الذين يصبرون على الشدائد والمكاره، ويكونون عند الرخاء والسعة من الشاكرين، ويعملون الأعمال الطيبة الخيّرة في الدنيا، فهؤلاء لهم من الله مغفرة على ما صبروا على عمل الخير وحال المصاب، ولهم ثواب كبير أقله الجنة. وهذا جمع بين المطلوبين: زوال العقاب والخلاص منه، وهو المراد من قوله ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ والفوز بالثواب، وهو المراد من قوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهذا دليل على إعجاز القرآن لا بألفاظه فحسب، بل بمعانيه أيضا.
أما الكافر عند البلاء فلا يكون عادة من الصابرين، وعند الفوز بالنعمة لا يكون من الشاكرين؛ لأن الشكر الحقيقي لا يكون إلا بالإيمان بالمنعم، والصبر لا ثواب له عليه ما لم ينبعث من الإيمان، وكثيرا ما يجزع وينفد صبره وربما ينتحر؛ لأنه لا يجد سلوى أو عزاء له بمصابه يعوضه عنه في الآخرة؛ لعدم إيمانه بالبعث والحساب والجزاء الحق من الله تعالى وحده.
والخلاصة: أن الآيات موازنة دقيقة بين أوصاف الإنسان المؤمن وأوصاف الإنسان الكافر، ومنشأ الفرق هو الإيمان والكفر.
٥ - أحوال الدنيا غير باقية، بل هي متغيرة متحولة من النعمة إلى المحنة، ومن اللذات إلى الآفات، وبالعكس وهو الانتقال من المكروه إلى المحبوب، ومن المحرمات إلى الطيبات.
مطالبة مشركي مكّة بإنزال كنز أو مجيء ملك مع النّبي ﷺ
وتحدّيهم بالقرآن
﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾
стр. 3572
الإعراب:
﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾: ﴿ضائِقٌ﴾: عطف على ﴿تارِكٌ﴾، و ﴿صَدْرُكَ﴾ مرفوع به، وهاء ﴿بِهِ﴾ تعود على ﴿ما﴾ أو على ﴿بَعْضَ﴾، أو على التّبليغ أو على التّكذيب. ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في موضع نصب، أي كراهية أن يقولوا.
المفردات اللغوية:
﴿فَلَعَلَّكَ﴾ هنا للاستفهام الإنكاري، الذي يراد به النّفي أو النّهي، أي لا تترك. والأصل أن «لعلّ» للتّرجي وتوقع المحبوب، وقد تكون للإعداد والتّهيئة، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ٢١/ ٢ وغيرها]، وقد تكون للتّعليل كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ [طه ٤٤/ ٢٠].
﴿تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ فلا تبلغهم إياه، وهو ما يخالف رأي المشركين، مخافة ردّهم واستهزائهم، ولا يلزم من توقع الشيء وجوده ووقوعه، لجواز أن يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرّسل من الخيانة في الوحي مانعا.
﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ عارض لك أحيانا ضيق الصّدر، بتلاوته عليهم، لأجل أن يقولوا، أي مخافة أن يقولوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي هلا صحبه كنز ينفقه لكسب الأتباع كالملوك، والكنز: المال الحاصل بغير كسب. ﴿أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدقه كما اقترحنا. ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ أي ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك، لا الإتيان بما اقترحوه. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ رقيب حفيظ للأمور، فتوكل عليه، فإنه عالم بحالهم، ومجازيهم على أقوالهم وأفعالهم.
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾: ﴿أَمْ﴾ بمعنى بل. ﴿اِفْتَراهُ﴾ الضمير لما يوحى وهو القرآن. ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في الفصاحة والبلاغة والبيان وحسن النّظم، تحدّاهم أولا بالإتيان بمثل القرآن، ثم بعشر سور، ثم لما عجزوا عنها تحدّاهم بسورة. وتوحيد المثل باعتبار كلّ واحد. ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ مختلقات
стр. 3573
من عند أنفسكم، إن صحّ أني اختلقته من عند نفسي، فإنكم عرب فصحاء مثلي، تقدرون على مثل ما أقدر عليه، بل أنتم أقدر لمعرفتكم بأساليب البيان خطابة وشعرا ونثرا. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره إلى المعاونة على المعارضة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنه مفترى.
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي بالإتيان بما دعوتم إليه للمعاونة. والاستجابة: الإجابة. وجمع ضمير ﴿لَكُمْ﴾ إما لتعظيم الرّسول ﷺ ، أو لأن المؤمنين أيضا كانوا يتحدّونهم أيضا. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ خطاب للمشركين: فاعلموا أنما أنزل مصحوبا بعلم الله فلا يعلمه إلا الله، ولا يقدر عليه سواه، وليس افتراء عليه.
﴿وَأَنْ﴾ مخففة أي أنه. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ثابتون على الإسلام راسخون فيه مخلصون إن كان الخطاب للمؤمنين؟ وهل أسلموا بعد هذه الحجة القاطعة إن كان الخطاب مع الكفار؟
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى افتراء المشركين على القرآن بأنه سحر مبين، وإعراضهم عنه كيلا يسمعوه، ذكر تكذيبهم للرّسول ﷺ وللقرآن، وظنّهم أنه مثل الملوك مدعوم بالمال للإغراء وكسب الأتباع، ومطالبتهم دعمه بالكنز أو بالملك، وتحدّيهم بالإتيان بعشر سور مثل القرآن الكريم.
سبب النّزول:
روي عن ابن عباس ﵄: أن رؤساء مكة قالوا: يا محمد، اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا. وقال آخرون: ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوّتك، فقال: لا أقدر على ذلك، فنزلت هذه الآية.
التفسير والبيان:
لعلك أيها الرّسول تارك بعض ما يوحى إليك أحيانا أن تلقيه إليهم، وتبلغه إياهم مخافة ردّهم له وتهاونهم به، مثل تسفيه أحلامهم والتّنديد بعبادتهم الأوثان، وضائق به صدرك بأن تتلوه عليهم، أو لأجل أن يقولوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾
стр. 3574
والمراد بهذا الاستفهام الإنكاري النّفي أو النّهي، أي لا تترك شيئا مما أوحينا إليك من تبليغه المشركين وغيرهم، ولا تتضايق من تلاوته عليهم. ويقصد من ذلك المبالغة في التّحذير، والإغراء بأداء الرّسالة، وعدم المبالاة بكلماتهم الفاسدة، تأكيدا على تبليغ كامل الوحي، سواء رضي الناس أو غضبوا، لأن مجاملتهم غير مفيدة. ولا يعني هذا وقوع المنهي عنه، لعصمة الرّسول من التّقصير أو الخيانة في الوحي، فقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرّسول ﵊ أن يخون في الوحي، والتّنزيل، وأن يترك بعض ما يوحى إليه؛ لأن تجويزه يؤدي إلى الشّك في كلّ الشّرائع والتّكاليف، وذلك يقدح في النبوة.
﴿أَنْ يَقُولُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ.﴾. أي لا تتضايق لأجل أن يقولوا، أو كراهة أن يقولوا (١): لولا أي هلا أنزل عليه كنز من عند ربّه يغنيه عن التّجارة والكسب، ويدلّ على صدقه، والقائل عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، أو ينزل معه ملك من السماء يؤيد دعوته، كقوله تعالى:
﴿وَقالُوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ؟ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً. أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها، وَقالَ الظّالِمُونَ: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الفرقان ٧/ ٢٥ - ٨]. وإنما قال:
﴿ضائِقٌ﴾ ولم يقل «ضيق» ليشاكل ﴿تارِكٌ﴾ الذي قبله، ولأن الضائق عارض طارئ غير لازم، والضيق ألزم منه.
فهذا إرشاد من الله تعالى لنبيّه ألا يضيق صدره بتبليغ الوحي والرّسالة، وألا يثنيه شيء عن دعوتهم إلى الله آناء الليل وأطراف النهار، كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر ٩٧/ ١٥].
стр. 3575
ثم أكّد الله تعالى مهمّة نبيّه فقال: ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ..﴾. أي ليس عليك إلا إنذارهم بما أوحي إليك، غير مبال بما يقولون، ولا آت بما يقترحون، ولك أسوة بإخوانك من الرّسل قبلك، فإنهم كذّبوا وأوذوا، فصبروا حتى أتاهم نصر الله ، والله هو الرّقيب على عباده، الحفيظ للأمور، فتوكّل عليه، ولا تبال بهم، فإنه عالم بحالهم، ومجازيهم على أعمالهم. وهذا كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢/ ٢]، وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ، إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٢]، وقوله تعالى:
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ [ق ٤٥/ ٥٠].
ثم أبان الله تعالى إعجاز القرآن الكريم بدليل تحدّي العرب به، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ.﴾. أي بل يقول مشركو مكة: افترى محمد القرآن أي اختلقه من عند نفسه، فإن كان ما يزعمون صحيحا، فليأتوا بعشر سور مثله مفتريات، تضارعه في الفصاحة والبلاغة، وإتقان الأحكام والتّشريعات في شؤون الحياة المختلفة من سياسة واجتماع واقتصاد ونظام تعامل، والإخبار بقصص الأنبياء والغيبيات، وهم أهل السّبق في البيان والتّفوق في ملكة اللسان. والمختار عند أكثر المفسّرين أن القرآن معجز بسبب الفصاحة، وقيل: بسبب الأسلوب، وقيل: بسبب عدم التناقض، وقيل: بسبب اشتماله على العلوم الكثيرة، وقيل:
بسبب إخباره عن المغيبات.
ولكنهم عجزوا؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور مثله، بل ولا بأقصر سورة من مثله؛ لأن كلام الرّب تعالى لا يشبه كلام المخلوقين، كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات، وذاته لا يشبهها شيء.
وهذه الآية اشتملت على خطابين: خطاب الرّسول ﷺ بقوله تعالى:
﴿قُلْ: فَأْتُوا.﴾.، وخطاب الكفار بقوله: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ.﴾ ..
стр. 3576
ثم قال الله تعالى بعد هذا التّحدي: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ.﴾. أي فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن القرآن نزل من عند الله، وبما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه، وتشريع بأمره ونهيه لا يبلغون مستواه. وجاء ضمير ﴿لَكُمْ﴾ بصيغة الجمع؛ لأنه خطاب للرّسول ﷺ وللمؤمنين، والمراد أن الكفار إن لم يستجيبوا لكم في الإتيان بالمعارضة، فاعلموا أنما أنزل بعلم الله تعالى.
واعلموا أنه لا إله موجود ومعبود بحقّ إلا الله .
فهل أنتم بعد قيام الحجة القاطعة على أنه، أي القرآن، من عند الله مسلمون، مؤمنون بالله وبهذا القرآن، وبما تضمنه من عقائد ووعد ووعيد وأخلاق وآداب ونظام شامل للحياة؟ وهذا يدلّ على أن الخطاب للكفار، فإن كان الخطاب للمسلمين فمعناه: فهل أنتم مخلصون؟ ومعنى هذا أنه بعد ظهور الدّليل القاطع على صدق النّبي ﷺ وصدق القرآن، يكون كفرهم مجرد عناد وإعراض واستكبار.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - وجوب تبليغ الوحي بكامله دون إنقاص أو إرجاء شيء منه، ولا يتنافى هذا الحكم مع مبدأ عصمة الرّسول ﷺ عن الخيانة في الوحي والتّنزيل، وترك بعض ما يوحى إليه، وهذا كقوله تعالى في تأكيد الأمر بإبلاغ الوحي: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧/ ٥].
وهذا الحكم لا يختلف سواء قلنا: إن معنى الكلام في آية ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ.﴾. الاستفهام الإنكاري؛ أي هل أنت تارك ما فيه سبّ آلهتهم كما
стр. 3577
سألوك؟ أو معنى الكلام النّفي مع استبعاد، أي لا يكون منك ذلك، بل تبلغهم كل ما أنزل إليك؛ لأن مشركي مكة قالوا للنّبي ﷺ : لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سبّ آلهتنا لاتّبعناك، فهمّ النّبي ﷺ أن يدع سبّ آلهتهم؛ فنزلت.
٢ - لا مجاملة ولا مهادنة ولا إرجاء في تبليغ الوحي، فسواء كره الناس تبليغهم ما أنزل الله أم قالوا: لولا أنزل عليه كنز أو ملك، فلا تراجع عن تبليغ الوحي.
٣ - تحدّى الله العرب في هذه السّورة بأن يأتوا بعشر سور مثل سور القرآن، بعد أن كان تحدّاهم بالإتيان بمثل القرآن، فعجزوا في الحالين، كما عجزوا عن الإتيان بمثل سورة منه، في سورة أخرى. والتحدي ليثبت أن القرآن كلام الله المعجز.
٤ - ثبت بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ عجزهم عن المعارضة، فقامت عليهم الحجة بأن القرآن ليس من عند محمد أو غيره، وإنما هو كلام الله، وليعلم الجميع ﴿أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾.
٥ - إن وجوه إعجاز القرآن كثيرة منها البلاغة والفصاحة، ومنها الاشتمال على الغيبيات، ومنها الأحكام التّشريعية، ومنها مواكبه الاكتشافات العلمية الحديثة.
من أراد الدنيا وحدها حرم نعيم الآخرة
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾
стр. 3578
الإعراب:
﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ابتداء وخبر، أي وباطل عمله.
المفردات اللغوية:
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها﴾ أي من قصد بعمله الطّيب وإحسانه وبرّه الدّنيا.
﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ﴾ نؤتهم ثمار أعمالهم وافية تامة، جزاء ما عملوه من خير كصدقة وصلة رحم.
﴿فِيها﴾ بأن نوسع عليهم رزقهم. ﴿وَهُمْ فِيها﴾ أي الدّنيا. ﴿لا يُبْخَسُونَ﴾ ينقصون شيئا من أجورهم. ﴿حَبِطَ﴾ فسد وبطل ولم ينتفعوا به.
سبب النّزول:
قيل: إن الآية مختصّة بالكفار، أو بالمنافقين، وقيل: إنها عامّة مطلقة في أهل الرّياء، والظاهر أن المراد بهذا العام هو الكافر؛ لأن قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ﴾ لا يليق إلا بالكفار.
المناسبة:
بعد أن أثبت الله تعالى أن القرآن من عند الله تعالى، وليس بالمفترى من محمد ﷺ كما يزعم المشركون، ذكر أن سبب المعارضة والتّكذيب هو الهوى والشهوة ومحض الحسد وحظوظ الدّنيا.
التفسير والبيان:
من كانت إرادته مقصورة على حبّ الدّنيا وزينتها، من متاع ولباس، وزينة وأثاث، ولم يكن طالبا السعادة الأخروية، يوصل الله إليه جزاء عمله في الدّنيا من الصّحة والرّياسة وسعة الرّزق وكثرة الأولاد، ويوفّيه ثمرة جهده تماما دون أن ينقصه شيئا من مردود العمل ونتيجة الكسب؛ لأن الأرزاق منوطة بالأعمال، لا بالنّيات.
стр. 3579
وذلك يدلّ على أن ثمرة العمل في الدّنيا مرتبطة بالكسب وتقدير الله، وأما جزاء الآخرة فهو محصور بإرادة الله وفضله وإحسانه.
وأولئك الذين لا همّ لهم إلا الدّنيا، لا حظّ لهم في الآخرة إلا النّار في مقابلة ما عملوا؛ لأنهم استوفوا في الدّنيا ثمرة العمل الحسن، وبقي لهم في الآخرة وزر العمل السّيء، وتبدد أثر عملهم في الدّنيا، وبطل ثواب عملهم في الآخرة؛ لأنهم لم يريدوا وجه الله تعالى، والعمدة في الثواب الأخروي هو الإخلاص لله .
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ، ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً. وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء ١٨/ ١٧ - ١٩]، وقوله سبحانه: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠/ ٤٢].
ويؤيّده الحديث المشهور في الصّحيحين عن عمر ﵁: «إنما الأعمال بالنّيات، وإنما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» وقال قتادة: من كانت الدّنيا همّه ونيّته وطلبته، جازاه الله بحسناته في الدّنيا، ثم يفضي إلى الآخرة، وليس له حسنة يعطى بها جزاء. وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدّنيا، ويثاب عليها في الآخرة. أي أن للمؤمن على عمله الحسن ثوابين، ثواب الدّنيا وثواب الآخرة، وللكافر ثوابا واحدا وهو في الدّنيا فقط.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيتان على ما يأتي:
стр. 3580
١ - اقتضى عدل الله وحكمته أن من قصد الدنيا وحدها وأتى بعمل البرّ والخير كصدقة وصلة رحم وكلمة طيّبة ونحو ذلك، يكافأ بها فقط بصحة الجسم، وكثرة الرّزق، لكن لا حسنة له في الآخرة، ويحرم من ثمرة عمله فيها.
٢ - إن أهل الرّياء والسّمعة يعطون بحسناتهم في الدّنيا، حتى لا يظلموا شيئا منها مهما قلّ، ويحرمون من الثواب الأخروي؛ لأن ثواب الجنة يكون بتزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح، واجتناب المعاصي، وأما عمل أهل الدّنيا فمقصور عليها وعلى مظاهرها وشهواتها.
٣ - ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية وأمثالها المذكورة مطلقة، تشمل المؤمن والكافر.
٤ - إن العبد ينوي ويريد، والله سبحانه يحكم ما يريد.
٥ - الكافر يخلد في النّار، والمؤمن لا يخلّد؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤].
٦ - الإسلام يدعو إلى إيثار العمل للآخرة على عمل الدّنيا، في النّيّة والقصد، فإن قصد الدّنيا والآخرة معا كان ذلك مقبولا شرعا.
من كان يريد الآخرة
﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾
стр. 3581
الإعراب:
﴿أَفَمَنْ كانَ﴾: ﴿فَمَنْ﴾: مبتدأ، والهمزة للإنكار، والخبر محذوف تقديره: أفمن كان على بيّنة من ربّه كمن كان يريد الحياة الدّنيا، والهاء في ﴿يَتْلُوهُ﴾ للقرآن، والشاهد: الإنجيل. والهاء في ﴿مِنْهُ﴾ عائد لله تعالى، والهاء في ﴿قَبْلِهِ﴾ للإنجيل.
و ﴿كِتابُ مُوسى﴾ معطوف مرفوع على قوله: ﴿شاهِدٌ﴾ ففصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وهو قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ وتقديره: ويتلوه كتاب موسى من قبله.
﴿إِماماً وَرَحْمَةً﴾ نصب على الحال من ﴿كِتابُ مُوسى﴾.
﴿فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة خبر ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿بَيِّنَةٍ﴾ حجة وبيان وبرهان من الله يدلّه على الحقّ والصّواب فيما يأتيه ويذره، والبيّنة:
هي القرآن، وهو حكم يعمّ كلّ مؤمن مخلص، وقيل: المراد به النّبي ﷺ ، أو المؤمنون، وقيل:
مؤمنو أهل الكتاب. ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ يتبعه. ﴿شاهِدٌ﴾ له بصدقه. ﴿مِنْهُ﴾ أي من الله، و «الشاهد»: الإنجيل، وقيل: جبريل، وقيل: القرآن، وقيل: النّبي ﷺ . ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ أي الإنجيل، وقيل: القرآن. ﴿كِتابُ مُوسى﴾ التّوراة شاهد له أيضا. ﴿إِماماً﴾ كتابا مؤتّما به في الدّين. ﴿أُولئِكَ﴾ أي من كان على بيّنة، ويراد بكلمة ﴿فَمَنْ﴾ المعنى الجماعي. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي بالقرآن، فلهم الجنة.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ أهل مكة وجميع الكفار الذين تحزّبوا معهم على رسول الله ﷺ . ﴿فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ يردها لا محالة، أي مكان الوعد وهي النّار يردها. ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ في شكّ من الموعد المذكور، أو القرآن. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾ أهل مكة وأمثالهم. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ لقلّة نظرهم واختلال فكرهم.
المناسبة:
تعلّق الآية بما قبلها واضح، فبعد أن ذكر الله تعالى من كان يريد الدّنيا وزينتها ولا يهتم بالآخرة وأعمالها، أعقبه بذكر من كان يريد الآخرة ويعمل لها، ومعه شاهد يدلّ على صدقه وهو القرآن.
стр. 3582
التفسير والبيان:
أفمن كان على نور وبصيرة من الله تدلّه على الحقّ والصّواب، ويؤيّده شاهد له على صدقه، وهو كتاب الله من إنجيل أو قرآن، وهم المؤمنون بالفطرة بأنه لا إله إلا الله، كمن كان يريد الحياة الدّنيا وزينتها؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ، فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزّمر ٢٢/ ٣٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الرّوم ٣٠/ ٣٠].
وكذلك يؤيّده كتاب موسى ﵇ وهو التّوراة، الذي أنزله الله تعالى إلى تلك الأمّة إماما لهم، أي كتابا مؤتما به في الدّين وقدوة يقتدون به، ورحمة من الله بهم؛ لأنه همزة وصل بخير الدّارين، فمن آمن به حقّ الإيمان، قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن، ويكون ذلك الكتاب رحمة لمن آمن به وعمل به.
وكون الإنجيل والتّوراة تابعين للقرآن ليس في الوجود، بل في دلالتهما على هذا المطلوب، وتبشيرهما بالنّبي ﷺ وكونه موصوفا فيهما: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف ١٥٧/ ٧].
﴿أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ..﴾. أي أولئك الذين يؤمنون بما في التّوراة من البشارة بمحمد النّبي ﷺ ، يؤمنون بهذا القرآن إيمانا حقّا عن يقين وإذعان.
وفي الجملة: من كان مؤمنا بالفطرة وبالعقل، وبنور القرآن، وبالوحي الثابت الذي نزل على موسى وعيسى وغيرهما من الرّسل، فهو على منهج الحقّ والصّواب.
ومن يكفر بالقرآن من أهل مكة ومن تحزّبوا على النّبي ﷺ وغيرهم من اليهود والنّصارى والوثنيين، فالنّار موعده لا ريب في وروده إياها، أي أن مآله حتما إلى جهنم وهو من أهل النّار، جزاء تكذيبه، كما قال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ، وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها، وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود ١٦/ ١١]
стр. 3583
و ﴿الْأَحْزابِ﴾ هم كما قال مقاتل: بنو أميّة، وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي، وآل طلحة بن عبيد الله. وقال سعيد بن جبير: الأحزاب: أهل الأديان كلّها، وروي عن مقاتل: «من الملل كلّها» لأنهم يتحازبون.
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النّار».
﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ أي فلا تكن أيها المكلّف السّامع في شكّ من أمر هذا القرآن، فإنه حقّ من الله لا ريب ولا شكّ فيه، كما قال تعالى: ﴿الم﴾.
﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [السّجدة ١/ ٣٢ - ٢]. والخطاب بقوله: ﴿فَلا تَكُ﴾ للنّبي ﷺ ، والمراد جميع المكلّفين.
﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ.﴾. أي ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢]، والسبب أن المشركين مستكبرون مقلّدون زعماءهم، وأن أهل الكتاب حرّفوا دين أنبيائهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى ما يأتي:
١ - إن من تبيّن الرشد والصّواب بالفطرة والعقل، واهتدى بنور الوحي الإلهي فهو الذي يؤثر الآخرة على الدّنيا، ولا يستوي إطلاقا مع من آثر الدّنيا الفانية وزينتها الموقوتة على الآخرة الباقية الخالدة.
٢ - اليهود والنصارى المؤمنون بحقّ يؤمنون بما في التّوراة والإنجيل من البشارة بالنّبي ﷺ ، وأما غير المؤمنين بحقّ، المتأخرون منهم أو من غيرهم، فهم
стр. 3584
الذين موعدهم النّار، فمن يكفر بالقرآن أو بالنّبي ﵊، من أهل الملل كلها أو أهل الأديان كلها، فهو من أهل النّار.
٣ - القرآن الكريم حقّ ثابت من عند الله، فلا يشكّنّ أحد بذلك، وليبادر إلى الإيمان بما جاء فيه. ولكن مع الأسف أكثر الناس لا يؤمنون به.
الكافرون والمؤمنون وجزاء أعمال كلّ منهم
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾
الإعراب:
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ إما نعت للظالمين، وإما خبر لمبتدأ أي هم الذين.
﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ما: فيها ثلاثة أوجه:
стр. 3585
أ-أن تكون ظرفية زمانية في موضع نصب بيضاعف، وتقديره: يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والإبصار، أي أبدا، كقوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود ١٠٧/ ١١] أي مدة دوام السموات والأرض، أي: أبدا.
ب-أن تكون في موضع نصب، على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: بما كانوا، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به.
ج -أن تكون ﴿ما﴾ نافية، ومعناه لا يستطيعون السمع ولا الإبصار، لما قد سبق لهم في علم الله تعالى.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿لا جَرَمَ﴾ ردّ لكلامهم، وهو نفي لما ظنوا أنه ينفعهم. و ﴿جَرَمَ﴾ فعل ماض بمعنى كسب.
﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ في موضع نصب من وجهين: أحدهما-تقديره: كسب ذلك الفعل لهم أنهم في الآخرة هم الأخسرون، أي كسب ذلك الفعل الخسران في الآخرة. وهذا قول سيبويه. والثاني-التقدير: لا صدّ ولا منع عن أنهم في الآخرة، وحذف حرف الجر، فانتصب بتقدير حذف حرف الجر، وهذا قول الكسائي.
﴿مَثَلاً﴾ تمييز منصوب.
البلاغة:
﴿كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ﴾ تشبيه مرسل مجمل؛ لوجود أداة التشبيه وحذف وجه الشبه، أي مثل الفريق الكافر كالأعمى والأصم في عدم البصر والسمع، ومثل الفريق المؤمن كالسميع والبصير.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لا أحد. ﴿اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ بنسبة الشريك والولد إليه. ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ في الموقف يوم القيامة مع جملة الخلق، بأن يحبسوا وتعرض أعمالهم، والمراد: يحاسبهم ربهم. ﴿الْأَشْهادُ﴾ جمع شاهد وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ، وعلى الكفار بالتكذيب.
﴿لَعْنَةُ اللهِ﴾ اللعنة واللعن: الطرد من رحمة الله تعالى. ﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يصرفون عن دين الله: دين الإسلام. ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ يطلبون السبيل معوجة، والعوج: الالتواء.
﴿هُمْ﴾ تأكيد للأولى. ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي ما كانوا معجزين لله في الدنيا أن يعاقبهم، ولا يمكنهم أن يهربوا من عذاب الله تعالى. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره.
стр. 3586
﴿أَوْلِياءَ﴾ أنصار يمنعونهم من عذابه أو عقابه، ولكنه أخر عقابهم إلى هذا اليوم ليكون أشد وأدوم. ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ﴾ بإضلالهم غيرهم. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ للحق. ﴿وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أي يبصرونه، لفرط كراهتهم له، كأنهم لم يستطيعوا ذلك. ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم. ﴿وَضَلَّ﴾ غاب. ﴿يَفْتَرُونَ﴾ على الله من ادعاء الشريك.
﴿لا جَرَمَ﴾ حقا. قال الفراء: إنها بمنزلة قولنا: لا بد ولا محالة، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة (حقا). تقول العرب: لا جرم أنك محسن، على معنى: حقا إنك محسن.
﴿وَأَخْبَتُوا﴾ خشعوا وسكنوا وأخلصوا لله تعالى، وأصل الإخبات: قصد الخبث وهو المكان المطمئن المستوي. ﴿مَثَلُ﴾ صفة. ﴿الْفَرِيقَيْنِ﴾ الكفار والمؤمنين. ﴿كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ﴾ هذا مثل الكافر، وتشبيه بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لعدم استماعه كلام الله تعالى وتدبر معانيه. ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ هذا مثل المؤمن لتبصره بالقرآن وسماعه له سماع تدبر وإمعان، فيكون كل واحد منهما مشبها باثنين. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون، أصله: تتذكرون، فأدغم التاء في الذال.
المناسبة:
بعد أن تحدث القرآن عن فريقي الناس: وهما الذي يريد الدنيا وزينتها، والذي يريد الآخرة، أبان حال كل من الفريقين في الدنيا والآخرة.
وكان القصد من آية ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها﴾ ذم الحريصين على الدنيا ونسيان الآخرة، والقصد من آية ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ الرّد على منكري نبوة الرسول ﷺ والطعن في معجزاته، وأما المراد من آية ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ فهو الرّد على المشركين الذين يزعمون أن الأصنام شفعاؤهم عند الله، وهذا محض الافتراء على الله تعالى، وهو داخل تحت عموم وعيد المفترين على الله تعالى.
التفسير والبيان:
يبين الله تعالى حال المفترين عليه ووصفهم بأنهم أظلم الناس، وفضيحتهم في الآخرة أمام الخلائق كلهم، فيذكر أنه لا أحد أظلم لنفسه ولغيره ممن اختلق
стр. 3587
الكذب على الله تعالى، في صفته أو حكمه أو وحيه، أو زعم وجود شفعاء له بدون إذنه، أو اتخاذه ولدا من الملائكة كالعرب القائلين بأن الملائكة بنات الله، واليهود القائلين بأن عزيرا ابن الله، والنصارى القائلين بأن المسيح ابن الله.
﴿أُولئِكَ يُعْرَضُونَ.﴾. أي أولئك المغرقون في الكفر والشرك والافتراء على الله، يعرضون على ربهم أي يحاسبهم ربهم حسابا شديدا، ويقول الأشهاد من الملائكة الأبرار: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم وافتروا عليه، فلعنة الله على الظالمين، أي أنهم مطرودون من رحمة الله تعالى.
وبما أن العرض عام في كل العباد، فإن المراد به هنا عرض خاص وهو العرض بقصد افتضاحهم، فيحصل لهم الخزي والنكال في أسوأ حال، والعرض يكون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال، أو على من شاء الله من الخلق بأمر الله تعالى، من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.
والآية مثل قوله تعالى: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ، وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠ - ٥٢].
وروى الإمام أحمد والشيخان عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين».
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ.﴾. إن هؤلاء الظالمين يردون الناس عن اتباع الحق
стр. 3588
والإيمان والطاعة، وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله ، ويحولون بينهم وبين الجنة، ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ أي ويعدلون بالناس عن سبيل الله إلى المعاصي والشرك، فهم يريدون أن يكون طريقهم عوجا غير معتدلة، والحال أنهم كافرون بالآخرة أي جاحدون بها مكذبون، وأعاد لفظ ﴿هُمْ﴾ تأكيدا.
﴿أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ..﴾. إن أولئك الظالمين الصادين عن سبيل الله لا يعجزون ربهم أن يعاقبهم بالدمار والخسف كما فعل بغيرهم، بل هم تحت قهره وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدنيا قبل الآخرة، وليس لهم أنصار ينصرونهم من دون الله تعالى، ويحجبون عنهم العذاب، ويضاعف لهم العقاب بسبب إضلالهم غيرهم، كما ضلوا بأنفسهم، وكانوا صمّا عن سماع الحق، عميا عن اتباعه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم ٤٢/ ١٤] وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل ٨٨/ ١٦] وقوله ﷺ في الصحيحين: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته».
وعلة مضاعفة العذاب هي: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أي لم يستمعوا إلى القرآن سماع تدبر واتعاظ، ولم يبصروا طريق الحق والخير وينظروا إلى آيات القرآن وآيات الكون، الدالة على صدق الوحي، كما قال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ، وَالْغَوْا فِيهِ، لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت ٢٦/ ٤١] وقال: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٦/ ٦].
فليس المراد نفي السمع والبصر، بل المقصود أنهم وإن كانوا يسمعون ويبصرون في الظاهر، إلا أنهم ما استخدموا هاتين الحاستين استخداما صحيحا في
стр. 3589
تلقي المعارف والمعلومات وتكوين العقيدة السلمية، ونظرا لعنادهم وعتوهم وكراهتهم الحق والهدى، ما كانوا يطيقون سمع آيات القرآن والتبصر بآيات الكون.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا..﴾. أي أولئك الموصوفون بالأوصاف السابقة خسروا أنفسهم؛ لأنهم أدخلوا نارا حامية يتزايد سعيرها، كما قال تعالى:
﴿مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء ٩٧/ ١٧] ولا موت ولا حياة فيها.
وضلّ عنهم أي ذهب عنهم الذي كانوا يفترونه من دون الله من الأنداد والأصنام، فلم تجد عنهم شيئا، بل ضرتهم كل الضرر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٦/ ٤٦] وقال سبحانه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم ٨١/ ١٩ - ٨٢].
﴿لا جَرَمَ..﴾. حقا إنهم في الآخرة أخسر الناس صفقة؛ لأنهم استبدلوا بنعيم الجنان ودرجاتها عذاب جهنم ودركاتها، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شرب الرحيق المختوم بسموم وحميم، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن بغضب الديان وعقابه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. بعد أن ذكر تعالى حال الأشقياء أعقبه بذكر السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا في الدنيا الأعمال الصالحة، فآمنت قلوبهم، وثابروا على الطاعات وترك المنكرات، وخشعوا لله وأنابوا إليه، فلهم جنات العلى ذات النعم التي لا تعد ولا تحصى، من كل ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم مخلدون فيها، ماكثون فيها على الدوام، لا يموتون ولا يهرمون، ولا يمرضون، ولا يخرج منهم مستقذر، وإنما هو رشح مسك يعرقون به.
стр. 3590
ثم ذكر الله شبه الكافرين والمؤمنين وضرب مثلا لكليهما فقال: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أي مثل الفريقين المذكورين اللذين وصفا سابقا وهم الكفار بالشقاء، والمؤمنين بالسعادة، كمثل الأعمى والأصم، والسميع والبصير؛ الكافر مثل الأعمى، لتعاميه عن وجه الحق في الدنيا والآخرة، وعدم اهتدائه إلى الخير وعدم معرفته إياه، ومثل الأصم؛ لعدم سماعه الحجج، فلا يسمع ما ينتفع به؛ والمؤمن مثل متفتح السمع والبصر، لاستفادته بما يسمع من القرآن، ويرى في الأكوان. والسمع والبصر وسيلتا العلم والهدى، وطريقا تكوين العقل.
لا يستوي هذا وذاك صفة وحالا ومالا، أفلا تذكرون أي تعتبرون، فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء، وكيف لا تميزون بين هذه الصفات المتباينة؟! كما قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر ٢٠/ ٥٩] وقال سبحانه: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ، إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ، وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ١٩/ ٣٥ - ٢٢] واستعمال: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ تنبيه على أنه يمكن علاج هذا العمى وهذا الصمم.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات ما يأتي:
١ - لا أحد أظلم لأنفسهم من الذين افتروا على الله كذبا، فنسبوا كلامه إلى غيره، وزعموا أن له شريكا وولدا، وقالوا للأصنام: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
٢ - ينادى بالكفار والمنافقين على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله، ألا لعنة الله على الظالمين، أي بعده وسخطه وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها.
стр. 3591
والأشهاد المنادون بذلك: هم الملائكة، أو الأنبياء والمرسلون، والعلماء لذين بلّغوا الرسالات.
٣ - إن سبب اللعنة على الظالمين وطردهم من رحمة الله إنما هو صدّ أنفسهم وغيرهم عن الإيمان والطاعة لله تعالى، وعدولهم بالناس عن سبيل الله إلى المعاصي والشرك، وكفرهم وجحودهم بالآخرة.
٤ - الظالمون وغيرهم لا يعجزون الله بعقابهم في الدنيا، ولا يقدرون على الإفلات من سلطان الله وقدرته وخسف الأرض بهم، وليس لهم أنصار ينصرونهم من دون الله تعالى، وعقابهم مضاعف على قدر كفرهم ومعاصيهم بسبب إضلالهم غيرهم، وبسبب تعطيلهم قدرات السمع والبصر في استماع الحق وإبصاره.
٥ - هؤلاء الظالمين خسروا أنفسهم وضاع عنهم افتراؤهم، وتبدد كل ما تعلقوا به من آمال خاسرة، وهم حقا في الآخرة أخسر الناس صفقة؛ لاستبدالهم بنعيم الجنة بعذاب جهنم.
٦ - المؤمنون المصدقون بالله ورسوله، العاملون الصالحات، الخاشعون الخاضعون المنيبون لربهم، هم أصحاب الجنة الماكثون فيها أبدا.
٧ - لا تساوي إطلاقا بين المؤمنين والكافرين، كما لا تساوي بين الأعمى والبصير، ولا بين الأصم والسميع، أفلا تنظرون في الوصفين وتتعظون وتعتبرون؟! والخلاصة: إن الله تعالى وصف السعداء أهل الجنة بصفات ثلاث هي:
الإيمان، والعمل الصالح، والخشوع إلى الله تعالى؛ ووصف الأشقياء المنكرين الجاحدين أهل النار بأربع عشرة صفة هي:
١ - كونهم مفترين على الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ﴾
стр. 3592
٢ - إنهم يعرضون على الله في موقف الذل والهوان والخزي والنكال:
﴿أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾.
٣ - حصول الخزي والنكال والفضيحة العظيمة لهم: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهادُ:﴾
﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾.
٤ - كونهم ملعونين من عند الله: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾.
٥ - كونهم صادّين عن سبيل الله مانعين عن متابعة الحق: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾.
٦ - سعيهم في إلقاء الشبهات، وتعويج الدلائل المستقيمة: ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾.
٧ - كونهم كافرين: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾.
٨ - كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله: ﴿أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾.
٩ - إنهم ليس لهم أولياء يدفعون عنهم عذاب الله، فليست أصنامهم شفعاء عند الله: ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ﴾.
١٠ - مضاعفة العذاب لهم، لسعيهم في الإضلال ومنع الناس عن الدين، مع ضلالهم الشديد: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ﴾.
١١ - تعطيلهم وسائل الإيمان والمعرفة والاعتقاد الصحيح: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾.
١٢ - كونهم خاسرين أنفسهم لاشترائهم عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى:
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
الإعراب:
﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا﴾ بدل من ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ أو مفعول ﴿مُبِينٌ﴾ ويجوز أن تكون ﴿أَنْ﴾ مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.
﴿ما نَراكَ﴾ الكاف: مفعول أول. ﴿الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا﴾ فاعل ﴿اِتَّبَعَكَ﴾، و ﴿اِتَّبَعَكَ﴾ وفاعله: مفعول ثان لنراك إذا كان من رؤية القلب، وفي موضع الحال إذا كان من رؤية العين.
﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ منصوب على الظرف، أو في بادي الرأي، والعامل فيه: ﴿نَراكَ﴾ أي ما قبل إلا؛ لأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها. و ﴿بادِيَ﴾ بغير همز: اسم فاعل من بدا يبدو: إذا ظهر، أي: ظاهر الرأي، وقرئ بالهمز: من بدأ يبدأ، أي أول الرأي.
﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ أنلزم: يتعدى إلى مفعولين، الأول: الكاف والميم، والثاني: الهاء والألف، وأثبت الواو في: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾، ردا إلى الأصل؛ لأن الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها، كقولك:
المال لك وله. وحيث اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعا، وقدم الأعرف منهما، جاز في الثاني الفصل والوصل.
﴿وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ جملة اسمية في موضع الحال، و ﴿لَها﴾: في موضع نصب لأنه يتعلق بكارهون.
﴿تَزْدَرِي﴾ تقديره: تزدريهم، فحذف المفعول من الصلة وهو العائد، مثل: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ [الفرقان ٤١/ ٢٥] أي بعثه الله. وأصله: تزتري على وزن تفتعل، ثم أبدل من التاء دالا لقرب مخرجهما.
البلاغة:
﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ شبّه من لا يهتدي بالحجة لخفائها عليه بمن سلك الصحراء لا يعرف طرقها على سبيل الاستعارة التمثيلية.
﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ استفهام للإنكار والتقريع.
المفردات اللغوية:
﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ أي بأني لكم. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بيّن الإنذار، أبيّن لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص. ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا﴾ أي بألا تعبدوا. ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن عبدتم غيره ﴿عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ مؤلم في الدنيا والآخرة، وهو في الحقيقة صفة المعذّب، لكن يوصف به العذاب وزمانه على طريقة: جدّ جده، ونهاره صائم للمبالغة.
стр. 3595
﴿الْمَلَأُ﴾ الأشراف والزعماء. ﴿إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا﴾ لا فضل لك علينا، ولا مزية لك علينا تخصك بالنبوة ووجوب الطاعة. ﴿أَراذِلُنا﴾ أسافلنا وأخساؤنا وأصحاب الحرف الخسيسة والفقراء، جمع أرذل الذي هو جمع رذل، مثل كلب وأكلب وأكالب. ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ ظاهر الرأي من غير تعمق، من البدو، أو أول الرأي أو ابتداء الرأي من غير تفكر فيك، من البدء، أي في بدء الحكم عليك من أول وهلة ووقت حدوث أول رأيهم. وهو منصوب على الظرف، أي وقت حدوث أول رأيهم. ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي زيادة تؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة. ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ في ادعاء الرسالة والنبوة، وهذا الخطاب أدرجوا قومه معه فيه، وغلب المخاطب على الغائبين.
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني. ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي على حجة شاهدة بصحة دعواي الرسالة أو معجزة. ﴿وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي النبوة.
﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ خفيت عليكم فلم تهدكم، وحقه أن يقال: فعميتا، ولكن أفرد الضمير إما لأن البينة في نفسها هي الرحمة، أو لأن حذفها للاختصار أو الاقتصار على ذكره مرة، أو لأنه لكل واحدة من البينة والرحمة. ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ يعني أنجبركم أو أنكرهكم على قبولها والاهتداء بها.
﴿وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ لا تختارونها ولا تتأملون فيها، أي لا نقدر على ذلك.
﴿لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على التبليغ، وهو وإن لم يذكر فمعلوم مما ذكر. ﴿مالاً﴾ جعلا تعطونيه. ﴿إِنْ أَجرِيَ﴾ أى ما ثوابي المأمول. ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جواب لهم حين سألوا طردهم. ﴿إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ بالبعث، فيجازيهم ويأخذ لهم ممن ظلمهم وطردهم.
﴿تَجْهَلُونَ﴾ عاقبة أمركم. ﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ﴾ أي يمنعني من عذابه، أي لا ناصر لي إن طردتهم. ﴿أَفَلا﴾ فهلا. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون، فإن طردهم ليس بصواب.
﴿خَزائِنُ اللهِ﴾ أي خزائن رزقه أو أمواله حتى جحدتم فضلي. ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ عطف، أي ولا أقول لكم: أنا أعلم الغيب حتى تكذبوني، أو حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادي الرأي من غير بصيرة ولا تصميم قلبي. ﴿وَلا أَقُولُ: إِنِّي مَلَكٌ﴾ بل أنا بشر مثلكم. ﴿تَزْدَرِي﴾ تحتقر شأنهم لفقرهم. ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً﴾ أي فإن ما أعد الله لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا.
﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قلوبهم. ﴿إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي إن قلت شيئا من ذلك.
المناسبة:
بعد أن أثبت الله تعالى بعثة النبي ﷺ ، وأن القرآن وحي من الله تعالى، وبعد أن ذكر حال فريقي المؤمنين والكافرين المكذبين، وحض على الاعتبار
стр. 3596
والاتعاظ بالحالين بقوله: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ذكر مجموعة من قصص الأنبياء للعظة والتذكر، وبيان اشتراك النبي ﷺ مع من قبله من الأنبياء في الدعوة إلى أصول واحدة مشتركة بين الأنبياء، وهي عبادة الله وحده والإيمان بالبعث والجزاء، وتنبيها له على ملازمة الصبر على أذى الكفار إلى أن يكفيه الله أمرهم.
التفسير والبيان:
أول هذه القصص المذكورة هنا هي قصة نوح ﵇، وكان قد ذكر تعالى هذه القصة في سورة يونس، وأعاد ذكرها هنا لما فيها من عظات وفوائد، أهمها إعلام الكفار أن محمدا ﷺ كغيره من الرسل، جاء للدعوة إلى توحيد الله وإثبات البعث والحساب والجزاء.
وتضمنت قصة نوح هنا عدة عناصر هي:
وصف دعوته إجمالا، ومناقشة قومه والرد عليهم، واستعجالهم العذاب، وكيفية صنع نوح السفينة، وإغراقهم بالطوفان، ونجاة نوح ومن آمن معه، والتماس نوح إنجاء ابنه معه. وكان نوح ﵇ أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام.
والمعنى: تالله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه المشركين، فقال لهم: إني لكم نذير من الله ظاهر الإنذار، أنذركم عذابه وبأسه إن أنتم عبدتم غير الله، فآمنوا به وأطيعوا أمره، ولا تعبدوا غيره، ولا تشركوا به شيئا؛ لأني أخاف عذاب يوم القيامة، الذي هو عذاب شديد الألم.
ثم ذكر الله تعالى أجوبة قومه له وهي أربع شبهات:
الأولى- ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. أي قال السادة الكبراء من الكافرين منهم: ما أنت إلا بشر مثلنا، أي لست بملك، ولكنك بشر مشابه لنا في الجنس، فلا مزية تمتاز بها علينا تستوجب الطاعة.
стр. 3597
الثانية- ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ.﴾. أي ولم يتبعك إلا أراذل القوم الأخساء أصحاب الحرف الخسيسة كالزرّاع والصناع، وهم الفقراء والضعفاء، في بادئ الأمر وظاهره دون تأمل ولا تفكر ولا تدبر في عواقب الأمور. ولو كنت صادقا لاتبعك الأشراف والأكياس من الناس، كقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء ١١١/ ٢٦].
الثالثة- ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي ما رأينا لكم علينا امتيازا ظاهرا في فضيلة أو قوة أو ثروة أو علم أو عقل أو جاه أو رأي، يحملنا على اتباعكم: ﴿لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف ١١/ ٤٦].
الرابعة- ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ أي بل يترجح لدينا كذبكم في ادعائكم الصلاح والسعادة في الدار الآخرة. ويلاحظ أنهم أشركوا معه أتباعه في هذه الإجابة، وكان الخطاب لنوح ومن آمن معه.
ثم أخبر الله تعالى عن ردود نوح ﵇ على قومه الذين أثاروا تلك الشبهات، وغيرها مما لم يحكها القرآن وطواها، أو لم يقولوها ولكن كلامهم يستلزمها.
﴿قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ.﴾. قال نوح: يا قومي، أخبروني ماذا أفعل وما ترون؟ إن كنت على يقين وحجة ظاهرة فيما جئتكم به من ربي، يتبين لي بها أني على حق من عنده، وآتاني رحمة من عنده وهي النبوة والوحي، فعمّيت عليكم أي خفيت عليكم، فلم تهتدوا إليها، ولا عرفتم قدرها، بل بادرتم إلى تكذيبها وردها، أنكرهكم على قبولها ونغصبكم عليها، وأنتم لها كارهون، معرضون عنها، فلا يعقل الإكراه في الدين.
وهذا دليل النبوة والترفع عن آراء الجهال والسذّج.
﴿وَيا قَوْمِ، لا أَسْئَلُكُمْ.﴾. أي لا أطلب منكم على نصحي لكم مالا أي أجرا
стр. 3598
آخذه منكم، وإنما أجري على الله . وهذا قول تكرر صدوره من جميع الأنبياء بعد نوح، مثل هود وصالح وشعيب ومحمد ﵈.
﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. أي ليس من شأني طرد المؤمنين وتنحيتهم من مجلسي.
ويظهر من هذا أن أكابر الكفار كانوا يبغون تخصيصهم ببعض المزايا والامتيازات، كتخصيص مجلس خاص بهم، لا يلتقون فيه مع الضعفاء والفقراء، أنفة منهم وكبرا وترفعا، كما حدث تماما بين النبي محمد ﷺ وبين قومه قريش، فقال تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام ٥٢/ ٦].
﴿إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ إن هؤلاء الأتباع سيلقون ربهم وسيحاسبهم على أعمالهم، كما يحاسبكم، ويعاقب من طردهم، ولكني أراكم قوما تجهلون الحقائق وتترددون في ظلمات الجهل في استرذالكم لهم، وسؤالكم طردهم، فإن تفضيل الناس بعضهم على بعض إنما هو بالعمل الطيب والخلق الفاضل، لا بالثروة والمال والجاه كما تزعمون.
﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي..﴾. أي يا قوم من ينصرني من عذاب الله إن طردتهم، فذلك ظلم عظيم، كما قال تعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام ٥٢/ ٦] أفلا تذكّرون، أي أفلا تتعظون وتتفكرون فيما تقولون؟! ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ.﴾. أي لا تعني النبوة والرسالة أني أملك خزائن رزق الله تعالى، وأقدر على التصرف فيها، وإنما أنا بشر كغيري من الناس مؤيد بالمعجزات، أدعو إلى عبادة الله بإذنه، ولا أعلم من الغيب إلا ما أطلعني الله عليه، ولست ملكا من الملائكة، ولا أستطيع القول لهؤلاء الذين تحتقرونهم وتزدرونهم: لن ينالهم خير، وليس لهم ثواب على أعمالهم، وهو ما وعدهم الله به
стр. 3599
على الإيمان من سعادة الدنيا والآخرة، الله أعلم بما في صدورهم، فإن كان باطنهم كظاهر هم في الإيمان، فلهم الحسنى، وإن حكم إنسان على سرائرهم، كان ظالما قائلا ما لا علم له به.
والمقصود بالآية أن نوحا ﵇ أخبرهم بتذلله وتواضعه لله .
وفي هذا دلالة على الخط الفاصل بين الأنبياء وبين الزعماء، الأولون يهتمون بإرشاد الناس إلى ما فيه سعادتهم الدنيوية والأخروية دون إغراء بمال أو عطاء نفعي، والآخرون يعتمدون في كسب الأتباع على الوعود بالمنافع المادية وبذل الأموال رخيصة من أجل كسب تأييدهم.
وفيه دلالة على أن النبي بشر لا ملك، وأنه لا يعلم الغيب وإنما علمه عند الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا، إِلاّ ما شاءَ اللهُ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ، وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف ١٨٨/ ٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - دعوة نوح قومه كدعوة سائر الأنبياء إلى عبادة الله وإطاعته وحده لا شريك له، وترك عبادة الأصنام.
٢ - الاستمرار على الكفر أو عبادة الأصنام يوجب العذاب الأليم الموجع الشاق في الدار الآخرة.
٣ - إن الغالب في إعراض قوم نوح من الأشراف والسادة والكبراء كإعراض كل المكذبين الجاحدين مبني على أعذار واهية، رأسها الاستكبار والاستعلاء على بقية الناس من الفقراء والضعفاء الذين يتبعون الحق غالبا، كما قال تعالى:
﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها: إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣/ ٤٣].
стр. 3600
وهكذا يكون الغالب على ضعفاء الناس اتباع الحق، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته، كما ذكرت الآية: ﴿إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها.﴾. ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي ﷺ قال له فيما قال:
أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. فقال هرقل: هم أتباع الرسل.
٤ - قولهم: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ ليس بمذمة ولا عيب في الواقع؛ لأن الحق إذا وضح، لا يبقى للرأي ولا للفكر مجال، بل لا بد من اتباع الحق حينئذ لكل ذي عقل وذكاء، ولا يفكر عندئذ بالبعد عنه إلا غبي أو عيي، والرسل ﵈ إنما جاؤوا بأمر جلي واضح. جاء
في الحديث أن رسول الله ﷺ قال:
«ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر، فإنه لم يتلعثم» أي ما تردد ولا تروى؛ لرؤيته أمرا عظيما واضحا، فبادر إليه وسارع.
٥ - الأنبياء يتمسكون عادة بما ثبت لديهم يقينا من وحي الله تعالى، والنبوة والرسالة، ولو عارضهم أكثر الناس.
٦ - لا يلجأ الأنبياء عادة إلى إكراه أحد من الناس على قبول دعوتهم:
﴿أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ وهو استفهام بمعنى الإنكار، أي لا يمكنني أن أضطركم إلى الإيمان والمعرفة بها، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، أو النبوة والرحمة الإلهية أو البينة. وهذا أول نص يمنع الإكراه على الدين.
٧ - لا يصح عقلا وذوقا وأدبا طرد الأنبياء من يؤمنون بهم، لا لشيء إلا لأنهم فقراء ضعفاء، فلو فعل ذلك أحدهم فرضا لخاصموه عند الله، وجازاهم على إيمانهم، وجازى من طردهم، ولا يجد من ينصره ويمنعه من عذاب الله إن طردهم لأجل إيمانهم، ويكون طرد المؤمنين بصفة دائمة لطلب مرضاة الكفار من أصول المعاصي، ولا يقدم عليه نبي. والمقصود هو الطرد المطلق على سبيل التأبيد.
стр. 3601
٨ - خزائن الرزق في تصرف الله تعالى، والغيب لا يعلمه إلا الله ، ولا يقول نبي: إن منزلته عند الناس منزلة الملائكة.
٩ - احتج بعض العلماء بآية: ﴿وَلا أَقُولُ: إِنِّي مَلَكٌ﴾ على أن الملائكة أفضل من الأنبياء؟ لدوامهم على الطاعة، واتصال عباداتهم مذ خلقوا إلى يوم القيامة.
١٠ - الفضائل الحقيقة الروحانية ليست إلا ثلاثة أشياء: الاستغناء المطلق فلا أدعيه: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ﴾ والعلم التام: ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ والقدرة التامة الكاملة: ﴿وَلا أَقُولُ: إِنِّي مَلَكٌ﴾ والملائكة أكمل المخلوقات في القدرة والقوة.
والمقصود من ذكر هذه الأمور الثلاثة أنه ما حصل لنوح ﵇ إلا ما يليق بالقوة البشرية والطاقة الإنسانية، وأما الكمال المطلق فلا يدعيه.
١١ - إن استحقاق المؤمن ثواب الله تعالى لا يمنعه اعتراض أحد: ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً﴾ أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم، أو ينقص ثوابهم، الله أعلم بما في أنفسهم فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به.
استعجال قوم نوح العذاب ويأسه منهم
﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾
стр. 3602
الإعراب:
﴿إِنْ أَرَدْتُ﴾ شرط، وجواب الشرط دل عليه: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ وتقدير الكلام:
إن كان الله يريد أن يغويكم، فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي.
البلاغة:
﴿فَعَلَيَّ إِجْرامِي﴾ مجاز بالحذف، أي عقوبة إجرامي، على سبيل الفرض، بدليل استعمال كلمة ﴿إِنِ﴾ الدالة على الشك. وأما إجرامهم فهو محقق: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿جادَلْتَنا﴾ خاصمتنا. ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ فأطلته أو أتيت بأنواعه. ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ به من العذاب. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعوى النبوة، والوعيد، فإن مناظرتك لا تؤثر فينا. ﴿إِنْ شاءَ﴾ تعجيله لكم، أو تأجيله، فإن أمره إليه لا إلي. ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بدفع العذاب أو الهرب منه فلستم بفائتين الله تعالى.
﴿نُصْحِي﴾ النصح: قصد الخير للمنصوح وإخلاص القول والعمل له. ﴿أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي إغواءكم أي الإيقاع في الغيّ والفساد، وقيل: المراد أن يهلككم ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ خالقكم والمتصرف فيكم على وفق إرادته. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم على أعمالكم.
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ بل أيقول كفار مكة. ﴿اِفْتَراهُ﴾ اختلق محمد القرآن. ﴿فَعَلَيَّ إِجْرامِي﴾ أي عقوبة ذنبي ووباله. ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أي من إجرامكم في إسناد أو نسبة الافتراء إلي.
المناسبة:
بعد أن أجاب نوح قومه على شبهاتهم، أوردوا عليه أمرين: الأول-أنهم وصفوه بكثرة المجادلة، والثاني-أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به. ثم ذكر تعالى يأسه منهم، واعتراضا في القصة وهو براءة محمد من نسبة افترائهم إليه.
التفسير والبيان:
قال قوم نوح له: قد حاججتنا فأكثرت من ذلك، ونحن لا نتبعك، فأتنا بما تعدنا به من العذاب المعجل في الدنيا، إن كنت صادقا في دعواك أن الله
стр. 3603
يعذبنا على عصيانه في الدنيا قبل الآخرة، وهذا كقوله تعالى: ﴿قالَ: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً﴾ [نوح ٥/ ٧١ - ٦].
قال لهم نوح: إنما الذي يعاقبكم ويعجل تعذيبكم الله الذي لا يعجزه شيء، إن شاء عقابكم عاجلا أو آجلا، فما أنتم بمعجزين أي بفائتي الله ولا بمستطيعي الهرب من عذابه؛ لأنكم في قبضته وملكه وسلطانه.
ولا يفيدكم نصحي واجتهادي في إيمانكم، إن أراد الله إغواءكم أي إيقاعكم في الغي والضلال والفساد، ودماركم وهلاككم، هو ربكم أي خالقكم والمتصرف في أموركم، والحاكم العادل الذي لا يجور، وإليه ترجعون في الآخرة، فيجازيكم بما كنتم تعملون من خير أو شر.
ومعنى إرادة الله إغواءهم وإضلالهم: ربط الأسباب بالمسببات، لا خلقه للغواية والشقاوة فيهم، فإن ذلك منوط بالعمل والكسب، والنتائج متوقفة على المقدمات.
﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ.﴾.
هذا كلام معترض في وسط قصة نوح، مؤكد لها، مقرر لها، وهي حكاية لقوله مشركي مكة في تكذيب هذه القصص: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ﴾ بل يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون في مكة: إن محمدا افترى القرآن، أي اختلقه من قبل نفسه، ومنه ما أخبر به عن نوح وقومه، فرد الله معلما نبيه أن يقول لهم: إن افتريته فعلي عقوبة إثمي، وعذاب ذنبي، والاجرام: اقتراف المحظورات واكتسابها، وأنا بريء من آثامكم وذنوبكم، وسيجزيكم الله على أعمالكم، فجرمكم ليس مفتعلا ولا مفترى؛ لأني اعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه، فكل إنسان مسئول عن ذنبه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى، وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى، أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ
стр. 3604
ما سَعى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ [النجم ٣٦/ ٥٣ - ٤١].
ونظير الآية: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ: لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ٤١/ ١٠].
والأظهر أن قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ﴾ هو من محاورة نوح لقومه، كما قال ابن عباس؛ لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه، والخطاب منهم ولهم. وأنهم يقولون: افترى ما أخبركم به من دين الله وعقاب من أعرض عنه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الآتي:
١ - إن عناد الكفار وغباءهم وحماقتهم استوجب كل ذلك التنكر لدعوة النبي نوح ﵇، مهما أتى به من الأدلة المثبتة لتوحيد الله ووجوب طاعته وعبادته، وورّطهم في طلب تعجيل نقمة الله وعذابه وسخطه، والبلاء موكل بالمنطق.
٢ - الجدال في الدين لتقرير الأدلة وإزالة الشبهات أمر محمود، وهو حرفة الأنبياء، ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق، فمن قبله نجا، ومن ردّه خاب وخسر.
٣ - التقليد والجهل والإصرار على الباطل حرفة الكفار، والجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق أمر مذموم، وصاحبه في الدارين ملوم.
٤ - قوله تعالى: ﴿إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ رد على المعتزلة والقدرية ومن وافقهما الذين زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يعصي العاصي، ولا يكفر الكافر، ولا يغوي الغاوي، وأنه يفعل ذلك، والله لا يريد ذلك.
стр. 3605
والواقع أن الله هو الهادي والمضل، وإرادة الله يصح تعلقها بالإغواء، والمعنى أن الله يبين للناس طريق الهداية وطريق الضلال، ويختار الإنسان ما يشاء مع إرادة الله.
وكلام نوح ﵇ دليل على أنه تعالى ما أغواهم، بل فوض الاختيار إليهم من وجهين:
الأول-لو أراد الله تعالى إغواءهم، لما بقي في النصح فائدة، ولما أمر الله نوحا بأن ينصح الكفار، وأجمع المسلمون على أن نبينا كغيره من الأنبياء مأمور بدعوة الكفار ونصيحتهم.
الثاني-لو ثبت الحكم عليهم بأن الله تعالى أغواهم أو خلقهم غاوين ضالين، لصار هذا عذرا لهم في عدم إيمانهم، ولصار عمل نوح غير ذي موضوع ولا هدف، ولا داعي له، ولا فائدة منه؛ لأنه يسهل عليهم الاعتذار بذلك، والرد عليه بعدم جدوى دعواه.
والخلاصة: إن مبدأ أهل السنة أن الله تعالى قد يريد الكفر من الإنسان، ولكن لا يأمره بذلك، وإنما يأمره بالإيمان، وإذا أراد الكفر من العبد فإنه يمتنع صدور الإيمان منه.
٥ - كل إنسان مسئول عن نفسه، فإن افترى أو اختلق نبي الوحي والرسالة كما يزعم قومه المعادون له، فعليه عقاب إجرامه، وإن كان محقا فيما يقول، وهو الحق الأكيد، فعليهم عقاب تكذيبهم وسيئاتهم.
стр. 3606
نهي نوح عن الاغتمام بهلاك قومه وأمره بصنع السفينة
﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ (٤٠) وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾
الإعراب:
﴿نُوحٍ﴾ منصرف؛ لأنه خفيف، وإن كان فيه العجمة والتعريف.
﴿مِنْ قَوْمِكَ﴾ ﴿يُؤْمِنَ﴾ فاعل ﴿يُؤْمِنَ﴾. ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾ ﴿مَنْ﴾ موصولة، مفعول العلم.
﴿اِثْنَيْنِ﴾ في موضع نصب لأنه مفعول ﴿اِحْمِلْ﴾. و ﴿وَأَهْلَكَ﴾ معطوف عليه.
﴿مَنْ سَبَقَ﴾ منصوب على الاستثناء من ﴿أَهْلَكَ﴾.
﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ في موضع نصب؛ لأنه معطوف على اثنين، أو على أهلك.
стр. 3607
﴿مَجْراها﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول-أن يكون منصوبا على تقدير حذف ظرف مضاف إلى ذلك. ﴿وَمُرْساها﴾ عطف عليه، وتقديره: باسم الله وقت إجرائها وإرسائها، أي اركبوا فيها متبكرين باسم الله تعالى في هذين الوقتين. و ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ متعلق بمحذوف في موضع نصب على الحال من واو ﴿اِرْكَبُوا﴾. و ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ هو العامل في ﴿مَجْراها﴾.
الثاني-أن يكون ﴿مَجْراها﴾ مبتدأ، و ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ خبره، وتقديره: بسم الله إجراؤها وإرساؤها، والجملة حال من ضمير ﴿فِيها﴾.
والثالث-أن يكون ﴿مَجْراها﴾ في موضع رفع بالظرف، والظرف حال من هاء:
﴿فِيها﴾.
ومن قرأ ﴿مَجْراها وَمُرْساها﴾ جعله اسم فاعل من أجراها الله فهو مجري، وأرساها فهو مرسي، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو مجريها ومرسيها.
﴿إِلاّ قَلِيلٌ﴾ مرفوع بفعل: ﴿آمَنَ﴾ ولا يجوز نصبه على الاستثناء؛ لأن الكلام قبله لم يتم. والتعبير حصر بهم.
البلاغة:
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا﴾ كناية عن الرعاية والحفظ.
المفردات اللغوية:
﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ تحزن، أي لا تغتم بهلاكهم، وهذا يعني أن الله أيأسه أو أقنطه من إيمانهم، ونهاه أن يغتم بما فعلوه من التكذيب والإيذاء. ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ من الشرك، فدعا عليهم بقوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ [نوح ٢٦/ ٧١] فأجاب الله دعاءه.
﴿الْفُلْكَ﴾ السفينة، ويطلق على الواحد والجمع. ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ بحفظنا وعنايتنا ورعايتنا، على طريق التمثيل. ﴿وَوَحْيِنا﴾ إليك كيف تصنعها. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا بترك إهلاكهم والمقصود: لا تدعني برفع العذاب عنهم. ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ محكوم عليهم بالإغراق، فلا سبيل إلى كفه.
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ حكاية حال ماضية. ﴿مَلَأٌ﴾ جماعة. ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾ استهزءوا به لعمله السفينة، فإنه كان يعملها، في برية بعيدة عن الماء، فكانوا يضحكون منه ويقولون له: صرت نجارا بعد ما كنت نبيا. ﴿قالَ: إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ أي سنهزأ بكم إذا أخذكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة، ونجونا وتركناكم. وقيل: المراد بالسخرية: الاستجهال. ﴿عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ يذله ويفضحه. ﴿وَيَحِلُّ﴾ ينزل. ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم وهو عذاب النار.
стр. 3608
﴿حَتّى إِذا.﴾. ﴿حَتّى﴾ هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشرط والجزاء. فإن كانت غاية فهي غاية للصنع، أي لقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ أي وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد. ويكون ما بعد ﴿يَصْنَعُ﴾ من الكلام حالا من ﴿يَصْنَعُ﴾ كأنه قال:
يصنعها، والحال أنه كلما مر عليه ملأ من قومه، سخروا منه. وجواب ﴿كُلَّما﴾ إما ﴿سَخِرُوا﴾ وإما ﴿قالَ﴾ و ﴿سَخِرُوا﴾ بدل من ﴿مَرَّ﴾ أو صفة لملأ.
﴿جاءَ أَمْرُنا﴾ بإهلاكهم. ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ أي نبع الماء فيه وارتفع كالقدر تفور، و ﴿التَّنُّورُ﴾ تنور الخبز، ابتدأ منه النبع، على خرق العادة، وكان ذلك علامة لنوح. وكان في الكوفة في موضع مسجدها، أو في الهند، أو بعين وردة بأرض الجزيرة. وقيل: ﴿التَّنُّورُ﴾ وجه الأرض.
﴿اِحْمِلْ فِيها﴾ في السفينة. ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ أي ذكر وأنثى، أي من كل أنواعهما.
﴿اِثْنَيْنِ﴾ ذكرا وأنثى. جاء في القصة: إن الله حشر لنوح السباع والطير وغيرهما، فجعل يضرب بيديه في كل نوع، فتقع يده اليمنى على الذكر، واليسرى على الأنثى، فيحملها في السفينة.
﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي زوجته وأولاده. ﴿إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي منهم بالإهلاك والإغراق، وهو ولده كنعان وزوجته، وأخذ معه سام وحام ويافث وزوجاتهم الثلاثة.
﴿إِلاّ قَلِيلٌ﴾ قيل: كانوا ثمانين، نصفهم رجال ونصفهم نساء، وقيل: كانوا تسعة وسبعين:
زوجته المسلمة، وبنوه الثلاثة (سام وحام ويافث) ونساؤهم، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم.
﴿مَجْراها وَمُرْساها﴾ أي جريها ومنتهى سيرها. ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي لولا مغفرته للسيئات ورحمته بالعباد، لما أنجاكم، فهو رحيم حيث لم يهلكنا.
المناسبة:
الآيات تتمة لما ذكر قبلها، تتضمن الإعداد لإغراق قوم نوح وإهلاكهم، ومقابلة السخرية والتهكم بالتخطيط للنجاة وغرق القوم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى أنه أوحى إلى نوح أنه لن يؤمن أحد من قومك بدعوتك إلا من قد آمن سابقا، فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم، فدعا عليهم نوح عليه
стр. 3609
السلام بقوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ [نوح ٢٦/ ٧١].
واصنع الفلك أي السفينة أداة النجاة بأعيننا أي بمرأى منا وبرعايتنا وحفظنا وحراستنا، وبتعليمك بوحينا كيفية الصنع، حتى لا تخطئ، فقوله ﴿وَوَحْيِنا﴾ يعني تعليمنا لك ما تصنعه، ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير.
واستعمل القرآن تعبير الأعين لكمال العناية وتمام الرعاية في قوله تعالى لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه ٣٩/ ٢٠] وقوله للنبي محمد ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا﴾ [الطور ٤٨/ ٥٢].
﴿وَلا تُخاطِبْنِي..﴾. أي ولا تراجعني يا نوح ولا تدعني في شأن قومك ودفع العذاب عنهم بشفاعتك، فقد وجب عليهم العذاب، وتم الحكم عليهم بالإغراق. والمقصود ألا تأخذك بهم رأفة ولا شفقة.
وبدأ يصنع السفينة، وكلما مر عليه جماعة من أشراف قومه، استهزءوا منه ومن عمله السفينة، وكذبوا بما توعدهم به من الغرق. قال نوح متوعدا بوعيد شديد وتهديد أكيد: إن تسخروا منا لصنع ما نصنع مما لا يفيد شيئا في ظنكم، فإنا نسخر منكم في المستقبل حين الغرق، كما تسخرون منا الآن، أي نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا، والحرق في الآخرة.
فسوف تعلمون قريبا بعد تمام عملنا من يأتيه عذاب يهينه في الدنيا، وهو عذاب الغرق، ويحل عليه عذاب مقيم، أي دائم مستمر أبدا في الآخرة.
﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا.﴾. أي حتى إذا حان وقت أمرنا بالهلاك من الأمطار المتتابعة، وفار التنور أي نبع الماء من التنور، موقد الخبز، وارتفع كما تفور القدر بغليانها، والفوران: الغليان، وكان ذلك علامة لنوح ﵇،
стр. 3610
وعن ابن عباس: التنور وجه الأرض، أي صارت الأرض عيونا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار، صارت تفور ماء. وهذا هو المعنى الأول؛ لأن العرب تسمي وجه الأرض تنورا، قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً، فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر ١١/ ٥٤ - ١٣].
وقلنا لنوح حينئذ: احمل في السفينة من كل نوع من أنواع الحيوان زوجين اثنين: ذكرا وأنثى، للحفاظ على أصل النوع الحيواني. واحمل فيها أهلك أي أهل بيتك من الذكور والإناث إلا أمرأتك وابنك: يام أو كنعان، وهما من سبق عليه القول أنه من أهل النار، للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه، تعالى الله عن ذلك.
وخذ معك من آمن من قومك، وإن لم يؤمن إلا عدد قليل، أو نزر يسير، مع طول المدة ودعوتهم إلى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاما. قيل: كانوا ستة أو ثمانية رجال، ونساءهم: نوحا ﵇ وأهله وأبناءه الثلاثة وأزواجهم، وقال ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا، منهم نساؤهم.
ولم ير الحق حاجة لبيان العدد لقلتهم التي لا تستحق الذكر، ولم يبين أنواع الحيوان المحمولة ولا كيفية حملها، فذلك متروك للبشر.
﴿وَقالَ: اِرْكَبُوا فِيها﴾ أخبر تعالى عن نوح ﵇ أنه قال لمن حملهم معه في السفينة: بسم الله يكون جريها على سطح الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوها، أي بتسخيره تعالى وقدرته يكون مجراها ومرساها، لا بقوتنا.
إن ربي غفور لذنوب عباده رحيم بهم، فلولا مغفرته لذنوبكم ورحمته بكم لما نجاكم فقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي لأهل السفينة.
أخرج الطبراني عن