← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

فأجابوه بكلام يدل على الجهل والعناد: ﴿قالُوا: يا صالِحُ.﴾. أي قال قوم ثمود: يا صالح، قد كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت، أو كنا نأمل أن تكون سيدا أو مستشارا في الأمور؛ لما نرى لك من رجاحة في العقل وسداد في التفكير، فالآن خيبت الآمال وقطعت الرجاء. وقال كعب: كانوا يرجونه للمملكة بعد ملكهم؛ لأنه كان ذا حسب وثروة. وعن ابن عباس: كان فاضلا خيّرا. والظاهر الذي حكاه الجمهور أن قوله: ﴿مَرْجُوًّا﴾ مشورا نؤمل فيك أن تكون سيدا سادّا مسدّ الأكابر. ثم تعجبوا من دعوته قائلين: أتنهانا عن عبادة الآباء والأسلاف؟ وقد تتابعوا على تلك العبادة كابرا عن كابر دون إنكار من أحد. وإننا نشك كثيرا في صحة ما تدعونا إليه من عبادة الله وحده، وترك التوسل إليه بالشفعاء المقربين عنده، وهو شك موقع في التهمة وسوء الظن. والشك: هو أن يبقى الإنسان متوقفا بين النفي والإثبات، والمريب: هو الذي يظن به السوء. والمقصود من هذا الكلام التمسك بطريق التقليد، ووجوب متابعة الآباء والأسلاف. وهذا نظير ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص ٥/ ٣٨]. فأجابهم صالح مبينا ثباته على المبدأ ومنهج النبوة: ﴿قالَ: يا قَوْمِ، أَرَأَيْتُمْ.﴾. أي كيف أعصي الله في ترك ما أنا عليه من البينة؟ أخبروني ماذا أفعل، إن كنت على برهان وبصيرة ويقين فيما أرسلني به إليكم، وآتاني منه رحمة، أي نبوة تتضمن تبليغ ما أوحى به إلي.

стр. 3642

وقدّروا أني نبي على الحقيقة، وكان على يقين أنه على بيّنة؛ لأن خطابه للجاحدين، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره، فمن يمنعني من عذاب الله؟! وإذا تابعتكم وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، لما نفعتموني، ولما رددتموني حينئذ غير خسارة وضلال، باستبدال بما عند الله ما عندكم. ولما كانت عادة الأنبياء ابتداء الدعوة إلى عبادة الله، ثم اتباعها بدعوى النبوة، فإن صالحا ﵇ الذي طلبوا منه المعجزة على صحة قوله، أتاهم بمعجزة الناقة. روي أن قومه خرجوا في عيد لهم، فسألوه أن يأتيهم بآية، وأن يخرج لهم من صخرة معينة أشاروا إليها ناقة، فدعا صالح ربه، فخرجت الناقة كما سألوا. وقال لهم: هذه آية على صدقي: ناقة الله، التي تتميز عن سائر الإبل بأكلها وشربها وغزارة لبنها، كما قال تعالى: ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر ٢٧/ ٥٤ - ٢٨]. فاتركوها تأكل ما شاءت في أرض الله من المراعي، دون أن تتحملوا عبء مؤنتها، ولا تمسوها بسوء أيا كان نوعه، فيأخذكم عذاب عاجل لا يتأخر عن إصابتكم إلا يسيرا وذلك ثلاثة أيام، ثم يقع عليكم. فلم يسمعوا نصحه، وكذبوه وعقروها، عقرها بأمرهم قدار بن سالف، كما قال تعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر ٢٩/ ٥٤] فقال لهم: استمتعوا بالعيش في داركم، أي بلدكم، وتسمى البلاد الديار، مدة ثلاثة أيام، ذلك وعد مؤكد غير مكذوب فيه. ثم وقع ما أوعدهم به: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا.﴾. أي فلما حان وقت أمرنا بالعذاب والإهلاك، وحل العقاب ووقعت الواقعة، ونزلت الصاعقة، نجينا صالحا والمؤمنين معه، برحمة منا، ونجيناهم من عذاب شديد، ومن ذل ومهانة

стр. 3643

حدثت يومئذ أي يوم وقوع الهلاك أو يوم القيامة، والخزي: الذل العظيم البالغ حد الفضيحة، إن ربك هو القوي القادر الغالب على كل شيء، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وكلمة ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ إما بفتح الميم فهو معرب، أو بكسرها فهو مبني مضاف لغير متمكن. وأصبح أمرهم أنه أخذتهم صيحة العذاب وهي الصاعقة ذات الصوت الشديد المهلك، التي تزلزل القلوب، وتصعق عند سماعها النفوس، فصعقوا بها جميعا، وأصبحوا جثثا هامدة ملقاة على الأرض. وكأنهم لسرعة هلاكهم لم يوجدوا في الدنيا، ولم يقيموا في ديارهم، بسبب كفرهم وجحودهم بآيات ربهم، ألا إنهم كفروا بربهم، فاستحقوا عقابه الشديد، ألا بعدا لهم عن رحمة الله، وسحقا لثمود، وهلاكا لهم ولأمثالهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت قصة صالح مع قومه ثمود على العبر والعظات التالية: ١ - إن جحود ثمود وكفرهم بآيات الله وعدم إطاعتهم أوامر رسولهم كان هو شأن هؤلاء القوم إيثارا لتقليد الآباء والأسلاف، بالرغم من أن صالحا ﵇ منهم نسبا وقبيلة، وأقام لهم الأدلة الكافية الشافية على وجوب عبادة الله وتوحيده، من الخلق والإيجاد في الأرض، وجعلهم عمارا لها. ٢ - إن الاستغفار من الذنوب والتوبة من المعاصي سبب سريع لإجابة الدعاء؛ لأن الله قريب من عباده، رحيم بهم، مجيب دعوة المحتاجين والمضطرين، قريب الإجابة لمن دعاه. ٣ - لا تلاقي بين جحود الجاحدين من ثمود وأمثالهم وبين النبي صالح وأمثاله من الأنبياء؛ لأن الجاحدين متمسكون بتقليد الآباء والأسلاف، والنبي ثابت على مبدئه ثبوت الجبال الراسيات، لأنه على يقين من صحة دعوته، وبصيرة من

стр. 3644

صدق ما أوحى الله به إليه، ولأنه أشد الناس خوفا من عذاب الله إن عصاه وخالف أمره. ٤ - كانت الناقة معجزة عجيبة مدهشة؛ لخلقها من الصخرة وخلقها في جوف الجبل، وخلقها حاملا من غير ذكر، وخلقها على تلك الصورة دفعة واحدة من غير ولادة، ولما كان لها من شرب يوم، ولكل القوم شرب يوم آخر، ولإدرارها بلبن كثير يكفي الخلق العظيم، فهذه ستة وجوه، كل وجه منه معجز، مما جعل تلك الناقة آية ومعجزة. ٥ - اقتضى العدل الإلهي ورحمة الله إنجاء صالح ﵇ ومن آمن معه، وكانوا أربعة آلاف، وإهلاك قبيلة ثمود بسبب الجحود برسالة نبيهم، وكفرهم بربهم، وإنكارهم وجوده. ٦ - لا شك بأن وعد الأنبياء صادق صحيح، ووعيدهم مؤكد الحصول، وقد أوعد صالح قومه بالعذاب بعد ثلاثة أيام، وتحقق ذلك في اليوم الرابع. ٧ - كان عذابهم بالصيحة أو بالصاعقة أو بالرجفة، صيح بهم فماتوا، وأصبحوا جثثا ملقاة هنا وهناك في أنحاء ديارهم. والصيحة: إما صيحة جبريل، أو صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم وماتوا، لما أحدثته من رهبة وهيبة عظيمة. ٨ - سحقا وهلاكا لثمود الذين كفروا ربهم، وبعدا وطردا لهم عن رحمة الله بسبب جحودهم وكفرهم.

стр. 3645

قصة إبراهيم ﵇ -بشارته بإسحاق ويعقوب - ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾ اللام لتأكيد الخبر، ودخلت ﴿لَقَدْ﴾ هاهنا؛ لأن السامع لقصص الأنبياء يتوقع قصة بعد قصة، وقد للتوقع. ﴿قالُوا: سَلاماً، قالَ: سَلامٌ﴾ الأول منصوب بقالوا أو على المصدر، والثاني مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سلام، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي وعليكم سلام، أو مرفوع على الحكاية. ﴿أَنْ جاءَ﴾ إما في محل نصب على تقدير حذف حرف الجرّ، أي عن جاء، وإما في محل

стр. 3646

رفع على أنه فاعل ﴿لَبِثَ﴾ أي فما لبث مجيئه، أي ما أبطأ مجيئه بعجل حنيذ، أي مشوي. ﴿وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ منصوب بتقدير فعل دل عليه ﴿فَبَشَّرْناها﴾ أي بشرناها بإسحاق، ووهبنا له يعقوب، أو معطوف على موضع قوله: ﴿بِإِسْحاقَ﴾. ويقرأ بالضم مبتدأ، أو مرفوعا بالجار والمجرور، ويقرأ بالجر معطوفا على ﴿بِإِسْحاقَ﴾. ﴿شَيْخاً﴾ حال من معنى اسم الإشارة أو التنبيه، ويقرأ بالرفع إما خبرا بعد خبر أو بدلا من ﴿بَعْلِي﴾ أو يكون ﴿بَعْلِي﴾ بدلا من هذا، وشيخ خبر عن هذا، أو شيخ خبر مبتدأ آخر، أي هذا شيخ، ونظيره في هذه الأوجه الأربعة قوله تعالى: ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا﴾ [الكهف ١٠٦/ ١٨]. ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ منصوب على المدح أو النداء بقصد التخصيص، والأصح أنه منصوب على الاختصاص. ﴿فَلَمّا ذَهَبَ.﴾. لما ظرف زمان، جوابه محذوف، أي أقبل يجادلنا. وجملة ﴿يُجادِلُنا﴾ حال من ضمير أقبل وهو ضمير إبراهيم. ﴿آتِيهِمْ عَذابٌ﴾ مرفوع باسم الفاعل الذي جرى خبرا، فجرى مجرى الفعل، أي فإنه يأتيهم. البلاغة: ﴿أَأَلِدُ؟﴾ استفهام معناه التعجب. ﴿ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ.﴾. ﴿وَجاءَتْهُ﴾ بينهما طباق. ﴿جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ كناية عن العذاب الذي حكم به الله عليهم. المفردات اللغوية: ﴿رُسُلُنا﴾ الملائكة، قيل: كانوا تسعة، وقيل: ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل ﴿بِالْبُشْرى﴾ ببشارة الولد، وقيل: بهلاك قوم لوط ﴿قالُوا: سَلاماً﴾ سلمنا عليك سلاما، أو منصوب بقالوا أي ذكروا سلاما ﴿قالَ: سَلامٌ﴾ أمركم سلام أو جوابي سلام أو وعليكم سلام، وقد أجابهم بالرفع بأحسن من تحيتهم ﴿فَما لَبِثَ﴾ أبطأ ﴿حَنِيذٍ﴾ مشوي بالرّضف أي بالحجارة المحماة ﴿لا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي لا تمتد للتناول ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ضد عرفه ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أحسّ منهم خوفا في نفسه ﴿إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ إنا ملائكة مرسلة إليهم بالعذاب،

стр. 3647

وإنما نمدّ إليه أيدينا؛ لأنا لا نأكل. ولوط: النبي الكريم ابن أخي إبراهيم وأول من آمن به. ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ﴾ وراء الستر، تسمع محاورتهم، أو تقوم بالخدمة. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورا بزوال الخوف، أو بهلاك أهل الفساد ﴿وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي وهبناها من بعد إسحاق يعقوب ﴿يا وَيْلَتى﴾ أصله يا ويلي وهلاكي أي يا عجبا، وهي كلمة تقال عند التعجب من بلية أو فجيعة أو فضيحة. ﴿بَعْلِي﴾ زوجي، وأصله القائم بالأمر، ويجمع على بعولة ﴿شَيْخاً﴾ ابن مائة أو مائة وعشرين ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، فهي عقيم ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يعني الولد من هرمين، وهو تعجب من حيث العادة لا القدرة الإلهية ﴿مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ قدرته وحكمته، فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة ومهبط المعجزات، وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات، ليس ببدع ولا حقيق بأن يستغربه عاقل، فضلا عمن نشأت وشبت في ملاحظة الآيات. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ تحمد أفعاله ﴿مَجِيدٌ﴾ كثير الخير والإحسان ﴿الرَّوْعُ﴾ الخوف والرعب ﴿وَجاءَتْهُ الْبُشْرى﴾ بدل الروع. ﴿يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ يجادل رسلنا في شأنهم قائلا: إن فيها لوطا. ﴿لَحَلِيمٌ﴾ غير عجول على الانتقام من المسيء إليه ﴿أَوّاهٌ﴾ كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس ﴿مُنِيبٌ﴾ راجع إلى الله، والمقصود من ذلك بيان الحامل له على المجادلة وهو رقة قلبه وفرط رحمته. ﴿يا إِبْراهِيمُ﴾ على إرادة القول، أي قالت الملائكة: يا إبراهيم ﴿أَعْرِضْ﴾ عن هذا الجدال ﴿إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ قدره بمقتضى قضائه الأزلي بعذابهم وهو أعلم بحالهم ﴿غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ غير مصروف بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك. المناسبة: هذه هي القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، وقد ذكرت قصة إبراهيم في سورة البقرة، وذكر إبراهيم في القرآن كثيرا، ذكر مع أبيه وقومه، وذكر هنا مع الملائكة مبشرين له بإسحاق ويعقوب، مخبرين له بهلاك قوم لوط، وذكر مع إسماعيل خاصة في موضع آخر، وكانت قرى لوط بنواحي الشام، وإبراهيم ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط، مروا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان كل من نزل عنده يحسن ضيافته. التفسير والبيان: والله لقد جاءت رسلنا الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وقيل مع

стр. 3648

جبريل سبعة ملائكة آخرون، وذلك مروي عن عطاء وغيره من التابعين، جاءت الرسل إبراهيم بالبشرى تبشره بالولد إسحاق لقوله تعالى هنا: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ وقوله: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات ٢٨/ ٥١]. وقيل: البشرى بهلاك قوم لوط وسلامة لوط. قالوا: سلاما عليك، قال: سلام عليكم، وهذا أحسن مما حيوه لأن الرفع بقوله ﴿سَلامٌ﴾ يدل على الثبوت والدوام، كما ذكر علماء البيان. فما لبث أي فما أبطأ وذهب سريعا، فأتاهم بالضيافة بعجل (وهو فتى البقر) مشوي على الرّضف (جمع رضفة) وهي الحجارة المحماة بالنار أو بالشمس، كما قال تعالى: ﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ، فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ، قالَ: أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات ٢٦/ ٥١]. فلما رأى إبراهيم أيديهم لا تمتد إلى الطعام، أنكر ذلك منهم، ووجد في نفسه خوفا وفزعا منهم، إذ أدرك أنهم ليسوا بشرا، وربما كانوا ملائكة عذاب. قالوا له: لا تخف، فنحن لا نريد سوءا بك، وإنما أرسلنا لا هلاك قوم لوط، وكانت ديارهم قريبة من دياره. ونحن نبشرك بغلام عليم، يحفظ نسلك، ويبقي ذكرك، وهو إسحاق، ثم يعقوب من بعده وهو الذي من ذريته أنبياء بني إسرائيل. وكانت امرأة إبراهيم قائمة وراء ستار بحيث ترى الملائكة، أو كانت واقفة تخدم الملائكة، فضحكت سرورا بزوال الخوف وتحقيق الأمن، أو استبشارا بهلاك قوم لوط لكراهتها لأفعالهم المنكرة، وغلظ كفرهم وعنادهم، فجوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ أي فبشرناها بولد هو إسحاق، وسيلد لإسحاق ولد هو يعقوب كما في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [الأنعام ٨٤/ ٦]. وفسر مجاهد وعكرمة: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي حاضت، وكانت آيسة، تحقيقا للبشارة.

стр. 3649

وهو تفسير غريب مخالف لرأي الجماهير. وذلك لأنه لما ولد لإبراهيم إسماعيل من هاجر، تمنّت سارّة أن يكون لها ابن، وأيست لكبر سنّها، فبشرت بولد يكون نبيا، ويلد نبيا، فكان هذا بشارة لها بأن ترى ولد ولدها. قالت سارّة لما بشرت بالولد: عجبا كيف ألد وأنا عجوز كبيرة شيخة عقيم، وزوجي في سن الشيخوخة لا يولد لمثله، إن هذا الخبر لشيء عجيب غريب عادة. فأجابتها الملائكة: كيف تعجبين من قضاء الله وقدره، أي لا عجب من ان يرزقكما الله الولد، وهو إسحاق، فإن الله لا يعجزه شيء في الكون وهو على كل شيء قدير: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦]. فإن رحمة الله الواسعة وبركاته الكثيرة عليكم يا أهل بيت النبوة، وقد توورثت النبوة في نسل إبراهيم إلى يوم القيامة، إنه تعالى المحمود في جميع أفعاله وأقواله، المستحق لجميع المحامد، الممجد في صفاته وذاته، الكثير الخير والإحسان، فهو محمود ماجد. ثم أخبر الله تعالى عن إبراهيم ﵇ أنه لما ذهب عنه الخوف من الملائكة حين لم يأكلوا، وبشروه بعد ذلك بالولد، وأخبروه بهلاك قوم لوط، وعلم أنهم ملائكة العذاب لقوم لوط، أخذ يجادل الملائكة وهم رسل الله في قوم لوط، وجعلت مجادلتهم مجادلة لله؛ لأنهم جاؤوا بأمره. لأن إبراهيم حليم غير متعجل بالانتقام من المسيء إليه، كثير التأوه مما يسوء الناس ويؤلمهم، ويرجع إلى الله في كل أموره، أي أن رقة قلبه وفرط رحمته حملته على المجادلة.

стр. 3650

فأجابته الملائكة: يا إبراهيم أعرض عن الجدال في أمر قوم لوط، إنه قد جاء أمر ربك بتنفيذ القضاء والعذاب فيهم، وإنهم آتيهم عذاب غير مصروف ولا مدفوع عنهم أبدا، لا بجدال ولا بدعاء ولا بشفاعة ونحوها. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت القصة إلى ما يلي: ١ - تبادل السلام بين الملائكة وبين الأنبياء، فقد سلم الملائكة على إبراهيم ﵇ بقولهم: سلاما، كما تقول: قالوا خيرا، فرد عليهم بتحية أحسن، فقال: سلام عليكم. ٢ - دلت الآية أن من أدب الضيف أن يعجّل قراه، فيقدم الموجود الميسر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان لديه شيء وسعة، ولا يتكلف المفقود غير المستطاع الذي يتضايق به. والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن خلق النبيين والصالحين. وهي سنة وليست بواجبة، لقوله ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي شريح، وأحمد وأبو داود عن أبي هريرة: «الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، فما كان وراء ذلك، فهو صدقة». وقوله ﷺ فيما رواه الشيخان والنسائي وابن ماجه عن أبي شريح وأبي هريرة: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». والمخاطب بالضيافة أهل المدن أو الحضر والبادية في رأي الشافعي، وقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة، لحديث القضاعي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الضيافة على أهل الوبر، وليست على أهل المدر» لكنه حديث لا يصح، كما قال القرطبي.

стр. 3651

والسنة إذا قدّم للضيف الطعام أن يبادر المقدّم إليه بالأكل؛ فإن تكريم الضيف من مضيفه تعجيل التقديم، وتكريم صاحب المنزل من ضيفه المبادرة بالقبول. فلما قبض الملائكة أيديهم، تخوف إبراهيم، أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه. ومن أدب الطعام: أن ينظر المضيف في ضيفه، هل يأكل أولا؟ وذلك بلمح نظر سريع، لا بتأكيد النظر. روي أن أعرابيا أكل مع سليمان بن عبد الملك، فرأى سليمان في لقمة الأعرابي شعرة، فقال له: أزل الشعرة عن لقمتك؛ فقال له: أتنظر إلي نظر من يرى الشعرة في لقمتي؟! والله لا أكلت معك. ٣ - مشاركة الزوجة لعواطف زوجها أمر مستحسن، فإن سارّة ضحكت استبشارا بتعذيب قوم لوط، لكراهتها خبائثهم، قال الجمهور: هو الضحك المعروف. وأنكر بعض اللغويين أن يكون في لغة العرب: ضحكت بمعنى حاضت. ٤ - من السنة قيام المرأة بخدمة الرجال الضيوف بنفسها، وترجم البخاري لحديث في ذلك: «باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس» قال القرطبي: ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب. ٥ - امتنع الملائكة من الطعام؛ لأنهم ملائكة، والملائكة لا يأكلون ولا يشربون، وإنما أتوا إبراهيم في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها، وهو كان مشغوفا بالضيافة. ٦ - ذكر الطبري أن إبراهيم ﵇ لما قدّم العجل قالوا: لا نأكل طعاما إلا بثمن؛ فقال لهم: «ثمنه أن تذكروا الله في أوله، وتحمدوه في آخره» فقال جبريل لأصحابه: بحق اتخذ الله هذا خليلا. ودل هذا على أن التسمية في أول الطعام، والحمد في آخره مشروع في الأمم قبلنا.

стр. 3652

٧ - إن رحمة الله متكاثرة، وبركاته على أهل بيت النبوة متعاقبة، فكان التبشير بولادة ولد لزوجين عجوزين معجزة خارقة للعادة، وتخصيصا لبيت النبوة بكرامة عالية رفيعة، والله تعالى قادر على كل شيء، وإنه حميد مجيد، فلا عجب بعدئذ. ٨ - إن جدل إبراهيم في شأن إهلاك قوم لوط ليس من الذنوب، بدليل إيراد المدح العظيم عقبه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ أي إن رقة قلبه وفرط رحمته وسعة حلمه حملته على المجادلة، التي كان المراد منها سعي إبراهيم في تأخير العذاب عن قوم لوط، رجاء إقدامهم على الإيمان والتوبة من المعاصي. ٩ - دلت آية ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ على أن زوجة الرجل من أهل البيت، وأن أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة ﵂ وغيرها من جملة أهل بيت النبي ﷺ ؛ وممن قال الله فيهم: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب ٣٣/ ٣٣]. قصة لوط ﵇ مع قومه ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾

стр. 3653

الإعراب: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ في موضع الحال. ﴿هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ، و ﴿بَناتِي﴾ عطف بيان، و ﴿هُنَّ﴾ ضمير فصل، و ﴿أَطْهَرُ﴾ خبر المبتدأ. ﴿فِي ضَيْفِي﴾ وحّد الضيف وإن كان جمعا في المعنى؛ لأن ضيفا في الأصل مصدر يصلح للواحد والاثنين والجماعة. ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً.﴾. ﴿لَوْ﴾ حرف امتناع لامتناع، وجوابه محذوف تقديره: لحلت بينكم وبين ما هممتم به من الفساد، والحذف هاهنا أبلغ؛ لأنه يوهم تعظيم الجزاء. و ﴿آوِي﴾ منصوب بأن، ليكون الفعل معها بتأويل المصدر معطوفا على ﴿قُوَّةً﴾ وتقديره: لو أن لي بكم قوة أو اويا. مثل قول ميسون بنت الحارث أم يزيد بن معاوية: ولبس عباءة وتقرّ عيني*أحبّ إلى من لبس الشفوف أي: وأن تقرّ عيني. ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ مستثنى منصوب من قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ ويرفع على البدل من ﴿أَحَدٌ﴾. والمراد بالنهي ﴿وَلا يَلْتَفِتْ﴾ في رأي المبرد المخاطب، ولفظه لغيره، كما تقول لغلامك: لا يخرج فلان، أي لا تدعه يخرج. البلاغة: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ استفهام معناه التعجب والتوبيخ.

стр. 3654

﴿أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ استعارة، والمراد بها قومه وعشيرته؛ لأن الإنسان يلجأ إليهم ويستند كالاستناد إلى ركن. ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ ساءه مجيئهم وحزن بسببهم؛ لأنهم جاؤوا في صورة غلمان، فظن أنهم أناس، فخاف أن يقصدهم قومه، فيعجز عن مدافعتهم. ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه، وهو كناية عن شدة الانقباض، للعجز عن مدافعة المكروه، يقال: ما لي به ذرع أي مالي به طاقة ﴿عَصِيبٌ﴾ شديد الأذى. ﴿يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، يقال: هرع وأهرع: إذا حمل على الإسراع ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ قبل مجيئهم ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ الفواحش وهي إتيان الرجال في الأدبار. ﴿هؤُلاءِ بَناتِي﴾ فتزوجوهن ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أنظف فعلا أو أقل فحشا، وقال أبو حيان: الأحسن أن تكون الإضافة مجازية أي بنات قومي، أي البنات أطهر لكم؛ إذ النبي يتنزل منزلة الأب لقومه. وفي قراءة ابن مسعود: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم» ويدل عليه: أنه فيما قيل: لم يكن له إلا بنتان، وهذا بلفظ الجمع، وأيضا فلا يمكن أن يزوج ابنتيه من جميع قومه. وقيل: أشار إلى بنات نفسه، وندبهم إلى النكاح؛ إذ كان من سنتهم تزويج المؤمنة بالكافر. وقيل: (أحل وأطهر) ليس أفعل التفضيل؛ إذ لا طهارة في إتيان الذكور. ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ تفضحوني، من الخزي، أو لا تخجلوني من الخزاية بمعنى الحياء ﴿فِي ضَيْفِي﴾ أضيافي، يطلق الضيف على الواحد والجمع ﴿رَشِيدٌ﴾ ذو رشد وعقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح ﴿مِنْ حَقٍّ﴾ من حاجة ﴿لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من إتيان الرجال. ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ طاقة، أي لو قويت بنفسي على دفعكم ﴿أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قوي أمتنع به عنكم، أو عشيرة تنصرني، لبطشت بكم ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ بسوء ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾ طائفة أو بقية من الليل، والسّرى: السير ليلا ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ ولا يتخلف أو ولا ينظر إلى ورائه، والنهي في اللفظ لأحد، وفي المعنى للوط، وسبب النهي ألا يرى عظيم ما ينزل بهم ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ فلا تسر بها ﴿إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ﴾ تعليل بطريقة الاستئناف، قيل: إنه لم يخرج بها، وقيل: خرجت والتفتت فقالت: وا قوماه، فجاءها حجر فقتلها. ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ كأنه علة الأمر بالإسراء، أو قد سألهم عن وقت هلاكهم، فأخبروه بذلك. ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ عذابنا أو أمرنا به ﴿جَعَلْنا عالِيَها﴾ أي قراهم ﴿سافِلَها﴾ بأن رفعها جبريل إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ طين طبخ بالنار، بدليل آية أخرى ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات ٣٣/ ٥١] أي طين متحجر.

стр. 3655

﴿مَنْضُودٍ﴾ متتابع منظم ومعدّ لعذابهم ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة للعذاب، أي لها علامة خاصة عند ربك أي في خزائنه ﴿وَما هِيَ﴾ الحجارة أو بلادهم ﴿مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أي أهل مكة وأمثالهم، وهذا وعيد لكل ظالم، روي عن النبي ﷺ أنه سأل جبريل ﵇، فقال: يعني ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة. المناسبة: هذه هي القصّة الخامسة من القصص المذكورة في هذه السّورة، وهي قصة لوط ﵇، وقوم لوط: أهل سدوم في الأردن. قال ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط (ابن أخي إبراهيم) وبين القريتين أربع فراسخ، ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم، وكانوا في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله. التفسير والبيان: ولما جاءت رسلنا من الملائكة لوطا، بعد ما أعلموا إبراهيم بهلاكهم هذه الليلة، وكانوا في أجمل صورة بهيئة شباب حسان الوجوه، ابتلاء من الله، فساءه شأنهم ومجيئهم، وضاقت نفسه بسببهم؛ لأنه ظنّ أنهم من الإنس، فخاف عليهم خبث قومه، وأن يعجزوا عن مقاومتهم، وقال: هذا يوم عصيب أي شديد البلاء. ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ.﴾. وجاء لوطا قومه عند ما سمعوا بالضّيوف وقدومهم، بإخبار امرأته قومها، يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك، لإتيان الفاحشة، وليس ذلك غريبا، فإنهم كانوا قبل مجيئهم يعملون السّيئات ويرتكبون الفواحش، فلم يزل هذا من سجيّتهم، حتى أخذوا وهم على تلك الحال، كما حكى الله عنهم: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ، وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩/ ٢٩] أي ظلوا يقترفون الفاحشة إلى وقت الهلاك.

стр. 3656

﴿قالَ: يا قَوْمِ، هؤُلاءِ.﴾. قال لوط: يا قوم، هؤلاء البنات فتزوّجوهنّ، والمراد بنات القوم ونساؤهم؛ فإن النّبي للأمّة بمنزلة الوالد، كما قال ابن عباس، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدّنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ، وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشّعراء ١٦٥/ ٢٦ - ١٦٦]، قال مجاهد وقتادة وغير واحد: لم يكنّ بناته، ولكن كنّ من أمته، وكلّ نبي أبو أمته. وقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوّجوا النّساء، لم يعرض عليهم سفاحا. وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم هنّ بناته، وهو أب لهم. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ.﴾. أي فاخشوا الله، وأقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم، ولا تفضحوني أو لا تخجلوني في ضيوفي، فإن إهانتهم إهانة لي. أليس منكم رجل فيه رشد وحكمة وعقل وخير يقبل ما آمر به ويترك ما أنهى عنه، ويهديكم إلى الطريق الأقوم. قالوا: لقد علمت سابقا ألا حاجة لنا في النّساء ولا نشتهيهنّ، فلا فائدة فيما تقول، وليس لنا غرض إلا في الذّكور، وأنت تعلم ذلك منا، فأي فائدة في تكرار القول علينا في ذلك؟ والمراد أنهم صمموا على ما يريدون. قال لوط لقومه متوعّدا: لو كان لدي قوة تقاتل معي، أو عشيرة تؤازرني وتنصرني عليكم، وتدفع الشّرّ عني، لكنت قاتلتكم وحلت بينكم وبين ما تريدون. وبعد هذه المخاوف من الفضيحة التي أقلقت لوطا على ضيفانه، بشرته الملائكة بنجاته منهم وهلاكهم بالعذاب: ﴿قالُوا: يا لُوطُ، إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ.﴾. أي قالت الملائكة للوط: إنا رسل ربّك أرسلنا لنجاتك من شرّهم، وإهلاكهم، لن يصلوا بسوء إليك ولا إلى ضيوفك، وحينئذ طمس الله أعينهم، فلم يعودوا

стр. 3657

يبصروا لوطا ومن معه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر ٣٧/ ٥٤]. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ.﴾. أي فاخرج من هذه القرية في جزء من الليل يكفي لتجاوز حدودها، كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذّاريات ٣٥/ ٥١ - ٣٦]. ﴿وَلا يَلْتَفِتْ.﴾. أي ولا ينظر أحد منكم إلى ما وراءه أبدا، حتى لا يصيبه شيء من العذاب، أو يتعاطف معهم، وامضوا حيث تؤمرون. ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ.﴾ .. أي امض بأهلك إلا امرأتك فلا تأخذها معك، إنه مصيبها ما أصابهم من العذاب؛ لأنها كانت كافرة خائنة. ثم ذكر علّة الإسراء ليلا، فقال: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ.﴾. أي إن موعد عذابهم وبدءه هو الصّبح من طلوع الفجر إلى شروق الشّمس، كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر ٧٣/ ١٥]. أليس موعد الصّبح بموعد قريب، وسبب اختيار هذا الوقت كونهم متجمعين في مساكنهم. روي أنهم لما قالوا للوط ﵇: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ قال: أريد أعجل من ذلك، بل الساعة، فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ قال المفسّرون: إن لوطا ﵇ لما سمع هذا الكلام، خرج بأهله في الليل. فلما جاء أمرنا بالعذاب، وكان ذلك عند طلوع الشّمس، ونفذ قضاؤنا، جعلنا عاليها وهي سدوم سافلها، وخسفنا بهم الأرض، وأمطرنا عليهم حجارة من طين متحجّر، منضّد بعضها فوق بعض وتتابع في النّزول عليهم، مسوّمة أي معلّمة للعذاب، عليها علامة خاصة عند ربّك أي في خزائنه، كقوله تعالى:

стр. 3658

﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى. فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النّجم ٥٣/ ٥٣ - ٥٤]. فمن لم يمت حتى سقط للأرض، أمطر الله عليه، وهو تحت الأرض الحجارة، حجارة من سجيل، أي طين متحجّر قوي شديد. وفي التّفسير: أمطرنا في العذاب، ومطرنا في الرّحمة. ثم ذكر الله تعالى العبرة من القصة متوعّدا بها كلّ ظالم فقال: ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أي وما هذه النّقمة أو تلك القرى التي وقعت فيها ممن تشبه بهم في ظلمهم كأهل مكة ببعيد عنه، والمقصود أنه تعالى يرميهم بها. قال أنس: سأل رسول الله ﷺ جبريل عن هذا، فقال: يعني عن ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم، إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة. وفي هذا عبرة للظالمين في كلّ زمان ومكان. وجاء ﴿بِبَعِيدٍ﴾ مذكّرا على معنى بمكان بعيد. ونظير الآية: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧/ ٣٧ - ١٣٨]، أي وإنكم لتمرّون على ديارهم في أسفاركم نهارا أو ليلا، أفلا تعقلون وتتدبّرون بما نزل بهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت قصة لوط ﵇ مع قومه على ما يأتي: ١ - إنّ المؤمن يغار على حرمات الله، ويستبق وقوع الحوادث استعدادا للبلاء قبل نزوله، لذا استاء لوط ﵇ من مجيء وقد الملائكة (ملائكة العذاب الذين بشّروا إبراهيم بالولد) وضاق صدره بمجيئهم وكرهه، وقال: هذا يوم شديد في الشّر. لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ، بصرت بنتا لوط -وهما تستقيان-بالملائكة، ورأتا هيئة حسنة؛

стр. 3659

فقالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع كذا نريد هذه القرية، قالتا: فإن أهلها أصحاب الفواحش؛ فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم! هذا الشيخ، وأشارتا إلى لوط؛ فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم. ٢ - كان مجيء القوم مسرعين بقصد ارتكاب الفاحشة دليلا ماديا محسوسا للملائكة وغيرهم على استحقاقهم العذاب الأليم والعقاب السريع. وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم: إنّ لوطا قد أضاف الليلة فتية، ما رئي مثلهم جمالا؛ وكذا وكذا، فحينئذ جاؤوا يهرعون إليه. ويذكر أن الرّسل لما وصلوا إلى بلد لوط، وجدوا لوطا في حرث (بستان) له. وقيل: وجدوا ابنته تستقي ماء من نهر سدوم.. إلخ ما ذكر سابقا. ٣ - كان قوم لوط يعملون السّيئات، أي كانت عادتهم إتيان الرّجال، فلما جاؤوا إلى لوط، وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال: هؤلاء بناتي، أي أرشدهم إلى التّزوج بالنّساء، وإيثار البنات على الأضياف وقيل: ندبهم في هذه الحالة إلى النّكاح، وكانت سنّتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة؛ وقد كان هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ؛ فزوّج رسول الله ﷺ بنتا له من عقبة بن أبي لهب، والأخرى من أبي العاص بن الرّبيع قبل البعثة والوحي، وكانا كافرين. وقال جماعة من المفسّرين كمجاهد وسعيد بن جبير: أشار بقوله: ﴿بَناتِي﴾ إلى النّساء جملة؛ إذ نبيّ القوم أب لهم، ويؤيّد هذا أن في قراءة ابن مسعود: «النّبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم»، والظاهر أن هذا هو أمثل الآراء وأقربها إلى الصحة.

стр. 3660

٤ - إن الكريم الشّهم الأبي هو الذي يحافظ على كرامة ضيوفه، لذا قال لوط: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ، وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أي لا تهينوني ولا تذلّوني. ثم وبّخهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ؟﴾ أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أو ذو رشد، أو راشد أو مرشد أي صالح أو مصلح. والرّشد والرّشاد: الهدي والاستقامة. ٥ - من ألف الفساد والفحش بعد عن الصّلاح والطّهر، لذا قال قوم لوط: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي ليس لنا إلى بناتك رغبة ولا هنّ نقصد، ولا لنا عادة نطلب ذلك، فإن نكاح الإناث أمر خارج عن مذهبنا أو طريقنا الذي نحن عليه، ولا حاجة لنا بالبنات، أو لأنك لا ترى مناكحتنا، وما هو إلا عرض لا جدّية فيه، فقوله: ﴿مِنْ حَقٍّ﴾ أي مالنا في بناتك من حاجة ولا شهوة. ثم أعلنوا عن شهوتهم فقالوا: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ إشارة إلى الأضياف، والرّغبة في إتيان الذّكور، وما لهم فيه من الشّهوة. ٦ - لم يجد لوط ﵇ سبيلا للرّدع والإرهاب إلا التّهديد وإظهار الغضب والضّجر من موقف قومه، واستمرارهم في غيّهم، وضعفه عنهم وعجزه عن دفعهم، فتمنى لو وجد عونا على ردّهم، وقال على جهة التّفجع والاستكانة: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ أي أنصارا وأعوانا، لرددت أهل الفساد، وحلت بينهم وبين ما يريدون، أو لو أجد ملجأ ألجأ وأنضوي إليه من قبيلة أو عشيرة تؤازرني ضدّ البغي والبغاة، والظّلم والظّالمين، والفسق والفاسقين. وهو دليل على أن لوطا كان في غاية القلق والحزن بسبب إقدام أولئك الأوباش على ما يوجب الفضيحة في حقّ أضيافه.

стр. 3661

٧ - لما رأت الملائكة حزن لوط ﵇ واضطرابه ومدافعته، عرّفوه بأنفسهم: ﴿قالُوا: يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ فلما علم أنهم رسل، مكّن قومه من الدّخول، فأمر جبريل ﵇ يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم فجفّت. وطمأنوه بقولهم: ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ بمكروه، وكان كلام الملائكة متضمّنا أنواعا خمسة من البشارات هي: أنهم رسل الله، وأن الكفار لن يصلوا إلى ما همّوا به، وأنه تعالى يهلكهم، وأنه تعالى ينجيه مع أهله من ذلك العذاب، وأن ركنه شديد، وأن ناصره هو الله تعالى. ٨ - اقتضت رحمة الله تعالى وعدله إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين، وتلك معجزة للنّبي وتكريم لمن آمن معه، وردع للظّالمين وإرهاب للكافرين. فأنقذ الله لوطا وأهله وهم بنتاه إلا امرأته، وأهلك قومه. ٩ - كان إهلاك قوم لوط ما بين طلوع الفجر إلى شروق الشمس بقلب جبريل ﵇ قرى قوم لوط وجعل عاليها سافلها، وهي خمس: سدوم (وهي القرية العظمى) وعامورا، ودادوما، وضعوة، وقتم. أي أن العذاب له وصفان: الأول: قوله تعالى: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض، والثاني قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. وكان هذا العمل معجزة قاهرة من وجهين: أحدهما-أن قلع الأرض وإصعادها إلى قريب من السماء فعل خارق للعادة. والثاني-أن ضربها من ذلك البعد البعيد على الأرض، بحيث لم تتحرك

стр. 3662

سائر القرى المحيطة بها بتاتا أمر عجيب. ثم إن عدم وصول الآفة إلى لوط ﵇ وأهله، مع قرب مكانهم من ذلك الموضع معجزة قاهرة أيضا. ١٠ - وصف الله تعالى الحجارة التي رمي بها قوم لوط بصفات ثلاث هي: الأولى-كونها من سجّيل، أي الشّديد الكثير، أو الطين المتحجّر. الثانية-قوله تعالى: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أي متتابع، أو مصفوف بعضه على بعض، أو مرصوص. الثالثة- ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أي معلّمة، من السّيما وهي العلامة، أي كان عليها أمثال الخواتيم. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ قال الحسن: دليل على أنها ليست من حجارة الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ يعني قوم لوط؛ أي لم تكن تخطئهم، وهي أيضا عبرة لكلّ ظالم من أهل مكة وغيرهم. روي عن النّبي ﷺ أنه قال: «سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرّجال، ونساؤهم بالنّساء، فإذا كان ذلك، فارتقبوا عذاب قوم لوط، أن يرسل الله عليهم حجارة من سجّيل»، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. ١١ - دلّ قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ على أن من فعل فعل قوم لوط، حكمه الرّجم، كما تقدّم في سورة الأعراف.

стр. 3663

قصة شعيب ﵇ ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَاِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾

стр. 3664

الإعراب: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة لمعنى عاملها: ﴿تَعْثَوْا﴾. ﴿أَنْ نَفْعَلَ﴾ في موضع نصب، معطوف على ﴿نَتْرُكَ﴾ أي: أن نترك عبادة آبائنا وفعل ما نشاء في أموالنا. ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ فاعل، والضمير مفعول أول، والثاني: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾. ﴿ضَعِيفاً﴾ حال من كاف ﴿لَنَراكَ﴾ لأنه من رؤية العين، ولو كان من رؤية القلب لكان مفعولا ثانيا. ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾ اسم موصول بمعنى الذي في موضع نصب بتعلمون. ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ جاء بالتاء هنا على الأصل، ولم يعتد بالفصل بالمفعول به بين الفعل والفاعل، وقد جاء القرآن بالوجهين، وكأنه جيء بالتاء هاهنا طلبا للمشاكلة؛ لأن بعدها: كما بعدت ثمود، وأنث الفعل على لفظ الصيحة، وذكر في قصة صالح على معنى الصياح. البلاغة: ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ مجاز عقلي، أسند الإحاطة للزمان الذي هو اليوم، مع أنه ليس بجسم والعذاب فيه. ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ فيه استعارة تمثيلية كالشيء الذي يلقى وراء الظهر.

стр. 3665

المفردات اللغوية: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ﴾ أي وأرسلنا إلى مدين. والمراد أهل مدين، وهو بلد بناه مدين بن إبراهيم ﵇، فسمي باسمه. ﴿اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحدوه. ﴿إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ﴾ بثروة، وسعة في الرزق، ونعمة تغنيكم عن التطفيف، أو أراكم بنعمة من الله تعالى، حقها أن تقابل بغير ما تفعلون، أو أراكم بخير، فلا تزيلوه عنكم بما أنتم عليه. ﴿وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن لم تؤمنوا ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ بكم، لا يشذ منه أحد منكم، يهلككم، ووصف اليوم به مجاز، لوقوعه فيه. ﴿أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾ أوفوهما بالعدل، أمر بالإيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة وتنبيها على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء، ولو بزيادة لا يتأتى دونها. ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ لا تنقصوا من حقهم شيئا. ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي تفسدوا، بنقص الحق أو القتل أو غيره كالسرقة والغارة، وكل من الجملتين الأخيرتين تعميم بعد تخصيص، فقوله: ﴿لا تَبْخَسُوا﴾ أعم من أن يكون في المقدار أو في غيره. وقوله: ﴿لا تَعْثَوْا﴾ يعمّ العثو تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد. ﴿بَقِيَّتُ اللهِ﴾ رزقه الباقي لكم بعد إيفاء الكيل والوزن، أو ما أبقاه الله لكم من الحلال بعد التنزه عما حرم عليكم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من البخس ومما تجمعون بالتطفيف ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بشرط أن تؤمنوا، فإن ثواب الفعل الصالح والنجاة مشروط بالإيمان ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح، أو رقيب أحفظ عليكم أعمالكم، فأجازيكم عليها، وإنما أنا نذير ناصح مبلّغ، وقد أعذرت حين أنذرت. ﴿قالُوا: يا شُعَيْبُ﴾ قالوا له استهزاء. ﴿أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام، أجابوا به بعد أن أمرهم بالتوحيد. ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا﴾ معطوف على ﴿ما﴾، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء بأموالنا، والمعنى: هذا أمر باطل لا يدعو إليه داع بخير، وقصدوا الاستهزاء بصلاته، وكان شعيب كثير الصلوات، فخصوا الصلاة بالذكر، وقالوا: إن دعوتك لا يؤيدها داع عقلي، وإنما دعاك إليه خطرات ووساوس من جنس ما تواظب عليه من الصلاة. ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء، وتهكموا به وقصدوا وصفه بضد ذلك. والحليم: العاقل المتأني، والرشيد: المستقيم على الهداية الراسخ فيها. ﴿قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ إشارة إلى ما آتاه الله من العلم والنبوة. ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ ضمير ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى الله، وذلك إشارة إلى ما آتاه الله من الحلال، فهل أشوبه بالحرام، من البخس والتطفيف. وجواب الشرط محذوف تقديره: فهل يعقل لي مع هذه السعادة الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره ونهيه؟! وهو اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء. ﴿إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ أذهب إلى ما نهيتكم

стр. 3666

عنه فأرتكبه. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي ما أريد إلا أن أصلحكم بالعدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ﴾ أي وما قدرتي على ذلك وغيره من الطاعات، وما توفيقي لإصابة الحق والصواب إلا بهدايته ومعونته. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فوضت أمري إليه، فإنه القادر المتمكن من كل شيء، وما عداه عاجز في ذاته، بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار، وفيه إشارة إلى محض التوحيد. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرجع، إشارة إلى معرفة المعاد، وهو أيضا يفيد الحصر، بتقديم الصلة على الفعل. وفي هذه الكلمات طلب التوفيق لإصابة الحق من الله تعالى، والاستعانة به في أموره كلها، والإقبال عليه، وحسم أطماع الكفار، وعدم المبالاة بمعاداتهم، وتهديهم بالرجوع إلى الله للجزاء. ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ لا يكسبنكم خلافي الشديد معكم ومعاداتي. ﴿ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح ﴿أَوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من الرجفة ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ أي منازلهم أو زمن هلاكهم، أي مكانا أو زمانا، فإن لم تعتبروا بمن قبلهم، فاعتبروا بهم. وإفراد ﴿بِبَعِيدٍ﴾ إما لأن المراد: وما إهلاكهم ببعيد، أو ما هم بشيء بعيد، أو بزمان أو مكان بعيد. ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بالمؤمنين، عظيم الرحمة بالتائبين. ﴿وَدُودٌ﴾ محب لهم، فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل الصادق الود بمن يوده، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار. ﴿قالُوا﴾ إيذانا بقلة المبالاة. ﴿ما نَفْقَهُ﴾ ما نفهم، والفقه: الفهم الدقيق المتعمق. ﴿مِمّا تَقُولُ﴾ من التوحيد. ﴿ضَعِيفاً﴾ ذليلا ﴿رَهْطُكَ﴾ عشيرتك وقومك، والرهط: من الثلاثة إلى العشرة. ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ بالحجارة. ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي كريم عن الرجم. وهذا ديدن السفيه المحجوج يقابل الحجج والآيات بالسب والتهديد. ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾ فتتركوا قتلي لأجلهم، ولا تحفظوني لله. ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي الله. ﴿وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ جعلتموه بشرككم كالشيء الملقى خلف الظهر، لا تراقبونه، أو كالمنسي المنبوذ وراء الظهر بإشراككم به وإهانة رسوله. ﴿مُحِيطٌ﴾ علما بما تعملون، فيجازيكم؛ لأنه لا يخفى عليه شيء منها. ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ حالتكم وتمكنكم في قوتكم. ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ على حالتي. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ الذي يعذبه الله تعالى. ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ انتظروا عاقبة أمركم. ﴿رَقِيبٌ﴾ منتظر. وقد سبق مثله في سورة الأنعام بالفاء: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٣٥/ ٦ ومواضع أخرى] والفاء للتصريح بان الإصرار على الكفر سبب للعذاب، وحذفها هاهنا؛ لأنه جواب سائل قال: فماذا يكون بعد ذلك؟ فهو أبلغ في التهويل. ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ بإهلاكهم. ﴿الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبريل فهلكوا. ﴿جاثِمِينَ﴾

стр. 3667

باركين على الرّكب ميتين. ﴿كَأَنْ﴾ مخففة أي كأنهم ﴿لَمْ يَغْنَوْا﴾ يقيموا. ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ شبههم بهم؛ لأن عذابهم أيضا كان بالصيحة، غير أن صيحتهم كانت من تحتهم، وصيحة مدين كانت من فوقهم. المناسبة: هذه هي القصة السادسة من القصص المذكورة في هذه السورة، وقد تقدم ذكر هذه القصة في سورة الأعراف، وجيء بها في كل موضع لعظة وعبرة وأحكام مختلفة، مع اختلاف في الأسلوب والنظم. وتضمنت القصة هنا تبليغ شعيب ﵇ دعوته، ومناقشة قومه له وردّه عليهم، وإنذار شعيب لهم بالعذاب، ثم وقوعه بالفعل، ونجاة المؤمنين. ومدين: اسم مدينة بين الحجاز والشام قرب (معان) بناها مدين بن إبراهيم ﵇. التفسير والبيان: ولقد أرسلنا إلى مدين أخاهم في القبيلة شعيبا الذي كان من أشرفهم نسبا، فقال: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فهذا أمر بالتوحيد الذي هو أصل الإيمان، ثم نهاهم عن التطفيف في المكيال والميزان فقال: ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾ أي لا تنقصوا الناس حقوقهم في المكيال والميزان، كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١/ ٨٣ - ٣] والمطففون: المنقصون، و ﴿يُخْسِرُونَ﴾: ينقصون. ﴿إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي إني أراكم بثروة وسعة في الرزق ورفاه في المعيشة، تغنيكم عن الطمع والدناءة في بخس الناس حقوقهم، وإني أخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله تعالى، وإني أخشى عليكم عذاب يوم يحيط بكم جميعا،

стр. 3668

فلا يترك أحدا منكم، وهو إما عذاب الاستئصال في الدنيا، وإما عذاب الآخرة في جهنم. ويا قوم وفّوا الكيل والوزن بالعدل، آخذين ومعطين، وهو أمر بالإيفاء بعد النهي عن البخس، للتأكيد والتنبيه على أنه لا يكفي الامتناع عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم الإيفاء ولو بزيادة قليلة. ثم نهاهم عن النقص في كل الأشياء، فقال: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ والبخس: النقص في كل الأشياء، أي إياكم والظلم أو الجور في حقوق الناس. ﴿وَلا تَعْثَوْا.﴾. العثو: الفساد التام، أي لا تفسدوا شيئا من مصالح الدين والدنيا، وقد كانوا يقطعون الطريق، وأنتم تتعمدون الإفساد، فقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ يشمل إنقاص الحقوق وغيره من أنواع الفساد الدنيوية والدينية، وقوله بعدها ﴿مُفْسِدِينَ﴾ معناه: حالة كونكم قاصدين الإفساد، فلا إثم في حال الخطأ أو إرادة الإصلاح. ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ.﴾. أي ما يبقى لكم من الربح الحلال بعد إيفاء المكيال والميزان خير لكم من الحرام، وأكثر بركة وأرجى عاقبة مما تأخذونه بطريق الحرام، بشرط أن تكونوا مؤمنين؛ لأن جعل البقية خيرا لهم إنما هو متحقق في حال الإيمان، وأما مع الكفر فلا خير لهم في شيء من الأعمال، ثم إن الإيمان حافز باعث على الطاعة، فإنهم إن كانوا مؤمنين مقرين بالثواب والعقاب، عملوا على تحصيل ما يؤدي إلى الثواب والنجاة من العقاب، وذلك خير من مسعاهم في أخذ الزائد القليل من الحرام في أثناء الكيل والوزن. وما أنا عليكم برقيب على أعمالكم، ولا مستطيع منعكم من القبائح، وإنما أنا ناصح أمين، فافعلوا الحلال والواجب بدافع من أنفسكم لله ، ولا تفعلوه ليراكم الناس، ما علي إلا البلاغ، وعلى الله حساب الأقوال والأفعال.

стр. 3669

ثم ذكر الله تعالى ردّ أهل مدين على شعيب ﵇ في الأمر بعبادة الله وحده، وترك البخس أو عدم نقص الكيل والميزان. أما الردّ على الأول وهو العبادة لله فقالوا: ﴿يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ..﴾. أي هل صلاتك (أي الأعمال المخصوصة) -وكان شعيب كثير الصلاة-تأمرك بترك عبادة الآباء والأجداد وهي عبادة الأوثان والأصنام؟! قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية، وأعلنوا التمسك بطريقة التقليد في التدين والإيمان، كما يقال اليوم لعالم الدين المصلح: هل علمك أو مشيختك دافع لك إلى ترك ما نحن عليه؟! وأما الرّد على الأمر الثاني وهو ترك البخس فقالوا: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا.﴾. أي وهل صلاتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نريد فعله؟ والمقصود بيان أنهم أحرار في أموالهم يتصرفون فيها بما هو مصلحة لهم، ولا يؤدون الزكاة، ولا ينفقون منها شيئا في سبيل الخير، وإنما يزيدونها بمختلف الوسائل، فما أمرتنا به من ترك التطفيف والبخس، والاقتناع بالحلال القليل، وأنه خير من الحرام الكثير، مناف لسياسة تنمية المال وتكثيره، وما ذلك إلا حجر على حريتنا الاقتصادية. والخلاصة: أن ردهم على شعيب في الأمرين تضمن إمعانهم في التمسك بالتقليد، وفي الطمع المادي الذي لا يبالي فيه صاحبه بالحلال والحرام. ثم أكدوا سخريتهم وهزءهم بقولهم: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ أي إنك لصاحب الحلم والأناة والعقل والتروي، والرشد والاستقامة! وأرادوا وصفه بضد ذلك من الجهالة والطيش وسفاهة الرأي، وغواية الفعل، فعكسوا ليتهكموا به. ثم حسم أطماع الكفر فقال: ﴿يا قَوْمِ، أَرَأَيْتُمْ.﴾. أي أخبروني يا قوم إن كنت على بصيرة من ربي فيما أدعو إليه، ويقين تام وحجة واضحة فيما آمركم به

стр. 3670

وأنهاكم عنه، ورزقني من لدنه رزقا طيبا من النبوة والحكمة، أو رزقا حسنا حلالا طيبا من غير بخس ولا تطفيف، أخبروني إن كنت على يقين من ربي، وكنت نبيا على الحقيقة، أيصح لي ألا آمركم بترك عبادة الأوثان، والكف عن المعاصي، والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك، فجواب الكلام محذوف. ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ أي لا أنهاكم عن الشيء، وأخالف أنا في السر، فأفعله خفية عنكم، والمراد لم أكن أنهاكم عن أمر وأرتكبه، بل أنا متمسك به. ثم أكد مهمته: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ..﴾. أي ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي، وأمري بالمعروف، ونهي عن المنكر، مدة استطاعتي للإصلاح، لا آلو جهدا في ذلك. وفيه إيماء إلى إثبات عقله ورشده، وإبطال تهكمكم. وما توفيقي في إصابة الحق فيما أريده إلا بالله وهدايته وعونه، عليه توكلت في جميع أموري، ومنها تبليغ رسالتي، وإليه أنيب أي أرجع. وهذا يعني ثباته على المبدأ والدعوة، دون أن يخشى منهم سوءا. ويا قوم، لا يحملنكم خلافي معكم، ولا تحملنكم عداوتي وبغضي على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد، فيصيبكم ما أصاب غيركم وأمثالكم من العذاب والنقمة، مثل ما أصاب قوم نوح من الغرق، أو قوم هود من الريح الصرصر العاتية، أو قوم صالح من الرجفة. وما حدث بقوم لوط من العذاب ليس ببعيد زمانا ولا مكانا، فإن لم تعتبروا بمن قبلهم، فاعتبروا بهم. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ.﴾. أي اطلبوا المغفرة من ربكم على سالف الذنوب من

стр. 3671

عبادة الأوثان ونجس المكيال والميزان، ثم توبوا إليه فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة، وارجعوا إلى طاعته، فإن ربي رحيم بمن تاب إليه وأناب، كثير الود والمحبة، يحب من تاب، فهو عظيم الرحمة للتائبين، كثير المودة فاعل بهم ما يفعل البليغ المودّة بمن يودّه من الإحسان. وهذا دليل على أن الاستغفار والتوبة عن الذنوب يسقطها، ويكون سببا لخيري الدنيا والآخرة. وبعد أن فشلت المحاورات والمجادلات، لجأ القوم إلى الإهانة والتهديد وإلصاق التهم الباطلة بشعيب ﵇، وعدم المبالاة به. ﴿قالُوا: يا شُعَيْبُ، ما نَفْقَهُ.﴾. قال أهل مدين: يا شعيب ما نفهم كثيرا من قولك، مع أنه كما قال الثوري: كان يقال له خطيب الأنبياء، وأنت واحد ضعيف، لا حول لك ولا قوة ولا قدرة على شيء من النفع والضر، ولولا جماعتك وعشيرتك الأقربون ومعزتهم علينا، لرجمناك بالحجارة، وليس عندنا لك معزة ولا تكريم، ولا حرمة ولا منزلة في الصدور. والرهط: من الثلاثة إلى العشرة، ورهط الرجل: عشيرته الذين يستند إليهم ويتقوى بهم. والمعنى أنك لما لم تكن علينا عزيزا، سهل علينا الإقدام على قتلك وإيذائك. وكل ما ذكروه لا يبطل ما قرره شعيب ﵇ من الدلائل، بل هو مقابلة الدليل والحجة بالشتم والسفاهة. فوبخهم شعيب على سفاهتهم: ﴿قالَ: يا قَوْمِ، أَرَهْطِي..﴾. أي يا قومي وأهلي، أرهطي أعز وأكرم عليكم من الله، أتتركوني لأجل قومي؟ ولا تتركوني لأجل الله، والله تعالى أولى أن يتبع أمره، وقد اتخذتم جانب الله وراءكم ظهريا، أي نبذتموه خلفكم لا تطيعونه ولا تعظمونه، ولا تخافون بأسه وعقابه إن أقدمتم على الإساءة لنبيه ورسوله. إن ربي محيط علمه بعملكم، عالم بأحوالكم، فلا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيكم. وذلك تحذير وتهديد ووعيد.

стр. 3672

ولما يئس شعيب ﵇ من استجابتهم لدعوته أعلن موقف الحسم والفصل فيما بينه وبينهم: ﴿وَيا قَوْمِ، اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ.﴾. أي يا قوم اعملوا على طريقتكم، واعملوا كل ما في وسعكم وطاقتكم على إلحاق الشر بي، فإني أيضا عامل على طريقتي بما آتاني الله من القدرة، أي أنتم باقون على الكفر والضلال، وأنا ثابت على الدعوة والثقة بقدرة الله تعالى، وهذا تهديد شديد. سوف تعلمون من ينزل به عذاب يخزيه ويذله في الدنيا والآخرة، ومن هو كاذب في قوله مني ومنكم، وانتظروا ما أقول لكم من إيقاع العذاب، إني معكم رقيب منتظر. وهذا تصريح منه بالوعيد، بعد الترك على ما هم عليه. ثم جاء ما يؤيد صدقه: ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا..﴾. أي ولما جاء أمرنا بعذابهم، ونفذ قضاؤنا فيهم، نجينا رسولنا شعيبا والمؤمنين معه، برحمة خاصة بهم، وأخذت الظالمين بظلمهم الصيحة: وهي صوت من السماء شديد مهلك مرجف، وفي سورة الأعراف: هي الرجفة، وفي الشعراء: عذاب يوم الظلة، وهم أمة واحدة، اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، فأصبحوا قعودا ميتين لا يتحركون، وقد اختلف التعبير في كل سورة بما يناسب الإساءة، ففي الأعراف هددوا بإخراج شعيب ومن معه من قريتهم، فذكر هناك الرجفة، وهنا أساؤوا الأدب في مقالتهم مع نبيهم فذكر الصيحة التي أخمدتهم، وفي الشعراء طلبوا إسقاط كسف من السماء عليهم، فأخذهم عذاب يوم الظلة. كأنهم لم يقيموا في بلادهم طويلا في رغد عيش، ولم يعيشوا فيها قبل ذلك، ألا بعدا من رحمة الله، وهلاكا لهم، كما بعدت وهلكت من قبلهم ثمود، وكانوا جيرانهم قريبا منهم في الدار، وشبيها بهم في الكفر وقطع الطريق، وكانوا عربا مثلهم. فكان عذابهم واحدا وهو الصاعقة ذات الصوت الشديد، التي زلزلت الأرض

стр. 3673

من شدتها ورجفت، فخروا ميتين. قال ابن عباس ﵄: لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح، فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت قصة شعيب مع قومه على ما يأتي، ومجملة: إيقاع العذاب بعد الإعراض عن رسالة السماء: ١ - اشتملت دعوة شعيب على جانبين: إصلاح العقيدة وإصلاح الحياة الاجتماعية، ففي الجانب الأول: دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي الجانب الثاني: أمرهم بإيفاء الكيل والميزان وترك البخس والنقص أو التطفيف، فإنهم كانوا مع كفرهم أهل بخس ونقص في حقوق الناس؛ كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام، أخذوا بكيل زائد، واستوفوا بغاية ما يقدرون عليه وظلموا؛ وإن جاءهم مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشحوا عليه بما يقدرون، فأمروا بالإيمان إقلاعا عن الشرك، وبالوفاء بالحق التام الكامل نهيا عن التطفيف، علما بأنهم كانوا بخير وفي سعة من الرزق وكثرة النعم، لكن الطمع والشره المادي أرادهم وجعل سمعتهم سيئة بين الناس. ٢ - كان عذاب أهل مدين عذاب استئصال في الدنيا، ودمار عام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ وصف اليوم بالإحاطة، أي الإحاطة بهم، فإن يوم العذاب إذا أحاط بهم، فقد أحاط العذاب بهم، وهو كقولك: يوم شديد؛ أي شديد حره. وقيل: هو عذاب النار في الآخرة. جاء في الحديث الذي رواه الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «ما أظهر قوم البخس في المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بالقحط والغلاء».

стр. 3674

٣ - اكتفى شعيب بمرة واحدة بالدعوة إلى توحيد الإله، ولكنه كرر وأكد النهي عن بخس الحقوق بألوان مختلفة، فأمر بالإيفاء (أي الإتمام) بعد أن نهى عن التطفيف تأكيدا، ووصف الإيفاء بالقسط أي بالعدل والحق، لكي يصل كل ذي حق إلى حقه، وأراد ألا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود، وكذا الصّنجات، ثم عمم بعد التخصيص عن بخس الناس أشياءهم، أي لا تنقصوهم مما استحقوه شيئا، ثم نهى عن الإفساد في مصالح الدنيا والآخرة: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي أن الخيانة في المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض. وذكر أن البخس بطر وترف وطمع، فلم يكونوا بحاجة، وإنما كانوا بخير: ﴿إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي سعة في الرزق والمعيشة، وقال: ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبر والظلم. وشرط للاستقامة وجود الإيمان: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرط هذا؛ لأنهم إنما يعرفون صحة كون بقية الله خيرا إن كانوا مؤمنين. وجعل رقابة الله في السر والعلن على كل تاجر هي الأساس والباعث على الخشية والطاعة وأداء الحقوق: ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي رقيب أرقبكم عند كيلكم ووزنكم، فلا يمكنني شهود كل معاملة تصدر منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق. ٤ - كانت ردود القوم المحجوجين بالأدلة والبينات في غاية الجهالة والسفاهة، فأعلنوا تمسكهم بالتقليد في عبادة الأوثان والأصنام، وادعاء حريتهم التجارية التي لا تقوم على العدل والحق، وسخروا من صلاته وعبادته التي كان يكثر منها، ونالوا من صفاته، فقالوا على سبيل الاستهزاء والسخرية: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ؟﴾ ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ!﴾ أي أنت ذو سفاهة

стр. 3675

وطيش، وغواية وضلال، لا لشيء إلا لأن شعيبا ﵇ أمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم!! وإنما أقروا له بذلك؛ لأنه كان مشهورا فيما بين الناس بصفة الحلم والرشد. ٥ - كان من قبائحهم قرض الدراهم لتنقيص قدرها، وكسرها لإفساد وصفها، قال المفسرون: كان مما ينهاهم عنه، وعذّبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم، كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدّا، وعلى المقروضة وزنا، وكانوا يبخسون في الوزن. وتلك معاص ومفاسد تستحق العقاب، وتوجب ردّ الشهادة. ٦ - حسم شعيب ﵇ أطماع الكفار، سواء في العقيدة أو في صلاح التعامل، وأعلن ثباته على مبدئه بقوله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي ما أريد إلا فعل الصلاح وإزالة الفساد، وهو أن تصلحوا دنياكم بالعدل، وآخرتكم بالعبادة، ولم يتزحزح عن موقفه في توحيد الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ وثقته به وتفويض أمره إليه ورجوعه إليه في جميع النوائب، واعتماده في الرشد والتوفيق عليه: ﴿وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. وإذا كانت هذه صفاتي فاعلموا أن أمري بالتوحيد وترك إيذاء الناس هو دين حق، وأن مهمتي هي الإبلاغ والإنذار، وأما الإجبار على الطاعة فلا أقدر عليه. ولم يتردد شعيب ﵇ لحظة واحدة في إيفاء الحقوق وإتمام الكيل والميزان: ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ أي واسعا حلالا، وكان شعيب ﵇ كثير المال ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ أي ليس

стр. 3676

أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به. وهكذا فإن فعل النبي مطابق لقوله؛ لأنه الأسوة الحسنة، ولا يعقل غير ذلك. والخلاصة: إنه تعالى لما آتاني جميع السعادات الروحانية والجسمانية، وهي المال والرزق الحسن، فهل يسعني مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في وحيه، وأن أخالفه في أمره ونهيه. ٧ - دلّ قوله: ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ على أن ذلك الرزق إنما حصل من عند الله تعالى وبإعانته، وأنه لا مدخل للكسب فيه، وفيه تنبيه على أن الإعزاز من الله تعالى، والإذلال من الله تعالى، وإذا كان الكل من الله فإن شعيبا أراد القول لهم: فأنا لا أبالي بمخالفتكم، ولا أفرح بموافقتكم، وإنما أقرر دين الله، وأوضح شرائعه. ٨ - التهديد والإنذار بالعذاب قبل وقوعه رحمة بالناس ولطف بهم، لعلهم يرعوون ويرجعون من قريب إلى الله تعالى وإلى طاعته، وإلى توحيده، والتخلص من الشرك والوثنية. وقد أنذر شعيب ﵇ قومه أهل مدين بقوله: لا يكسبنكم معاداتي أن يصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا، مثل ما حصل لقوم نوح ﵇ من الغرق، ولقوم هود من الريح العقيم، ولقوم صالح من الرجفة، ولقوم لوط من الخسف، وكانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط. ٩ - الاستغفار والتوبة من الذنوب الماضية والتصميم على عدم العود إلى مثلها في المستقبل طريق النجاة والأمن من العذاب؛ لأن الله عظيم الرحمة كثير الودّ والمحبة لعباده لينقذهم من العقاب. روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا ذكر شعيبا قال: «ذاك خطيب الأنبياء». ١٠ - بعد أن يئس الكفار أهل مدين من تحقيق مآربهم عن طريق التهكم

стр. 3677

والاستهزاء والسخرية من شعيب ﵇، لجؤوا إلى التهديد والوعيد مظهرين أنه ضعيف لا سند له، وأنهم أعزة أقوياء، ولولا مجاملة عشيرته لقتلوه رجما بالحجارة، وما هو بعزيز عليهم ولا كريم، ولا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع. وهذا شأن الكفار عادة، يعتمدون على القوة المادية، ويهملون النظر إلى تدبير الله وقوته وقهره وقدرته، لذا أراد شعيب أن يلفت نظرهم إلى ضرورة رعاية جانب الله تعالى، وليس مجرد رعاية جانب قومه، فقال: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراما لرهطي، والله تعالى أولى أن يتبع أمره. ١١ - قابلهم شعيب ﵇ بتهديد ووعيد أشد وآكد وأوقع وأصدق، وقال لهم: ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ سوف تعلمون الصادق من الكاذب، وسوف ترون من يأتيه عذاب يخزيه ويهلكه. وانتظروا العذاب والسخط، فإني منتظر النصر والرحمة. ١٢ - كان عذاب أهل مدين كثمود بالصيحة، قيل: صاح بهم جبريل صيحة، فخرجت أرواحهم من أجسادهم، وصاروا ميتين، كأن لم يعيشوا في دارهم. ١٣ - ينضم إلى العذاب الدعاء على الكفار وإعلان الطرد من رحمة الله تعالى: ﴿أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ أي هلاكا لهم وبعدا عن رحمة الله، كما هلكت قبلهم ثمود، وبعدت من رحمة الله تعالى. ١٤ - من فضل الله ورحمته أنه نجى شعيبا ومن معه من المؤمنين، وهو تنبيه على أن كل ما يصل إلى العبد، لا يكون إلا بفضل الله ورحمته، وأن الخلاص والنجاة والإيمان والطاعة والأعمال الصالحة لا تحصل إلا بتوفيق الله تعالى.

стр. 3678

قصة موسى ﵇ مع فرعون وملئه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾ البلاغة: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ استعارة مكنية، شبه النار بماء يورد، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو الورود، وشبه فرعون في تقدمه على قومه بمنزلة من يتقدم على الواردين إلى الماء، للري من العطش. ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ تأكيد لما سبق؛ لأن الورد يكون عادة لتسكين العطش، وفي النار إلهاب للعطش. المفردات اللغوية: ﴿بِآياتِنا﴾ أي بالمعجزات، وهي الآيات التسع المذكورة في سورة الإسراء [الآية ١٠١] وسورة النمل [الآية ١٢] والمفصّلة في سورة الأعراف [الآية ١٣٣]. ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ السلطان: الدلائل والحجج القوية الظاهرة، والمبين: الظاهر الجلي. والفرق بين هذه الكلمات الثلاث: أن الآيات: اسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظن، وبين الدلائل التي تفيد اليقين. وأما السلطان: فهو اسم لما يفيد القطع واليقين، لكنه اسم للقدر المشترك بين الدلائل التي تؤكد بالحس، وبين الدلائل التي لم تتأكد بالحس. والسلطان المبين: هو الدليل القاطع الذي تأكد بالحس. ولما كانت معجزات موسى ﵇ هكذا، وصفها الله بأنها سلطان مبين. ﴿وَمَلائِهِ﴾ الملأ: أشراف القوم وزعماؤهم. ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي وما شأنه وتصرفه بمرشد أو سديد أو بذي رشد وهدى، وإنما هو غيّ محض وضلال صريح.

стр. 3679

﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ أي يتقدمهم يوم القيامة إلى النار، كما كان يتقدمهم في الدنيا إلى الضلال ويتبعونه في الحالين، يقال: قدم بمعنى تقدم. ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ أدخلهم فيها، ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحقيقه، ونزل النار لهم منزلة الماء، فسمي إتيانها موردا. ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ هي، أي بئس المورد الذي وردوه، فإن المورد يراد عادة لتبريد الأكباد وتسكين العطش، والنار بالضد من ذلك. والآية كالدليل على قوله: ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ فإن من هذه عاقبته لم يكن في أمره رشيدا. ﴿وَأُتْبِعُوا﴾ ألحقوا ﴿فِي هذِهِ﴾ الدنيا ﴿لَعْنَةً﴾ طردا من رحمة الله ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي يلعنون في الدنيا والآخرة ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أي بئس العون المعان، أو العطاء المعطى. والمخصوص بالذم محذوف، أي رفدهم وهو اللعنة في الدارين. المناسبة: هذه هي القصة السابعة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة، وهي آخر قصة في هذه السورة، وقد ذكرت قصة موسى ﵇ مع فرعون وملئه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، فذكرت في سورة الأعراف [١٠٤ - ١٠٥] وفي سورة الشعراء [١٧ - ٢٨] وفي سورة طه [٤٨ - ٥٥] وفي سورة القصص [٣٨] وفي سورة غافر [٣٦ - ٣٧]. والعبرة منها واضحة وهي نجاة موسى ومن آمن معه، وهلاك فرعون وأشراف قومه، واللعنة عليهم في الدنيا والآخرة، مثل كفار أولئك الأقوام الظالمين الذين أعرضوا عن دعوة أنبيائهم، كما تقدم، ولكن عذاب فرعون وملئه وهو الغرق في البحر لم يعمّ جميع قومه. التفسير والبيان: تالله لقد أرسلنا موسى بآياتنا التسع ودلالاتنا الباهرة الدالة على توحيد الله إلى فرعون ملك القبط وملئه، وفيها السلطان الواضح الجلي أي الدلالة القاطعة المؤيدة بالحس المشاهد، على صدق نبوته.

стр. 3680

وقيل: المراد من الآيات: التوراة مع ما فيها من الشرائع والأحكام. وقيل: المراد بها الآيات التسع البينات وهي المعجزات، وهي العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونقص من الثمرات والأنفس. ومنهم من أبدل بنقص الثمرات والأنفس إضلال الجبل، وفلق البحر. وفي هذه الآيات سلطان مبين لموسى على صدق نبوته. ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أي تبع الملأ منهج فرعون ومسلكه وطريقته في الغيّ والضلال، من الكفر بموسى، وظلم بني إسرائيل بتقتيل أبنائهم واستحياء نسائهم. وإنما خصّ الملأ بالذكر؛ لأنهم القادة والرؤساء المستشارون والمنفذون وغيرهم تبع لهم. ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي وما شأنه وتصرفه ومنهجه بصالح معقول، فليس فيه رشد ولا هدى، وإنما هو جهل وضلال، وكفر وعناد، وظلم وفساد وجزاؤهم في الآخرة: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ أي يتقدم فرعون كبير قومه وقائدهم إلى نار جهنم يوم القيامة، فيدخلهم فيها؛ لأنه كما اتبعوه في الدنيا وكان مقدمهم ورئيسهم، كذلك هو يقدم يوم القيامة إلى النار، فأوردهم إياها، وله فيها الحظ الأوفر من العذاب الأكبر، كما قال تعالى: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ، فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [المزمل ١٦/ ٧٣] وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفرين في العذاب يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٨/ ٧] وأخبر تعالى عن الكفرة أنهم يقولون في النار: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب ٦٨/ ٣٣] وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار». وورد في القرآن أن آل فرعون يعرضون على النار منذ ماتوا صباحا ومساء
следующие страницы →