← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به. وهكذا فإن فعل النبي مطابق لقوله؛ لأنه الأسوة الحسنة، ولا يعقل غير ذلك. والخلاصة: إنه تعالى لما آتاني جميع السعادات الروحانية والجسمانية، وهي المال والرزق الحسن، فهل يسعني مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في وحيه، وأن أخالفه في أمره ونهيه. ٧ - دلّ قوله: ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ على أن ذلك الرزق إنما حصل من عند الله تعالى وبإعانته، وأنه لا مدخل للكسب فيه، وفيه تنبيه على أن الإعزاز من الله تعالى، والإذلال من الله تعالى، وإذا كان الكل من الله فإن شعيبا أراد القول لهم: فأنا لا أبالي بمخالفتكم، ولا أفرح بموافقتكم، وإنما أقرر دين الله، وأوضح شرائعه. ٨ - التهديد والإنذار بالعذاب قبل وقوعه رحمة بالناس ولطف بهم، لعلهم يرعوون ويرجعون من قريب إلى الله تعالى وإلى طاعته، وإلى توحيده، والتخلص من الشرك والوثنية. وقد أنذر شعيب ﵇ قومه أهل مدين بقوله: لا يكسبنكم معاداتي أن يصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا، مثل ما حصل لقوم نوح ﵇ من الغرق، ولقوم هود من الريح العقيم، ولقوم صالح من الرجفة، ولقوم لوط من الخسف، وكانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط. ٩ - الاستغفار والتوبة من الذنوب الماضية والتصميم على عدم العود إلى مثلها في المستقبل طريق النجاة والأمن من العذاب؛ لأن الله عظيم الرحمة كثير الودّ والمحبة لعباده لينقذهم من العقاب. روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا ذكر شعيبا قال: «ذاك خطيب الأنبياء». ١٠ - بعد أن يئس الكفار أهل مدين من تحقيق مآربهم عن طريق التهكم

стр. 3677

والاستهزاء والسخرية من شعيب ﵇، لجؤوا إلى التهديد والوعيد مظهرين أنه ضعيف لا سند له، وأنهم أعزة أقوياء، ولولا مجاملة عشيرته لقتلوه رجما بالحجارة، وما هو بعزيز عليهم ولا كريم، ولا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع. وهذا شأن الكفار عادة، يعتمدون على القوة المادية، ويهملون النظر إلى تدبير الله وقوته وقهره وقدرته، لذا أراد شعيب أن يلفت نظرهم إلى ضرورة رعاية جانب الله تعالى، وليس مجرد رعاية جانب قومه، فقال: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراما لرهطي، والله تعالى أولى أن يتبع أمره. ١١ - قابلهم شعيب ﵇ بتهديد ووعيد أشد وآكد وأوقع وأصدق، وقال لهم: ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ سوف تعلمون الصادق من الكاذب، وسوف ترون من يأتيه عذاب يخزيه ويهلكه. وانتظروا العذاب والسخط، فإني منتظر النصر والرحمة. ١٢ - كان عذاب أهل مدين كثمود بالصيحة، قيل: صاح بهم جبريل صيحة، فخرجت أرواحهم من أجسادهم، وصاروا ميتين، كأن لم يعيشوا في دارهم. ١٣ - ينضم إلى العذاب الدعاء على الكفار وإعلان الطرد من رحمة الله تعالى: ﴿أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ أي هلاكا لهم وبعدا عن رحمة الله، كما هلكت قبلهم ثمود، وبعدت من رحمة الله تعالى. ١٤ - من فضل الله ورحمته أنه نجى شعيبا ومن معه من المؤمنين، وهو تنبيه على أن كل ما يصل إلى العبد، لا يكون إلا بفضل الله ورحمته، وأن الخلاص والنجاة والإيمان والطاعة والأعمال الصالحة لا تحصل إلا بتوفيق الله تعالى.

стр. 3678

قصة موسى ﵇ مع فرعون وملئه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾ البلاغة: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ استعارة مكنية، شبه النار بماء يورد، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو الورود، وشبه فرعون في تقدمه على قومه بمنزلة من يتقدم على الواردين إلى الماء، للري من العطش. ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ تأكيد لما سبق؛ لأن الورد يكون عادة لتسكين العطش، وفي النار إلهاب للعطش. المفردات اللغوية: ﴿بِآياتِنا﴾ أي بالمعجزات، وهي الآيات التسع المذكورة في سورة الإسراء [الآية ١٠١] وسورة النمل [الآية ١٢] والمفصّلة في سورة الأعراف [الآية ١٣٣]. ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ السلطان: الدلائل والحجج القوية الظاهرة، والمبين: الظاهر الجلي. والفرق بين هذه الكلمات الثلاث: أن الآيات: اسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظن، وبين الدلائل التي تفيد اليقين. وأما السلطان: فهو اسم لما يفيد القطع واليقين، لكنه اسم للقدر المشترك بين الدلائل التي تؤكد بالحس، وبين الدلائل التي لم تتأكد بالحس. والسلطان المبين: هو الدليل القاطع الذي تأكد بالحس. ولما كانت معجزات موسى ﵇ هكذا، وصفها الله بأنها سلطان مبين. ﴿وَمَلائِهِ﴾ الملأ: أشراف القوم وزعماؤهم. ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي وما شأنه وتصرفه بمرشد أو سديد أو بذي رشد وهدى، وإنما هو غيّ محض وضلال صريح.

стр. 3679

﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ أي يتقدمهم يوم القيامة إلى النار، كما كان يتقدمهم في الدنيا إلى الضلال ويتبعونه في الحالين، يقال: قدم بمعنى تقدم. ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ أدخلهم فيها، ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحقيقه، ونزل النار لهم منزلة الماء، فسمي إتيانها موردا. ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ هي، أي بئس المورد الذي وردوه، فإن المورد يراد عادة لتبريد الأكباد وتسكين العطش، والنار بالضد من ذلك. والآية كالدليل على قوله: ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ فإن من هذه عاقبته لم يكن في أمره رشيدا. ﴿وَأُتْبِعُوا﴾ ألحقوا ﴿فِي هذِهِ﴾ الدنيا ﴿لَعْنَةً﴾ طردا من رحمة الله ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي يلعنون في الدنيا والآخرة ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أي بئس العون المعان، أو العطاء المعطى. والمخصوص بالذم محذوف، أي رفدهم وهو اللعنة في الدارين. المناسبة: هذه هي القصة السابعة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة، وهي آخر قصة في هذه السورة، وقد ذكرت قصة موسى ﵇ مع فرعون وملئه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، فذكرت في سورة الأعراف [١٠٤ - ١٠٥] وفي سورة الشعراء [١٧ - ٢٨] وفي سورة طه [٤٨ - ٥٥] وفي سورة القصص [٣٨] وفي سورة غافر [٣٦ - ٣٧]. والعبرة منها واضحة وهي نجاة موسى ومن آمن معه، وهلاك فرعون وأشراف قومه، واللعنة عليهم في الدنيا والآخرة، مثل كفار أولئك الأقوام الظالمين الذين أعرضوا عن دعوة أنبيائهم، كما تقدم، ولكن عذاب فرعون وملئه وهو الغرق في البحر لم يعمّ جميع قومه. التفسير والبيان: تالله لقد أرسلنا موسى بآياتنا التسع ودلالاتنا الباهرة الدالة على توحيد الله إلى فرعون ملك القبط وملئه، وفيها السلطان الواضح الجلي أي الدلالة القاطعة المؤيدة بالحس المشاهد، على صدق نبوته.

стр. 3680

وقيل: المراد من الآيات: التوراة مع ما فيها من الشرائع والأحكام. وقيل: المراد بها الآيات التسع البينات وهي المعجزات، وهي العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونقص من الثمرات والأنفس. ومنهم من أبدل بنقص الثمرات والأنفس إضلال الجبل، وفلق البحر. وفي هذه الآيات سلطان مبين لموسى على صدق نبوته. ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أي تبع الملأ منهج فرعون ومسلكه وطريقته في الغيّ والضلال، من الكفر بموسى، وظلم بني إسرائيل بتقتيل أبنائهم واستحياء نسائهم. وإنما خصّ الملأ بالذكر؛ لأنهم القادة والرؤساء المستشارون والمنفذون وغيرهم تبع لهم. ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي وما شأنه وتصرفه ومنهجه بصالح معقول، فليس فيه رشد ولا هدى، وإنما هو جهل وضلال، وكفر وعناد، وظلم وفساد وجزاؤهم في الآخرة: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ أي يتقدم فرعون كبير قومه وقائدهم إلى نار جهنم يوم القيامة، فيدخلهم فيها؛ لأنه كما اتبعوه في الدنيا وكان مقدمهم ورئيسهم، كذلك هو يقدم يوم القيامة إلى النار، فأوردهم إياها، وله فيها الحظ الأوفر من العذاب الأكبر، كما قال تعالى: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ، فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [المزمل ١٦/ ٧٣] وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفرين في العذاب يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٨/ ٧] وأخبر تعالى عن الكفرة أنهم يقولون في النار: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب ٦٨/ ٣٣] وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار». وورد في القرآن أن آل فرعون يعرضون على النار منذ ماتوا صباحا ومساء

стр. 3681

كل يوم، كما قال تعالى: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ. النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر ٤٥/ ٤٠ - ٤٦]. ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ أي وبئس المورد الذي يردونه النار وبئس المدخل المدخول فيه وهو النار؛ لأن وارد الماء يرده للتبريد وإطفاء حرّ الظمأ، ووارد النار يزداد احتراقا بلهبها ويتلظى بسعيرها. والورد قد يكون بمعنى الورود مصدرا، وقد يكون بمعنى الوارد، والمورود: الماء الذي يورد، والموضع الذي يورد. ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي ألحق الله بهم زيادة على عذاب النار لعنة عظيمة في الدنيا من الأمم الآتية بعدهم، وكذلك يوم القيامة يلعنهم أهل الموقف جميعا، وهم من المقبوحين، فعليهم لعنتان في الدنيا والآخرة فوق عذابهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص ٤٢/ ٢٨] قال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة، فتلك لعنتان. ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أي بئس العون المعان والعطاء المعطى هذه اللعنة اللاحقة بهم في الدنيا والآخرة، فقد سميت اللعنات رفدا تهكما بهم، والرفد: هو العطية. قال ابن عباس عن هذه الجملة: هو اللعنة بعد اللعنة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات المذكورة من قصة موسى مع فرعون وقومه إلى العظات التالية: ١ - تتابعت آيات الله من التوراة وما فيها من شرائع وأحكام، ومن المعجزات الدالة على وحدانية الله تعالى، إلى فرعون وقومه، فما أفادتهم الآيات، وعصوها، واتبعوا منهج فرعون ومسلكه في الغي والضلال.

стр. 3682

٢ - ليس مسلك فرعون وغيره من الفراعنة المتألهين بسديد يؤدي إلى الصواب، ولا بمرشد إلى خير، وإنما هو غيّ وضلال، وكفر وفساد. ٣ - كل قائد إلى الضلال في الدنيا قائد إلى النار يوم القيامة، وله عذاب مضاعف. ٤ - لفرعون وآله فوق عذاب جهنم لعنتان: في الدنيا والآخرة، وهم معذبون في قبورهم عذابا شديدا، ويعرضون فيها على النار صباحا ومساء. ٥ - بئست عاقبة الكافرين، وبئس العطاء المعطى لهم وهو نار جهنم، الموصوفة في قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج ١٩/ ٢٢ - ٢٢]. العبرة من قصص الأمم الظالمة في الدنيا ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ الإعراب: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ﴾ مبتدأ وخبر، أو على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك، وذلك: يشار به إلى الواحد والاثنين والجماعة. ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، أي ذلك النبأ بعض أنباء القرى المهلكة مقصوص عليك. ﴿مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ جملة مستأنفة لا محل لها، أي بعضها باق وبعضها عافي الأثر كالزرع القائم على ساقه والذي حصد.

стр. 3683

﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حال من القرى. البلاغة: ﴿مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ استعارة مكنية، شبه الباقي من آثار القرى بعد تدميرها بالزرع القائم على ساقه، وشبه ما دمّر مع أهله بالزرع المحصود. ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بينهما طباق السلب. ﴿إِذا أَخَذَ الْقُرى﴾ مجاز مرسل، أطلق المحل وأراد الحالّ وهو أهل القرى. المفردات اللغوية: ﴿ذلِكَ﴾ النبأ المذكور سابقا. ﴿مِنْ أَنْباءِ الْقُرى﴾ المهلكة. ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ مقصوص عليك يا محمد. ﴿مِنْها﴾ أي من تلك القرى. ﴿قائِمٌ﴾ باق كالزرع القائم، وهلك أهله دونه. ﴿وَحَصِيدٌ﴾ أي ومن القرى زال أثره وهلك بأهله، فلا أثر له كالزرع المحصود بالمناجل. ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بإهلاكهم بغير ذنب. ﴿وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالشرك الذي عرضوها به للعذاب. ﴿فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ فما نفعتهم ولا قدرت أن تدفع عنهم، بل ضرتهم. ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ﴾ التي يعبدون. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من صلة زائدة. ﴿لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ حين جاءهم عذابه ونقمته. ﴿وَما زادُوهُمْ﴾ بعبادتهم لها. ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ غير هلاك أو تخسير. ﴿وَكَذلِكَ﴾ ومثل ذلك الأخذ. ﴿إِذا أَخَذَ الْقُرى﴾ أي أهلها. ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ بالذنوب، فلا يغني عنهم من أخذهم شي. ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ووجيع غير مرجوّ الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير. المناسبة: المناسبة ظاهرة بين هذه الآيات وما قبلها من الآيات، فبعد أن ذكر الله تعالى قصص الأنبياء مع الأمم السابقة (وهي سبع قصة نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى ﵇ قال منبها إلى ما فيها من العظة والعبرة: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. فيتعلم منها الإنسان أسلوب الجدال ومقارعة الحجة بالحجة، وتأييد الأدلة

стр. 3684

العقلية بالقصص الواقعية، ويتهيأ السامع والقارئ للاستفادة من عبرها وعظاتها، فيلين قلبه، وترق نفسه، وتخشع جوارحه لذكر الله ويرهب عذابه للعصاة، ويعلم أن المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل فيها، والثواب الجزيل في الآخرة، وأن الكافر يخرج من الدنيا مع اللعن فيها، والعقاب في الآخرة. وهي دليل على صدق نبوة محمد ﷺ ، لإخباره عن تلك القصص من غير مطالعة كتب، ولا مدارسة مع معلم، ولا تلمذة لأحد، وهي معجزة عظيمة تدل على النبوة، كما قال تعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.﴾. [يوسف ١١١/ ١٢] (١). التفسير والبيان: لما أخبر الله تعالى عن الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم، وكيف أهلك الكافرين، ونجى المؤمنين قال: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى﴾ أي ذلك النبأ المذكور بعض أنباء القرى المهلكة مقصوص عليك يا محمد، لتخبر به الناس، ويتلوه المؤمنون إلى يوم القيامة تبليغا عنك. وقوله ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الغائب، والمراد به هنا الإشارة إلى القصص المتقدمة، وهي حاضرة، كما في قوله: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ٢/ ٢]. من تلك القرى ما له أثر باق كالزرع القائم على ساقه، كقوم صالح، ومنها ما عفا أثره ودرس حتى لم يعد له أثر كالزرع المحصود، مثل قرى قوم لوط. وما ظلمناهم بإهلاكهم من غير ذنب، ولكن ظلموا أنفسهم بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم، وشركهم وإفسادهم في الأرض، وثقتهم أن آلهتهم المزعومة تدفع عنهم

стр. 3685

المخاوف والمخاطر والمحاذير. ﴿فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ.﴾. فما نفعتهم شيئا ولا دفعت عنهم بأس الله، بل ضرتهم أوثانهم التي كانوا يعبدونها ويدعونها من دون الله أو غيره، فما نفعوهم ولا أنقذوهم بإهلاكهم. وفي قوله تعالى: ﴿الَّتِي يَدْعُونَ﴾ حذف، أي التي كانوا يدعون أي يعبدون. وقوله: ﴿وَما زادُوهُمْ﴾ فيه إضمار ومضاف محذوف أي ما زادتهم عبادة الأصنام. وما زادوهم غير تخسير وهلاك؛ لأن سبب هلاكهم ودمارهم إنما كان باتباعهم تلك الآلهة، فخسروا الدنيا والآخرة. ومثل ذلك الأخذ بالعذاب، وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا، كذلك نفعل بأشباههم، فنأخذ القرى ونهلكها وهي في حالة الظلم الشديد، إن أخذه وجيع شديد لا يرجى منه الخلاص. وهو إنذار وتحذير من سوء عاقبة الظلم. وفي قوله: ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ مضاف محذوف أي وأهلها ظالمون، مثل ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف ٨٢/ ١٢]. ومعنى: إن أخذه أليم شديد أي عقوبته لأهل الشرك موجعة غليظة. ورد في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه، لم يفلته، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ الآية». فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - فائدة القصص القرآني العظة والاعتبار، فإن كل من يشاهد آثار تلك القرى المهلكة، أو يعلم بما حدث لها من غير وجود أثر ظاهر، يأخذه الخوف والوجل والرهبة، ويخشى أن يتعرض لما تعرض له الأقدمون من عذاب مخيف.

стр. 3686

٢ - إن الله تعالى كما أخذ الأمم المتقدمة كقوم نوح، وعاد وثمود، يأخذ جميع الظالمين على النحو ذاته، كما أفاده قوله: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ..﴾. ثم زاده تأكيدا وتقوية بقوله: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ فوصف العذاب بالإيلام والشدة، والألم وشدته سبب المنغصة في الدنيا والآخرة. والآية تفيد أن كل من شارك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي، فلا بد وأن يشاركهم في الأخذ الأليم ٣ - لم يكن عقاب تلك الأمم الظالمة إلا بما بدر منهم من ظلم وهو الكفر والمعاصي، وكان عقابهم عدلا وحكمة. ٤ - كل من أقدم على ظلم، يجب عليه أن يتدارك ظلمه بالتوبة والإنابة، لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم شديد. ٥ - لم تنفع المشركين والكافرين آلهتهم المزعومة بل أضرت بهم، وما زادتهم عبادة الأصنام إلا خسارة ثواب الآخرة. العبرة في قصص القرآن بجزاء الآخرة ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾

стр. 3687

الإعراب: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خبر المبتدأ أو نعت ليوم، وقوله: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿النّاسُ﴾ مرفوع لمجموع، أي يجمع له الناس، لأن اسم المفعول بمنزلة اسم الفاعل في العمل لشبه الفعل. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ﴾ ابتداء وخبر. ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ فيه ضمير يعود إلى قوله: ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. و ﴿لا تَكَلَّمُ﴾ إما صفة ليوم، أي يوم يأتي لا تكلّم نفس فيه، كقوله تعالى: ﴿يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [البقرة ٤٨/ ٢] أي فيه، وإما حال من ضمير ﴿يَأْتِ﴾ أي يوم يأتي اليوم المشهود غير متكلم فيه نفس، وتكلم: حذف منه إحدى التاءين. ويوم: منصوب بما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ أي شقي حينئذ من شقي، وسعد من سعد. ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ.﴾. ﴿ما﴾ ظرفية زمانية مصدرية في موضع نصب، تقديره: مدة دوام السموات والأرض. ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ ﴿ما﴾ في موضع نصب؛ لأنه استثناء منقطع. ﴿عَطاءً.﴾. منصوب على المصدر المؤكد، أي أعطوا عطاء، أو منصوب على الحال من ﴿الْجَنَّةِ﴾. ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ حال من النصيب. البلاغة: ﴿شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ بينهما طباق. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ فيه لف ونشر مرتب. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور من القصص أو ما نزل بالأمم الهالكة. ﴿لَآيَةً﴾ لعبرة ﴿لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ﴾ أي يعتبر بتلك القصص من خاف العذاب الأخروي، لعلمه بأن ما نزل بتلك الأقوام أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة. ﴿ذلِكَ يَوْمٌ﴾ أي يوم القيامة، دل عليه عذاب الآخرة. ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ أي يجمع له الناس، واستعمل صيغة ﴿مَجْمُوعٌ﴾ للدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه من شأنه لا محالة، وأن الناس لا ينفكون عنه، فهو أبلغ من قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن ٩/ ٦٤] ومعنى الجمع له: الجمع لما فيه من الحساب والجزاء.

стр. 3688

﴿وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ يشهده جميع الخلائق، والمعنى الأدق: مشهود فيه أهل السموات والأرضين، ولو جعل اليوم مشهودا في نفسه، لبطل المقصود من تعظيم اليوم وتمييزه، فإن سائر الأيام كذلك. ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أي اليوم. ﴿إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أي لوقت معلوم عند الله، فهو على حذف مضاف، أي إلا لانتهاء مدة معدودة متناهية. ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم والجزاء. ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ بإذن الله تعالى. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من الخلق أهل الموقف. ﴿شَقِيٌّ﴾ وجبت له النار بمقتضى الوعيد، فالشقي: من استحق النار لإساءته. ﴿وَسَعِيدٌ﴾ وجبت له الجنة، بموجب الوعد، والسعيد: من استحق الجنة لعمله مع فضل الله ورحمته ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ في علم الله تعالى. ﴿زَفِيرٌ﴾ صوت شديد. ﴿وَشَهِيقٌ﴾ صوت ضعيف، والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم. وأصل الزفير: إخراج النّفس، الشهيق: إدخال النفس مع السرعة والجهد. ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي مدة دوامهما في الدنيا، وليس المراد ارتباط دوامهم في النار بدوام السموات والأرض، فإن النصوص دالة على تأبيد دوامهم، وانقطاع دوامهما. والمقصود التعبير عن التأبيد بما كانت العرب يعبرون به على سبيل التمثيل. والمفهوم لا يقاوم المنطوق. ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ غير ما شاء الله من الزيادة على مدتها، مما لا منتهى له، والمعنى: خالدين فيها أبدا. أو أن هذا استثناء من الخلود في النار؛ لأن بعضهم وهم فسّاق الموحدين يخرجون منها. والخلاصة: إن خلود أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ثابت بنصوص القرآن العديدة، وأما الاستثناء بالمشيئة هنا، فيراد به الدلالة على الثبوت والاستمرار، وعبر بذلك لبيان أن هذه القضايا بمشيئة الله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أي من غير اعتراض أحد. ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع، وهو تصريح بأن الثواب لا ينقطع. ﴿فَلا تَكُ﴾ يا محمد. ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ شك. ﴿مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ﴾ من الأصنام، إنا نعذبهم، كما عذبنا من قبلهم، وهذا تسلية للنبي ﷺ . ﴿كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ أي كعبادتهم، والاستثناء بقوله: ﴿إِلاّ كَما يَعْبُدُ﴾ معناه تعليل النهي عن المرية، أي هم وآباؤهم سواء في الشرك. ﴿نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من العذاب. ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ أي تاما. المناسبة: الآيات متصلة بما قبلها من أجل بيان العبرة من قصص الأمم الظالمة، فبعد أن ذكر الله تعالى العبرة من إهلاك الأمم الظالمة في الدنيا، ذكر هنا العبرة بجزاء الآخرة لكل من الأشقياء والسعداء، وهي إقامة الدليل على صدق الأنبياء وصدق

стр. 3689

وعد الله في الآخرة، والترهيب من عصيان الله والكفر به، لئلا يكون الإنسان من الأشقياء الذين يصلون النار، والترغيب بالإيمان وطاعة الله ليصير المؤمن الطائع مع السعداء الذين يتمتعون بالجنة. التفسير والبيان: إن في ذلك القصص المتقدم المتضمن إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين لدليلا واضحا وحجة قوية على صدق وعد الله في الآخرة، لمن يؤمن بها ويخاف عذابها، فيتقي الكفر والظلم والعصيان في الدنيا؛ لأنه يعلم أن ما أخبر به الأنبياء من البعث والجزاء صدق لا شك فيه، وأن من عذب الظالمين في الدنيا قادر أن يعذبهم في الآخرة، وأن ما أصاب المجرمين في الدنيا ما هو إلا أنموذج لعذاب الآخرة. قال الزمخشري: قوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما قص الله من قصص الأمم الهالكة بذنوبهم وقوله: ﴿لَآيَةً﴾ أي لعبرة لمن خاف عذاب الآخرة؛ لأنه ينظر إلى ما أحل الله بالمجرمين في الدنيا، وما هو إلا أنموذج مما أعدّ لهم في الآخرة، فإذا رأى عظمه وشدته، اعتبر به عظم العذاب الموعود، فيكون له عبرة وعظة ولطفا في زيادة التقوى والخشية من الله تعالى، ونحوه: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ [النازعات ٢٦/ ٧٩] (١). ذلك اليوم يوم عذاب الآخرة يجمع فيه الناس جميعا أولهم عن آخرهم، ليحاسبوا على أعمالهم، ثم يجازوا عليها، كقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف ٤٧/ ١٨] وذلك يوم مشهود، أي عظيم تحضره الملائكة، ويجتمع فيه الرسل، وتحشر فيه الخلائق بأسرهم من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها.

стр. 3690

والتصرف في الخلائق، سواء في الدنيا بإهلاك تلك الأمم وأمثالها، أو في الآخرة، إنما هو بإرادة الله واختياره لتربية الأمم، لا بالطبيعة كما يزعم الماديون الذين قالوا: إن الطوفان أو الغرق، والصاعقة، وخسف الأرض أو الزلازل أمور طبيعية غير إلهية. وأبسط رد عليهم أن تلك العقوبات حدثت بعد إنذار الرسل لأقوامهم، وحددوا لهم وقتا معلوما، كما قال صالح ﵇: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود ٦٥/ ١١] وقال لوط: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود ٨١/ ١١]. ثم أخبر الله تعالى عن تأخير يوم القيامة وعذابه إلى أجل معين: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أي ما نؤخر إقامة القيامة إلا لانتهاء مدة محدودة في علمنا، لا يزاد عليها ولا ينقص منها، وهي عمر الدنيا، لإعطاء الفرصة الكافية للناس لإصلاح أعمالهم، وتصحيح عقيدتهم، كقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا، لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ، لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ [الكهف ٥٨/ ١٨]. ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ.﴾. أي يوم يأتي يوم القيامة، لا يتكلم أحد إلا بإذن الله تعالى، فهو صاحب الأمر والنهي، ولا يملك أحد فيه قولا ولا فعلا إلا بإذنه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا، لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ، وَقالَ صَواباً﴾ [النبأ ٣٨/ ٧٨] وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ، وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ، فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً﴾ [طه ١٠٨/ ٢٠]. ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ.﴾. أي فمن أهل الجمع من الناس في ذلك اليوم شقي معذّب لكفره وعصيانه، ومنهم سعيد منعّم في الجنان لإيمانه واستقامته، كما أخبر تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى ٧/ ٤٢] فمن أريد له الشر فعمل

стр. 3691

الشر فهو من أهل الشقاوة، ومن أريد له الخير فعمل الخير، فهو من أهل السعادة، وكل ميسر لما خلق له. روى الترمذي والحافظ أبو يعلى في مسنده عن عمر قال: لما نزلت: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ سألت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، علام نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: «على شيء قد فرغ منه يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كل ميسّر لما خلق له، وقرأ: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل ٥/ ٩٢ - ١٠]. ثم بيّن الله تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال عن الفريق الأول: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا.﴾. أي فأما الأشقياء فهم في جهنم مستقرهم ومثواهم، بسبب اعتقادهم الفاسد وعملهم السيء، لهم من الهم والكرب وضيق الصدر زفير وشهيق، تنفسهم زفير، وإخراجهم النّفس، وشهيق، لما هم فيه من العذاب، كما ذكر ابن كثير، مع أن الزفير في العادة هو إخراج النّفس، والشهيق: ردّه. ﴿خالِدِينَ فِيها.﴾. أي ماكثين فيها على الدوام، مدة بقاء السموات والأرض، والمراد التأبيد ونفي الانقطاع، على سبيل التمثيل وقول العرب: أفعل كذا أو لا أفعله ما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وما تغنّت حمامة. ويجوز أن يكون المراد سماء الآخرة وأرضها، وهي دائمة مخلوقة للأبد، والدليل على أن للآخرة سموات (ما هو فوق الخلائق) وأرض (ما هم مستقرون عليه) وقوله: تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم ٤٨/ ١٤] وقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر ٧٤/ ٣٩] ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلّهم ويظلهم، وكل ما أظلك فهو سماء. قال ابن عباس: لكل جنة أرض وسماء.

стр. 3692

﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ يراد بهذا الاستثناء الدلالة على الثبوت والاستمرار؛ لأنه ثبت خلود أهل الجنة والنار فيهما إلى الأبد من غير استثناء، والمقصود بذلك بيان أن الخلود بمشيئة الله تعالى، ولا يخرج شيء في الدنيا والآخرة عن المشيئة الإلهية. وهو كقوله تعالى: ﴿النّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ، إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٢٨/ ٦] وقوله: ﴿قُلْ: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ [الأعراف ١٨٨/ ٧] وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ [الأعلى ٦/ ٨٧ - ٧] والمراد بذلك كله تقييد الأحكام بمشيئة الله تعالى فقط، لا لإفادة عدم عمومها. وهذا هو الظاهر الراجح. قال ابن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليل والنهار. وللعلماء المفسرين أحد عشر قولا ذكرها القرطبي (١)، قال الزمخشري: هو استثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة، وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده، بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار، بما هو أغلظ منها كلها، وهو سخط الله عليهم وإهانته إياهم. وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها، وأجلّ موقعا منهم وهو رضوان الله، ولهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة، مما لا يعرف كنهه إلا هو، فهو المراد بالاستثناء، والدليل عليه قوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٢). أي أنهم خالدون في كل من الجنة والنار إلا ما شاء ربك من تغيير هذا

стр. 3693

النظام المعدّ، أو الإضافة أو النقص منه، ويكون المراد أن كل شيء في قبضته وتحت تصرفه، إن شاء أبقاه وإن شاء منعه. وقال أبو حيان: والظاهر أن قوله ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الزمان الدال عليه قوله: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ والمعنى إلا الزمان الذي شاءه الله تعالى، فلا يكون في النار ولا في الجنة، ويمكن أن يكون هذا الزمان المستثنى هو الزمان الذي يفصل الله بين الخلق يوم القيامة، إذا كان الاستثناء من الكون في النار والجنة؛ لأنه زمان يخلو فيه الشقي والسعيد من دخول النار أو الجنة. وأما إن كان الاستثناء من الخلود، فيمكن ذلك بالنسبة إلى أهل النار، ويكون الزمان المستثنى هو الزمان الذي فات أهل النار العصاة من المؤمنين الذين يخرجون من النار، ويدخلون الجنة، فليسوا خالدين في النار؛ إذ قد أخرجوا منها، وصاروا في الجنة. وأما بالنسبة إلى أهل الجنة فلا يتأتى منهم ما تأتى في أهل النار؛ إذ ليس منهم من يدخل الجنة، ثم لا يخلد فيها (١). ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أي يفعل ما يشاء، على وفق علمه ومقتضى حكمته، فهو يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له. ثم ذكر الله تعالى جزاء الفريق الثاني وهم السعداء: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ أي وأما أهل السعادة وهم أتباع الرسل، فمأواهم الجنة، خالدين فيها، أي ماكثين فيها أبدا، مدة دوام السماء والأرض، بمشيئة الله تعالى، عطاء غير منقطع ولا ممنوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق ٢٥/ ٨٤].

стр. 3694

قال ابن كثير: معنى الاستثناء هاهنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرا واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائما، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النّفس (١). فكل من جزائي أهل النار وأهل الجنة دائم بمشيئة الله تعالى، فعذاب أهل النار في النار دائما مردود إلى مشيئته تعالى، وأنه بعدله وحكمته موافق لأعمالهم، وثواب أهل الجنة في الجنة بحسب مشيئته تعالى أيضا جزاء بما كانوا يعملون، إلا أنه تعالى أورد فرقا في ختام آية كل من الفريقين، فقال عقب بيان حال الأشقياء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ كما قال: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣/ ٢١] وقال عقب بيان حال السعداء: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ لتطييب القلوب، والإشارة إلى أن جزاء المؤمنين هبة منه تعالى وإحسان دائم، قال رسول الله ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». وجاء في الصحيحين: «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت» وفي الصحيح أيضا: «فيقال: يا أهل الجنة، إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا، فلا تيأسوا أبدا». وبعد ذكر أحوال الأشقياء والسعداء، أنذر الله تعالى أعداء النبي ﷺ بتعذيبهم كما عذب الأمم المهلكة المتقدمة، فقال: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ أي إذا علمت يا محمد كل ما ذكر، وعرفت سنة الله في عباده، فلا تك في شك في عاقبة

стр. 3695

ما يعبد المشركون، وفي نهايتهم، فكل ما يعبدون باطل وجهل وضلال، وعذابهم محقق لا شك فيه، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ ووعيد لقومه. إنهم يعبدون الأوثان والأصنام مثلما يعبد آباؤهم، فهم مثلهم في الجهل، وهم مقلدون لهم، فليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات، وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء، فيعذبهم عذابا لا يعذبه أحدا، أما حسنات أعمالهم في الدنيا فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة تماما غير منقوص، فإذا كانوا محسنين فيها كبّر الوالدين وصلة الأرحام، والإحسان إلى الفقراء، وفعل الخير، فإن الله تعالى يوفيهم جزاءهم عليها في الدنيا بسعة الرزق والصحة، والسرور، ودفع الضرر، وهو جزاء عاجل زائل، وتمام غير نقص؛ بمقتضى العدل الإلهي، فلا يغترن أحد بما يراه في الكفار أحيانا من نعمة ورخاء في الدنيا، فإن لهم الدنيا فقط، ويحرمون من نعيم الآخرة، وليس لهم فيها إلا العذاب الشديد بسبب كفرهم بالله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الأحكام التالية: ١ - الأنبياء على صدق تام فيما أخبروا به من أخبار الماضين، ومغيبات المستقبل، سواء في عالم الدنيا، أو في عالم الآخرة، من وقوع العذاب والعقاب، والحشر والحساب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ﴾ أي لعبرة وموعظة لمن يخشى عذاب القيامة. وقوله: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ يدل على إثبات الحشر، فالجمع: الحشر، أي يحشرون ليوم القيامة. وهو يوم يشهده البر والفاجر، ويشهده أهل السماء. ٢ - البعث حق، ولكن اقتضت حكمة الله تأخير يومه لأجل معلوم معدود سبق به قضاؤه.

стр. 3696

٣ - السلطان المطلق في يوم القيامة لله ، فلا يتكلم فيه أحد بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه تعالى. قال قوم: ذلك اليوم طويل، وله مواطن ومواقف، في بعضها يمنعون من الكلام، وفي بعضها يطلق لهم الكلام. وهذا يدل على أنه لا تتكلم نفس إلا بإذنه. ٤ - الناس يوم القيامة صنفان: شقي وسعيد، الأشقياء في النار، والسعداء في الجنة، وكلاهما خالد مخلد فيما هم فيه، من العذاب أو الثواب، بمشيئة الله وإرادته. وهذا الحكم من الله لا يتغير ولا يتبدل، فمن حكم الله عليه بحكم، وعلم منه عمله وأمره، امتنع أن يصير بخلافه، وإلا لزم أن يصير خبر الله تعالى كذبا، وعلمه جهلا، وذلك محال، فثبت أن السعيد لا ينقلب شقيا، وأن الشقي لا ينقلب سعيدا. ٥ - اتفق الجمهور الأعظم من الأمة على أن عذاب الكافر دائم؛ لأن الخلود المذكور في الآية المرتبط بدوام السموات والأرض يقصد به الدوام، على نحو تعبير العرب الذين يعبرون عن الدوام والأبد بقولهم: ما دامت السموات والأرض، وقولهم: ما اختلف الليل والنهار، وما طما البحر، وما أقام الجبل. أو أن المراد سموات الآخرة وأرضها، وفي الآخرة سماء وأرض، بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم ٤٨/ ١٤] وقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر ٧٤/ ٣٦] وأيضا لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم، وذلك هو الأرض والسموات. ٦ - قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ يدل على أن خلود أهل النار فيها وخلود أهل الجنة فيها حاصل بمشيئة الله تعالى، ولا يخرج شيء في الدنيا والآخرة عن المشيئة الإلهية، والمراد بالآية الدلالة على الثبوت والاستمرار. واستدل الرازي

стр. 3697

بالآية على أنه تعالى يخرج الفساق المؤمنين من أهل الصلاة من النار، وهو المراد بهذا الاستثناء في ترجيحه المشابه له ترجيح أبي حيان، فالآية استثناء من الخلود، وهي في الذين زال حكم الخلود عنهم وهم عصاة المؤمنين. وأما الاستثناء بالنسبة لأهل السعادة فيراد به في وجه ذكره الرازي رفع المنازل، فقد يرفع الله من الجنة إلى العرش، وإلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ، وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة ٧٢/ ٩]. ٧ - نعيم أهل الجنة دائم غير منقطع ولا ممنوع، لقوله تعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وقوله: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٣/ ٥٦]. ٨ - إن عبادة المشركين أوثانهم وأصنامهم لا دليل عليها من العقل والمنطق، وإنما صادرة عن محض الجهل وتقليد الآباء والأسلاف، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ.﴾. الآية، أي فلا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع، وأن الله ما أمرهم بعبادتها، وإنما يعبدونها كما كان آباؤهم يفعلون تقليدا لهم. ٩ - الله تعالى عادل أيضا في حق الكفار، فيوفيهم ثواب أعمالهم الحسنة، في الدنيا، ولا يكون لهم ثواب عليها في الآخرة؛ لأن قبول الأعمال حينئذ منوط بالإيمان، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ أي أنهم وإن كفروا وأعرضوا عن الحق فإنا موفوهم نصيبهم من الرزق والخيرات الدنيوية. ويحتمل أن يكون المراد: ما وعدوا به من خير أو شر، كما قال ابن عباس ﵄، ويحتمل أيضا إرادة أنه يوفيهم نصيبهم من العذاب، وربما كان الكل مرادا.

стр. 3698

أهداف القصة في القرآن: قد يتكرر إيراد القصة الواحدة في القرآن بأساليب مختلفة، لمناسبات متعددة، وتأثير نفسي متفاوت، وإيحاء متنوع الهدف. ويظهر لنا من بيان قصص الأمم السابقة في هذه السورة وغيرها من السور المكية غالبا أنها تهدف إلى تحقيق أغراض معينة أهمها ما يأتي: ١ - الإخبار عن تواريخ بعض الأمم الماضية، وإلقاء الأضواء على حوادث غيبية مهمة جدا، لم يكن يدري بها النبي ﷺ ولا أحد من قومه ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ، وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف ١٠٢/ ١٢]، فيكون ذلك دليلا على صدق نبوته، وأن هذا القرآن من عند الله، وليس افتراء منه، كما زعم المشركون إذ قالوا كما حكى القرآن الكريم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ، وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً. وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ١ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. قُلْ: أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان ٤/ ٢٥ - ٦]. ٢ - إخبار الناس جميعا عن جهود الأنبياء والرسل في سبيل نشر دعوتهم، وصراعهم مع أقوامهم، ومجادلاتهم ومناقشاتهم السديدة المتنوعة لإظهار الحق وإبطال الباطل، ومدى استجابة أقوامهم لهم وإعراضهم عنهم، وتسلية لنبيا ﷺ عما كان يؤلمه من صدود الناس عن الإيمان برسالته، كما قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠/ ١١] وفيها بيان كونهم الأسوة الحسنة للجهاد والصبر

стр. 3699

الشديد على الدعوة: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف ٣٥/ ٤٦]. ٣ - إظهار كون الأنبياء متفقين في أصول رسالتهم، وتأييد بعضهم بعضا في الدعوة إلى توحيد الله، والإيمان بالبعث والجزاء واليوم الآخر، وتبيان أصول الخير المشترك من الفضائل والأخلاق والقيم العليا: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ، ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف ١١١/ ١٢]. ٤ - القصة عنصر مشوق، جذاب محبب، مرغوب فيه في التربية والتعليم وإثبات البراهين العقلية بالوقائع الحسية، لا يختلف في التأثير بأسلوبها وحكاية عناصرها الكبار والشباب، والنساء والفتيات، وذلك يؤدي إلى غرس بذور الإيمان، والترغيب في الطاعة، والترهيب من المعصية، مما يجعل القصة مدرسة إلهية للمؤمنين، أساتذتها الأنبياء، وواقعها الأقوام، وتاريخها قديم عريق، وموضوعها إهلاك الظالمين، وغايتها التهذيب والإصلاح والتربية الحسنة. ٥ - تهدف القصة القرآنية في المرتبة الأولى إلى إثبات توحيد الله وتقرير وجوده، وإثبات النبوة، والبعث، ويتخللها أحكام تشريعية هادفة مفيدة للفرد والجماعة، وللأمة والدولة، ولكل الشعوب والحكام. ٦ - تبين القصة أن مهمة النبي مجرد تبليغ الوحي، وإعلام الناس بالإنذارات الإلهية بوقوع العذاب قريبا أم بعيدا، دون أن يكون لديه سلطان ما في التأخير والتغيير، والنفع والضر. ٧ - تظهر القصة أيضا مدى التماثل في طباع البشر، ومدى استعدادهم للإيمان والكفر، والخير والشر.

стр. 3700

٨ - في القصة إظهار سلطان الله وقدرته وقوته القاهرة في تعجيل العذاب، الذي هو أنموذج عن عذاب الآخرة. ٩ - تتضمن القصة التأييد الإلهي للرسل، وإظهار آيات الله ومعجزاته وحججه على الناس، مما يحمل على الإقناع بصحة الدعوة الإلهية، والإيمان بأصحابها الرسل. ١٠ - كان لكل قصة مواعظ وعبر خاصة، تختلف باختلاف أصحابها، فقصة قوم نوح مثلا تمثل الغرور المستحكم والإصرار على الوثنية، وقصة قوم عاد تظهر مدى الاعتداد بالبطش والقوة والتجبر والعتو، وقصة قوم لوط تدل على انحطاط المستوى الإنساني، والشذوذ الجنسي، والفحش الأخلاقي، وقصة قوم شعيب مظهر من مظاهر الانحراف الاجتماعي أو الظلم الاجتماعي وأخذ حقوق الناس وأكل أموالهم بالباطل، وقصة قوم فرعون مثل بارز للاعتماد على السلطان والثروة والجاه، تهز عروش وكيان المتفرعنين الجبابرة في كل زمان ومكان، وجميع تلك القصص لمقاومة الوثنية والفوضى في نظام المجتمع، فإن كل أولئك الأمم كانوا وثنيين عبدة أصنام، وكانت جهود الأنبياء المكثفة مركزة على تخليص الناس من عبادة الأوثان والأصنام. ١١ - القصة في الجملة عظة وعبرة، وعلاج للنفوس، واعتبار بما حل بالعصاة والكفار المتمردين، مما يذهل العقل، ويشيب الرأس، ويقطّع نياط القلب، ويجعل الإنسان في دهشة وخوف ورعب. ١٢ - إن إخبار نبي أمي غير كاتب ولا قارئ، ولا راو ولا حافظ، وهو نبينا ﵊، عن تلك القصص، دليل قاطع على نبوته، وسمو رسالته، وحرصه على نشر العلوم والمعارف، وخفق ألوية الهدى والرشاد، ودليل قبل كل شيء على أن هذا القرآن كلام الله ودستوره لبني البشر إلى يوم القيامة.

стр. 3701

١٣ - تضمنت القصص صلابة كل نبي على مبدئه ودعوته، وإن تعرض للإساءة وتسفيه الرأي، والتصميم أحيانا على قتله أو إبعاده، والأمثلة كثيرة، منها: ما حكاه القرآن عن نوح ﵇: ﴿قالَ: يا قَوْمِ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ، أَنُلْزِمُكُمُوها، وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ [هود ٢٨/ ١١] وتكرر مثل ذلك على لسان شعيب [هود ٨٨/ ١١] وغيره من الأنبياء. ومنها ما حكاه عن هود: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ: إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ، وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ. قالَ: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف ٦٦/ ٧ - ٦٧]. ومنها ما قال قوم شعيب: ﴿قالُوا: يا شُعَيْبُ، ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ، وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً، وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ، وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ [هود ٩١/ ١١]. ١٤ - تكرار القصة الواحدة في سور القرآن أكثر من مرة إنما هو لتحقيق مقاصد وأهداف ومعان كثيرة، لتكون ماثلة أمام الأعين في كل جيل. ولكن تكرارها لم يكن مملا وإنما كان بأساليب متنوعة تجتذب الأنظار، وتنبه العقول، وتطرد السامة والملل من نفس القارئ والسامع. التذكير بعاقبة الاختلاف في التوراة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾

стр. 3702

الإعراب: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا.﴾. إن بالتشديد هو الأصل فيها، و ﴿كُلاًّ﴾: اسمها المنصوب. ومن قرأ ﴿إِنَّ﴾ بالتخفيف، أعمل إن المخففة، كما أعملها مشددة، كما يعمل الفعل تاما ومخففا. وأما ﴿لَمّا﴾ بالتشديد فهو مشكل، إذ ليست هنا بمعنى الزمان، ولا بمعنى إلا، ولا بمعنى لم، وقيل فيها بأوجه منها: أن الأصل فيها «لمن ما» ثم أدغم النون في الميم، فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت الميم المكسورة، وتقديره: وإن كلا لمن خلق ليوفينهم. ومنها: أن تكون «ما» زائدة، وتحذف إحدى الميمات، وتقديره: لخلق ليوفينهم. ومن خفف الميم من «لما» جعل «ما» زائدة، أتى بها ليفصل بين اللام التي في خبر ﴿إِنَّ﴾ ولام القسم التي في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾. وقال الزمخشري: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ﴾ التنوين عوض من المضاف إليه، يعني وإن كلهم، وإن جميع المختلفين فيه. و ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ جواب قسم محذوف واللام في ﴿لَمّا﴾ موطئة للقسم، وما: مزيدة للفصل، والمعنى: وإن جميعهم والله ليوفينهم، ولام ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ للتأكيد. البلاغة: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ الكلمة هنا كناية عن القضاء والقدر. المفردات اللغوية: ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بالتصديق والتكذيب فآمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف مشركو مكة في القرآن ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير الحساب والجزاء للخلائق يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدنيا فيما اختلفوا فيه، بإنزال ما يستحقه المبطل، ليتميز به عن المحق ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وإن كفار مكة، أو المكذبين بالتوراة ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ لفي شك في القرآن أو في التوراة، موقع في الريبة. ﴿وَإِنَّ كُلاًّ﴾ إن بالتشديد والتخفيف، أي وإن كل المختلفين، المؤمنين منهم والكافرين، والتنوين: بدل المضاف إليه ﴿لَمّا﴾ ما: زائدة، واللام موطئة لقسم محذوف مقدر، واللام الثانية التي في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ للتأكيد، أو بالعكس، وما: مزيدة للفصل بين اللامين. ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ﴾ أي جزاءها ﴿إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالم ببواطن العمل كظواهره. المناسبة: بعد أن ذكّر الله تعالى مشركي مكة بمصير الأمم الهالكة لكفرهم، ذكّرهم هنا

стр. 3703

أيضا بقوم موسى الذين اختلفوا في التوراة، بين مؤمن وكافر، فعاقبهم الله وجازاهم بسوء أعمالهم. وهو يدل على أن سيرة الكفار الفاسدة مع كل الأنبياء واحدة، فكما أنكر كفار مكة التوحيد، أنكروا أيضا نبوة محمد ﷺ ، وكذبوا بكتابه، شأنهم في ذلك شأن وعادة الكفار من قبلهم. التفسير والبيان: والله لقد آتينا موسى الكتاب الذي هو التوراة، فاختلف فيه بنو إسرائيل من بعده، ظلما وبغيا، وتنازعا على الزعامة والمصالح المادية، فآمن به قوم وكفر به آخرون، مع أن الكتاب نزل لتوحيد الكلمة وجمع الناس على منهج واحد، فلا تبال يا محمد باختلاف قومك في القرآن، فلك بمن سلف من الأنبياء قبلك أسوة، فلا تجزع لتكذيبهم. ولولا كلمة من ربك أي لولا سبق القضاء والقدر بتأخير العذاب إلى أجل مسمى، لقضي بينهم في الدنيا، بإهلاك العصاة، وإنجاء المؤمنين، كما حدث لأمم آخرين. وإن المكذبين لفي شك موقع في الريبة والقلق، والظاهر عود الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وقوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ على قوم موسى ﵇؛ إذ هم المختلفون في الكتاب، الشاكون في التوراة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى ١٤/ ٤٢] والذين أورثوا الكتاب: هم اليهود والنصارى، والتوراة قد فقدت مع إحراق البابليين لهيكل سليمان، وقيل: يعود الضمير على المختلفين في الرسول من معاصريه. قال ابن عطية: وأن يعمهم اللفظ أحسن عندي. وهذه الجملة من جملة تسليته ﷺ (١).

стр. 3704

وإن كلا من المؤمنين والكافرين المختلفين في كتاب الله ليوفينهم الله جزاء أعمالهم، وما وعدوا به من خير أو شر؛ لأنه خبير بتلك الأعمال كلها، ولا يخفى عليه شيء منها. وهذا أيضا تسلية للنبي ﷺ ، وتهديد ووعيد لقومه. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيتين ما يأتي: ١ - عادة الناس واحدة مع كل الأنبياء، فمنهم من يقبل دعوتهم، ويؤمن برسالتهم، ومنهم من ينكرها، وكفار قوم موسى وغيرهم أنكروا التوحيد، وأصروا على إنكار النبوات، والتكذيب بالكتب السماوية، وكذلك كفار مكة وغيرهم من قوم محمد ﷺ وغيرهم مثل من تقدمهم فيما ذكر، فيكون جزاؤهم واحدا. ٢ - الاختلاف في الكتاب الإلهي كالتوراة والقرآن، بأن يؤمن به بعضهم ويكفر به بعضهم الآخر، موجب للعقاب والعذاب في الآخرة. ٣ - حكم الله أن يؤخر عقاب الكافرين كبني إسرائيل لانقسامهم بالنسبة للتوراة بين مكذب بها ومصدّق بها، إلى يوم القيامة، لما علم في حكم التأخير من الصلاح؛ ولولا التأخير، لقضي بينهم أجلهم، بأن يثيب المؤمن ويعاقب الكافر، وينزل عذاب الاستئصال عليهم، لكن المتقدم من قضاء الله أخر العذاب عنهم في دنياهم. ٤ - إن أولئك المختلفين في التوراة من اليهود لفي شك من كتاب موسى، وهم في شك أيضا من القرآن. ٥ - إن كل الأمم والأفراد، المؤمن منهم والكافر، يرون في الآخرة جزاء أعمالهم، سواء من أقوام الأنبياء السابقين أو من قوم محمد ﵈، فمن

стр. 3705

عجلت عقوبته ومن أخّرت، ومن صدّق الرسل ومن كذب، حالهم سواء في أنه تعالى يوفيهم جزاء أعمالهم في الآخرة، وهو مأخوذ من الآية ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ التي جمعت بين الوعد والوعيد، فإن إيفاء جزاء الطاعات وعد عظيم، وإيفاء جزاء المعاصي وعيد عظيم. وتأكد الوعد والوعيد بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لأنه تعالى لما كان عالما بجميع المعلومات، كان عالما بمقادير الطاعات والمعاصي، وعالما بالقدر المناسب لكل عمل من الجزاء، فلا يضيع شيء عنده من الحقوق والجزاءات. وأكد الله تعالى توفية الجزاءات على المستحقين في الآية المذكورة: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ بسبعة أنواع من المؤكدات: وهي إنّ، وكل، والام الداخلة على خبر إن، وحرف «ما» إذا جعلناه على قول الفراء موصولا، والقسم المضمر، فإن تقدير الكلام: وإن جميعهم والله ليوفينهم، واللام الثانية الداخلة على جواب القسم، والنون المؤكدة في قوله: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ فكل هذه الألفاظ السبعة الدالة على التوكيد، تدل على أن أمر الربوبية والعبودية لا يتم إلا بالبعث والقيامة وأمر الحشر والنشر، ثم أردفه بقوله: ﴿إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ كما تقدم، وهو من أعظم المؤكدات (١). الاستقامة على أوامر الله تعالى ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾

стр. 3706

الإعراب: ﴿وَمَنْ تابَ مَعَكَ﴾ مرفوع بالعطف على ضمير ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ وجاز العطف على الضمير المرفوع؛ لأن الفصل بالظرف، وهو قوله تعالى: ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ ينزّل منزلة التأكيد، فجاز العطف. ويجوز أن يكون ﴿وَمَنْ تابَ﴾ في موضع نصب؛ لأنه مفعول معه. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الواو للحال. المفردات اللغوية: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ على العمل بأمر ربّك والدّعاء إليه، والاستقامة شاملة للاستقامة في العقائد والأعمال، من تبليغ الوحي وبيان الشرائع كما أنزلت، والقيام بوظائف العبادات من غير إفراط ولا تفريط. والاستقامة في غاية العسر، لذا قال ﵊: «شيبتني سورة هود». ﴿وَمَنْ تابَ مَعَكَ﴾ أي وليستقم من تاب معك، بأن تاب من الشرك والكفر وآمن معك. ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ لا تجاوزوا حدود الله، والطغيان: مجاوزة الحدّ بالإفراط أو التفريط. ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فهو مجازيكم عليه، وهو في معنى التّعليل للأمر والنّهي. ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ لا تميلوا إليهم أدنى ميل، والرّكون: الميل اليسير. ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لا تميلوا إلى الظالمين بمودة أو مداهنة أو رضى بأعمالهم. ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ فتصيبكم النّار كونكم إليهم. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره. ﴿مِنْ أَوْلِياءَ﴾ ﴿مِنْ﴾: زائدة، و ﴿أَوْلِياءَ﴾ مناصرون يحفظونكم منه، أو أنصار يمنعون العذاب عنكم. ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ تمنعون من عذابه، ولا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن يعذبكم ولا يبقي عليكم. و ﴿ثُمَّ﴾: لاستبعاد نصره إياهم بعد أن أوعدهم بالعذاب على فعلهم، وأوجبه. المناسبة: لما بيّن الله تعالى أمر المختلفين في التّوحيد والنبّوة، وأطنب في بيان وعدهم ووعيدهم، أمر رسوله ﷺ بالاستقامة مثلما أمر بها غيره، وهي كلمة شاملة لكلّ ما ينعق بالعقيدة والعلم والعمل والأخلاق. التفسير والبيان: فالزم يا محمد ومن آمن معك طريق الاستقامة في الاعتقاد والأعمال

стр. 3707

والأخلاق، دون إفراط ولا تفريط. فالاستقامة تقتضي توحيد الله في ذاته وصفاته، والإيمان بالغيب من جنّة ونار وبعث وحساب وجزاء، وملائكة وعرش، والتزام ما أمر به القرآن في نطاق العبادات والمعاملات. وهي درجة عليا وعسيرة إلا على من جاهد نفسه، وترفّع عن أهوائه وشهواته، وقد أمر بها موسى وهارون بقوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس ٨٩/ ١٠]، وكان جزاؤها تطمين الملائكة بعدم الخوف والحزن، والتّبشير بالجنّة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ، ثُمَّ اسْتَقامُوا، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠/ ٤١]، و أجاب النّبي ﷺ سائلا-هو سفيان الثقفي فيما رواه مسلّم- قال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك؟ فقال: «قل آمنت بالله ثم استقم». ولا يعني أمر الرّسول بالاستقامة أنه لم يكن مستقيما، وإنما كان على العكس في غاية الاستقامة، والمقصود بهذا الأمر الدّوام والاستمرار على ما هو عليه. فالله تعالى يأمر رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدّوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النّصر على الأعداء. وخطاب الرّسول ﷺ ومن معه من المؤمنين بالاستقامة للتّثبيت على الاستقامة. وفي الآية دليل على وجوب اتّباع النّصوص الشّرعية من غير تصرّف وانحراف، ولا تقليد وعمل برأي فاسد غير صحيح، ومن حاد عن منهج السّلف زاغ وضلّ، فكانوا كقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الرّوم ٣٢/ ٣٠]. وطريق رفع الخلاف الرّد إلى القرآن والسّنة، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النّساء ٥٩/ ٤].

стр. 3708

وبعد أن أمر الله تعالى بالاستقامة، نهى عن ضدّها وهو الطّغيان، أي البغي وتجاوز حدود الله، فإنه مزلقة إلى الهلاك، فقال تعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾. ثمّ حذّر الله تعالى من المخالفة، فقال: ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي إنه تعالى بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء، فيجازي عليها. والدّعوة إلى الاستقامة وتجنّب الطّغيان هو هدف القرآن الكريم المتكرر فيه، فقال تعالى: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، وَقُلْ:﴾ ﴿آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ، وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ، لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ، اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى ١٥/ ٤٢]. ثم نبّه الله تعالى إلى خطر الميل مع الظالمين، فقال: ﴿وَلا تَرْكَنُوا.﴾. أي ولا تميلوا إلى الظالمين بمودة أو مداهنة أو رضى بأعمالهم، أو استعانة بهم، أو اعتماد عليهم، فتصيبكم النّار بركونكم إليهم، فالرّكون إلى الظّالمين ظلم، وليس لكم من غير الله أنصار أبدا ينفعونكم، ويمنعون العذاب عنكم، ثم لا ينصركم الله، أي لا تجدون من ينصركم من تلك الواقعة؛ لأنه تعالى لا ينصر الظّالمين: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ [البقرة ٢٧٠/ ٢]، ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحجّ ٧١/ ٢٢، فاطر ٣٧/ ٣٥]. والآية تدلّ على عاقبة الرّكون، وعلى أن الميل إلى الظّالمين موقع عادة في الظّلم، ومزلقة تستدعي إقرارهم على ما يفعلون، والرّضى بما هم عليه من الظّلم، واستحسان طريقتهم، وتزيينها عندهم وعند غيرهم، ومشاركتهم في أعمالهم الظّالمة. قال البيضاوي: ولعل الآية أبلغ ما يتصوّر في النّهي عن الظّلم والتّهديد عليه. وإذا كان الرّكون إلى الظّلم موجبا عذاب النّار، فكيف يكون حال الظّالم في نفسه؟!

стр. 3709

فقه الحياة أو الأحكام: تدلّ الآيتان على الأمر بالاستقامة والثّبات والدّوام عليها، وعلى تحريم ضدّها وهو الطّغيان، أي تجاوز حدود الله تعالى، وعدم الاعتماد على الظّلمة والرّضا بظلمهم. والاستقامة: امتثال أمر الله، وليست تلك مهمة سهلة وإنما هي شاقّة عسيرة تستدعي الطّاعة الدّائمة، ومراقبة الإنسان نفسه، والحذر من المخالفة، قال ابن عباس: ما نزل على رسول الله ﷺ آية هي أشدّ ولا أشقّ من هذه الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشّيب! فقال: «شيّبتني هود وأخواتها». وروي عن أبي علي السّري قال: رأيت النّبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله! روي عنك أنك قلت: «شيّبتني هود»، فقال: «نعم»، فقلت: ما الذي شيّبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم! فقال: «لا، ولكن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾». والاستقامة تقتضي اتّباع نصوص القرآن والسنّة، والبعد عن التّأويلات الباطلة، والعمل بالرّأي الفاسد المخالف روح الشّريعة ومبادئها العامة. ثمّ حذّرت الآية من الاعتماد على الظّلمة، والرّضا بظلمهم، والاستعانة بهم، والتعاون معهم، وودّهم وإطاعتهم؛ لأن ودّهم يستدعي إطراءهم وتملّقهم، وتزييف الحقائق، وكتمان الحقّ، والسّكوت عن المنكر، وعدم الأمر بالمعروف. والظّلم: يشمل الشّرك وكلّ أنواع القبائح والمعاصي والمنكرات، والآية دالّة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية، إذ الصّحبة لا تكون إلا عن مودّة. أما صحبة الظّالم على التّقيّة، فهي مستثناة من النّهي بحال الاضطرار. روى الإمام أحمد وأصحاب السّنن عن أبي بكر أنه قام، فحمد الله،

стр. 3710

وأثنى عليه، ثم قال: أيّها النّاس، إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ألا وإن النّاس إذا رأوا الظّالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك الله أن يعمّهم بعقابه، ألا وإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ النّاس إذا رأوا المنكر بينهم، فلم ينكروه، يوشك أن يعمّهم الله بعقابه». وقد تضمّنت الآية صراحة بيان عاقبة الرّكون إلى الظّلمة، وهي الإحراق بالنّار، بسبب مخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على ما هم عليه، وموافقتهم في أمورهم. والظّلمة: هم أعداء المؤمنين، من المشركين، أو كلّ ظالم، سواء أكان كافرا أم مسلما، والرّأي الثّاني أصح؛ لأن الأخذ بعموم الكلام أولى. ويلاحظ من اختلاف التّعبيرين: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ و ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ أن الأوامر بأفعال الخير أفردت للنّبي ﷺ ، وإن كانت عامة في المعنى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ وقوله في الآية التالية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾، ﴿وَاصْبِرْ﴾. أما المنهيّات فقد جمعت للأمة: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾، ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. الأمر بالصّلاة والصّبر ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ (١١٤) وَاِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾ الإعراب: ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ منصوب على الظّرف؛ لأنه مضاف إليه.

стр. 3711

البلاغة: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ بينهما طباق. ﴿ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ عدول عن المضمر، ليكون كالبرهان على المقصود، ودليلا على أن الصّبر والصّلاة إحسان، وإيماء بأنه لا يعتدّ بهما دون الإخلاص. المفردات اللغوية: ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أي في الغداة والعشي، أي الصّبح والظّهر والعصر كما قال الحسن وقتادة والضّحاك، وطرف الشيء: الطّائفة منه من النّهاية والبداية. ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ جمع زلفة أي طائفة وجزء من أول الليل قريب من النّهار، وذلك يشمل صلاة المغرب وصلاة العشاء، كما قال الحسن البصري. ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ يكفرنها، وفي الحديث الذي أخرجه أبو نعيم عن أنس: «الصلوات الخمس كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» والحسنات كالصلوات الخمس وغيرها من أعمال البر، والسيئات: الذنوب الصغائر. ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين. ﴿وَاصْبِرْ﴾ على الطاعات وعن المعاصي. ﴿لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالصبر على الطاعة. سبب النزول: روى الشيخان، وابن جرير، عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ فقال الرجل: إليّ هذه؟ قال: لجميع أمتي كلهم. وأخرج الترمذي وغيره عن أبي اليسر قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا، فقلت: في البيت أطيب منه، فدخلت معي البيت، فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟! وأطرق طويلا، حتى أوحى الله إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِلذّاكِرِينَ﴾

стр. 3712

وروي ذلك من حديث أبي أمامة ومعاذ بن جبل وابن عباس وبريدة وغيرهم. ومنه يفهم أن ذنب الرجل لا حدّ فيه، وإنما هو ذنب يكفره العمل الصالح، من إقامة الصلاة وإحسان القول والعمل. ورواية الترمذي عن ابن مسعود هي: قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسّها، وأنا هذا، فاقض فيّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله! لو سترت على نفسك؛ فلم يردّ عليه رسول الله ﷺ شيئا، فانطلق الرجل، فأتبعه رسول الله ﷺ رجلا فدعاه، فتلا عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ، وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ إلى آخر الآية، فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال: «لا، بل للناس كافة» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بالاستقامة، وعدم تجاوز حدود الدين، وعدم الركون إلى ذوي الظلم، أردفه بالأمر بالصلاة والصبر، وهو يدل على أن أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة، ويليها الصبر، فإنه نصف الإيمان، فهما عدة الامتثال، والصلاة أساس العبادات، وعمود الدين. التفسير والبيان: موضوع هاتين الآيتين: الاستعانة بالصلاة والصبر، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣/ ٢]. أما بالنسبة للصلاة فالآية في تحديد أوقاتها، ومعناها: أدّ الصلاة تامة كاملة الأركان والشروط والأوصاف، باعتبارها صلة بين العبد والرب، مطهرة

стр. 3713

للنفس، مرضاة للرب، مانعة عن الفحشاء والمنكر، وأداؤها في جميع أجزاء اليوم، فقوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ يشمل ثلاث صلوات هي الصبح والظهر والعصر، وقوله: ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ يشمل صلاتي المغرب والعشاء. فتكون الآية شاملة جميع أوقات الصلاة، كما جاء في آيات أخر هي: ١ - ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ، وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء ٧٨/ ١٧]. ٢ - ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا، وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم ١٧/ ٣٠ - ١٨] فصلاة الصبح عند الإصباح، وبقية الصلوات تدخل تحت تعبير المساء؛ لأنه يشمل ما بين الظهر والغروب فما بعده. ٣ - ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها، وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ، فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ، لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [طه ١٣٠/ ٢٠] والتسبيح يكون بالصلاة وغيرها. ثم ذكر الله تعالى فائدة الصّلاة بقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ.﴾. أي إنّ فعل الخيرات أو الأعمال الحسنة، ومنها الصّلوات الخمس، تكفّر الذّنوب السّالفة، والسّيئات الصّغائر، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السّنن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدّثني عنه أحد، استحلفته، فإذا حلف صدّقته، وحدّثني أبو بكر-وصدق أبو بكر-أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم يذنب ذنبا، فيتوضأ، ويصلّي ركعتين، إلا غفر له». وفي الصّحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفّان: أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله ﷺ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقال: «من

стр. 3714

توضأ وضوئي هذا، ثم صلّى ركعتين، لا يحدّث فيهما نفسه، غفر له ما تقدّم من ذنبه». والحسنات: جميع الأعمال الصّالحة، حتى ترك السّيئة، والسّيئات: الذّنوب الصّغائر؛ لأن الكبائر لا يكفّرها إلا التّوبة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النّساء ٣١/ ٤]، ولما رواه مسلم: «الصّلوات الخمس كفّارة لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر». وأمّا شروط التّوبة الصّادقة فهي أربعة: الإقلاع عن الذّنب، والنّدم عليه، والعزم على عدم العود إلى مثله في المستقبل، والعمل الصّالح الذي يساعد على محو أثر الذّنب، ومنه ردّ الحقوق لأصحابها، وطلب السّماح ممن آذاه. ﴿ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ أي إنّ النّصح السّابق بفعل الحسنات والاستقامة، وعدم تجاوز حدود الدّين، وعدم الرّكون إلى الظّلمة، عظة للمتّعظين الذي يعقلون الأحداث ويقدّرون مخاطرها ويخشون الله . ﴿وَاصْبِرْ.﴾. أي الزم الصّبر على الطّاعة ومشاقّها، وعن المعصية ومغرياتها، وابتعد عن المنكر والمحرّمات، وفي حال الشّدائد والمصائب، فإن الله لا يهدر ثواب المحسنين أعمالا، الصّابرين على مراد الله وقدره. وهذا دليل على أن الصّبر إحسان وفضيلة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيتان إلى ما يأتي: ١ - الأمر بالصّلوات المفروضة وإيجابها، وخصّت بالذّكر هنا؛ لأنها ثانية الإيمان، وإليها يفزع في النّوائب، وكان النّبي ﷺ إذا حزبه (١) أمر، فزع إلى الصّلاة.

стр. 3715

٢ - الآية دليل على قول أبي حنيفة ﵀ في أنّ التّنوير بالفجر أفضل، وفي أنّ تأخير العصر أفضل؛ لأنّ ظاهر هذه الآية يدلّ على وجوب إقامة الصّلاة في طرفي النّهار، وطرفا النّهار: الزّمان الأوّل لطلوع الشّمس والزّمان الثاني لغروبها، وبما أنّ ظاهر الآية غير مراد بالإجماع، فوجب حمله على المجاز، وهو إقامة الصّلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النّهار؛ لأنّ ما يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه. وإقامة صلاة الفجر عند التّنوير أقرب إلى وقت الطّلوع من إقامتها عند التّغليس، وكذلك إقامة صلاة العصر عند ما يصير ضلّ كلّ شيء مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عند ما يصير ظلّ كلّ شيء مثله، والمجاز كلما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللفظ عليه أولى. ٣ - أوضحت الآية أوقات الصّلوات الخمس المفروضة؛ لأنّ طرفي النّهار يشملان صلاة الصّبح، وصلاة الظّهر والعصر، والزّلف من الليل يقتضي الأمر بإقامة صلاتي المغرب والعشاء. والزّلف: الساعات القريبة بعضها من بعض، وزلف الليل تشمل المغرب والعشاء. ٤ - الحسنات وهي الأعمال الصّالحة ومنها الصّلوات الخمس، وقول الرّجل: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والأولى حمل اللفظ على عمومه. وأما السّيئات فهي الذّنوب الصّغائر، للحديث المتقدّم: «ما اجتنبت الكبائر». ٥ - دلّت الآية على أنّ المعصية لا تضرّ مع الإيمان؛ لأنّ الإيمان أشرف الحسنات وأجلّها وأفضلها. وعلى أنّ الحسنات يذهبن السّيئات، فالإيمان الذي هو أعلى الحسنات درجة، يذهب الكفر الذي هو أعلى درجة في العصيان، فلأن يقوى على المعصية التي هي أقل السّيئات درجة، كان أولى، فإن لم يفد إزالة العقاب بالكليّة، فلا أقل من أن يفيد إزالة العذاب الدائم.
следующие страницы →