مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ، لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً، أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها﴾ [٧ - ٨] ثم في آيات بعدها: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ [١٠].
وفي سورة الإسراء طالبوا بواحدة من بضع آيات: ﴿وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ، فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً، أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ، قُلْ: سُبْحانَ رَبِّي، هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ [٩٠ - ٩٣].
وكان الرد الحاسم على مثل هذه الاقتراحات قوله تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء ٥٩/ ١٧] أي كذب بها قوم عاد وثمود وغيرهم. وقضينا ألا نعاملهم بمثل معاملة الأقوام الغابرة، فنستأصلهم؛ لأن محمدا خاتم النبيين، ورحمة عامة شاملة للعالمين، وقد يلد منهم من يؤمن ويوحد الله تعالى.
ومع كل هذا آتى الله نبيه آيات علمية وكونية، ولكنه لم يجعلها حجة على رسالته، ولا طالبهم بالإيمان بموجبها، بل كانت لضرورة كاستجابة بعض أدعيته ﷺ ، كشفاء المرضى، وإشباع العدد الكثير في غزوتي بدر وتبوك من الطعام القليل، وانشقاق القمر نصفين، وحنين الجذع، وتكليم الضب، ونحو ذلك مما هو معروف مستقصى في كتب السنة والسيرة مثل أعلام النبوة للماوردي.
وبالرغم من تلك الآيات، ظل القرآن الكريم هو معجزة النبي ﷺ الخالدة، ولعل عصرنا بما اكتشف فيه من اختراعات عجيبة، وظهرت فيه
стр. 3397
نظريات كونية وعلمية تتفق مع الأخبار الواردة في القرآن، يؤيد الاكتفاء بهذه المعجزة.
روى الشيخان والترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة».
وكان الجواب الإجمالي في هذه الآية: ﴿فَقُلْ: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ﴾ أي إن تلبية مقترحاتكم ونزول الآية من الأمور الغيبية، والله وحده هو المختص بعلم الغيب، فلا يعلم به إلا هو، والأمر كله لله، وهو يعلم عواقب الأمور، وليس لي ولا لأحد علم بالغيب المستأثر به ، فإن قدّر إنزال آية علي، فهو يعلم وقتها.
﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي إن كنتم لا تؤمنون بي حتى تشاهدوا ما سألتم من نزول الآيات المقترحة، فانتظروا حكم الله فيّ وفيكم، وهو ما سيحلّ بكم من العذاب لعنادكم وجحودكم بالآيات.
وقد فسّر الله تعالى ما ينتظر في القسم الأخير من هذه السورة: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ، قُلْ: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [١٠٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآية أمرين:
١ - علم الغيب ومنه الوحي وإنزال المعجزات والآيات الكونية مختص بالله تعالى، وما النبي إلا رسول موحى إليه، يبلّغ ما أنزل إليه من ربه.
٢ - تهديد كفار مكة وأمثالهم بحلول العذاب إن لم يؤمنوا برسالة النبي ﷺ ، وإنذارهم بفصل القضاء بينه وبينهم بنصره عليهم، وإظهار المحق على المبطل.
стр. 3398
عادة الكفار المكر واللجاج والعناد وعدم الإنصاف
﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾
الإعراب:
﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿بَغْيُكُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾: خبره.
﴿مَتاعَ الْحَياةِ﴾ منصوب إما بفعل مقدر، تقديره: تبتغون متاع الحياة الدنيا، أو على المصدر المؤكد بفعل مقدر تقديره: تمتعوا متاع الحياة الدنيا. ويقرأ بالرفع خبرا بعد خبر لبغيكم، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو متاع الحياة الدنيا. ويقرأ بالجر على غير المشهور على البدل من الكاف والميم في ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ وتقديره: إنما بغيكم على متاع الحياة الدنيا.
﴿جاءَتْها﴾ جواب ﴿إِذا﴾.
﴿دَعَوُا اللهَ..﴾. بدل من: ﴿ظَنُّوا﴾ بدل اشتمال؛ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم.
﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا.﴾. على إرادة القول، أو مفعول: دعوا؛ لأنه من جملة القول. ولام ﴿لَئِنْ﴾: لام القسم.
البلاغة:
﴿أَسْرَعُ مَكْراً﴾ المكر: إخفاء الكيد، وهو من الله تعالى إما الاستدراج أو الجزاء على المكر، وتسمية عقوبة الله مكرا من باب «المشاكلة».
стр. 3399
﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة، لزيادة التقبيح والتشنيع على الكفار، لعدم شكرهم النعمة، وللتعجب من حالهم والإنكار عليهم.
المفردات اللغوية:
﴿أَذَقْنَا﴾ أصل الذوق: إدراك الطعم بالفم، ويستعمل مجازا في إدراك غيره من الأشياء المعنوية كالرحمة والنعمة، والعذاب والنقمة. ﴿النّاسَ﴾ أي كفار مكة ﴿رَحْمَةً﴾ مطرا وخصبا وصحة وسعة ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ﴾ بؤس، وجدب أو قحط، ومرض ﴿مَكْرٌ فِي آياتِنا﴾ بالطعن فيها والاحتيال في دفعها بالاستهزاء والتكذيب ﴿قُلِ﴾ لهم ﴿اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾ المكر: التدبير الخفي الذي يفضي بالغير إلى مالا يتوقعه، والمراد هنا: مجازاة أو جزاء على المكر، أو المراد الاستدراج ﴿إِنَّ رُسُلَنا﴾ الحفظة الكرام الكاتبين من الملائكة.
﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾ يسخّر لكم، أو يعطيكم أداة السير من سفينة أو دابة أو سيارة أو طائرة ونحوها، أو يحملكم على السير ويمكنكم منه، والتسيير بإيجاز: التمكين من الانتقال بالنفس أو بالواسطة ﴿الْفُلْكِ﴾ السفن أو السفينة، جمعا أو واحدا ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ لينة، والطيب من كل شيء: ما يوافق الغرض والمنفعة، يقال: رزق طيب، ونفس طيبة، وشجرة طيبة ﴿جاءَتْها﴾ الضمير للفلك أو الريح الطيبة أي تلقتها ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ شديدة الهبوب، تكسر كل شيء، وذات عصف ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي أهلكوا ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الدعاء ﴿مِنْ هذِهِ﴾ الأهوال ﴿الشّاكِرِينَ﴾ الموحدين.
﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ﴾ إجابة لدعائهم ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي فاجؤوا الفساد فيها وسارعوا إلى ما كانوا عليه، والبغي: الزيادة على القصد والاعتدال حتى الوقوع في الفساد والظلم، كالشرك، وبغير الحق أي مبطلين فيه. وأما الفساد بحق كتخريب الديار وإحراق الزروع وقطع الأشجار في حالة الحرب فهو إفساد بحق ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي ظلمكم أي وباله وإثمه عليكم ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ تمتعون فيها قليلا ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أي بعد الموت ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فنجازيكم
المناسبة:
بعد أن ردّ الله تعالى على المشركين الطالبين إنزال آية كونية غير القرآن، بأن هذا من الغيب المستأثر به الله تعالى، ذكر جوابا آخر، وهو أن أولئك المشركين لا يقنعون بالآيات إذا رأوها بأعينهم؛ لأن عادتهم المكر والجحود والعناد
стр. 3400
وعدم الإنصاف، فكثيرا ما رأوا الآيات الدالة على وحدانية الله ثم يمكرون فيها، فهم إن أصابتهم الشدة تضرعوا، وإن جاءتهم الرحمة بطروا وكفروا.
التفسير والبيان:
موضوع هذه الآيات الرد على الكفار الذين يطلبون الآيات الكونية، فإذا تحققت لم يعتبروا ولم يتعظوا، مما يدل على سوء طبع الإنسان وتأصل خلق السوء فيه، وتنكره للأدلة العقلية والحسية، والقواعد الخلقية أيضا التي تقتضي الوفاء بالمعروف وشكر النعمة الإلهية. وهذا المذكور في الآيات مثال لسوء الطبع والانقلاب على الفطرة.
إذا أذاق الله الناس رحمة، ورزقهم فضلا، من بعد ضرّاء مستهم (١)، كالرخاء بعد الشدة، والخصب بعد الجدب، والمطر بعد القحط ونحو ذلك، إذا هم يسرعون بالمفاجأة الغريبة وهي المكر في مقام الحمد والشكر، والمراد بالمكر:
الاستهزاء والتكذيب لها، أو الطعن فيها والاحتيال في دفعها، والتنكر لها.
وهكذا إذا رزق الله المطر، قال الإنسان: مطرنا لأنا في فصل الأمطار، أو لأن الكوكب الفلاني طلع، وإذا نجا من مكروه أو شدة، قال: نجوت صدفة، وإذا نجح في مشروع ما، نسب النجاح إلى تفوقه ومهارته وذكائه، ولم يذكر توفيق الله له، كما قال قارون: إنما أوتيته أي المال على علم عندي، وإذا رفع الكرب بدعاء نبي، لم يقروا له بالفضل، كما حدث لمشركي مكة، روي أن الله تعالى سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم، وأنزل الأمطار النافعة على أراضيهم، ثم نسبوا تلك المنافع الجليلة إلى الأصنام وإلى الأنواء (٢)، وكل ذلك لمقابلة النعمة بالكفران.
стр. 3401
والقصة هي كما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁:
«أن قريشا لما استعصوا على رسول الله صل الله عليه وسلّم، دعا عليهم بسنين كسنيّ سيدنا يوسف، فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام والميتة من الجهد، وحتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل الله تعالى:
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ. يَغْشَى النّاسَ، هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠/ ٤٤ - ١١] فجاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد، إنك جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قوما ربما هلكوا، فادع الله لهم، فدعا لهم، فكشف الله عنهم العذاب، ومطروا، فعادوا إلى حالهم ومكرهم الأول يطعنون في آيات الله، ويعادون رسوله ﷺ ، ويكذّبونه».
فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلِ: اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾ أي قل لهم يا محمد: إن الله أسرع جزاء لكم على أفعالكم قبل أن تدبروا مكائدهم لإطفاء نور الإسلام، أو أشد استدراجا وإمهالا حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب، وإنما هو في مهلة، ثم يؤخذ على غرة منه.
﴿إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ أي إن الحفظة أو الكتبة من الملائكة الكرام يكتبون جميع ما تفعلونه وتدبرونه أو تخططون له، ويحصونه عليكم، ثم يعرضونه على الله عالم الغيب والشهادة، فيجازي كلا منكم على الجليل والحقير.
وفي هذا دلالة على تمام الحفظ والعناية وعدم خفاء تدبيرهم على الله تعالى، وعلى أن عقابه واقع بهم لا محالة.
ثم ضرب الله مثلا للمشركين المعاندين على مقابلتهم النعمة بالجحود، فقال:
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ.﴾. أي إن الله تعالى هو الذي يمكنكم من السير والانتقال
стр. 3402
بالنفس أو بالوسائط المعروفة في البر بالدواب والسيارات والقطارات وفي البحر بالسفن والمراكب، وفي الجو فوق البر والبحر بالطائرات فوق الهواء.
حتى إذا كنتم راكبين في الفلك (السفينة أو السفن) وجرت بكم في البحر بسبب ريح طيبة مواتية للاتجاه في جهة السير، وفرحتم بما تحقق لكم من راحة وقطع مسافة، ثم جاءت تلك السفن ريح عاصفة شديدة قوية، فاضطرب البحر، وتلاطمت بالأمواج العالية من مختلف الجهات، وظننتم أي اعتقدتم أنكم هالكون لا محالة بسبب إحاطة الموج، فلم تجدوا ملجأ إلا الله، فدعوتموه مخلصين له الدعاء والعبادة والتضرع، ولم تتجهوا إلى آلهتكم من الأوثان، وقلتم: لئن أنجانا الله من هذه المخاطر الجسيمة، لنكونن من جماعة الشاكرين النعمة، الموحدين الله، ثم بعد النجاة عدتم إلى الكفر، كما قال تعالى في الآية السابقة: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ، دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً، فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ، مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس ١٢/ ١٠].
وقال هنا: ﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ..﴾. أي فلما نجاهم من تلك الورطة، عادوا فجأة إلى سيرتهم الأولى من البغي وإلحاق الظلم بالنفس وبالآخرين، وكأن شيئا لم يكن، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ، ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ، فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ، وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً﴾ [الإسراء ٦٧/ ١٧].
ثم خاطب الله الناس البغاة الذين لم يعتبروا ونكثوا العهد مع الله:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي إنما وبال هذا البغي وجزاؤه وإثمه على أنفسكم في الدنيا والآخرة ولا تضرون به أحدا غيركم، أما في الدنيا فأنتم تتمتعون به متاعا زائلا لا قرار له، وأقله توبيخ الضمير والوجدان، أو المعاملة بالمثل، كما
جاء في الحديث الذي رواه أحمد والبخاري: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدّخر له في الآخرة، من البغي وقطيعة
стр. 3403
الرحم»
وفي حديث آخر رواه الترمذي عن عائشة: «أسرع الخير ثوابا البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقابا البغي وقطيعة الرحم» «ثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين».
وأما في الآخرة فالجزاء المحقق على البغي في النار، وهذا ما أفاده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ..﴾. أي إن مصيركم ومآلكم إلينا يوم القيامة، يوم الفصل والجزاء، فنخبركم بجميع أعمالكم، ونوفيكم إياها، ونجازيكم عليها الجزاء الأوفى المناسب، بسبب ما كنتم تعملون، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه. وفي هذا تهديد كاف ووعيد شاف.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
١ - إن مقابلة النعمة الإلهية بالجحود والإنكار، والتكذيب بآيات الله، مرصود رصدا تاما عند الله، والملائكة الحفظة تدون كل شيء، ثم يحاسب الله تعالى كل إنسان على ما قدم وأخر.
٢ - إن الفضل في إنقاذ الإنسان ونجاته من ألوان المخاطر والشدائد والأهوال هو لله تعالى وحده.
٣ - دلت هذه الآية على ركوب البحر مطلقا، وأكدت السنة ذلك، مثل حديث أنس في قصة أم حرام، الذي يدل على جواز ركوبه في الجهاد. ودلت هذه الآية أيضا على أن سير العباد في البحر من الله تعالى وتوفيقه.
٤ - الكفار شأنهم نكث العهد وعدم الوفاء بالوعد، فبالرغم مما قد يتعرضون له من مخاطر الغرق، تراهم ينسون ذلك، ويعودون إلى الفساد في الأرض بالمعاصي، والبغي: الفساد والشرك، وهو أشنع أنواع الظلم.
стр. 3404
٥ - البغي من منكرات المعاصي، قال ابن عباس: لو بغى جبل على جبل، لاندك الباغي. والبغي يغلب استعماله في غير الحق، ولا يكون بحق غالبا، ولكن قد يكون بحق كحال تنفيذ القصاص، وحالة الضرورات الحربية وما يتطلبه الجهاد لتحقيق الغلبة والنصر.
٦ - عاقبة البغي يتحمل وزرها الباغي نفسه، سواء في الدنيا بالعقاب العاجل أو الآجل، أو في الآخرة.
مثل الحياة الدنيا في سرعة زوالها وفنائها
﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَاِزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾
الإعراب:
﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ فعل ماض، أصله: تزينت، فأدغمت التاء في الزاي بعد قلبها زايا، وقلبت التاء زايا ولم تقلب الزاي تاء؛ لأن فيها زيادة صوت وهي من حروف الصفير. ﴿فَجَعَلْناها حَصِيداً﴾ مفعول به أول وثان.
﴿كَأَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، أي كأنها.
البلاغة:
﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها﴾ استعارة، شبه الأرض حينما تتزين بالنبات والأعشاب والأزهار، بالعروس المزينة بالحلي والثياب، ثم حذف المشبه به وأشير إلى شيء من لوازمه وهو الزخرف على سبيل الاستعارة المكنية.
﴿أَتاها أَمْرُنا﴾ كناية عن العذاب والدمار.
стр. 3405
المفردات اللغوية:
﴿مَثَلُ﴾ صفة عجيبة تشبه المثل في الغرابة، و ﴿مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾: أي حالها العجيبة في سرعة انقضائها وذهاب نعيمها، بعد إقبالها واغترار الناس بها ﴿كَماءٍ﴾ مطر ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أي فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضا ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ﴾ من الزروع والقبول وغيرها ﴿وَالْأَنْعامُ﴾ من الحشيش ﴿زُخْرُفَها﴾ بهجتها من النبات، والزخرف: كمال حسن الشيء ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ بالزهر وغيره من النباتات، أي صارت ذات زينة ﴿أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها﴾ متمكنون من حصدها وتحصيل ثمارها وجني غلتها ﴿أَتاها أَمْرُنا﴾ قضاؤنا أو عذابنا، فاجتاح زرعها ﴿فَجَعَلْناها﴾ جعلنا زرعها ﴿حَصِيداً﴾ كالمحصود أو المقطوع بالمناجل لا شيء فيها ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ﴾ أي كأن لم يغن زرعها، أي لم يلبث فلم تكن عامرة، يقال: غني بالمكان: أقام به وعمره.
﴿بِالْأَمْسِ﴾ فيما قبله، وهو مثل في الوقت القريب، والمراد هنا زوال خضرة النبات فجأة وذهابه حطاما بعد ما كان غضا ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فإنهم المنتفعون به.
المناسبة:
ذكر الله تعالى في الآية السابقة: ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ ولما كان سبب بغي الناس هو حرصهم على الدنيا وإفراطهم في التمتع بنعيمها، أتبعه بهذا المثل العجيب لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا، ويعرض عن الآخرة، فكأن الدنيا أرض سقيت ماء، فأنبتت وأزهرت وأثمرت، وحان وقت الحصاد، ثم لم تلبث أن أصابتها فجأة جائحة، فاستأصلتها.
وقد تكرر هذا التشبيه والمثل في القرآن كثيرا، كقوله تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً، وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد ٢٠/ ٥٧].
стр. 3406
التفسير والبيان:
هذا مثل ضربه الله تعالى للحياة الدنيا في سرعة انقضائها وزوال بهجتها ونعيمها، وهو أن صفة الحياة الدنيا العجيبة كالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بماء المطر المنزل من السماء، فإذا هطل على الأرض أنبت نباتات شتى تشابكت واختلط بعضها ببعض، منها ما يأكله الناس من زروع وحبوب وثمار، على اختلاف أنواعها وأصنافها، ومنها ما تأكله الأنعام من أقوات ومراع وغير ذلك.
وقوله: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ﴾ أي اختلط بالماء نبات الأرض.
حتى إذا اكتمل نمو النبات وازدهر، و ﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها﴾ أي حسنها وزينتها الفانية، ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ بأبهى أنواع الزينة، أي تزينت وحسنت بما خرج في رباها ووهادها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان وحبوب وثمار، ﴿وَظَنَّ﴾ أي أيقن أهلها الذين زرعوها وغرسوها، أنهم متمكنون قادرون من جذاذها وحصادها والانتفاع بها، فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة، فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها. ويلاحظ أنه أخبر عن الأرض وأراد النبات إذ كان مفهوما، وهو منها.
وهو معنى قوله: ﴿أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً.﴾. أي نزل بها قضاؤنا المقدر لهلاكها ليلا أو نهارا، فجعلناها كالأرض المحصودة، يابسة بعد الخضرة والنضارة، كأن لم تنبت، وكأنها ما كانت حينا قبل ذلك، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف ٩٧/ ٧ - ٩٨] وقال تعالى إخبارا عن المهلكين: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ [هود ٦٧/ ١١ - ٦٨]
وجاء في الحديث الذي أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أنس: «يؤتي بأنعم أهل الدنيا، فيغمس في النار غمسة، فيقال له: هل رأيت خيرا
стр. 3407
قط؟ هل مرّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا، ويؤتى بأشد الناس عذابا في الدنيا، فيغمس في النعيم غمسة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول: لا».
ثم قال تعالى: ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي كهذا المثل المبين الذي يوضح حال الدنيا وسرعة زوالها، نبين الحجج والأدلة الدالة على إثبات التوحيد والجزاء وكل ما فيه صلاح الناس في معاشهم ومعادهم، لقوم يتفكرون في آيات الله أي يستعملون تفكيرهم وعقولهم في الاتعاظ والاعتبار بهذا المثل في زوال الدنيا عن أهلها زوالا سريعا، مع اغترارهم بها، وتمكنهم من خيراتها، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها.
وتشبيه الدنيا بنبات الأرض كثير في كتاب الله، مثل الآية السابقة في سورة الحديد، ومثل آية الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ، وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [٤٥] وآية الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [٢١].
فقه الحياة أو الأحكام:
أفادت الآية أن الحياة الدنيا سريعة الزوال والانقضاء، وأن معيشة الناس والأنعام تعتمد على خيرات الأرض، وأن الإنسان عاجز ضعيف أمام قدرة الله وسلطانه، وأن مراد الله وأمره بشيء كالعذاب والهلاك هو النافذ، وأنه تعالى يبين الآيات والأمثال لمن يستخدم تفكيره وعقله فيها، فإن عاقبة هذه الحياة الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي تعلقت الآمال بالانتفاع به، فحين عظم الرجاء بالمنفعة وقع اليأس منها.
والمقصود من الآية ألا يعتمد المرء على نعيم الدنيا بنحو دائم، وألا يغتر
стр. 3408
بزخارفها، وينسى ما يجب عليه نحو الآخرة، فيكون هو الخاسر خسارة كبري لا تعوض، إذ إنه يكون من الذين خسروا الدنيا والآخرة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام ٤٤/ ٦].
الترغيب في الجنة ووصف حال المحسنين والمسيئين في الآخرة
﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧)﴾
الإعراب:
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾، على تقدير: وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة.
﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ معطوف على ﴿كَسَبُوا﴾ وجاز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لأنها جملة مبينة للأول، وليست أجنبية عنه.
﴿بِمِثْلِها﴾ الباء زائدة، وتقديره: وجزاء سيئة سيئة مثلها، كما في آية أخرى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى ٤٠/ ٤٢].
﴿قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً﴾ جمع قطعة، ومظلما حال من الليل، وليس وصفا لقطع لأنه كان يقال: مظلمة. ومن قرأ بإسكان الطاء، جاز أن يكون ﴿مُظْلِماً﴾ وصفا لقوله: قطعا، وجاز أن يكون حالا من ﴿اللَّيْلِ﴾.
البلاغة:
﴿أَحْسَنُوا الْحُسْنى﴾ بينهما جناس اشتقاق.
стр. 3409
﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ تشبيه مرسل مجمل.
المفردات اللغوية:
﴿وَاللهُ يَدْعُوا﴾ إلى الإيمان الموصّل إلى الجنة ﴿دارِ السَّلامِ﴾ أي السلامة وهي الجنة، وتخصيص الجنة بهذا الاسم للتنبيه على ذلك ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ هدايته بالتوفيق ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ دين الإسلام. وفي تعميم الدعوة بقوله: ﴿يَدْعُوا﴾ وتخصيص الهداية بالمشيئة دليل على أن الأمر غير الإرادة، وأن المصر على الضلالة لم يرد الله رشده.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ بالإيمان ﴿الْحُسْنى﴾ المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿وَزِيادَةٌ﴾ ما يزيد على المثوبة تفضلا، وهي النظر إلى الله تعالى، كما في حديث مسلم وقيل: الزيادة: الفضل أو تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها. ودليل التفضل قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ١٧٣/ ٤ وغيرها]. ﴿وَلا يَرْهَقُ﴾ يغشى ﴿قَتَرٌ﴾ غبرة فيها سواد ﴿وَلا ذِلَّةٌ﴾ كآبة وهوان، والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل النار، أو لا يرهقهم ما يوجب ذلك من حزن وسوء حال ﴿خالِدُونَ﴾ دائمون لا زوال فيها ولا انقراض لنعيمها، بخلاف الدنيا وزخارفها.
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا﴾ عطف على الذين أحسنوا، أي وللذين كسبوا السيئات أي عملوا الشرك ﴿بِمِثْلِها﴾ أي أن يجازى سيئة بسيئة مثلها لا يزاد عليها ﴿مِنْ عاصِمٍ﴾ ﴿مِنَ﴾ زائدة، و ﴿عاصِمٍ﴾: مانع يعصمهم من سخط الله ومن جهة الله ومن عنده، بخلاف المؤمنين الذين لهم مانع يعصمهم ﴿أُغْشِيَتْ﴾ ألبست ﴿قِطَعاً﴾ جزءا ﴿مُظْلِماً﴾ لفرط سوادها وظلمتها. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ﴾ أي أولئك الكفار، فالآية في الكفار، لاشتمال السيئات على الكفر أو الشرك، ولأن الذين أحسنوا يتناول أصحاب الكبيرة من أهل القبلة، فلا يتناولهم قسيمه.
المناسبة:
بعد أن نفّر الله تعالى الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق، رغبهم في الآخرة، ووصف حال المحسنين والمسيئين فيها. ووجه الترغيب في الآخرة:
ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «مثلي ومثلكم شبه سيد، بنى دارا، ووضع مائدة، وأرسل داعيا، فمن أجاب الداعي، دخل الدار، وأكل من المائدة، ورضي عنه السيد. ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد، فالله
стр. 3410
السيد، والدار: دار الإسلام، والمائدة: الجنة، والداعي محمد ﷺ » (١).
وعن النبي ﷺ أنه قال: «ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق، إلا الثقلين، أيها الناس، هلموا إلى ربكم، والله يدعو إلى دار السلام» (٢).
التفسير والبيان:
بعد أن ذكر الله تعالى الدنيا وسرعة زوالها، رغب في الجنة ودعا إليها، فقال: ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ﴾ أي والله يدعو إلى الإيمان والعمل الصالح المؤديين إلى الجنة، وسماها دار السلام لسلامتها عن الآفات والشوائب والنقائص والأكدار ودعاؤه إلى دار السلام وأمره بالإيمان عام لكل الناس. ويهدي من يشاء أي يوفقهم إلى الطريق المستقيم الموصل إلى الجنة، وهو دين الإسلام: عقائده وأخلاقه وأحكامه؛ لأنه الطريق الذي لا عوج فيه ولا التواء. والهداية خاصة بالمشيئة، على عكس الأمر بالإيمان.
ومن المعلوم أن الهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهي عامة لجميع الناس، وهي الدعوة إلى الإيمان والإسلام، وهداية توفيق وهي خاصة بمن يشاء الله من عباده إلى طريق الاستقامة، ومعناها التوفيق والعون.
والسبب في تلك الدعوة إلى الإسلام مصلحة المدعوين؛ لأن للذين أحسنوا العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح المثوبة الحسنى في الدار الآخرة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ [الرحمن ٦٠/ ٥٥] ولهم أيضا زيادة:
стр. 3411
وهي تضعيف ثواب الأعمال الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضا، والزيادة التي هي أعظم من جميع ما أعطوه هي النظر إلى وجه الله الكريم، بدليل
ما روى أحمد ومسلم وجماعة من الأئمة عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ وقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد، يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا، يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبّيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم».
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري يحدث عن رسول الله ﷺ : «إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي، يا أهل الجنة-بصوت يسمع أولهم وآخرهم-إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى: الجنة، والزيادة:
النظر إلى وجه الرحمن ».
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١/ ٥٣].
﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ أي ولا يغشى وجوههم شيء مما يغشى وجوه الكفرة من الغبرة التي فيها سواد، والهوان والصغار، أي لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر، بل هم كما قال تعالى في حقهم: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الدهر ١١/ ٧٦] أي نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم. والصفة الأولى (القتر) هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس ٤٠/ ٨٠ - ٤١] والصفة الثانية (الذلة) هي قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية ٢/ ٨٨ - ٣].
стр. 3412
أولئك المتصفون بهذه الصفات هم أهل الجنة لا غيرهم، وهم المقيمون الماكثون فيها أبدا، لا زوال فيها، ولا انقراض لنعيمها.
ولما أخبر تعالى عن حال السعداء، عطف بذكر حال الأشقياء، كما هو الشأن الغالب في الموازنة والمقارنة في الأسلوب القرآني، وشأنه تعالى مع الفريق الأول الفضل والإحسان، ومع الفريق الثاني المعاملة بالعدل.
فللذين اقترفوا السيئات والمعاصي في الدنيا ومنها الكفر والشرك والظلم الجزاء العادل وهو المجازاة على السيئة بمثلها، لا زيادة عليها كقوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦]، وتغشاهم أي تعتريهم وتعلوهم ذلّة من فضيحة معاصيهم وخوفهم منها، كما قال تعالى: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى ٤٥/ ٤٢] وقال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ، إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ [إبراهيم ٤٢/ ١٤ - ٤٣].
ثم قال: ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ أي ليس لهم مانع ولا واق يقيهم العذاب، أي لا يعصمهم أحد من سخط الله وعذابه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ [الانفطار ١٩/ ٨٢] وقال تعالى:
﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ: أَيْنَ الْمَفَرُّ؟ كَلاّ لا وَزَرَ، إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة ١٠/ ٧٥ - ١٢].
﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ.﴾. أي ألبست وجوههم أجزاء أو أغشية من سواد الليل المظلم؛ لفرط سوادها وظلمتها، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ؟ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ، فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٦/ ٣ - ١٠٧] وقوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضاحِكَةٌ
стр. 3413
مُسْتَبْشِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ، أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٣٨/ ٨٠ - ٤٢].
﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ.﴾. أي أولئك المتصفون بتلك الصفات هم لا غيرهم أصحاب النار، هم فيها خالدون، دائمون فيها، لا يزحزحون عنها.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات صريحة في الدعوة إلى السعادة الأبدية، والخلود في الجنان، من طريق الإيمان والعمل الصالح.
وهي موضحة معالم الطريق، معلنة أن الله لا يدعوكم إلى جمع الدنيا، بل يدعوكم إلى الطاعة: طاعة أحكامه، لتصيروا إلى دار السلام، أي إلى الجنة. قال قتادة والحسن: السلام: هو الله، وداره الجنة. وسميت الجنة دار السلام؛ لأن من دخلها سلم من الآفات.
وقد عمّ بقوله ﴿يَدْعُوا﴾ جميع الناس بالدعوة إلى دائرة الإيمان، إظهارا لحجّته، وخص بالهداية من شاء من عباده استغناء عن خلقه، وتمييزا بين الأمر والإرادة، فهناك دعوة عامة دعا فيها جميع الخلق إلى دار السلام، وهداية خاصة مغايرة لتلك الدعوة العامة، مشتملة على التوفيق الإلهي.
والصراط المستقيم واحد سواء قلنا: إنه كتاب الله، أو الإسلام.
وللذين أحسنوا العمل في الدنيا المثوبة الحسنى وهي الجنة، والزيادة فضلا من الله وهي تضعيف الحسنات، والنظر إلى وجه الله الكريم، والشعور بالسعادة الظاهرية والباطنية، فلا غشاوة لغبار مع سواد في محشرهم إلى الله، ولا مذلة ولا إهانة.
وللمسيئين الذين أشركوا بالله شريكا آخر، وكفروا بنعمته، فلم يقابلوها
стр. 3414
بالإيمان والإحسان عقاب مماثل لسيئاتهم دون زيادة، أخذا بالعدل، ويغشاهم الهوان والخزي والذل والعار، ولا عاصم لهم، ولا مانع يمنعهم من عذاب الله، وجوههم مسودّة ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ في حال ظلمته.
جعلنا الله من أهل جنته بفضله ورحمته، وحمانا من عذاب أهل النار، تكرما وإحسانا وإنعاما، وهدانا إلى سواء السبيل.
وقد أثبت أهل السنة بهذه الآية وما وضحها من السنة جواز رؤية الله تعالى في الآخرة، وأكد ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢/ ٧٥ - ٢٣] فأثبت لأهل الجنة أمرين: أحدهما-نضرة الوجوه، والثاني- النظر إلى الله تعالى.
حشر الخلائق وتبرؤ الشركاء من المشركين ومن عبادتهم
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾
الإعراب:
﴿جَمِيعاً﴾ نصب على الحال، أي نحشر الكل حال اجتماعهم.
﴿مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ ﴿مَكانَكُمْ﴾: اسم فعل لا لزموا، كما أن «مه» اسم لا كفف، و «صه» اسم لا سكت. وفتحة النون فتحة بناء لقيامه مقام فعل الأمر. وقال الرازي والسيوطي: منصوب بإضمار: الزموا.
стр. 3415
و ﴿أَنْتُمْ﴾: توكيد لضمير ﴿مَكانَكُمْ﴾ المستتر، و ﴿شُرَكاؤُكُمْ﴾: معطوف عليه لوجود التوكيد، كقوله تعالى: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة ٣٥/ ٢ والأعراف ١٩/ ٧].
﴿فَزَيَّلْنا﴾ من زيّلت الشيء من الشيء: إذا نحيته. ولا يجوز أن يكون من زال يزول؛ لأنه يلزم فيه الواو، فيقال: زوّلنا.
﴿ما كُنْتُمْ إِيّانا﴾ ﴿ما﴾: نافية، و ﴿إِيّانا﴾ مفعول به مقدم لتعبدون، وقدم مراعاة لفواصل الآيات.
﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، أي إنا كنا، واللام في ﴿لَغافِلِينَ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية.
المفردات اللغوية:
﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي الخلق وهم فريقا المحسنين والمسيئين المذكورين في الآية السابقة، والحشر:
الجمع من كل جانب إلى موقف واحد ﴿مَكانَكُمْ﴾ أي الزموا مكانكم حتى تنظروا ما يفعل بكم، وقد سد مسد قوله: «الزموا» ويراد بذلك التهديد والوعيد. ﴿وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ أي الأصنام ﴿فَزَيَّلْنا﴾ فرقنا وميزنا وقطعنا ما بينهم من صلات ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ مجاز عن براءة ما عبدوه من عبادتهم، فإنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم الآمرة بالإشراك ﴿إِنْ كُنّا﴾ أي تقول الملائكة والمسيح ومن عبدوه من دونه من أولي العقل، وقيل: الأصنام ينطقها الله ، فتشافههم بذلك، مكان الشفاعة التي زعموها لهم، وعلقوا بها أطماعهم بقولهم: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر ٣/ ٣٩] ﴿وَيَقُولُونَ: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ [يونس ١٨/ ١٠].
﴿هُنالِكَ﴾ في ذلك اليوم أو في ذلك المقام ﴿تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ﴾ تختبر ما قدمت من عمل، فتعاين نفعه وضرره، و ﴿أَسْلَفَتْ﴾: قدمت و ﴿رُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ إلى جزائه إياهم بما أسلفوا ﴿مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ ربهم ومتولي أمرهم على الحقيقة، لا ما اتخذوه مولى: والحق: الثابت الدائم ﴿وَضَلَّ﴾ غاب أو ذهب وضاع عنهم ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ عليه من الشركاء.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى مصير المحسنين والمسيئين يوم القيامة، أعقبه بذكر يوم الجزاء الذي يتم فيه حشرهم، فيحشر العابد والمعبود، ثم يتبرأ المعبود من العابد، ويتبين له أنه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته. والمقصود نفي الشفاعة، فإن
стр. 3416
القوم كانوا يقولون: ﴿هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ [يونس ١٨/ ١٠] فبين الله تعالى أنهم لا يشفعون لهؤلاء الكفار، بل يتبرءون منهم، وهو يدل على نهاية الخزي والنكال في حق الكفار.
التفسير والبيان:
هذا مشهد فاصل من مشاهد يوم القيامة، تصفّى فيه علاقة الشرك بين المشركين وآلهتهم المزعومة، فيقول الله لنبيه: واذكر أيها الرسول يوم نحشرهم أي نجمع أهل الأرض كلهم من جن وإنس وبرّ وفاجر، وفيهم الفريقان المذكوران سابقا وهم المحسنون والمسيئون كما قال تعالى: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف ٤٧/ ١٨].
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي الذين اتخذوا مع الله شريكا: الزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم، لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم، كقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ [الصافات ٢٤/ ٣٧] وفي هذا وعيد وتوبيخ أمام الخلائق.
﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ أي فرقنا بين الشركاء والمشركين، وقطعنا ما كان بينهم في الدنيا من صلات وروابط.
وتبرأ الشركاء من عابديهم: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ: ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ أي وقال الشركاء لعابديهم: ما كنتم تخصوننا بالعبادة، إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا لله أندادا، فأطعتموهم. وفي هذا أيضا تهديد ووعيد، وأنه تتبدد حينئذ آمال المشركين في شفاعة الشركاء.
والشركاء: إما الملائكة وعيسى المسيح ونحوهم ممن عبدوا من دون الله، أو الأصنام التي ينطقها الله ، فتكلمهم بذلك، والأولى أن المراد بالشركاء:
كل من عبد من دون الله تعالى، من صنم وشمس وقمر وملك وإنسي وجني.
стр. 3417
﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي كفى بالله شاهدا وحكما بيننا وبينكم أنا ما دعوناكم إلى عبادتنا، ولا أمرناكم بها، ولا رضينا منكم بذلك. وفي هذا تبكيت عظيم للمشركين، وتهديد في حق العابدين.
﴿إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ﴾ أي إننا كنا في غفلة تامة عن عبادتكم، لا نعلم بها، ولا ننظر إليها، ولا نرضى عنها، وقال القرطبي. ما كنا عن عبادتكم إلا غافلين لا نسمع ولا نبصر ولا نعقل؛ لأنا كنا جمادا لا روح فينا؛ أي أنه جعل ﴿إِنْ﴾ هنا نافية، والحق أنها مخففة من الثقلية بدليل دخول اللام على:
غافلين.
﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ﴾ أي هنالك في موقف الحساب يوم القيامة تختبر كل نفس وتذوق وتعلم ما قدمت من العمل من خير وشر، فتعرف كيف هو، أقبيح أم حسن؟ كما يختبر الرجل الشيء ويتعرفه، ليتبين حاله؟ كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ [الطارق ٩/ ٨٦].
﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ أي وأرجعوا إلى الله، ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل، الحق الثابت الدائم، ففصلها، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، دون تلك الشركاء والأنداد.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي وذهب عن المشركين افتراؤهم وما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه، ويتخذون تلك الأنداد آلهة مزعومة، ولم يبق لهم نصير ولا شفيع، والأمر كله يومئذ لله تعالى. فهذا تنبيه على زوال ما يدعون أن أولئك الشركاء شفعاء، وأن عبادتهم تقرّب إلى الله تعالى.
стр. 3418
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - الحشر (أي جمع الخلائق من كل جانب في موقف واحد) أمر ثابت يوم القيامة.
٢ - انقطاع الصلة تماما بين الشركاء والمشركين يوم القيامة.
٣ - وعيد الكفار المشركين المتكرر في قوله تعالى: ﴿مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ: ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ وقوله:
﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ..﴾.
٤ - إظهار الخيبة والخزي والإفلاس من عبادة الشرك والمشركين؛ للآية ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ..﴾ ..
٥ - وصف الله تعالى نفسه بالحق؛ لأن الحق منه، كما وصف نفسه بالعدل؛ لأن العدل منه؛ أي كل عدل وحق فمن قبله.
٦ - خيبة الآمال التي تعلق بها المشركون في شفاعة الشركاء وتقريبهم إياهم إلى الله تعالى.
والسبب في قوله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ مع أنه تعالى أخبر بأن الكافرين لا مولى لهم: هو أن المولى هنا يراد به أنه مولاهم في الرزق وإدرار النعم، وليس بمولاهم في النصرة والمعونة.
стр. 3419
إثبات التوحيد بثبوت الربوبية لدى المشركين
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾
الإعراب:
﴿أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أن وصلتها: يجوز كونها في موضع نصب وجر ورفع، فالنصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: بأنهم أو لأنهم، فلما حذف حرف الجر اتصل الفعل به فنصبه، والجر:
بأن يجعل حرف الجر في نية الإثبات، وإنما حذف للتخفيف، والرفع على أن يكون بدلا من ﴿كَلِمَةُ﴾.
البلاغة:
﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ؟﴾ استفهام إنكاري، أي ليس بعد الحق إلا الضلال، فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله تعالى، وقع في الضلال.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ ومن يلي تدبير أمر العالم، وهو تعميم بعد تخصيص.
﴿فَذلِكُمُ﴾ الفعال لهذه الأشياء ﴿الْحَقُّ﴾ الثابت ربوبيته؛ لأنه الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ أي ليس بعد عبادة الله التي هي الحق إلا الضلال والانحراف ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ كيف تصرفون عن الحق أي الإيمان إلى غيره مع قيام البرهان؟
стр. 3420
﴿كَذلِكَ حَقَّتْ﴾ أي كما صرف هؤلاء عن الإيمان ثبتت كلمة ربك أي حكمه ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ كفروا، وهي ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أو هي ﴿أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى جناية المشركين على أنفسهم باتخاذهم الأنداد والشركاء، ذكر أدلة فساد مذهبهم وهو عبادة الأوثان، وإذا فسد مذهبهم ثبت التوحيد، بدليل إقرارهم بأن الرازق ومالك الحواس، والمحيي والمميت هو الله تعالى، فهو سبحانه يحتج على المشركين باعترافهم بوحدانية الله وربوبيته على وحدانية الألوهية.
التفسير والبيان:
قل أيها النبي لمشركي مكة وأمثالهم: من ذا الذي ينزل من السماء المطر، فيكون سببا في إثبات الأرض بالزرع والزهر والشجر، فيخرج منها حبا وعنبا وقضبا (البرسيم) وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا متشابكة وفاكهة كثيرة ونحو ذلك؟ كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ؟﴾ [الملك ٢١/ ٦٧] فهي مصدر رزقكم، بسبب بركات السماء والأرض، فيرزقكم منهما جميعا، دون اقتصار على جهة واحدة ليفيض عليكم نعمته ويوسع رحمته.
ومن الذي أوجد لكم السمع والأبصار، وغيرهما من الحواس، فيملك خلقها وتسويتها على نحو بديع وتحصينها من الآفات، ومن الذي وهبكم هذه القوة السامعة والقوة الباصرة، ولو شاء لذهب بها وسلبكم إياها؟ كقوله تعالى:
﴿قُلْ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [الملك ٢٣/ ٦٧] فهي وسائل العلم والمعرفة وإدراك ما في هذا العالم.
وخص السمع والبصر؛ لأنهما أهم الحواس، وأداة تحصيل العلوم.
стр. 3421
ومن الذي بقدرته العظيمة أمر الحياة والموت؟ فيحيي ويميت، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، مثل إخراج النخلة من النواة والطائر أو الحيوان من البيضة أو النطفة، وعكس ذلك كإخراج الحب والنوى وبيض الحيوان ومنيّه من الشجر والحيوان، وفي هذا دلالة عامة على إيجاد أمارات الحياة والموت، وعلامة الحياة في النبات: النمو، وفي الحيوان: النمو والحركة الإرادية.
وفسر بعضهم الحياة والموت بالشيء المعنوي وهو إخراج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والأكثرون من المفسرين يفسرون الآية بالمعنى الأول، وهو إلى الحقيقة أقرب، كما قال الرازي.
وإذا كان المفسرون قد مثلوا للحي بالنطفة وللميت بالبيضة، فهم يلاحظون الوضع الظاهر المشاهد للناس عادة وهي حياة الحركة والنمو، وهذا لا ينفي ما يقوله الآن علماء الأحياء بأن في البذور والبيض والمني والنطفة حياة أي حياة الخلية، لكن هذه حياة خاصة لا حركة فيها ولا نمو.
ويمكن التمثيل في العلم الحديث لإخراج الميت من الحي بما يطرحه البدن من الخلايا الميتة في الدم والجلد فيخرج مع البخار والعرق، ومثال إخراج الحي من الميت الغذاء الذي يحرق بالنار، ثم يتناوله الإنسان فيتولد منه الدم.
وإذا قال هؤلاء العلماء الجدد: الحي لا يخرج إلا من حي، فإنهم يقررون أن الحياة الأولى هي من خلق الله بدون أي شك.
وعلى أي حال فإن المقصود من الآية إثبات القدرة الكاملة لله تعالى وأنه خالق الموت والحياة، أيا كان المثال؛ لأن إطلاق النص القرآني وعمومه يمكن تطبيقه على ما يقره العلم.
ومن الذي يدبر أمور العالم وبيده ملكوت كل شيء، وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقّب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون؟.
стр. 3422
هذه الأسئلة الخمسة لا يملك المشركون إلا أن يقولوا: إن الفاعل هو الله، وأن يجيبوا بأن الموجد والمعدم هو الله تعالى، بلا تردد ولا شك، ومن غير مكابرة وعناد في ذلك، لفرط وضوح الأمر، ولأنه لا جواب في الواقع غيره.
وإذا اعترفوا بالحقيقة، فقل لهم أيها الرسول عندئذ: أفلا تتقون أنفسكم عقاب الله بإشراككم إياه وعبادتكم غيره، مما لا يشاركه في شيء من ذلك، ولا يملك ضرا ولا نفعا.
فذلكم الذي يتصف بما ذكر من القدرة الخلاقة والإرادة المبدعة هو الله خالقكم ومربّيكم على فضله ومدبر أموركم، وهو المستحق للعبادة، وهو ربكم الثابت ربوبيته بذاته، لأنه الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم، فلا إله غيره، ولا معبود سواه.
وإذا كان الله هو ربكم الحق الثابت بذاته، فليس بعد القول الحق والفعل الحق إلا الضلال والباطل، ولا واسطة بين الحق والباطل، فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله تعالى وقع في الضلال.
فأنى تصرفون عن الحق إلى الضلال، وكيف تتحولون عن الحق إلى الباطل، وعن الهدى إلى الضلال؟ ذلك ما لا يقبله عقل ولا منطق.
﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي كما حقت الربوبية لله والألوهية لله، حقت أي ثبتت كلمة الله وحكمه أو وعيده على الذين فسقوا أي تمردوا في كفرهم وأصروا على ضلالهم، وخرجوا عن دائرة الحق والصلاح وتوحيد الربوبية والألوهية، أنهم لا يؤمنون، أي حق عليهم انتفاء الإيمان وعلم الله منهم ذلك، أو حق عليهم كلمة الله أنهم من أهل الخذلان وأن إيمانهم غير كائن. ويجوز أن يراد بالكلمة الوعيد بالعذاب، ويكون قوله ﴿أَنَّهُمْ
стр. 3423
لا يُؤْمِنُونَ﴾ تعليلا للحقية، بمعنى: لأنهم لا يؤمنون (١). ويلاحظ أن الآية صرحت باليأس من إيمان الذين فسقوا وأصروا على كفرهم، ولم تذكر غيرهم؛ لأن من لم يصرّ يرجى إيمانه وتخلصه من العذاب إذا آمن وأطاع، فلا مانع أمامه، كما أنه ليس هناك أي مانع قهري يمنع من إيمان أي كافر، وإنما هو الذي يمتنع باختياره من الإيمان، ويصرّ على الكفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧].
وجعل ابن كثير الآية الأخيرة ﴿كَذلِكَ حَقَّتْ﴾ في المشركين أنفسهم، فقال: أي كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم وعبادتهم مع الله غيره، مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرزاق المتصرف في الملك وحده، الذي بعث رسله بتوحيده، فلهذا حقت عليهم أنهم أشقياء من ساكني النار، كقوله: ﴿قالُوا:﴾
﴿بَلى، وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الزمر ٧١/ ٣٩] (٢).
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا نقاش منطقي هادئ مع المشركين، فإنهم إن سئلوا عن الرازق والخالق والمحيي والميت والمدبر، فلا يسعهم إلا الاعتراف بأنه هو الله رب الخلائق قاطبة، وهذا اعتراف صريح منهم بوحدة الربوبية، فلم لا يعترفون بوحدة الألوهية، وإنما يشركون مع الله إلها آخر؟!
والمنطق يقضي بالتسوية بين الأمرين والإقرار بوحدة الربوبية والألوهية، فتكون الآية دالة على إثبات التوحيد.
стр. 3424
ودلت الآية على ما يأتي:
١ - الله تعالى هو الرزاق، المتصرف في الملك والخلق والإيجاد وحده، المحيي، المميت، المدبر أمر الكون والعالم.
٢ - من كانت هذه قدرته ورحمته ويفعل هذه الأشياء هو ربكم الحق الثابت ربوبيته ثباتا لا ريب فيه، لا ما أشركتم معه: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾. وبما أن الله تعالى هو الحق المبين، وجب أن يكون ما سواه ضلالا؛ لأن النقيضين لا يجتمعان، فإذا كان أحدهما حقا، وجب أن يكون ما سواه باطلا: ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ؟﴾ أي ما بعد عبادة الإله الحق إذا تركت عبادته إلا الضلال؟ وبناء عليه، قال العلماء: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى. ويقاس عليها مسائل الأصول، الحق فيها واحد لا يتعدد، بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥]
وقوله ﵊ في الحديث الصحيح: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات».
وثبت عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى صلاة التهجد قال: «اللهم لك الحمد»
وفي الحديث: «أنت الحق ووعدك الحق..»
فقوله:
«أنت الحق» أي الواجب الوجود، وهذا وصف لله تعالى بالذات والحقيقة؛ إذ وجوده لنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، بخلاف غيره، كقوله تعالى:
﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨/ ٢٨].
ومقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعا، كما في هذه الآية، وكذلك أيضا مقابلة الحق بالباطل عرف لغة وشرعا، كما في قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ،
стр. 3425
وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ﴾ [الحج ٦٢/ ٢٢]. وحقيقة الضلال: الذهاب عن الحق.
٣ - احتج الإمام مالك على تحريم اللعب بالشّطرنج والنّرد بقوله تعالى:
﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ فقال: اللعب بالشطرنج والنّرد من الضلال.
وقد اختلف العلماء في حكم اللعب بالشطرنج وغيره إذا لم يكن على وجه القمار، فقال جمهور الفقهاء: إن من لم يقامر بها ولعب مع أهله في بيته مستترا به، مرة في الشهر أو العام، لا يطّلع عليه ولا يعلم به: أنه معفوّ عنه، غير محرم عليه ولا مكروه له، وأنه إن اشتهر به سقطت مروءته وعدالته، وردّت شهادته.
وذهب الشافعي إلى أنه لا تسقط شهادة اللاعب بالنرد والشطرنج إذا كان عدلا في غير ذلك، ولم يظهر منه سفه ولا ريبة ولا كبيرة إلا أن يلعب به قمارا، فإن لعب بها قمارا، سقطت عدالته، وسفّه نفسه لأكله المال بالباطل.
وقال أبو حنيفة: يكره اللعب بالشطرنج والنرد وكل اللهو، فإن لم تظهر من اللاعب بها كبيرة، وكانت محاسنه أكثر من مساويه، قبلت شهادته.
٤ - العاقل يلتزم المعقول، لذا استنكر الله تعالى على المشركين الخروج عن دائرة المعقول بقوله: ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ؟﴾ أي كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر، وكيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ولا يحيي ولا يميت؟! ٥ - علم الله قديم واسع الإحاطة، والعذاب حق وعدل ومعلوم سابقا في علم الله تعالى على الذين أصروا على الكفر وماتوا وهم كفار؛ لقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي ثبت حكمه وقضاؤه وعلمه السابق على الذين خرجوا عن الطاعة وكفروا وكذبوا أنهم لا يصدقون، أو ثبت عليهم استحقاق العذاب والوعيد به؛ لأنهم لا يؤمنون.
стр. 3426
إثبات البعث
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾
الإعراب:
﴿أَفَمَنْ يَهْدِي.﴾. ﴿مِنْ﴾: مبتدأ مرفوع، و ﴿أَحَقُّ﴾: خبره، وفي الكلام محذوف تقديره: أحق ممن لا يهدي. و ﴿أَنْ يُتَّبَعَ﴾: إما موضعه النصب على تقدير حذف حرف الجر، وإما الرفع على البدل من ﴿مِنْ﴾ بدل اشتمال. و ﴿أَحَقُّ﴾: الخبر. ويحتمل أن يجعل ﴿أَنْ﴾ مبتدأ ثانيا، و ﴿أَحَقُّ﴾ خبره مقدم عليه، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول وهو ﴿مِنْ﴾.
و ﴿يَهْدِي﴾ أصله يهتدي، فأبدل من التاء دالا، وأدغم الدال في الدال، وكسرت الهاء لاتباع ما بعدها ولالتقاء الساكنين؛ لأنه الأصل في التقاء الساكنين. وقرئ بفتح الهاء (يهدّى)؛ لأنه نقلت فتحة التاء إلى الهاء.
﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ما: مبتدأ مرفوع، و ﴿لَكُمْ﴾: خبره، و ﴿كَيْفَ﴾ في موضع نصب بتحكمون.
﴿شَيْئاً﴾ منصوب؛ لأنه في موضع المصدر، أي غناء، مثل: ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ أي إشراكا ويجوز أن يكون مفعولا به، و ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: حالا منه.
البلاغة:
﴿يَبْدَؤُا..﴾. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بينهما طباق. ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ استفهام توبيخ وتقرير أي الأول أحق.
﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ و ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ.
стр. 3427
المفردات اللغوية:
﴿مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ جعل الإعادة كالابتداء في الإلزام بها، لظهور برهانها.
﴿تُؤْفَكُونَ﴾ تصرفون عن الحق إلى الباطل وعن عبادته مع قيام الدليل.
﴿مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ بإقامة الحجج، وإرسال الرسل، وخلق الاهتداء أو التوفيق للنظر والتدبر. ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ وهو الله ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ أم الذي لا يهتدي، والاستفهام للتقرير والتوبيخ، أي الأول أحق. ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الفاسد من اتباع ما لا يحق اتباعه، وما يقتضي صريح العقل بطلانه.
﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾ في عبادة الأصنام، والمراد بالأكثر الجميع، أو الذي عنده تمييز ونظر ولا يرضى بالتقليد. ﴿إِلاّ ظَنًّا﴾ وهو تقليد الآباء بالاعتماد على خيالات فارغة وقياسات فاسدة، كقياس الغائب على الشاهد والخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ أي لا يفيد الظن فيما يطلب فيه العلم والاعتقاد الحق. ﴿شَيْئاً﴾ من الإغناء. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ فيجازيهم عليه.
المناسبة:
انتقل الله تعالى فورا في بيانه من إثبات التوحيد إلى إثبات البعث، من طريق معرفة القادر ابتداء على خلق الإنسان وخلق السموات والأرض، وأن الإعادة كالابتداء، ثم عرض الأمر على العقلاء في بيان الأحق بالاتباع أهو الله الذي يخلق الاهتداء والتوفيق إليه، أم المحتاج إلى هداية غيره؟ وصيغ البيان أو الحجة بطريق السؤال والاستفهام؛ لأنه أوقع في النفس، وأبلغ تأثيرا على القلب.
التفسير والبيان:
قل للمشركين أيها الرسول: من الذي بدأ خلق السموات والأرض، ثم أنشأ ما فيهما من الخلائق؟ هل يستطيع أحد غير الله ذلك؟ سواء كان صنما أو وثنا أو كوكبا أو ملكا أو جنّا أو رسولا أو غيرهم؟ ومن يقدر أن يعيد الخلق خلقا جديدا؟
стр. 3428
وبما أنهم بسبب اللجاج والمكابرة لا يؤمنون بالبعث والمعاد، فلم يجيبوا كما أجابوا عن الأسئلة الخمسة المتقدمة، فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿قُلِ: اللهُ..﴾.
أي قل أيها الرسول: الله هو القادر على بدء الخلق وإعادته؛ لأن القادر على البدء قادر على الإعادة، فهو الذي يفعل هذا ويستقل به وحده لا شريك له. علما بأنهم يعترفون بأن المبدئ والمعيد في النباتات هو الله، لما يشاهدونه من تكرار بدء ظهور النبات بالمطر في فصل الشتاء، ثم موته في الصيف، ثم عودته إلى الظهور في الشتاء القادم مرة أخرى. ولكنهم ينكرون إعادة الحياة في الأحياء الحيوانية من إنسان وغيره.
﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ؟﴾ أي فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل وعن الحق وهو التوحيد إلى الضلال وهو الإشراك وعبادة الأصنام؟ أي إذا كانت فطرتكم وعقولكم أو أنظاركم وملاحظاتكم تؤدي إلى أن الله تعالى هو الذي يعيد الحياة إلى النبات، فلم لا تعترفون بقدرته على إعادة الحياة إلى الإنسان؟ وذلك يؤدي بكم إلى الإيمان بالبعث والجزاء يوم القيامة؟! ثم سألهم الله تعالى عن شأن من شؤون الربوبية، بقوله: ﴿قُلْ: هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ؟ ..﴾. أي قل لهم أيها الرسول: هل يستطيع أحد من شركائكم هداية الضال والحيران: إما بالفطرة والغريزة، وإما بالحواس من سمع وبصر ونحوهما، وإما بالعقل والتفكير، وإما بهداية الكتب السماوية والرسل، أو هم عاجزون عن ذلك كله؟! وهذه الهداية هي تماما كالقدرة على الخلق والتكوين، كقوله تعالى:
﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدى﴾ [طه ٥٠/ ٢٠].
وبما أنهم يدركون تماما أن شركاءهم لا يستطيعون شيئا من الخلق والهداية التشريعية، فلم يجدوا جوابا، فأجابهم الله تعالى: ﴿قُلِ: اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾
стр. 3429
أي قل أيها الرسول: هو الله الذي يهدي إلى الحق بما أوجد من الأدلة والحجج، وأرسل من الرسل، وأنزل من الكتب، ومنح الإنسان مفاتيح العلم والمعرفة والإيمان بالعقل والحواس.
ومن هو أحق باتباع قوله وطاعة أمره؟ أهو الذي يقدر على الهداية إلى الحق والرشد والإيمان، أم الذي لا يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره، وهو الله تعالى؟ وهذا يشمل جميع الشركاء من ملائكة وغيرهم كالمسيح وعزير ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي فما بالكم وأي شيء دهاكم، كيف سوّيتم بين الله وبين خلقه، وحكمتم بجواز عبادة غير الله وشفاعتهم؟ وهذا تعجب شديد من حكمهم الجائر بالمساواة بين عبادة الله تعالى وعبادة شركائهم العاجزة عن كل شيء.
ثم بين الله تعالى أنهم لا يتبعون في اعتقادهم هذا وشركهم وعبادتهم غير الله دليلا ولا برهانا، وإنما يتبع جميعهم نوعا من الظن الضعيف وهو التوهم والتخيل، وذلك لا يغني عنهم شيئا، لأن الظن الخائب لا يغني شيئا من الإغناء فيما يطلب فيه الحق الثابت، أي العلم والاعتقاد الصواب.
إن الله عليم بأفعالهم، فيجازيهم على كل فعل منها، كتكذيب الرسول ﷺ ، مع قيام الأدلة القطعية على صدقه، وتقليد الآباء والأجداد بدون حجة أو دليل. وهذا تهديد لهم ووعيد شديد؛ لأنه تعالى أخبر أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء.
والخلاصة: أن مجموعات، الآيات السابقة اشتملت على حجج ثلاث للاستدلال على وجود الله تعالى: الأولى-أنه الرازق الموجد السمع والبصر خالق الموت والحياة، والثانية-أنه خالق الإنسان والسموات والأرض وما بينهما، والثالثة-
стр. 3430
أنه القادر على الهداية. والاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ثم بالهداية ثانيا: عادة مطردة في القرآن.
فقه الحياة أو الأحكام:
اشتملت هذه الآيات من أجل إثبات البعث على توبيخين للمشركين وتهديد.
أما التوبيخ الأول: فهو على عبادتهم شركاء عاجزين عن الخلق بدءا وإعادة، فكيف تصح تلك العبادة؟ وكيف تنقلبون أيها المشركون وتنصرفون عن الحق إلى الباطل؟ وبما أن الحق تعالى هو القادر على الخلق، فخلق السموات والأرض وما بينهما، وخلق الإنسان من تراب ثم من نطفة ثم من علقة دم، وهو قدير على إعادته، فيجب الإيمان بالبعث إيمانا لا يخالجه أي شك أو ريبة.
وأما التوبيخ الثاني: فهو أيضا على اتخاذ الشركاء آلهة معبودة مع أنهم لا يستطيعون هداية أنفسهم ولا غيرهم، فيكون الأحق بالعبادة والتوحيد هو الله تعالى القادر على الإرشاد إلى الطريق المستقيم الذي هو القرآن ودين الإسلام..
فما لكم كيف تحكمون، أي فأي شيء لكم في عبادة الأوثان، وكيف ترضون لأنفسكم وعقولكم وتقضون بهذا الباطل الصراح، تعبدون آلهة لا تغني عن أنفسها شيئا إلا أن يفعل بها، والله يفعل ما يشاء فتتركون عبادته؟ وأما التهديد: فهو على الكفر والتكذيب: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وسيجازيكم عليه.
ودلت آية ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ على أنه لا يكتفى بالظن في
стр. 3431
العقائد، وعلى أن تحصيل العلم واليقين في الأصول واجب، وأما الاكتفاء بالتقليد والظن فيها فهو غير جائز؛ لأن أصول الإيمان أساسية، فتبني على اليقين، ولا يجدي فيها الظن، وإنما يكفي هذا في فروع الأعمال.
القرآن كلام الله وتحدي العرب به
﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٣٩)﴾
الإعراب:
﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ﴿تَصْدِيقَ﴾: خبر كان مقدرة، تقديره: ولكن كان هو تصديق، أي القرآن. وأجاز الكسائي الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: ولكن هو.
﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ﴾ خبر ثان.
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك.
﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ خبر آخر تقديره: كائنا من رب العالمين، أو متعلق بتصديق أو بتفصيل، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعتراض، ويجوز أن يكون حالا من الكتاب أو الضمير في ﴿فِيهِ﴾.
البلاغة:
﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ استعارة لما سبقه من التوراة والإنجيل اللذين بشرا به.
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ الهمزة فيه للإنكار، والمعنى: بل أيقولون افتراه محمد؟
стр. 3432
المفردات اللغوية:
﴿أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي أن يفتري افتراء من غير الله تعالى. ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي كان أو أنزل مطابقا لما تقدمه من الكتب الإلهية المشهود على صدقها وليس كذبا.
﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ﴾ تبيين ما كتبه الله من الأحكام وغيره، وتوضيح ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أي بل أيقولون: اختلقه محمد، والهمزة للإنكار. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وقوة المعنى، على وجه الافتراء؛ فإنكم عرب فصحاء، مثلي في العربية والفصاحة، وأشدّ تمرنا في النظم والعبارة. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ سوى الله أو غيره، فإنه وحده قادر على ذلك. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنه افتراء وأنه اختلقه، فلم يقدروا على ذلك.
﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ بل سارعوا إلى التكذيب. ﴿بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي القرآن أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه. ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ لم يطلعوا على تأويله، ولم تبلغ أذهانهم معانيه، ولم تتحقق عاقبة ما فيه من الوعيد، أو تقع أخباره عن المغيبات، حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب. والمعنى: أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى، ثم إنهم فاجؤوا بتكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه، ويتفحصوا معناه.
﴿كَذلِكَ﴾ التكذيب. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ رسلهم. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ بتكذيب الرسل، أي آخر أمرهم من الهلاك، فكذلك نهلك هؤلاء.
المناسبة:
ذكر الله تعالى مطلب المشركين من النبي ﷺ بإنزال آية من ربه (الآية ٢٠) لاعتقادهم أن القرآن ليس بمعجز، وأن محمدا إنما يأتي به من عند نفسه اختلاقا، وأجابهم بأن محمدا عاجز كغيره عن إنزال آية والإتيان بمثله، ثم أبطل شركهم بأدلة كثيرة، ثم عاد هنا إلى ترسيخ حقيقة أصيلة وهي أن القرآن وحي من عند الله تعالى، وليس إتيان محمد ﵊ به على سبيل الافتراء على الله تعالى، مما يدل على أنه معجز نازل من عند الله، وأنه مبرأ من الافتراء.
стр. 3433
التفسير والبيان:
هذه الآيات في بيان إعجاز القرآن، وكونه كلام الله، وهذا من أصول الدين، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن لإثبات أنه من عند الله تعالى، وليس من عند النبي ﷺ ، وإنما هو معجزة خالدة تشهد بصدق النبي ﷺ ، وهو معنى قول الله
في الحديث القدسي: «صدق عبدي في كل ما يبلغه عني».
ومعنى الآية: ما شأن القرآن وما ينبغي أن يختلق من غير الله؛ لأنه بفصاحته وبلاغته، ووجازته وحلاوته، وإخباره عن المغيبات، وأصالة تشريعه، واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند الله تعالى، فهو كلامه الذي لا يشبه كلام المخلوقين، ولا يقدر أحد إلا الله أن يجاريه أو يعارضه.
وقد ثبت أن أبا جهل قال: إن محمد لم يكذب على بشرط، أفيكذب على الله؟ وإنه مطابق ومصدّق لما تقدمه من الكتب الإلهية المنزلة على الرسل، كإبراهيم وموسى وعيسى، وموافق لها في الدعوة إلى أصول الدين من التوحيد والإيمان بالله واليوم الآخر، وصالح الأعمال، وفضائل الأخلاق، وهو أيضا مهيمن عليها، ومبيّن كاشف لما وقع فيها من تحريف وتبديل، كما قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ، وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٤٨/ ٥].
﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ﴾ أي وبيان الأحكام والشرائع، والحلال والحرام، والعبر والمواعظ، والآداب والأخلاق الشخصية والاجتماعية، بيانا شافيا كافيا.
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك فيه أبدا، ولا ينبغي لعاقل أن يرتاب فيه، لوضوحه، وبيانه الحق والهدى والصواب.
стр. 3434
﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي منزل وموحى به من الله لا من غيره، بدليل سلامته عن الاضطراب والاختلاف، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء ٨٢/ ٤].
وبه يتبين أن الله سبحانه وصف القرآن بصفات خمس هي:
١ - لا يصح أن يفتري من دون الله؛ لأن القرآن معجز لا يقدر عليه البشر.
٢ - وهو مصدّق مؤيد لما قبله في أصول الدين والفضائل، ومهيمن عليه، فهو معجز لاشتماله على الإخبار عن المغيبات الماضية والمستقبلة، وهو المراد بقوله: ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
ومن إخباره عن مغيبات المستقبل التي وقعت مطابقة للخبر: قوله تعالى:
﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ.﴾. وقوله تعالى في فتح مكة: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ﴾ [الفتح ٢٧/ ٤٨] وقوله في ظهور الدولة الإسلامية: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور ٥٥/ ٢٤] مما يدل على أن الإخبار إنما حصل بالوحي من الله تعالى.
٣ - وهو مفصّل ما يحتاج إليه الإنسان من الأحكام الشرعية والعلوم الكثيرة الدينية والدنيوية، ففيه علم العقائد والأديان: وهو معرفة الله تعالى (ذاتا وصفات) وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وفيه علم الأعمال وهو علم الفقه، وعلم الأخلاق مثل قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ [الأعراف ١٩٩/ ٧] وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠/ ١٦] وهو المراد بقوله: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف ١١١/ ١٢].
стр. 3435
٤ - لا ريب ولا شك فيه، لبيانه العلوم الكثيرة، وعدم وجود التناقض فيه.
٥ - كونه من عند الله تعالى، نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين.
ثم أنكر الله تعالى على المشركين الجاهلين القائلين بأن محمدا ﷺ قد افتراه، وتحداهم أن يأتوا بمثله، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ.﴾. أي بل أيقولون:
اختلقه محمد؟! فمحمد بشر مثلكم، وقد زعمتم أنه جاء بهذا القرآن، فأتوا بسورة مثله، أي من جنس هذا القرآن، ولو بما يشابه أقصر سورة فيه في النظم والأسلوب، والقوة والإحكام، والبلاغة والدقة، واستعينوا على ذلك بمن قدرتم عليه من إنس وجان، ولن تستطيعوا فعل شيء؛ فإن جميع الخلق عاجزون عن معارضته أو الإتيان بمثله: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء ٨٨/ ١٧].
فإن كنتم صادقين في ادعائكم أن القرآن من عند محمد، فلتأتوا بنظير ما جاء به وحده، ولتستعينوا بمن شئتم.
ولقد كان التحدي للإتيان بمثل القرآن على مراحل: أولها-ما ذكر في هذه الآية: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ وهي أعلى المراتب. وثانيها-التنازل معهم إلى عشر سور منه، فقال في أول سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [١٣]. وثالثها-التنازل إلى سورة، فقال هنا في هذه السورة المكية: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وكذا في سورة البقرة المدنية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [٢٣].
ثم أثبت القرآن موقف هؤلاء المشركين منه فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا.﴾. أي بل