وتخصيص القمر بذكر منازله، إذا جعل الضمير عائدا إليه وحده، لسرعة سيره، ومعاينة منازله، وإناطة أحكام الشرع به، ولذلك علله بقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ أي يعرف به حساب الأوقات من الشهور والأيام والليالي، والفصول الأربعة، والحساب مطلوب لضبط أوقات العبادة من صلاة وصيام وحج وزكاة ومعاملات وعقود. وإذا كان تقدير المنازل لكل من الشمس والقمر، فيعرف بهما حساب الأوقات، فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام. وقد حث الشرع على الانتفاع بالحساب الشمسي في نحو قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن ٥/ ٥٥] وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ، فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً، لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [الإسراء ١٢/ ١٧] وفي كل من الحساب الشمسي والقمري فوائد، فالحساب الشمسي ثابت، والحساب القمري أسهل على البدوي والحضري، فأنيطت به الأحكام الشرعية. ما خلق الله ذلك المذكور من الشمس والقمر إلا خلقا متلبسا بالحق الذي هو الحكمة البالغة، ولم يخلقه عبثا، بل له حكمة عظيمة في ذلك، وحجة بالغة، كقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً﴾ [ص ٢٧/ ٣٨] وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً، وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥/ ٢٣]. ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي يبين الله الآيات الكونية الدالة على عظمته وقدرته، والآيات القرآنية، لقوم يعلمون طرق الدلالة على الخالق ومنافع الحياة، ويميزون بين الحق والباطل. إن في اختلاف الليل والنهار أي في تعاقبهما، إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا

стр. 3369

ذهب هذا جاء هذا، لا يتأخر عنه شيئا، وفي طولهما وقصرهما بحسب اختلاف مواقع الأرض من الشمس، ومالهما من نظام دقيق، وما فيهما من برودة وحرارة، وكون الليل لباسا وسكنا والنهار معاشا. وإن ما خلق الله في السموات والأرض من أحوال الجماد والنبات والحيوان، وأحوال الرعود والبروق والسحب والأمطار، وأحوال البحار من مد وجزر، وأحوال المعادن من خواص وتركيب ونحو ذلك. إن في ذلك كله لآيات ودلائل دالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته وحكمته، وعظمته، وكمال علمه، لقوم يتقون مخالفة سنن الله في التكوين، وسننه في التشريع، فسنة الكون الحفاظ على الصحة، من خالفها مرض، وسنة الحياة الاستقامة، من أفسدها وخالفها، أساء لنفسه، وكل من لم يتق عقاب الله وسخطه وعذابه بارتكاب المعاصي ومخالفة السنن، عوقب على ذلك في الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: ١ - إن أحوال الشمس والقمر وما فيهما من فوائد، والمنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار، وكل ما خلق الله في السموات والأرض آيات دالة على وجود الله وتوحيده، وكمال قدرته وعظيم سلطانه، ولم يخلق الله ذلك إلا لحكمة وصواب، ومصلحة للإنسان. ٢ - وإن تقدير الشمس والقمر في منازل مفيد في التوقيت لمعرفة عدد السنين والحساب. قال السيوطي: هذه الآية أصل في علم المواقيت، والحساب، والتاريخ، ومنازل القمر.

стр. 3370

٣ - أودع سبحانه في أجرام الكواكب والأفلاك خواص معينة وقوى مخصوصة وفوائد وآثارا في هذا العالم، وإلا كان خلقها عبثا وباطلا وغير مفيد. ٤ - المستفيد من آيات الكون هم العلماء العقلاء، والمتقون الذين يخافون الله ويحذرون عقابه، والحذر يدعوهم إلى التدبر والنظر. المؤمنون والكافرون وجزاء كلّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاِطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)﴾ الإعراب: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ استئناف، أو خبر ثان، أو حال من الضمير المنصوب على المعنى الأخير. ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ خبر أو حال آخر منه أو من الأنهار، أو متعلق بتجري أو بيهدي. البلاغة: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ فيه التفات، مع الإضافة إلى ضمير الجلالة لتعظيم الأمر وتهويله. المفردات اللغوية: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يتوقعونه لإنكارهم للبعث، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها، واللقاء: الاستقبال والمواجهة. ﴿وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بدل الآخرة بإنكارهم لها وغفلتهم عنها. ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِها﴾ سكنوا إليها، وقصروا هممهم على لذائذها وزخارفها. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ أي تاركون النظر في دلائل وحدانيتنا، لا يتفكرون فيها، لأنهما كهم فيما يضادها.

стр. 3371

﴿مَأْواهُمُ﴾ ملجأهم الذي يأوون إليه وقد أطلق المأوى على الجنة في ثلاث آيات، وعلى النار في بضع عشرة آية. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الشرك والمعاصي. ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ يرشدهم. ﴿بِإِيمانِهِمْ﴾ بسبب إيمانهم، إلى سلوك سبيل يؤدي إلى الجنة، أو لإدراك الحقائق، كما قال ﵊ فيما أخرجه أبو نعيم عن أنس، والظاهر أنه ضعيف: «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم» أو لما يريدونه في الجنة، بأن يجعل لهم نورا يهتدون به يوم القيامة. ﴿دَعْواهُمْ فِيها﴾ طلبهم لما يشتهونه في الجنة، والدعوى: الدعاء، والدعاء للناس: النداء والطلب المعتاد بينهم، والدعاء لله: سؤاله الخير والرغبة فيما عنده، مع الشعور بالحاجة إليه. ودعاؤهم هنا أن يقولوا: ﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ أي تنزيها لك وتقديسا يا الله، فإذا ما طلبوه وجدوه عندهم. ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾ فيها بينهم، والتحية: التكرمة، بقولهم: حياك الله، أي أطال عمرك. ﴿سَلامٌ﴾ السلامة من كل مكروه. ﴿أَنِ الْحَمْدُ﴾ أن مفسرة. المناسبة: بعد أن أقام الله تعالى الدلائل على إثبات الإله ووجوده، وعلى إثبات البعث والجزاء على الأعمال يوم الحساب، ذكر حال من كفر به وأعرض عن أدلة وجوده ووحدانيته، وحال المؤمنين الذين عملوا الصالحات، ثم أوضح جزاء كل من الفريقين. التفسير والبيان: إن الذين لا يتوقعون لقاء الله في الآخرة للحساب والجزاء على الأعمال، لإنكارهم البعث، ورضوا بالحياة الدنيا بدل الآخرة؛ لغفلتهم عنها، واطمأنوا بها وسكنوا إليها وإلى شهواتها ولذائذها وزخارفها، وكانوا غافلين عن آيات الله الكونية والشرعية، فلا يتفكرون في الأولى، ولا يأتمرون بالثانية، أولئك المذكورون من الفريقين مثواهم ومقامهم النار وملجؤهم الذي يلجأون إليه، جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا مع كفرهم بالله ورسوله واليوم الآخر. وهذا الجزاء توضيح للجزاء السابق المذكور في الآية [٤]. وعطف ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ الذي يقتضي المغايرة إما لتغاير

стр. 3372

الوصفين، وإما لتغاير الفريقين، والمراد بالفريق الأول: من أنكر البعث ولم يرد إلا الحياة الدنيا وهم الماديون الملحدون، والمراد بالفريق الثاني: من ألهته الدنيا عن التأمل في الآخرة والإعداد لها. هذا جزاء الفريق الكافر وهم الأشقياء، أما جزاء الفريق المؤمن وهم السعداء فأخبرت الآية التالية عنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾ .. أي إن الذين آمنوا بالله وصدقوا برسله، وامتثلوا ما أمروا به، فعملوا الصالحات، ولم يغفلوا عن آيات الله في الكون والشريعة، يرشدهم ربهم بسبب إيمانهم إلى الصراط المستقيم الذي يؤدي بهم إلى الجنة التي تجري من تحتها الأنهار، ومن تحت غرفهم في جنات النعيم والخلد، وهذا مثل للتنعم والراحة والسعادة والانسجام في تلك المناظر الخلاّبة، التي تأخذ بمجامع القلوب، وتسرّ النفوس. ومفهوم الترتيب بين الإيمان والعمل الصالح، وإن دلّ على أن سبب الهداية هو الإيمان والعمل الصالح، لكن دلّ منطوق قوله: ﴿بِإِيمانِهِمْ﴾ على استقلال الإيمان بالسببية، وأن العمل الصالح كالتابع له والتتمة. ﴿دَعْواهُمْ..﴾. أي يبدءون دعاءهم وثناءهم على الله تعالى بهذه الكلمة: ﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ أي تنزيها وتقديسا لك يا الله، أو اللهم إنا نسبحك، وتحيتهم فيما بينهم ﴿سَلامٌ﴾ الدالة على السلامة من كل مكروه مثل قوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً، إِلاّ قِيلاً: سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة ٢٥/ ٥٦ - ٢٦]، وهي أيضا تحية المؤمنين في الدنيا، وهي كذلك تحية الله تعالى حين لقائه لأهل الجنة ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ: سَلامٌ﴾ [الأحزاب ٤٤/ ٣٣] وتحية الملائكة لهم عند دخول الجنة: ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر ٧٣/ ٣٩].

стр. 3373

وآخر دعائهم الذي هو التسبيح: الحمد لله رب العالمين، وهو أيضا أول ثناء على الله حين دخول الجنة: ﴿وَقالُوا: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ، وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ [الزمر ٧٤/ ٣٩] وهو كذلك آخر كلام الملائكة: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، وَقِيلَ: الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٥/ ٣٩]. قال ابن كثير: وفي هذا دلالة على أنه تعالى هو المحمود أبدا، المعبود على طول المدى، ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره، وعند ابتداء تنزيل كتابه، حيث يقول تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام ١/ ٦] ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ [الكهف ١/ ١٨]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الأحكام التالية: ١ - للكافرين الجاحدين عذاب النار بسبب ما اكتسبوا أو اقترفوا من الكفر والتكذيب والمعاصي. وقد وصفهم الله تعالى بصفات أربع هي: الأولى-إن الذين لا يرجون لقاءنا، أي لا يخافون عقابا ولا يرجون ثوابا. الثانية-ورضوا بالحياة الدنيا، أي رضوا بها عوضا من الآخرة، فعملوا لها. الثالثة-واطمأنوا بها، أي فرحوا بها وسكنوا إليها. الرابعة-والذين هم عن آياتنا غافلون، أي لا يعتبرون ولا يتفكرون بأدلتنا.

стр. 3374

٢ - للمؤمنين المحقين العاملين الأعمال الصالحة جنات النعيم، تجري من تحتهم أي من تحت بساتينهم أو أسرّتهم الأنهار، يمجدون فيها الله تعالى بقولهم: ﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ ويحمدون ربهم بقولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ والفرحة تغمرهم، والبهجة تملأ قلوبهم، والسعادة ترفرف بأجنحتها عليهم، تحية الله لهم، أو تحية الملك أو تحيتهم لبعضهم: سلام. ٣ - التسبيح والحمد والتهليل قد يسمّى دعاء، روى مسلم والبخاري عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السموات وربّ الأرض ورب العرش الكريم» قال الطبري: كان السلف يدعون بهذا الدعاء، ويسمّونه دعاء الكرب. وهذا الدعاء الصادر من أهل الجنة ليس بعبادة إذ لا تكليف في الجنة، إنما يلهمون به، فينطقون به تلذذا بلا كلفة. ٤ - من السنة لمن بدأ بالأكل أو الشرب أن يسمّي الله عند أكله وشربه، ويحمده عند فراغه، اقتداء بأهل الجنة. ورد في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، أو يشرب الشّربة، فيحمده عليها». ٥ - يستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه، كما قال أهل الجنة: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. ٦ - الإيمان والعمل الصالح طريق الإنسان إلى الجنة. والله يهدي أي يسدد ويرشد بسبب الإيمان إلى طريق الاستقامة المؤدي إلى الثواب على الأعمال. ويجوز أن يريد الله تعالى بقوله: ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ أي في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ [الحديد ١٢/ ٥٧] ومنه الحديث: «إن المؤمن إذا خرج من

стр. 3375

قبره، صوّر له عمله في صورة حسنة، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، والكافر إذا خرج من قبره، صوّر له عمله في صورة سيئة، فيقول: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار». وما على المؤمن إلا أن يستزيد من الأعمال الصالحة ليتبوأ مكانه في الجنة، إذ ليست الجنة بمجرد الاتصاف بالإسلام، أو بالتمنيات المعسولة، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء ١٢٣/ ٤ - ١٢٤] والنقير: قدر النّقرة في ظهر النواة. والإيمان: هو المعرفة والهداية المترتبة عليها. والمقصود: معرفة صفات الله تعالى، لا معرفة ذاته فذلك مستحيل. والأعمال الصالحة: عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس على ترك الدنيا وطلب الآخرة. والأعمال المذمومة ضدّ ذلك. استعجال الإنسان الخير دائما والشرّ حال الغضب ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اِسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾

стр. 3376

الإعراب: ﴿اِسْتِعْجالَهُمْ﴾ منصوب على المصدر، تقديره: استعجالا مثل استعجالهم. فحذف المصدر وصفته، وأقام ما أضيفت إليه الصفة مقامه. ﴿لِجَنْبِهِ﴾ في موضع نصب على الحال، وعامله ﴿دَعانا﴾ وقيل: العامل: مسّ، أي مسّ الإنسان مضطجعا أو قاعدا أو قائما، والأول أرجح. ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا﴾ مخففة من الثقلية واسمها محذوف أي كأنه، وحذف ضمير الشأن. البلاغة: ﴿الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ أي كاستعجالهم أو مثل استعجالهم، ففيه تشبيه مؤكد مجمل. وبين الشرّ والخير طباق. ووضع الاستعجال موضع التعجيل لهم بالخير إشعارا بسرعة إجابته لهم في الخير. المفردات اللغوية: ﴿يُعَجِّلُ﴾ يقدمه على وقته، والتعجيل: تقديم الشيء على وقته المقدر له. ﴿اِسْتِعْجالَهُمْ﴾ طلب التعجيل، قال العلماء: التعجيل من الله، والاستعجال من العبد. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ بأن يهلكم ولكن يمهلهم، وقضاء الأجل: انتهاؤه. ﴿فَنَذَرُ﴾ نترك. ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ الطغيان: مجاوزة الحد في الشر من كفر وظلم وعدوان. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون متحيرين. ﴿الضُّرُّ﴾ الشدة كالمرض والفقر والخطر. ﴿لِجَنْبِهِ﴾ أي مضطجعا ﴿أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً﴾ في كل حال. ﴿مَرَّ﴾ مضى في طريقته على كفره. ﴿كَذلِكَ﴾ أي كما زين له الدعاء عند الضر والإعراض عند الرخاء. ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ المشركين، والإسراف: تجاوز الحد. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى تعجب القوم من تخصيص محمد بالنبوة، ثم ذكر أدلة التوحيد والبعث، أبان هنا الجواب عن قول كانوا يقولونه: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا في ادعاء الرسالة، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، ومضمون الجواب: أنه لا مصلحة لهم في استعجالهم الشر وإلا ماتوا وهلكوا.

стр. 3377

وأما مضمون الجواب عن تعجبهم: فهو أني ما جئتكم إلا بالتوحيد والإقرار بالمعاد، وقد أقمت الأدلة على صحتها، فلا معنى للتعجب من نبوتي. التفسير والبيان: العجلة من طبائع الإنسان، فهو دائما يتعجل الخير؛ لأنه يحبه، ويتعجل الشّر حين الغضب والحماقة والضجر، فلو يعجل أو يسرع الله للناس إجابة دعائهم في حال الشر، كاستعجالهم تحقيق الخير، لأميتوا وأهلكوا، وذلك مثل استعجال مشركي مكة إنزال العذاب عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ، وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ [الرعد ٦/ ١٣] وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قالُوا: اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]. وسمى الله تعالى العذاب شرّا في هذه الآية؛ لأنه أذى في حق المعاقب، ومكروه عنده، كما أنه سماه سيئة في قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ.﴾. وفي قوله: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى ٤٠/ ٤٢]. ولكنه تعالى بحلمه ولطفه بعباده لا يستجيب لهم ويذرهم إمهالا لهم واستدراجا، فإنه لو أجابهم لانتهى أمرهم وهلكوا، كما هلك الذين كذبوا الرسل، وربما آمن به بعضهم، أما من عاند فيعاقبه الله بالقتل، كما قال تعالى: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ١٤/ ٩]. وأما عذاب سائر الكفار فنتركه إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي فنترك غير المتوقعين لقاءنا فيما هم فيه من طغيان الكفر والتكذيب، يترددون فيه متحيرين، ولا نعجل لهم في الدنيا عذاب الاستئصال تكريما للنبي ﷺ ، ونمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم، إلزاما للحجة عليهم.

стр. 3378

وكذلك اقتضت رحمته تعالى بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم بالشر، في حال الضجر والغضب؛ لأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك. روى أبو داود والحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة، فيستجيب لكم» وقال ﵊ أيضا: «إني سألت الله ألا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه». ومن عجلة الإنسان أيضا وضجره وقلقه أنه إذا أصابه الضرّ أي الشدة والألم من مرض أو فقر أو خطر: يدعو ربه بإلحاح في كشف ضره وإزالته، حالة كونه مضطجعا لجنبه، أو قاعدا أو قائما وفي جميع أحواله؛ لأن فائدة الترديد في القعود وغيره تعميم الدعاء لجميع الأحوال، فإذا فرّج الله شدته وكشف كربته، أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان به من ذلك شيء، ومضى في طريقه من الغفلة عن ربه والكفر به، كأنه لم يدع إلى شيء ولم يكشف الله عنه ضره. فقوله: ﴿إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أي إلى كشف ضر. وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت ٥١/ ٤١]، ثم قال تعالى: ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي مثل ذلك العمل القبيح المنكر أو التزيين وهو الذي حدث من اللجوء إلى الله تعالى وقت الشدة وتركه في الرخاء، زيّن للمشركين طغاة مكة وغيرهم ما كانوا يعملون من أعمال الشرك والإعراض عن القرآن والعبادات، واتباع الشهوات. والمراد بالإنسان في قوله: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ﴾ هو الكافر؛ لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة.

стр. 3379

وقوله: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً﴾ يراد به أحوال الدعاء. والمراد بالمزين في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ هو الشيطان أو النفس، أو الله تعالى. وسمي الكافر مسرفا في نفسه وماله ومضيعا لهما؛ لأنه في النفس جعلها عبدا للوثن، وفي المال فلأنه أضاعه فيما لا يفيد. والأصح كما قال القرطبي أن الآية تعم الكافر وغيره، وهذه صفة كثير من المخلطين الموحدين، إذا أصابته العافية، استمر على ما كان عليه من المعاصي. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الآتي: ١ - الله لطيف بعباده حليم رحيم بهم لا يستجيب دعاءهم على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم بالشر في حال الضجر والغضب، فلو عجل الله للناس العقوبة، كما يستعجلون الثواب والخير، لماتوا؛ لأنهم خلقوا في الدنيا خلقا ضعيفا، وذلك على عكس خلقهم يوم القيامة؛ لأنهم حينئذ يخلقون للبقاء. فالآية ذامّة خلقا ذميما في بعض الناس، يدعون في الخير، فيريدون تعجيل الإجابة، ثم يحملهم أحيانا سوء الخلق على الدعاء في الشرّ، فلو عجّل لهم لهلكوا. ومن حكمة الله تعالى أن آمن بالنبي ﷺ قومه العرب وآخرون من الأمم، ومن يكفر يعاقبه الله بالقتل أو يؤخره إلى يوم القيامة، وهذا معنى قوله: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ.﴾ .. ٢ - لا يعجل الله للناس الشر، فربما يتوب منهم تائب، أو يخرج من أصلابهم مؤمن. وقد رحم الله تعالى العالم كله بالنبي ﷺ ، فرفع عن الأمم عذاب الاستئصال؛ لأنه رحمة للعالمين. ٣ - الإنسان في جميع حالاته الاضطرارية لا يجد ملجأ أمامه سوى الله تعالى

стр. 3380

فيدعوه لكشف ما تعرض له من ضرّ، ولكنه سرعان ما ينسى ربه، ولا يكون وفيا لفضل الله عليه، فإذا نجا وكشف الله عنه الضر، استمر على كفره ولم يشكر ولم يتّعظ. ٤ - وكما زيّن للإنسان الدعاء عند البلاء، والإعراض عند الرخاء، زيّن للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي، وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله بخذلانه وتخليته، ويجوز أن يكون من الشيطان بوسوسته. وإضلال الشيطان: دعاؤه إلى الكفر. سنة الله في إهلاك الأمم الظالمة الكافرة واستخلاف خلائف بعدهم ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ الإعراب: ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ ﴿لَمّا﴾: ظرف لأهلكنا ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ اللام لتأكيد النفي. ﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ عطف على ﴿ظَلَمُوا﴾، أو حال من واو ﴿ظَلَمُوا﴾ بإضمار: قد. ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ كيف: معمول ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ومنصوب به. البلاغة: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على كمال جرمهم وأنهم أعلام فيه.

стр. 3381

﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ في النظر استعارة تمثيلية، حيث شبه حال العباد مع الله، بحال رعية مع حاكمها، في إمهالهم للنظر في أعمالهم، وأستعير المشبّه به للمشبه للتقريب والتمثيل، لكن ليس كمثل الله شيء. وأستعير لفظ النظر للعلم الحقيقي الذي لا يتطرق الشك إليه، وشبه هذا العلم بنطر الناظر وعيان المعاين. المفردات اللغوية: ﴿الْقُرُونَ﴾ الأمم، جمع قرن: وهم القوم المقترنون في زمان واحد. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يا أهل مكة وأمثالكم. ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ بالشرك والتكذيب. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ الدلالات الواضحات الدالة على صدقهم. ﴿كَذلِكَ﴾ مثل ذلك الجزاء: وهو إهلاكهم بسبب تكذيبهم للرسل وإصرارهم عليه بحيث تحقق أنه لا فائدة في إمهالهم. ﴿نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكافرين. ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ﴾ يا أهل مكة. ﴿خَلائِفَ﴾ جمع خليفة وهو من يخلف غيره في الشيء أي استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من يختبر. ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فيها، أتعملون خيرا أو شرا، فنعاملكم على مقتضى أعمالكم، وهل تعتبرون بالأمم السابقة، فتصدقوا رسلنا. وننظر: نشاهد ونرى. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى أنهم كانوا يتعجلون العذاب، وأوضح أنه لا فائدة في إجابة دعائهم، ثم ذكر أنهم كاذبون في هذا الطلب؛ إذ لو نزل بهم ضر، تضرعوا إلى الله تعالى في إزالته وكشفه، بيّن هنا ما يجري مجرى التهديد: وهو أنه تعالى قد ينزل بهم عذاب الاستئصال، كما أنزله في الأمم السابقة، ليكون ذلك رادعا لهم عن مطلبهم تعجيل العذاب. التفسير والبيان: يخاطب الله تعالى أهل مكة ويخبرهم بأنه أهلك كثيرا من الأمم قبلهم بسبب ظلمهم وتكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به من البينات والحجج الواضحات، كما قال: ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا، وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ [الكهف ٥٩/ ١٨] وهلاك تلك القرى والأمم بالظلم: إما بعذاب الاستئصال لأقوام

стр. 3382

الرسل الذين كذبوا بهم مثل قوم نوح وعاد وثمود، وإما بإضعافهم واستيلاء الأمم القوية عليهم بسبب ظلم الأفراد بالفسق والفجور أو ظلم الحكام. لقد أهلكناهم لما كذبوا بالبينات الدالة على صدق رسلهم، وما كانوا ليؤمنوا، أي وما كانوا يؤمنون حقا، وهو تأكيد لنفي إيمانهم، وأن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر، وأن الإيمان مستبعد منهم. والمعنى: أن السبب في إهلاكهم تكذيبهم الرسل، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثة الرسل. كذلك.. أي مثل ذلك الجزاء أي الإهلاك، نجزي كل مجرم. وهذا وعيد شديد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله ﷺ . ثم خاطب الله الذين بعث إليهم محمد ﷺ بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ﴾ أي جعلناكم خلفاء في الأرض بعد تلك القرون التي أهلكنا، لننظر أتعملون خيرا أم شرا، وننظر طاعتكم لرسولنا واتباعكم له. وفي هذا بيان بأن أمة الإسلام ستكون لها الخلافة في الأرض إذا لازمت الطاعة واتبعت هدي القرآن: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ، كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور ٥٥/ ٢٤] وقد تمت هذه فملكوا ملك كسرى وقيصر وفرعون وكثير من الأمم. وجاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء». والخلافة منوطة بالأعمال الصالحة، لا بمجرد الوراثة للصفة الإسلامية.

стр. 3383

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى المبادئ التالية: ١ - إن إهلاك الأمم الظالمة قديما وحديثا إنما يكون بسبب الظلم، والظلم: إما الكفر والشرك، وإما طغيان الأفراد أو الحكام. ٢ - هذه الآية تخويف ووعيد لأهل مكة الكفار ولأمثالهم على تكذيبهم رسول الله ﷺ ، فالله قادر على إهلاك الأمة التي تكذب محمدا ﷺ ، ولكن حكمته اقتضت إمهالهم لعلمه بأن فيهم من يؤمن، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن. وهكذا حال الأمم الحالية، نرى في كل أمة اتجاها إلى إيمان الآلاف منهم بعقيدة الإسلام ونظامه. ٣ - هذه الآية ترد على أهل الضلال القائلين بخلق الهدى والإيمان. ٤ - الاستخلاف في الأرض منوط بالعمل الصالح، فالله يستخلف قوما بعد آخرين لينظر كيف يعملون، خيرا أو شرا، فيعاملهم على حسب عملهم. وبما أن الله يعلم ما سيكون في المستقبل في كل أنحاء الكون ومن المخلوقات، فيكون المقصود إقامة الدليل الحسي والمادي المشاهد على الناس من خلال أعمالهم الواقعية، لذا قال المفسرون كالرازي: ليس معنى الآية بأن الله تعالى ما كان عالما بأحوال الخلق قبل وجودهم، وإنما المراد منه أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم، ليجازيهم بحسبه، كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك ٢/ ٦٧].

стр. 3384

مطالبة المشركين بقرآن آخر أو بتبديل بعض آياته ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾ الإعراب: ﴿بَيِّناتٍ﴾ حال. ﴿مِنْ تِلْقاءِ﴾ مصدر استعمل ظرفا. البلاغة: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ استفهام إنكار وتوبيخ. المفردات اللغوية: ﴿آياتُنا﴾ القرآن. ﴿بَيِّناتٍ﴾ ظاهرات. ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا﴾ وهم المشركون الذين لا يخافون البعث. ﴿اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا﴾ ليس فيه عيب آلهتنا، ولا ما نستبعده من البعث والثواب والعقاب بعد الموت. ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ بنفسك بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى. ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ ما ينبغي وما يصح لي. ﴿أَنْ﴾ ما ﴿عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بتبديله. ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة. وهذا يعني أنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح. ﴿وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ ولا أعلمكم به على لساني، ﴿وَلا﴾: نافية عطف على ما قبله والمعنى أن الأمر بمشيئة الله تعالى، لا بمشيئتي حتى أجعله على نحو ما تشتهونه. ﴿لَبِثْتُ﴾ مكثت. ﴿فِيكُمْ عُمُراً﴾ أربعين سنة. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ لا أحدثكم بشيء. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنه ليس من قبلي، أي أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر فيه، لتعلموا أنه ليس إلا من الله.

стр. 3385

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد. ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ بنسبة الشريك إليه. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ القرآن فكفر بها. ﴿إِنَّهُ﴾ أي الشأن. ﴿لا يُفْلِحُ﴾ لا يسعد. ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى شبهتين للمشركين (وهما التعجب من إنزال الوحي على بشر وتخصيص محمد بالنبوة، والمطالبة بتعجيل العذاب إن كان ما يقول محمد حقا، ثم أثبت لهم الألوهية والتوحيد والقدرة على الوحي والبعث بخلق العالم وبطبيعة الإنسان وتاريخه وغرائزه، ذكر هنا النوع الثالث من شبهاتهم في الطعن في نبوة النبي ﷺ ، وهو التشكك في القرآن، لذا طالبوه بأحد أمرين: أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن، أو أن يبدل هذا القرآن. روي عن ابن عباس ﵄: أن خمسة من الكفار كانوا يستهزئون بالرسول ﵊ وبالقرآن: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن حنظلة، فقتل الله كل رجل منهم بطريق آخر، كما قال: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر ٩٥/ ١٥] فذكر تعالى أنهم كلما تليت عليهم آيات: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا: اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ﴾. التفسير والبيان: إذا قرأ الرسول ﷺ على المشركين كتاب الله وحججه الواضحة، قالوا له: ﴿اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا﴾ أي رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر، ليس فيه ما يعيب آلهتنا ولا ما لا نؤمن به من البعث والجزاء على الأعمال، أو بدّله إلى وضع آخر، بأن تجعل مكان آية الوعيد آية أخرى. ومقصدهم من هذه المساومة إذا نفّذ اقتراحهم إبطال دعواه أن القرآن كلام

стр. 3386

الله. وقوله: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا﴾ يعني لا يخافون يوم البعث والحساب ولا يرجون الثواب، أي أنهم مكذبون بالحشر والنشر. فأمره الله أن يقول ردا عليهم: ما يصح لي وليس من شأني أن أبدل هذا القرآن من قبل نفسي، فإني ما أتبع فيه إلا ما يوحى إلي، وهو ما أبلّغكم به، وما علي إلا البلاغ، فهو كلام الله تعالى، والمتبع لغيره في أمر ليس له التصرف فيه. وإنما اكتفى بالجواب عن التبديل، لاستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن آخر. فقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ تعليل لما يكون، ثم أكد ما سبق بقوله: ﴿إِنِّي أَخافُ.﴾. أي إني أخشى إن ارتكبت أي مخالفة أو عصيان لما أمر ربي عذاب يوم عظيم هو عذاب النار يوم القيامة. وفيه إيماء بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح. ثم احتج لهم في مجال صحة ما جاءهم به، وهو جواب عن طلبهم الأول تغيير القرآن، بقوله: ﴿قُلْ: لَوْ شاءَ اللهُ.﴾. أي قل لهم أيها الرسول: لو شاء الله ألا أتلو عليكم هذا القرآن ما تلوته عليكم، فإنما أتلوه بأمره، وجئتكم به بإذنه، وأفعل ذلك بمشيئته وإرادته. ولو شاء الله ألا يعلمكم به بإرسالي إليكم، لما أرسلني، ولما أعلمكم الله به، ولا أخبركم به، ولكنه شاء أن يرفدكم بهذا الكتاب المشتمل على الهدى والسعادة: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ، هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف ٥٢/ ٧]. والدليل على ما أقول أني لبثت فيكم مقدار عمر أربعين سنة من قبل نزول القرآن، لا أتلو شيئا منه ولا أعلمه ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر في أن من عاش أميا أربعين سنة، لم يقرأ كتابا، ولا تعلم من

стр. 3387

أحد، ولا خطّ بيمينه شيئا من الكلام، لا يستطيع أن يأتي بمثل هذا القرآن المعجز لكم ولكل العلماء، فأنتم وغيركم من الإنس والجن لم تستطيعوا معارضته. وهذه إشارة إلى أن القرآن معجز خارق للعادة؛ لأنه كلام الله، وليس كلام بشر، بدليل أنكم فرسان البلاغة والفصاحة وأساطين البيان، ولم تأتوا بسورة من مثله؛ لأن فصاحته بذّت فصاحة كل منطيق، وعلا عن كل منثور ومنظوم، واحتوى على قواعد الأصول والفروع، وأعرب عن قصص الأولين، وأخبر عن مغيبات المستقبل، وجاء مطابقا للعلوم الصحيحة والنظريات العلمية الثابتة: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء ٨٨/ ١٧]. فلا أحد أظلم من رجلين: أحدهما-من افترى على الله الكذب بنسبة الشريك أو الولد إليه، أو بتبديل كلامه على النحو الذي اقترحتموه، أو بالتقول على الله والزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك. والثاني-من كذّب بآيات الله البينة، فكفر بها، ثم علل تعالى ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ..﴾. أي إنه لا يفوز المجرمون، أي الكافرون في الآخرة، فالمقصود من قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. نفي الكذب عن نفسه. والمقصود بقوله: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ إلحاق الوعيد الشديد بهم حيث كذبوا بآيات الله. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - التسجيل الواضح الفاضح لكلام المشركين المطالبين إما الإتيان بغير القرآن وإما تبديله، والفرق بينهما أن الإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه غيره، وأما التبديل فلا يجوز أن يكون معه غيره. وسبب هذا الطلب إما السخرية والاستهزاء، وإما التجربة والامتحان.

стр. 3388

ومضمون الأمرين: إما إسقاط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، وإما تحويل الوعد وعيدا، والوعيد وعدا، والحلال حراما والحرام حلالا، وإما إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور. ويصح إرادة كل هذه الأشياء. ٢ - رفض مطالب المشركين، وإعلان كون القرآن كلام الله، وأن مهمة الرسول ﷺ مقصورة على تبليغ ما يوحى إليه، واتباع ما يتلوه عليهم من وعد ووعيد، وتحريم وتحليل، وأمر ونهي. ٣ - الموقف الثابت من عدم التبديل والتغيير لشريعة القرآن، والإصرار على العمل بالقرآن إنما هو بسبب التعرض لعذاب عظيم يوم القيامة. ٤ - المقصود من إنزال القرآن تبليغه إلى جميع الناس، ولا سيما المشركون، ولولا أن تكون مشيئة الله ذلك لما أنزله، ولما أمر بتلاوته عليهم، ولما أخبرهم بمضمونه. ٥ - القرآن كلام الله بدليل إعجازه من حيث النظم والأسلوب والمبنى، ومن حيث المعاني التي اشتمل عليها، وبدليل كون المبلّغ له أمّيا لم يقرأ ولم يكتب ولم يتعلم من أحد، وبدليل التحدي لمعارضته والإتيان بمثله أو بأقصر سورة من مثله. ٦ - لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراما ممن افترى على الله الكذب، وبدّل كلامه وأضاف شيئا إليه مما لم ينزله، وكذلك لا أحد أظلم منكم أيها المشركون والكفار إذا أنكرتم القرآن وافتريتم على الله الكذب، وقلتم: ليس هذا كلامه. ٧ - لا فوز ولا فلاح للمجرمين الكافرين، والاجرام مصيره الخيبة حتما.

стр. 3389

عبادة الأصنام وادعاء شفاعتها ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ الإعراب: ﴿هؤُلاءِ﴾ إشارة إلى ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ حملا على معنى ﴿ما﴾ لأنها هاهنا في معنى الجمع، وإن كان لفظها مفردا، كما أن ﴿مِنْ﴾ تقع على الجمع، وإن كان لفظها مفردا. ﴿فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ حال من العائد المحذوف في ﴿يَعْلَمُ﴾ مؤكدة للنفي، منبهة على أن ما تعبدون من دون الله إما سماوي وإما أرضي. ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ما: موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء أو عن إشراكهم. البلاغة: ﴿أَتُنَبِّئُونَ﴾ استفهام تقريع وتهكم بهم. المفردات اللغوية: ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ إن لم يعبدوه ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ إن عبدوه وهو الأصنام؛ لأنه جماد لا يقدر على نفع ولا ضر، والمعبود ينبغي أن يكون مثيبا ومعاقبا حتى تعود عبادته بجلب نفع أو دفع ضر. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عنها ﴿هؤُلاءِ﴾ الأوثان ﴿شُفَعاؤُنا﴾ تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا وفي الآخرة إن يكن بعث، وكأنهم شاكين فيه. ﴿أَتُنَبِّئُونَ﴾ أتخبرون ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ وهو أن له شريكا، إذ لو كان له شريك لعلمه، إذ لا يخفى عليه شيء ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ عن إشراكهم.

стр. 3390

المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى أن المشركين طلبوا من الرسول ﷺ قرآنا غير هذا القرآن أو تبديله؛ لأن هذا القرآن مشتمل على شتم الأصنام التي اتخذوها آلهة لأنفسهم، ندد بعبادتهم تلك الأصنام وجعلها شفعاء، مع أنها جماد لا تضر ولا تنفع، ولا برهان لهم على ما يدّعون، فكيف يليق بالعقلاء عبادتها من دون الله؟! التفسير والبيان: ينكر الله تعالى على المشركين أمرين: عبادة الأصنام وجعلها شفعاء لهم عند الله، ظانين أنها تنفعهم شفاعتها عند الله، فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك شيئا. إن أكثر العرب كانوا يعترفون بالخالق: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، لَيَقُولُنَّ: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩/ ٤٣] وينكرون البعث، ويعبدون الأصنام، وهي لا تنفع ولا تضر؛ لأنها حجارة أو أجسام مصنوعة، فهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره، كما قال تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ، إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٦/ ١٢]. فهم يزعمون وجود قدرة للأصنام على النفع والضرر، وأنها وسطاء تملك الشفاعة لهم عند الله: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر ٣/ ٣٩] فهذان هما السببان في عبادتهم الأصنام. روي أن النضر بن الحارث قال: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللاّت والعزى. فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ: أَتُنَبِّئُونَ اللهَ.﴾. أي قل أيها الرسول لهم: لا دليل لكم على ما تدعون، أتخبرون الله بما لا وجود له في السموات ولا في الأرض، وما لا يعلمه من هؤلاء الشفعاء؟ نظيره قوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ

стр. 3391

فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد ٣٣/ ١٣] ونفي العلم دليل على عدم وجود تلك الشفعاء والشركاء لله، فلا شيء من الموجودات السماوية والأرضية إلا وهو حادث مقهور مثلهم، لا يليق أن يشرك به. ثم نزّه الله تعالى نفسه الكريمة عن شركهم وكفرهم فقال: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزه الله وتعاظم وتعالى علوا كبيرا عما يشركون به من الشفعاء والوسطاء، فهو منزه عن إشراكهم وعن الشركاء الذين يشركونهم به. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على ما يأتي: ١ - عبد المشركون الأصنام مع اعترافهم بأن الرب الخالق هو الله تعالى لأمرين: اعتقادهم فيها القدرة على الضرر والنفع، وأنها تملك الشفاعة لهم عند الله في أمور الدنيا والآخرة. وهذا غاية الجهالة منهم، حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال، وتركوا عبادة الموجد الضار النافع. ٢ - عبادة المشركين الأوثان واتخاذها شركاء لله افتراء على الله بوجودها، فلا وجود أصلا لتلك الشركاء في السموات والأرض؛ لأن الله لا يعلم لنفسه شريكا في السموات ولا في الأرض؛ لأنه لا شريك له، فلذلك لا يعلمه، فلو كان موجودا لكان معلوما لله تعالى، وحيث لم يكن معلوما لله تعالى وجب ألا يكون موجودا. ٣ - دل قوله: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ على أنه أعظم من أن يكون له شريك. قال الزمخشري عن ﴿عَمّا﴾ ما: موصولة أو مصدرية. أي عن الشركاء الذين يشركونهم به، أو عن إشراكهم. ٤ - أثبتت الآية بطلان الشرك في الألوهية: وهو عبادة غير الله مطلقا،

стр. 3392

وبطلان الشرك في الربوبية، بادعاء وساطة المعبود في الخلق والتدبير، أو الشفاعة عند الله. الأصل في الناس جميعا كونهم على الدين الحق ﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾ المفردات اللغوية: ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي على دين واحد وهو دين الإسلام من لدن آدم إلى نوح، أو من عهد إبراهيم إلى عمرو بن لحيّ الذي سنّ للعرب عبادة الأصنام ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ بأن ثبت بعض وكفر بعض ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير الحكم بينهم أو تأخير الجزاء والعذاب الفاصل إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الناس عاجلا في الدنيا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من الدين بإهلاك المبطلين وهم الكافرون، وإبقاء المحقين وهم المؤمنون. المناسبة: بعد أن أقام الله تعالى الأدلة على بطلان عبادة الأصنام، بيّن سبب حدوث هذا المذهب الفاسد، وأن هذا الشرك حادث في الناس بسبب الاختلاف أي اتباع الهوى والباطل، بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد هو الدين الحق وهو دين الإسلام. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال ٤٢/ ٨].

стр. 3393

التفسير والبيان: ما كان الناس في كل زمن إلا أمة واحدة على الفطرة النقية المؤمنة بالله تعالى وحده لا شريك له، أي فطرة الإسلام والتوحيد. ثم اختلفوا بعدئذ في الأديان باتباع الأهواء والأباطيل، أو عند بعثة الرسل فتبعتهم طائفة وأصرّت أخرى على الضلال. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣/ ٢] ويؤيده قوله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه» (١). فكل الناس كانوا جميعا على الدين الحق وهو دين الإسلام، ثم اختلفوا فبعث الله الأنبياء والمرسلين لهدايتهم وإزالة الاختلاف بكتاب الله، فمنهم من آمن واهتدى، ومنهم من ضل واعتدى، ثم اختلفوا في كتاب الله اتباعا لأهوائهم. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾، أي ولولا ما تقدم من الله تعالى من كلمة حق في جعل الجزاء الفاصل بين الناس يوم القيامة؛ فإنه يوم الفصل والجزاء، لعجّل لهم العذاب في الدنيا بإهلاك المبطلين، وتعذيب العصاة بسبب اختلافهم، ولقضي بينهم فيما اختلفوا فيه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس ٩٣/ ١٠]. وفي هذا وعيد على الاختلاف في أصول الاعتقاد وفي الكتاب الذي أنزل لإعادة الناس إلى الوحدة الأولى وإزالة الشقاق بينهم. كما أن فيه تسلية للنبي ﷺ في تأخير العذاب عمن كفر به، وبيانا لطبع الإنسان.

стр. 3394

فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآية أحكاما ثلاثة: ١ - الأصل في الإنسان كونه على دين الفطرة والتوحيد، وهذا دليل على عدل الخالق ورحمته، فإنه تعالى خلق كل إنسان موحدا، وحكم ببقائه على التوحيد إلى البلوغ، ثم تركه للعقل والتفكر في الوحي الإلهي. ٢ - الاختلاف على الأنبياء والكتب الإلهية بسبب اتباع الهوى والباطل هو سبب تفرق الناس وانقسامهم إلى مؤمنين وكفار. ٣ - سبق القضاء والقدر وتم حكم الله بأنه لا يقضي بين العباد فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب قبل يوم القيامة، ولولا ذلك الحكم السابق والتأجيل المتقدم، لقضى الله بين الناس في الدنيا، فأدخل المؤمنين الجنة، والكافرين النار بكفرهم، وهو موعدهم يوم القيامة الذي جعله الله لحكمة بالغة هي إعطاء الفرصة الكافية للإنسان في تصحيح عقيدته، وتعديل وضعه، والتوبة من عصيانه وكفره وضلاله، حتى لا يؤخذ على حين غرّة. طلب المشركين إنزال آية كونية ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾ المفردات اللغوية: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي أهل مكة ﴿لَوْلا﴾ هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ على محمد ﷺ ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي آية حسية كونية مادية من الآيات التي اقترحوها، كما كان للأنبياء من ناقة صالح، والعصا واليد لموسى، والمائدة لعيسى ﵈ ﴿فَقُلْ: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ﴾ فقل لهم: إنما الغيب (وهو ما غاب

стр. 3395

عن العباد) لأمر الله، فهو المختص بعلمه، ولا يأتي بها إلا هو، وإنما على التبليغ، ولعله لا ينزلها، لعدم الفائدة في إنزالها، فقد نزلت آيات كثيرة ولم يؤمن بها المعاندون الجاحدون، والمانع من إنزالها أمر مغيب لا يعلمه إلا هو ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ نزول ما اقترحتموه، أو العذاب إن لم تؤمنوا ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لما يفعل الله بكم بجحودكم ما نزل عليه من الآيات العظام واقتراحكم غيره. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى ثلاث شبهات للمشركين للطعن في نبوة محمد ﷺ (وهي عجبهم من نزول الوحي على محمد، وتعجلهم العذاب إن كان صادقا، وتشككهم في القرآن) ذكر هنا شبهة رابعة لإنكار نبوته، وهي أن الكتاب لا يكون معجزا، بدليل أن كتاب موسى وعيسى ما كان معجزة لهما، بل كان لهما معجزات أخرى دلت على نبوتهما، وكان في مشركي العرب من يدعي إمكان معارضة القرآن، لقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ [الأنفال ٣١/ ٨] وإنما لا بد لإثبات نبوته من نزول آية كونية حسية مادية غير هذا القرآن، ليكون معجزة له. هذا مع العلم بأن القرآن الكريم اشتمل على آيات علمية وعقلية دالة على النبوة والرسالة. التفسير والبيان: ويقول هؤلاء الكفرة المكذبون المعاندون قولا متكررا: هلا أنزل على محمد ﷺ آية كونية حسية مشاهدة كالتي نزلت على نوح وشعيب وهود وصالح وموسى وعيسى، أو أن يحول الصفا لهم ذهبا، أو يزيح، عنهم جبال مكة، ويجعل مكانها بساتين وأنهارا، أو نحو ذلك مما الله عليه قادر. وقد حكى القرآن عنهم في مواضع كثيرة هذا الطلب بإنزال معجزات مادية، وأجاب عنه إما مجملا كما هنا، وإما مفصلا، كما في سورة الفرقان: ﴿وَقالُوا

стр. 3396

مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ، لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً، أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها﴾ [٧ - ٨] ثم في آيات بعدها: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ [١٠]. وفي سورة الإسراء طالبوا بواحدة من بضع آيات: ﴿وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ، فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً، أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ، قُلْ: سُبْحانَ رَبِّي، هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ [٩٠ - ٩٣]. وكان الرد الحاسم على مثل هذه الاقتراحات قوله تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء ٥٩/ ١٧] أي كذب بها قوم عاد وثمود وغيرهم. وقضينا ألا نعاملهم بمثل معاملة الأقوام الغابرة، فنستأصلهم؛ لأن محمدا خاتم النبيين، ورحمة عامة شاملة للعالمين، وقد يلد منهم من يؤمن ويوحد الله تعالى. ومع كل هذا آتى الله نبيه آيات علمية وكونية، ولكنه لم يجعلها حجة على رسالته، ولا طالبهم بالإيمان بموجبها، بل كانت لضرورة كاستجابة بعض أدعيته ﷺ ، كشفاء المرضى، وإشباع العدد الكثير في غزوتي بدر وتبوك من الطعام القليل، وانشقاق القمر نصفين، وحنين الجذع، وتكليم الضب، ونحو ذلك مما هو معروف مستقصى في كتب السنة والسيرة مثل أعلام النبوة للماوردي. وبالرغم من تلك الآيات، ظل القرآن الكريم هو معجزة النبي ﷺ الخالدة، ولعل عصرنا بما اكتشف فيه من اختراعات عجيبة، وظهرت فيه

стр. 3397

نظريات كونية وعلمية تتفق مع الأخبار الواردة في القرآن، يؤيد الاكتفاء بهذه المعجزة. روى الشيخان والترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». وكان الجواب الإجمالي في هذه الآية: ﴿فَقُلْ: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ﴾ أي إن تلبية مقترحاتكم ونزول الآية من الأمور الغيبية، والله وحده هو المختص بعلم الغيب، فلا يعلم به إلا هو، والأمر كله لله، وهو يعلم عواقب الأمور، وليس لي ولا لأحد علم بالغيب المستأثر به ، فإن قدّر إنزال آية علي، فهو يعلم وقتها. ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي إن كنتم لا تؤمنون بي حتى تشاهدوا ما سألتم من نزول الآيات المقترحة، فانتظروا حكم الله فيّ وفيكم، وهو ما سيحلّ بكم من العذاب لعنادكم وجحودكم بالآيات. وقد فسّر الله تعالى ما ينتظر في القسم الأخير من هذه السورة: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ، قُلْ: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [١٠٢]. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآية أمرين: ١ - علم الغيب ومنه الوحي وإنزال المعجزات والآيات الكونية مختص بالله تعالى، وما النبي إلا رسول موحى إليه، يبلّغ ما أنزل إليه من ربه. ٢ - تهديد كفار مكة وأمثالهم بحلول العذاب إن لم يؤمنوا برسالة النبي ﷺ ، وإنذارهم بفصل القضاء بينه وبينهم بنصره عليهم، وإظهار المحق على المبطل.

стр. 3398

عادة الكفار المكر واللجاج والعناد وعدم الإنصاف ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ الإعراب: ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿بَغْيُكُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾: خبره. ﴿مَتاعَ الْحَياةِ﴾ منصوب إما بفعل مقدر، تقديره: تبتغون متاع الحياة الدنيا، أو على المصدر المؤكد بفعل مقدر تقديره: تمتعوا متاع الحياة الدنيا. ويقرأ بالرفع خبرا بعد خبر لبغيكم، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو متاع الحياة الدنيا. ويقرأ بالجر على غير المشهور على البدل من الكاف والميم في ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ وتقديره: إنما بغيكم على متاع الحياة الدنيا. ﴿جاءَتْها﴾ جواب ﴿إِذا﴾. ﴿دَعَوُا اللهَ..﴾. بدل من: ﴿ظَنُّوا﴾ بدل اشتمال؛ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم. ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا.﴾. على إرادة القول، أو مفعول: دعوا؛ لأنه من جملة القول. ولام ﴿لَئِنْ﴾: لام القسم. البلاغة: ﴿أَسْرَعُ مَكْراً﴾ المكر: إخفاء الكيد، وهو من الله تعالى إما الاستدراج أو الجزاء على المكر، وتسمية عقوبة الله مكرا من باب «المشاكلة».

стр. 3399

﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة، لزيادة التقبيح والتشنيع على الكفار، لعدم شكرهم النعمة، وللتعجب من حالهم والإنكار عليهم. المفردات اللغوية: ﴿أَذَقْنَا﴾ أصل الذوق: إدراك الطعم بالفم، ويستعمل مجازا في إدراك غيره من الأشياء المعنوية كالرحمة والنعمة، والعذاب والنقمة. ﴿النّاسَ﴾ أي كفار مكة ﴿رَحْمَةً﴾ مطرا وخصبا وصحة وسعة ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ﴾ بؤس، وجدب أو قحط، ومرض ﴿مَكْرٌ فِي آياتِنا﴾ بالطعن فيها والاحتيال في دفعها بالاستهزاء والتكذيب ﴿قُلِ﴾ لهم ﴿اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾ المكر: التدبير الخفي الذي يفضي بالغير إلى مالا يتوقعه، والمراد هنا: مجازاة أو جزاء على المكر، أو المراد الاستدراج ﴿إِنَّ رُسُلَنا﴾ الحفظة الكرام الكاتبين من الملائكة. ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾ يسخّر لكم، أو يعطيكم أداة السير من سفينة أو دابة أو سيارة أو طائرة ونحوها، أو يحملكم على السير ويمكنكم منه، والتسيير بإيجاز: التمكين من الانتقال بالنفس أو بالواسطة ﴿الْفُلْكِ﴾ السفن أو السفينة، جمعا أو واحدا ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ لينة، والطيب من كل شيء: ما يوافق الغرض والمنفعة، يقال: رزق طيب، ونفس طيبة، وشجرة طيبة ﴿جاءَتْها﴾ الضمير للفلك أو الريح الطيبة أي تلقتها ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ شديدة الهبوب، تكسر كل شيء، وذات عصف ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي أهلكوا ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الدعاء ﴿مِنْ هذِهِ﴾ الأهوال ﴿الشّاكِرِينَ﴾ الموحدين. ﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ﴾ إجابة لدعائهم ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي فاجؤوا الفساد فيها وسارعوا إلى ما كانوا عليه، والبغي: الزيادة على القصد والاعتدال حتى الوقوع في الفساد والظلم، كالشرك، وبغير الحق أي مبطلين فيه. وأما الفساد بحق كتخريب الديار وإحراق الزروع وقطع الأشجار في حالة الحرب فهو إفساد بحق ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي ظلمكم أي وباله وإثمه عليكم ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ تمتعون فيها قليلا ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أي بعد الموت ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فنجازيكم المناسبة: بعد أن ردّ الله تعالى على المشركين الطالبين إنزال آية كونية غير القرآن، بأن هذا من الغيب المستأثر به الله تعالى، ذكر جوابا آخر، وهو أن أولئك المشركين لا يقنعون بالآيات إذا رأوها بأعينهم؛ لأن عادتهم المكر والجحود والعناد

стр. 3400

وعدم الإنصاف، فكثيرا ما رأوا الآيات الدالة على وحدانية الله ثم يمكرون فيها، فهم إن أصابتهم الشدة تضرعوا، وإن جاءتهم الرحمة بطروا وكفروا. التفسير والبيان: موضوع هذه الآيات الرد على الكفار الذين يطلبون الآيات الكونية، فإذا تحققت لم يعتبروا ولم يتعظوا، مما يدل على سوء طبع الإنسان وتأصل خلق السوء فيه، وتنكره للأدلة العقلية والحسية، والقواعد الخلقية أيضا التي تقتضي الوفاء بالمعروف وشكر النعمة الإلهية. وهذا المذكور في الآيات مثال لسوء الطبع والانقلاب على الفطرة. إذا أذاق الله الناس رحمة، ورزقهم فضلا، من بعد ضرّاء مستهم (١)، كالرخاء بعد الشدة، والخصب بعد الجدب، والمطر بعد القحط ونحو ذلك، إذا هم يسرعون بالمفاجأة الغريبة وهي المكر في مقام الحمد والشكر، والمراد بالمكر: الاستهزاء والتكذيب لها، أو الطعن فيها والاحتيال في دفعها، والتنكر لها. وهكذا إذا رزق الله المطر، قال الإنسان: مطرنا لأنا في فصل الأمطار، أو لأن الكوكب الفلاني طلع، وإذا نجا من مكروه أو شدة، قال: نجوت صدفة، وإذا نجح في مشروع ما، نسب النجاح إلى تفوقه ومهارته وذكائه، ولم يذكر توفيق الله له، كما قال قارون: إنما أوتيته أي المال على علم عندي، وإذا رفع الكرب بدعاء نبي، لم يقروا له بالفضل، كما حدث لمشركي مكة، روي أن الله تعالى سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم، وأنزل الأمطار النافعة على أراضيهم، ثم نسبوا تلك المنافع الجليلة إلى الأصنام وإلى الأنواء (٢)، وكل ذلك لمقابلة النعمة بالكفران.
следующие страницы →