Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
نهي نوح عن الاغتمام بهلاك قومه وأمره بصنع السفينة
﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ (٤٠) وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾
الإعراب:
﴿نُوحٍ﴾ منصرف؛ لأنه خفيف، وإن كان فيه العجمة والتعريف.
﴿مِنْ قَوْمِكَ﴾ ﴿يُؤْمِنَ﴾ فاعل ﴿يُؤْمِنَ﴾. ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾ ﴿مَنْ﴾ موصولة، مفعول العلم.
﴿اِثْنَيْنِ﴾ في موضع نصب لأنه مفعول ﴿اِحْمِلْ﴾. و ﴿وَأَهْلَكَ﴾ معطوف عليه.
﴿مَنْ سَبَقَ﴾ منصوب على الاستثناء من ﴿أَهْلَكَ﴾.
﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ في موضع نصب؛ لأنه معطوف على اثنين، أو على أهلك.
стр. 3607
﴿مَجْراها﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول-أن يكون منصوبا على تقدير حذف ظرف مضاف إلى ذلك. ﴿وَمُرْساها﴾ عطف عليه، وتقديره: باسم الله وقت إجرائها وإرسائها، أي اركبوا فيها متبكرين باسم الله تعالى في هذين الوقتين. و ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ متعلق بمحذوف في موضع نصب على الحال من واو ﴿اِرْكَبُوا﴾. و ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ هو العامل في ﴿مَجْراها﴾.
الثاني-أن يكون ﴿مَجْراها﴾ مبتدأ، و ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ خبره، وتقديره: بسم الله إجراؤها وإرساؤها، والجملة حال من ضمير ﴿فِيها﴾.
والثالث-أن يكون ﴿مَجْراها﴾ في موضع رفع بالظرف، والظرف حال من هاء:
﴿فِيها﴾.
ومن قرأ ﴿مَجْراها وَمُرْساها﴾ جعله اسم فاعل من أجراها الله فهو مجري، وأرساها فهو مرسي، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو مجريها ومرسيها.
﴿إِلاّ قَلِيلٌ﴾ مرفوع بفعل: ﴿آمَنَ﴾ ولا يجوز نصبه على الاستثناء؛ لأن الكلام قبله لم يتم. والتعبير حصر بهم.
البلاغة:
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا﴾ كناية عن الرعاية والحفظ.
المفردات اللغوية:
﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ تحزن، أي لا تغتم بهلاكهم، وهذا يعني أن الله أيأسه أو أقنطه من إيمانهم، ونهاه أن يغتم بما فعلوه من التكذيب والإيذاء. ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ من الشرك، فدعا عليهم بقوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ [نوح ٢٦/ ٧١] فأجاب الله دعاءه.
﴿الْفُلْكَ﴾ السفينة، ويطلق على الواحد والجمع. ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ بحفظنا وعنايتنا ورعايتنا، على طريق التمثيل. ﴿وَوَحْيِنا﴾ إليك كيف تصنعها. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا بترك إهلاكهم والمقصود: لا تدعني برفع العذاب عنهم. ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ محكوم عليهم بالإغراق، فلا سبيل إلى كفه.
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ حكاية حال ماضية. ﴿مَلَأٌ﴾ جماعة. ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾ استهزءوا به لعمله السفينة، فإنه كان يعملها، في برية بعيدة عن الماء، فكانوا يضحكون منه ويقولون له: صرت نجارا بعد ما كنت نبيا. ﴿قالَ: إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ أي سنهزأ بكم إذا أخذكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة، ونجونا وتركناكم. وقيل: المراد بالسخرية: الاستجهال. ﴿عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ يذله ويفضحه. ﴿وَيَحِلُّ﴾ ينزل. ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم وهو عذاب النار.
стр. 3608
﴿حَتّى إِذا.﴾. ﴿حَتّى﴾ هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشرط والجزاء. فإن كانت غاية فهي غاية للصنع، أي لقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ أي وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد. ويكون ما بعد ﴿يَصْنَعُ﴾ من الكلام حالا من ﴿يَصْنَعُ﴾ كأنه قال:
يصنعها، والحال أنه كلما مر عليه ملأ من قومه، سخروا منه. وجواب ﴿كُلَّما﴾ إما ﴿سَخِرُوا﴾ وإما ﴿قالَ﴾ و ﴿سَخِرُوا﴾ بدل من ﴿مَرَّ﴾ أو صفة لملأ.
﴿جاءَ أَمْرُنا﴾ بإهلاكهم. ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ أي نبع الماء فيه وارتفع كالقدر تفور، و ﴿التَّنُّورُ﴾ تنور الخبز، ابتدأ منه النبع، على خرق العادة، وكان ذلك علامة لنوح. وكان في الكوفة في موضع مسجدها، أو في الهند، أو بعين وردة بأرض الجزيرة. وقيل: ﴿التَّنُّورُ﴾ وجه الأرض.
﴿اِحْمِلْ فِيها﴾ في السفينة. ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ أي ذكر وأنثى، أي من كل أنواعهما.
﴿اِثْنَيْنِ﴾ ذكرا وأنثى. جاء في القصة: إن الله حشر لنوح السباع والطير وغيرهما، فجعل يضرب بيديه في كل نوع، فتقع يده اليمنى على الذكر، واليسرى على الأنثى، فيحملها في السفينة.
﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي زوجته وأولاده. ﴿إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي منهم بالإهلاك والإغراق، وهو ولده كنعان وزوجته، وأخذ معه سام وحام ويافث وزوجاتهم الثلاثة.
﴿إِلاّ قَلِيلٌ﴾ قيل: كانوا ثمانين، نصفهم رجال ونصفهم نساء، وقيل: كانوا تسعة وسبعين:
زوجته المسلمة، وبنوه الثلاثة (سام وحام ويافث) ونساؤهم، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم.
﴿مَجْراها وَمُرْساها﴾ أي جريها ومنتهى سيرها. ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي لولا مغفرته للسيئات ورحمته بالعباد، لما أنجاكم، فهو رحيم حيث لم يهلكنا.
المناسبة:
الآيات تتمة لما ذكر قبلها، تتضمن الإعداد لإغراق قوم نوح وإهلاكهم، ومقابلة السخرية والتهكم بالتخطيط للنجاة وغرق القوم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى أنه أوحى إلى نوح أنه لن يؤمن أحد من قومك بدعوتك إلا من قد آمن سابقا، فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم، فدعا عليهم نوح عليه
стр. 3609
السلام بقوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ [نوح ٢٦/ ٧١].
واصنع الفلك أي السفينة أداة النجاة بأعيننا أي بمرأى منا وبرعايتنا وحفظنا وحراستنا، وبتعليمك بوحينا كيفية الصنع، حتى لا تخطئ، فقوله ﴿وَوَحْيِنا﴾ يعني تعليمنا لك ما تصنعه، ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير.
واستعمل القرآن تعبير الأعين لكمال العناية وتمام الرعاية في قوله تعالى لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه ٣٩/ ٢٠] وقوله للنبي محمد ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا﴾ [الطور ٤٨/ ٥٢].
﴿وَلا تُخاطِبْنِي..﴾. أي ولا تراجعني يا نوح ولا تدعني في شأن قومك ودفع العذاب عنهم بشفاعتك، فقد وجب عليهم العذاب، وتم الحكم عليهم بالإغراق. والمقصود ألا تأخذك بهم رأفة ولا شفقة.
وبدأ يصنع السفينة، وكلما مر عليه جماعة من أشراف قومه، استهزءوا منه ومن عمله السفينة، وكذبوا بما توعدهم به من الغرق. قال نوح متوعدا بوعيد شديد وتهديد أكيد: إن تسخروا منا لصنع ما نصنع مما لا يفيد شيئا في ظنكم، فإنا نسخر منكم في المستقبل حين الغرق، كما تسخرون منا الآن، أي نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا، والحرق في الآخرة.
فسوف تعلمون قريبا بعد تمام عملنا من يأتيه عذاب يهينه في الدنيا، وهو عذاب الغرق، ويحل عليه عذاب مقيم، أي دائم مستمر أبدا في الآخرة.
﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا.﴾. أي حتى إذا حان وقت أمرنا بالهلاك من الأمطار المتتابعة، وفار التنور أي نبع الماء من التنور، موقد الخبز، وارتفع كما تفور القدر بغليانها، والفوران: الغليان، وكان ذلك علامة لنوح ﵇،
стр. 3610
وعن ابن عباس: التنور وجه الأرض، أي صارت الأرض عيونا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار، صارت تفور ماء. وهذا هو المعنى الأول؛ لأن العرب تسمي وجه الأرض تنورا، قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً، فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر ١١/ ٥٤ - ١٣].
وقلنا لنوح حينئذ: احمل في السفينة من كل نوع من أنواع الحيوان زوجين اثنين: ذكرا وأنثى، للحفاظ على أصل النوع الحيواني. واحمل فيها أهلك أي أهل بيتك من الذكور والإناث إلا أمرأتك وابنك: يام أو كنعان، وهما من سبق عليه القول أنه من أهل النار، للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه، تعالى الله عن ذلك.
وخذ معك من آمن من قومك، وإن لم يؤمن إلا عدد قليل، أو نزر يسير، مع طول المدة ودعوتهم إلى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاما. قيل: كانوا ستة أو ثمانية رجال، ونساءهم: نوحا ﵇ وأهله وأبناءه الثلاثة وأزواجهم، وقال ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا، منهم نساؤهم.
ولم ير الحق حاجة لبيان العدد لقلتهم التي لا تستحق الذكر، ولم يبين أنواع الحيوان المحمولة ولا كيفية حملها، فذلك متروك للبشر.
﴿وَقالَ: اِرْكَبُوا فِيها﴾ أخبر تعالى عن نوح ﵇ أنه قال لمن حملهم معه في السفينة: بسم الله يكون جريها على سطح الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوها، أي بتسخيره تعالى وقدرته يكون مجراها ومرساها، لا بقوتنا.
إن ربي غفور لذنوب عباده رحيم بهم، فلولا مغفرته لذنوبكم ورحمته بكم لما نجاكم فقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي لأهل السفينة.
أخرج الطبراني عن
стр. 3611
الحسين بن علي ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا: بسم الله الملك الرحمن الرحيم: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها، إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾».
وفي رواية أخرى لأبي القاسم الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:
«أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك الرحمن:
﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ.﴾. الآية. ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها.﴾. الآية».
وذكر المغفرة والرحمة بعد ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين هو في الجملة شأن القرآن في بيان الأضداد والمتقابلات، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف ١٦٧/ ٧] وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [الرعد ٦/ ١٣] ونحو ذلك من الآيات التي تقرن بين الرحمة والانتقام.
وذكر آية المغفرة والرحمة هنا في وقت الإهلاك وإظهار القهر لبيان فضل الله على عباده الذين نجاهم، فهم في جميع الأحوال بحاجة إلى إعانة الله وفضله وإحسانه، والإنسان لا ينفك عادة عن أنواع الزلات والخطايا، فإن نجاتهم لا ببركة علمهم كما قد يظنون، وإنما بمحض فضل الله، لإزالة العجب منهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
١ - الإياس من إيمان قوم نوح واستدامة كفرهم، تحقيقا لنزول الوعيد بهم.
وهذا يدل على صحة قول أهل السنة في القضاء والقدر، فإنه تعالى أخبر عن قوم نوح أنهم لا يؤمنون، ولا بد أن يقع ما يتفق مع هذا الخبر، وإلا انقلب علم الله جهلا وكذبا، وذلك محال.
стр. 3612
٢ - لطف الله بنبيه نوح، إذ أخبره قبل الهلاك بألا يغتم بهلاك قومه، حتى لا يصبح بائسا حزينا.
٣ - أول سفينة عبرت البحر هي سفينة نوح، وكان صنعها برعاية الله وتعليمه نوحا كيفية الصنع. والمقصود من ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ معنى الإدراك والإحاطة، لا التجسيم؛ لأنه سبحانه منزه عن الحواسّ والتشبيه والتكييف، لا ربّ غيره.
واتخذ نوح ﵇ السفينة في سنتين، كما قال ابن عباس، وقيل: في ثلاثين سنة، كما قال كعب، وقيل في مائة سنة كما ذكر زيد بن أسلم. وجاء في الخبر أن الملائكة كانت تعلّمه كيف يصنعها. أما طولها وعرضها فعن ابن عباس:
كان طولها ثلاث مائة ذراع، وعرضها خمسون، وسمكها ثلاثون ذراعا؛ وكانت من خشب الساج.
٤ - من الغباوة سخرية الناس من نبي يوحي إليه فيما يفعل، وسخريتهم إما بقولهم: يا نوح صرت بعد النبوة نجارا، وإما لأنهم لم يشاهدوا سفينة تبنى وتجري على الماء. وسخرية نوح كانت عند الغرق، والمراد بالسخرية الاستجهال؛ أي إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلونا.
٥ - ماء الطوفان جاء من السماء: ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ﴾ وفوران التنور على وجه الأرض كان علامة.
٦ - من رحمة الله بخلقه نجاة نوح ومن آمن معه من قومه، وهم ثمانون إنسانا، منهم ثلاثة من بنيه: سام وحام ويافث وزوجاتهم. ومن فضله تعالى الحفاظ على أصل الثروة الحيوانية، إذ أمر الله نوحا ﵇ باصطحاب الحيوانات من كل شيء زوجين ذكر وأنثى.
٧ - الآية دليل على ذكر البسملة عند ابتداء كل فعل.
стр. 3613
انتهاء الطوفان ونجاة السفينة وهلاك ابن نوح
مع استشفاع أبيه
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ اِرْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاِسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤٤) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧)﴾
الإعراب:
﴿لا عاصِمَ﴾ اسم ﴿لا﴾، وخبرها: ﴿مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾، وهو متعلق بمحذوف، تقديره:
لا ذا عصمة كائن من أمر الله. ﴿الْيَوْمَ﴾ معمول الظرف، وإن تقدم عليه، كقولهم: كلّ يوم لك درهم. أي في اليوم.
﴿مَنْ رَحِمَ﴾ منصوب على أنه استثناء منقطع؛ لأن ﴿عاصِمَ﴾ فاعل، و ﴿مَنْ رَحِمَ﴾ مفعول. وقيل: ﴿لا عاصِمَ﴾ بمعنى معصوم، فلا يكون ﴿مَنْ رَحِمَ﴾ استثناء منقطعا، وإنما هو
стр. 3614
بدل مرفوع من ﴿عاصِمَ﴾. والتقدير: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم أي الراحم، وهو الله تعالى.
﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ يعود الضمير إلى السؤال، أي إن سؤالك أن أنجي كافرا عمل غير صالح، أو يعود إلى الابن، والمراد: إنه ذو عمل غير صالح، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ومن قرأه ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ جعله فعلا ماضيا، ونصب ﴿غَيْرُ﴾ على أنه مفعول به، وهذه القراءة تدل على أن الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ يعود على الابن.
﴿فَلا تَسْئَلْنِ﴾ الأصل فيه أن تأتي بثلاث نونات: نوني التوكيد ونون الوقاية، فاجتمعت ثلاث نونات فاستثقلوا اجتماعها، فحذفوا الوسطى؛ لأن نون الوقاية لا تحذف، وكسرت الشديدة للياء، ثم حذفت اكتفاء بالكسرة.
البلاغة:
﴿يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ بين الأرض والسماء طباق، وبين ابلعي وأقلعي جناس ناقص.
قال أبو حيان: في هذه الآية و، حد وعشرون نوعا من البديع بالرغم من أن ألفاظها تسع عشرة لفظة: المناسبة في قوله: ﴿أَقْلِعِي﴾ و ﴿اِبْلَعِي﴾، والمطابقة بذكر الأرض والسماء، والمجاز في قوله ﴿يا سَماءُ﴾ المراد مطر السماء.
والاستعارة في قوله: ﴿أَقْلِعِي﴾، والإشارة في قوله ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾ فإنها إشارة إلى معان كثيرة، والتمثيل في قوله: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ عبر بالأمر عن إهلاك الهالكين ونجاة الناجين، والإرداف في قوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ فلفظ ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ كلام تام، أردفه بقوله ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ قصدا للمبالغة في التمكن بهذا المكان، والتعليل في قوله: ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾ فإنه علة للاستواء، والاحتراس في قوله: ﴿وَقِيلَ: بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وهو أيضا ذم لهم ودعاء عليهم، والإيضاح بقوله ﴿الظّالِمِينَ﴾ أي القوم الذين سبق ذكرهم في قوله: ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ..﴾.
فالألف واللام في القوم للعهد، والمساواة ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ فلفظها مساو لمعناها، وحسن النّسق، لعطف قضايا بعضها على بعض، والإيجاز لذكر القصة باللفظ القصير مستوعبا للمعاني الجمة، والتسهيم؛ لأن أول الآية ﴿يا أَرْضُ ابْلَعِي﴾ فاقتضى آخرها ﴿وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ والتهذيب؛ لأن مفردات الألفاظ موصوفة بكمال الحسن، والتمكين؛ لأن الفاصلة مستقرة في قرارها، والتجنيس في قوله ﴿أَقْلِعِي﴾ و ﴿اِبْلَعِي﴾ والمقابلة في قوله: ﴿يا أَرْضُ ابْلَعِي﴾ ﴿وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ والذم في قوله:
стр. 3615
﴿بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ والوصف: قص القصة ووصفها بأحسن وصف (النهر الماد من البحر لأبي حيان: ٢٢٧/ ٥) بهامش البحر المحيط.
المفردات اللغوية:
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ متصل بمحذوف دل عليه: ﴿اِرْكَبُوا﴾ أي فركبوا مسمين، وهي تجري وهم فيها ﴿مَوْجٍ﴾ جمع موجة: وهي ما يرتفع من الماء الكثير عند اضطرابه ﴿كَالْجِبالِ﴾ في الارتفاع والعظم ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كنعان ﴿وَكانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ عن السفينة عزل فيه نفسه عن أبيه أو عن دينه ﴿سَآوِي﴾ سألجأ ﴿يَعْصِمُنِي﴾ يمنعني ويحفظني ﴿مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ عذاب ﴿إِلاّ﴾ لكن ﴿مَنْ رَحِمَ﴾ الله، فهو المعصوم ﴿اِبْلَعِي ماءَكِ﴾ اشربي الماء الذي نبع منك، فشربته دون ما نزل من السماء، فصار أنهارا وبحارا ﴿أَقْلِعِي﴾ أمسكي عن المطر، فأمسكت.
﴿وَغِيضَ﴾ نقص ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ تم أمر هلاك قوم نوح الكافرين وإنجاء المؤمنين ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ وقفت واستقرت السفينة ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ جبل بالجزيرة بقرب الموصل في ديار بكر. وهذا النداء والخطاب بالأمر استعارة مجازية ﴿بُعْداً﴾ هلاكا ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الكافرين.
والآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال، مع الإيجاز الخالي عن الإخلال. وإيراد الأخبار للمجهول للدلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه.
﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ إن كنعان من أهلي وقد وعدتني بنجاتهم ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا خلف فيه ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ أعلمهم وأعدلهم.
﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الناجين أو ليس من أهل دينك. قال ابن عباس: كان ابنه من صلبه، ولكنه لم يكن مؤمنا، وما بغت امرأة نبي قط. ومعنى الآية: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك. ﴿إِنَّهُ﴾ أي سؤالك إياي بنجاته أو إن ابنك ذو عمل غير صالح، فإنه كافر، ولا نجاة للكافرين. وفي قراءة بكسر ميم ﴿عَمَلٌ﴾ ونصب غير، فالضمير لابنه ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ من إنجاء ابنك ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ بسؤالك ما لم تعلم؛ لأن استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دله على الحال، وأغناه عن السؤال، لكن أشغله حب الولد عنه، حتى اشتبه عليه الأمر.
﴿أَنْ أَسْئَلَكَ﴾ في المستقبل ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ ما لا علم لي بصحته ﴿وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي﴾ ما فرط مني من السؤال ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بالتوبة والتفضل علي ﴿أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أعمالا.
المناسبة:
بعد أن أمر نوح ﵇ أهله والمؤمنين بركوب السفينة قائلين: بسم
стр. 3616
الله، أعقبه بتصوير إلهي رائع لسير السفينة وسط المياه ذات الأمواج العظيمة، بسبب الرياح الشديدة العاصفة، وبقصد بيان شدة الهول والفزع.
التفسير والبيان:
السفينة تجري بسرعة، سائرة بهم على وجه الماء الذي قد طبق جميع الأرض، حتى طفت على رؤوس الجبال، وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعا، وقيل: بثمانين ميلا.
إنها تجري بهم وسط أمواج كالجبال الشاهقة في ارتفاعها وعظم حجمها، وهذا يدل على حصول رياح عاصفة شديدة حينذاك، والمقصود: بيان شدة الهول والفزع.
وهي تسير بإذن الله وتحت كنفه ورعايته وحراسته، كما قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ، لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة ١١/ ٦٩ - ١٢] وقال سبحانه: ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنا، جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ. وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٣/ ٥٤ - ١٥].
واستولت الشفقة وعاطفة الأبوة على نوح، فنادى ابنه وهو الابن الرابع، واسمه يام أو كنعان، وكان في مكان منعزل عنه، وكان كافرا دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم، ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون، ناداه بقوله: يا بني اركب معنا الفلك، ولا تكن مع الكافرين الهالكين.
فرد الابن العاصي عليه قائلا: سآوي وأصير إلى جبل يحفظني من الغرق في الماء، ظنا منه أنه ماء سيل عادي يمكن النجاة منه بالتحصن في مكان عال أو جبل شامخ.
فأجابه نوح ﵇: ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله وعذابه الذي
стр. 3617
يعاقب به الكافرين، لكن يحفظ من رحم الله، ومن ﵀ فهو المعصوم، أي إلا مكان من رحم الله من المؤمنين، وكان لهم غفورا رحيما، غفورا لذنوبهم رحيما بهم إذا تابوا وأنابوا. أو إلا الراحم وهو الله، وقيل: إن عاصما بمعنى معصوم، كما يقال: طاعم وكاس، بمعنى مطعوم ومكسو.
وحال الماء الذي بدأ يرتفع بين الوالد والولد أثناء النقاش فكان من المغرقين الهالكين.
وما أدهش هذا المنظر الرهيب، ماء ينهمر من السماء، وأرض تتفجر بالمياه، فيرتفع حتى يغطي أعالي الجبال، ويغمر الأرض.
ولما أغرق أهل الأرض كلهم إلا أصحاب السفينة، أمر الله الأرض أن تبلغ ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر، وتم النداء العلوي: يا أرض ابلعي ماءك الذي تفجر منك، ويا سماء كفّي عن المطر، فغاض الماء، أي نقص، امتثالا للأمر، وقضي الأمر، أي وأنجز ما وعد الله نوحا من هلاك قومه الظالمين، واستقرت السفينة بمن فيها على جبل الجودي بالجزيرة شمال العراق، في الموصل، وقيل: هلاكا وخسارا للقوم الظالمين، وبعدا من رحمة الله، فإنهم قد هلكوا عن آخرهم، فلم يبق لهم بقية، بسبب ظلمهم وكفرهم.
واستبدت العاطفة مرة أخرى بنوح على ابنه، فسأل ربه سؤال تسليم وكشف عن حال ولده، فقال مناديا ربه: رب إن ابني من أهلي، وقد وعدتني بنجاتهم، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فما مصيره، وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم بالحق، فحكمك يصدر عن كمال العلم والحكمة، وتمام العدل والصواب، حكمت على قوم بالنجاة، وعلى قوم بالغرق.
فأجابه ربه: يا نوح إن ابنك ليس من أهلك الذين وعدت بإنجائهم؛ لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، وابنك ذو عمل غير صالح، أي تنكر
стр. 3618
لدعوة الهدى والصلاح، وانضم مع الكافرين وهذا تعليل لانتفاء كونه من أهله، قال الجمهور: ليس من أهل دينك ولا ولايتك.، فهو على حذف مضاف.
فلا تطلب مني شيئا ليس لك به علم صحيح، ولا تلتمس مني التماسا لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه.
إني أنهاك أن تكون من فئة الجاهلين الذين يطلبون إبطال حكمته وحكمه وتقديره في خلقه، رعاية لأهوائهم، ومجمل المعنى: أنهاك عن هذا السؤال وأحذرك أن تكون من الآثمين.
وقد تضمن دعاؤه معنى السؤال أو سمي نداؤه سؤالا، ولا سؤال فيه، أي وإن لم يصرح به؛ لأن ذكر الوعد بنجاة أهله من الغرق استنجاز له، فرتب عليه طلب نجاة ابنه. وجعل سؤال ما لا يعرف كنهه جهلا وغباوة، ووعظه ألا يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين.
وفي الآية دلالة على أن العبرة بقرابة الدين، لا بقرابة النسب، وأن حكم الله في خلقه قائم على العدل المطلق دون محاباة نبي أو ولي، وأن الأنبياء قد يخطئون في اجتهادهم، ويعد ذلك ذنبا بالنظر إلى مقامهم الرفيع وتمام معرفتهم بربهم، وأنه لا يجوز الدعاء بطلب ما يغاير سنن الله في خلقه، وأن من الجهالة أن يدعو ولي بما نهي عنه الأنبياء.
وهذا يدل على غاية التقريع ونهاية الزجر، وعلى جعل الجهل كناية عن الذنب، وهو أمر مشهور في القرآن، كما قالت تعالى: ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [البقرة ٦٧/ ٢] وقال: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء ١٧/ ٤].
ويحمل كل ما صدر من نوح وغيره من خطأ الاجتهاد على ترك الأفضل والأكمل، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، وبناء عليه حصل العتاب والأمر
стр. 3619
بالاستغفار، ولا يدل هذا الأمر على سابقة ذنب، مثل: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ..﴾. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر ١/ ١١٠ و ٣] ومعلوم أن مجيء نصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجا، ليست بذنب يوجب الاستغفار، وقال تعالى:
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ [محمد ١٩/ ٤٧] وليس جميعهم مذنبين، فدل ذلك على أن الاستغفار قد يكون بسبب ترك الأفضل.
لذا طلب نوح المغفرة من ربه، فقال: ﴿قالَ: رَبِّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ.﴾.
أي قال نوح: رب إني التجئ إليك وأستعيذ بك وبجلالك أن أسألك ما ليس لي به علم صحيح، وإن لم تغفر لي ذنب سؤالي هذا، وترحمني بقبول توبتي وإنابتي، أكن من الخاسرين أعمالا.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات العبر والعظات التالية:
١ - إجراء السفن في البحار بقدرة الله تعالى وإرادته، وحفظه ورعايته.
٢ - لن يحقق العناد والاستكبار فائدة أو مصلحة لمن يتصف بهما، فقد أغرق الله ابن نوح واسمه كنعان، وقيل: يام؛ لأنه كان كافرا، ولم يستفد شيئا من الاعتصام بأعالي الجبال، فإذا وقع العذاب العام على الكفار فلا مانع منه؛ لأنه يوم حقّ فيه ذلك العذاب، إلا من ﵀، فهو يعصمه.
٣ - آية ﴿وَقِيلَ: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ..﴾. في أعلى مستوى البلاغة والفصاحة والإيجاز، لما فيها من التعبير عن قضايا كثيرة تحتاج إلى بيان صاف، بعبارة محكمة موجزة، محققة لأغراض عديدة، وذات ألوان بيانية بلاغية وآفاق متنوعة.
٤ - إنما سأل نوح ﵇ ربه ودعا لإنجاء ابنه، لوعده تعالى له بإنجاء أهله في قوله: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ وترك قوله: ﴿إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ بدليل
стр. 3620
قوله له: ﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ﴾ أي لا تكن منهم؛ لأنه كان عنده مؤمنا في ظنه؛ إذ محال أن يسأل هلاك الكفار، ثم يسأل في إنجاء بعضهم؛ وكان ابنه يسرّ الكفر ويظهر الإيمان، فأخبر الله تعالى نوحا بما تفرد به من علم الغيوب، أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت. وقال الحسن: كان منافقا؛ ولذلك استحل نوح أن يناديه. وعنه أيضا: كان ابن امرأته، بدليل
قراءة عليّ:
«ونادى نوح ابنها» لكنها قراءة شاذة، فلا نترك المتفق عليها، والصحيح أنه كان ابنه، لكن ليس على منهج أبيه في الدين والإيمان والاستقامة.
٥ - لم يعص نوح الله تعالى فيما سأل من إنجاء ابنه، وإنما كان خطأ في الاجتهاد، بنية حسنة، وعدّ هذا ذنبا؛ لأنه ما كان ينبغي لأمثاله من أهل العلم الصحيح الوقوع في هذا الخطأ غير المقصود، وترك الأفضل والأكمل، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، لذا عاتبه الله تعالى وأمره بالاستغفار.
٦ - إن رابطة الدين أقوى من رابطة النسب، ولا علاقة للصلاح والتقوى بالوارثة والأنساب، لذا نجى الله المؤمنين من قوم نوح، وأهلك ابنه وزوجته مع الكافرين. والصحيح أنه كان ابنه، ولكن كان مخالفا في النية والعمل والدّين، لذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾.
٧ - هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم، وإن كانوا صالحين. وفيها أيضا دليل على أن الابن من الأهل لغة وشرعا، ومن أهل البيت؛ فمن أوصى لأهله دخل في ذلك ابنه، ومن تضمنه منزله، وهو في عياله. قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ. وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٥/ ٣٧ - ٧٦].
٨ - العدل الإلهي مطلق، لا محاباة فيه لنبي أو ولي، وإنه تعالى يجزي الناس في الدنيا والآخرة بإيمانهم وأعمالهم، لا بأنسابهم: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون ١٠١/ ٢٣].
стр. 3621
فمن يغتر بنسبه ولا يعمل بما يرضي ربه، فهو جاهل بشرع الله ودينه،
قال ﷺ فيما رواه الترمذي: «يا معشر قريش لا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني بالأنساب».
٩ - إن غيرة الله على حرماته اقتضت تحذير الأنبياء من الأخطاء ولو كانت غير مقصودة. قال ابن العربي عن آية: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾:
وهذه زيادة من الله وموعظة، يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين، فقال نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ وهذه ذنوب الأنبياء ﵈، فشكر الله تذلله وتواضعه.
١٠ - كان اعتذار نوح بمثابة توبة كاملة تتضمن عنصري حقيقة التوبة وهما:
الأول-في المستقبل: وهو العزم على الترك، وإليه الإشارة بقوله: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ والثاني-في الماضي: وهو الندم على ما مضى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾.
١١ - كان الطوفان عاما شاملا لكل الأرض، في رأي المفسرين وأهل الكتاب، ويؤيدهم ما يقول علماء الجغرافية من وجود بعض الأصداف والأسماك المتحجرة في أعالي الجبال، وهي لا تكون إلا في البحر. والذي يجب اعتقاده أن الطوفان كان شاملا لقوم نوح الذين لم يكن في الأرض غيرهم، وذلك في منطقة الشرق الأوسط، أما أجزاء الكرة الأرضية الأخرى فلا يدل نص قاطع في القرآن على تغطيتها بالطوفان.
стр. 3622
العبرة من قصة نوح ﵇
﴿قِيلَ يا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾
الإعراب:
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ﴾: ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾. ﴿نُوحِيها﴾ خبر بعد خبر، أو في موضع نصب على الحال، أي تلك كائنة من أنباء الغيب نوحيها إليك.
ويجوز أن يكون: ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، و ﴿نُوحِيها﴾: خبره، و ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾: من صلته، وتقديره: تلك نوحيها إليك من أنباء الغيب.
﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ ﴿أُمَمٍ﴾ مبتدأ، و ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ صفة، والخبر محذوف تقديره: وممن معك أمم سنمتعهم، ودل عليه قوله ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿اِهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ أنزل من السفينة بسلامة أو بتحية، أي مسلما من المكاره من جهتنا أو مسلما عليك ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ خيرات عليك ومباركا عليك، أو زيادات في نسلك حتى تصير آدم ثانيا ﴿وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أي وعلى أمم هم الذين معك في السفينة، أي من أولادهم وذريتهم هم المؤمنون، سموا أمما لتشعب الأمم منهم، فهم أصول البشرية، وقد تسللت الأعراق والأجناس من أولاد نوح: سام (وهم السامانيون) وحام (وهم الأفارقة) ويافث (وهم أهل الصين واليابان وأمثالهم).
стр. 3623
﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أي وممن معك أمم سنمتعهم في الدنيا، ثم يمسّهم منا عذاب أليم في الآخرة، والمراد بهم الكفار من ذرية من معه، وقيل: قوم هود وصالح ولوط وشعيب، والعذاب: هو ما نزل بهم.
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى قصة نوح ﵇ ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ من بعض أخبار ما غاب عنك ﴿نُوحِيها إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ قَبْلِ هذا﴾ القرآن ﴿فَاصْبِرْ﴾ على التبليغ وأذى قومك كما صبر نوح ﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ﴾ المحمودة في الدنيا بالظفر، وفي الآخرة بالفوز ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عن الشرك والمعاصي.
المناسبة:
بعد أن أخبر الله تعالى عن استواء السفينة واستقرارها على الجودي، ونجاة المؤمنين وهلاك الكافرين، ذكر تعالى أمرين هما عبرة القصة:
الأول-تكريم نوح ﵇ والمؤمنين معه بوعده تعالى عند الخروج من السفينة بالسلامة أولا، ثم بالبركة ثانيا، والسلامة تتضمن الدعوة لهم بالوقاية من المكروه؛ لأنهم كانوا كالخائفين على وضعهم: كيف يعيشون وكيف يحققون حاجاتهم من المأكول والمشروب، بعد أن عم الغرق جميع الأرض، وعلموا أنه ليس في الأرض شيء مما ينتفع به من النبات والحيوان.
ثم إنه تعالى لما وعد نوحا ومن معه بالسلامة، أردفه بأن وعدهم بالبركة وهي عبارة عن الدوام والبقاء والثبات ونيل الأمل.
والثاني-الإخبار عن أمور غائبة عن الخلق، تكون بمثابة الإنذار والإرهاب والاعتبار، وإعطاء الأمثلة للصبر الذي هو مفتاح الفرج:
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عما قيل لنوح ﵇، حين أرست السفينة على الجودي، من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين وعلى كل مؤمن من ذريته
стр. 3624
إلى يوم القيامة، كما قال محمد بن كعب: دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة. وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة.
والمعنى: قال الله أو الملائكة لنوح بعد انتهاء الطوفان وحبس المطر وابتلاع الأرض ماءها: اهبط من السفينة إلى الأرض، أو من جبل الجودي إلى الأرض، فقد ابتلعت الماء وجفّت، بسلام منا، أي بسلامة وأمن أو بتحية، أي مسلما محفوظا من جهتنا، أو مسلما عليك مكرّما كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ [الصافات ٧٩/ ٣٧]، وبركات عليك، والبركات: نعم ثابتة وخيرات نامية، أي ومباركا عليك في المعايش والأرزاق، تفيض عليك، وعلى أمم ممن معك نسلا وتولدا، أي هم ومن يتناسل منهم من ذرية، ويصير التقدير: وعلى ذرية أمم ممن معك، وذرية أمم سنمتعهم، فيدخل في قوله ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ كل مؤمن إلى يوم القيامة، وفي قوله: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ كل كافر إلى يوم القيامة، كما روي ذلك عن محمد بن كعب.
والمعنى: إن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين، ينشئون ممن معك. وممن معك أمم ممتعون بالدنيا، منقلبون إلى النار.
وكان نوح ﵇ أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة.
وهكذا عم السلام والتبريك كل المؤمنين، على اختلاف تجمعاتهم. لكن من أولئك المؤمنين سيكون من نسلهم أمم وجماعات آخرون من بعدهم، يمتعون في الدنيا بالأرزاق والبركات، ثم يصيبهم العذاب الأليم في الآخرة، لكفرهم وعنادهم، فانقسم الناس بعد نوح قسمين: قسم مؤمنون صالحون ممتعون في الدنيا والآخرة، وقسم ممتعون في الدنيا فقط معذبون في الآخرة.
ثم ذكر الله تعالى العبرة العامة من قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾
стр. 3625
أي تلك الأخبار عن نوح وقومه من أخبار الغيوب السابقة، نوحيها إليك على وجهها، كأنك تشاهدها، ونعلمك بها وحيا منا إليك، ما كنت تعلمها أنت ولا أحد من قومك، حتى يقول من يكذبك: إنك تعلمتها من إنسان، بل أخبرك الله بها.
فاصبر على تكذيب المكذبين من قومك، وأذاهم لك، وعلى تبليغ رسالتك كما صبر نوح على أذى الكفار، فإن النصر والفوز والنجاة للمتقين الذين يطيعون الله ويتجنبون المعاصي، وإنا سننصرك ونرعاك ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، كما فعلنا بالمرسلين، حيث نصرناهم على أعدائهم: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر ٥١/ ٤٠] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات ١٧١/ ٣٧ - ١٧٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيتان إلى ما يأتي:
١ - السلامة والأمن، والتحية والتسليم والتكريم، والبركات والنعم من الله تعالى، على كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وذلك بدءا من نوح ﵇ ومن آمن معه.
٢ - المتاع والانتفاع بنعم الدنيا، والتعذيب في الآخرة، لكل كافر وكافرة إلى يوم القيامة، بدءا من ذرية المؤمنين في عصر نوح ﵇ وذرية أمم من بعدهم.
٣ - كان خبر نوح وقصته مع قومه من أنباء ما غاب عن النبي محمد ﷺ ، أوحى الله بها إليه وأطلعه عليها، دون أن يكون عالما هو وقومه بها قبل ذلك،
стр. 3626
فلم يعرف أحد أمر الطوفان، وكانت القصة على النحو الصحيح الدقيق مجهولة عند النبي ﷺ وعند قومه.
٤ - كان الغرض من ذكر قصة نوح في سورة يونس هو معرفة وجه الشبه بين قوم نوح وقوم محمد ﵉، وهو ان قوم نوح كذبوه؛ لأنه هددهم بنزول العذاب، فاستعجلوه، ثم ظهر في نهاية الأمر، وكذلك قوم محمد ﷺ استعجلوا نزول العذاب مثل قوم نوح. فوجه الشبه في سورة يونس هو استعجال العذاب.
وفي هذه السورة (هود) أعاد الله تعالى ذكر هذه القصة لهدف آخر، وهو بيان أن إقدام الكفار على الإيذاء كان حاصلا في زمن نوح، فلما صبر ﵇، نال الفتح والظفر، فلتكن يا محمد كذلك، لتنال المقصود، فقد عرفت مآل الصبر عند نوح والمؤمنين، وعاقبة الكفر، فوجه الشبه هو الإيذاء، وأن الصبر عليه مؤد إلى النصر.
٥ - إن الصبر على مشاق تبليغ الرسالة الإلهية، وإذاية القوم، مفتاح الفرج، وسبيل الظفر والنصر، كما صبر نوح ومحمد وأولو العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد صبر نوح على أذى قومه، ثم نصره الله عليهم، وكذلك صبر النبي ﷺ على أذى العرب الكفار، فأيده الله، وأعزّه، ونصره عليهم نصرا مؤزرا.
٦ - إن العاقبة في الدنيا بالظفر، وفي الآخرة بالفوز للمتقين عن الشرك والمعاصي، القائمين بأوامر الله، الملتزمين حدوده، المطيعين شرعه.
٧ - يدل إيراد قصة نوح ﵇ على نبوة محمد ﷺ ، فما كان يعلم هو ولا أحد من قومه ذلك القصص المحكم التام الشامل لأخبار نوح وقومه.
стр. 3627
قصة هود ﵇
﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاِشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾
стр. 3628
الإعراب:
﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً﴾ ﴿أَخاهُمْ﴾ منصوب بفعل مقدر، أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا. و ﴿غَيْرُهُ﴾ بالرفع صفة على محل الجار والمجرور، وقرئ بالجر صفة على اللفظ.
﴿مِدْراراً﴾ حال من ﴿السَّماءَ﴾، والعامل فيه ﴿يُرْسِلِ﴾. والأصل في مدرار أن يكون مدرارة، ولكنهم يحذفون هاء التأنيث عادة من مفعال كامرأة معطار، ومن مفعيل كامرأة معطير، ومن فاعل كامرأة طالق وحائض. ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حال من الضمير في تاركي. ﴿ما مِنْ دَابَّةٍ﴾ في موضع رفع بالابتداء. ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا﴾ إن: حرف نفي بمعنى ما، أي ما نقول إلا هذه المقالة، فالاستثناء من المصدر الذي دل عليه الفعل، مثل ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ [الصافات ٥٩/ ٣٧] فموتتنا مستثنى من أنواع الموت الذي دل عليها قوله: ﴿بِمَيِّتِينَ﴾.
فقد ذكر الفعل ويستثني من مدلوله، كما يستثني من الظرف والحال، مثال الأول: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ [يونس ٤٥/ ١٠] ﴿ساعَةً﴾: مستثنى مما دل عليه ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾، أي كأن لم يلبثوا في الأوقات إلا ساعة من النهار؛ ومثال الثاني: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ﴾ متمسكين ﴿بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ﴾ [آل عمران ١١٢/ ٣] أي ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل من الله، أي عهد من الله. ﴿وَتِلْكَ عادٌ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿بُعْداً﴾ منصوب بفعل مقدر، أي أن المصدر قائم مقام فعله.
البلاغة:
﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً﴾ عبر بالسماء عن المطر من قبيل المجاز المرسل، لنزوله من السماء، ومدرار: للمبالغة.
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً﴾ أمر بمعنى التعجيز.
﴿ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ استعارة تمثيلية، شبه الخلق وهم في قبضة الله وملكه بمن يقود دابة بناصيتها، فهي مقدورة له.
﴿إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ استعارة، فإنه استعار الطريق المستقيم للدلالة على كمال العدل.
﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ الأمر كناية عن العذاب.
﴿نَجَّيْنا هُوداً.﴾. ﴿وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ فيه إطناب، لتكرار لفظ الإنجاء بقصد بيان أن الأمر شديد عظيم الأهوال.
﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ المراد عصوا رسولهم هودا، من قبيل المجاز المرسل من باب إطلاق الكل وإرادة البعض.
стр. 3629
﴿أَلا إِنَّ عاداً.﴾. ﴿أَلا بُعْداً لِعادٍ﴾ تكرار حرف التنبيه، وإعادة لفظ «عاد» للمبالغة في تهويل حالهم.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً﴾ أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم من القبيلة وواحدا منهم، وهو عطف على قوله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ﴾ و ﴿هُوداً﴾: عطف بيان ﴿اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده.
﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ﴾ ﴿مِنْ﴾: زائدة للتأكيد. ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ ما أنتم في عبادتكم الأوثان. ﴿إِلاّ مُفْتَرُونَ﴾ كاذبون على الله باتخاذ الأوثان شركاء لله وجعلها شفعاء عند الله تعالى.
﴿لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائد على الدعاء إلى الله وتوحيده. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما أجري. ﴿فَطَرَنِي﴾ خلقني على الفطرة السليمة-فطرة التوحيد لله والمقصود من الآية بيان إخلاصه في النصيحة، فإنها لا تفيد ما دامت مشوبة بالمطامع.
﴿اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من الشرك. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أخلصوا التوبة من المعاصي والكفر لله، وارجعوا إليه بالطاعة، أي اطلبوا المغفرة من الله بالإيمان، ثم توسلوا إليها بالتوبة، ثم لا يكون التبري من الغير إلا بالإيمان بالله والرغبة فيما عنده. ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ المطر، وكانوا قد منعوه واشتدت حاجتهم إليه؛ لأنهم كانوا أصحاب زروع. ﴿مِدْراراً﴾ كثير الدر. ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ﴾ أي يزدكم قوة مع قوتكم بالمال والولد، أو يضاعف قوتكم بالتناسل والأموال. ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ مشركين.
﴿بِبَيِّنَةٍ﴾ ببرهان على قولك، وبحجة تدل على صحة دعواك، وهذا لفرط عنادهم، وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات. ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ بتاركي عبادتهم. ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ صادرين عن قولك أو لقولك. ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إقناط له من الإجابة والتصديق.
﴿إِنْ نَقُولُ﴾ ما نقول في شأنك. ﴿اِعْتَراكَ﴾ أصابك. ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ بجنون، لسبك إياها وصدك عنها، فأنت تهذي وتتكلم بالخرافات، والجملة مفعول القول، وإلا لغو؛ لأن الاستثناء مفرغ. ﴿فَكِيدُونِي﴾ اجتمعوا على الكيد لي في إهلاكي من غير إنظار. ﴿جَمِيعاً﴾ أنتم وأوثانكم. ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ تمهلون. والمراد بيان عجزهم عن إلحاق الضرر به ليعلموا أن آلهتهم جماد لا تضر ولا تنفع. ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي﴾ أي وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضروني، فإني متوكل على الله، واثق برعايته.
﴿ما مِنْ دَابَّةٍ﴾ نسمة تدب على الأرض. ﴿إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أي إلا وهو مالك لها، قادر عليها، يصرفها على ما يريد بها، فلا نفع ولا ضرر إلا بإذنه، والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك.
стр. 3630
وخص الناصية بالذكر؛ لأن من أخذ بناصيته يكون في غاية الذل. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي على الحق والعدل، لا يضيع عنده معتصم، ولا يفوته ظالم.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي تعرضوا وتتولوا، وقد حذفت فيه إحدى التاءين. ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ أي فقد أديت ما علي من الإبلاغ، وإلزام الحجة، فلا تفريط مني ولا عذر لكم، فقد أبلغتكم رسالة ربي. ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ استئناف بالوعيد لهم، بأن الله يهلكهم، ويستخلف قوما آخرين في ديارهم وأموالهم. ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً﴾ بتوليكم وإشراككم. ﴿حَفِيظٌ﴾ رقيب.
﴿أَمْرُنا﴾ عذابا أو أمرنا بالعذاب. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ﴾ هداية، وكانوا أربعة آلاف. ﴿غَلِيظٍ﴾ شديد، وهذا تعريض بأنهم كما عذبوا في الدنيا بريح السموم، فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الشديد.
﴿وَتِلْكَ عادٌ﴾ أنت اسم الإشارة باعتبار القبيلة، أو لأن الإشارة إلى قبورهم وآثارهم، أي فانظروا آثارهم في الأرض. ﴿جَحَدُوا﴾ كفروا. ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ جمع الرسل؛ لأن من عصى رسولا، عصى جميع الرسل؛ لاشتراكهم في أصل ما جاؤوا به وهو التوحيد. ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ أي السفلة. ﴿أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي معاند للحق، يعني كبراءهم ورؤساءهم الطاغين، والمعنى:
عصوا من دعاهم إلى الإيمان وما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم.
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ أي جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين، في الدنيا من الناس، ويوم القيامة لعنة على رؤوس الناس، توقعهم في العذاب. ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ جحدوه أو كفروا نعمه، أو كفروا به، فحذف الجار. ﴿أَلا بُعْداً لِعادٍ﴾ أي من رحمة الله، وهو دعاء عليهم بالهلاك. والمراد به الدلالة على أنهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم من العذاب، بسبب أفعالهم.
﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطف بيان لعاد، لتمييزهم عن عاد الثانية عاد إرم.
المناسبة:
هذه هي القصة الثانية من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة، وقد ذكرت هذه القصة في سورة الأعراف بأسلوب ونظم آخر. وكان هود أول من تكلم بالعربية من ذرية نوح.
وفي إيراد هذه القصة هنا شبه بقصة نوح مع قومه، ففيها تبليغ هود الدعوة والتكاليف إلى قومه، وردهم عليه، وما انتهت به القصة من إنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين.
стр. 3631
التفسير والبيان:
دعا هود قومه إلى أنواع من التكاليف:
النوع الأول-دعوتهم إلى التوحيد، في قوله تعالى: ﴿يا قَوْمِ، اُعْبُدُوا اللهَ﴾ أي وكما أرسلنا نوحا، أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، والمراد أخا لهم في النسب والقبيلة، لا في الدين؛ لأن هودا كان رجلا من قبيلة عاد، فيقال للرجل: يا أخا العرب، والمراد رجل منهم، وكانت هذه القبيلة قبيلة عربية تسكن بناحية اليمن في الأحقاف (شمال حضرموت) وكانت قبيلة ذات قوة وشدة، وأصحاب زرع وضرع.
إنه أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ناهيا لهم عن الأوثان التي افتروها، فقال لهم: آمركم بعبادة الله الذي لا إله غيره، ولا تعبدوا من دونه وثنا ولا صنما، ولا تشركوا به شيئا، مالكم من إله غيره، خلقكم ورزقكم، وأمدكم بالنعم الوفيرة، فما أنتم إلا مفترون الكذب على الله باتخاذكم الشركاء لله، ووصفكم إياهم بأنهم شفعاء.
ويا قوم، لا أطلب على ما أدعوكم عليه من عبادة الله ونبذ عبادة الأوثان أجرا أو مالا ينفعني، فما أجري أو ثوابي إلا على الله الذي خلقني على الفطرة السليمة فطرة التوحيد، أفلا تعقلون قول من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة، وتقدرون ما يقال لكم من نصح قائم على الإخلاص والأمانة، وتعلمون أني مصيب في المنع من عبادة الأصنام.
والنوع الثاني-من التكاليف التي ذكرها هود لقومه: الاستغفار والتوبة فقال: ويا قوم، اطلبوا المغفرة من الله على الشرك والكفر والذنوب السابقة، وأخلصوا التوبة له، وعما تستقبلون، فإذا استغفرتم وتبتم يرسل الله
стр. 3632
عليكم مطرا كثيرا متتابعا، وقد كانوا بأشد الحاجة إلى المطر بعد أن منعوه؛ لأنهم أصحاب زروع وبساتين، ويزدكم قوة إلى قوتكم بالأموال والأولاد، وعزا إلى عزكم، وقد كانوا أشداء أقوياء يهمهم التفوق والغلبة على الناس، والاعتزاز بالقوة، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف ٦٩/ ٧] وقال سبحانه:
﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ. وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ. وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ﴾ [الشعراء ١٢٨/ ٢٦ - ١٣٣] وقال : ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَقالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥/ ٤١].
﴿وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ولا تعرضوا عني وعن دعوتي وعما أرغبكم فيه، مصرّين على إجرامكم وآثامكم.
وفائدة الاستغفار المذكورة في الآية، لها ما يؤيدها في السنة النبوية، ففي الحديث الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس: «من لزم الاستغفار، جعل الله له من كل همّ فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب».
وبعد أن حكى تعالى ما ذكره هود لقومه، حكى ما ذكره القوم له:
﴿قالُوا: يا هُودُ.﴾. أي قالوا لنبيهم: ما جئتنا بحجة وبرهان على ما تدعيه أنك رسول من عند الله، ولن نترك عبادة آلهتنا بمجرد قولك: اتركوهم، وما نحن لك بمصدقين، وما نظن إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب شتمك لها ونهيك عن عبادتها وعيبك لها.
فكان جوابهم متضمنا أربعة أشياء كلها عناد وحماقة واستكبار، وهي المطالبة بالبينة؛ والإصرار على عبادة الآلهة، مع أنهم كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو الله تعالى، وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر؛ وعدم التصديق برسالة هود مما يدل
стр. 3633
على الإصرار والتقليد والجحود؛ وإفساد عقله وجعله مجنونا بواسطة الآلهة.
فقال لهم هود: أشهد الله على نفسي واشهدوا على أني بريء من شرككم ومن عبادة الأصنام، ولا يعني هذا أنهم كانوا أهلا للشهادة، ولكنه نهاية للتقرير، أي لتعرفوا، ولم يقل: إني أشهد الله وأشهدكم، لئلا يفيد التشريك بين الشهادتين والتسوية بينهما، فإن إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم، ودلالة على قلة المبالاة بهم.
وإذا كنت بريئا من جميع الأنداد والأصنام، أي مما تشركون من دون الله، فإني أعلن ذلك صراحة، فاجمعوا كل ما تستطيعون من أنواع الكيد لي، جميعا أي أنتم وآلهتكم، ولا تمهلوني طرفة عين، إني فوضت أمري كله لله ربي وربكم، ووكلته في حفظي، فهو على كل شيء قدير.
فما من دابة تدب على الأرض أو السماء إلا هي تحت سلطان الله وقهره فهو مصرف أمرها ومسخرها، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور، إن ربي على الحق والعدل.
وقد تضمن جوابه الدال على التحدي والمعجزة الباهرة وقلة المبالاة بهم عدة أمور هي: البراءة من الشرك، وإشهاد الله على ذلك، وإشهادهم على براءته من شركهم، وطلبه المكايدة له، وإظهار قلة المبالاة بهم وعدم خوفه منهم ومن آلهتهم. وهذا موقف مشابه تماما لموقف نوح في قوله السابق: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ، ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً، ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس ٧١/ ١٠] وقوله: ﴿قُلِ: اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ، ثُمَّ كِيدُونِ، فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف ١٩٥/ ٧].
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا.﴾. أي فإن تتولوا وتعرضوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم
стр. 3634
وحده لا شريك له، فقد بلغتكم رسالة ربي التي بعثني بها إليكم، ولا عتاب علي على تفريط في التبليغ، وكنتم محجوجين بأن ما أرسلت به إليكم قد بلغكم، فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول. ثم استأنف كلاما جديدا فقال: ويهلككم الله ويجيء بقوم آخرين، يخلفونكم في دياركم وأموالكم ويكونون أطوع لله منكم، ولا تضرونه شيئا بتوليكم وكفركم، بل يعود وبال ذلك عليكم، وما تضرون إلا أنفسكم، إن ربي على كل شيء رقيب، مهيمن عليه، فما تخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مؤاخذتكم.
ثم ذكر الله تعالى العذاب وآثاره وعاقبة أمر هود وقومه، فقال: ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا.﴾. أي ولما حان وقت نزول أمرنا بالعذاب، ووقع عذابنا، وهو الريح العقيم، نجينا هودا والمؤمنين معه من عذاب شديد شاق ثقيل، برحمة من لدنا ولطف منا، وأهلكنا قومه عن آخرهم.
وسبب ذلك العقاب أن عادا كفروا بآيات ربهم وحججه، وعصوا رسله، وقد جمع الرسل والمقصود رسولهم هودا؛ لأن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء، فهم كفروا بهود، فصار كفرهم كفرا بجميع الأنبياء، واتّبعوا أمر رؤسائهم الجبابرة الطغاة المعاندين.
فلهذا لحقت بهم لعنة الله في الدنيا، ولعنة عباده المؤمنين كلما ذكروا، وينادى عليهم يوم القيامة على رؤوس الخلائق: ألا إن عادا كفروا بربهم وبنعمه، وجحدوا بآياته، وكذبوا رسله، ألا بعدا وطردا من رحمة الله لعاد قوم هود، وهذا دعاء عليهم بالهلاك والدمار والبعد من الرحمة.
والخلاصة: إنه تعالى جمع أوصاف عاد في ثلاثة: جحود دلائل المعجزات على الصدق، ودلالة المحدثات على وجود الصانع الحكيم، وعصيان رسولهم، ومن عصى رسولا واحدا، فقد عصى جميع الرسل، لقوله تعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
стр. 3635
مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥/ ٢]، وتقليد القوم رؤساءهم، ثم ذكر تعالى عاقبة أحوالهم في الدنيا والآخرة وهي مصاحبة اللعن لهم في الدنيا والآخرة، ومعنى اللعنة:
الإبعاد من رحمة الله تعالى ومن كل خير، ثم بين تعالى السبب الأصلي في استحقاق تلك الأحوال فقال: ﴿أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أي جحدوه، أو كفروا بربهم على حذف الباء، أو نعمة ربهم، على حذف المضاف. وفائدة قوله: ﴿أَلا بُعْداً لِعادٍ﴾ بعد قوله: ﴿وَأُتْبِعُوا.﴾. الدلالة على غاية التأكيد. وفائدة قوله ﴿لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ تعيين عاد القديمة، تمييزا لهم عن عاد التي هي إرم ذات العماد، فقصد به إزالة الاشتباه، أو لمزيد التأكيد.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت قصة هود مع قومه على ما يلي:
١ - حصر هود ﵇ دعوته في نوعين من التكاليف هما: الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده، والاستغفار ثم التوبة، والفرق بينهما أن الاستغفار:
طلب المغفرة وهو المطلوب بالذات، والتوبة: هي السبب إليها، وذلك بالإعراض أو الإقلاع عما يضاد المغفرة، وقدم المغفرة؛ لأنها هي الغرض المطلوب، والتوبة سبب إليها. وقد تقدم في أول السورة توضيح الفرق.
٢ - اقتصرت إجابة عاد قوم هود له على التركيز على عبادة الآلهة من الأصنام والأوثان، وتقليد الأسلاف، وذلك يدل على تعطيل الفكر والعقل، وعدم النظر الحر الطليق القائم على الاستدلال بالأدلة الكثيرة والمعجزات المتضافرة التي أظهرها الله على يد هود ﵇، ومنها تحديهم بالمكايدة والمعاداة والإضرار له جميعا هم وآلهتهم، وعدم الإمهال ساعة، وهو موقف يدل مع كثرة الأعداء على كمال الثقة بنصر الله تعالى، وهو أيضا من أعلام النبوة: أن يكون الرسول وحده
стр. 3636
يقول لقومه: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً.﴾. وكذلك قال النبي ﷺ لقريش، وقال نوح ﵇: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس ٧١/ ١٠] ٣ - التوكل على الله الخالق القاهر المتصرف بالمخلوقات كيف يشاء، والمانع مما يشاء هو من أصول الإيمان التي تمنع وصول الضرر إلى النبي هود ﵇ وكل مؤمن صادق مخلص، فما من نفس تدب على الأرض أو في السماء إلا وهي تحت سلطان الله وقهره وتصرفه.
٤ - الله تعالى قادر على الحق والعدل، وهو سبحانه وإن كان قادرا على قوم عاد العتاة الأشداء، لكنه لا يظلمهم، ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل والصواب.
٥ - مهمة الأنبياء هي تبليغ الرسالات ومحاجة الكفار، فإن أعرض الناس عن دعواتهم وبيانهم، فهم أي الأنبياء قد أبرؤوا الذمة، وأدوا الغرض، وكان الناس الكافرون المعرضون هم الذين يخسرون، ويتضررون، ويتعرضون للعذاب في الدنيا بالإهلاك، واستخلاف قوم آخرين هم أطوع لله منهم يوحدونه ويعبدونه، وفي الآخرة بدخول جهنم. والله رقيب على كل شيء من أقوال العباد وأفعالهم، ويحاسبهم ويجازيهم عليها.
٦ - أحوال قبيلة عاد خطيرة ذات أوصاف ثلاثة: هي الجحود بآيات ربهم، وعصيان رسولهم، واتباعهم أو تقليدهم أوامر رؤسائهم دون تفكير ولا روية.
٧ - كانت عقوبة قبيلة هود لحوق اللعنة عليهم في الدنيا من الله ومن الناس، وهلاكهم بريح صرصر عاتية وبعدهم عن الخير، والطرد من رحمة الله في يوم القيامة، وما ربك بظلام للعبيد.
стр. 3637
قصة صالح ﵇
﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاِسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨)﴾
الإعراب:
﴿ثَمُودَ﴾ ممنوع من الصرف عند الجمهور، على إرادة القبيلة، وقرأه بعضهم مصروفا على إرادة الحي.
﴿لَكُمْ آيَةً﴾ إما حال من ﴿ناقَةُ اللهِ﴾ أي: هذه ناقة الله لكم آية بيّنة ظاهرة، وعامله معنى الإشارة، وإما تمييز أي: هذه ناقة الله لكم من جملة الآيات.
﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ من قرأه بالكسر أعربه على الأصل، ومن قرأه بالفتح بناه لإضافته
стр. 3638
إلى غير متمكّن؛ لأن ظرف الزمان إذا أضيف إلى اسم غير متمكن أو مبني أو فعل ماض، بني، كما في قول الشاعر:
على حين عاتبت المشيب على الصّبا*فقلت: ألمّا تصح، والشيب وازع فبنى حين على الفتح لإضافته إلى الفعل الماضي. والتنوين في إذا من ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ عوض عن جملة محذوفة، ويسمى تنوين التعويض.
﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ قال: أخذ لأنه فصل بين الفعل والفاعل بالمفعول وهو ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أو لأن تأنيث الصيحة غير حقيقي، أو محمول على المعنى؛ لأن الصيحة في معنى الصياح، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ.﴾. لأن موعظة في معنى وعظ.
﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَ﴾ من صرفه جعله اسم الحي، ومن لم يصرفه جعله اسم القبيلة معرفة، فلم ينصرف للتعريف والتأنيث.
﴿كَأَنْ﴾ مخففة، واسمها محذوف، أي كأنهم.
البلاغة:
﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ؟﴾ استفهام معناه النفي، أي لا ينصرني منه إن عصيته أحد.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِلى ثَمُودَ﴾ أي وأرسلنا إلى ثمود ﴿أَخاهُمْ﴾ من القبيلة ﴿اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحدّوه ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾ ابتدأ خلقكم وتكوينكم منها، لا غيره، فإنه خلق آدم ومواد النّطف التي خلق نسله منها من التراب ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾ جعلكم تعمرونها، وأبقاكم عمركم فيها، تسكنون بها ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ من الشرك ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ ارجعوا إليه بالطاعة وأقلعوا عن الذنب ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ قريب الرحمة من خلقه بعلمه ﴿مُجِيبٌ﴾ لمن سأله أو لداعيه.
﴿مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا﴾ مأمولا أن تكون لنا سيدا أو مستشارا في الأمور؛ لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، فلما سمعنا هذا القول الذي صدر منك، انقطع رجاؤنا عنك ﴿أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأوثان، على حكاية الحال الماضية ﴿وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾ من التوحيد، والتبري من الأوثان ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة أو الريب أي الظن والشك ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ من رؤية القلب، أي أتدبرتم؟ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ بيان وبصيرة، واستعمل حرف الشك في قوله ﴿إِنْ كُنْتُ﴾ باعتبار
стр. 3639
المخاطبين ﴿رَحْمَةً﴾ نبوة ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي﴾ يمنعني ﴿مِنَ اللهِ﴾ أي من عذابه ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تبليغ رسالته، والمنع عن الإشراك به ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ أي فما تطلبون مني باتباعكم ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ تضليل أو إيقاع في الخسران باستبدال الشرك بالتوحيد، أو بإبطال ما منحني الله به والتعرض لعذابه، أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير أن أنسبكم إلى الخسران ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ﴾ دعوها ترعى نباتها وتشرب ماءها ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ عقر ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ عاجل لا يتراخى عن مسكم لها بالسوء إلا يسيرا، وهو ثلاثة أيام، إن عقرتموها ﴿فَعَقَرُوها﴾ قتلوها، عقرها قدار بأمرهم ﴿فَقالَ﴾ صالح ﴿تَمَتَّعُوا﴾ عيشوا في منازلكم ثلاثة أيام: الأربعاء والخميس والجمعة، ثم تهلكون ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ فيه.
﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ بإهلاكهم ﴿نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وهم أربعة آلاف ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أي ونجيناهم من هلاكهم بالصيحة أو ذلهم أو فضيحتهم يوم القيامة ﴿الْقَوِيُّ﴾ القادر على كل شيء ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب على كل شيء. ﴿الصَّيْحَةُ﴾ المرة الواحدة من الصوت الشديد المهلك، والمراد بها الصاعقة التي أحدثت رجفة في القلوب، وصعق بها الكافرون ﴿جاثِمِينَ﴾ باركين على الركب ميتين، أو ساقطين على وجوههم مصعوقين، والجثوم للطائر كالبروك للبعير ﴿يَغْنَوْا﴾ يقيموا ﴿فِيها﴾ في دارهم ﴿بُعْداً﴾ هلاكا وطردا من رحمة الله، وهو اللعن.
المناسبة:
هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة، وهي قصة صالح مع ثمود، وصالح هو الرسول الثاني من العرب، ومساكن قبيلته ثمود:
الحجر: وهي بين الحجاز والشام، وآثار مدائنهم باقية إلى اليوم.
ونظم هذه القصة مثل النظم المذكور في قصة هود، إلا أنه لما أمرهم بالتوحيد هاهنا ذكر في تقريره دليلين: الإنشاء من الأرض، والاستعمار فيها أي جعلكم عمارها. وقد ذكرت قصة صالح في سورة الأعراف.
وسيأتي ذكر هذه القصة أيضا في سورة الشعراء والنمل والقمر والحجر وغيرها، ومضمون القصة تبليغ صالح دعوته، ومناقشتهم، وإنذارهم بالهلاك، وردودهم عليه، وتأييد صدقه بمعجزة الناقة، وقتلهم لها، وإهلاكهم بالصيحة أو الصاعقة.
стр. 3640
التفسير والبيان:
ولقد أرسلنا إلى ثمود الذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة، وكانوا بعد عاد، أرسلنا لهم رجلا منهم أي من قبيلتهم، وهو صالح ﵇، فأمرهم بعبادة الله وحده، وأقام لهم دليلين على التوحيد:
الدليل الأول-قوله: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي ابتدأ خلقكم منها، إذ خلق منها أباكم آدم فهو أبو البشر، ومادة التراب هي المادة الأولى التي خلق منها آدم، ثم خلقكم أنتم من سلالة من طين، بالوسائط التالية: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة تكسى بعدئذ بهيكل عظمي ولحم، وأصل النطفة من الدم، والدم من الغذاء، والغذاء إما من نبات الأرض أو من اللحم الذي يرجع إلى النبات.
والدليل الثاني- ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾ أي جعلكم عمارا تعمرونها وتستغلونها بالزراعة والصناعة والبناء والتعدين. فكون الأرض قابلة للعمارة النافعة للإنسان، وكون الإنسان قادرا عليها، دليل على وجود الصانع الحكيم، الذي قدر فهدى، ومنح الإنسان العقل الهادي والأداة لتسخير موجودات الدنيا، وجعل له القدرة على التصرف.
وإذا كان الله هو المستحق للعبادة وحده، فاستغفروه لسالف ذنوبكم، من الشرك والمعصية، ثم توبوا إليه بالإقلاع عن الذنب في الماضي، والعزم على عدم العودة إليه وإلى أمثاله في المستقبل.
إن ربي قريب من خلقه بالرحمة والعلم والسمع، مجيب دعوة الداعي المحتاج المخلص بفضله ورحمته، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي، فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ [البقرة ١٨٦/ ٢]
стр. 3641
فأجابوه بكلام يدل على الجهل والعناد: ﴿قالُوا: يا صالِحُ.﴾. أي قال قوم ثمود: يا صالح، قد كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت، أو كنا نأمل أن تكون سيدا أو مستشارا في الأمور؛ لما نرى لك من رجاحة في العقل وسداد في التفكير، فالآن خيبت الآمال وقطعت الرجاء. وقال كعب: كانوا يرجونه للمملكة بعد ملكهم؛ لأنه كان ذا حسب وثروة. وعن ابن عباس: كان فاضلا خيّرا. والظاهر الذي حكاه الجمهور أن قوله: ﴿مَرْجُوًّا﴾ مشورا نؤمل فيك أن تكون سيدا سادّا مسدّ الأكابر.
ثم تعجبوا من دعوته قائلين:
أتنهانا عن عبادة الآباء والأسلاف؟ وقد تتابعوا على تلك العبادة كابرا عن كابر دون إنكار من أحد.
وإننا نشك كثيرا في صحة ما تدعونا إليه من عبادة الله وحده، وترك التوسل إليه بالشفعاء المقربين عنده، وهو شك موقع في التهمة وسوء الظن.
والشك: هو أن يبقى الإنسان متوقفا بين النفي والإثبات، والمريب: هو الذي يظن به السوء.
والمقصود من هذا الكلام التمسك بطريق التقليد، ووجوب متابعة الآباء والأسلاف. وهذا نظير ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص ٥/ ٣٨].
فأجابهم صالح مبينا ثباته على المبدأ ومنهج النبوة: ﴿قالَ: يا قَوْمِ، أَرَأَيْتُمْ.﴾. أي كيف أعصي الله في ترك ما أنا عليه من البينة؟ أخبروني ماذا أفعل، إن كنت على برهان وبصيرة ويقين فيما أرسلني به إليكم، وآتاني منه رحمة، أي نبوة تتضمن تبليغ ما أوحى به إلي.
стр. 3642
وقدّروا أني نبي على الحقيقة، وكان على يقين أنه على بيّنة؛ لأن خطابه للجاحدين، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره، فمن يمنعني من عذاب الله؟! وإذا تابعتكم وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، لما نفعتموني، ولما رددتموني حينئذ غير خسارة وضلال، باستبدال بما عند الله ما عندكم.
ولما كانت عادة الأنبياء ابتداء الدعوة إلى عبادة الله، ثم اتباعها بدعوى النبوة، فإن صالحا ﵇ الذي طلبوا منه المعجزة على صحة قوله، أتاهم بمعجزة الناقة. روي أن قومه خرجوا في عيد لهم، فسألوه أن يأتيهم بآية، وأن يخرج لهم من صخرة معينة أشاروا إليها ناقة، فدعا صالح ربه، فخرجت الناقة كما سألوا.
وقال لهم: هذه آية على صدقي: ناقة الله، التي تتميز عن سائر الإبل بأكلها وشربها وغزارة لبنها، كما قال تعالى: ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر ٢٧/ ٥٤ - ٢٨].
فاتركوها تأكل ما شاءت في أرض الله من المراعي، دون أن تتحملوا عبء مؤنتها، ولا تمسوها بسوء أيا كان نوعه، فيأخذكم عذاب عاجل لا يتأخر عن إصابتكم إلا يسيرا وذلك ثلاثة أيام، ثم يقع عليكم.
فلم يسمعوا نصحه، وكذبوه وعقروها، عقرها بأمرهم قدار بن سالف، كما قال تعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر ٢٩/ ٥٤] فقال لهم: استمتعوا بالعيش في داركم، أي بلدكم، وتسمى البلاد الديار، مدة ثلاثة أيام، ذلك وعد مؤكد غير مكذوب فيه.
ثم وقع ما أوعدهم به: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا.﴾. أي فلما حان وقت أمرنا بالعذاب والإهلاك، وحل العقاب ووقعت الواقعة، ونزلت الصاعقة، نجينا صالحا والمؤمنين معه، برحمة منا، ونجيناهم من عذاب شديد، ومن ذل ومهانة
стр. 3643
حدثت يومئذ أي يوم وقوع الهلاك أو يوم القيامة، والخزي: الذل العظيم البالغ حد الفضيحة، إن ربك هو القوي القادر الغالب على كل شيء، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وكلمة ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ إما بفتح الميم فهو معرب، أو بكسرها فهو مبني مضاف لغير متمكن.
وأصبح أمرهم أنه أخذتهم صيحة العذاب وهي الصاعقة ذات الصوت الشديد المهلك، التي تزلزل القلوب، وتصعق عند سماعها النفوس، فصعقوا بها جميعا، وأصبحوا جثثا هامدة ملقاة على الأرض.
وكأنهم لسرعة هلاكهم لم يوجدوا في الدنيا، ولم يقيموا في ديارهم، بسبب كفرهم وجحودهم بآيات ربهم، ألا إنهم كفروا بربهم، فاستحقوا عقابه الشديد، ألا بعدا لهم عن رحمة الله، وسحقا لثمود، وهلاكا لهم ولأمثالهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت قصة صالح مع قومه ثمود على العبر والعظات التالية:
١ - إن جحود ثمود وكفرهم بآيات الله وعدم إطاعتهم أوامر رسولهم كان هو شأن هؤلاء القوم إيثارا لتقليد الآباء والأسلاف، بالرغم من أن صالحا ﵇ منهم نسبا وقبيلة، وأقام لهم الأدلة الكافية الشافية على وجوب عبادة الله وتوحيده، من الخلق والإيجاد في الأرض، وجعلهم عمارا لها.
٢ - إن الاستغفار من الذنوب والتوبة من المعاصي سبب سريع لإجابة الدعاء؛ لأن الله قريب من عباده، رحيم بهم، مجيب دعوة المحتاجين والمضطرين، قريب الإجابة لمن دعاه.
٣ - لا تلاقي بين جحود الجاحدين من ثمود وأمثالهم وبين النبي صالح وأمثاله من الأنبياء؛ لأن الجاحدين متمسكون بتقليد الآباء والأسلاف، والنبي ثابت على مبدئه ثبوت الجبال الراسيات، لأنه على يقين من صحة دعوته، وبصيرة من
стр. 3644
صدق ما أوحى الله به إليه، ولأنه أشد الناس خوفا من عذاب الله إن عصاه وخالف أمره.
٤ - كانت الناقة معجزة عجيبة مدهشة؛ لخلقها من الصخرة وخلقها في جوف الجبل، وخلقها حاملا من غير ذكر، وخلقها على تلك الصورة دفعة واحدة من غير ولادة، ولما كان لها من شرب يوم، ولكل القوم شرب يوم آخر، ولإدرارها بلبن كثير يكفي الخلق العظيم، فهذه ستة وجوه، كل وجه منه معجز، مما جعل تلك الناقة آية ومعجزة.
٥ - اقتضى العدل الإلهي ورحمة الله إنجاء صالح ﵇ ومن آمن معه، وكانوا أربعة آلاف، وإهلاك قبيلة ثمود بسبب الجحود برسالة نبيهم، وكفرهم بربهم، وإنكارهم وجوده.
٦ - لا شك بأن وعد الأنبياء صادق صحيح، ووعيدهم مؤكد الحصول، وقد أوعد صالح قومه بالعذاب بعد ثلاثة أيام، وتحقق ذلك في اليوم الرابع.
٧ - كان عذابهم بالصيحة أو بالصاعقة أو بالرجفة، صيح بهم فماتوا، وأصبحوا جثثا ملقاة هنا وهناك في أنحاء ديارهم. والصيحة: إما صيحة جبريل، أو صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم وماتوا، لما أحدثته من رهبة وهيبة عظيمة.
٨ - سحقا وهلاكا لثمود الذين كفروا ربهم، وبعدا وطردا لهم عن رحمة الله بسبب جحودهم وكفرهم.
стр. 3645
قصة إبراهيم ﵇
-بشارته بإسحاق ويعقوب -
﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾
الإعراب:
﴿وَلَقَدْ﴾ اللام لتأكيد الخبر، ودخلت ﴿لَقَدْ﴾ هاهنا؛ لأن السامع لقصص الأنبياء يتوقع قصة بعد قصة، وقد للتوقع.
﴿قالُوا: سَلاماً، قالَ: سَلامٌ﴾ الأول منصوب بقالوا أو على المصدر، والثاني مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سلام، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي وعليكم سلام، أو مرفوع على الحكاية.
﴿أَنْ جاءَ﴾ إما في محل نصب على تقدير حذف حرف الجرّ، أي عن جاء، وإما في محل
следующие страницы →