فعلى الناس الاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع والقادر على الكمال.
٢ - وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم عبرة وعظة للمكذبين الرسل.
٣ - سنة الله تعالى عند إيقاع العذاب الشامل إنجاء الرسل والمؤمنين معهم، وإهلاك الكافرين الضالين المكذبين. وهذا الاصطفاء والتمييز عدل من الله ورحمة.
إخلاص العبادة لله تعالى ونبذ الشرك
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾
الإعراب:
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ﴾ حذف حرف الجر من ﴿إِنْ﴾ أمر مطرد، مثل «أنّ» وقد يكون الحذف غير مطرد، فيقال: أمرتك الخير، ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر ٩٤/ ١٥].
﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ عطف على ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ لكن المعطوف محكي بصيغة الأمر، ولا ضير في ذلك لأن المقصود هو الوصل بما يتضمن معنى المصدر، ولا فرق في الأفعال كلها، سواء الخبر منها والطلب، والمعنى: وأمرت بالاستقامة في الدين بأداء الفرائض، والانتهاء عن القبائح، وقد سوغ سيبويه أن توصل ﴿أَنْ﴾ بالأمر والنهي، لأن الغرض وصلها بما تكون معه في معنى المصدر.
стр. 3537
﴿حَنِيفاً﴾ حال من ﴿لِلدِّينِ﴾ أو من الوجه ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ﴾ جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر عن تبعة الدعاء.
البلاغة:
﴿ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ بينهما طباق.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ.﴾. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ بين الجملتين مقابلة.
﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ إظهار الفضل في موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد لهم من الخير، لا استحقاق لهم عليه.
المفردات اللغوية:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ خطاب لأهل مكة وغيرهم. ﴿فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ أي في صحته وأنه حق ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره وهو الأصنام، لشككم فيه. ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ يقبض أرواحكم، والمعنى كما ذكر البيضاوي: هذا خلاصة ديني اعتقادا وعملا، فاعرضوها على العقل الصرف، وانظروا إليها بعين الإنصاف، لتعلموا صحتها: وهو أني لا أعبد ما تختلقونه وتعبدونه، ولكن أعبد خالقكم الذي هو يوجدكم ويتوفاكم. وإنما خص التوفي بالذكر للتهديد. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وأمرت بأن أكون من المصدقين بما دل عليه العقل ونطق به الوحي.
﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي وبأن أستقيم في الدين بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح.
﴿حَنِيفاً﴾ مائلا عن الشرك وتوابعه إلى الدين الحق. ﴿ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ بنفسه إن.
دعوته أو خذلته، فلا ينفعك إن دعوته، ولا يضرك إن لم تعبده. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ فإن دعوته وفعلت ذلك افتراضا.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾ يصبك. ﴿بِضُرٍّ﴾ أي سوء من مرض أو ألم أو فقر. ﴿فَلا كاشِفَ﴾ رافع. ﴿فَلا رَادَّ﴾ فلا دافع لفضله الذي أرادك به. قال البيضاوي: ولعله ذكر الإرادة مع الخير، والمس مع الضر، مع تلازم الأمرين، للتنبيه على أن الخير مراد بالذات، وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول. ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ أي بالخير. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي فتعرضوا لرحمته بالطاعة، ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى الأدلة على صحة الدين ووحدانية الخالق وصدق
стр. 3538
النبوة، أمر رسوله بإظهار دينه، وبإظهار المفارقة بينه وبين الشرك وما عليه المشركون من عبادة الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وأن النافع الضار هو الله الذين خلقهم، فتخرج عبادة الله من حالة السر إلى الإعلان.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى رسوله ﷺ بأن يقول لأهل مكة وغيرهم من الناس إلى يوم القيامة: إن كنتم لا تعرفون ديني، فأنا أبينه لكم على سبيل التفصيل، وإن كنتم في شك من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه الله إلي، فاعلموا وصفه وأنه لا مجال للشك فيه، وهو أني لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، من حجارة وغيرها؛ لأنها لا تضر ولا تنفع، بل أعبد الله وحده لا شريك له، الذي يتوفاكم كما أحياكم، ثم إليه مرجعكم، وأن أكون من المؤمنين إيمانا حقا بالله، العارفين به تمام المعرفة.
وفي هذا تعريض بأن الدين الحق لا يشك فيه، ويستحسنه ذوو العقول الصحيحة والفطر السليمة، وأما عباده الأصنام فمقطوع ببطلانها؛ لأنها لا تعقل ولا تضر ولا تنفع، ويستنكرها كل عاقل، فإنها أحجار!!.
ويلاحظ أنه تدرج من نفي عبادة غير الله؛ لأن الإزالة في كل شيء بقصد إصلاحه مقدمة على الإثبات، والتخلي مقدم على التحلي، ثم انتقل إلى إثبات عبادة الله، ليبين أنه يجب ترك عبادة غير الله أولا، ثم يجب الاشتغال بعبادة الله، ثم انتقل إلى ذكر الإيمان والمعرفة بعد العبادة التي هي عمل جسدي، ليدل على وجوب تطابق العمل مع الاعتقاد، فإنه لا جدوى لعمل ما لم ينبع من اعتقاد صحيح يتجلى فيه نور الإيمان والمعرفة. وفي هذا التدرج من نفي عبادة الأصنام إلى إثبات من يعبده وهو الذي يتوفاكم، وفي ذكر هذا الوصف الدال على التوفي دلالة على البدء وهو الخلق وعلى الإعادة (١).
стр. 3539
﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ.﴾. أي وأمرت أن أكون من المؤمنين وأن أقيم وجهي للدين القيم، أي بالاستقامة في أمر الدين بالتزام الأوامر واجتناب النواهي، وبأن أخلص العبادة لله وحده، حنيفا أي مائلا عن الشرك والباطل إلى الدين الحق، ولهذا قال: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي ممن يشرك في عبادة الله إلها آخر، وهو معطوف على قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي قيل لي: كن من المؤمنين وأقم وجهك ولا تشرك.
فقوله ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ معناه استقم إليه ولا تلتفت يمينا ولا شمالا. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٧٩/ ٦].
وهذا يدل على وجوب التوجه في العبادة والدعاء إلى الله وحده، دون التفات إلى شيء سواه، فمن توجه بقلبه إلى غير الله في عبادة أو دعاء فهو عابد غير الله.
لذا قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ..﴾. أي لا تدع ولا تعبد أيها الرسول متجاوزا الله تعالى ما لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة إن دعوته، ولا يضرك أصلا إن تركت دعاءه.
فإن فعلت هذا وعبدت ودعوت غير الله، كنت حينئذ من الظالمين نفسك؛ لأنه لا ظلم أكبر من الشرك بالله تعالى، ومن الظلم وضع العبادة في غير موضعها.
ثم أكد الله تعالى سلب صلاحية النفع والضر عن غير الله، فقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ..﴾. أي وإن تتعرض لضرر يمسّ جسمك أو مالك من مرض أو فقر أو ألم، فلا كاشف أو لا رافع له إلا الله، وإن يردك أو يخصك الله بخير منه في دينك أو دنياك من نصر ورخاء ونعمة وعافية، فلا دافع لفضله إلا الله؛ إذ
стр. 3540
لا رادّ لقضائه، ولا معقب لحكمه ولا مانع لفضله أحد، وهو القادر على كل شيء، يمنح ويمنع، ويعطي ويحرم، يفعل كل ذلك بحكمة وعلم.
والفضل الإلهي يكون عادة عاما بعموم الرحمة، أما الضرر فإنه لا يقع إلا بسبب، فإن البلاء لا يقع إلا بذنب، ولا يرتفع إلا بتوبة: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠/ ٤٢].
وهو سبحانه الغفور الرحيم لمن تاب إليه، ولو من أي ذنب كان، حتى من الشرك به، فإنه يتوب عليه، فتعرضوا لرحمته بالطاعة، ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أمرين: تخصيص العبادة بالله تعالى ونبذ الشرك، وبيان أن الضار والنافع هو الله تعالى، مما يوجب استحقاقه العبادة.
أما تخصيص العبادة وإخلاصها بنحو كامل نقي لله فيتطلب ضوابط أو قيودا ستة مفهومة من الآيات الثلاث الأولى وهي ما يأتي:
١ - الامتناع النهائي البات المطلق عن عبادة غير الله بمختلف الأشكال.
٢ - عبادة الله تعالى وحده دون سواه؛ لأنه المحيي المميت وإليه المرجع والمآب.
٣ - التصديق أو الإيمان الكامل الذي لا يخالجه أي شك بآيات الله.
٤ - الاستقامة على أمر الدين بأداء الفرائض واجتناب القبائح، والميل التام عما سوى الدين والشرع القويم، فقوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ كما قال الرازي: إشارة للاستغراق في نور الإيمان والإعراض بالكلية عما سواه.
стр. 3541
٥ - تجنب كل مظاهر الشرك الحقيقي الظاهر من عبادة الأوثان ونحوها، وهذا صار مفهوما من آية ﴿فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وتجنب ما يسمى بالشرك الخفي وهو الرياء، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
٦ - الامتناع من عبادة أي شيء سوى الله، مما لا يضر ولا ينفع، ولا يغني من الحق شيئا، ولا يفيد شيئا عند الله، ولا ينفع عابده أو داعيه، فمثل تلك العبادة والتعظيم لغير صاحب العظمة والجلال ظلم بحت بوضع العبادة في غير موضعها، وضياع وإهدار للجهود، وعدم إثمارها شيئا ما.
وأما النفع والإضرار وجلب الخير ودفع الشر: فلا يؤمل الخير من غير الله تعالى، ولا يدفع الشر بغير الله تعالى، ولا يمنح الفضل سوى الله، ولا يكشف السوء غير الله ، وهو سبحانه في كل الأحوال غفور لمن استغفره، رحيم بمن تاب إليه وأناب، ولو من أعظم المعاصي والجرائم هو الشرك.
ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ﴾ الآية بيان أن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده، لا يشاركه في ذلك أحد، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، وتكون هذه الآية مؤكدة للآيات السابقة، ومكملة لها، ومبرهنة لكل ذي عاقل أن المعبود بحق هو الله الذي يكشف الضر والسوء، ويمنح الفضل والخير.
روى الحافظ ابن عساكر عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن لله نفحات من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوا أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم».
٧ - المغفرة والرحمة تشملان كل من تاب وأناب، ولو من أي ذنب كان، حتى من الشرك به، فإن الله يتوب عليه.
стр. 3542
الإسلام دين الحق ووجوب اتباعه
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)﴾
الإعراب:
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ مبتدأ وخبر.
البلاغة:
﴿فَمَنِ اهْتَدى.﴾. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ بينهما طباق.
﴿يَحْكُمَ اللهُ.﴾. ﴿الْحاكِمِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿قُلْ: يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ أي أهل مكة وغيرهم. ﴿قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ.﴾. أي رسوله والقرآن، ولم يبق لكم عذر. ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لأن نفعه وثواب اهتدائه له. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ بالكفر بالقرآن والرسول ﷺ . ﴿فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ لأن وبال الضلال عليها. ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ بحفيظ موكول إليّ أمركم، وإنما أنا بشير ونذير.
﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ من ربك بالامتثال والتبليغ. ﴿وَاصْبِرْ﴾ على دعوتهم وأذاهم.
﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ فيهم بامره بالنصرة أو بالأمر بالقتال. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ أعدلهم؛ إذ لا يمكن الخطأ في حكمه، لاطلاعه على السرائر اطلاعه على الظواهر.
стр. 3543
المناسبة:
هذه خاتمة عظيمة موجزة أجملت ما في السورة من مبدأ اتباع شريعة الله ووحيه إلى نبيه، فبعد أن قرر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، وزيّن آخر هذه السورة بالبيان الدال على استقلاله تعالى بالخلق، والإبداع، ختمها بهذه الخاتمة الشريفة العالية، وهي إكمال الشريعة أو دين الحق، وأزال علة التنكر لها، وأوجب اتباعها، وأوضح للناس كافة طريق الرؤية الصحيحة: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾.
التفسير والبيان:
قل أيها الرسول للناس قاطبة، من حضر ومن ستبلغه هذه الدعوة: قد جاء الحق المبين من ربكم، يبين حقيقة هذا الدين، وكمال هذه الشريعة، على لسان رجل منكم.
فالله تعالى يأمر رسوله ﷺ أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله تعالى هو الحق الذي لا شك فيه.
فمن اهتدى به، وصدق القرآن ورسول الله، واتبعه، فإنما يهتدي لنفسه، أي يعود نفعه وثواب اهتدائه واتباعه على نفسه، ومن ضل عنه وحاد عن منهجه، فإنما يضل على نفسه، أي يرجع وبال ذلك عليه.
﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي وما أنا بموكّل بكم من عند الله بأموركم حتى أجعلكم مؤمنين وأكرهكم على الإيمان، وإنما أنا نذير منذر لكم عذاب الله لمن أعرض وكذب، وبشير مبشر من اهتدى، والهداية على الله تعالى.
﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ.﴾. أي اتبع يا محمد ما أنزل الله عليك وأوحاه إليك، وتمسك به أشد التمسك، واصبر على دعوتك وأذى قومك ومخالفة من
стр. 3544
خالفك من الناس، حتى يحكم الله، أي يقضي بالفصل بينك وبينهم، أي المكذبين فينصرك عليهم ويحقق لك الغلبة، وهو خير الحاكمين أي أعدل الحكام وأحكمهم، يقضي بالعدل التام والحكمة الصحيحة والواقع الحقيقي. وقد أنجز الله وعده لنبيه ﷺ فنصره مع الجند المؤمنين، على فئات المشركين، واستخلفهم في الأرض، وجعلهم الأئمة الوارثين.
وفي هذا تسلية للنبي ﷺ عما لقيه من أذى قومه، ووعد للمؤمنين أنصاره، ووعيد للكافرين أعدائه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيتان إلى ما يأتي من الأحكام:
١ - الإسلام دين الحق وشريعة الله الكاملة، والقرآن مصدر هذا الحق والشرع، والرسول ﷺ هو المعبّر عن الدين الحق المبلغ له.
٢ - الإسلام منهج الهداية الربانية ومعقد الأمل والنجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، فمن أبصر الحق واتبع سبيل الهداية الإلهية بما فيها من اعتقاد حق صحيح، وتشريع عادل، ونظام سديد، فاز ونجا وأسعد نفسه، ومن تنكب طريق الحق، وترك الرسول ﷺ والقرآن، واتّبع الأصنام والأوثان، وسار مع الأهواء وتقليد الآباء والأجداد، هلك ووبال ذلك على نفسه.
٣ - ما الرسول إلا مبلغ وحي الله، مبشر من أطاعه بالجنة، منذر من عصاه بالنار، لا يملك إكراه أحد على الإيمان بدعوته، واتباع رسالته.
٤ - الرسول كغيره من الرسل والمؤمنين يجب عليه اتباع ما أوحى الله له، والصبر على الطاعة وعن المعصية، فإن أصابه مكروه بسبب نشر دعوته، فليصبر عليه إلى أن يحكم الله فيه وله بالنصر على أعدائه والغلبة على المكذبين.
стр. 3545
قال ابن عباس: لما نزلت جمع النبي ﷺ الأنصار ولم يجمع معهم غيرهم، فقال: «إنكم ستجدون بعدي أثرة (١)، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض».
٥ - لا يحكم الله إلا بالحق والعدل، وحكمه مطابق يقينا للواقع؛ لأنه يعلم السرائر والبواطن كما يعلم الظواهر.
стр. 3546
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة هود ﵇
مكية وهي مائة وثلاث وعشرون آية.
تسميتها:
سميت سورة هود لاشتمالها على قصة هود ﵇ مع قومه: «عاد» في الآيات [٥٠ - ٦٠] وهي كغيرها من قصص القرآن تمثل صراعا حادا عنيفا بين هود ﵇ وبين قومه الذين دعاهم إلى عبادة الله تعالى، وهجر عبادة الأصنام والأوثان، فلما أصروا على كفرهم وتكذيبه، عذبهم الله بعذاب غليظ شامل وهو الريح العقيم الصرصر، التي سلطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما: ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا، وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود ٥٨/ ١١] ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً، فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى، كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ. فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ [الحاقة ٦/ ٦٩ - ٨].
نزولها وشأنها ومناسبتها لما قبلها:
هذه السورة مكية أي نزلت في مكة إلا الآيات الثلاث التالية وهي:
﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ.﴾. [١٢] كما قال ابن عباس ومقاتل، وقوله: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ.﴾. ﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ.﴾. [١٧] فإنها
стр. 3547
نزلت في ابن سلام وأصحابه، وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ.﴾. [١١٤] فإنها نزلت في نبهان التمار.
وقد نزلت بعد سورة يونس، وهي منفقة معها في معناها وموضوعها وافتتاحها ب ﴿الر﴾ واختتامها بوصف الإسلام والقرآن والنبي الذي جاء بالحق من الله، والدعوة إلى الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ ، وتفصيلها ما أجمل في سورة يونس من أمور الاعتقاد من إثبات الوحي والتوحيد والبعث والمعاد والثواب والعقاب والحساب، وإعجاز القرآن وإحكام آياته، ومحاجّة المشركين في ذلك وتحديهم بالقرآن، وذكر قصص بعض الأنبياء كنوح وإبراهيم وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈.
وتمتاز هذه السورة بما فيها من القوارع والزواجر التي اشتملت عليها قصص هؤلاء الأنبياء، والدعوة الشديدة إلى الاستقامة، مبتدأة بالنبي ﷺ ،
روى أبو عيسى الترمذي عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، قد شبت، قال: «شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كورت».
وسئل النبي ﷺ عما شيبة من سورة هود، فقال: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾.
ومن فضائلها:
ما أسنده أبو محمد الدارمي في مسنده عن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرؤوا سورة هود يوم الجمعة»
وعن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة هود، أعطي من الأجر عشر حسنات..».
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة كسورة يونس أصول الدين العامة وهي التوحيد، والرسالة، والبعث والجزاء، وتوضيح هذه العناصر إجمالا فيما يأتي:
стр. 3548
١ - إثبات كون القرآن من عند الله، من طريق إحكام آياته وإتقانها بنظمها نظما رصينا محكما لا نقص فيه ولا خلل، كالبناء المحكم، ثم تفصيلها في الحال دون تراخ، ببيان دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص والتفرقة بين الحق والباطل، ومن طريق إعجاز القرآن وتحديه العرب بأن يأتوا بعشر سورة مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود ١٣/ ١١] وبعد أن عجزوا عن محاكاته والإتيان بمثله أو بمثل أقصر سورة منه، أعلن الله تعالى إفلاسهم وعجزهم فقال: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ [هود ١٤/ ١١].
٢ - توحيد الله: وهو نوعان:
أ-توحيد الألوهية: وهو عبادة الله وحده وعدم عبادة أحد سواه، كما قال تعالى في مطلع هذه السورة: ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ.﴾. فعبادة كل من سواه كفر وضلال.
ب-توحيد الربوبية: أي الاعتقاد بأن الله وحده هو الخالق المدبر لهذا الكون، والمتصرف فيه على مقتضى حكمته ونظام سنته. وكان عرب الجاهلية يؤمنون بأن الله هو الرب الخالق: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَيَقُولُنَّ اللهُ.﴾. [العنكبوت ٦١/ ٢٩] ولكنهم كانوا يقولون بتعدد الآلهة. وورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تثبت توحيد الربوبية، مثل المذكور في هذه السورة: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ.﴾.
[٧] والخلق: التقدير المحكم الذي تكون فيه الأشياء على مقادير متناسبة، ثم أريد به الإيجاد التقديري.
٣ - إثبات البعث والجزاء: للإيمان بهما وللترغيب والترهيب، كما في قوله
стр. 3549
تعالى: ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [٤] وقوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ: إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [٧].
٤ - اختبار البشر لمعرفة إحسان أعمالهم: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [٧].
٥ - الموازنة بين طبع المؤمن والكافر في أحوال الشدة والرخاء، فالمؤمن صابر وقت الشدة، شاكر وقت الرخاء، والكافر فرح فخور حال النعمة، يئوس كفور حال المصيبة [الآيات ٩ - ١١].
٦ - استعجال البشر الخير والنفع، والعذاب الذي ينذر به الرسل: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ: ما يَحْبِسُهُ.﴾. [٨] وقال تعالى في سورة يونس المتقدمة: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ، لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [١١].
٧ - طبائع البشر مختلفة حتى في قبول الدين إلا من رحم ربك:
﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ.﴾. [١١٨ - ١١٩] أي أن لهذا الاختلاف فوائد علمية وعلمية، كما أن فيه مضارّ إذا أدى إلى التفرق في الدين والاختلاف في أصول الحياة والمصالح العامة.
٨ - إيراد قصص الأنبياء بالتفصيل تسلية للنبي ﷺ على ما يتعرض له. من أذى قريش وصدودهم عن دعوته: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ.﴾. [١٢٠]، وفي كل قصة عبرة وعظة أيضا للمؤمنين. وقد ذكر الله قصة نوح أب البشر الثاني وأمره له بصناعة الفلك، لنجاته ومن معه من المؤمنين، وإغراق قومه بالطوفان الذي عم الأرض، ونوح أطول الأنبياء عمرا، وأكثرهم بلاء وصبرا [الآيات: ٢٥ - ٤٩] وتبين من قصته أن أتباع الرسل عادة هم
стр. 3550
الفقراء، كما حكى تعالى عن قوم نوح: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود ٢٧/ ١١].
ثم ذكر الله تعالى قصة هود الذي سميت السورة باسمه، ودعوته قومه «عاد» الأشداء العتاة المتجبرين إلى عبادة الله تعالى، فاعترفوا بقوتهم وقالوا:
﴿مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً؟﴾ فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية في بحر أسبوع:
﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة ٧/ ٦٩] وعبر عن ذلك بأنه عذاب غليظ، بسبب الكفر والجحود بالآيات الإلهية: ﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ، وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ.﴾. [الآيات: ٥٠ - ٦٠].
ثم ذكر سبحانه قصة صالح مع قومه ثمود [الآيات: ٦١ - ٦٨]. وأشار إلى قصة ضيوف إبراهيم من الملائكة [الآيتان: ٦٩ - ٧٠] ثم قصة «لوط» [الآيات: ٧٠ - ٨٣] ثم قصة شعيب [الآيات: ٨٤ - ٩٥] ثم قصة موسى مع فرعون [الآيات: ٩٦ - ٩٩].
٩ - التعقيب المباشر على ما في تلك القصص من عبر وعظات، بإهلاك الظالمين، كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ، وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الآيات: ١٠٠ - ١١١].
١٠ - الأمر بالاستقامة في الدين [الآية: ١١٢] وهو أمر ثقيل شديد على النفس، يتطلب جهاد النفس، والصبر على أداء الواجبات، وحمايتها من الموبقات المهلكات.
١١ - الطغيان سبيل الدمار، والركون إلى الظلم موجب عذاب النار:
﴿وَلا تَطْغَوْا، إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ [الآية: ١١٣].
١٢ - الأمر بإقامة الصلاة في أوقاتها ليلا ونهارا؛ لأن الحسنات يذهبن
стр. 3551
السيئات [الآية: ١١١] والصبر على الطاعة، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [الآية: ١١٥].
١٣ - محاربة الفساد في الأرض من أجل حفظ الأمة والأفراد من الهلاك:
﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [الآية: ١١٦].
١٤ - لا إهلاك ولا عذاب للأمم في حال الإصلاح [الآية: ١١٧].
١٥ - تهديد المعرضين عن دعوة الحق بالعذاب، وجعل العاقبة للمتقين.
ويلاحظ أن التهديد والترغيب أمران متلازمان مفيدان في إصلاح الأفراد والجماعات، وبناء الأمة وتحقيق غلبتها على خصومها، لذا اقترنا غالبا في القرآن.
١٦ - ختمت السورة بما بدئت به من الأمر بعبادة الله وحده والاتكال عليه، والتحذير من عقابه: ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾، ليتناسق البدء مع الختام.
إحكام القرآن ودعوته إلى عبادة الله والتوبة إليه
والإيمان بالبعث
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾
стр. 3552
الإعراب:
﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ﴾ كتاب: كتاب: خبر مبتدأ محذوف، و ﴿أُحْكِمَتْ﴾ صفة له، وقال الرازي:
﴿الر﴾ اسم للسورة وهو مبتدأ، و ﴿كِتابٌ﴾ خبره، وذكر البيضاوي الوجهين.
﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ صفة ثانية، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر، وأن يكون صلة لأحكمت وفصلت، أي من عنده إحكامها وتفصيلها.
﴿أَلاّ تَعْبُدُوا﴾ إما أن تكون «أن» مفسرة بمعنى أي؛ لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول؛ كأنه قيل: قال: ألا تعبدوا إلا الله، أو آمركم ألا تعبدوا إلا الله، مثل قوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا﴾ [ص ٦/ ٣٨] أي امشوا. وإما أن تكون مفعولا لأجله، على معنى: لئلا تعبدوا إلا الله.
﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ معطوف على ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا﴾ على الوجهين السابقين.
﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ اعتراض وقع بين المعطوف والمعطوف عليه.
﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ مجزوم؛ لأنه جواب الأمر، وهو قوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ وجزم جواب الأمر؛ لأنه جواب لشرط مقدّر.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أصله: تتولّوا، فحذفت إحدى التاءين، لاجتماع حرفين متحركين من جنس واحد، فاستثقلوا اجتماعهما، فحذفوا إحداهما تخفيفا.
البلاغة:
﴿أُحْكِمَتْ.﴾. و ﴿فُصِّلَتْ﴾ بينهما طباق حسن؛ لأن المعنى: أحكمها حكيم، وفصلها أي بينها وشرحها خبير عالم بكيفيات الأمور. وكذلك بين ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ طباق أيضا.
﴿عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ إضافة العذاب إلى اليوم الكبير وهو يوم القيامة للتهويل.
المفردات اللغوية:
﴿الر﴾ تقرأ بأسمائها ساكنة، كما ذكر في أول سورة يونس، فيقال: ألف، لام، را، وهي للتحدي والإلزام للعرب الفصحاء، لإثبات إعجاز القرآن وكونه من عند الله، أو هي حروف تنبيه مثل: ألا، لما سيلقى بعدها. والسور المفتتحة بمثل تلك الحروف مكية إلا سورتي البقرة وآل عمران. والسور المكية تعنى بإثبات التوحيد والبعث والوحي وإعجاز القرآن، وفيها غالبا قصص الأنبياء.
стр. 3553
﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ نظمت نظما محكما لا خلل فيه من جهة اللفظ والمعنى ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بينت الأحكام والقصص والمواعظ، وبالإحكام والتفصيل يصبح القرآن كامل الصورة والمعنى. وقال الزمخشري: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ كما تفصل القلائد (أي عقود النساء) بالفرائد من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص، أو جعلت فصولا سورة سورة، وآية آية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل بها ما يحتاج إليه العباد، أي بيّن ولخص (١).
وقوله: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال، كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل ثم كريم الفعل (٢).
﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي من عند الله الحكيم الصنع في أقواله وأفعاله وأحكامه، العليم بأحوال الناس والكون، في الظاهر والباطن، الخبير بعواقب الأمور.
﴿نَذِيرٌ﴾ بالعذاب إن كفرتم أو أشركتم ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بالثواب إن آمنتم أو التزمتم عقيدة التوحيد ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من الشرك والمعاصي ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ ارجعوا بالطاعة ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ في الدنيا ﴿مَتاعاً حَسَناً﴾ بطيب عيش وسعة رزق. والمتاع: كل ما ينتفع به في المعيشة.
﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو الموت أو العمر المقدّر ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي يعط كل محسن ذي فضل في العمل جزاءه ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أصله: تتولوا، فحذفت إحدى التاءين، أي تعرضوا ﴿عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هو يوم القيامة أو يوم الشدائد، وقد ابتلي مشركو مكة بالقحط حتى أكلوا الجيف.
﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ رجوعكم في ذلك اليوم ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ القادر على كل شيء، ومنه الثواب والعذاب، وكأنه تقرير لكبر ذلك اليوم.
التفسير والبيان:
موضوع هذه الآيات تقرير أصول الدين وهي إحكام القرآن وتفصيله، والدعوة إلى عبادة الله وتوحيده والإنابة إليه، والإيمان بالبعث والجزاء في عالم الآخرة.
والمعنى: هذا كتاب عظيم الشأن جليل القدر، محكم النظم والمعنى، لا خلل
стр. 3554
فيه ولا نقص، فهو كامل الصورة والمعنى؛ لأنه صادر من عند الله الحكيم في أقواله وأحكامه، الخبير بحوائج عباده وبعواقب الأمور.
ففي هذه السورة كغيرها من السور تبيان حقائق الاعتقاد وتفنيد أباطيل الكافرين، وتوضيح أسلم الأحكام التشريعية للحياة، وأقوم المناهج والفضائل والمواعظ من خلال القصص القرآني والتنبيه إلى غرر الشمائل والأخلاق.
﴿أَلاّ تَعْبُدُوا.﴾. أي أن هذا الكتاب المحكم نزل بألا تعبدوا غير الله ولا تشركوا به شيئا، أو أنه نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له، أو لئلا تعبدوا إلا الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥/ ٢١] وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦].
﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي، وقل للناس: إنني كائن لكم من جهة الله، نذير من العذاب، إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه، كما جاء
في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ صعد الصفا، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب، فاجتمعوا، فقال: «يا معشر قريش، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تصبحكم، ألستم مصدّقي؟» فقالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد».
وهذا بيان مهمة الرسول ﷺ ووظيفته وهي الإنذار لمن عصاه بالنار، والتبشير لمن أطاعه بالجنة.
﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ..﴾. أي: وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة، أي أن تطلبوا المغفرة من الشرك والكفر والمعاصي، وأن تتوبوا منها إلى الله بالندم على ما مضى، والعزم على عدم العودة إلى الذنوب في المستقبل،
стр. 3555
والاستمرار على ذلك، فإن استغفرتم وتبتم من الذنوب، يمتعكم متاعا حسنا في الدنيا، أي يطوّل نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية، من عيشة طيبة ورزق واسع ونعمة متتابعة ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إلى أن يتوفاكم، كقوله تعالى:
﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧/ ١٦]. والجمع بين الاستغفار والتوبة للدلالة على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة، والاستغفار مطلوب بالذات، والتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، هذا على أساس أنهما معنيان متباينان؛ لأن الاستغفار طلب المغفرة وهي الستر، والتوبة:
الانسلاخ من المعاصي، والندم على ما سلف منها، والعزم على عدم العود إليها، والمعنى: استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة. ومن قال: الاستغفار توبة، جعل قوله: ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ بمعنى أخلصوا التوبة واستقيموا عليها بالطاعة والعبادة.
﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي ويعط في الآخرة كل من كان له فضل في العمل جزاء فضله لا يبخس منه.
والتمتيع في الدنيا والثواب في الآخرة جمع بين الجزاءين، إلا أن جزاء الدنيا موقوت محدود، وجزاء الآخرة دائم مطلق غير مقيد بشيء. وفي هذا دلالة على أن جميع خيرات الدنيا والآخرة ليس إلا منه تعالى، وليس إلا بإيجاده وتكوينه وإعطائه، كما أن فيه إشارة إلى أن ثواب الدنيا لمجموع الناس، لا لكل فرد فرد، وأما جزاء الآخرة فمخصوص بكل فرد على حدة.
ومن عادة القرآن أن يذكر الشيء وفائدته للترغيب فيه، ثم يذكر مقابله للترهيب والتهديد، والتنفير، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا.﴾. أي وإن أعرضتم عما دعوتكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، فإني أخشى عليكم عذاب يوم كبير هو يوم القيامة، وصف بالكبر لما فيه من الأهوال، كما وصف بالعظم والثقل والشدة والألم، لما فيه من العظائم والشدائد والأثقال والآلام.
стр. 3556
ثم بيّن عذاب اليوم الكبير بأن مرجعهم إلى من هو قادر على كل شيء، ومنه العذاب والثواب، أي أن معادهم يوم القيامة، إلى الله القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه، وانتقامه من أعدائه، وإعادة الخلائق يوم القيامة. ولفظ ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ يفيد الحصر، يعني أن مرجعنا إلى الله لا إلى غيره.
وهذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى، وكذّب رسله، فإن العذاب يناله يوم القيامة، لا محالة. وهو ترهيب يقابل الترغيب السابق.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - آي القرآن الكريم محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل، منظمة بنظم محكم اللفظ والمعنى، لا تناقض فيها ولا اضطراب، مفصلة تفصيلا تاما شاملا جميع الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة والبعث وغيرها، فهي كاملة الصورة والمعنى، محققة للمصالح البشرية في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ دليل على وجود الصانع الخالق.
٢ - دعوة القرآن صريحة تتجه نحو تحقيق العبودية للخالق المنعم المتفضل، وتخصيصه وإفراده بالعبادة، دون أي أحد سواه، فالآية مشتملة على الأمر بعبادة الله، ومنع عبادة غير الله.
٣ - وظيفة الرسول ﷺ هي الإنذار والتخويف لمن عصاه بالعذاب، والتبشير بالرضوان والجنة لمن أطاعه.
٤ - واجب الإنسان الاستغفار، أي طلب المغفرة من الشرك والذنوب، والتوبة والإنابة إلى الله بالطاعة والعبادة، فمعنى قوله ﴿تُوبُوا﴾ ارجعوا إليه بالطاعة والعبادة. قال بعض الصلحاء: الاستغفار بلا إقلاع عن الذنب توبة الكذابين.
стр. 3557
٥ - إن ثمرة الاستغفار والتوبة وهو الفضل الإلهي على الإنسان المؤمن الطائع أمر عظيم واسع شامل الدنيا والآخرة، ففي الدنيا تمتيع إلى نهاية العمر المقدر بالمنافع من سعة الرزق ورغد العيش، وعدم الاستئصال بالعذاب كما فعل بمن أهلك من الأمم السابقة، فالمتاع الحسن: وقاية من كل مكروه وأمر مخوف، واستمتاع بطيبات الحياة. وفي الآخرة إيتاء كل ذي عمل من الأعمال الصالحة جزاء عمله. ودلت الآية على أن لكل إنسان أجلا واحدا فقط.
٦ - مرجع أو معاد الخلائق جميعا بعد الموت إلى الله تعالى القادر على كل شيء من ثواب وعقاب. وهذا ترهيب بعد الترغيب السابق.
إعراض الكفار عن الحق
﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾
البلاغة:
﴿ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يعرضون عن الحق، ويطوون صدورهم على ما فيها من حقد وحسد وعداوة النبي ﷺ ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ أي يحاولوا الخفاء من الله أو ليتواروا عن محمد ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ يتغطون بها ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ في قلوبهم ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ في أفواههم، فالله تعالى يستوي في علمه سرهم وعلنهم، فكيف يخفى عليه ما عسى يظهرونه ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بالأسرار ذات الصدور، أو بالقلوب وأحوالها.
стр. 3558
سبب النزول:
روى البخاري عن ابن عباس في قوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ قال:
كان أناس يستحيون أن يتخلوا، فيفضوا بفروجهم إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم، فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. أي كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم، فأنزل الله هذه الآية، أي في المسلمين.
وأخرج ابن جرير وغيره عن عبد الله بن شداد قال: كان أحدهم إذا مرّ بالنبي ﷺ ثنى صدره لكيلا يراه، فنزلت.
وقيل: إنها نزلت في طائفة من المشركين قالوا: إذا أرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وطوينا صدورنا على عداوة محمد، كيف يعلم؟ وذكر الواحدي والقرطبي: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وكان رجلا حلو المنطق، يلقى رسول الله ﷺ بما يحب، وينطوي له بقلبه على ما يسوء.
والظاهر لي أن الآية في إعراض الكفار عن الحق، بدليل ما قبلها وما بعدها.
المناسبة:
بعد وصف حالة الكفار وبيان أنهم إن أعرضوا عن عبادة الله وطاعته، تعرضوا لعذاب يوم كبير، بيّن الله تعالى أن التولي عن ذلك باطنا أو سرا كالتولي عنه ظاهرا، وأن إعراضهم متصف بالحيرة والجهل.
التفسير والبيان:
ألا إن الكفار أو المشركين حين يسمعون الدعوة إلى الله، يعرضون عن
стр. 3559
النبي ﷺ بصدورهم، كيلا يراهم النبي ﷺ ، ولا يراهم أحد، إمعانا في العناد والكفر. وقوله: ﴿أَلا﴾ للتنبيه.
ألا حين يستغشون ثيابهم ويغطون بها رؤوسهم، ليستخفوا أو يتواروا من محمد أو من الله، يظنون أن الله لا يراهم، مع أن الله يعلم ما يسرون في قلوبهم، وما يعلنون بأفواههم، ويعلم ما يسرون ليلا، وما يظهرون نهارا.
وكرر ﴿أَلا﴾ للتنبيه على وقت استخفائهم. وعود الضمير إلى الله أولى، لقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾.
إن الله عليم بالأسرار ذات الصدور، وبخواطر القلوب، فليحذر من يظن أن أسراره خفية على الله، وليعلم أن الله مطلع على كل شيء في الوجود، وما تنطوي عليه النفوس من شكوك وأوهام، ويجازي كل إنسان بما أسر وأعلن.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على تصميم الكفار في إعراضهم عن سماع القرآن، ودعوة النبي ﷺ إلى الإيمان برسالته، وأنهم بهذا الإعراض أغبياء جاهلون.
ودلت أيضا على أنه لا فائدة في استخفائهم وتواريهم عن الله أو عن محمد ﷺ ؛ لأن الله مطلع على كل شيء في الوجود من النيات والضمائر والسرائر، ومن الأقوال والأفعال العلنية، يستوي علمه بالسر مع علمه بالجهر، ولا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم.
стр. 3560
فضل الله وعلمه وقدرته
﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾
المفردات اللغوية:
﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ﴾: ﴿مِنْ﴾: زائدة، والدّابة في اللغة: كل ما يدبّ على الأرض، زحفا على بطنه أو مشيا على قوائمه، وإطلاق الدّابة على الخيل والبغال والحمير إطلاق عرفي. ﴿رِزْقُها﴾ غذاؤها ومعاشها، لتكفله إياها تفضّلا ورحمة. وإنما أتى بلفظ الوجوب بهذا التّعبير تحقيقا لوصوله وضمانه وحملا على التّوكل فيه. ﴿مُسْتَقَرَّها﴾ مكانها من الأرض ومسكنها. ﴿وَمُسْتَوْدَعَها﴾ ما كانت مودعة فيه قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة، والمراد بالمستقر والمستودع: أماكن الحياة والممات، أو الأصلاب والأرحام. ﴿كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ كلّ مما ذكر، أي كلّ واحد من الدواب وأحوالها ورزقها ومستقرّها ومستودعها مذكور في اللوح المحفوظ، مكتوب فيه مبيّن، والمراد بالآية كونه عالما بالمعلومات كلها، وكونه قادرا على الممكنات بأسرها، لتقرير التوحيد ولما سبق من الوعد والوعيد.
﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ أي وكان عرشه قبل خلق السموات والأرض على الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السّموات والأرض. وليس المعنى على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر، وإنما كقوله: السماء على الأرض. والماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم. والعرش: مركز التنظيم للملك ومصدر التدبير، وهو أعظم من السموات والأرض.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ متعلّق بخلق، أي خلق ذلك لحكمة بالغة هي أن يعاملكم معاملة المبتلي لأحوالكم المختبر لأوضاعكم كيف تعملون. والابتلاء: الاختبار والامتحان. ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي أطوع لله، وأعمال المؤمنين هي التي تتفاوت إلى حسن وأحسن، وأما أعمال الكافرين فتتفاوت إلى حسن
стр. 3561
وقبيح. ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي ما هذا القرآن الناطق بالبعث، والذي تقوله يا محمد إلا سحر، أي تخييل وتمويه، ﴿مُبِينٌ﴾ أي بيّن ظاهر البطلان. ويجوز تضمين ﴿قُلْتَ﴾ معنى ذكرت. ومعنى قولهم: ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أن السحر أمر باطل، وأن بطلانه كبطلان السحر، تشبيها له به.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى في الآية السابقة أنه ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ أردفه بما يدلّ على كونه تعالى عالما بجميع المعلومات، قادرا على كل شيء، فهو الخالق والرّازق والعالم بأحوال البشر، والباعث لهم بعد الموت، فالبعث واقع لا محالة.
التفسير والبيان:
ما من نوع من أنواع دواب الأرض أو البحر أو الجوّ إلا على الله رزقها ومعيشتها وغذاؤها المناسب لها، المعدّ لطعامها بعد البحث والحركة والعمل، ويعلم مستقرّها ومستودعها، أي يعلم منتهى سيرها في الأرض حيث تأوي إليه وهو مستقرّها، والموضع الذي تأوي إليه من وكرها، ومكان موتها ودفنها، وهو مستودعها، وهذا يشمل بداية تكوينها ووجودها في الأصلاب والأرحام وأيام الحياة والممات.
وكل ما ذكر من كلّ الدّواب وأرزاقها ومستقرّها ومستودعها ثابت مكتوب في اللوح المحفوظ الذي كتب فيه جميع مقادير الخلق.
وهذا دليل على أن الله تعالى متكفل بأرزاق المخلوقات كلها، وقد أوجب ذلك على نفسه بكلمة ﴿عَلَى﴾ المفيدة للوجوب تفضّلا منه ورحمة، إلا أن الرّزق بمقتضى سنّته تعالى في الكون خاضع لمبدأ ارتباط الأسباب بالمسببات، أي أن الحصول على الرّزق مرتبط بالسّعي والعمل، بعد توافر الإلهام المودع في الخلائق، وهدايتهم إلى الطّلب والتّحصيل، كما قال تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه ٥٠/ ٢٠].
стр. 3562
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ، ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩/ ٦].
وبعد أن أثبت تعالى بالدليل المتقدم كونه عالما بالمعلومات، أثبت بكونه خالقا السموات والأرض كونه تعالى قادرا على كل المقدورات، وفي الحقيقة كل واحد من هذين الدليلين يدل على كمال علم الله وعلى كمال قدرته، فقال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.﴾ ..
أي أنه تعالى يخبر عن قدرته على كل شيء، وأنه خلق أو أبدع وكوّن السموات والأرض في ستة أيام من أيام الله في الخلق والتكوين، لا كأيامنا الحالية، وهو الظاهر بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج ٤٧/ ٢٢] وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج ٤/ ٧٠]. ويقدر علماء الفلك اليوم من أيام التكوين بألوف الألوف من سنوات الدنيا.
﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ العرش: أعظم المخلوقات، ولا نعلم حقيقته وإنما نؤمن به كما أخبر عنه تعالى، وأما استواؤه عليه، فالاستواء معلوم والكيف مجهول، كما روي عن أم سلمة ﵂ ومالك وربيعة. وهذه الآية تدل على كيفية بدء الخلق قبل أن يخلق الله السموات والأرض، وعلى أن العرش والماء كانا قبل السموات والأرض، وأن العرش كان قبل أن يخلق شيئا، وأن ما تحت العرش هو الماء أصل المادة الحية، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً، فَفَتَقْناهُما، وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾
стр. 3563
[الأنبياء ٣٠/ ٢١] وهذا ما يسميه علماء الفلك بنظرية السديم، ويعبر عنها القرآن بالدخان، أو الماء أو متن الريح.
ثم ذكر تعالى علة الخلق العجيب بقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ولم يخلق ذلك عبثا، كما قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦/ ٥١] وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً، وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥/ ٢٣].
والتكليف بالعبادة والطاعة واجتناب المعاصي للاختبار والامتحان، ومعرفة الأحسن عملا: وهو العمل الخالص لله ، القائم على أساس شريعة الله، فإذا فقد العمل أحد هذين الشرطين حبط وبطل، فمن شكر وأطاع أثابه الله، ومن كفر وعصى عاقبه. ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال:
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم، كيف تعملون.
وبما أن للابتلاء والاختبار ثمرة، فلا بدّ من حصول الحشر والنشر، المقتضي تخصيص المحسن بالرحمة والثواب، وتخصيص المسيء بالعقاب، ولا بد للعاقل من الاعتراف بالمعاد والقيامة، لذا قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ: إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ..﴾ ..
والمعنى ولئن أقمت يا محمد الأدلة على البعث بعد الموت، وذكرت ذلك للمشركين، لقال الكافرون: هذا سحر، أي غرور باطل؛ لأن السحر في مفهومهم باطل. ومعنى الجملة: ما البعث أو القول به أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان.
стр. 3564
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - تكفل الله بأرزاق المخلوقات، وضمنها لهم تفضلا من الله تعالى لهم، ورحمة بهم. وهذا دليل على اتصافه تعالى بالعدل والرحمة. ولكن الرزق مرتبط بالسعي والكسب والعمل، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك ١٥/ ٦٧].
٢ - علم الله محيط شامل بكل مخلوقات الأرض ودوابها البرية والبحرية والجوية، بدءا من وجود مادتها في الأصلاب والأرحام، إلى ظهورها في ساحة الحياة الحركية، إلى تنقلاتها وتحركاتها ومسيرها حيث تأوي إليه، وإلى الموضع الذي تموت فيه فتدفن.
٣ - الله خالق السموات والأرض وما بينهما من كائنات حية، وهاتان الآيتان: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ﴾ و ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ تدلان على كمال علم الله تعالى وكمال قدرته.
٤ - العرش مع كونه أعظم من السموات والأرض كان على الماء. والله تعالى أمسك الماء لا على قرار، والعرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله تعالى فوق سبع سموات، من غير دعامة تحته، ولا علاقة فوقه.
٥ - الله خلق السموات لابتلاء واختبار المكلف، وهذا يقتضي أن الله تعالى خلق هذا العالم الكبير لمصلحة المكلفين.
٦ - الواجب قطعا وعقلا حصول الحشر والنشر، والاعتراف بالمعاد والقيامة، لإقامة العدل بين الخلائق، وللجزاء الذي يميز بين المحسنين والمسيئين، فيجازى المحسن بالثواب والرحمة، والمسيء بالعقاب والعذاب.
стр. 3565
موقف الإنسان المؤمن والكافر عند النعمة والنقمة
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾
الإعراب:
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا﴾ اللام للقسم، والجواب: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا﴾ اللام في ﴿لَئِنْ﴾ موطئة لقسم مقدّر، وليست جوابا للقسم، وإنما جوابه قوله: إنه ليئوس كفور. وأغنى جواب القسم عن جواب الشرط، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء ٨٨/ ١٧] فرفع ﴿لا يَأْتُونَ﴾ على أنه جواب القسم الذي هيأته اللام، وتقديره: والله لا يأتون. ولو كان جواب الشرط، لكان مجزوما، فلما رفع دل على أنه جواب القسم، واستغني به عن جواب الشرط.
﴿أَلا يَوْمَ﴾ منصوب بخبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم عليه، وهو دليل على جواز تقديم خبرها عليها.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ في موضع نصب على الاستثناء من: ﴿الْإِنْسانَ﴾؛ لأن المراد به الجنس المفيد للاستغراق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ٢/ ١٠٣]. وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات ٦/ ١٠٠]. و ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق ٦/ ٩٦]. وقيل: هو استثناء منقطع.
﴿أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ وخبر.
стр. 3566
البلاغة:
﴿لَيَؤُسٌ كَفُورٌ﴾ من صيغ المبالغة، أي شديد اليأس، كثير الكفران.
﴿نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿إِلى أُمَّةٍ﴾ المراد: إلى أجل معلوم، أي إلى مجيء أوقات أمة. والأمة في الأصل: الجماعة من جنس واحد، مثل: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص ٢٣/ ٢٨]، وقد تطلق على الدين والملة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢/ ٤٣] وقد تطلق على الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به، كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠/ ١٦] وقد تطلق على الزمن، كما في قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥/ ١٢] وكما هنا. وأما أمة الأتباع فهم المصدقون للرسل، كما قال تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠/ ٣]. وفي الصحيح: «فأقول: أمتي أمتي».
﴿لَيَقُولُنَّ﴾ استهزاء ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ ما يمنعه من النزول ﴿مَصْرُوفاً﴾ مدفوعا ﴿وَحاقَ﴾ نزل بهم العذاب ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ المراد بالإذاقة هنا: الإعطاء القليل. والمراد بالإنسان هنا:
الكافر أو مطلق الإنسان ﴿رَحْمَةً﴾ غنى وصحة ﴿نَزَعْناها﴾ سلبناها إياه ﴿لَيَؤُسٌ﴾ شديد اليأس من عود تلك النعمة، قنوط من رحمة الله ﴿كَفُورٌ﴾ شديد الكفر به.
﴿نَعْماءَ﴾ هي النعمة والنّعمى: وهي الخير والمنفعة من صحة وغنى، ويقابلها: الضراء والضّر: وهو الألم من فقر وشدة ﴿السَّيِّئاتُ﴾ المصائب ﴿لَفَرِحٌ﴾ بطر مغتّر بالنعمة ﴿فَخُورٌ﴾ متعاظم على الناس بسبب النعم ﴿صَبَرُوا﴾ على الضراء إيمانا بالله تعالى واستسلاما لقضائه ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ في النعماء ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ هو الجنة.
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى عن الكفار أنهم يكذبون الرسول ﷺ بقولهم: ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ حكى عنهم في الآية الأولى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا﴾ نوعا آخر من أباطيلهم، وهو أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم به الرسول ﷺ ، أخذوا في الاستهزاء، وقالوا: ما سبب حبسه عنا؟
стр. 3567
وبعد أن ذكر أن عذاب الكفار، وإن تأخر، فلا بد من مجيئه، ذكر بعده ما يدل على كفرهم واستحقاقهم لذلك العذاب، وهو سوء طبع الإنسان، ففي حال النعمة يبطر ويتفاخر، وفي حال الضر يجحد وييأس من رحمة الله، إلا من صبر وشكر وعمل صالحا.
التفسير والبيان:
والله لئن أخرنا العذاب عن الكفار أو المشركين، بعد أن توعدهم به الرسول ﷺ ، إلى حين من الزمان، على وفق سنتنا وحكمتنا: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد ٣٨/ ١٣] لقالوا استهزاء وتكذيبا واستعجالا: ما يحبسه؟ أي ما الذي يؤخر هذا العذاب عنا؟ ومعنى ﴿إِلى أُمَّةٍ﴾ إلى أجل معلوم وحين معلوم.
فأجابهم الله تعالى بأنه إذا جاء الوقت الذي عينه الله لنزول ذلك العذاب الذي كانوا يستهزئون به، لم يصرفه عنهم صارف، وسيحيط بهم حينئذ من كل جانب، جزاء بما كانوا يستهزئون به من العذاب قبل وقوعه، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ [الطور ٧/ ٥٢ - ٨] والمضاف الذي هو جزاء محذوف.
ثم أخبر تعالى عن صفات الإنسان الذميمة إلا من رحم الله من عباده المؤمنين: أنه إذا أعطاه الله نعمة من صحة ورزق وأمن وولد بارّ، رحمة منه، ثم سلبه تلك النعمة، وأبدله بها نقمة من مرض أو فقر أو خوف أو موت أو كارثة، أضحى شديد اليأس من رحمة ربه، كثير الكفر والجحود للماضي ولما عليه من نعم أخرى، فهو قانط بالنسبة للمستقبل، جاحد لماضي الحال كأنه لم ير خيرا، ولما عليه الآن من النعم، وذلك لعدم التزامه بفضيلة الصبر والشكر.
وإن أعطاه الله نعمة من بعد ضراء، كشفاء من مرض، وقوة من بعد ضعف، ويسر من بعد عسر، لقال: ذهب ما كان يسوؤني من المصائب، ولن
стр. 3568
ينالي بعد اليوم ضيم ولا سوء، وأصبح شديد الفرح والبط بتلك النعمة أو بما في يده، متفاخرا متعاظما على غيره، محتقرا من دونه.
فهو في موقفه هذا لا يقابل النعمة بالشكر عليها، بل يبطر ويفخر على الناس، ولا يواسي البائس الفقير.
ويلاحظ أنه عبر في حال النعمة بقوله: ﴿أَذَقْنَا﴾ والذوق: إدراك الطعم، ليدل على التمتيع بالنعمة بأقل أوصافها، وفي حال الضراء بقوله:
﴿مَسَّتْهُ﴾ والمس: مبدأ الوصول، ليشعر بأن الضر في أقل مرتبة من الإصابة.
وهناك مقابلة بين التعبير ب ﴿أَذَقْنَا﴾ الذي يفيد اللذة والاغتباط، وقوله: ﴿نَزَعْناها﴾ الذي يفيد شدة تعلقه بالنعمة والحرص عليها.
وكل هذا يدل على أن في الإنسان طبائع سيئة وأمراضا فتاكة وهي اليأس من رحمة الله والكفر بنعمته، والبطر والفخر والتكبير، ولا علاج لها إلا بالصبر والإيمان والرضا بالقضاء والقدر.
والمراد بالإنسان مطلق الإنسان بدليل استثناء الصابرين الذين يعملون الصالحات منه بقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فثبت أن المقصود بالإنسان المؤمن والكافر. وحينئذ يكون الإنسان شاملا المؤمن والكافر، والاستثناء متصل، قال القرطبي: وهو حسن.
وفي قول آخر: إن المراد منه الكافر، حملا على المعهود السابق في الآية المتقدمة وهو الكافر، ولأن الصفات المذكورة للإنسان في هذه الآية لا تليق إلا بالكافر، وهي صفات: اليؤوس، والكفور، وقوله: ذهب السيئات عني، والفرح، والفخور، وتلك هي صفات الكافرين، وليست من صفات أهل
стр. 3569
الدين، وحينئذ يجب حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع، حتى لا تلزم هذه المحذورات.
ثم استثنى الله تعالى من جنس الإنسان الصابرين العاملين الصالحات بقوله:
﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ.﴾ ..
أي إلا الذين صبروا على الشدائد والمكاره كالجهاد والفقر والمصيبة، وعملوا الصالحات أي الأعمال الطيبة المفيدة في حال الرخاء أو النعمة والعافية، كأداء الفرائض وشكر النعمة وأعمال البر والخير والإحسان للناس، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، أولئك لهم مغفرة لذنوبهم بعملهم الصالح أو بما يصيبهم من الضراء، وأجر كبير في الآخرة على ما عملوا من بر وخير وما أسلفوا في زمن الرخاء، أقله الجنة.
وفي معنى الآية قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١/ ١٠٣ - ٣]
والحديث النبوي الثابت: «والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن همّ ولا غمّ ولا نصب، ولا وصب (١)، ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه»
وفي الصحيحين: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء فشكر، كان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء فصبر، كان خيرا له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن».
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات ما يأتي:
١ - أقسم الله تعالى على أن كل عذاب أوعد الله أو الرسول به الكفار آت
стр. 3570
لا ريب فيه، ولا يصرفه عنهم صارف، وهو نازل محيط بهم، جزاء ما كانوا به يستهزئون. والمراد من العذاب إما عذاب الدنيا وهو عذاب الاستئصال أو الهزيمة الساحقة في معركة فاصلة كمعركة بدر، وإما عذاب الآخرة. وأخبر تعالى عن أحوال القيامة بلفظ الماضي: ﴿وَحاقَ﴾ مبالغة في التأكيد والتقرير.
٢ - وأقسم أيضا على أن الإنسان (وهو اسم شائع للجنس في جميع الناس، أو الكفار) إن وجد أقل القليل من الخيرات العاجلة وهو الإذاقة والذوق (وهو أقل ما يوجد به الطعم) يقع في التمرد والطغيان، وإن أدرك أقل القليل من المحنة والبلية، يقع في اليأس والقنوط والكفر. واليؤوس: من الرحمة، والكفور للنعم: الجاحد لها، وكلاهما من صيغ المبالغة، يراد به التكثير، كفخور للمبالغة.
وتفسير هذه الظاهرة: هو أن الكافر يعتقد أن سبب حصول تلك النعمة مصادفة ومجرد اتفاق. وأما المسلم فيعتقد أن تلك النعمة من الله تعالى وفضله وإحسانه، فلا يحصل له اليأس، ويأمل خيرا منها، ويصبر على فقدها كما قال تعالى: ﴿عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها، إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم ٣٢/ ٦٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ [يوسف ٨٧/ ١٢].
٣ - وأقسم تعالى ثالثا على أن الإنسان إن أمدّه الله بنعمة كالصحة والرخاء والسعة في الرزق، بعد ضر مسّه كالفقر والشدة، قال: ذهب السيئات عني أي المصائب التي تسوء صاحبها من الضر والفقر، وهو فرح (بطر) فخور (متعال على الناس) بما ناله من السعة، وينسى شكر الله عليه.
وفي لفظ الإذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة، كما قال البيضاوي.
٤ - استثنى الله تعالى من أوصاف الإنسان الذميمة وأحواله حالة المؤمنين
стр. 3571
الذين يصبرون على الشدائد والمكاره، ويكونون عند الرخاء والسعة من الشاكرين، ويعملون الأعمال الطيبة الخيّرة في الدنيا، فهؤلاء لهم من الله مغفرة على ما صبروا على عمل الخير وحال المصاب، ولهم ثواب كبير أقله الجنة. وهذا جمع بين المطلوبين: زوال العقاب والخلاص منه، وهو المراد من قوله ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ والفوز بالثواب، وهو المراد من قوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهذا دليل على إعجاز القرآن لا بألفاظه فحسب، بل بمعانيه أيضا.
أما الكافر عند البلاء فلا يكون عادة من الصابرين، وعند الفوز بالنعمة لا يكون من الشاكرين؛ لأن الشكر الحقيقي لا يكون إلا بالإيمان بالمنعم، والصبر لا ثواب له عليه ما لم ينبعث من الإيمان، وكثيرا ما يجزع وينفد صبره وربما ينتحر؛ لأنه لا يجد سلوى أو عزاء له بمصابه يعوضه عنه في الآخرة؛ لعدم إيمانه بالبعث والحساب والجزاء الحق من الله تعالى وحده.
والخلاصة: أن الآيات موازنة دقيقة بين أوصاف الإنسان المؤمن وأوصاف الإنسان الكافر، ومنشأ الفرق هو الإيمان والكفر.
٥ - أحوال الدنيا غير باقية، بل هي متغيرة متحولة من النعمة إلى المحنة، ومن اللذات إلى الآفات، وبالعكس وهو الانتقال من المكروه إلى المحبوب، ومن المحرمات إلى الطيبات.
مطالبة مشركي مكّة بإنزال كنز أو مجيء ملك مع النّبي ﷺ
وتحدّيهم بالقرآن
﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾
стр. 3572
الإعراب:
﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾: ﴿ضائِقٌ﴾: عطف على ﴿تارِكٌ﴾، و ﴿صَدْرُكَ﴾ مرفوع به، وهاء ﴿بِهِ﴾ تعود على ﴿ما﴾ أو على ﴿بَعْضَ﴾، أو على التّبليغ أو على التّكذيب. ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في موضع نصب، أي كراهية أن يقولوا.
المفردات اللغوية:
﴿فَلَعَلَّكَ﴾ هنا للاستفهام الإنكاري، الذي يراد به النّفي أو النّهي، أي لا تترك. والأصل أن «لعلّ» للتّرجي وتوقع المحبوب، وقد تكون للإعداد والتّهيئة، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ٢١/ ٢ وغيرها]، وقد تكون للتّعليل كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ [طه ٤٤/ ٢٠].
﴿تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ فلا تبلغهم إياه، وهو ما يخالف رأي المشركين، مخافة ردّهم واستهزائهم، ولا يلزم من توقع الشيء وجوده ووقوعه، لجواز أن يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرّسل من الخيانة في الوحي مانعا.
﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ عارض لك أحيانا ضيق الصّدر، بتلاوته عليهم، لأجل أن يقولوا، أي مخافة أن يقولوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي هلا صحبه كنز ينفقه لكسب الأتباع كالملوك، والكنز: المال الحاصل بغير كسب. ﴿أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدقه كما اقترحنا. ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ أي ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك، لا الإتيان بما اقترحوه. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ رقيب حفيظ للأمور، فتوكل عليه، فإنه عالم بحالهم، ومجازيهم على أقوالهم وأفعالهم.
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾: ﴿أَمْ﴾ بمعنى بل. ﴿اِفْتَراهُ﴾ الضمير لما يوحى وهو القرآن. ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في الفصاحة والبلاغة والبيان وحسن النّظم، تحدّاهم أولا بالإتيان بمثل القرآن، ثم بعشر سور، ثم لما عجزوا عنها تحدّاهم بسورة. وتوحيد المثل باعتبار كلّ واحد. ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ مختلقات
стр. 3573
من عند أنفسكم، إن صحّ أني اختلقته من عند نفسي، فإنكم عرب فصحاء مثلي، تقدرون على مثل ما أقدر عليه، بل أنتم أقدر لمعرفتكم بأساليب البيان خطابة وشعرا ونثرا. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره إلى المعاونة على المعارضة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنه مفترى.
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي بالإتيان بما دعوتم إليه للمعاونة. والاستجابة: الإجابة. وجمع ضمير ﴿لَكُمْ﴾ إما لتعظيم الرّسول ﷺ ، أو لأن المؤمنين أيضا كانوا يتحدّونهم أيضا. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ خطاب للمشركين: فاعلموا أنما أنزل مصحوبا بعلم الله فلا يعلمه إلا الله، ولا يقدر عليه سواه، وليس افتراء عليه.
﴿وَأَنْ﴾ مخففة أي أنه. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ثابتون على الإسلام راسخون فيه مخلصون إن كان الخطاب للمؤمنين؟ وهل أسلموا بعد هذه الحجة القاطعة إن كان الخطاب مع الكفار؟
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى افتراء المشركين على القرآن بأنه سحر مبين، وإعراضهم عنه كيلا يسمعوه، ذكر تكذيبهم للرّسول ﷺ وللقرآن، وظنّهم أنه مثل الملوك مدعوم بالمال للإغراء وكسب الأتباع، ومطالبتهم دعمه بالكنز أو بالملك، وتحدّيهم بالإتيان بعشر سور مثل القرآن الكريم.
سبب النّزول:
روي عن ابن عباس ﵄: أن رؤساء مكة قالوا: يا محمد، اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا. وقال آخرون: ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوّتك، فقال: لا أقدر على ذلك، فنزلت هذه الآية.
التفسير والبيان:
لعلك أيها الرّسول تارك بعض ما يوحى إليك أحيانا أن تلقيه إليهم، وتبلغه إياهم مخافة ردّهم له وتهاونهم به، مثل تسفيه أحلامهم والتّنديد بعبادتهم الأوثان، وضائق به صدرك بأن تتلوه عليهم، أو لأجل أن يقولوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾
стр. 3574
والمراد بهذا الاستفهام الإنكاري النّفي أو النّهي، أي لا تترك شيئا مما أوحينا إليك من تبليغه المشركين وغيرهم، ولا تتضايق من تلاوته عليهم. ويقصد من ذلك المبالغة في التّحذير، والإغراء بأداء الرّسالة، وعدم المبالاة بكلماتهم الفاسدة، تأكيدا على تبليغ كامل الوحي، سواء رضي الناس أو غضبوا، لأن مجاملتهم غير مفيدة. ولا يعني هذا وقوع المنهي عنه، لعصمة الرّسول من التّقصير أو الخيانة في الوحي، فقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرّسول ﵊ أن يخون في الوحي، والتّنزيل، وأن يترك بعض ما يوحى إليه؛ لأن تجويزه يؤدي إلى الشّك في كلّ الشّرائع والتّكاليف، وذلك يقدح في النبوة.
﴿أَنْ يَقُولُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ.﴾. أي لا تتضايق لأجل أن يقولوا، أو كراهة أن يقولوا (١): لولا أي هلا أنزل عليه كنز من عند ربّه يغنيه عن التّجارة والكسب، ويدلّ على صدقه، والقائل عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، أو ينزل معه ملك من السماء يؤيد دعوته، كقوله تعالى:
﴿وَقالُوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ؟ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً. أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها، وَقالَ الظّالِمُونَ: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الفرقان ٧/ ٢٥ - ٨]. وإنما قال:
﴿ضائِقٌ﴾ ولم يقل «ضيق» ليشاكل ﴿تارِكٌ﴾ الذي قبله، ولأن الضائق عارض طارئ غير لازم، والضيق ألزم منه.
فهذا إرشاد من الله تعالى لنبيّه ألا يضيق صدره بتبليغ الوحي والرّسالة، وألا يثنيه شيء عن دعوتهم إلى الله آناء الليل وأطراف النهار، كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر ٩٧/ ١٥].
стр. 3575
ثم أكّد الله تعالى مهمّة نبيّه فقال: ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ..﴾. أي ليس عليك إلا إنذارهم بما أوحي إليك، غير مبال بما يقولون، ولا آت بما يقترحون، ولك أسوة بإخوانك من الرّسل قبلك، فإنهم كذّبوا وأوذوا، فصبروا حتى أتاهم نصر الله ، والله هو الرّقيب على عباده، الحفيظ للأمور، فتوكّل عليه، ولا تبال بهم، فإنه عالم بحالهم، ومجازيهم على أعمالهم. وهذا كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢/ ٢]، وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ، إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٢]، وقوله تعالى:
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ [ق ٤٥/ ٥٠].
ثم أبان الله تعالى إعجاز القرآن الكريم بدليل تحدّي العرب به، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ.﴾. أي بل يقول مشركو مكة: افترى محمد القرآن أي اختلقه من عند نفسه، فإن كان ما يزعمون صحيحا، فليأتوا بعشر سور مثله مفتريات، تضارعه في الفصاحة والبلاغة، وإتقان الأحكام والتّشريعات في شؤون الحياة المختلفة من سياسة واجتماع واقتصاد ونظام تعامل، والإخبار بقصص الأنبياء والغيبيات، وهم أهل السّبق في البيان والتّفوق في ملكة اللسان. والمختار عند أكثر المفسّرين أن القرآن معجز بسبب الفصاحة، وقيل: بسبب الأسلوب، وقيل: بسبب عدم التناقض، وقيل: بسبب اشتماله على العلوم الكثيرة، وقيل:
بسبب إخباره عن المغيبات.
ولكنهم عجزوا؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور مثله، بل ولا بأقصر سورة من مثله؛ لأن كلام الرّب تعالى لا يشبه كلام المخلوقين، كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات، وذاته لا يشبهها شيء.
وهذه الآية اشتملت على خطابين: خطاب الرّسول ﷺ بقوله تعالى:
﴿قُلْ: فَأْتُوا.﴾.، وخطاب الكفار بقوله: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ.﴾ ..