← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

وشؤم مشاهدتهم. وفي تقديم التّوكل على الدّعاء تنبيه على أن الدّاعي ينبغي أن يتوكّل أولا لتجاب دعوته. ﴿أَنْ تَبَوَّءا﴾ اتّخذا مباءة ومسكنا يسكنون فيها أو يرجعون إليها للعبادة. ﴿وَاجْعَلُوا﴾ أنتما وقومكما. ﴿بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ مصلّى أو مساجد تصلّون فيها لتأمنوا من الخوف، وكان فرعون منعهم من الصّلاة. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أتّموها فيها حتى لا يؤذيهم الكفرة ويفتنوهم عن دينهم. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنّصر في الدّنيا والجنّة في الآخرة. وإنما ثنّى ضمير ﴿تَبَوَّءا﴾ أولا؛ لأن التبوء للقوم واتّخاذ المعابد مما يتعاطاه رؤوس القوم بتشاور، ثم جمع في قوله: ﴿وَاجْعَلُوا﴾ لأن جعل البيوت مساجد والصّلاة فيها مما ينبغي أن يفعله كل أحد، ثم أفرد بقوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾ لأن البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشّريعة. المناسبة: أبان الله تعالى أنه بالرّغم من مشاهدة المعجزات الباهرة على يد موسى ﵇، فإنه لم يؤمن به من بني إسرائيل إلا طائفة من شبّان قومه، توطئة لإخراجهم من أرض مصر. وفي ذلك تسلية للنّبي محمد ﷺ ؛ لأنه كان يغتم بسبب إعراض القوم عنه واستمرارهم على الكفر، فله بسائر الأنبياء أسوة. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الثالث من قصة موسى ﵇. يخبر الله تعالى أنه لم يؤمن بموسى ﵇ في أول أمره، مع ما جاء به من الآيات البيّنات والحجج القاطعات، إلا قليل من قومه بني إسرائيل، وهم طائفة من الشباب، على وجل وخوف من فرعون وملئه أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر؛ لأن فرعون كان جبارا عنيدا، مسرفا في التّمرد والعتوّ متجاوزا الحدّ في الظلم والفساد، شديد البطش والفتك، حتى إنه ادّعى الرّبوبية واسترقّ أسباط الأنبياء، وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه خوفا شديد. فالضمير في

стр. 3502

﴿قَوْمِهِ﴾ عائد إلى بني إسرائيل قوم موسى، لأن الضمير يعود إلى أقرب المذكورين. وهذا قول مجاهد. وقيل: الضمير في ﴿قَوْمِهِ﴾ لفرعون، والذّرّية: مؤمن آل فرعون، وآسية امرأته، وخازنه، وامرأة خازنه، وماشطته. وهذا قول ابن عباس. وضمير ﴿مَلائِهِمْ﴾ يعود إلى فرعون بمعنى آل فرعون، أو على ما هو المعتاد في ضمير العظماء. والذّرّية: أولاد الذين أرسل إليهم موسى. ﴿وَقالَ مُوسى: يا قَوْمِ، إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ.﴾. أي وقال موسى لمن آمن من قومه وقد رأى خوفهم من الاضطهاد والتّعذيب: إن كنتم آمنتم أي صدّقتم بالله وبآياته حقّ الإيمان، فعليه توكّلوا واعتمدوا، وبه ثقوا، واطمئنوا لوعده، إن كنتم مسلمين أي إن كنتم مستسلمين لقضاء الله، مذعنين مخلصين له؛ إذ لا يكون الإيمان كاملا إلا إذا صدّقه العمل وهو الإسلام، فالمعلّق بالإيمان وجوب التّوكل، فإنه المقتضي له، ثم شرط في التّوكل الإسلام: وهو أن يسلموا نفوسهم لله بأن يجعلوها له سالمة خالصة، لا حظّ للشيطان فيها، وذلك بأن يعملوا بالأحكام؛ لأن التوكل الصحيح لا يكون مع خلطه بغيره. والخلاصة: أن الإيمان: عبارة عن صيرورة القلب عارفا بأن واجب الوجود لذاته واحد، وأن ما سواه محدث مخلوق تحت تدبيره وقهره وتصرفه. والإسلام: هو الانقياد للتّكاليف الصادرة عن الله تعالى، وإظهار الخضوع وترك التّمرد. فقالوا على الفور ممتثلين أمره لأنهم كانوا مؤمنين مخلصين: ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ وبه وحده استعنا على أعدائنا، ثم دعوا ربّهم قائلين: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي بأن تنصرهم علينا وتسلطهم علينا فيفتتن الناس،

стр. 3503

ويقولون: لو كان هؤلاء على حقّ لما هزموا أمام فرعون وظلمه، أو موضع فتنة لهم أي عذاب بأن يفتنونا عن ديننا ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي خلّصنا برحمتك وإحسانك وعفوك من تسلّط الكافرين بك، الظالمين الطّغاة، الذين كفروا الحقّ وستروه، ونحن قد آمنّا بك وتوكّلنا عليك. وقد دعوا بهذا الدّعاء؛ لأن التّوكل على الله هو أعظم علامات الإيمان لا يكمل إلا بالصّبر على الشّدائد، والدّعاء لا يستجاب إلا مع الطاعة واتّخاذ الأسباب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣/ ٦٥]، وكثيرا ما يقرن الله بين العبادة والتّوكل كقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣/ ١١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ: هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك ٢٩/ ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمل ٩/ ٧٣]. وأمر الله تعالى المؤمنين أن يكرروا في صلواتهم: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥/ ١]. ثم ذكر الله تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه، وكيفية خلاصهم منهم، فقال: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ.﴾. أي أمرنا موسى وأخاه هارون ﵉ أن يتبوأ أي يتّخذا لقومهما بمصر بيوتا تكون مساكن للاعتصام فيها، والأصح أن تكون مساجد وليست منازل مسكونة في رأي أكثر المفسّرين. وأمرهما مع قومهما أن يجعلوا البيوت مساجد متّجهة نحو القبلة، بأن يصلّوا في بيوتهم؛ لأنهم كانوا خائفين. وقال قتادة والضّحّاك وسعيد بن جبير: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي يقابل بعضها بعضا. قال القرطبي: والقول الأول أصح؛ أي اجعلوا مساجدكم إلى القبلة باتّجاه بيت المقدس، وهو قبلة اليهود إلى اليوم.

стр. 3504

وأن يقيموا الصّلاة في تلك البيوت أي يتموها. وقد أمروا بذلك أول أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة، فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم. وبشّر يا موسى المؤمنين بالحفظ والنّصر على عدوّهم في الدّنيا، والجنة في العقبى. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: ١ - بالرّغم من المعجزات العظيمة لموسى ﵇ وانتصاره على السّحرة بتلقف العصا لكل ما أحضروه من آلات السّحر، فإنه لم يؤمن به من قومه إلا طائفة قليلة من أولاد بني إسرائيل، فإنه لطول الزّمان هلك الآباء وبقي الأبناء، فآمنوا. وقيل: كانت الطائفة من قوم فرعون، منهم مؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأته، وماشطة ابنته، وامرأة خازنه. وكان إيمانهم على خوف من فرعون؛ لأنه كان مسلّطا عليهم، عاتيا متكبّرا، مجاوزا الحدّ في الكفر؛ لأنه كان عبدا فادّعى الرّبوبية. ٢ - أراد موسى ﵇ الاستيثاق من إيمان تلك الطائفة، فقال لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ﴾ أي صدّقتم بالله وبرسالتي، فتوكّلوا على الله وحده، أي اعتمدوا عليه، إن كنتم مسلمين، كرر الشّرط تأكيدا، أو أن الإسلام هو العمل، وبيّن موسى أن كمال الإيمان بتفويض الأمر إلى الله. فأجابوا بأنّا توكّلنا على الله، أي أسلمنا أمورنا إليه، ورضينا بقضائه وقدره، وانتهينا إلى أمره. ودعوا الله بألا ينصر الظالمين عليهم، فيكون ذلك فتنة لهم في الدّين، أو

стр. 3505

لا يمتحنهم بأن يعذّبوا على أيديهم، وأن ينجيهم ويخلّصهم من الكافرين، أي من فرعون وقومه؛ لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال الشاقة. ٣ - اتّخاذ البيوت في فترة ما مساجد، حتى لا يؤذي فرعون المصلّين؛ لأن بني إسرائيل كانوا لا يصلّون إلا في مساجدهم وكنائسهم، فخرّبها فرعون ومنعهم من الصّلاة، فأوحى الله إلى موسى وهارون: أن اتّخذا وتخيّرا لبني إسرائيل بيوتا بمصر، أي مساجد متّجهة نحو القبلة، ولم يرد في رأي أكثر المفسّرين المنازل المسكونة، وإنما أراد الاتّجاه إلى بيت المقدس. وهذا يدلّ على أن القبلة في الصّلاة كانت شرعا لموسى ﵇. واستنبط العلماء من جواز أداء الصّلاة في البيوت: أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك الجماعة والجمعة، والعذر الذي يبيح له ذلك كالمرض المانع من التّنقل، أو خوف زيادته، أو خوف جور السّلطان في مال أو بدن، دون القضاء عليه بحقّ. والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع، ومن له ولي حميم قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من يمرّضه عذر أيضا، وقد فعل ذلك ابن عمر. وأثير بهذه المناسبة خلاف في أداء صلاة التراويح (قيام رمضان) هل إيقاعه في البيت أفضل أو في المسجد؟ فذهب مالك وأبو يوسف وبعض الشّافعية إلى أنه في البيت أفضل لمن قوي عليه، لما أخرجه البخاري: «فعليكم بالصّلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». وقال أكثر الأئمة: إن حضورها في الجماعة أفضل؛ لأن النّبي ﷺ قد صلاّها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منع منه على الدّوام على ذلك، وهو خشية أن تفرض عليهم، فلذلك قال: «فعليكم بالصّلاة في بيوتكم». ثم إن الصحابة كانوا يصلّونها في المسجد فرادى متفرّقين، إلى أن جمعهم عمر على قارئ واحد، فاستقرّ الأمر على ذلك، وثبت سنّة.

стр. 3506

٤ - إن أداء الصّلاة في البيوت التي أمر الله بني إسرائيل فيها خوفا من أذى الأعداء أمر مشروع لا شكّ فيه. وكذلك تكتل الفئات القليلة في مواجهة طغيان الظالمين كفرعون أمر مطلوب سياسة، إذا جرينا على القول بأن البيوت هي مساكن للاعتصام فيها، لأن ذلك أدى إلى نجاة بني إسرائيل من ظلم فرعون. ٥ - دلّ إيمان الطائفة القليلة برسالة موسى ﵇ وتقديمهم في دعائهم عدم الفتنة على النّجاة على أن اهتمامهم بأمر دينهم كان فوق اهتمامهم بأمر دنياهم، فإنهم قالوا أولا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾، ثم قالوا: ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾. فهذا الترتيب يدلّ على تفضيلهم أمر الدّين على أمر الدّنيا. - ٤ - دعاء موسى على فرعون وملئه ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ الإعراب: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ اللام للعاقبة وهي متعلقة ب ﴿آتَيْتَ﴾، ويحتمل أن تكون للعلة؛ لأن إيتاء النّعم على الكفر استدراج وتثبيت على الضّلال. ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ إما منصوب أو مجزوم، الجزم: على أنه دعاء عليهم. والنّصب: إما لأنه معطوف على ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾، أو على جواب الدّعاء أو جواب الأمر بالفاء بتقدير أن.

стр. 3507

﴿وَلا تَتَّبِعانِّ﴾ بالتّشديد، أي أنه نهى بعد أمر. ومن قرأ بتخفيف النون، كان في موضع نصب على الحال، أي استقيما غير متبعين، فتكون لا نافية، لا ناهية. البلاغة: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ﴾ أمر أريد به الدّعاء بما علم من ممارسة أحوالهم أنه لا يكون غيره، كقولك: لعن الله إبليس، وتكرار ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا﴾ للتّأكيد والتّنبيه على أن المقصود عرض ضلالاتهم وكفرانهم، تقدمة لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ﴾. ﴿وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ استعارة لتغليظ العقاب ومضاعفته. ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ جواب للدّعاء، أو دعاء بلفظ النّهي، أو عطف على: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ وما بينهما دعاء معترض. المفردات اللغوية: ﴿زِينَةً﴾ ما يتزيّن به من الملابس والمراكب ونحوهما، وأصل الزينة في اللغة: ما يتزين به من الحلي واللباس والأثاث والأموال والصحة ونحوها. ﴿لِيُضِلُّوا﴾ في عاقبته، واللام لام العاقبة أي الصيرورة. ﴿عَنْ سَبِيلِكَ﴾ دينك. ﴿اِطْمِسْ﴾ أي أهلكها وأزلها، والطّمس: المحق وإزالة الأثر. ﴿وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أي وأقسها واطبع عليها واستوثق حتى لا يدخلها الإيمان. فقوله تعالى: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا﴾، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ﴾ دعاء بلفظ الأمر. وقوله تعالى: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ جواب للدّعاء أو دعاء بلفظ النّهي، أو عطف على ﴿لِيُضِلُّوا﴾ وما بينهما دعاء معترض. ﴿الْأَلِيمَ﴾ المؤلم. ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ أي موسى وهارون، روي أن موسى كان يدعو، وهارون يؤمّن. ﴿فَاسْتَقِيما﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من الدّعوة وإلزام الحجة، ولا تستعجلا، فإن ما طلبتما كائن، ولكن في وقته، روي أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة. ﴿سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ طريق الجهلة في الاستعجال، أو عدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله تعالى. المناسبة: لما بالغ موسى في إظهار المعجزات القاهرة الدّالة على نبوّته، ورأى القوم: فرعون وملأه مصرّين على الجحود والعناد والإنكار، دعا عليهم بعد أن ذكر سبب

стр. 3508

إقدامهم على تلك الجرائم وهو حبّهم الدّنيا وبسطة النّعيم التي أبطرتهم فتركوا الدّين، لهذا قال موسى: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً﴾. قال ابن كثير: هذه الدّعوة كانت من موسى ﵇ غضبا لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبيّن له أنهم لا خير فيهم، ولا يجيء منهم شيء، كما دعا نوح ﵇، فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ، وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً﴾ [نوح ٢٦/ ٧١ - ٢٧] ولهذا استجاب الله تعالى لموسى ﵇ فيهم هذه الدّعوة التي أمّن عليها أخوه هارون، فقال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾. قال أبو العالية: دعا موسى وأمّن هارون؛ فسمّي هارون وقد أمّن على الدّعاء داعيا. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الرابع من قصة موسى مع فرعون، بعد وجود فاصل استطرادي للإخبار بإيمان طائفة بموسى ﵇، فبعد أن أبى فرعون وملؤه قبول دعوة الحقّ من موسى ﵇، واستمرّوا على ضلالهم وكفرهم معاندين عتاة متكبّرين، وبعد أن أعدّ موسى قومه بني إسرائيل للخروج من مصر، وغرس في قلوبهم الإيمان وإيثار العزّة والكرامة، بعد ذلك دعا ربّه مبيّنا سبب الدّعاء فقال: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً.﴾. أي أعطيتهم من الدّنيا والنّعمة ما أبطرهم، وهو الزّينة الشّاملة من حلي ولباس وأثاث ورياش وأموال كثيرة ومتاع الدّنيا ونحوها من الزّروع والأنعام، وأدّى النعيم بهم أن تكون عاقبة أمرهم إضلال عبادك عن الدّين، والطّغيان في الأرض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق ٦/ ٩٦ - ٧]، ويشهد لما ذكر ما يوجد في قبور الفراعنة والآثار المصرية من الذهب والفضة والحلي والتّحف، وما بنوه من

стр. 3509

القصور والقبور والتّماثيل الدّالة على رقي المدنية والحضارة. فقوله تعالى: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ اللام لام العاقبة أو الصّيرورة، كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص ٨/ ٢٨]، فكانت عاقبة قوم فرعون هو الضلال. ويحتمل أن تكون اللام لام التعليل، لكن بحسب ظاهر الأمر لا في الحقيقة نفسها، بمعنى أنه تعالى لما أعطاهم هذه الأموال، وصارت تلك الأموال سببا لمزيد البغي والكفر، أشبهت هذه الحالة حالة من أعطي المال لأجل الإضلال، فورد هذا الكلام بلفظ التعليل لأجل هذا المعنى. ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ.﴾. أي ربّنا أمحق وأزل آثارها وأهلكها، واختم على قلوبهم وأقسها حتى لا تنشرح للإيمان، فيستحقوا شديد العقاب، ولا يؤمنوا حتى يشاهدوا العذاب المؤلم الموجع. ولما دعا موسى بهذا الدّعاء وكان هارون أخوه يؤمّن على دعائه، قال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ أي استجبنا دعاءكما وقبلناه كما سألتما من تدمير آل فرعون، فاستقيما، أي فاثبتا على ما أنتما عليه من الدّعوة إلى الحقّ، وإلزام الحجة، ولا تستعجلا الأمر قبل ميقاته، فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته، ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون، أي طريق الجهلة في الاستعجال أو عدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله تعالى. ولا يعني هذا النّهي أن مقتضاه صدر من موسى وهارون ﵉، كما أنّ قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزّمر ٦٥/ ٣٩] لا يدلّ على صدور الشّرك منه. قال ابن جريج: يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدّعوة أربعين سنة. وقال محمد بن كعب وعلي بن الحسين: أربعين يوما.

стр. 3510

فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: ١ - إن دعاء موسى وهارون كدعاء نوح ﵈ لم يكن إلا بعد اليأس من إيمان القوم، بعد طول العهد من النّبي موسى بالدّعوة إلى الدّين الحقّ، وملازمة قومه حال الكفر وإصرارهم عليه، وبعد نفاد الصّبر منه. وكل ذلك لم يتم إلا بعد إذن من الله؛ لأن مهمة الرّسل استدعاء إيمان قومهم، ولا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن من الله، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن، ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن؛ بدليل قوله تعالى لنوح ﵇: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود ٣٦/ ١١]، وعند ذلك قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ [نوح ٢٦/ ٧١]. ٢ - احتجّ بهذه الآية من يقول: إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها؛ لأن موسى دعا، وهارون أمّن. والتأمين على الدّعاء: أن يقول: آمين، فقولك: آمين دعاء، أي يا ربّ استجب لي. ٣ - إن إجابة الدّعوات لها أوقات مخصوصة في علم الله وتقديره، وليس ذلك بحسب مراد العبد الدّاعي، وإنما بحسب مراد الله تعالى، وإن تعجّل الإجابة جهل لا يليق مع الأدب مع الله تعالى، وهو أيضا شكّ في الثّقة بوعد الله تعالى بإجابة دعاء الداعي إذا دعاه، لهذا قال تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما، وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي.

стр. 3511

- ٥ - إغراق فرعون وجنوده وإنجاء بني إسرائيل ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾ الإعراب: ﴿بَغْياً وَعَدْواً﴾ مفعول لأجله. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ في موضع الحال، أي ببدنك عاريا عن الروح. البلاغة: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ استفهام توبيخ وإنكار. ﴿بَوَّأْنا..﴾. ﴿مُبَوَّأَ﴾ بينهما جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿وَجاوَزْنا﴾ أي جوزناهم في البحر حتى بلغوا الشط حافظين لهم. يقال: جاز المكان وجاوزه وتجاوزه: إذا قطعه حتى تركه وراءه. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ لحقهم. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي المنقادين لأمره، كرر ذلك ليقبل منه فلم يقبل، وقال جبريل له: ﴿آلْآنَ﴾ تؤمن، أي أتؤمن

стр. 3512

الآن، وقد أيست من نفسك ولم يبق لك اختيار. ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ قبل ذلك مدة عمرك. ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ الضالين المضلين عن الإيمان. ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ نلقيك على نجوة (مكان مرتفع) من الأرض ليراك بنو إسرائيل، أو لا نغرقك في قعر البحر ونجعلك طافيا. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ جسدك الذي لا روح فيه. ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ بعدك وهم بنو إسرائيل. ﴿آيَةً﴾ عبرة وعظة، فيعرفوا عبوديتك ولا يقدموا على مثل فعلك. روي عن ابن عباس: أن بعض بني إسرائيل شكّوا في موته، فأخرج لهم ليروه. ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ أي أهل مكة وغيرهم. ﴿عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا﴾ أنزلنا. ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ منزل كرامة أو منزلا صالحا مرضيا وهو الشام ومصر. ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ من اللذائذ. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ في أمر دينهم، بأن آمن بعض وكفر بعض، إلا من بعد ما قرءوا التوراة وعلموا أحكامها، أو اختلفوا في أمر محمد ﷺ إلا من بعد ما علموا صدقه بنعوته وتظاهر معجزاته. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين، بإنجاء المؤمنين وتعذيب الكافرين، فيميز المحق من المبطل بالإنجاء والإهلاك. المناسبة: هذا هو الفصل الخامس من قصة موسى مع فرعون التي ابتدأها الله تعالى بالحوار بينهما، ثم أتبعها بقصة السحرة، ثم استطرد في أثنائها لبيان إيمان طائفة من بني إسرائيل بدعوة موسى، استعدادا للخروج من مصر، ثم ذكر دعاء موسى على فرعون وملئه. ولما أجاب الله تعالى دعاء موسى وهارون، أمر بني إسرائيل بالخروج من مصر في الوقت المعلوم ويسّر لهم أسبابه، وفرعون كان غافلا عن ذلك، فذكر هنا خاتمة القصة الدالة على تأييد الله لموسى وأخيه على ضعفهما، وقوة فرعون وقومه. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الخامس من قصة موسى ﵇.

стр. 3513

وموضوع الآيات كيفية إغراق فرعون وجنوده، فإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر مع موسى ﵇، وهم فيما قيل: ست مائة ألف مقاتل سوى الذرية، وقد كانوا استعاروا من القبط حليا كثيرا، فخرجوا به معهم، فاشتد حنق فرعون عليهم، فركب وراءهم مع جنوده وجيوشه الهائلة، فلحقوهم وقت شروق الشمس عند ساحل البحر (البحر الأحمر-بحر السويس) فخاف أصحاب موسى ﵇، وإذا ضاق الأمر اتسع، فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل العظيم، وصار اثني عشر طريقا لكل سبط واحد، وأمر الله الريح فنشفت أرضه، وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه، انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى، فلما رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهمّ بالرجوع، ثم صمّم على المتابعة وقال لأمرائه: ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا، فاقتحموا كلهم عن آخرهم، ولما أصبحوا في وسط البحر، أمر الله القدير البحر أن يرتطم عليهم فارتطم عليهم، فلم ينج منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون، وغشيته سكرات الموت فقال وهو كذلك: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فآمن حيث لا ينفعه الإيمان، كقوله تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا: آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا، سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ [غافر ٨٤/ ٤٠ - ٨٥]. ولهذا قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أي أهذا الوقت تؤمن، وقد عصيت الله قبل هذا؟ ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي في الأرض من الذين أضلوا الناس. هذه القصة من أسرار الغيب التي أعلم الله بها رسوله ﷺ .

стр. 3514

معنى الآيات: وتجاوزنا ببني إسرائيل البحر بقدرتنا وحفظنا، فلحقهم فرعون وجنوده ظلما وعدوا، أي باغين وعادين عليهم، أو للبغي والعدوان، والفتك بهم، أو إعادتهم إلى مصر ليعذبوهم سوء العذاب ويستعبدوهم كما كانوا يفعلون. فلما أشرف على الغرق، قال: آمنت بأنه لا إله بحق إلا الله الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين أي المنقادين المذعنين لأمره. وكرر فرعون بهذه العبارة المعنى الواحد ثلاث مرات، في ثلاث عبارات، حرصا منه على القبول، ومع ذلك لم يقبل منه إيمانه حيث أخطأ وقته، وقاله عند الإكراه والاضطرار، وحين لم يبق له اختيار قط. ويلاحظ أن المرة الواحدة كانت كافية في حال الاختيار. فردّ الله تعالى عليه على لسان جبريل، أو بإلهام من الله تعالى نفسه بقوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق، وأيست من نفسك، وقد عصيت الله قبل هذا، وكنت من الضالين المضلين عن الإيمان، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا، وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل ٨٨/ ١٦]. ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ..﴾. أي فاليوم نرفعك على مكان مرتفع من الأرض، وننقذك بجسدك الذي لا روح فيه، أو ببدنك كاملا سويا لم ينقص منه شيء ولم يتغير من الارتماء في قعر البحر؛ لتكون لبني إسرائيل دليلا أو علامة على موتك وهلاكك وكان في أنفسهم أن فرعون أعظم شأنا من أن يغرق، ولتكون عبرة لمن بعدك من الناس يعتبرون بك، فينزجرون عن الكفر والفساد في الأرض وادعاء الربوبية.

стр. 3515

وفي هذا دليل على كمال قدرة الله تعالى وعلمه وإرادته. ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ..﴾. أي وإن أكثر الناس لغافلون عن حججنا وأدلتنا على أن العبادة لله وحده، فلا يتعظون بها ولا يعتبرون بها، لعدم تفكرهم في أسبابها ونتائجها. وفي الآية دلالة على ذم الغفلة وعدم التفكر في أسباب الحوادث وعواقبها. وقد كان هلاكهم يوم عاشوراء من شهر المحرم، كما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «أنتم أحق بموسى منهم، فصوموه». ثم أخبر الله تعالى بالمناسبة عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية والدنيوية فقال: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ..﴾. أي ولقد أنزلنا بني إسرائيل منزلا صالحا مرضيا، وهو منزلهم سابقا في مصر، ولاحقا في فلسطين، ورزقناهم من الطيبات أي اللذائذ المستطابة المباحة فيها، وأنعمنا عليهم فيها بكثير من الخيرات من الثمار والغلال والأنعام وصيود البر والبحر. لقد وعدهم الله على لسان إبراهيم وإسحاق ويعقوب أرض فلسطين في الماضي، ولكن لما كفروا بالأنبياء، وعلى التخصيص عيسى ومحمد ﵉، نزعها الله منهم. فليس لهم أي حق ديني بعدئذ في الاستيطان بأرض فلسطين بعد بغيهم وعدوانهم وكفرهم برسالات الله تعالى. وللعلماء في تحديد المراد ببني إسرائيل قولان: الأول-أنهم اليهود الذين كانوا في زمن موسى ﵇، وعلى هذا يكون مبوأ الصدق مصر والشام، والطيبات منافع تلك البلاد ووراثة بني إسرائيل ما كان تحت أيدي قوم فرعون، وأن التوراة هي العلم الذي أدى إلى الاختلاف بينهم.. والقول الثاني-هم اليهود

стр. 3516

المعاصرون للنبي ﵊، وبه قال جمع عظيم من المفسرين وهم قبائل اليهود في المدينة (قريظة والنضير وبنو قينقاع) ومنزل الصدق: ما بين المدينة والشام، والطيبات: ما في تلك البلاد من التمور، والمراد بالعلم: القرآن، وسماه علما لأنه سبب للعلم على سبيل المجاز، وكونه سبب الاختلاف: أن اليهود اختلفوا فآمن قوم وبقي آخرون على كفرهم، فصار نزول القرآن سببا لحدوث انقسام بينهم. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي فما اختلف بنو إسرائيل في أمر دينهم إلا من بعد ما علموا وقرءوا التوراة وعلموا أحكامها، أو ما اختلفوا في أمر محمد ﷺ إلا من بعد ما علموا صدقه بنعوته وتظاهر معجزاته، وذلك أنهم كانوا قبل بعثة محمد ﷺ مقرين بنبوته، مجمعين على صحة رسالته، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم بالنعت الذي كانوا يجدونه مكتوبا عندهم، فلما بعث وجاءهم ما عرفوا، كفروا به، فكفر به بعضهم حسدا وحبا للرياسة ولجمع المال، وآمن آخرون. والخلاصة: إنهم ما اختلفوا في شيء من المسائل جهلا، وإنما من بعد ما جاءهم العلم، ولم يكن لهم أن يختلفوا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي..﴾. أي إن ربك يفصل ويحكم بينهم يوم القيامة في شأن ما اختلفوا فيه، فيميز المحق من المبطل بالإنجاء للمحقين من النار وإدخالهم الجنة، والإهلاك للمبطلين في عذاب جهنم. فقه الحياة أو الأحكام: اشتملت الآيات على الأحكام التالية: ١ - قد ينصر الله تعالى الضعفاء أو المستضعفين على الأشداء الأقوياء، كما

стр. 3517

نصر الله موسى وأخاه هارون على ضعفهما، على فرعون الجبار وجنوده الأشداء، إذ كانت دولتهم أقوى دول العالم القديم. ٢ - إيمان اليأس لا ينفع؛ لأنه في وقت الإلجاء والاضطرار والإكراه وفقد عنصر الاختيار وزوال وقت التكليف، فلم يقبل الله إعلان فرعون الإيمان حينما أشرف على الغرق بمعان ثلاثة يؤكد بعضها بعضا. قال الرازي: آمن فرعون ثلاث مرات، أولها قوله: ﴿آمَنْتُ﴾ وثانيها قوله: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ﴾ وثالثها قوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فما السبب في عدم القبول، والله تعالى متعال عن أن يلحقه غيظ وحقد، حتى يقال: إنه لأجل ذلك الحقد لم يقبل منه هذا الإقرار؟ والجواب أنه إنما آمن عند نزول العذاب. والإيمان في هذا الوقت غير مقبول؛ لأن عند نزول العذاب يصير الحال وقت الإلجاء، وفي هذه الحال لا تكون التوبة مقبولة، ولهذا السبب قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ (١) ٣ - كان فرعون عاصيا كافرا عاتيا متكبرا مفسدا في الأرض بالضلال والإضلال، فاستحق التوبيخ والإنكار والتهكم عليه. ٤ - تمّ إنقاذ جثة فرعون من الغرق، واسمه منبتاح بن رمسيس ١٢٢٥ ق. م، وهي التي ما تزال موجودة في متحف الآثار المصرية بالقاهرة وشاهدتها بنفسي، وشاهدت فيها آثار ملوحة ماء البحر البيضاء على عظم الجبهة. ويعدّ هذا الإنقاذ عبرة وعظة لكل من يدعي الربوبية ويكفر بالله، فهو أحقر من أن يكون ربا؛ لأن الرب لا يموت. قال المفسرون: إنما نجّى الله بدن فرعون بعد الغرق؛ لأن قوما اعتقدوا فيه الألوهية، وزعموا أن مثله

стр. 3518

لا يموت، فأراد الله أن يشاهده الناس على ذلك الذل والمهانة، ليتحققوا موته، ويعرفوا أن الذي كان بالأمس في نهاية الجلالة والعظمة قد آل أمره إلى الذل والهوان، فيكون عبرة للخلق، وزجرا لأهل الطغيان. ٥ - ذم الغفلة وعدم التفكر في أسباب الحوادث الجسام وعواقبها المؤثرة في التاريخ. ٦ - إن في قصة إغراق فرعون الطاغية عبرة لمكذبي النبي محمد ﷺ الذين يغترون بقوتهم وكثرتهم وثروتهم، فقد كان فرعون وقومه أكثر منهم عددا، وأشد قوة، وأوفر ثروة، وقد جعل الله تعالى سنته في المكذبين واحدة وهي التدمير والإهلاك، إما في الدنيا وإما في الآخرة، فالعاقل من المكذبين من يتدبر في الأمر، ويبادر إلى ساحة الرضا والإيمان، ليكون من أهل النجاة في الآخرة: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [يوسف ١١١/ ١٢]. ٧ - لقد أنعم الله على بني إسرائيل بالنعم الكثيرة الدينية والدنيوية، ومن أهمها إنقاذهم من طغيان فرعون، وأمانهم واستقرارهم في فلسطين في الماضي، ولكنهم لم يتعظوا ولم يعتبروا بها. بل إنهم كفروا بهذه النعم، وكفروا برسالة عيسى ومحمد ﵉، فأصبحوا مثل غيرهم ممن يستحق العذاب والطرد والإجلاء من ديار الإسلام. والمقصود بذلك أحوال بني إسرائيل القدامى والمعاصرين للنبي ﷺ ؛ لأن المتأخرين راضون بفعل المتقدمين، وسائرون على نهجهم، وهذا جمع بين القولين السابقين. ولم يختلفوا في شأن رسالة محمد ﷺ وصدقه قبل بعثته، بل كانوا مجمعين على نبوته والإيمان به على وفق الأوصاف المذكورة في كتبهم، وإنما اختلفوا بعد بعثته حسدا وبغيا وحبا في بقاء المراكز الدينية، والزعامة السياسية، فكان اختلافهم

стр. 3519

بإيمان بعضهم وكفر الآخرين لا عن جهل بحقيقة ووصف محمد ﷺ ، وإنما عن علم ومعرفة حقيقية به، فإنهم يعرفونه بأوصافه المذكورة لديهم كما يعرفون أبناءهم. ٨ - كان فلق البحر بعصا موسى ﵇ اثني عشر فرقا، كل فرق منها كالجبل الأشم معجزة عظمي لسيدنا موسى ﵇، تمّ على أثرها إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين، لذا سن صوم يوم عاشوراء الذي تم فيه هذا الحدث شكرا لله على ما أنعم. ٩ - القضاء المبرم والحكم القاطع يتبين يوم القيامة في شأن المختلفين من بني إسرائيل وغيرهم في أمر قبول دعوة محمد ﷺ ، حيث ينجي الله المحقين، ويدمر المبطلين. تأكيد صدق القرآن فيما قال ووعد وأوعد ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ البلاغة: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ كناية عن القضاء الأزلي بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في العذاب.

стр. 3520

المفردات اللغوية: ﴿فَإِنْ كُنْتَ﴾ أيها السامع في شك مما أنزلنا على لسان نبيك إليك أو أن الخطاب للرسول ﷺ والمراد به قومه، على نحو قول العرب: إياك أعني واسمعي يا جارة، وهو مثل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥/ ٣٩] وقوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٤١/ ٣٣]. ﴿فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ﴾ يا محمد من القصص على سبيل الافتراض. ﴿الْكِتابَ﴾ هنا التوراة. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ فإنه ثابت عندهم يخبروك بصدقه، قال النبي ﷺ : «لا أشك ولا أسأل». ﴿لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ واضحا لا مرية فيه، بالآيات القاطعة. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ الشاكين فيه. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ.﴾. أيضا من باب التهييج والتثبيت وقطع الأطماع عنه، كقوله: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ﴾ [القصص ٨٦/ ٢٨]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾ وجبت وثبتت. ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ باستحقاق العذاب. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ وهذا واقع؛ لأن الله لا يكذب كلامه ولا ينتقض قضاؤه. ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ لأنهم أصروا على الكفر. ﴿حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ وحينئذ لا ينفعهم، كما لا ينفع فرعون. المناسبة: بعد أن أخبر الله تعالى عن قصص الأنبياء السابقين كنوح وموسى وهارون ﵈ بإنجاز النصر لهم على أقوامهم، وحكى اختلاف بني إسرائيل عند ما جاءهم العلم حسدا وبغيا وإيثارا لبقاء الرياسة، أورد ما يقوي صدق القرآن فيما قال ووعد وأوعد، وخاطب به النبي ﷺ وأراد قومه. التفسير والبيان: أراد الله تعالى أن يؤكد صحة القرآن وصدق النبوة على سبيل الافتراض والمبالغة، فقال: فإن وقع منك شك على سبيل الافتراض والتقدير في صحة ما أنزلنا إليك من القرآن المتضمن قصص الأنبياء المتقدمين مثل هود ونوح وموسى وغيرهم، فاسأل علماء أهل الكتاب الذين يقرءون الكتاب أي التوراة من قبلك، فهم على علم تام بصحة ما أنزل إليك.

стр. 3521

والمراد الإحالة على علماء أهل الكتاب الصادقين ووصفهم بالعلم، لا وصف النبي ﷺ بالشك، قال ابن عباس: لا والله ما شك طرفة عين، ولا سأل أحدا منهم، وقال: «لا أشك ولا أسأل، بل أشهد أنه الحق» كما ذكر قتادة وسعيد بن جبير والحسن البصري. والرأي الأولى كما ذكرت في بيان المفردات: أن الخطاب للسامع أو للنبي ﷺ والمراد به أمته، وهذا تعبير مألوف بين العرب. كما أن افتراض الشك في الشيء لنفي احتمال وقوعه مألوف أيضا لدى العرب، فيقول أحدهم: إن كنت ابني حقا فكن شجاعا. وذلك مثل قول عيسى ﵇: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة ١١٦/ ٥] فهو يعلم أنه لم يقله، ولكنه يفرضه ليستدل على أنه لو قاله لعلمه الله منه. قال البيضاوي: وفي الآية تنبيه على أن كل من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم. ﴿لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ.﴾. أي تالله لقد جاءك الحق واضحا لا مرية فيه ولا ريب، بما أخبرناك في القرآن، وبأنك رسول الله، وأن اليهود والنصارى يعلمون صحة ذلك، لما يجدون في كتبهم من نعتك وأوصافك، فلا تكونن من الشاكين في صدق ما نقول. وفي هذا تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم ﷺ موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف ١٥٧/ ٧]. وهذا النهي: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ تعريض بالشاكين والمكذبين للنبي ﷺ من قومه.

стр. 3522

﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا..﴾. أي ولا تكونن أيها النبي ممن كذب بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته على إرسال الرسل لهداية البشر، فتكون ممن خسروا الدنيا والآخرة. وهذا أيضا من باب التهييج والتثبيت وقطع الأطماع عنه ﵊، كقوله تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ﴾ [القصص ٨٦/ ٢٨] وفيه تعريض بالكفار الخاسرين الضالين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ..﴾. أي إن الذين ثبتت عليهم كلمة الله أي قضاؤه وحكمه بالعذاب لا يؤمنون أبدا، لفقدهم الاستعداد للإيمان، وتصميمهم على الكفر، وليس المعنى أن الله يمنعهم الإيمان، وإنما هم الذين اختاروا الكفر وكسبوه. والمراد من الآية: أن من علم الله منهم الإيمان أو الكفر، لا بد من حصوله؛ لأن علم الله واسع شامل، لا يتخلف. ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ.﴾. أي إن هؤلاء الذين علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون، سيبقون على كفرهم وجحودهم، ولو جاءتهم كل آية كونية حسية، أو علمية، أو قرآنية، مثل آيات موسى التي اقترحوا مثلها على النبي ﷺ ، ومثل تفجير الأنهار والصعود في السماء، وامتلاك الجنات أي البساتين، ومثل آيات القرآن الدالة بإعجازها على أنها من عند الله تعالى، وربما لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم الموجع الذي يحدق بهم ويطبق عليهم، وحينئذ لا ينفعهم إيمانهم، كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أشرف على الغرق، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى، وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام ١١١/ ٦] فالأدلة لا تنفعهم مهما كثرت؛ لأن الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله وتوفيقه، وتوافر الاستعداد لقبوله.

стр. 3523

فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ١ - القرآن حق، ونبوة محمد ﷺ حق، وأدلة إثبات أحقيتهما: صدقهما فيما أخبرا به من قصص الأنبياء، ومغيبات المستقبل، وما أشار إليه من الآيات الدالة على الصدق في كل ما اشتمل عليه القرآن والسنة. ٢ - افتراض الشك أحيانا يفيد في إثبات عكسه وهو اليقين، وهذه نظرية أخذ بها الفلاسفة مثل (ديكارت). ٣ - على كل من شك في شيء أن يبادر إلى سؤال العلماء لإزالته وتثبيت يقينه، وترسيخ عقيدته. ٤ - الخطاب في الآيتين الأوليين: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ و ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ للنبي ﷺ ، والمراد غيره. قال الحسين بن الفضل: الفاء مع حروف الشرط لا توجب الفعل ولا تثبته، والدليل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لما نزلت هذه الآية: «والله لا أشك». ٥ - الإحالة في تبين صدق القرآن وصحة النبوة كانت على من أسلم من اليهود، كعبد الله بن سلام وأمثاله. ٦ - إن الذين ثبت عليهم غضب الله وسخطه بمعصيتهم لا يؤمنون، حتى ولو جاءتهم الآيات تترى بما يطلبون. فإن آمنوا حين نزول العذاب بهم لا ينفعهم إيمانهم؛ لأنه إيمان يأس وإلجاء وقسر، وتوبة يائس. ٧ - احتج أهل السنة بهذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب، وقال في الكشاف في هذه الآية: ثبت

стр. 3524

عليهم قول الله تعالى الذي كتبه في اللوح، وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفارا، فلا يكون غيره، وتلك كتابة معلوم، لا كتابة مقدّر. قصة يونس ﵇ مع قومه ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ الإعراب: ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ منصوب إما لأنه استثناء منقطع ليس من جنس الأول وإما على الاستثناء المتصل غير المنقطع، بأن يقدر في الكلام حذف مضاف، تقديره: فلولا كان أهل قرية آمنوا إلا قوم يونس. ويونس: ممنوع من الصرف للعلمية (التعريف) والعجمة. وقرئ برفع يونس على البدل، كقول الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس... إلا اليعافير وإلا العيس والبدل من غير الجنس لغة بني تميم. ﴿كُلُّهُمْ﴾ تأكيد لقوله ﴿لَآمَنَ﴾، و ﴿جَمِيعاً﴾ عند سيبويه: نصب على الحال. وقال الأخفش: جاء بقوله: ﴿جَمِيعاً﴾ بعد كل تأكيدا؛ كقوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. البلاغة: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ الاستفهام للإنكار، وتقديم الضمير على الفعل للدلالة على أن خلاف المشيئة مستحيل، فلا يمكنه تحصيله بالإكراه عليه.

стр. 3525

المفردات اللغوية: ﴿فَلَوْلا﴾ فهلا، وكل منهما للتحضيض والتوبيخ. ﴿قَرْيَةٌ﴾ أهل قرية أي فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكناها آمنت قبل معاينة العذاب، ولم تؤخر إليها، كما أخر فرعون. ﴿آمَنَتْ﴾ قبل نزول العذاب بها. ﴿فَنَفَعَها إِيمانُها﴾ بأن يقبله الله منها ويكشف العذاب عنها. ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ لكن قوم يونس ﴿لَمّا آمَنُوا﴾ عند رؤية أمارة العذاب، ولم يؤخروه إلى حلوله. ﴿الْخِزْيِ﴾ الذل والهوان. ﴿وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ إلى انقضاء آجالهم، الحين: مدة من الزمن، والمراد بها هنا العمر الطبيعي الذي يعيشه الإنسان. ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ قال المعتزلة: المراد مشيئة القسر والإلجاء، أي لو شاء الله تعالى أن يلجئهم إلى الإيمان لقدر عليه، ولصح ذلك منه، ولكنه ما فعل ذلك؛ لأن الإيمان الصادر من العبد على سبيل الإلجاء لا ينفعه ولا يفيده فائدة، فالمشيئة المرادة في الآية لم تقع في رأيهم. وقال أهل السنة: المراد تخليق الإيمان أو خلق الإيمان، أي لو شاء ربك لخلق الإيمان فيهم، ولكنه لم يفعل، فدلّ على أنه ما أراد حصول الإيمان لهم؛ لأن الإيمان لا يحصل إلا بخلق الله تعالى ومشيئته وإرشاده وهدايته، فإذا لم يحصل ذلك المعنى لم يحصل الإيمان. والتقييد بمشيئة الإلجاء خلاف الظاهر، فكل إيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [الإنسان ٣٠/ ٧٦]. وهذا المذهب موافق للمعتزلة في أن الله تعالى ما قسر الخلق، ولكنه أيضا ما سلب اختيارهم، بل أمرهم بالإيمان وخلق لهم اختيارا وقصدا، فإبقاء الآية على إطلاقها أولى، وربط كل شيء من إيمان وغيره بمشيئة الله تعالى هو الواجب. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ بما لم يشأه الله منهم، والاستفهام للإنكار، وتقديم الضمير على الفعل للدلالة على أن خلاف المشيئة مستحيل، فلا يمكنه تحصيله بالإكراه عليه. ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي بإرادته وتوفيقه، فلا تجهد نفسك في هداها، فإنه إلى الله تعالى. والإذن بالشيء لغة: الاعلام بإجازته والرخصة فيه ورفع الحجر عنه. ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ هنا العذاب أو الخذلان. وأصله في اللغة: الشيء القبيح المستقذر. ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ لا يتدبرون آيات الله، ولا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات. المناسبة: هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة، وهي قصة يونس ﵇. فبعد أن بيّن الله تعالى أن ﴿الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ أتبعه بهذه الآية

стр. 3526

للدلالة على أن قوم يونس آمنوا بعد كفرهم، وانتفعوا بذلك الإيمان. وهذا يدل على أن الكفار فريقان: منهم من حكم عليه بخاتمة الكفر، ومنهم من حكم عليه بخاتمة الإيمان، وكل ما قضى الله به فهو واقع. وذكر في هذه الآيات ما يكمل قبلها في أن الله تعالى خلق البشر مستعدين للإيمان والكفر والخير والشر، وأن مشيئة الله وحكمته متعلقتان بأفعال عباده، ووقوعها على وفقهما. وكانت العبرة من إيراد هذه القصص الثلاث (قصة نوح، وقصة موسى، وقصة يونس) الرّد على شبهات الكفار التي منها أن النبي ﷺ كان يهددهم بنزول العذاب عليهم، ولم ينزل، فأبان الله تعالى أن تأخير الموعود به لا يقدح في صحة الوعد، بدليل أن الله أخّر العذاب عن قوم نوح، وفرعون، وقوم يونس، ثم أوقعه في الأولين ولم يوقعه في قوم يونس بسبب إيمانهم. أضواء من التاريخ: ذكر يونس ﵇ في القرآن الكريم باسمه أربع مرات: في سورة النساء [١٦٣] والأنعام [٨٦] ويونس [٩٨] والصافات [١٣٩] وذكر بوصفه في سورتين: في سورة الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً﴾ [٨٧] وفي سورة القلم: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ، إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [٤٨]. وهو يونس بن متى، ويقول أهل الكتاب: يونس بن أمتاي. وقد أرسله الله تعالى إلى نينوى من أرض الموصل، فكذبوه، فوعدهم بالعذاب بعد مدة، قيل: إلى أربعين يوما، وذهب عنهم مغاضبا، فلما فقدوه خافوا نزول العقاب، ولما دنا الموعد غامت السماء غيما أسود ذا دخان شديد، فهبط حتى غشي مدينتهم، فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه، فأيقنوا صدقه، فلبسوا المسوح، وبرزوا إلى

стр. 3527

الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، وفرّقوا بين كل والدة وولدها، فحنّ بعضها إلى بعض، وعلت الأصوات والعجيج، وأخلصوا التوبة، وأظهروا الإيمان، وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء يوم الجمعة (١). قال الطبري: خص قوم يونس من بين سائر الأمم بأن تيب عليهم بعد معاينة العذاب، وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين. وقال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان. أما يونس فقد ذهب مغاضبا لقومه الذين أرسل إليهم؛ لإبطائهم عن تلبية دعوته، والدخول فيما دعاهم إليه من الإيمان، فهرب إلى الفلك المشحون، من غير إذن الله تعالى. ثم امتحنه الله تعالى بالإلقاء في اليم والتقام الحوت، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً، فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ، وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١ - ٨٨]. فنبذه الله بالعراء وهو سقيم بعد أن مكث في بطنه ثلاثا أو سبعا أو أكثر أو أقل، وحماه من هضم الحوت له، وأنبت عليه شجرة من يقطين. ثم أرسله الله تعالى إلى مائة ألف أو يزيدون، فآمنوا، وقبل الله منهم إيمانهم. وأما قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فمعناه المناسب للأنبياء المعصومين عن الخطأ: فظن أن لن نضيق عليه، أي ظن أننا لن نلزمه بالذهاب إلى القوم الذين أرسل إليهم، ولا نلجئه إلى تبليغ رسالة الله تعالى إليهم، والمراد أنه تأول الأمر وهو أمر الذهاب إلى قومه على أنه أمر إرشاد لا أمر وجوب، ولا

стр. 3528

إثم في مخالفته، كما تأول الفقهاء كتابة الدين المأمور به في قوله تعالى: ﴿إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ على أنه أمر ندب وإرشاد، ففهم الأمر على هذا الوجه (١). التفسير والبيان: فهلا كان أهل قرية من قرى الرسل الذين أرسلوا إليهم، آمنوا بعد دعوتهم وإقامة الحجة عليهم، وقبل نزول العذاب واستحالة الإيمان، فنفعهم إيمانهم. ولكن قوم يونس ﵇ الذي بعث في أهل نينوى بأرض الموصل شمال العراق، كانوا قد كفروا، ثم لما رأوا أمارات العذاب، تضرعوا إلى الله تعالى، وأخلصوا التوبة، وأظهروا الإيمان فرحمهم الله، وكشف عنهم العذاب-أي العذاب الذي وعدهم يونس بنزوله-وقبل إيمانهم، ومتّعهم إلى أجلهم. أي لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم من القرى الغابرة إلا قوم يونس، وهم أهل نينوى، وما كان إيمانهم إلا تخوفا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم، بعد ما عاينوا أسبابه. وكان قبول إيمانهم مغايرا لقبول إيمان فرعون، فإنه آمن عند الإشراف على الغرق واقتراب الموت. أما قوم يونس فآمنوا قبل وقوع العذاب بهم بالفعل، وإن كان إيمانهم عند ظهور أماراته. وفي القصة تعريض بأهل مكة، وحض لهم على أن يكونوا كقوم يونس، قبل أن يصلوا إلى درجة اليأس، فإن العذاب قابل للتحقق كما حدث في قوم نوح، وفرعون وجنوده. وعلى هذا التأويل لا تعارض ولا إشكال ولا خصوص لقوم يونس. قال علي ﵁: إن الحذر لا يردّ القدر، وإن الدعاء ليردّ القدر.

стр. 3529

﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ أي ولو شاء ربك يا محمد أن يأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان بما جئتهم به، وأن يخلق فيهم الإيمان، لفعل ولآمنوا كلهم، ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨/ ١١ - ١١٩]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً﴾ [الرعد ٣١/ ١٣]. و ﴿كُلُّهُمْ﴾ في الآية أي على وجه الإحاطة والشمول، و ﴿جَمِيعاً﴾ أي مجتمعين على الإيمان، مطبقين عليه، لا يختلفون فيه. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ..﴾. أي أفأنت يا محمد تلزم الناس وتلجئهم إلى الإيمان، ليس ذلك عليك ولا إليك، بل إلى الله وعليه. فالإيمان لا يتم بالإكراه والإلجاء والقسر، وإنما يتم بالطواعية والاختيار، كما قال تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢] وقال تعالى: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ [ق ٤٥/ ٥٠] وإنما مهمتك فقط التبليغ بالإنذار والتبشير، كما قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ [الشورى ٤٨/ ٤٢] وقال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٢]. ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص ٥٦/ ٢٨]. ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي ليس لنفس أن تؤمن إلا بإرادة الله ومشيئته وتوفيقه أو ما ينبغي لنفس أن تؤمن إلا بقضائه وقدره ومشيئته وإرادته، والنفس مختارة في الإيمان اختيارا غير مطلق، وليست مستقلة في اختيارها استقلالا تاما، بل مقيدة بسنة الله في الخلق، يهدي الله من يشاء بحكمته وعلمه وعدله.

стр. 3530

﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي ويجعل الله العذاب على الذين لا يتدبرون حجج الله وأدلته، ولا يستعملون عقولهم في النظر بما يرشدهم إلى الحق من آيات الله وحججه الكونية والعقلية القرآنية، فهم لتعطيلهم منافذ المعرفة وحواسهم الهادية إلى الصواب، ولاتباع الهوى، يؤثرون الكفر على الإيمان. فقه الحياة أو الأحكام: استنبط العلماء من الآيات ما يأتي: ١ - الحض على الإيمان وقت الرخاء والسعة قبل الإحاطة بالعذاب، فهو الوقت الذي يقبل فيه الإيمان. ٢ - خص الله قوم يونس من بين سائر الأمم بقبول توبتهم بعد معاينة العذاب، كما ذكر الطبري عن جماعة من المفسرين. وقال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان. قال القرطبي معلقا: قول الزجاج حسن؛ فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون؛ لأنه آمن حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك، وقوم يونس تابوا قبل ذلك. ويعضد هذا قوله ﷺ فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن ابن عمر: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» والغرغرة: الحشرجة، وذلك هو حال التلبس بالموت، وأما قبل ذلك فلا (١). فعلى قول الزجاج والقرطبي: لا تخصيص لقوم يونس. ٣ - احتج أهل السنة بآية: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ..﴾. على قولهم بأن جميع

стр. 3531

الكائنات بمشيئة الله تعالى؛ لأن كلمة ﴿لَوْ﴾ تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾ يقتضي أنه ما حصلت تلك المشيئة، وما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية، فدل هذا على أنه تعالى ما أراد إيمان الكل (١). ولقد أوردت في بيان المفردات مذهبي أهل السنة والمعتزلة في تفسير ﴿وَلَوْ شاءَ﴾ هل المشيئة مشيئة القسر والإلجاء، أم مشيئة الخلق والإرشاد والهداية؟ وفسر القرطبي الآية بقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ لاضطرهم إليه، أي إلى الإيمان. ٤ - الإكراه في الدين ممنوع، لقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: كان النبي ﷺ حريصا على إيمان جميع الناس؛ فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذّكر الأول، ولا يضلّ إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول. ٥ - احتج أهل السنة على قولهم: «أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع». بقوله: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ وجه الاستدلال به: أن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحرج، وصريح هذه الآية يدل على أنه قبل حصول هذا المعنى ليس له أن يقدم على هذا الإيمان. ٦ - احتج أهل السنة أيضا على قولهم: بأن خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وتقريره أن الرجس هو العمل القبيح، سواء كان كفرا أو معصية، فلما ذكر الله تعالى فيما قبل هذه الآية أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى وتخليقه، ذكر بعده أن

стр. 3532

الرجس لا يحصل إلا بتخليقه وتكوينه، والرجس الذي يقابل الإيمان ليس إلا الكفر. هذا ما ذكره الرازي. ويلاحظ أننا فسرنا الرجس بالعذاب، كما ذهب إليه كثير من المفسرين، وهو ما قرره أبو علي الفارسي النحوي في أن الرجس يحتمل كون المراد منه العذاب. فرضية النظر والتفكير وإنذار المهملين ﴿قُلِ اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ الإعراب: ﴿ماذا﴾ إما استفهام مبتدأ، وخبره: ﴿فِي السَّماواتِ﴾، أو أن الخبر: ذا بمعنى الذي، والجملة الابتدائية في موضع نصب. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ معطوف على كلام محذوف يدل عليه قوله: ﴿إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كأنه قيل: نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا. ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: صفة مصدر محذوف، تقديره: ننجي رسلنا، والذين آمنوا ننجيهم مثل ذلك، وتصير الجملة: كذلك ننج المؤمنين، أي مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم ونهلك المشركين. ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ اعتراض، وهو منصوب بفعله المقدر، أي حق ذلك علينا حقا، ويجوز أن يكون ﴿حَقًّا﴾ بدلا من ﴿كَذلِكَ﴾. ولا يجوز أن ينصب ﴿كَذلِكَ﴾ و ﴿حَقًّا﴾ ب ﴿نُنَجِّي﴾؛ لأن الفعل الواحد لا يعمل في مصدرين، ولا في حالين، ولا في استثناءين، ولا في مفعولين معهما.

стр. 3533

البلاغة: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ عبر بصيغة المضارع عن الماضي، لتهويل الأمر، باستحضار صورة ذلك الماضي. المفردات اللغوية: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لكفار مكة وغيرهم. ﴿اُنْظُرُوا﴾ تفكروا ﴿ماذا﴾ أي الذي. ﴿فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من عجائب صنعه ليدلكم على وحدته وكمال قدرته. وإن جعلت ﴿ماذا﴾ استفهامية علقت ﴿اُنْظُرُوا﴾ عن العمل. ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في علم الله وحكمته. وما: نافية أو استفهامية في موضع النصب. ﴿مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم أي مثل وقائعهم من نزول العذاب بهم؛ إذ لا يستحقون غيرها. مأخوذ من قولهم: أيام العرب أي وقائعها. ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ ذلك. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ المضارع لحكاية الحال الماضي. ﴿رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ من العذاب. ﴿كَذلِكَ﴾ الإنجاء. ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ اعتراض. ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي كذلك الإنجاء ننج النبي ﷺ وأصحابه حين تعذيب المشركين. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى في الآيات السالفة أن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته، أمر بالنظر والاستدلال في الأدلة، حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض، فقال: ﴿اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فعلى كل عاقل التمييز بين الخير والشر، وما على الرسول إلا التبشير والإنذار، وما الدين إلا مساعد للعقل على حسن الاختيار. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى عباده بالتفكر في خلق السموات والأرض وما فيهما من الآيات الباهرة ذات النظام البديع، كالكواكب النيرة من ثوابت وسيارات، والشمس والقمر، والليل والنهار واختلافهما، وتعاقبهما طولا وقصرا، وارتفاع السماء واتساعها وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر، فأخرج به أنواع

стр. 3534

الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات، وما ذرأ في الأرض من دواب برية وبحرية مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وثروات معدنية، وما في البحر من العجائب، وهو مع ذلك مذلل للسالكين، يحمل سفنهم، ويجري بها برفق بتسخير العلي القدير العليم الذي لا إله غيره، ولا رب سواه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات ٢١/ ٥١ - ٢٠]. فالنظر في ذلك يرشد إلى وجود الخالق، ويدعو إلى التصديق بالرسل، والإيمان بالقرآن والوحي المخبر عن هذه الآيات العظام. ولكن ما تغني وما تفيد وما تنفع أي لن تغني هذه الآيات أي الدلالات الكونية والقرآنية والرسل المنذرون أو الإنذارات قوما لا يتوقع إيمانهم كما ذكر في (الكشاف) وهم الذين لا يعقلون، أي لا ينظرون في تلك الآيات. وقال القرطبي: عمن سبق له في علم الله أنه لا يؤمن. وقيل: ما استفهامية والتقدير: أي شيء تغني. والمعنى على الاستفهام: أي شيء تغني الآيات السماوية والأرضية والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها لقوم لا يؤمنون بالله ورسله، ولم يستخدموا عقولهم فيما خلقت من أجله؟ وقوله: ﴿وَما تُغْنِي..﴾. ﴿عَنْ قَوْمٍ﴾ أي لا تفيدهم شيئا، أو أي شيء تغني الآيات وهي الدلائل، والظاهر أن ﴿ما﴾ للنفي، ويجوز أن تكون استفهاما (١). ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ.﴾. يحذّر الله المشركين قائلا: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل وقائع الأمم الماضية المكذبة لرسلهم، من نزول العذاب بهم؟ وهي وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود

стр. 3535

وغيرهم. والأيام هنا بمعنى الوقائع، يقال: فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعهم، والعرب تسمي العذاب أياما والنعم أياما؛ كقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ [إبراهيم ٥/ ١٤]، وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام. ﴿قُلْ: فَانْتَظِرُوا.﴾. قل أيها الرسول لهم منذرا مهددا موعدا: انتظروا عذاب الله وعقابه، إني من المنتظرين هلاككم، أو فانتظروا هلاكي، إني معكم من المنتظرين هلاككم، أو من المنتظرين موعد ربي. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا.﴾. أي إن حكمنا المتبع وسنتنا السائدة أنه إذا وقع العذاب إنجاء رسلنا والمؤمنين معهم، وإهلاك المكذبين. ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا..﴾. أي مثل هذا الإنجاء للرسل السابقين ومن آمن معهم، ننجي المؤمنين معك أيها الرسول، ونهلك المكذبين بالرسل. وهذا حق أوجبه الله تعالى على نفسه الكريمة، كقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤/ ٦] وكما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - وجوب النظر في الدلائل السماوية والأرضية للاهتداء بها إلى معرفة الخالق، فلا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بالتدبر في الدلائل، كما قال ﵊: «تفكروا في الخلق، ولا تفكّروا في الخالق، فإنكم لا تقدرون قدره» (١).

стр. 3536

فعلى الناس الاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع والقادر على الكمال. ٢ - وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم عبرة وعظة للمكذبين الرسل. ٣ - سنة الله تعالى عند إيقاع العذاب الشامل إنجاء الرسل والمؤمنين معهم، وإهلاك الكافرين الضالين المكذبين. وهذا الاصطفاء والتمييز عدل من الله ورحمة. إخلاص العبادة لله تعالى ونبذ الشرك ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ الإعراب: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ﴾ حذف حرف الجر من ﴿إِنْ﴾ أمر مطرد، مثل «أنّ» وقد يكون الحذف غير مطرد، فيقال: أمرتك الخير، ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر ٩٤/ ١٥]. ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ عطف على ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ لكن المعطوف محكي بصيغة الأمر، ولا ضير في ذلك لأن المقصود هو الوصل بما يتضمن معنى المصدر، ولا فرق في الأفعال كلها، سواء الخبر منها والطلب، والمعنى: وأمرت بالاستقامة في الدين بأداء الفرائض، والانتهاء عن القبائح، وقد سوغ سيبويه أن توصل ﴿أَنْ﴾ بالأمر والنهي، لأن الغرض وصلها بما تكون معه في معنى المصدر.

стр. 3537

﴿حَنِيفاً﴾ حال من ﴿لِلدِّينِ﴾ أو من الوجه ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ﴾ جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر عن تبعة الدعاء. البلاغة: ﴿ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ بينهما طباق. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ.﴾. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ بين الجملتين مقابلة. ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ إظهار الفضل في موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد لهم من الخير، لا استحقاق لهم عليه. المفردات اللغوية: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ خطاب لأهل مكة وغيرهم. ﴿فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ أي في صحته وأنه حق ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره وهو الأصنام، لشككم فيه. ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ يقبض أرواحكم، والمعنى كما ذكر البيضاوي: هذا خلاصة ديني اعتقادا وعملا، فاعرضوها على العقل الصرف، وانظروا إليها بعين الإنصاف، لتعلموا صحتها: وهو أني لا أعبد ما تختلقونه وتعبدونه، ولكن أعبد خالقكم الذي هو يوجدكم ويتوفاكم. وإنما خص التوفي بالذكر للتهديد. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وأمرت بأن أكون من المصدقين بما دل عليه العقل ونطق به الوحي. ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي وبأن أستقيم في الدين بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح. ﴿حَنِيفاً﴾ مائلا عن الشرك وتوابعه إلى الدين الحق. ﴿ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ بنفسه إن. دعوته أو خذلته، فلا ينفعك إن دعوته، ولا يضرك إن لم تعبده. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ فإن دعوته وفعلت ذلك افتراضا. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾ يصبك. ﴿بِضُرٍّ﴾ أي سوء من مرض أو ألم أو فقر. ﴿فَلا كاشِفَ﴾ رافع. ﴿فَلا رَادَّ﴾ فلا دافع لفضله الذي أرادك به. قال البيضاوي: ولعله ذكر الإرادة مع الخير، والمس مع الضر، مع تلازم الأمرين، للتنبيه على أن الخير مراد بالذات، وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول. ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ أي بالخير. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي فتعرضوا لرحمته بالطاعة، ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى الأدلة على صحة الدين ووحدانية الخالق وصدق

стр. 3538

النبوة، أمر رسوله بإظهار دينه، وبإظهار المفارقة بينه وبين الشرك وما عليه المشركون من عبادة الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وأن النافع الضار هو الله الذين خلقهم، فتخرج عبادة الله من حالة السر إلى الإعلان. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى رسوله ﷺ بأن يقول لأهل مكة وغيرهم من الناس إلى يوم القيامة: إن كنتم لا تعرفون ديني، فأنا أبينه لكم على سبيل التفصيل، وإن كنتم في شك من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه الله إلي، فاعلموا وصفه وأنه لا مجال للشك فيه، وهو أني لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، من حجارة وغيرها؛ لأنها لا تضر ولا تنفع، بل أعبد الله وحده لا شريك له، الذي يتوفاكم كما أحياكم، ثم إليه مرجعكم، وأن أكون من المؤمنين إيمانا حقا بالله، العارفين به تمام المعرفة. وفي هذا تعريض بأن الدين الحق لا يشك فيه، ويستحسنه ذوو العقول الصحيحة والفطر السليمة، وأما عباده الأصنام فمقطوع ببطلانها؛ لأنها لا تعقل ولا تضر ولا تنفع، ويستنكرها كل عاقل، فإنها أحجار!!. ويلاحظ أنه تدرج من نفي عبادة غير الله؛ لأن الإزالة في كل شيء بقصد إصلاحه مقدمة على الإثبات، والتخلي مقدم على التحلي، ثم انتقل إلى إثبات عبادة الله، ليبين أنه يجب ترك عبادة غير الله أولا، ثم يجب الاشتغال بعبادة الله، ثم انتقل إلى ذكر الإيمان والمعرفة بعد العبادة التي هي عمل جسدي، ليدل على وجوب تطابق العمل مع الاعتقاد، فإنه لا جدوى لعمل ما لم ينبع من اعتقاد صحيح يتجلى فيه نور الإيمان والمعرفة. وفي هذا التدرج من نفي عبادة الأصنام إلى إثبات من يعبده وهو الذي يتوفاكم، وفي ذكر هذا الوصف الدال على التوفي دلالة على البدء وهو الخلق وعلى الإعادة (١).

стр. 3539

﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ.﴾. أي وأمرت أن أكون من المؤمنين وأن أقيم وجهي للدين القيم، أي بالاستقامة في أمر الدين بالتزام الأوامر واجتناب النواهي، وبأن أخلص العبادة لله وحده، حنيفا أي مائلا عن الشرك والباطل إلى الدين الحق، ولهذا قال: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي ممن يشرك في عبادة الله إلها آخر، وهو معطوف على قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي قيل لي: كن من المؤمنين وأقم وجهك ولا تشرك. فقوله ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ معناه استقم إليه ولا تلتفت يمينا ولا شمالا. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٧٩/ ٦]. وهذا يدل على وجوب التوجه في العبادة والدعاء إلى الله وحده، دون التفات إلى شيء سواه، فمن توجه بقلبه إلى غير الله في عبادة أو دعاء فهو عابد غير الله. لذا قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ..﴾. أي لا تدع ولا تعبد أيها الرسول متجاوزا الله تعالى ما لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة إن دعوته، ولا يضرك أصلا إن تركت دعاءه. فإن فعلت هذا وعبدت ودعوت غير الله، كنت حينئذ من الظالمين نفسك؛ لأنه لا ظلم أكبر من الشرك بالله تعالى، ومن الظلم وضع العبادة في غير موضعها. ثم أكد الله تعالى سلب صلاحية النفع والضر عن غير الله، فقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ..﴾. أي وإن تتعرض لضرر يمسّ جسمك أو مالك من مرض أو فقر أو ألم، فلا كاشف أو لا رافع له إلا الله، وإن يردك أو يخصك الله بخير منه في دينك أو دنياك من نصر ورخاء ونعمة وعافية، فلا دافع لفضله إلا الله؛ إذ

стр. 3540

لا رادّ لقضائه، ولا معقب لحكمه ولا مانع لفضله أحد، وهو القادر على كل شيء، يمنح ويمنع، ويعطي ويحرم، يفعل كل ذلك بحكمة وعلم. والفضل الإلهي يكون عادة عاما بعموم الرحمة، أما الضرر فإنه لا يقع إلا بسبب، فإن البلاء لا يقع إلا بذنب، ولا يرتفع إلا بتوبة: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠/ ٤٢]. وهو سبحانه الغفور الرحيم لمن تاب إليه، ولو من أي ذنب كان، حتى من الشرك به، فإنه يتوب عليه، فتعرضوا لرحمته بالطاعة، ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أمرين: تخصيص العبادة بالله تعالى ونبذ الشرك، وبيان أن الضار والنافع هو الله تعالى، مما يوجب استحقاقه العبادة. أما تخصيص العبادة وإخلاصها بنحو كامل نقي لله فيتطلب ضوابط أو قيودا ستة مفهومة من الآيات الثلاث الأولى وهي ما يأتي: ١ - الامتناع النهائي البات المطلق عن عبادة غير الله بمختلف الأشكال. ٢ - عبادة الله تعالى وحده دون سواه؛ لأنه المحيي المميت وإليه المرجع والمآب. ٣ - التصديق أو الإيمان الكامل الذي لا يخالجه أي شك بآيات الله. ٤ - الاستقامة على أمر الدين بأداء الفرائض واجتناب القبائح، والميل التام عما سوى الدين والشرع القويم، فقوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ كما قال الرازي: إشارة للاستغراق في نور الإيمان والإعراض بالكلية عما سواه.
следующие страницы →