← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

ولا شيء أكبر من ذلك، كالعرش الذي هو أعظم المخلوقات، إلا وهو معلوم له، ومحصى معروف في كتاب عظيم الشأن وهو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه مقادير الموجودات كلها. وفي هذا دلالة إلى سبق القرآن إلى الإشارة إلى أصغر الموجودات في الكون مما لا يدرك بالعين المجردة، وإنما بالمكبّرات، كأجزاء الذرة والجراثيم، ويحتاج تكبيره إلى مئات أو آلاف المرات. كما أن هناك أشياء كبيرة جدا، أكبر من السموات والأرض، وما فيهما، فإن بعض النجوم أكبر من الشمس والأرض والقمر بملايين المرات، والعرش أعظم المخلوقات. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩/ ٦] أي أنه تعالى يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات، وكذلك الدواب السارحة، وكل ما هو موجود في طبقات الأرض، وأجواء السماء. فقه الحياة أو الأحكام: إن كل من يتأمل في مدلول هذه الآية-ولا يتأمل فيها بحق إلا عالم مؤمن، واسع العلم والأفق والنظر-فيجد سعة علم الله الشامل، ورصده لكل شيء في الوجود، وأعمال جميع الكائنات الحية، والناس قاطبة في البر والبحر والجو، يسيطر عليه الخوف والرهبة، ويمتلئ قلبه اليقين بعظمة الله تعالى، ويدرك أن جميع أعماله محصية عليه، سواء أكانت صغيرة حقيرة أم كبيرة جليلة. ولو قيل: إن شاشة كبيرة من التلفاز (الرائي) تصوّر جميع حركات الإنسان على أشرطة مسجلة في منزله وغيره، وفي تنقلاته كلها، وإن ما يرتسم على هذه الشاشة وما يسجل فيها من أصوات، سيعرض على حاكم الدولة،

стр. 3467

وسيحاسبه على أموره كلها، هل أدى واجبه أو قصر، وهل أدى الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتقه أو خانها، وهل أحسن أو أساء إلى نفسه أو غيرها من الأهل والجيران والمجتمع، لو قيل ذلك، وقدّر كل إنسان ما يرصد عليه في هذه الشاشة في يوم أو شهر أو سنة أو في العمر كله، لفكّر تفكيرا دقيقا جدا، والتزم درب الاستقامة، حتى لا يعرّض نفسه إلى الإهانة. وهكذا-ولله المثل الأعلى-رصد الله لحركاتنا، وعلمه بجميع أعمالنا، بل اطلاعه على ما تكنه نفوسنا، يملأ النفس رهبة وخوفا، فسبحانك يا رب لا يسعنا إلا سترك وعفوك ورحمتك، وكفى بهذه الآية باعثا على الطاعة والإيمان، ورادعا عن المعصية والكفر، وكفى بالله حسيبا، وهو أسرع الحاسبين. أولياء الله-أوصافهم وجزاؤهم ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ الإعراب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه ثلاثة أوجه: النصب على أنه صفة للأولياء أو بدل منهم، أو النصب على المدح أي أخص أو أعني، أو الرفع على الابتداء، وخبره: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾. ويجوز أن تكون ﴿الْبُشْرى﴾ مبتدأ، و ﴿لَهُمُ﴾ خبره، والجملة في موضع رفع: خبر ﴿الَّذِينَ﴾.

стр. 3468

المفردات اللغوية: ﴿أَوْلِياءَ اللهِ﴾ أي أحبابه وأصفياؤه والمقرّبون إليه، الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة، هم المؤمنون المتقون كما فسرتهم الآية، فكل من كان تقيا كان لله وليا. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوات مأمول. ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الله بامتثال أمره ونهيه ﴿الْبُشْرى﴾ الخبر السارّ، وهي ما بشّر الله به المتقين في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، وما يريهم في الرؤيا الصالحة، كما في حديث صححه الحاكم: يراها الرجل أو ترى له، وما يسنح لهم من المكاشفات، وبشرى الملائكة عند النزع ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الجنة والثواب وتلقي الملائكة إياهم مسلّمين مبشرين بالفوز والكرامة. ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ لا خلف لمواعيده ﴿ذلِكَ﴾ المذكور. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى إحاطة علمه بأعمال العباد وبجميع الكائنات ليكون ذلك باعثا لهم على الشكر والعبادة، ذكر حال الشاكرين المتقين الذين حسن جزاؤهم في الآخرة. التفسير والبيان: إن أولياء الله الذين يتولونه بالطاعة والعبادة، ويتولاهم بالكرامة هم الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكانوا يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فكل من كان تقيا كان لله وليا. وأولياء الله هم الذين جمعوا بين الإيمان الصحيح والتقوى. فلا خوف عليهم في الدنيا من مكروه يتوقع، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥/ ٣] أي لا تخافوا أولياء الشيطان وأنصاره. ولا خوف عليهم في الآخرة مما يخاف منه الكفار والعصاة من أهوال الموقف وعذاب القيامة، كما قال تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء ١٠٣/ ٢١].

стр. 3469

ولا هم يحزنون في الدنيا من فوات مأمول، ولحوق مكروه، وذهاب محبوب؛ لأنهم يؤمنون بالقضاء والقدر، ويبتغون رضوان الله، كما لا يحزنون في الآخرة من مخاوف القيامة. روى البزار عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله، من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا رؤوا ذكر الله». ولهم البشرى في الحياة الدنيا بالنصر والاستخلاف في الأرض ما داموا على شرع الله ودينه، يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج ٤١/ ٢٢] وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور ٥٥/ ٢٤]. ومن بشائر الدنيا لهم الرؤيا الصالحة، روى أحمد والحاكم عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: «هي الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو ترى له». ومن البشائر بشرى الملائكة لهم بحسن الحال وبالدرجة الرفيعة عند النزع: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [النحل ٣٢/ ١٦]. ولهم البشرى في الحياة الآخرة بحسن الثواب والنعيم المقيم في الجنة، كما قال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة ٢١/ ٩]. وتلقي الملائكة لهم يبشرونهم بالجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا:﴾ ﴿رَبُّنَا اللهُ، ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ، وَلَكُمْ فِيها

стр. 3470

ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ، وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ. نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت ٣٠/ ٤١ - ٣٢]. ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ أي لا تغيير لأقواله، ولا إخلاف لمواعيده، كقوله تعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق ٢٩/ ٥٠] ومنها تبشير المؤمنين بالجنة. ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي ذلك المذكور وهو البشارة لهم في الدارين بالسعادة هو الفوز العظيم الساحق الذي لا فوز غيره؛ لأنه ثمرة الإيمان والعمل الصالح. فقه الحياة أو الأحكام: وضعت هذه الآية الحد الفاصل أمام الأدعياء، فأبانت أن أولياء الله هم المؤمنون الأتقياء، روى سعيد بن جبير أن رسول الله ﷺ سئل: من أولياء الله؟ فقال: «الذين يذكر الله برؤيتهم». وقال عمر بن الخطاب-فيما رواه أبو داود-سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء، تغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة، لمكانهم من الله تعالى. قيل: يا رسول الله، خبّرنا من هم وما أعمالهم، فلعلنا نحبّهم؟ قال: هم قوم تحابّوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطون بها، فو الله، إن وجوههم لنور، وإنهم على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). وما أعظم وأجدى هذه الحوافر للعمل الصالح والاتصاف بصفة أولياء الله، التي ذكرتها هذه الآية، وهي المجموعة في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ وفي تلك البشرى إيماء إلى الوعد بنصرهم على الأعداء.

стр. 3471

والبشرى: هي الخبر السارّ أو البشارة السارّة بالخير والفضل والمكافأة، وقد جمعت هذه البشرى بين سعادتي الدنيا والآخرة، ففي الدنيا: النصر والعز والثناء الحسن، وفي الآخرة: الفوز والنجاة والظفر بالجنة ونعيمها الأبدي الخالد. ولا خلف لوعد الله، ولا تبديل لأخباره، فلا ينسخها شيء، ولا تكون إلا كما قال، فما أجلّ ذلك، وما أكرم الله المبشّر وأحبّه إلى عباده، وما أسعد المبشّرين! جعلنا الله منهم. العزة والملك لله تعالى وفائدة جعله الليل والنهار ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾ الإعراب: ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ.﴾. ﴿ما﴾: إما بمعنى الذي، وإما بمعنى النفي، وإما بمعنى الاستفهام. فإن كانت بمعنى الذي فهي معطوفة بالنصب على ﴿مَنْ﴾ أي، ألا إن لله تعالى الأصنام الذين تدعونهم من دون الله شركاء، فحذف العائد من الصلة. و ﴿شُرَكاءَ﴾: حال من ذلك المحذوف. وإن كانت نفيا وهو الظاهر كانت حرفا، والتقدير: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إلا الظن. وانتصب شركاء ب ﴿يَدْعُونَ﴾، والعائد إلى ﴿الَّذِينَ﴾ الواو في ﴿يَدْعُونَ﴾

стр. 3472

ومفعول ﴿يَتَّبِعُ﴾ قام مقامه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾، ولا ينتصب الشركاء ب ﴿يَتَّبِعُ﴾؛ لأنك تنفي عنهم ذلك، والله تعالى قد أخبر به عنهم. وإن كانت ﴿ما﴾ بمعنى الاستفهام، والمراد به الإنكار والتوبيخ، كانت اسما في موضع نصب ب ﴿يَتَّبِعُ﴾، وتقديره: وأي شيء يتبع الذين يدعون. البلاغة: ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ استعارة، شبه النهار بالإنسان؛ لأن الناس يبصرون فيه، فكأن ذلك صفة الشيء بما هو سبب له أي للإبصار على طريق المبالغة، كما قالوا: ليل أعمى وليلة عمياء، إذا لم يبصر الناس فيها شيئا لشدة إظلامها. المفردات اللغوية: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ إشراكهم وتهديدهم وتكذيبهم وقولهم لك: لست مرسلا ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ﴾ استئناف بمعنى التعليل، و ﴿الْعِزَّةَ﴾: الغلبة والقوة والمنعة ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بعزماتهم وأفعالهم، فيجازيهم عليها وينصرك عليهم. ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من الملائكة والثقلين: الإنس والجن، ملكا وخلقا وعبيدا. قال البيضاوي: وإذا كان هؤلاء الذين هم أشرف الممكنات عبيدا، لا يصلح أحد منهم للربوبية، فما لا يعقل منها-وهي الأصنام-أحق ألا يكون له ندا وشريكا، فهو كالدليل على قوله. ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره أصناما ﴿شُرَكاءَ﴾ له على الحقيقة، تعالى الله عن ذلك ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ أي ما يتبعون في ذلك يقينا، وإنما يتبعون ظنهم أنها شركاء، أو أنها آلهة تشفع لهم ﴿وَإِنْ هُمْ﴾ ما هم ﴿إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ أي يكذبون فيما ينسبون إلى الله، فيستعمل الخرص بمعنى الكذب؛ لأنه يغلب فيه الحزر والتخمين، والأصل في الخرص: الحزر والتقدير، ويجوز أن يراد: يحزرون ويقدرون أنها شركاء تقديرا باطلا. ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ أي ذا إبصار، وإسناد الإبصار إلى النهار مجاز؛ لأنه يبصر الناس فيه، وإنما قال مبصرا، ولم يقل: لتبصروا فيه، تفرقة بين الظرف المجرد والظرف الذي هو سبب ﴿لَآياتٍ﴾ دلالات على وحدانيته تعالى ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سماع تدبر واعتبار أو اتعاظ. المناسبة: بعد أن أورد الله تعالى أنواع شبهات المشركين في هذه السورة، وأجاب

стр. 3473

عنها، ذكر أنهم عدلوا إلى طريق آخر، وهو التهديد والتخويف بأنهم أصحاب السلطة والمال، فأجابهم الله عن ذلك بقوله: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ تبشيرا له بالنصر عليهم، كما أنه تعالى مهد لذلك في بيان صفة الأولياء وبشارتهم في الآيات المتقدمة، إيماء إلى الوعد بالنصر على الأعداء في مكة المغترين بقوتهم، المكذبين بوعد الله. التفسير والبيان: ولا يحزنك أيها الرسول قول هؤلاء المشركين: لست مرسلا، وغيره من إشراك وتكذيب وتهديد بأنهم أصحاب القوة والمال، واستعن بالله عليهم، وتوكل عليه، فإن العزة أي الغلبة والقوة والقهر لله تعالى جميعا، أي جميعها له، وأما إثبات العزة لرسوله وللمؤمنين ففي آية أخرى: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨/ ٦٣] فالعزة كلها بالله، وإلى الله. هو السميع لأقوال عباده، ومنها أقوالهم المتضمنة تكذيب الحق وادعاء الشرك، العليم بأحوالهم وبما يفعلون من إيذاء وكيد، وسيجازيهم عليه، فلا تأبه لقولهم ومكيدتهم، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ على ما يلقاه من أذى قومه، وتبشير له بالنصر عليهم. ثم أقام الدليل على انفراده بالعزة كلها بقوله: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ..﴾. أي انتبهوا أيها الناس، إن لله ملك السموات والأرض وما بينهما، لا ملك لأحد فيهما سواه، فكيف تصلح الأصنام آلهة؟ وهي مملوكة، والعبادة لا تكون إلا للمالك، بل إنها لا تعقل ولا تملك شيئا، لا ضرا ولا نفعا، ولا دليل لهم على عبادتها، بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وأوهامهم. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ﴾ أي لا يتبع هؤلاء المشركون شركاء لله في الحقيقة، فليس لله شريك أبدا، وليس للشركاء المزعومين

стр. 3474

قدرة على شيء من تدبير أمور العباد ودفع الضر عنهم، بل إنهم لا يملكون دفع الضر عن أنفسهم، ولا يملكون جلب أي نفع لهم. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ.﴾. أي ما يتبع المشركون في الحقيقة فيما يزعمون إلا الظن الفاسد والخطأ الفادح، وما هم في هذا الظن إلا متخرصون كاذبون فيما ينسبون إلى الله، أو حازرون مقدّرون أن تكون شركاء تقديرا باطلا. فهذه الجمل الثلاث بعد بيان استقلال الله بملكية ما في السموات وما في الأرض مؤكدات متوالية، تؤكد سلب صلاحية الملائكة والأصنام والمسيح وغيرهم عن اتخاذها آلهة، ولا اتخاذها وسطاء أو شفعاء أو وسائل لله، كما هو شأن حكام الدنيا والملوك الظالمين الذين لا يصل إليهم إلا الوسطاء، فجميع من في السموات والأرض مملوك لله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ [مريم ٩٣/ ١٩] والمملوك لا شأن له أمام المالك. ثم استدل تعالى على كون العزة لله جميعا وانعدام أي دور للشركاء مع الله في الخلق والتقدير والتصرف والتدبير بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ.﴾. أي إنه تعالى قسم الزمان قسمين وهما الليل والنهار، وجعل الليل للاستراحة والسكن والاطمئنان فيه بعد عناء النهار والاشتغال فيه، وجعل النهار مضيئا للمعاش والسعي والأسفار وقضاء المصالح، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً﴾ [النبأ ٩/ ٧٨ - ١١] وقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ، فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً، لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [الإسراء ١٢/ ١٧]. ففي هذا تنبيه على كمال قدرته تعالى، وعظيم نعمته المتوحد هو بهما، ليدلّهم على تفرده باستحقاق العبادة، وأن يوحدوه بها، بأنه أظلم الليل للسكن فيه من متاعب المعاش في النهار، وأضاء النهار لإبصار مطالب الأرزاق

стр. 3475

والمكاسب. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ.﴾. أي إن في تخليق الليل والنهار وتعاقبهما واختلافهما لدلائل واضحة دالة على أن الإله المعبود بحق هو خالق الليل والنهار، لقوم يسمعون هذه الحجج والأدلة، فيعتبرون بها ويتدبرون ما يسمعون، ويستدلون على عظمة خالقها ومقدّرها ومسيّرها. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إن العزة لله جميعا، أي القوة الكاملة والغلبة الشاملة والقدرة التامة لله وحده، فهو ناصر رسوله ومعينه ومانعة من أذى الأعداء. ولا يعارض هذا قوله: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فإن كل عزة بالله، فهي كلها لله، قال تعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٨٠/ ٣٧]. ٢ - إن الله هو السميع لأقوال العباد وأصواتهم، العليم بأعمالهم وأفعالهم وجميع حركاتهم. ٣ - إن الله مالك من في السموات ومن في الأرض، أي يحكم فيهم بما يريد ويفعل فيهم ما يشاء، فليس للمحكوم والمملوك نفاذ أو تدخل في أي حكم، أو قدرة على التصرف في الأملاك، وهذا دليل سلب الألوهية عما سوى الله. ٤ - إن المشركين لا يتبعون في عبادتهم شركاء على الحقيقة، بل يظنون ظنا باطلا أنها تشفع أو تنفع، وما هم في ظنهم إلا يحدسون يخمنون ويكذبون فيما ينسبونه إلى الله. ٥ - إن الواجب عبادة من يقدر على خلق الليل والنهار، وإحكام تعاقبهما بنظام دقيق، لا عبادة من لا يقدر على شيء.

стр. 3476

٦ - إن لله الحكمة البالغة في إيجاد الليل والنهار، فالله جعل الليل لمنافع عديدة منها السكون (أي الهدوء عن الاضطراب) مع الأزواج والأولاد، وزوال التعب والكلال الناجم عن الانهماك في الأعمال. وجعل النهار لفوائد جليلة منها إبصار موارد العيش، والاهتداء به إلى الحوائج، والأنس مع الناس. ٧ - إن في خلق السموات والأرض وفي خلق الليل والنهار لعلامات ودلالات قاطعات واضحات على استحقاق الخالق للعبادة والتفرد بها وحده، ولكن لا يتعظ بهذا إلا القوم الذين يسمعون سماع تدبر واعتبار واتعاظ، وذلك هو جوهر فائدة خلق السمع والبصر. الإشراك بنسبة الولد لله تعالى ﴿قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ الإعراب: ﴿بِهذا﴾ متعلق ب ﴿سُلْطانٍ﴾ أو نعت له، أو ب ﴿عِنْدَكُمْ﴾، كأنه قيل: إن عندكم في هذا سلطان. ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي افتراؤهم أو تقلبهم متاع في الدنيا، أو مبتدأ خبره محذوف أي لهم متاع أو تمتع في الدنيا.

стр. 3477

البلاغة: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ استفهام يراد به التوبيخ والتقريع على اختلافهم وجهلهم. المفردات اللغوية: ﴿قالُوا﴾ أي اليهود والنصارى والمشركون الذين زعموا أن الملائكة بنات الله ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ أي تبناه، والولد يستعمل مفردا وجمعا ﴿سُبْحانَهُ﴾ رد الله عليهم بقوله: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أي تنزيها وتقديسا له عن التبني، فإنه لا يصح إلا ممن يتصور له الولد، والمراد التعجب من كلمتهم الحمقاء ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن كل أحد، وإنما يطلب الولد من يحتاج إليه، وهو علة لتنزيهه، فإن اتخاذ الولد مسبب عن الحاجة. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا، وهو تقرير لغناه ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ أي ما عندكم من حجة وبرهان على هذا الذي تقولونه ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ توبيخ وتقريع على قولهم. ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ بنسبة الولد وإضافة الشريك إليه ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ لا يسعدون، فلا ينجون من النار، ولا يفوزون بالجنة ﴿مَتاعٌ﴾ أي لهم متاع قليل ﴿فِي الدُّنْيا﴾ يتمتعون به طوال حياتهم ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ بالموت فيلقون الشقاء المؤبد ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ﴾ بعد الموت ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بسبب كفرهم. المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى أفعال المشركين باتخاذ الأوثان والأصنام شفعاء، وردّ عليهم ردا مقنعا، ذكر هنا نوعا آخر من أباطيلهم وهو نسبة الولد إلى الله تعالى، وهذا يشمل المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله، واليهود القائلين بأن عزيزا ابن الله، والنصارى القائلين بأن المسيح عيسى ابن الله. التفسير والبيان: موضوع الآيات: الإنكار على المشركين واليهود والنصارى الذي ادعوا أن الله تعالى ولدا.

стр. 3478

والمعنى: وقال المشركون: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزه وتقدس الله عن التبني، والمراد التعجب من كلامهم الباطل، فإن التبني لا يصح إلا ممن يتصور له الولد، والله لا والد له ولا ولد. ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ علة لتنزيهه، أي أن الله هو الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه، ولا حاجة له للولد، وإن اتخاذ الولد ناشئ عن الحاجة. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ.﴾. فكيف يكون له ولد مما خلق؟ وكل شيء مملوك له وعبد له، وهو خالق السموات والأرضين وكل ما فيهما، لا يشبهه أحد من خلقه، ولا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل الكل محتاج إليه، وكل ما في السموات وما في الأرض له ملكا وخلقا وعبيدا، وتصريفا، لا يشاركه في ذلك أحد، فكيف بالموجد الخالق واهب الحياة وحوائجها يتخذ ولدا موجودا مخلوقا موهوبا له، محتاجا إليه في كل شيء مادي كالرزق ومعنوي كالإعانة والنصرة والإعزاز؟!. ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ أي ليس عندكم دليل على ادعائكم وما تقولونه من الكذب والبهتان. ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي أتقولون على الله قولا لا حقيقة له، وتنسبون إليه تعالى مالا يصح عقلا وواقعا نسبته إليه. وهذا استفهام يراد به التوبيخ والتقريع، أو الإنكار والوعيد الأكيد، والتهديد الشديد. قال البيضاوي: وفي هذا دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة، وأن العقائد لا بد لها من دليل قاطع، وأن التقليد فيها غير سائغ. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَقالُوا: اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا

стр. 3479

لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ [مريم ٨٨/ ١٩ - ٩٥]. ثم توعد الله تعالى الكاذبين عليه المفترين، ممن زعم أن له ولدا بأنهم لا يفلحون، مما يدل على أن هذا المذهب افتراء على الله ونسبة لما لا يليق به إليه: ﴿قُلْ: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ..﴾. أي قل لهم أيها الرسول: إن الذين يختلقون على الله الكذب بنسبة الشريك إليه، أو باتخاذ الولد، لا يفلحون ولا يفوزون أبدا، في الدنيا ولا في الآخرة. أما في الدنيا فيستدرجهم ويمتعهم قليلا، وأما في الآخرة فيضطرهم إلى عذاب غليظ شديد، كما قال تعالى: ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا﴾ أي لهم تمتع في الدنيا قليل لمدة قصيرة ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ ثم بعد الموت يرجعون إلى ربهم بالبعث يوم القيامة، وما فيه من أهوال الحشر والحساب ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي ثم يلقون الشقاء المؤبد ويعذبون في نار جهنم العذاب الموجع المؤلم الغليظ أي الشديد، بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله، فيما ادعوه من الإفك والزور. وفي هذا دلالة واضحة على الخسارة المحققة للكافرين، فإن ما يتوهمون أنه نجاح في الدنيا بالحصول على المنافع المادية والمعنوية، لا قيمة له أصلا في مقابلة ما فاتهم في الآخرة من ثواب عظيم ونعيم مقيم في جنان الخلد، فإن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات أمرين: الأول-بطلان القول بنسبة الولد لله تعالى بالأدلة القاهرة، وبانعدام الدليل على صحة هذا القول. والثاني-ظهور أن هذا المذهب افتراء على الله ونسبة لما لا يليق به إليه.

стр. 3480

أما أدلة بطلان القول بنسبة الولد لله تعالى فهي كما ذكرت الآية الأولى خمسة: ١ - سبحانه: وهو تنزيه وتقديس الله تعالى عن الصاحبة والأولاد وعن الشركاء والأنداد، وتعجب شديد من هذه الكلمة الحمقاء؛ لأنه تعالى ليس محتاجا إلى غيره، وإنما هو مصدر قضاء الحوائج. ٢ - هو الغني: الله هو الغني غنى مطلقا عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه. وكل من كان غنيا امتنع أن يكون له أب وأم، ومن تقدس عن الوالدين تقدس عن الأولاد. وامتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه، والولد عبارة عن انفصال جزء من أجزاء الإنسان. وامتنع أن يكون موصوفا بالشهوة واللذة، فلا صاحبة له ولا ولد. وامتنع من اتخاذ الولد، لعدم احتياجه إلى إعانته على المصالح الحاصلة والمتوقعة. وكل من كان غنيا كان قديما أزليا باقيا سرمديا، فلا يطرأ عليه الانقراض والانقضاء، والولد إنما يحصل للشيء الذي ينقضي وينقرض. وكل من كان غنيا مطلقا كان واجب الوجود لذاته، فلو كان له ولد، لكان ولده مساويا له، أي يصبح واجب الوجود أيضا، وإذا اتصف بهذه الصفة امتنع تولده من غيره، وإذا لم يكن متولدا من غيره لم يكن ولدا. فثبت أن كونه تعالى غنيا من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا ولد له (١). ٣ - له ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، فكيف يكون له ولد مما خلق، وكل شيء مملوك له، عبد له؟!.

стр. 3481

٤ - إن عندكم من سلطان بهذا، أي ليس عندكم من حجة ولا دليل على صحة قولكم، والدعوى العارية من الدليل باطلة بطلانا مطلقا. (١) ٥ - أتقولون على الله مالا تعلمون؟ من إثبات الولد له، والولد يقتضي المجانسة والمشابهة، والله تعالى لا يجانس شيئا، ولا يشابه شيئا. وهذا بالإضافة إلى كونه تأكيدا لما سبق إنكار شديد ووعيد أكيد وتقريع وتوبيخ على من تجرأ بنسبة الولد إلى الله تعالى. وأما ظهور كون هذا المذهب افتراء وكذبا على الله، فواضح مترتب على بطلان الادعاء بثبوت الولد لله تعالى. وقد دل قوله تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ على أن إثبات العقيدة لا سيما فيما يتعلق بإثبات الله الصانع يتطلب دليلا قطعيا يقينا، ولا يقبل فيه التقليد والوراثة ومحاكاة عقائد المسلمين المؤمنين بحق. ودل قوله ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ على إفلاس الكافر وخسارته المحققة يوم القيامة وعدم نجاته من العذاب. كذلك دل قوله تعالى: ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ..﴾. الآية على أن التمتع في الدنيا قليل وحقير جدا بالنسبة لنعيم الآخرة، وأن مرجع جميع الخلائق إلى الله تعالى، وأن الكفار والمشركين معذبون عذابا شديدا بسبب كفرهم.

стр. 3482

قصة نوح ﵇ مع قومه ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ الإعراب: ﴿إِذْ قالَ﴾ بدل مما قبله. ﴿وَشُرَكاءَكُمْ﴾ منصوب لوجهين: أحدهما-لأنه مفعول معه، أي، فأجمعوا أمركم مع شركائكم. والثاني-بتقدير فعل، أي فأجمعوا أمركم واجمعوا شركاءكم. وقيل: التقدير: وادعوا شركاءكم. والنصب على تقدير الفعل مثل قول الشاعر: إذا ما الغانيات برزن يوما... وزجّجن الحواجب والعيونا وتقديره: وكحلن العيون؛ لأن العيون لا تزجج. وقرئ: وشركاؤكم بالرفع عطفا على ضمير ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ المرفوع، لوجود الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو ﴿أَمْرَكُمْ﴾ لأن الفصل يتنزل منزلة التوكيد، كقوله تعالى: ﴿مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ [يونس ٢٨/ ١٠]. ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ اسم يكن وخبرها. البلاغة: ﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾ تقديم متعلّق ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ لإفادة الحصر، أي توكلت على الله لا على غيره.

стр. 3483

﴿لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ استعارة، عبر عن الالتباس والستر بالغمة، أي لا يكن أمركم مبهما، فيكون كالغمة. المفردات اللغوية: ﴿وَاتْلُ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي على كفار مكة ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾ خبره مع قومه ﴿كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾ عظم وشق عليكم ﴿مَقامِي﴾ قيامي أو إقامتي ومكثي فيكم. ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ وعظي إياكم بآيات الله ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ وثقت به ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ فاعزموا عليه عزما لا تردد فيه أي اعزموا على أمر تفعلونه بي ﴿وَشُرَكاءَكُمْ﴾ أي مع شركائكم ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ﴾ في قصدي ﴿عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ مستورا خفيا، بل أظهروه وجاهروني به، والغمة: الستر واللبس ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ أدّوا إلى ذلك الأمر الذي تريدون بي، ونفذوه بي ﴿وَلا تُنْظِرُونِ﴾ تمهلوني ولا تؤخروني، فإني لست مباليا بكم. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن تذكيري ﴿فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي فما طلبت منكم ثوابا عليه يوجب تولّيكم لثقله عليكم واتهامكم إياي لأجله ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ أي ما ثوابي على الدعوة والتذكير ﴿إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ أي فهو يثيبني به، سواء آمنتم أو توليتم ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ المنقادين لحكمه، لا أخالف أمره، ولا أرجو غيره. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فأصروا على تكذيبه بعد ما ألزمهم الحجة، وبيّن أن توليهم ليس إلا لعنادهم وتمردهم، فحقت عليهم كلمة العذاب ﴿فَنَجَّيْناهُ﴾ من الغرق ﴿وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ السفينة، وكانوا ثمانين. ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾ أي وجعلنا من معه يخلفون غيرهم في عمارة الأرض وسكناها، وهي جمع خليفة ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بالطوفان ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ من إهلاكهم، فكذلك نفعل بمن كذّب. وهذا تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن كذّب الرسول ﷺ وتسلية له. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى الأدلة الدالة على الوحدانية والرسالة والبعث والجزاء يوم القيامة، وفنّد شبهات المشركين وكشف عنادهم لرسوله ﷺ وتكذيبهم له، ذكر هنا بعض قصص الأنبياء، تسلية للرسول ﷺ ليتأسى بهم، فيهون عليه ما يتعرض له من الشدائد والمكائد، وتذكيرا للمشركين بمن سبقهم في مثل فعلهم، وكيف كانت عاقبة المكذبين للرسل ﵈.

стр. 3484

وذكر تعالى هنا ثلاث قصص: قصة نوح مع قومه، وقصة موسى وهارون مع فرعون، وقصة يونس مع قومه، وفي كل قصة عبرة وعظة. ولقد ذكرت أضواء من التاريخ على القصتين الأوليين، وسأذكر ما يناسب قصة يونس ﵇. التفسير والبيان: وأخبر أيها الرسول واقصص على كفار مكة الذين يخالفونك ويكذبونك خبر نوح مع قومه الذين كذبوه، كيف أهلكهم الله، ودمر هم بالغرق أجمعين عن آخرهم، ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك. اذكر لهم حين قال نوح لقومه: يا قوم إن كان قد شق عليكم وعظم قيامي معكم للدعوة إلى عبادة ربكم، وتذكيري ووعظي إياكم بآيات الله أي بحججه وبراهينه الدالة على وحدانيته وعبادته، فإني توكلت على الله وحده ووثقت به، فلا أبالي ولا أكف عن دعوتي ورسالتي، سواء عظم عليكم أو لا. فأجمعوا أمركم، أي اعزموا على ما تريدون من أمر تفعلونه بي، أنتم وشركاؤكم الذين تعبدونهم من دون الله من صنم ووثن. ولا تجعلوا أمركم الذي تعتزمونه خفيا ملتبسا عليكم، بل أظهروه لي، وتبصروا فيه، وافصلوا حالكم معي. فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إلى ذلك الأمر ونفّذوه بالفعل، ولا تؤخروني ساعة واحدة عن تنفيذ هذا القضاء، فمهما قدرتم فافعلوا، فإني لا أبالي بكم ولا أخاف منكم؛ لأنكم لستم على شيء. وهذا الموقف الواثق بالله وبنصره لنوح أبي البشر الثاني مشابه لموقف هود ﵇ إذ قال لقومه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ، وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ الآية [هود ٥٤/ ١١ - ٥٦].

стр. 3485

وهكذا يتبين الفرق الجلي بين موقف المؤمن الراسخ الإيمان الذي لا يعرف التردد، المعتصم بالله وبوعده وثقته به، وبين موقف الكافر الضعيف المتردد الذي لا ملاذ له، إلا بالقوة الوهمية الخاثرة بل المنعدمة للشركاء والآلهة المزعومة. فإن توليتم أي أعرضتم عن تذكيري وكذبتم ولم تؤمنوا برسالتي ولم تطيعوني فيما أدعوكم إليه من الدين الحق، فإني لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئا: أجرا أو جزاء، إن ثواب عملي وجزائي على الله ربي الذي أرسلني إليكم، وأمرني أن أكون من المسلمين، أي المنقادين الممتثلين لما أمرت به من الاستسلام لكل ما يصل إلى من أجل هذه الدعوة، والإسلام والخضوع لله ، والإسلام هو دين الأنبياء جميعا من أولهم إلى آخرهم (١)، وإن تنوعت شرائعهم التفصيلية كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥] فأصولهم واحدة، ومصدرهم واحد، قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد:

стр. 3486

«الأنبياء أولاد علاّت» أي أننا أولاد من أمهات شتى والأب واحد، وديننا وإيماننا واحد: وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت شرائعنا. فكذبوه، أي فأصروا على تكذيبه، فنجيناه هو ومن آمن معه في الفلك أي السفينة التي صنعها بأمرنا. وجعلناهم خلائف، أي وجعلنا الناجين مع نوح في السفينة خلائف أولئك الهالكين، في عمارة الأرض وسكناها من بعدهم، وأغرقنا بالطوفان الذين كذبوا نوحا، فانظر أيها الرسول كيف أنجينا المؤمنين، وأهلكنا المكذبين المنذرين، الذين أنذرهم رسولهم بالعذاب قبل وقوعه، فلم يرتدعوا، وأصروا على تكذيبه، وهذه عاقبة كل المصرّين على تكذيب الأنبياء، وعاقبة المؤمنين. فقه الحياة أو الأحكام: ١ - العبرة من قصة نوح: ذكر الله تعالى في هذه السورة قصة نوح ﵇ لفائدتين: الأولى-أن تصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار، وهجر الجحود بالتوحيد والإيمان بالنبوة؛ لأن الله عجل هلاك قوم نوح بالغرق لما أصروا على الكفر والجحود. والثانية-أن الإنذار بالعذاب لا بد أن يتحقق، فقد كان كفار مكة يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول ﷺ لهم، ويقولون له: كذبت، فإنه ما جاءنا هذا العذاب، فذكر الله تعالى قصة نوح ليبين لهم أن ما أنذر به نوح قومه وقع في نهاية الأمر، كما أخبر، فكذلك يقع كل عذاب أنذركم به. ٢ - النظر في الموقف والمقارنة بينها: موقف نوح وموقف قومه، فموقف نوح ﵇ كان موقف المؤمن الجريء الجسور الذي لا يخشى الصعاب، ولا يعرف التردد، ولا يهاب الموت في سبيل دعوته، ويتحدى الجمع الغفير فيما

стр. 3487

يريدون أن يعملوه معه. وموقف قومه كان موقف الهيّاب الضعيف المتخاذل المتردد الذي لم يستطع اتخاذ قرار حاسم في شأن نوح، الذي كانت هيبة الإيمان تحميه وتعصمه من مكائدهم وشرورهم. ٣ - كلمات نوح مع أولئك الكفار: كانت كلمات نوح مكونة من جملة شرط وجزاء. أما الشرط ففيه أمران: الأول- ﴿إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي﴾ أي ثقل وشق بسبب مكثه فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وبسبب ما ألفه الكفار من مذاهب فاسدة وعقائد ومناهج باطلة، والغالب أن من ألف طريقة في الدين يثقل عليه تغييرها. والأمر الثاني- ﴿تَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ﴾ لأن من شغف بلذات الدنيا كان شديد النفرة من الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات. وأما الجزاء على الشرط ففيه أمور خمسة: الأول- ﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي إن شدة بغضكم لي التي تحملكم على إيذائي تجعلني لا أقابل ذلك الشر إلا بالتوكل على الله، وهذا منه توكل على الله في دفع شر هذه الساعة، إن كان متوكلا أبدا على الله تعالى. الثاني- ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾ أي اعزموا على الأمر الذي تريدون إيقاعه بي، وابذلوا جهودكم في الكيد لي والمكر بي، مع شركائكم الأوثان التي تسمونها آلهة، وفي هذا تحد شديد لمخططاتهم ومكائدهم. الثالث- ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا تتمكنون فيه مما شئتم، وفي هذا استعداد لمواجهة قراراتهم بصراحة وجرأة، وصرامة وصبر. الرابع- ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ أي امضوا إلى بمكروهكم وما توعدونني به، وهذا

стр. 3488

دليل الإباء وعدم المبالاة بما ينفذون من قرار. الخامس- ﴿وَلا تُنْظِرُونِ﴾ أي لا تمهلون بعد إعلامكم إياي ما اتفقتم عليه، وهذا غاية الشجاعة والبأس، فإنه لا يحتاج إلى إنذار وإمهال. وهو أيضا من دلائل النبوات، فإنه أعلمهم أنهم لا يصلون إليه بسوء؛ لأن الله عاصم أنبياءه. ٤ - النبي في دعوته لا يطلب أجرا من أحد على نصحه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ قال المفسرون: هذا إشارة إلى أنه ما أخذ منهم مالا على دعوتهم إلى دين الله تعالى. ومتى كان الإنسان خاليا من الطمع كان قوله أقوى تأثيرا في القلب. وهكذا كانت سيرة جميع الأنبياء. ٥ - الثبات على المبدأ: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فيه قولان: الأول-أنكم سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوا، فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام. والثاني-أني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إلى لأجل هذه الدعوة. قال الرازي: وهذا الوجه أليق بهذا الموضع، لانسجامه مع قوله السابق: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾. ٦ - عاقبة القصة بين نوح وقومه: ترتب على هذا النقاش الحاد بين نوح وقومه الكفار نتائج حاسمة ومهمة جدا. أما بالنسبة لنوح وأصحابه فأمران: أنه تعالى نجاهم من الكفار، وأنه جعلهم خلائف بمعنى أنهم يخلفون من هلك بالغرق. وأما بالنسبة للكفار: فهو أنه تعالى أغرقهم بالطوفان وأهلكهم. وهذه القصة زحر للمخالفين من حيث يخافون آن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح،

стр. 3489

ودعوة المؤمنين للثبات على الإيمان. وهذه الطريقة في الترغيب والتحذير إذا عرضت على سبيل الحكاية تقدم كانت أبلغ من الوعيد المبتدأ. وتفاصيل هذه القصة ذكرت في سور أخرى. عادة الأمم في تكذيب الأنبياء ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾ الإعراب: ﴿كَذَّبُوا بِهِ﴾ الضمير يعود على قوم نوح، أي فما كان قوم الأنبياء الذين أرسلوا بعد نوح ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح، بل كذبوا كتكذيب قوم نوح. المفردات اللغوية: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي بعد نوح. ﴿رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ﴾ كإبراهيم وهود وصالح ﴿فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ المعجزات المثبتة لدعواهم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل بعث الرسل إليهم، أي بسبب تعودهم تكذيب الحق وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل. ويجوز أن يكون ذلك حكاية لما حدث في عهد نوح ﵇. ﴿كَذلِكَ نَطْبَعُ﴾ نختم والمراد أن القلوب تصبح غير قابلة لغير ما رسخ فيها ﴿عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي كما طبعنا على قلوب أولئك نطبع على قلوب المعتدين، أي المتجاوزين حدود الحق والعدل فلا تقبل الإيمان، بخذلانهم لانهماكهم في الضلال واتباع المألوف. قال البيضاوي: وهذا دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد.

стр. 3490

المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى قصة نوح مع قومه والعبرة منها، ذكر عبرة أخرى من تاريخ الأقوام مع أنبيائهم، فإنهم لما كذبوا عوقبوا، وكما طبع الله على قلوب هؤلاء فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم، كذلك يطبع الله على قلوب أمثالهم. فما على أهل مكة وغيرهم إلا الاتعاظ بذلك، وتجنب أسباب تلك العاقبة، من الكفر والتكذيب، وإلا أدى بهم الكفر إلى الحيلولة عن الإيمان وما يتبعه من السعادة. التفسير والبيان: ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم؛ مثل هود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب ﵈، بالبينات، أي بالمعجزات القاهرة والأدلة والبراهين العقلية والحسية على صدق ما جاءوهم به. ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أي فما كانت تلك الأقوام لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم، بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم، وكما كذب به المتقدمون عنهم من قبل ممن كانوا أمثالهم في سبب الكفر. والمراد بقوله ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ ما كان إيمانهم إلا ممتنعا كالمحال لتصميمهم على الكفر قبل بعثة الرسل، وتكذيبهم كتكذيب قوم نوح، وكأنه لم يبعث إليهم أحد. وعبارة المفسرين في تفسير القبلية متقاربة، فقال بعضهم: قبل بعثة الرسل، وقال آخرون: بما كذب به قوم نوح من قبل. ﴿كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي كما نختم على قلوب هؤلاء فلا يؤمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم، هكذا نختم على قلوب من أشبههم في العناد ممن بعدهم من المعتدين كقومك، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.

стр. 3491

قال الزمخشري: والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم؛ لأن الخذلان يتبعه، ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم به. وبعبارة أخرى: المراد بالطبع عدم قبول القلوب شيئا من نور الهداية والمعرفة؛ لأنهم تجاوزوا كل حد في الكفر والتكذيب، فلا يؤمنوا. وهذا إنذار شديد لمشركي العرب الذين كذبوا سيد الرسل وخاتم الأنبياء، فإنه إذا كان قد أصاب المكذبين السابقين العذاب والنكال، فما ظن هؤلاء وقد فعلوا مثلهم وأكبر مما فعله من تقدمهم؟!. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى ما يأتي: ١ - تكذيب الأنبياء عادة شائعة بين الناس، لتأثرهم بما كانوا عليه قبل بعثة الرسل من تصميم على الكفر ورسوخ فيه. ٢ - الطبع أو الختم على القلوب معناه التعبير عن العناد واللجاج والخذلان. ٣ - لقد أهلك الله الأمم المكذبة للرسل وأنجى من آمن منهم. ٤ - احتج أهل السنة بالآية على أن الله تعالى قد يمنع المكلف عن الإيمان، بسبب عناده وتصميمه على الكفر وتكذيبه الرسل. ٥ - في الآية دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد، أي أن الله يخلق للإنسان القدرة، والعبد يستخدمها فيما يختاره من خير أو شر.

стр. 3492

قصة موسى ﵇ مع فرعون - ١ - الحوار بين موسى وفرعون ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾ المفردات اللغوية: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد هؤلاء الرّسل. ﴿وَمَلائِهِ﴾ قومه أو أشراف القوم. ﴿بِآياتِنا﴾ الآيات التّسع. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإيمان بها. ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بيّن ظاهر. ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ﴾ إنه لسّحر، فحذف المحكي بالقول لدلالة ما قبله عليه. ﴿أَسِحْرٌ هذا﴾ هو استئناف بإنكار ما قالوه. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ من تمام كلام موسى، للدّلالة على أنه ليس بسحر، فإنه لو كان سحرا لاضمحلّ، ولم يبطل سحر السّحرة، فهذا دليل من موسى ﵇ على أنه ليس بسحر، وإنما السّحر تخييل وتمويه. ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ لتردّنا وتصرفنا عنه، واللفت والفتل مترادفان. ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ﴾ الملك فيها، سمي بها لاتّصاف الملوك بالكبر والتّكبر على الناس باستتباعهم. ﴿وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين فيما جئتنا به. المناسبة: هذه هي القصّة الثانية المذكورة في سورة يونس، وهي قصة موسى وهارون مع فرعون وملئه، وقد تكرر ذكرها في القرآن للدّلالة على أنّ قوة الحقّ وصوت

стр. 3493

النبّوة يعلوان الملك والحكم والسّلطان، ويقوضان العروش، ويزيلان دعائم الباطل. وهذا هو الفصل الأول من القصة وهو الحوار بين موسى وفرعون. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الأول من قصة موسى ﵇. والمعنى: ثم بعثنا من بعد تلك الرّسل موسى وأخاه هارون إلى فرعون ملك مصر وأشراف قومه، أما بقية الناس فهم تبع لهم في الكفر والإيمان، ولذا لم يذكروا. بعثناهما بآياتنا المذكورة في سورة الأعراف (١) وغيرها، فاستكبروا عن اتّباع الحقّ والانقياد له، وعن الإيمان بموسى وهارون، وكانوا قوما مجرمين أي معتادي الاجرام كفارا ذوي آثام عظام، راسخين في الجريمة والظّلم والإفساد في الأرض. وأعظم الكبر: أن يتهاون الناس برسالة ربّهم بعد قيام الأدلّة على صحّتها. ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ.﴾. أي فلما جاءهم موسى بالأدلّة الدّالة على الربوبية والألوهية الحقّة، قالوا عنادا وعتوا وحبّا للشّهوات: إن هذا لسحر واضح، قالوا مقسمين على قولهم مؤكدين له بإنّ، واسم الإشارة، واللام في الخبر، والجملة الاسمية. وهم يعلمون أن ما قالوه كذب وبهتان، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤/ ٢٧]. ﴿قالَ مُوسى: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ.﴾. قال لهم موسى منكرا عليهم وموبّخا لهم: أتقولون للحقّ الواضح البعيد كلّ البعد عن السّحر الباطل: إنه سحر،

стр. 3494

عجبا لكم أسحر هذا؟! والحال أنكم تعرفون أن السحر تخييل وتمويه، ولو كان هذا سحرا لاضمحلّ، ولم يبطل سحر السّحرة، ولا يفوز السّاحرون في ساحات الحقائق، وقضايا الدّين، وأصول الحياة، وإقامة الممالك؛ لأن السّحر شعوذة وخفّة يد لا تغير من الحقيقة شيئا. وقولهم: هذا سحر محذوف، والاستفهام بقوله: أتقولون؟ إنكار، ثم استأنف إنكارا آخر من قبله، فقال: ﴿أَسِحْرٌ هذا﴾؟! وحذف قولهم الأول اكتفاء بالثاني من قولهم، منكرا على فرعون وملئه. فأجابوه إجابة الضعيف المفلس الحجة الذي لا يجد متمسكا له إلا التقليد للآباء والأجداد ووراثة العادات والطقوس الدّينية، فقالوا: ﴿قالُوا: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا.﴾. أي أجئتنا يا موسى لتصرفنا عن دين آبائنا وأجدادنا، ولتكون لكما أي لك ولهارون أخيك الكبرياء في الأرض، أي الرّياسة الدّينية والدّنيوية أو العظمة والملك والسّلطان، وما نحن لكما بمصدقين لكما فيما تدعيانه من دين جديد يغاير دين الأسلاف والآباء، وهذا سبب تكذيب الرّسل دائما. وقد خاطبوا موسى أولا؛ لأنه كان هو الدّاعي لهم للإيمان بما جاء به، والإقرار بتوحيد الإله، ونبذ عبادة الأصنام والأوثان. ثم أشركوا معه أخاه في الإفادة من ثمرات الدّعوة وهي النّفوذ والسّلطة والعظمة. فقه الحياة أو الأحكام: لم يختلف شأن فرعون وقومه عمن قبله من الأمم، في تكذيب الأنبياء، وعناد الدّعاة إلى الإيمان بالله، والتّخلص من عبادة الأصنام. وتمثل هذه القصة شدّة العناد بسبب عظمة السلطان والملك والجاه، أمام شخصين ضعيفين موسى وهارون، وكان موسى قد تربى في بيت فرعون. ولكن الضعف الشّخصي يزول أمام قوة الاعتزاز بالنّبوة والإيمان، فبالرغم

стр. 3495

من هذا الضعف بادر موسى وهارون إلى دعوة فرعون وقومه إلى الإيمان بالله تعالى، والتّرفع عن التّأله وتعظيم ما دون الله. وأيد الله موسى بآيات تسع سلّطها على أهل مصر، كالقحط المتوالي، ونقص الأنفس والأموال والثّمرات بسبب الأمراض والجوع، والطّوفان والجراد والقمّل والضّفادع والدّم، ومع ذلك لم يؤمن فرعون وقومه، ووصفوا الآيات والمعجزات بالسّحر. فعجب موسى منهم ووبّخهم منكرا عليهم وصف المعجزة بالسّحر، وناقشهم ببيان الفرق الواضح بين المعجزة والسّحر، فلم يجدوا جوابا مقنعا إلا الارتماء في أحضان التّقليد واتّباع دين الآباء والأجداد، والتّرفع عن الإيمان، واتّهموا موسى وأخاه بأنهما يستهدفان من وراء دعوتهما الوصول إلى السلطة والملك في أرض مصر، ولم يدروا بأن الإيمان بالله وبالأنبياء أسمى وأجل وأقدس من النزعات الشخصية الشهوانية، وحبّ السّلطة والتّسلط، فهذه مظاهر فانية، وأثر الإيمان خالد باق. والخلاصة: إن قوم فرعون عللوا عدم قبول دعوة موسى بأمرين: الأول-التّمسك بالتّقليد: وهو معنى قوله تعالى: ﴿أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فإنهم تمسكوا بالتّقليد، ودفعوا الحجة الظاهرة بمجرد الإصرار. والثاني-الاتّهام بالحرص على طلب الدّنيا والوصول إلى الرّياسة: وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي يكون لكما الملك والعزّ في أرض مصر، والخطاب هنا لموسى وهارون، ولما ذكروا هذين السّببين صرحوا بالحكم وقالوا: ﴿وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 3496

- ٢ - إحضار فرعون السّحرة لمقاومة دعوة موسى ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ اِئْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ الإعراب: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ ﴿فَلَمّا﴾: إما اسم موصول بمعنى الذي، وإما استفهامية، فإذا كانت اسما موصولا كانت مع الصّلة في موضع رفع بالابتداء، و ﴿السِّحْرُ﴾: خبره. وإذا كانت استفهاما كانت أيضا مبتدأ، و ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ الخبر، و ﴿السِّحْرُ﴾ خبر مبتدأ مقدر، تقديره: هو السحر. ويجوز أن تكون ﴿فَلَمّا﴾ في موضع نصب على تقدير فعل بعد ﴿فَلَمّا﴾ وتقديره: أي شيء أتيتم أو جئتم به، و ﴿السِّحْرُ﴾ خبر مبتدأ مقدر أي هو السحر. ولا يجوز أن تكون ﴿فَلَمّا﴾ في موضع نصب إذا كانت بمعنى الذي؛ لأن ما بعدها صلتها، والصّلة لا تعمل في الاسم الموصول، ولا تكون تفسيرا للعامل الذي تعمل فيه. البلاغة: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ بينهما جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ حاذق في السحر، فائق فيه. ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيهم. ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أي الذي جئتم به هو السّحر، لا ما سمّاه فرعون وقومه سحرا وهو المعجزات. ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ سيمحقه أو سيظهر بطلانه. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ لا يثبته ولا يقويه. وفيه دليل على أن السّحر إفساد وتمويه لا حقيقة له. ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ﴾ أي يثبته ويظهره. ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ بأوامره وقضاياه. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ذلك.

стр. 3497

المناسبة: هذا هو الفصل الثاني من قصة موسى مع فرعون، فإن فرعون أراد الاستعانة بالسّحرة لمعارضة معجزة موسى ومقاومة دعوته، فأمر بإحضار حذاق السّحرة ليظهر للناس أن ما أتى به موسى نوع من السّحر، فيصد الناس عن اتّباعه، باعتبار أنه ساحر. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الثاني من قصة موسى ﵇ حيث استعان فرعون عليه بالسحرة. ويلاحظ أنه ذكرت قصة السّحرة مع موسى في سورة الأعراف، كما تقدّم، وفي هذه السّورة، وفي سورة طه وفي الشّعراء؛ لأن فرعون أراد التمويه على الناس وصدّهم عن اتّباع موسى ومعارضة ما جاء به ﵇ من الحقّ المبين، من طريق زخارف السّحرة والمشعوذين، فانعكس عليه الأمر، وصدم مرامه، وظهرت البراهين الإلهية في ذلك المحفل العام: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ، قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٠/ ٧ - ١٢٢]. ومعنى الآيات هنا: قال فرعون لحاشيته أو ملئه لما رأى العصا واليد البيضاء واعتقد أنها سحر فائق حاذق في علم السحر، لظنّهم ألا فرق بين المعجزة الإلهية والسّحر. فأتوا بهم، فلما جاء السّحرة وتجمّعوا، قال لهم موسى بعد أن خيّروه بين أن يلقي ما عنده أولا، أو يلقوا هم ما عندهم، كما ذكر في سورة الأعراف: بل ألقوا ما أنتم ملقون من فنون السّحر، ليظهر الحقّ ويبطل الباطل. فأراد موسى أن تكون البداءة منهم ليرى الناس ما صنعوا، ويستنفدوا ما لديهم من طاقات وخبرات، ثم يأتي بالحق بعده، فيدمغ باطلهم، ولهذا لما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وجاؤوا بسحر عظيم: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى، قُلْنا:﴾

стр. 3498

﴿لا تَخَفْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى. وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا، إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ، وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ [طه ٦٧/ ٢٠ - ٦٩]. ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا.﴾. أي فلما ألقوا ما عندهم من الحبال والعصي قال موسى واثقا غير مبال بهم: ما أتيتم به هو السّحر بعينه، لا ما سمّاه فرعون سحرا مما جئت به من الآيات والمعجزات من عند الله. وهذا السّحر الذي أظهر تموه إن الله سيمحقه وسيظهر بطلانه قطعا أمام الناس، بما يفوقه من المعجزة التي هي آية خارقة للعادة تفوق السّحر وأشكاله المختلفة. ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي لا يثبّته ولا يقويه، ولا يجعله صالحا للبقاء، ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ أي ويريد الله أن يؤيّد الحقّ ويظهره، ويثبته ويقويه، وينصره على الباطل بأوامره ووعده موسى، وقيل: بما سبق من قضائه وقدره. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي ولو كره المجرمون الظالمون كفرعون وملئه ذلك، أي نصر الحقّ على الباطل. وفي آية أخرى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف ١١٨/ ٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ، وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ [طه ٦٩/ ٢٠]. فقه الحياة أو الأحكام: هذه مبارزة بين الحقّ والباطل، بين المعجزة والسّحر، فالمعجزة آية إلهية خارقة للعادة يؤيّد الله بها صدق الأنبياء لإقناع الناس وتصديق دعوتهم. وأمّا السّحر فهو إفساد وتمويه وتزييف لا حقيقة له، فلم يستطع الصمود أمام الشيء الحقيقي الثابت الذي لا تمويه فيه. وهذا المعنى هو ما تضمنته آية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي لا يضرّ أحدا كيد ساحر. لذا قال العلماء: لا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر.

стр. 3499

وكان في خطة موسى ﵇ بأن يبدأ السّحرة أولا بالإلقاء براعة وثقة بما لديه من المعجزة وعدم اكتراث بالسّحرة، فإنّ كل ما فعلوه من لفت أنظار الناس وإخافتهم حينما ألقوا حبالهم وعصيهم، محق وأبطل بإلقاء العصا التي انقلبت ثعبانا عظيما التهم جميع الحبال والعصي، وصدق فيما أعلنه قبل المبارزة: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾. وحينئذ أدرك السّحرة خسارتهم، وعرفوا أنّ فعل موسى ليس من قبيل السّحر، فهم أعرف الناس بفنونه، فلم يعاندوا، وشرح الله صدورهم للإيمان، واستيقظ فيهم عنصر العقل والتّفكير، ولم يرهبهم تهديد فرعون، فأعلنوا إيمانهم بربّ موسى وهارون، فأسقط في أيدي فرعون وملئه، وخابوا وخسروا، واستوجبوا نار جهنم بإصرارهم على الكفر. والخلاصة المستنبطة من هذه الآية: أن السّحر تمويه وزيف باطل، والله تعالى يحقّ الحقّ ويبطل الباطل، ولو كره المجرمون، أي الفجرة الكافرون. - ٣ - إيمان طائفة من بني إسرائيل بدعوة موسى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾

стр. 3500

الإعراب: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ﴾ جمع الضّمير في ملئهم لخمسة أوجه: الأول-جمع الضمير على ما هو المعتاد في ضمير العظماء، فيقول الواحد منهم: نحن فعلنا، ومنه قوله: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، وكان فرعون جبارا فأخبر عنه بفعل الجميع. الثاني-جمع الضمير على أن المراد بفرعون آله، كما يقال: ربيعة ومضر، ويكون في الكلام حذف مضاف، تقديره: على خوف من آل فرعون. الثالث-جمع لأنه ذو أصحاب يأتمرون به. الرابع-أن جمع الضمير يعود على الذّرية التي تقدم ذكرها. الخامس-أنه يعود على القوم الذين تقدم ذكرهم. ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ بدل مجرور من ﴿فِرْعَوْنَ﴾ بدل اشتمال. ﴿أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ اللام مقحمة، وجعل تبوأا متعديا مثل بوّأ، يقال: بوّأته وتبوّأته، كقولهم: علقته وتعلقته. المفردات اللغوية: ﴿ذُرِّيَّةٌ﴾ طائفة من شبّانهم، والذّرية في أصل اللغة: صغار الأولاد، وتستعمل عرفا في الصّغار والكبار. ﴿عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ﴾ أي مع خوف منهم، والضّمير لفرعون ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ الفتنة في اللغة: الاختبار والابتلاء بالشّدائد، والمراد هنا التّعذيب، أي أن يعذّبهم فرعون ويصرفهم بالتّعذيب عن دينهم. وإفراده بالضّمير للدّلالة على أن الخوف من الملأ كان بسببه. ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ﴾ متكبّر قوي فتّاك. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر. ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ المتجاوزين الحدّ بادّعاء الرّبوبية واسترقاق أسباط الأنبياء. ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فثقوا به واعتمدوا عليه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ مستسلمين لقضاء الله، مخلصين له، مذعنين لأمره. ﴿فَقالُوا: عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ لأنهم كانوا مؤمنين مخلصين. ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ موضع فتنة. ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي لا تظهرهم علينا، فيظنّوا أنهم على الحقّ فيفتتنوا بنا، أولا تسلّطهم علينا فيفتنونا. ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي من كيدهم

стр. 3501

وشؤم مشاهدتهم. وفي تقديم التّوكل على الدّعاء تنبيه على أن الدّاعي ينبغي أن يتوكّل أولا لتجاب دعوته. ﴿أَنْ تَبَوَّءا﴾ اتّخذا مباءة ومسكنا يسكنون فيها أو يرجعون إليها للعبادة. ﴿وَاجْعَلُوا﴾ أنتما وقومكما. ﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ مصلّى أو مساجد تصلّون فيها لتأمنوا من الخوف، وكان فرعون منعهم من الصّلاة. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أتّموها فيها حتى لا يؤذيهم الكفرة ويفتنوهم عن دينهم. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنّصر في الدّنيا والجنّة في الآخرة. وإنما ثنّى ضمير ﴿تَبَوَّءا﴾ أولا؛ لأن التبوء للقوم واتّخاذ المعابد مما يتعاطاه رؤوس القوم بتشاور، ثم جمع في قوله: ﴿وَاجْعَلُوا﴾ لأن جعل البيوت مساجد والصّلاة فيها مما ينبغي أن يفعله كل أحد، ثم أفرد بقوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾ لأن البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشّريعة. المناسبة: أبان الله تعالى أنه بالرّغم من مشاهدة المعجزات الباهرة على يد موسى ﵇، فإنه لم يؤمن به من بني إسرائيل إلا طائفة من شبّان قومه، توطئة لإخراجهم من أرض مصر. وفي ذلك تسلية للنّبي محمد ﷺ ؛ لأنه كان يغتم بسبب إعراض القوم عنه واستمرارهم على الكفر، فله بسائر الأنبياء أسوة. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الثالث من قصة موسى ﵇. يخبر الله تعالى أنه لم يؤمن بموسى ﵇ في أول أمره، مع ما جاء به من الآيات البيّنات والحجج القاطعات، إلا قليل من قومه بني إسرائيل، وهم طائفة من الشباب، على وجل وخوف من فرعون وملئه أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر؛ لأن فرعون كان جبارا عنيدا، مسرفا في التّمرد والعتوّ متجاوزا الحدّ في الظلم والفساد، شديد البطش والفتك، حتى إنه ادّعى الرّبوبية واسترقّ أسباط الأنبياء، وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه خوفا شديد. فالضمير في

стр. 3502

﴿قَوْمِهِ﴾ عائد إلى بني إسرائيل قوم موسى، لأن الضمير يعود إلى أقرب المذكورين. وهذا قول مجاهد. وقيل: الضمير في ﴿قَوْمِهِ﴾ لفرعون، والذّرّية: مؤمن آل فرعون، وآسية امرأته، وخازنه، وامرأة خازنه، وماشطته. وهذا قول ابن عباس. وضمير ﴿مَلائِهِمْ﴾ يعود إلى فرعون بمعنى آل فرعون، أو على ما هو المعتاد في ضمير العظماء. والذّرّية: أولاد الذين أرسل إليهم موسى. ﴿وَقالَ مُوسى: يا قَوْمِ، إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ.﴾. أي وقال موسى لمن آمن من قومه وقد رأى خوفهم من الاضطهاد والتّعذيب: إن كنتم آمنتم أي صدّقتم بالله وبآياته حقّ الإيمان، فعليه توكّلوا واعتمدوا، وبه ثقوا، واطمئنوا لوعده، إن كنتم مسلمين أي إن كنتم مستسلمين لقضاء الله، مذعنين مخلصين له؛ إذ لا يكون الإيمان كاملا إلا إذا صدّقه العمل وهو الإسلام، فالمعلّق بالإيمان وجوب التّوكل، فإنه المقتضي له، ثم شرط في التّوكل الإسلام: وهو أن يسلموا نفوسهم لله بأن يجعلوها له سالمة خالصة، لا حظّ للشيطان فيها، وذلك بأن يعملوا بالأحكام؛ لأن التوكل الصحيح لا يكون مع خلطه بغيره. والخلاصة: أن الإيمان: عبارة عن صيرورة القلب عارفا بأن واجب الوجود لذاته واحد، وأن ما سواه محدث مخلوق تحت تدبيره وقهره وتصرفه. والإسلام: هو الانقياد للتّكاليف الصادرة عن الله تعالى، وإظهار الخضوع وترك التّمرد. فقالوا على الفور ممتثلين أمره لأنهم كانوا مؤمنين مخلصين: ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ وبه وحده استعنا على أعدائنا، ثم دعوا ربّهم قائلين: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي بأن تنصرهم علينا وتسلطهم علينا فيفتتن الناس،

стр. 3503

ويقولون: لو كان هؤلاء على حقّ لما هزموا أمام فرعون وظلمه، أو موضع فتنة لهم أي عذاب بأن يفتنونا عن ديننا ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي خلّصنا برحمتك وإحسانك وعفوك من تسلّط الكافرين بك، الظالمين الطّغاة، الذين كفروا الحقّ وستروه، ونحن قد آمنّا بك وتوكّلنا عليك. وقد دعوا بهذا الدّعاء؛ لأن التّوكل على الله هو أعظم علامات الإيمان لا يكمل إلا بالصّبر على الشّدائد، والدّعاء لا يستجاب إلا مع الطاعة واتّخاذ الأسباب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣/ ٦٥]، وكثيرا ما يقرن الله بين العبادة والتّوكل كقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣/ ١١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ: هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك ٢٩/ ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمل ٩/ ٧٣]. وأمر الله تعالى المؤمنين أن يكرروا في صلواتهم: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥/ ١]. ثم ذكر الله تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه، وكيفية خلاصهم منهم، فقال: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ.﴾. أي أمرنا موسى وأخاه هارون ﵉ أن يتبوأ أي يتّخذا لقومهما بمصر بيوتا تكون مساكن للاعتصام فيها، والأصح أن تكون مساجد وليست منازل مسكونة في رأي أكثر المفسّرين. وأمرهما مع قومهما أن يجعلوا البيوت مساجد متّجهة نحو القبلة، بأن يصلّوا في بيوتهم؛ لأنهم كانوا خائفين. وقال قتادة والضّحّاك وسعيد بن جبير: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي يقابل بعضها بعضا. قال القرطبي: والقول الأول أصح؛ أي اجعلوا مساجدكم إلى القبلة باتّجاه بيت المقدس، وهو قبلة اليهود إلى اليوم.

стр. 3504

وأن يقيموا الصّلاة في تلك البيوت أي يتموها. وقد أمروا بذلك أول أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة، فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم. وبشّر يا موسى المؤمنين بالحفظ والنّصر على عدوّهم في الدّنيا، والجنة في العقبى. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: ١ - بالرّغم من المعجزات العظيمة لموسى ﵇ وانتصاره على السّحرة بتلقف العصا لكل ما أحضروه من آلات السّحر، فإنه لم يؤمن به من قومه إلا طائفة قليلة من أولاد بني إسرائيل، فإنه لطول الزّمان هلك الآباء وبقي الأبناء، فآمنوا. وقيل: كانت الطائفة من قوم فرعون، منهم مؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأته، وماشطة ابنته، وامرأة خازنه. وكان إيمانهم على خوف من فرعون؛ لأنه كان مسلّطا عليهم، عاتيا متكبّرا، مجاوزا الحدّ في الكفر؛ لأنه كان عبدا فادّعى الرّبوبية. ٢ - أراد موسى ﵇ الاستيثاق من إيمان تلك الطائفة، فقال لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ﴾ أي صدّقتم بالله وبرسالتي، فتوكّلوا على الله وحده، أي اعتمدوا عليه، إن كنتم مسلمين، كرر الشّرط تأكيدا، أو أن الإسلام هو العمل، وبيّن موسى أن كمال الإيمان بتفويض الأمر إلى الله. فأجابوا بأنّا توكّلنا على الله، أي أسلمنا أمورنا إليه، ورضينا بقضائه وقدره، وانتهينا إلى أمره. ودعوا الله بألا ينصر الظالمين عليهم، فيكون ذلك فتنة لهم في الدّين، أو

стр. 3505

لا يمتحنهم بأن يعذّبوا على أيديهم، وأن ينجيهم ويخلّصهم من الكافرين، أي من فرعون وقومه؛ لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال الشاقة. ٣ - اتّخاذ البيوت في فترة ما مساجد، حتى لا يؤذي فرعون المصلّين؛ لأن بني إسرائيل كانوا لا يصلّون إلا في مساجدهم وكنائسهم، فخرّبها فرعون ومنعهم من الصّلاة، فأوحى الله إلى موسى وهارون: أن اتّخذا وتخيّرا لبني إسرائيل بيوتا بمصر، أي مساجد متّجهة نحو القبلة، ولم يرد في رأي أكثر المفسّرين المنازل المسكونة، وإنما أراد الاتّجاه إلى بيت المقدس. وهذا يدلّ على أن القبلة في الصّلاة كانت شرعا لموسى ﵇. واستنبط العلماء من جواز أداء الصّلاة في البيوت: أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك الجماعة والجمعة، والعذر الذي يبيح له ذلك كالمرض المانع من التّنقل، أو خوف زيادته، أو خوف جور السّلطان في مال أو بدن، دون القضاء عليه بحقّ. والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع، ومن له ولي حميم قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من يمرّضه عذر أيضا، وقد فعل ذلك ابن عمر. وأثير بهذه المناسبة خلاف في أداء صلاة التراويح (قيام رمضان) هل إيقاعه في البيت أفضل أو في المسجد؟ فذهب مالك وأبو يوسف وبعض الشّافعية إلى أنه في البيت أفضل لمن قوي عليه، لما أخرجه البخاري: «فعليكم بالصّلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». وقال أكثر الأئمة: إن حضورها في الجماعة أفضل؛ لأن النّبي ﷺ قد صلاّها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منع منه على الدّوام على ذلك، وهو خشية أن تفرض عليهم، فلذلك قال: «فعليكم بالصّلاة في بيوتكم». ثم إن الصحابة كانوا يصلّونها في المسجد فرادى متفرّقين، إلى أن جمعهم عمر على قارئ واحد، فاستقرّ الأمر على ذلك، وثبت سنّة.
следующие страницы →