العقائد، وعلى أن تحصيل العلم واليقين في الأصول واجب، وأما الاكتفاء بالتقليد والظن فيها فهو غير جائز؛ لأن أصول الإيمان أساسية، فتبني على اليقين، ولا يجدي فيها الظن، وإنما يكفي هذا في فروع الأعمال.
القرآن كلام الله وتحدي العرب به
﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٣٩)﴾
الإعراب:
﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ﴿تَصْدِيقَ﴾: خبر كان مقدرة، تقديره: ولكن كان هو تصديق، أي القرآن. وأجاز الكسائي الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: ولكن هو.
﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ﴾ خبر ثان.
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك.
﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ خبر آخر تقديره: كائنا من رب العالمين، أو متعلق بتصديق أو بتفصيل، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعتراض، ويجوز أن يكون حالا من الكتاب أو الضمير في ﴿فِيهِ﴾.
البلاغة:
﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ استعارة لما سبقه من التوراة والإنجيل اللذين بشرا به.
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ الهمزة فيه للإنكار، والمعنى: بل أيقولون افتراه محمد؟
стр. 3432
المفردات اللغوية:
﴿أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي أن يفتري افتراء من غير الله تعالى. ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي كان أو أنزل مطابقا لما تقدمه من الكتب الإلهية المشهود على صدقها وليس كذبا.
﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ﴾ تبيين ما كتبه الله من الأحكام وغيره، وتوضيح ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أي بل أيقولون: اختلقه محمد، والهمزة للإنكار. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وقوة المعنى، على وجه الافتراء؛ فإنكم عرب فصحاء، مثلي في العربية والفصاحة، وأشدّ تمرنا في النظم والعبارة. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ سوى الله أو غيره، فإنه وحده قادر على ذلك. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنه افتراء وأنه اختلقه، فلم يقدروا على ذلك.
﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ بل سارعوا إلى التكذيب. ﴿بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي القرآن أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه. ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ لم يطلعوا على تأويله، ولم تبلغ أذهانهم معانيه، ولم تتحقق عاقبة ما فيه من الوعيد، أو تقع أخباره عن المغيبات، حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب. والمعنى: أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى، ثم إنهم فاجؤوا بتكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه، ويتفحصوا معناه.
﴿كَذلِكَ﴾ التكذيب. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ رسلهم. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ بتكذيب الرسل، أي آخر أمرهم من الهلاك، فكذلك نهلك هؤلاء.
المناسبة:
ذكر الله تعالى مطلب المشركين من النبي ﷺ بإنزال آية من ربه (الآية ٢٠) لاعتقادهم أن القرآن ليس بمعجز، وأن محمدا إنما يأتي به من عند نفسه اختلاقا، وأجابهم بأن محمدا عاجز كغيره عن إنزال آية والإتيان بمثله، ثم أبطل شركهم بأدلة كثيرة، ثم عاد هنا إلى ترسيخ حقيقة أصيلة وهي أن القرآن وحي من عند الله تعالى، وليس إتيان محمد ﵊ به على سبيل الافتراء على الله تعالى، مما يدل على أنه معجز نازل من عند الله، وأنه مبرأ من الافتراء.
стр. 3433
التفسير والبيان:
هذه الآيات في بيان إعجاز القرآن، وكونه كلام الله، وهذا من أصول الدين، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن لإثبات أنه من عند الله تعالى، وليس من عند النبي ﷺ ، وإنما هو معجزة خالدة تشهد بصدق النبي ﷺ ، وهو معنى قول الله
في الحديث القدسي: «صدق عبدي في كل ما يبلغه عني».
ومعنى الآية: ما شأن القرآن وما ينبغي أن يختلق من غير الله؛ لأنه بفصاحته وبلاغته، ووجازته وحلاوته، وإخباره عن المغيبات، وأصالة تشريعه، واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند الله تعالى، فهو كلامه الذي لا يشبه كلام المخلوقين، ولا يقدر أحد إلا الله أن يجاريه أو يعارضه.
وقد ثبت أن أبا جهل قال: إن محمد لم يكذب على بشرط، أفيكذب على الله؟ وإنه مطابق ومصدّق لما تقدمه من الكتب الإلهية المنزلة على الرسل، كإبراهيم وموسى وعيسى، وموافق لها في الدعوة إلى أصول الدين من التوحيد والإيمان بالله واليوم الآخر، وصالح الأعمال، وفضائل الأخلاق، وهو أيضا مهيمن عليها، ومبيّن كاشف لما وقع فيها من تحريف وتبديل، كما قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ، وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٤٨/ ٥].
﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ﴾ أي وبيان الأحكام والشرائع، والحلال والحرام، والعبر والمواعظ، والآداب والأخلاق الشخصية والاجتماعية، بيانا شافيا كافيا.
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك فيه أبدا، ولا ينبغي لعاقل أن يرتاب فيه، لوضوحه، وبيانه الحق والهدى والصواب.
стр. 3434
﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي منزل وموحى به من الله لا من غيره، بدليل سلامته عن الاضطراب والاختلاف، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء ٨٢/ ٤].
وبه يتبين أن الله سبحانه وصف القرآن بصفات خمس هي:
١ - لا يصح أن يفتري من دون الله؛ لأن القرآن معجز لا يقدر عليه البشر.
٢ - وهو مصدّق مؤيد لما قبله في أصول الدين والفضائل، ومهيمن عليه، فهو معجز لاشتماله على الإخبار عن المغيبات الماضية والمستقبلة، وهو المراد بقوله: ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
ومن إخباره عن مغيبات المستقبل التي وقعت مطابقة للخبر: قوله تعالى:
﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ.﴾. وقوله تعالى في فتح مكة: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ﴾ [الفتح ٢٧/ ٤٨] وقوله في ظهور الدولة الإسلامية: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور ٥٥/ ٢٤] مما يدل على أن الإخبار إنما حصل بالوحي من الله تعالى.
٣ - وهو مفصّل ما يحتاج إليه الإنسان من الأحكام الشرعية والعلوم الكثيرة الدينية والدنيوية، ففيه علم العقائد والأديان: وهو معرفة الله تعالى (ذاتا وصفات) وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وفيه علم الأعمال وهو علم الفقه، وعلم الأخلاق مثل قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ [الأعراف ١٩٩/ ٧] وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠/ ١٦] وهو المراد بقوله: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف ١١١/ ١٢].
стр. 3435
٤ - لا ريب ولا شك فيه، لبيانه العلوم الكثيرة، وعدم وجود التناقض فيه.
٥ - كونه من عند الله تعالى، نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين.
ثم أنكر الله تعالى على المشركين الجاهلين القائلين بأن محمدا ﷺ قد افتراه، وتحداهم أن يأتوا بمثله، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ.﴾. أي بل أيقولون:
اختلقه محمد؟! فمحمد بشر مثلكم، وقد زعمتم أنه جاء بهذا القرآن، فأتوا بسورة مثله، أي من جنس هذا القرآن، ولو بما يشابه أقصر سورة فيه في النظم والأسلوب، والقوة والإحكام، والبلاغة والدقة، واستعينوا على ذلك بمن قدرتم عليه من إنس وجان، ولن تستطيعوا فعل شيء؛ فإن جميع الخلق عاجزون عن معارضته أو الإتيان بمثله: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء ٨٨/ ١٧].
فإن كنتم صادقين في ادعائكم أن القرآن من عند محمد، فلتأتوا بنظير ما جاء به وحده، ولتستعينوا بمن شئتم.
ولقد كان التحدي للإتيان بمثل القرآن على مراحل: أولها-ما ذكر في هذه الآية: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ وهي أعلى المراتب. وثانيها-التنازل معهم إلى عشر سور منه، فقال في أول سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [١٣]. وثالثها-التنازل إلى سورة، فقال هنا في هذه السورة المكية: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وكذا في سورة البقرة المدنية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [٢٣].
ثم أثبت القرآن موقف هؤلاء المشركين منه فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا.﴾. أي بل
стр. 3436
سارع هؤلاء إلى تكذيب القرآن من قبل أن يتدبروا ما فيه، أو يفهموه، وهذا.
شأن المعاند الجاهل.
﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي وكما أنهم كذبوا به بداهة قبل التدبر والمعرفة تقليدا للآباء، كذلك كذبوه بعد التدبر ومعرفة علو شأنه وإعجازه وضعف قواهم في المعارضة، تمردا وعنادا، وبغيا وحسدا. ويجوز أن يكون معنى ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾: لم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالمغيبات، حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق؟ ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي مثل ذلك التكذيب كذبت الأمم السابقة بمعجزات الأنبياء قبل النظر فيها وقبل تدبرها من غير إنصاف من أنفسهم، ولكن تقليدا للآباء وعنادا.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ أي فانظر أيها الرسول كيف كانت عاقبة أولئك الظالمين لأنفسهم بتكذيبهم رسلهم وطلبهم الدنيا وترك الآخرة، وهي أننا أهلكناهم بسبب تكذيبهم رسلنا، ظلما وعلوا، وكفرا وعنادا وجهلا، فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا، وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٠/ ٢٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
الآيات إثبات قاطع لكون القرآن كلام الله تعالى ووحيه إلى محمد ﷺ ، وليس افتراء من محمد ﷺ ، وذلك بدليل وصفه بالأوصاف الخمس التي ذكرت في الآية، وأوضحتها في التفسير السابق.
стр. 3437
وبدليل التحدي للعرب بأن يأتوا بمثل سورة من هذا القرآن، إذا كان في زعمهم من كلام محمد ﷺ وهو بشر مثلهم، وهم عرب فصحاء بلغاء مثله.
فالآية الأولى دلت على كون القرآن من عند الله تعالى؛ لأنه مصدّق الذي بين يديه من الكتب، وموافق لها، من غير أن يتعلم محمد ﵊ عن أحد.
والآية الثانية إلزام بسورة مثله إن كان مفترى. وهذا مناسب لما اشتهر به العرب من فصاحة وبلاغة وبيان، فالقرآن معجزة الرسول ﷺ الخالدة في بيانه ونظمه وتشريعه وعلومه. كما أن كل معجزة لنبي تناسب العصر الذي عاش فيه، مثل معجزة العصا واليد لموسى ﵇ في زمن برع فيه السحرة بفنون السحر، ومعجزة عيسى ﵇ الذي بعث في زمان اشتهار علم الطب، فكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وهذا من غير علاج ولا دواء.
لهذا جاء
في الحديث الصحيح المتقدم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من نبي من الأنبياء، إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا».
ودلت الآية الثالثة: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ على انهيار موقف العرب من القرآن، فهم قبل أن يتأملوا بما فيه كذبوا به تقليدا للآباء وإبقاء على عبادة الأوثان، وبعد أن تأملوا وتدبروا فيه كذبوا به أيضا تمردا وعنادا، وبغيا وحسدا، وعجزا وضعفا من معارضته والإتيان بمثل أقصر سورة فيه في سلامة النظم والأسلوب والمعنى والحكم. لذا أنذرهم القرآن بالدمار والهلاك على ظلمهم كما أهلك الأمم الخالية بسبب تكذيب الرسل.
стр. 3438
انقسام المشركين إلى فريقين حول الإيمان بالقرآن والنبي
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾
الإعراب:
﴿مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ حملا على معنى ﴿مَنْ﴾ لأن معناها الجمع.
﴿مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ ينظر حملا على لفظ ﴿مَنْ﴾ لأن لفظها مفرد.
﴿وَلكِنَّ النّاسَ﴾ ذهب جماعة من النحويين إلى أن الاختيار في ﴿لكِنَّ﴾ إذا جاءت معها الواو أن تكون مشدّدة، وإذا جاءت بغير واو أن تكون مخففة، قال الفراء: لأنها إذا كانت بغير واو أشبهت «بل» فخففت لتكون مثلها في الاستدراك، وإذا جاءت بالواو خالفت فشدّدت، فمن شددها، كان ما بعدها منصوبا لأنه اسمها، ومن خففها رفع ما بعدها على الابتداء، وما بعده الخبر ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول به مقدم.
البلاغة:
﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ..﴾. و ﴿مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ بينهما طباق السلب.
﴿الصُّمَّ.﴾. ﴿الْعُمْيَ﴾ مجاز عن الكافرين، شبههم بالصم والعمي لإعراضهم عن الحق والهدى.
المفردات اللغوية:
﴿وَمِنْهُمْ﴾ ومن المكذبين أهل مكة ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق
стр. 3439
ولكن يعاند، أو من سيؤمن به ويتوب عن كفره. وضمير ﴿بِهِ﴾ يعود إلى القرآن ﴿مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ في نفسه لفرط غباوته وقلة تدبره، أو فيما يستقبل بل يموت على الكفر ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾ بالمعاندين أو المصرين على الكفر، وهو تهديد لهم.
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أصروا على تكذيبك ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ أي لكل جزاء عمله، وأنا بريء من عملكم، وبما أني تبرأت منه فقد أعذرت ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ لا تؤاخذوني بعملي ولا أؤاخذ بعملكم.
﴿مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ إذا قرأت القرآن وعلّمت الشرائع، ولكن لا يقبلون كالأصم الذي لا يسمع أصلا ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ شبههم بهم في عدم الانتفاع بالقرآن ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم وتدبرهم. وهذا يدل على أن حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه.
﴿مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ يعاينون دلائل نبوتك ولكن لا يصدقونك ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ شبههم بهم في عدم الاهتداء ﴿وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ ولو انضم إلى عدم البصر عدم البصيرة، فإن المقصود من الإبصار: هو الاعتبار والاستبصار. والآية كالتعليل للأمر بالتبري والإعراض عنهم.
﴿لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً﴾ بسلب حواسهم وعقولهم ﴿وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بإفسادها وتفويت منافعها عليها. وفيه دليل على أن للعبد كسبا وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية، كما زعمت المجبرة.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى طعن الكافرين في النبوة والوحي، وبعد أن أنذرهم بالدمار والعذاب في الدنيا بقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ ذكر أنهم في الواقع فريقان: فريق يصدق بأن القرآن كلام الله، ولكنه يكابر ويعاند، وفريق لا يصدق به أصلا لفرط غباوته وجهله، فيصر على تكذيب النبي؛ لفقده الاستعداد للإيمان به، فلا أمل في إصلاحه وهدايته، فتكون المصلحة في إعطاء الفرصة للفريق الأول للإيمان دون الاستئصال.
التفسير والبيان:
المشركون في الحال والاستقبال فريقان: فريق يصدق بالقرآن في نفسه
стр. 3440
ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب، وفريق يشك فيه لا يصدق به. هذا في الحال. ويجوز أن يراد بفعل ﴿يُؤْمِنُ﴾ الاستقبال، أي ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من سيؤمن بهذا القرآن، ويتبعك، وينتفع بما أرسلت به؛ ومنهم من سيصرّ على كفره، ويموت على ذلك ويبعث عليه.
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة فيضله، وهؤلاء هم المعاندون أو المصرّون، والله العادل الذي لا يجوز، بل يعطي كلا ما يستحقه، فمعنى الآية: وربك أعلم بمن يفسد في الأرض بالشرك والظلم والطغيان، فلا أمل في صلاحهم، لفقدهم الاستعداد للإيمان، وسيعذبهم في الدنيا والآخرة.
وإن كذّبك هؤلاء المشركون وأصروا على ذلك، فتبرأ منهم ومن عملهم، وقل لهم: ﴿لِي عَمَلِي﴾: وهو تبليغ الرسالة والإنذار والتبشير والطاعة والإيمان، وسيجازيني الله عليه، ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾: وهو الظلم والشرك والفساد، وسيجازيكم الله عليه، كما قال تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس ٥٢/ ١٠].
﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ يراد بذلك الزجر والردع، وإعلان مبدأ المسؤولية الفردية: وهي انحصار مسئولية كل إنسان بنفسه، وعدم سؤاله عن ذنب غيره. والمعنى: فلا تؤاخذوني بعملي، ولا أؤاخذ بعملكم فقد أعذرت وأنا بريء من عملكم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ: إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود ٣٥/ ١١] وقوله: ﴿قُلْ: لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا، وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥/ ٣٤] وقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦] وقوله: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ: إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ٢١٦/ ٢٦].
стр. 3441
وأما موقف المشركين المكذبين منك يا محمد، فلا تعجب منه، فمنهم من يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعلّمت الشرائع، ولكنهم لا يعون ولا يقبلون، وإنما يسمعون دون تدبر ولا فهم، ويهتمون بسماع نظم القرآن وجرس صوته، فهم لاهون لاعبون غير جادّين: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ. لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء ٢/ ٢١ - ٣] ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ أي لا تستطيع الإسماع النافع لقوم صموا آذانهم عن سماعك، وضموا إلى ذلك أنهم لا يعقلون ما يسمعون ولا يفهمون معناه، فينتفعوا به، فإن السماع النافع للمستمع: هو ما عقل به ما يسمعه، وعمل بمقتضاه وإلا كان في الواقع كالأصم حقيقة. وهذا حال بعض المسلمين مع الأسف اليوم. وفيه دلالة على أنه لا يقدر على إسماعهم وهدايتهم بالقسر والإلجاء إلا الله .
ومنهم من ينظر إليك عند قراءتك القرآن نظرة إعجاب، ولكنه لا يبصر نور الإيمان والقرآن وهداية الدين والخلق القويم. ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ أي لا تقدر على هداية هؤلاء، لأنهم وإن كانوا مبصرين بأعينهم في الظاهر، فهم غير مبصرين بقلوبهم في الحقيقة، فلا تستطيع هدايتهم لفقدهم نعمة البصيرة المدركة والعقل المدرك: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦/ ٢٢].
والخلاصة: إنك يا محمد لا تستطيع هداية هؤلاء، لفقدهم الاستعداد للفهم والهداية، وكأنهم مثل من فقد حاسة السمع في الحقيقة، وفقد حاسة البصر أيضا؛ لأن فائدة السمع والبصر هي الانتفاع، فإذا لم ينتفعوا فكأنهم عطلوا حواسهم:
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧/ ٥٠] والمراد بذلك تسلية النبي ﷺ .
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً.﴾. أي إن الله تعالى لا يجور أبدا، بسلب
стр. 3442
حواسهم وعقولهم التي بها يدركون الأشياء ويهتدون إلى الحق والصواب، ولكن الناس هم الظالمون أنفسهم وحدها دون غيرها؛ لأنهم يعرّضونها لعقاب الكفر والتكذيب والمعاصي، بتعطيلهم نعمة العقل، وتنكرهم لهداية الدين. وهذا وعيد للمكذبين، فإن عذابهم يوم القيامة عدل وحق لا ظلم فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - جميع الكفار ومنهم أهل مكة في الماضي: منهم من يؤمن بالقرآن باطنا، لكنه يتعمد إظهار التكذيب، ومنهم من لا يؤمن به أصلا. ومنهم من يؤمن به في المستقبل بأن يتوب عن الكفر ويؤمن، ومنهم من يصر على الجحود ويستمر على الكفر، والله تعالى عليم بالجميع.
٢ - كل إنسان مسئول عن نفسه وسيلقى جزاءه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فلا يؤاخذ أحد بذنب الآخر.
٣ - إن الحواس من سمع وبصر لها هدفان: هدف ظاهري وهو سماع المسموعات ورؤية المبصرات، لتكون الحياة بوجه سليم وهدف حقيقي: وهو استخدامها في تدبر المسموع وفهمه وتعقله، وإنعام النظر وإدراك البصيرة في أمور الدين والأخلاق، للتوصل إلى نعمة الإيمان والهداية والحق، والتخلص من ظلمة الكفر والضلال والباطل.
٤ - الرسول ﷺ مجرد مبلّغ ومنذر ومبشر، فلا يقدر على غرس الإيمان في القلوب، وزرع الهداية في النفوس، وما على العقلاء إلا الاستجابة لبلاغاته، والاستماع لمواعظه؛ ولأنه كما لا يقدر على إسماع من سلب السمع، وإبصار من حرم البصر، فلا يقدر أن يوفق هؤلاء للإيمان إذا أصروا على الكفر.
стр. 3443
٥ - إن السمع أفضل من البصر، بدليل أنه كلما ذكر الله السمع والبصر، فإنه في الأغلب وكما في هذه الآية يقدم السمع على البصر.
٦ - احتج أهل السنة بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأن قلوب أولئك الكفار بالنسبة إلى الإيمان كالأصم بالنسبة إلى استماع الكلام، وكالأعمى بالنسبة إلى إبصار الأشياء، والله هو الذي يخلق القدرة على الهداية فيها.
٧ - إن الله لم يظلم أهل الشقاء، فهو في جميع أفعاله عادل، ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم بالكفر والمعصية ومخالفة أمر خالقهم.
زوال الدنيا سريع
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ﴾ منصوب بتقدير: اذكر، أو على الظرف، وعامله: ﴿يَتَعارَفُونَ﴾.
﴿كَأَنْ﴾ الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ أي يحشرهم متشابهين أو صفة مصدر محذوف، تقديره: يحشرهم حشرا مشابها لحشر يوم لم يلبثوا قبله، أو صفة (ليوم) على تقدير محذوف أيضا، أي كأن لم يلبثوا قبله، فحذف المضاف فاتصلت الهاء يلبثوا، فحذفت للطول. و ﴿كَأَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، تقديره: كأنهم لم يلبثوا، وواو ﴿يَلْبَثُوا﴾ عائدة إلى ضمير ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾.
﴿يَتَعارَفُونَ﴾ جملة فعلية حال من ضمير ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ ويجوز جعلها خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم يتعارفون.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ.﴾. إما استئناف فيه معنى التعجب أي ما أخسرهم، وإما حال من ضمير يتعارفون.
стр. 3444
المفردات اللغوية:
﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ الحشر: الجمع من كل جانب إلى موقف واحد. ﴿كَأَنْ﴾ أي كأنهم، فخففت.
﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا، أو في القبور، لهول ما يرون.
﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يعرف بعضهم بعضا إذا بعثوا، ثم ينقطع التعارف لشدة الأهوال. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ﴾ بالبعث. ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ طريق الرشاد، وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ..﴾. هو استئناف، فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أخسرهم، وهي شهادة من الله تعالى على خسرانهم، أو حال من ضمير: ﴿يَتَعارَفُونَ﴾، على إرادة القول، أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.
المناسبة:
لما وصف الله تعالى هؤلاء الكفار بقلة الإصغاء وترك التدبر، وتكذيبهم القرآن الكريم والنبي ﷺ ، أتبعه بالوعيد بالجزاء في الآخرة على ما كان منهم في الدنيا.
التفسير والبيان:
يذكّر الله تعالى الناس بقيام الساعة والحشر من قبورهم إلى أرض المحشر يوم القيامة، فيقول: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي اذكر لهم أيها الرسول وأنذرهم يوم يجمعهم الله بالبعث بعد الموت في موقف الحساب والجزاء، فيلاحظون كأنهم لم يمكثوا في الدنيا إلا مدة يسيرة، والساعة مثل في القلة، ثم انقضت، حالة كونهم يتعارفون أي يعرف بعضهم بعضا إذا بعثوا، ثم ينقطع التعارف؛ لشدة الأهوال، أو فهم يتعارفون.
وتقديرهم قصر الدنيا في ذلك الموقف الرهيب معنى متكرر في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ، لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥/ ٤٦] وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات ٤٦/ ٧٩] وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم ٣٠/ ٥٥] وقوله: ﴿قالَ: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ؟
стр. 3445
قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فَسْئَلِ الْعادِّينَ، قالَ: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون ١١٢/ ٢٣ - ١١٤].
ثم أعلن الله تعالى خسارتهم فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا.﴾. أي إن هؤلاء الكفار المكذّبين بالبعث قد خسروا ثواب الجنة خسارة كبري، إذ بدلوا الإيمان بالكفر، وما كانوا مهتدين لأوجه الربح والنفع بعمل الصالحات، فما أخسرهم! وهذا تعجب شديد من الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن عمر الدنيا قصير، إذا قوبل بحياة الآخرة الطويلة الأمد بل الخالدة، وعلى أن الكافرين المكذبين بالبعث خسروا ثواب الجنة خسارة كبري لا تعوض؛ لأن الخسران إنما هو في يوم لا يرجى فيه القيام بالبديل، ولا تنفع فيه التوبة، وذلك بعد قيام الأدلة الكثيرة في القرآن المجيد على البعث والنشور. ويفهم من الآية أيضا أن لذات الدنيا بالنسبة إلى جميع العالم لا تعادل شيئا أمام العذاب الشديد والآفات الحاصلة للكافر يوم القيامة، فمن باع آخرته بالدنيا فقد خسر؛ لأنه أعطى الكثير وأخذ القليل، وأن الكافر اهتدى إلى رعاية مصالح تجارته هذه.
كذلك أشارت الآية إلى أن الناس في الآخرة يعرف بعضهم بعضا، ولكن التعارف يمكث وقتا يسيرا، ويقولون: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ﴾ أي بالبعث والنشور.
ومع أنني اتجهت في تفسير الآية إلى مقابلة الدنيا بالآخرة فإن ما ذكر في الآية من لبث قدر ساعة من النهار يحتمل أن يكون ذلك هو عمرهم في الدنيا، أو مدة بقائهم في قبورهم، لهول ما يرون من البعث.
الإعراب:
﴿بَياتاً﴾ منصوب على الظرف بمعنى وقت بيات.
﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ﴾ يجوز جعله جوابا للشرط، كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني؟ ويجوز جعل جواب الشرط محذوفا وهو: تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ إما بمعنى: يستخبرونك، فيتعدى إلى مفعولين، الأول هو الكاف والثاني جملة ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ جملة اسمية في موضع المفعول الثاني. وإما بمعنى يستعملونك فيتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فتكون الجملة الاسمية قد سدت مسدّ المفعولين.
﴿إِي وَرَبِّي﴾ أي: حرف يكون مع القسم بمعنى نعم، وجواب القسم: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾.
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ تستعمل «أرأيت» بمعنى أخبرني، والرؤية إما بصرية أو علمية، ولا تستعمل في غير الأمر العجيب مثل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلّى﴾.
البلاغة:
﴿ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ بينهما طباق، ومثله بين ﴿بَياتاً أَوْ نَهاراً﴾ وبين ﴿يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ وبين ﴿يَسْتَأْخِرُونَ.﴾. و ﴿يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
﴿يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ فيه وضع الظاهر موضع المضمر للتهويل والتشنيع على الجرم، كما أن هذا الاستفهام للتهويل والتعظيم.
﴿أَثُمَّ﴾ دخول حرف الاستفهام على ثم لإنكار التأخير لإيمانهم، فلا يقبل منهم.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِمّا﴾ أدغمت فيه نون إن الشرطية في ما المزيدة. ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ نبصرنك. ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ به من العذاب في حياتك، كما أراه يوم بدر، وجواب الشرط محذوف أي فذاك.
﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل تعذيبهم. ﴿فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ فنريكه في الآخرة، وهو جواب: نتوفينك.
﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ﴾ مطلع أو مجاز عليه، فإنه ذكر الشهادة وأراد نتيجتها. ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ من تكذيبهم وكفرهم، فيعذبهم أشد العذاب.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم الماضية. ﴿فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ إليهم بالبينات فكذبوه. ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل، أي بين الرسول ومكذبيه، فيعذبون وينجّى الرسول ومن آمن به. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ بتعذيبهم بغير جرم، فكذلك نفعل بهؤلاء.
стр. 3448
﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟﴾ بالعذاب، يراد استبعاد له واستهزاء به، وقولهم خطاب للنبي ﷺ والمؤمنين. ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ أن أملكه أو يقدرني عليه، فكيف أملك لكم حلول العذاب. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ مدة معلومة لهلاكهم. ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ يتأخرون عنه. ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ يتقدمون عليه.
﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني. ﴿إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ﴾ عذاب الله الذي تستعجلون به. ﴿بَياتاً﴾ ليلا. ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ﴾: أي شيء من العذاب يستعجلونه، وكله شديد مؤلم لا يلائم الاستعجال. ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون. وجواب الشرط: هي جملة الاستفهام، كقولك: إذا أتيتك ماذا تعطيني؟ والمراد به التهويل، أي ما أعظم ما استعجلوه. ﴿آلْآنَ﴾ تؤمنون؟ على إرادة القول، أي يقال لهم إن آمنوا بعد وقوع العذاب: آلآن آمنتم به؟ ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ استهزاء وتكذيبا.
﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطف على (قيل أو: يقال) المقدر قبل: ﴿آلْآنَ.﴾ ..
﴿عَذابَ الْخُلْدِ﴾ أي الذي تخلدون فيه، أي المؤلم على الدوام. ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي ما تجزون إلا جزاء على ما كسبتموه من الكفر والمعاصي.
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ يستخبرونك. ﴿أَحَقٌّ هُوَ؟﴾ أي أحق ما تقول من الوعد الذي وعدتنا به من العذاب والبعث. ﴿قُلْ: إِي﴾ نعم. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين العذاب.
﴿ظَلَمَتْ﴾ بالشرك أو الكفر أو التعدي على الغير. ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾ ما فيها جميعا من خزائن وأموال. ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ لجعلته فدية لها من العذاب يوم القيامة. ﴿النَّدامَةَ﴾ على ترك الإيمان. ﴿لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ لأنهم بهتوا بما عاينوا من الهول فلم يقدروا على النطق. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين الخلائق. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ شيئا. وليس هذا تكرارا مع ما سبق من القضاء بالقسط؛ لأن الله يقضي بين الأنبياء ومكذبيهم، والثاني فيه مجازاة المشركين على الشرك، أو الحكم بين الظالمين والمظلومين.
﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقرير لقدرته تعالى على الإثابة والعقاب. ﴿أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي إن وعده بالبعث والجزاء من ثواب وعقاب كائن ثابت لا خلف فيه. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثر الناس لا يعلمون ذلك، لقصور عقولهم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى خسارة المشركين المكذبين بالبعث الذين لم يهتدوا إلى وجوه الخير والصلاح، وأنهم سيعذبون، أوضح أن بعض هذا العذاب سيكون في
стр. 3449
الدنيا، وبعضه في الآخرة، وهو تنبيه على أن عاقبة المذنبين مذمومة قبيحة جدا.
وليس هذا حال محمّد ﷺ مع قومه، بل هو حال كل الأنبياء مع أقوامهم.
ثم بيّن الله تعالى الشبهة الخامسة (١) من شبهات منكري النبوة، فإنه ﷺ كلما هددهم بنزول العذاب، ومرّ زمان ولم يظهر ذلك العذاب، قالوا: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ واحتجوا بعدم وجوده على القدح في نبوته ﷺ . ثم أجابهم تعالى بأنه لو نزل هذا العذاب، ما الفائدة لكم فيه؟ فإن قلتم: نؤمن عنده، فالإيمان وقت الإلجاء والعسر باطل، فيكون هذا العذاب في الدنيا، ثم يعقبه عذاب آخر أشد منه يوم القيامة؟ وبالرغم من سؤالهم: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ وإجابتهم، عادوا مرة أخرى إلى الرسول ﷺ يسألونه: ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ أي المعاد والقيامة من القبور ثم العذاب؟ هو حق وأنه ليس للظالم شيء يفتدي به، فإن كل الأشياء ملك الله تعالى، وأن ثبوت النبوة وصحة المعاد متفرعان على إثبات الإله القادر الحكيم، وكل ما سواه ملكه.
التفسير والبيان:
كان المشركون يكذبون النبي ﷺ في توعده لهم بالعذاب، وكانوا يستعجلون نزوله تكذيبا له واستهزاء به، ويتمنون موته لتموت دعوته، فرد الله تعالى عليهم مخاطبا رسوله ﷺ : إن ننتقم منهم في حياتك لتقرّ عينك كما حدث يوم بدر وحنين وغيرهما، فذاك؛ وإن توفيناك قبل ذلك فمصيرهم ومنقلبهم إلينا بكل حال، فنريك عذابهم في الآخرة، والله مطلع على أفعالهم بعدك، فيجازيهم به، على علم وشهادة حق. وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ،﴾
стр. 3450
﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد ٤٠/ ١٣].
وهذا يدل على أنه تعالى يري رسوله أنواعا من ذل الكافرين وخزيهم في الدنيا، وسيزيد عليه بعد وفاته.
وهذا ليس حال النبي ﷺ مع قومه، بل هو حال الأنبياء كلهم مع أقوامهم، فإنه تعالى أرسل لكل أمة من الأمم الخالية رسولا، يدعوهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وإلى العمل الصالح مناط النجاة في الآخرة. وهذا يدل على أن كل جماعة ممن تقدم قد بعث الله إليهم رسولا: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤/ ٣٥].
فإذا جاء رسولهم إليهم بالبينات فكذبوه، قضى الله بينه وبينهم بالعدل، فيعذبون، وينجي الله رسوله ومن صدقه، وهم لا يظلمون في قضائه شيئا، مما ينزل بهم من عذاب، فلن يكون عذاب بغير ذنب ارتكبوه.
ويقول كفار قريش للرسول ﷺ وللمؤمنين تكذيبا واستهزاء، كلما هددهم بنزول العذاب على شركهم ولم ينزل: متى يقع هذا الوعيد، إن كنتم صادقين في تهديدكم وقولكم؟ فأجابهم الله تعالى بجواب يحسم هذه الشبهة: قل أيها الرسول لمن يستعجل العذاب: إني بشر لا أملك لنفسي ضرا أمنعه، ولا نفعا أجلبه، إلا ما شاء الله أن يقدرني. والمراد أن إنزال العذاب على الأعداء وإظهار نصر المؤمنين لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه، وأنه تعالى ما عيّن لذلك الوعيد وقتا معينا، فهذا من شأن الإله، وأما الرسول فمهمته مقصورة على التبليغ لما جاء من عند الله.
والاستثناء هنا في رأي أهل السنة منقطع، أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن.
стр. 3451
ولكل أمة من الأمم مدة من الزمن أو العمر مقدرة، فإذا جاء أجلهم، لا يملك رسولهم ولا غيره أن يقدمه ولا أن يؤخره ساعة من الزمان المقدر له.
وهذا يدل على أن الجزاء يحصل مع حصول الشرط، لا متأخرا عنه، وأن حرف الفاء لا يدل على التراخي، وإنما يدل على كونه جزاء.
ثم أجابهم الله تعالى بجواب آخر: ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ.﴾. أي قل لهم أيها الرسول: أخبروني عن حالكم وما يمكنكم أن تفعلوه، إن أتاكم عذابه ليلا وقت مبيتكم، أو نهارا وقت شغلكم.
وأي نوع من العذاب تستعجلون، أعذاب الدنيا أم عذاب الآخرة؟ وكل من العذابين واقع شديد، وأي عذاب تطلبون تعجيله فهو جهل وحماقة؟ فأي فائدة لكم فيه؟ إن قلتم: نؤمن عنده، فالإيمان وقت الشدة واليأس باطل، فالعذاب القريب هو عذاب الدنيا، ويعقبه يوم القيامة عذاب آخر أشد منه.
وهذا معنى قوله: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ؟﴾ أي أتنتظرون مجيء هذا العذاب للإيمان؟ فإذا وقع بالفعل آمنتم به، في وقت لا ينفع الإيمان، ويقال لكم توبيخا: آلآن آمنتم بالله والرسول اضطرارا وقسرا، مع أنكم كنتم قبل ذلك تستعجلون العذاب على سبيل السخرية والاستهزاء والتكذيب والاستكبار؟! ودخلت ألف الاستفهام على ﴿ثُمَّ﴾ للتقرير والتوبيخ، وليدل على أن معنى الجملة الثانية بعد الأولى.
ثم يقال للذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان، وتكذيب الرسول ووعيده: تجرعوا عذاب الله الدائم لكم أبدا، هل تجزون أي لا تجزون إلا بما كنتم تكسبون وتعملون باختياركم من الكفر والمعاصي.
وذكر هذه العلة: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ كلما ذكر العقاب والعذاب دليل على أن جانب الرحمة راجح غالبا، وجانب العذاب مرجوح مغلوب.
стр. 3452
وظاهر الآية يدل على أن الجزاء من جنس العمل، ويوجب العمل؛ لأن ذلك الجزاء عند أهل السنة واجب بحكم الوعد المحض، وعند المعتزلة فلأن العمل الصالح يوجب استحقاق الثواب على الله تعالى.
والآية تدل أيضا على كون العبد مكتسبا للخير والشر، خلافا للجبرية.
وبالرغم من جواب الله تعالى بما ذكر عن سؤال الكفار: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ؟﴾ فإنه أخبر سبحانه أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى، وسألوه مرة أخرى، عن ذلك السؤال، فقال: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾.
أي ويستخبرونك أيها الرسول أن تخبرهم عن عذاب الدنيا والآخرة أحق أنه سيقع على ما نكسبه من المعاصي في الدنيا، أم هو مجرد إرهاب وتخويف؟.
وتكرار السؤال دليل على أن القوم تملّكهم إحساس شديد بالقلق والخوف من العذاب، كأنهم لم يكونوا على يقين من تكذيبهم.
فقل لهم أيها الرسول: نعم وربي، إنه لحق ثابت واقع ماله من دافع، وما أنتم بمعجزين أي بفائتين العذاب، وليس صيرورتكم ترابا بمعجز الله عن إعادتكم كما بدأكم من العدم: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦].
وليس لهذه الآية نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد، وهما في سورة سبأ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾
﴿لا تَأْتِينَا السّاعَةُ، قُلْ: بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [٣] وفي التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا، قُلْ: بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ، وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [٧].
ثم أخبر الله تعالى عن بعض مضايقات وأهوال القيامة فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ
стр. 3453
نَفْسٍ.﴾. أي أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء الأرض ذهبا.
وأسروا الندم: وهو ما يجد الإنسان في نفسه من الألم والحسرة عقب كل فعل ضارّ، لما رأوا العذاب الشديد، فصاروا مبهوتين متحيرين. وقد يجهرون بالندم كما قال: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [الزمر ٥٦/ ٣٩] ثم بين تعالى أنه لا ظلم حينئذ فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ.﴾. أي وحكم الله بين الظالمين والمظلومين بالعدل. لأن الكفار وإن اشتركوا في العذاب، فإنه لا بد وأن يقضي الله تعالى بينهم بالحق، رفعا لما ظلم به بعضهم بعضا في الدنيا، فيكون في القضاء تخفيف عذاب بعضهم، وتثقيل عذاب الباقين.
ثم أتبع ذلك الاعلام وأنه ليس للظالم شيء يفتدي به، بأن الملك كله لله وأنه المعاقب فإن الله مالك السموات والأرض، وكل الأشياء ملكه وفي سلطانه، وأن وعده حق كائن لا محالة، ولكن أكثر الكفار منكري البعث والجزاء لا يعلمون أمر الآخرة والمعاد، لغفلتهم عنها، وعدم إيمانهم بالإله القادر الحكيم، فأبان تعالى لهم الحقيقة، وأن كل ما سواه مملوك له.
والدليل على قدرته تعالى على البعث والجزاء والثواب والعقاب أنه تعالى هو المحيي والمميت، وإليه مرجع الخلائق حين يحييهم بعد موتهم، فيحشرهم للحساب والجزاء على أعمالهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - عذاب الكفار شديد مضاعف في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يعذبون بالهزيمة والذل والخزي ونحوها من القلق والخوف، وفي الآخرة بعذاب النار.
стр. 3454
والله تعالى يري رسوله في الدنيا نماذج من عذابهم، وسيريه يوم القيامة ما هو أشد وأكثر، مما يدل على أن عاقبة المؤمنين محمودة، وعاقبة المذنبين مذمومة.
٢ - لكل أمة رسول شاهد عليهم، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضي بينهم، وكذلك لا يعذب الناس في الدنيا حتى يرسل الله إليهم رسولا، فمن آمن فاز ونجا، ومن لم يؤمن هلك وعذّب؛ لقوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧].
٣ - القضاء بين العباد حق قائم على العدل المطلق، وهم لا يعذبون بغير ذنب، ولا يؤاخذون بغير حجة.
٤ - النقاش حول نزول العقاب الإلهي ومجيء القيامة قديم بين الأمم مع الرسل ﵈، وبين الأمة العربية مع النبي ﷺ ، وهو مستمر دائم بين الكفار ودعاة الإسلام المصلحين.
٥ - إنزال العذاب مقدر بأجل معين في علم الله تعالى، ولا يملك إنزاله إلا الله تعالى، ومتى حان وقت هلاك أمة من الأمم، فلا يتأخر ولا يتقدم لحظة.
وليس لرسول أو نبي أو غير هما الحيلولة دون وقوع العذاب المقرر.
٦ - استعجال العذاب لا نفع فيه، وإنما النافع هو الإيمان قبل نزول العذاب، فإذا نزل فلا فائدة ولا نفع فيه؛ لأن إيمان اليأس غير مفيد ولا صحيح.
والقائل في قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ إما الملائكة استهزاء بهم، وإما من قول الله تعالى.
٧ - تبكيت الظالمين بما يقال لهم: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ﴾ أي الذي لا ينقطع، والجزاء لا يكون إلا جزاء الكفر والعصيان.
стр. 3455
٨ - قيام الساعة والبعث والمعاد حق ثابت أقسم الله ورسوله على أنه حق كائن لا شك في وقوعه، وجميع الناس غير فائتين عن عذابه ومجازاته.
٩ - لا يقبل من أحد الفداء عن ذنبه؛ لأن الله هو مالك السموات والأرض وكل شيء في ملكه وسلطانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا، وَهُمْ كُفّارٌ، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً، وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران ٩١/ ٣].
١٠ - يندم الكفار والظلمة والعصاة على أعمالهم في الدنيا، وهم إما أن يخفوا الندامة أحيانا، وإما أن يظهروها أحيانا أخرى. ورؤساء الضلالة يخفون ندامتهم عن أتباعهم قبل الإحراق بالنار، فإذا وقعوا في النار ألهتهم النار عن التصنع، بدليل قولهم: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا، وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ﴾ [المؤمنون ١٠٦/ ٢٣] فبيّن أنهم لا يكتمون ما بهم.
١١ - القضاء بالعدل بين الكفار أنفسهم لدفع الظلم الذي كان بينهم واقع أيضا في الآخرة، فيخفف العذاب حينئذ عن المظلوم، ويزاد على الظالم.
١٢ - تنبيه الناس قاطبة على أمور هي: أن الله مالك السموات والأرض، وأن وعد الله حق كائن لا محالة فلا مانع يمنعه من إنفاذ ما وعده، وأنه يحيي ويميت، وإليه مرجعهم، وأنه القادر على ما يريد، العليم بأماكن وجودهم قبل البعث والحشر في البر والبحر، وأن أكثر الكفار منكري البعث غافلون عن أمر الآخرة، مقصّرون في الاستعداد لها.
والله تعالى في الآخرة كما في الدنيا قادر لذاته على الإحياء والإماتة، لا تزول قدرته، والمادة القابلة بالذات للحياة والموت قابلة لهما أبدا.
стр. 3456
مقاصد القرآن الكريم
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾
الإعراب:
﴿مَوْعِظَةٌ.﴾. ﴿وَشِفاءٌ﴾ ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ التنكير للتعظيم.
﴿بِفَضْلِ اللهِ.﴾. الباء متعلقة بفعل يفسره قوله: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، أي فليعتنوا أو فليفرحوا ثم قال: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ وفائدة هذا التكرار: التأكيد والبيان بعد الإجمال. والفاء بمعنى الشرط، كأنه قيل: إن فرحوا بشيء، فبهما فليفرحوا، وإعادة الباء ﴿بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ دليل على أن كلا منهما سبب في الفرح. وقوله ﴿فَبِذلِكَ﴾ للواحد والاثنين والجمع.
البلاغة:
﴿شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ﴾ مجاز مرسل من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحالّ، أي شفاء للقلوب التي في الصدور.
المفردات اللغوية:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ أي أهل مكة وغيرهم. ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ أو عظة: هي الوصية بالحق والخير واجتناب الشر والباطل، بأسلوب جمع بين الترغيب والترهيب. ﴿وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ﴾ ودواء من العقائد الفاسدة والشكوك. ﴿وَهُدىً﴾ بيان الحق من الضلال، والبيان في العقيدة بالبرهان، وفي التشريع العملي ببيان المصالح. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ رقة تقتضي الإحسان والعطف.
﴿بِفَضْلِ اللهِ﴾ التوفيق لتزكية النفوس، أو هو الإسلام. ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ أي ثمرة الفضل أو هي إنزال القرآن. ﴿فَبِذلِكَ﴾ الفضل والرحمة. ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ الفرح والسرور: انفعال في النفس بنعمة حسية أو معنوية ترتاح له وتستمتع به.
стр. 3457
المناسبة:
بعد أن أقام الله تعالى الأدلة على أسس الدين الثلاثة: وهي التوحيد، والنبوة، والبعث، ذكر التشريع العملي وهو القرآن، وأبان صفاته ومقاصده الأربعة.
التفسير والبيان:
يا أيها الناس، قد جاءكم كتاب جامع لكل المواعظ أو الوصايا الحسنة التي تصلح الأخلاق والأعمال وتزجر عن الفواحش، وتشفي الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد، وتهدي إلى الحق واليقين والصراط المستقيم الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، وترحم المؤمنين رحمة خاصة.
وهذه هي صفات القرآن المجيد أو خصائصه.
١ - كونه موعظة حسنة من عند الله، يجمع بين الترغيب والترهيب، فيبعث على فعل الحسن وترك القبيح، مثل قوله تعالى: ﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٨/ ٣].
٢ - شفاء لما في القلوب من الشبهات والشكوك والنفاق والكفر وسوء الاعتقاد والخلق، كقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً﴾ [الإسراء ٨٢/ ١٧].
٣ - هاد إلى الحق واليقين والصراط المستقيم المحقق لسعادتي الدنيا والآخرة كقوله تعالى: ﴿قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ [فصلت ٤٤/ ٤١].
٤ - رحمة للمؤمنين خاصة، ينجيهم من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان، ويحجبهم من النيران، ويرفعهم إلى درجات الجنان. وخص المؤمنين؛ لأنهم المنتفعون بالإيمان.
стр. 3458
قل أيها الرسول للمؤمنين: ليفرحوا بفضل الله وبرحمته بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق، فإنه أولى ما يفرحون به. وقوله: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ يفيد الحصر، يعني يجب ألا يفرح الإنسان إلا بذلك.
روى ابن مردويه وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن أنس مرفوعا: «فضل الله:
القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله» وقال الحسن البصري والضحاك وقتادة ومجاهد: «فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن».
إن الفرح بما تفضل به الله وبما رحم به المؤمنين هو أجدى وأنفع من كل ما يجمعونه من الأموال وسائر خيرات الدنيا، لا محالة؛ لأنه يؤدي إلى سعادة الدارين، وتلك الأموال سبب السعادة في الدنيا فقط.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الصفات الأربع هي صفات القرآن، ففي القرآن المواعظ والحكم، وهو الشفاء النافع من الشك والنفاق والخلاف والشقاق، وهو الهدى أي الرشد لمن اتبعه، عصمة لمن تبعه، ونجاة لمن تمسك به. ورحمة أي نعمة كبري خاصة بالمؤمنين.
وإن فضل الله ورحمته من أعظم دواعي الفرح والسرور، بل لا فرح ولا سرور بغير فضل الله ورحمته، وفضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن. وهذا قول الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة. وعن أبي سعيد الخدري وابن عباس ﵄ العكس تماما، فقالوا: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام.
وعلى كل فإن مصدر الفرح الصحيح للمسلمين شيئان: الإيمان أو الإسلام، والقرآن. وإن فضل الله ورحمته خير للمؤمنين مما يجمعون من حطام الدنيا؛ لأن الآخرة خير وأبقى، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب والتحصيل.
روى أبان عن أنس أن النبي ﷺ قال: «من هداه الله للإسلام، وعلمه القرآن، ثم شكا
стр. 3459
الفاقة، كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه، ثم تلا: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾.
الإنكار على المشركين بالتحليل والتحريم للأنعام
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾
الإعراب:
﴿ما أَنْزَلَ﴾ ﴿ما﴾: منصوب ب ﴿أَنْزَلَ﴾ أو ب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، فإنه بمعنى أخبروني.
﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾: منصوب بالظن، وهو ظن واقع فيه؛ أو منصوب على الظرف.
البلاغة:
﴿حَراماً وَحَلالاً﴾ بينهما طباق.
﴿قُلْ: آللهُ﴾ كرر الفعل للتأكيد.
﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ الاستفهام للإنكار.
و ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل، ومعنى الهمزة فيها تقرير لافترائهم على الله، بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء. ويجوز أن تكون متصلة ب ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني. ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ ما خلق. ﴿لَكُمْ﴾ أي ما حل لكم، ولذلك وبخ على التبعيض فقال: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً﴾ كالبحيرة والسائبة والوصيلة. ﴿قُلْ: آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في ذلك بالتحليل والتحريم؟ لا. ﴿أَمْ﴾ بمعنى بل. ﴿تَفْتَرُونَ﴾ تكذبون بنسبة ذلك إليه.
стр. 3460
﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ.﴾. أي، أيّ شيء ظنهم به. ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أيحسبون أنه لا يعاقبهم عليه؟ وفي إبهام الوعيد تهديد عظيم. ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ حيث أنعم عليهم بالعقل، وهداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وأنعم عليهم بنعم كثيرة، وأمهلهم في العقاب. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمة.
المناسبة:
بعد أن أثبت الله تعالى في أوائل السورة الوحي والنبوة، ذكر طريقا آخر في إثبات النبوة: وهو أن التشريع بالتحليل والتحريم هو حق الله تعالى، وأن الأصل في الأرزاق والأشياء الإباحة، فتحريم بعض الأشياء وتحليل بعض، مع تساويها في الصفات والمنافع، دليل على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة؛ لأنه لم يقم لكم دليل عقلي ولا نقلي على هذا التمييز، فهو منهج فاسد باطل، وأن ما عليه الأنبياء هو الحق والصواب.
التفسير والبيان:
ينكر الله تعالى على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصايا، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً، فَقالُوا: هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ، وَهذا لِشُرَكائِنا﴾ [الأنعام ١٣٦/ ٦] وقوله:
﴿وَقالُوا: هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ، بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام ١٣٨/ ٦] وقوله: ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا﴾ [الأنعام ١٣٩/ ٦] وقوله: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ، قُلْ: آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ، أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام ١٤٤/ ٦].
ورد الله تعالى عليهم كل ما شرعوه من تحليل وتحريم بقوله: ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾ [المائدة ١٠٣/ ٥].
стр. 3461
ومعنى الآية: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين كفار مكة: أخبروني عما أنزل الله من رزق حلال لكم للانتفاع به، فجز أتموه أو بعضتموه، وقلتم: هذا حلال وهذا حرام بزعمكم، أخبروني: آلله أذن لكم في التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله، في نسبة ذلك إليه.
والآية توبيخ على التبعيض، وزجر بليغ على التهاون في الفتوى، وباعثة على وجوب الاحتياط فيما يسأل عنه العالم من الأحكام، وألا يقول أحد في شيء:
جائز أو غير جائز، إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت.
وإلا فهو مفتر على الله (١)، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ: هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ، لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل ١١٦/ ١٦].
﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ..﴾. المعنى: أي شيء ظن المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم فيه؟ وهو يوم الجزاء، والإحسان والإساءة، أيظنون أنهم يتركون بغير عقاب على جريمة افتراء الكذب على الله أو أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به؟ وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره، أم أن لهم شفعاء يشفعون لهم؟ كما قال تعالى:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى ٢١/ ٤٢].
﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ حيث أنعم عليهم بالعقل، ورحمهم بالوحي، وتعليم الحلال والحرام، وتشريع الدين، وفضّل عليهم بالرزق وجعل الأصل فيما رزقهم من المنافع الإباحة، ولكنه جعل حق التحليل والتحريم إليه وحده، كيلا يعبث به، كما عبث به الأخبار والرهبان، ولم يحرّم عليهم إلا ما فيه ضرر بهم في دنياهم أو دينهم.
﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمة وذلك الفضل كما قال تعالى:
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤] ولا يتبعون ما هدوا إليه، بل
стр. 3462
يحرمون ما أنعم الله به عليهم، ويضيّقون على أنفسهم، فيجعلون بعضا حلالا وبعضا حراما، وقد وقع في هذا المشركون فيما شرعوه لأنفسهم، وأهل الكتاب فيما ابتدعوه في دينهم. وربما وقع فيه بعض المسلمين، فتغالوا في الزهد وتركوا طيبات الرزق، أو أسرفوا في الأكل والشرب والزينة، مخالفين نهج الإسلام في التوسط والاعتدال في الإنفاق، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ، فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء ٢٩/ ١٧] وقال سبحانه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ، لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها﴾ [الطلاق ٧/ ٦٥].
وأيدت السنة ذلك الاتجاه،
روى البخاري والطبراني عن زهير بن أبي علقمة مرفوعا: «إذا آتاك الله مالا فلير عليك، فإن الله يحب أن يرى أثره على عبده حسنا، ولا يحب البؤس ولا التباؤس».
وأخرج أحمد عن أبي الأحوص عن أبيه قال: «أتيت رسول الله ﷺ ، وأنا رثّ الهيئة فقال: هل لك مال؟ قلت: نعم، قال: من أيّ المال؟ قلت: من كل المال، من الإبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: إذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمته عليك وكرامته».
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات ما يأتي:
١ - الشيء الذي جعله أهل الجاهلية المشركون حراما: هو ما حكموا به من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كما ذكر في سورة المائدة، وهو أيضا المذكور في سورة الأنعام من جعل نصيب من الزروع والثمار والمواشي لله تعالى يصرفونه إلى الضيفان والمساكين، ولشركائهم نصيبا يصرفونه إلى سدنتها، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً﴾ [الأنعام ١٣٦/ ٦].
стр. 3463
٢ - مصدر التشريع هو الله ، وحق التحليل والتحريم لله، لا لأحد سواه من الخلق ولو كان نبيا أو رسولا، فإن كانت الأحكام من الله تعالى فهو المراد بقوله: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وإن كانت ليست من الله، فهي افتراء، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾.
٣ - توبيخ من تجرأ على تبعيض الأحكام الشرعية، فجعل بعضها حلالا، وبعضها حراما. وهذا أيضا تنديد بمن يتهاون في الفتوى، ولا يحتاط في وصف الأحكام، فيحلل أو يحرم برأيه دون تثبت ولا تيقن.
٤ - وعيد من يفتري على الله الكذب، فينسب الحكم إليه، وهو منه براء.
٥ - معاقبة المفترين يوم القيامة على جريمة افتراء الكذب على الله.
٦ - الله تعالى صاحب الفضل العظيم على الناس بإعطاء العقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وجعل التحليل والتحريم إليه دون سواه، وجعل الأصل في المنافع والأرزاق والأشياء والأعيان الإباحة.
٧ - أكثر الكفار لا يشكرون الله على نعمه، ولا على تأخير العذاب عنهم.
إحاطة علم الله تعالى بجميع شؤون العباد وأعمالهم
وبكل الكائنات
﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾
стр. 3464
الإعراب:
﴿وَما تَتْلُوا مِنْهُ﴾ الهاء تعود على «الشأن» على تقدير حذف المضاف، وتقديره: وما تتلو من أجل الشأن من قرآن، أي: يحدث لك شأن فتتلو القرآن من أجله. ومن: تبعيضية، أو مزيدة لتأكيد النفي. وإضمار القرآن قبل التصريح به تفخيم له أو لله .
﴿وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ﴾ النصب فيهما على أن ﴿لا﴾ نافية، و ﴿أَصْغَرَ﴾ اسمها، و ﴿فِي كِتابٍ﴾: خبرها وهذا كلام مستقل بنفسه، مقرر لما قبله. ويجوز الرفع على الابتداء ليكون كلاما برأسه، أو على العطف على محل: ﴿مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ وتقديره: وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر. ويجوز الجر، مراعاة للفظ ﴿مِثْقالِ﴾ لأن ﴿مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ في اللفظ مجرور. و ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ موضع الرفع لأنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو في كتاب مبين.
المفردات اللغوية:
﴿وَما تَكُونُ﴾ يا محمد، و ﴿ما﴾: نافية، أي لست في شأن من عبادة أو غيرها إلا والربّ مطلع عليك. ﴿شَأْنٍ﴾ أمر مهم عظيم ﴿وَما تَتْلُوا مِنْهُ﴾ من الشأن؛ لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله ﷺ ، بل هو معظم شأنه، أو ما تتلو من التنزيل من قرآن؛ لأن كل جزء منه قرآن، والإضمار قبل الذكر تفخيم له. أو من الله ﴿وَلا تَعْمَلُونَ﴾ أنتم جميعا أيها المؤمنون (الأمة والنبي) وهو تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم ﴿شُهُوداً﴾ شاهدين رقباء نحصي عليكم ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي تندفعون فيه وتخوضون أو تأخذون في العمل ﴿وَما يَعْزُبُ﴾ وما يبعد عنه وما يغيب عن علمه ﴿مِثْقالِ﴾ وزن ﴿ذَرَّةٍ﴾ أصغر نملة أو هباء ﴿فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ أي في الوجود والإمكان ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ بيّن وهو اللوح المحفوظ.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أن القليل من الناس شاكرون نعم الله بدوام طاعته وترك معصيته، ذكّرهم بأن علمه محيط بجميع شؤونهم وأعمالهم صغيرها وكبيرها، وبكل الموجودات والكائنات كلها في السموات والأرض، حتى يحملهم ذلك على الطاعة والشكر والعبادة وتجنب المعصية؛ لأنه إذا كان الحق تعالى عالما بكل شيء، سرّ الطائعون، وهدّد المذنبون.
стр. 3465
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى نبيه ﷺ أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته وجميع الخلائق في كل لحظة.
وما تكون أيها الرسول في أي أمر من أمورك الخاصة أو العامة، وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن ينزل عليك، لنشر الدعوة بين الناس إلا ونحن شهود عليكم.
وفي التعبير بالشأن دليل على أن جميع أموره ﷺ كانت عظيمة، حتى العادات؛ لأنه قدوة حسنة للمؤمنين. وبعد أن خصه الله بأمرين وهما ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ و ﴿وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ خاطب جميع الأمة التي هو رأسها.
وضمير ﴿مِنْهُ﴾ إما عائد إلى الشأن، وإما إلى القرآن أي وما تتلو من القرآن من قرآن؛ لأن القرآن اسم للمجموع واسم لكل جزء من أجزاء القرآن، والإضمار قبل الذكر يدل على التعظيم، وإما إلى الله أي وما تتلو من قرآن نازل من عند الله.
﴿وَلا تَعْمَلُونَ.﴾. أي ولا تعملون أيتها الأمة أي عمل صغير أو كبير، خير أو شر، وأي عمل كان، إلا كنا عليكم شاهدين رقباء مطلعين، نحصي عليكم، وسنجازيكم عليه.
﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي تندفعون وتأخذون فيه، أي في ذلك الشيء.
وما يبعد عن الله ولا يغيب عن علمه أي شيء، ولو كان مثقال ذرة أي وزن أصغر نملة أو هباء، وبه يضرب المثل في الصغر والخفة، ولا أصغر من الذرة أي أجزاء الذرة، وهذا يشير إلى نظرية أو مبدأ تحطيم الذرة واكتشاف جزيئاتها،
стр. 3466
ولا شيء أكبر من ذلك، كالعرش الذي هو أعظم المخلوقات، إلا وهو معلوم له، ومحصى معروف في كتاب عظيم الشأن وهو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه مقادير الموجودات كلها.
وفي هذا دلالة إلى سبق القرآن إلى الإشارة إلى أصغر الموجودات في الكون مما لا يدرك بالعين المجردة، وإنما بالمكبّرات، كأجزاء الذرة والجراثيم، ويحتاج تكبيره إلى مئات أو آلاف المرات. كما أن هناك أشياء كبيرة جدا، أكبر من السموات والأرض، وما فيهما، فإن بعض النجوم أكبر من الشمس والأرض والقمر بملايين المرات، والعرش أعظم المخلوقات.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩/ ٦] أي أنه تعالى يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات، وكذلك الدواب السارحة، وكل ما هو موجود في طبقات الأرض، وأجواء السماء.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن كل من يتأمل في مدلول هذه الآية-ولا يتأمل فيها بحق إلا عالم مؤمن، واسع العلم والأفق والنظر-فيجد سعة علم الله الشامل، ورصده لكل شيء في الوجود، وأعمال جميع الكائنات الحية، والناس قاطبة في البر والبحر والجو، يسيطر عليه الخوف والرهبة، ويمتلئ قلبه اليقين بعظمة الله تعالى، ويدرك أن جميع أعماله محصية عليه، سواء أكانت صغيرة حقيرة أم كبيرة جليلة.
ولو قيل: إن شاشة كبيرة من التلفاز (الرائي) تصوّر جميع حركات الإنسان على أشرطة مسجلة في منزله وغيره، وفي تنقلاته كلها، وإن ما يرتسم على هذه الشاشة وما يسجل فيها من أصوات، سيعرض على حاكم الدولة،
стр. 3467
وسيحاسبه على أموره كلها، هل أدى واجبه أو قصر، وهل أدى الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتقه أو خانها، وهل أحسن أو أساء إلى نفسه أو غيرها من الأهل والجيران والمجتمع، لو قيل ذلك، وقدّر كل إنسان ما يرصد عليه في هذه الشاشة في يوم أو شهر أو سنة أو في العمر كله، لفكّر تفكيرا دقيقا جدا، والتزم درب الاستقامة، حتى لا يعرّض نفسه إلى الإهانة.
وهكذا-ولله المثل الأعلى-رصد الله لحركاتنا، وعلمه بجميع أعمالنا، بل اطلاعه على ما تكنه نفوسنا، يملأ النفس رهبة وخوفا، فسبحانك يا رب لا يسعنا إلا سترك وعفوك ورحمتك، وكفى بهذه الآية باعثا على الطاعة والإيمان، ورادعا عن المعصية والكفر، وكفى بالله حسيبا، وهو أسرع الحاسبين.
أولياء الله-أوصافهم وجزاؤهم
﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾
الإعراب:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه ثلاثة أوجه: النصب على أنه صفة للأولياء أو بدل منهم، أو النصب على المدح أي أخص أو أعني، أو الرفع على الابتداء، وخبره: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾.
ويجوز أن تكون ﴿الْبُشْرى﴾ مبتدأ، و ﴿لَهُمُ﴾ خبره، والجملة في موضع رفع: خبر ﴿الَّذِينَ﴾.
стр. 3468
المفردات اللغوية:
﴿أَوْلِياءَ اللهِ﴾ أي أحبابه وأصفياؤه والمقرّبون إليه، الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة، هم المؤمنون المتقون كما فسرتهم الآية، فكل من كان تقيا كان لله وليا. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوات مأمول.
﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الله بامتثال أمره ونهيه ﴿الْبُشْرى﴾ الخبر السارّ، وهي ما بشّر الله به المتقين في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، وما يريهم في الرؤيا الصالحة، كما في حديث صححه الحاكم:
يراها الرجل أو ترى له، وما يسنح لهم من المكاشفات، وبشرى الملائكة عند النزع ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الجنة والثواب وتلقي الملائكة إياهم مسلّمين مبشرين بالفوز والكرامة. ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ لا خلف لمواعيده ﴿ذلِكَ﴾ المذكور.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى إحاطة علمه بأعمال العباد وبجميع الكائنات ليكون ذلك باعثا لهم على الشكر والعبادة، ذكر حال الشاكرين المتقين الذين حسن جزاؤهم في الآخرة.
التفسير والبيان:
إن أولياء الله الذين يتولونه بالطاعة والعبادة، ويتولاهم بالكرامة هم الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكانوا يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فكل من كان تقيا كان لله وليا. وأولياء الله هم الذين جمعوا بين الإيمان الصحيح والتقوى. فلا خوف عليهم في الدنيا من مكروه يتوقع، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥/ ٣] أي لا تخافوا أولياء الشيطان وأنصاره.
ولا خوف عليهم في الآخرة مما يخاف منه الكفار والعصاة من أهوال الموقف وعذاب القيامة، كما قال تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء ١٠٣/ ٢١].
стр. 3469
ولا هم يحزنون في الدنيا من فوات مأمول، ولحوق مكروه، وذهاب محبوب؛ لأنهم يؤمنون بالقضاء والقدر، ويبتغون رضوان الله، كما لا يحزنون في الآخرة من مخاوف القيامة.
روى البزار عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله، من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا رؤوا ذكر الله».
ولهم البشرى في الحياة الدنيا بالنصر والاستخلاف في الأرض ما داموا على شرع الله ودينه، يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج ٤١/ ٢٢] وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور ٥٥/ ٢٤].
ومن بشائر الدنيا لهم الرؤيا الصالحة، روى أحمد والحاكم عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: «هي الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو ترى له».
ومن البشائر بشرى الملائكة لهم بحسن الحال وبالدرجة الرفيعة عند النزع:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [النحل ٣٢/ ١٦].
ولهم البشرى في الحياة الآخرة بحسن الثواب والنعيم المقيم في الجنة، كما قال تعالى:
﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة ٢١/ ٩].
وتلقي الملائكة لهم يبشرونهم بالجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا:﴾
﴿رَبُّنَا اللهُ، ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ، وَلَكُمْ فِيها
стр. 3470
ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ، وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ. نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت ٣٠/ ٤١ - ٣٢].
﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ أي لا تغيير لأقواله، ولا إخلاف لمواعيده، كقوله تعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق ٢٩/ ٥٠] ومنها تبشير المؤمنين بالجنة.
﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي ذلك المذكور وهو البشارة لهم في الدارين بالسعادة هو الفوز العظيم الساحق الذي لا فوز غيره؛ لأنه ثمرة الإيمان والعمل الصالح.
فقه الحياة أو الأحكام:
وضعت هذه الآية الحد الفاصل أمام الأدعياء، فأبانت أن أولياء الله هم المؤمنون الأتقياء،
روى سعيد بن جبير أن رسول الله ﷺ سئل: من أولياء الله؟ فقال: «الذين يذكر الله برؤيتهم».
وقال عمر بن الخطاب-فيما رواه أبو داود-سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء، تغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة، لمكانهم من الله تعالى. قيل:
يا رسول الله، خبّرنا من هم وما أعمالهم، فلعلنا نحبّهم؟ قال: هم قوم تحابّوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطون بها، فو الله، إن وجوههم لنور، وإنهم على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١).
وما أعظم وأجدى هذه الحوافر للعمل الصالح والاتصاف بصفة أولياء الله، التي ذكرتها هذه الآية، وهي المجموعة في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ وفي تلك البشرى إيماء إلى الوعد بنصرهم على الأعداء.