البلاغة:
﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ بينهما طباق.
﴿ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
﴿لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ عدول عن المضمر، ليكون كالبرهان على المقصود، ودليلا على أن الصّبر والصّلاة إحسان، وإيماء بأنه لا يعتدّ بهما دون الإخلاص.
المفردات اللغوية:
﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أي في الغداة والعشي، أي الصّبح والظّهر والعصر كما قال الحسن وقتادة والضّحاك، وطرف الشيء: الطّائفة منه من النّهاية والبداية. ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ جمع زلفة أي طائفة وجزء من أول الليل قريب من النّهار، وذلك يشمل صلاة المغرب وصلاة العشاء، كما قال الحسن البصري.
﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ يكفرنها،
وفي الحديث الذي أخرجه أبو نعيم عن أنس:
«الصلوات الخمس كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» والحسنات كالصلوات الخمس وغيرها من أعمال البر، والسيئات: الذنوب الصغائر. ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين.
﴿وَاصْبِرْ﴾ على الطاعات وعن المعاصي. ﴿لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالصبر على الطاعة.
سبب النزول:
روى الشيخان، وابن جرير، عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ فقال الرجل: إليّ هذه؟ قال:
لجميع أمتي كلهم.
وأخرج الترمذي وغيره عن أبي اليسر قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا، فقلت:
في البيت أطيب منه، فدخلت معي البيت، فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟! وأطرق طويلا، حتى أوحى الله إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِلذّاكِرِينَ﴾
стр. 3712
وروي ذلك من حديث أبي أمامة ومعاذ بن جبل وابن عباس وبريدة وغيرهم. ومنه يفهم أن ذنب الرجل لا حدّ فيه، وإنما هو ذنب يكفره العمل الصالح، من إقامة الصلاة وإحسان القول والعمل.
ورواية الترمذي عن ابن مسعود هي: قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسّها، وأنا هذا، فاقض فيّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله! لو سترت على نفسك؛ فلم يردّ عليه رسول الله ﷺ شيئا، فانطلق الرجل، فأتبعه رسول الله ﷺ رجلا فدعاه، فتلا عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ، وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ إلى آخر الآية، فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال: «لا، بل للناس كافة» قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بالاستقامة، وعدم تجاوز حدود الدين، وعدم الركون إلى ذوي الظلم، أردفه بالأمر بالصلاة والصبر، وهو يدل على أن أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة، ويليها الصبر، فإنه نصف الإيمان، فهما عدة الامتثال، والصلاة أساس العبادات، وعمود الدين.
التفسير والبيان:
موضوع هاتين الآيتين: الاستعانة بالصلاة والصبر، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة ١٥٣/ ٢].
أما بالنسبة للصلاة فالآية في تحديد أوقاتها، ومعناها: أدّ الصلاة تامة كاملة الأركان والشروط والأوصاف، باعتبارها صلة بين العبد والرب، مطهرة
стр. 3713
للنفس، مرضاة للرب، مانعة عن الفحشاء والمنكر، وأداؤها في جميع أجزاء اليوم، فقوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ يشمل ثلاث صلوات هي الصبح والظهر والعصر، وقوله: ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ يشمل صلاتي المغرب والعشاء.
فتكون الآية شاملة جميع أوقات الصلاة، كما جاء في آيات أخر هي:
١ - ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ، وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء ٧٨/ ١٧].
٢ - ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا، وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم ١٧/ ٣٠ - ١٨] فصلاة الصبح عند الإصباح، وبقية الصلوات تدخل تحت تعبير المساء؛ لأنه يشمل ما بين الظهر والغروب فما بعده.
٣ - ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها، وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ، فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ، لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [طه ١٣٠/ ٢٠] والتسبيح يكون بالصلاة وغيرها.
ثم ذكر الله تعالى فائدة الصّلاة بقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ.﴾. أي إنّ فعل الخيرات أو الأعمال الحسنة، ومنها الصّلوات الخمس، تكفّر الذّنوب السّالفة، والسّيئات الصّغائر، كما جاء
في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السّنن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدّثني عنه أحد، استحلفته، فإذا حلف صدّقته، وحدّثني أبو بكر-وصدق أبو بكر-أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«ما من مسلم يذنب ذنبا، فيتوضأ، ويصلّي ركعتين، إلا غفر له».
وفي الصّحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفّان: أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله ﷺ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقال: «من
стр. 3714
توضأ وضوئي هذا، ثم صلّى ركعتين، لا يحدّث فيهما نفسه، غفر له ما تقدّم من ذنبه».
والحسنات: جميع الأعمال الصّالحة، حتى ترك السّيئة، والسّيئات: الذّنوب الصّغائر؛ لأن الكبائر لا يكفّرها إلا التّوبة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النّساء ٣١/ ٤]، ولما رواه مسلم: «الصّلوات الخمس كفّارة لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر».
وأمّا شروط التّوبة الصّادقة فهي أربعة: الإقلاع عن الذّنب، والنّدم عليه، والعزم على عدم العود إلى مثله في المستقبل، والعمل الصّالح الذي يساعد على محو أثر الذّنب، ومنه ردّ الحقوق لأصحابها، وطلب السّماح ممن آذاه.
﴿ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ أي إنّ النّصح السّابق بفعل الحسنات والاستقامة، وعدم تجاوز حدود الدّين، وعدم الرّكون إلى الظّلمة، عظة للمتّعظين الذي يعقلون الأحداث ويقدّرون مخاطرها ويخشون الله .
﴿وَاصْبِرْ.﴾. أي الزم الصّبر على الطّاعة ومشاقّها، وعن المعصية ومغرياتها، وابتعد عن المنكر والمحرّمات، وفي حال الشّدائد والمصائب، فإن الله لا يهدر ثواب المحسنين أعمالا، الصّابرين على مراد الله وقدره. وهذا دليل على أن الصّبر إحسان وفضيلة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيتان إلى ما يأتي:
١ - الأمر بالصّلوات المفروضة وإيجابها، وخصّت بالذّكر هنا؛ لأنها ثانية الإيمان، وإليها يفزع في النّوائب، وكان النّبي ﷺ إذا حزبه (١) أمر، فزع إلى الصّلاة.
стр. 3715
٢ - الآية دليل على قول أبي حنيفة ﵀ في أنّ التّنوير بالفجر أفضل، وفي أنّ تأخير العصر أفضل؛ لأنّ ظاهر هذه الآية يدلّ على وجوب إقامة الصّلاة في طرفي النّهار، وطرفا النّهار: الزّمان الأوّل لطلوع الشّمس والزّمان الثاني لغروبها، وبما أنّ ظاهر الآية غير مراد بالإجماع، فوجب حمله على المجاز، وهو إقامة الصّلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النّهار؛ لأنّ ما يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه. وإقامة صلاة الفجر عند التّنوير أقرب إلى وقت الطّلوع من إقامتها عند التّغليس، وكذلك إقامة صلاة العصر عند ما يصير ضلّ كلّ شيء مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عند ما يصير ظلّ كلّ شيء مثله، والمجاز كلما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللفظ عليه أولى.
٣ - أوضحت الآية أوقات الصّلوات الخمس المفروضة؛ لأنّ طرفي النّهار يشملان صلاة الصّبح، وصلاة الظّهر والعصر، والزّلف من الليل يقتضي الأمر بإقامة صلاتي المغرب والعشاء. والزّلف: الساعات القريبة بعضها من بعض، وزلف الليل تشمل المغرب والعشاء.
٤ - الحسنات وهي الأعمال الصّالحة ومنها الصّلوات الخمس، وقول الرّجل:
سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والأولى حمل اللفظ على عمومه. وأما السّيئات فهي الذّنوب الصّغائر، للحديث المتقدّم: «ما اجتنبت الكبائر».
٥ - دلّت الآية على أنّ المعصية لا تضرّ مع الإيمان؛ لأنّ الإيمان أشرف الحسنات وأجلّها وأفضلها. وعلى أنّ الحسنات يذهبن السّيئات، فالإيمان الذي هو أعلى الحسنات درجة، يذهب الكفر الذي هو أعلى درجة في العصيان، فلأن يقوى على المعصية التي هي أقل السّيئات درجة، كان أولى، فإن لم يفد إزالة العقاب بالكليّة، فلا أقل من أن يفيد إزالة العذاب الدائم.
стр. 3716
٦ - دلّت الآية مع الأحاديث الواردة في سبب نزولها على أن القبلة واللّمس الحرام لا يجب فيهما الحدّ. واختار ابن المنذر أنه لا يجب فيهما أدب أو تعزير.
٧ - القرآن الكريم موعظة وتوبة لمن اتّعظ وتذكّر، وخصّ الذّاكرين بالذّكر؛ لأنهم المنتفعون بالذّكرى.
٨ - الصّبر على الصّلاة كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه ١٣٢/ ٢٠]، والصّبر على الطّاعات، وعلى ما يلقاه المؤمن من أذى الأعداء، وعلى الشّدائد والمصائب، الصّبر على كلّ ذلك إحسان وفضيلة، وله ثواب عظيم،
وقد قال النّبي ﷺ فيما رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان: «الصّبر نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كلّه» إلا أنه ضعيف.
سبب إهلاك القرى والأمم السّالفة
﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾
الإعراب:
﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ..﴾. منصوب؛ لأنه استثناء منقطع، ويجوز فيه الرّفع على البدل من
стр. 3717
﴿أُولُوا بَقِيَّةٍ﴾ كما جاز الرّفع في قوله تعالى: ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس ٩٨/ ١٠] وإن كان استثناء منقطعا، وهي لغة بني تميم.
﴿وَاتَّبَعَ﴾ عطف على مضمر دلّ عليه الكلام؛ إذ المعنى: فلم ينهوا عن الفساد، واتّبع الذين ظلموا.
﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ عطف على ﴿اِتَّبَعَ﴾ أو جملة اعتراضية.
﴿بِظُلْمٍ﴾ حال من الفاعل، أي واستحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالما لها.
المفردات اللغوية:
﴿فَلَوْلا﴾ ﴿فَلَوْلا﴾: للتّحضيض والحثّ على الفعل، أي فهلا كان. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ جمع قرن، وهو الجيل من الناس المقترنون في زمن واحد، وشاع تقديره بمئة سنة. ﴿أُولُوا بَقِيَّةٍ﴾ أولو عقل ورأي وبصر بالأمور، أو أولو فضل، والأصل في البقية: ما يبقى من الشيء بعد ذهاب أكثره، واستعمل كثيرا في الباقي الأصلح؛ لإنفاق الأردأ عادة وإبقاء الأجود، وتلك قاعدة بقاء الأصلح، ومنه يقال: فلان من بقيّة القوم، أي من خيارهم. ويجوز أن يكون مصدرا كالتّقية، أي ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من العذاب.
﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أي ما أنعموا فيه من الشهوات. ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أي كافرين، وهو سبب استئصال الأمم، وهو فشو الظلم فيهم، واتّباعهم الهوى، وترك النّهي عن المنكرات مع الكفر. ﴿بِظُلْمٍ﴾ بشرك. ﴿وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ فيما بينهم، لا يضمون إلى شركهم فسادا وتباغيا، وذلك لفرط رحمة الله ومسامحته في حقوقه، ولذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد على حقوق الله تعالى.
﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مسلمين كلّهم، وهو دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كلّ أحد، وأن ما أراده يجب وقوعه. ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ بعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، لا تكاد تجد اثنين يتفقان مطلقا. ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ إلا أناسا هداهم الله من فضله، فاتّفقوا على ما هو أصول دين الحقّ والعمدة فيه. ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: إن كان الضمير للناس، فالإشارة إلى الاختلاف، واللام للعاقبة، أي الصّيرورة، أو أن الضّمير يعود للنّاس وإلى الرّحمة. وإن كان الضّمير يعود لمن رحم، فإلى الرّحمة.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وعيده وقضاؤه وأمره. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ الجنّ، سمّوا بهذا لاستتارهم.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ أي من عصاتهما. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ صفة للعصاة، أو منهما أجمعين لا من أحدهما.
стр. 3718
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى ما حلّ بالأمم السّابقة المكذّبة لرسلها، من عذاب الاستئصال في الدّنيا، واستحقاق النّار في الآخرة، ذكر هنا سبب العذاب وهو أمران: الأول-أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض، والثاني-أن الظّالمين اتّبعوا طلب الشّهوات واللّذات، واشتغلوا بتحصيل الرّياسات.
والظّالمون: هم تاركو الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
التّفسير والبيان:
فهلا وجد من القرون، أي الأمم والأقوام الماضية الذين أهلكناهم بظلمهم وفسادهم جماعة أولو عقل ورأي وبصيرة وأهل خير ينهون عما كان يقع بينهم من الشّرور والمنكرات والفساد في الأرض. وهذا توبيخ للكفار.
لكن قد وجد قليل من هؤلاء، وهم الذين أنجاهم الله تعالى عند حلول غضبه وفجأة نقمته، قد نهوا عن الفساد في الأرض. فهذا استثناء منقطع، ولا يمكن جعله استثناء متّصلا، وإلا كان القليل من النّاجين غير مرغّبين في النّهي عن الفساد.
واتّبع الظّالمون أنفسهم، وهم الأكثرية ما أترفوا فيه من نعيم وعزّة وسلطان.
والمترف: الذي أبطرته النّعمة وسعة المعيشة. والمراد بالذين ظلموا: تاركو النّهي عن المنكر. واتّباعهم التّرف: اشتغالهم بالشّهوات والمال واللّذات والرّياسات، واستمرارهم على ما هم عليه من المعاصي والمنكرات، وعدم التفاتهم إلى إنكار المصلحين منهم، وإيثار الترف على الآخرة.
﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أي والحال أنهم كانوا ظالمين. فالله تعالى لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها، كما قال تعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود ١٠١/ ١١]، وقال تعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصّلت ٤٦/ ٤١].
стр. 3719
وفي الآية إيماء إلى أن التّرف مدعاة إلى الإسراف، والإسراف يفضي إلى الفسوق والعصيان، والظّلم والانحراف، وتلك عادة متّبعة كما قال تعالى:
﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها، فَفَسَقُوا فِيها، فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ، فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ [الإسراء ١٦/ ١٧].
ثمّ بيّن تعالى عدله وسنّته في المصلحين، فقال تعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ﴾ أي ليس من شأن الله تعالى أن يهلك أهل القرى، ظالما لها، وأهلها قوم مصلحون، تنزيها لذاته تعالى عن الظّلم، وإيذانا بأن إهلاك المصلحين من الظّلم. وقيل الظّلم: الشّرك، ومعناه: أنه لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها، وهم مصلحون في المعاملات فيما بينهم، أو في أمورهم الاجتماعية، يتعاطون الحقّ فيما بينهم، ولا يضمون إلى شركهم فسادا آخر، أي لا ينزل عذاب الاستئصال لأجل كون القوم مجرّد كونهم معتقدين للشّرك والكفر، بل إنما ينزل العذاب إذا أساؤوا في المعاملات، وسعوا في الإيذاء والظّلم، كما فعل قوم شعيب، وقوم هود، وقوم فرعون، وقوم لوط. ويؤيده أنّ الأمم تبقى مع الكفر، ولا تبقى مع الظّلم.
ثم أخبر الله تعالى أنه قادر على جعل الناس أمة واحدة من إيمان أو كفر، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ.﴾. قال الزّمخشري معبّرا عن مذهب المعتزلة:
يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل ملّة واحدة، وهي ملّة الإسلام، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢/ ٢٣]. فهم يحملون الآية على مشيئة الإلجاء والإجبار، والمراد نفي الاضطرار، وأنه لم يقهرهم على الاتّفاق على دين الحقّ، ولكنه مكّنهم من الاختيار الذي هو أساس التّكليف، فاختار بعضهم الحقّ، وبعضهم الباطل، فاختلفوا، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربّك أي إلا أناسا هداهم الله ولطف بهم، فاتّفقوا على دين الحقّ غير مختلفين فيه.
ويرى أهل السّنّة: أن الآية بيان لقدرة الله تعالى على جعل الناس كلهم على
стр. 3720
منهج واحد من إيمان أو كفر، بخلقهم قابلين دينا واحدا، لكنه تعالى لم يشأ ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس ٩٩/ ١٠] وإنما شاء أن يكون لهم دور اختياري في الاتّجاه إلى الحقّ والإيمان ونبذ الضّلالة والشّرك، وقوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ استثناء منقطع، أي لكن من رحم ربّك بالإيمان والهدى فإنه لم يختلف.
﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ أي في الأديان والاعتقادات والمذاهب والآراء، وقيل: في الهدى، أو في الرّزق يسخر بعضهم بعضا، قال ابن كثير: والمشهور الصّحيح الأول.
﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أي المرحومين من أتباع الرّسل الذين تمسّكوا بما أمروا به من الدّين، الذي أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم، حتى جاء خاتم الرّسل، ففاز من اتّبعه بسعادة الدّنيا والآخرة، فهم الفرقة النّاجية.
﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال الزّمخشري ممثلا رأي المعتزلة: ﴿لِذلِكَ﴾: إشارة إلى ما دلّ عليه الكلام الأول وتضمّنه، يعني: ولذلك المذكور من التّمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف، خلقهم، ليثيب مختار الحقّ بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره (١).
ويرى أهل السّنة كما ذكر أبو حيان: أنّ اللام ليست للتّعليل، وإنما هي على التّحقيق لام الصّيرورة في ذلك المحذوف، أي ليس الاختلاف والرّحمة علّة الخلق، وإنما خلقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف. مثل قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص ٨/ ٢٨]. ولا يتعارض هذا مع قوله
стр. 3721
تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّاريات ٥٦/ ٥١] لأن معنى هذا الأمر بالعبادة (١).
والإشارة في قوله تعالى: ﴿لِذلِكَ﴾: إشارة إلى الاختلاف والرّحمة معا في رأي ابن عباس، واختاره الطّبري، وقال مجاهد وقتادة: ﴿لِذلِكَ﴾: إشارة إلى الرّحمة التي تضمّنها قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ والضّمير في ﴿خَلَقَهُمْ﴾ عائد على المرحومين.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.﴾. أي سبق في قضاء الله وقدره لعلمه التّام وحكمته النّافذة أن ممن خلقه من يستحق الجنّة، ومنهم من يستحق النّار، وأنه لا بدّ أن يملأ جهنّم من هذين الثّقلين: الجنّ والإنس، وهم الذين لا يهتدون بما أرسل الله به الرّسل من الآيات والأحكام. قال ابن عباس: خلقهم فريقين: فريقا يرحم فلا يختلف، وفريقا لا يرحم فيختلف، فذلك قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ ﴿مَنْ﴾: لبيان الجنس، أي من جنس الجنّة وجنس النّاس.. وقوله تعالى: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد.
وفي الصّحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «اختصمت الجنّة والنّار، فقالت الجنّة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء النّاس وسقطهم (٢)، وقالت النّار: أوثرت بالمتكبّرين والمتجبّرين، فقال الله للجنّة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنّار: أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء، ولكلّ واحدة منكما ملؤها، فأما الجنّة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقا يسكن فضل الجنّة، وأما النّار فلا تزال تقول: هل من مزيد، حتى يضع لها ربّ العزّة قدمه، فتقول: قط قط (٣)، وعزّتك».
стр. 3722
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - وجوب النّهي عن المنكر والفساد، والأمر بالمعروف، كما قال تعالى:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران ١٠٤/ ٣]، و
في الحديث الصّحيح: «إن الناس إذا رأوا المنكر، فلم يغيّروه، أوشك أن يعمّهم الله بعقاب».
٢ - المصلحون في كلّ زمان، النّاهون عن الفساد في الأرض كقوم يونس، وأتباع الأنبياء وأهل الحقّ ناجون من عذاب الله تعالى.
٣ - التّرف يدعو عادة إلى الإسراف المؤدّي إلى الفسوق والعصيان والظلم، والمترف: الذي أبطرته النّعمة وسعة المعيشة.
٤ - الظّلم أو الاجرام كالشّرك والكفر وإلحاق الأذى والضّرر بالنّاس سبب موجب للعقاب في الدّنيا والآخرة، لكن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدّنيا من الشّرك، وإن كان عذاب الشّرك في الآخرة أصعب.
٥ - لم يكن الله ليهلك قوما بالكفر وحده، حتى ينضم إليه الفساد في المعاملات والعلاقات الاجتماعية، كما أهلك الله قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط.
٦ - الله تعالى قادر على جعل النّاس كلّهم أمّة واحدة من إيمان أو كفر. قال الضّحّاك في آية: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ.﴾.: أهل دين واحد، أهل ضلالة، أو أهل هدى. وقال سعيد بن جبير: على ملّة الإسلام وحدها.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ فقال مجاهد وقتادة: أي على أديان شتّى.
стр. 3723
وقوله تعالى: ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال الحسن ومقاتل وعطاء: الإشارة إلى الاختلاف، أي وللاختلاف خلقهم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضّحّاك: ولرحمته خلقهم. واختار الطّبري وتابعه القرطبي: الإشارة بذلك للاختلاف والرّحمة، وهو أولى في تقديري؛ لأنه يعمّ، أي ولما ذكر خلقهم. ولام ﴿وَلِذلِكَ﴾ للعاقبة والصّيرورة كما بيّنا.
والقول بعموم إشارة ﴿وَلِذلِكَ﴾ أشار إليه مالك ﵀؛ قال أشهب:
سألت مالكا عن هذه الآية قال: خلقهم ليكون فريق في الجنّة، وفريق في السّعير، أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وأهل الرّحمة للرّحمة. وقال ابن عباس أيضا كما تقدّم: خلقهم فريقين: فريقا يرحمه وفريقا لا يرحمه.
٧ - استدلّ أهل السّنّة بآية: ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ على أنّ الهداية والإيمان لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى؛ لأن تلك الرّحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل، وإرسال الرّسل، وإنزال الكتب، وإزالة العذر، فإن كلّ ذلك حاصل في حقّ الكفار، فلم يبق إلا أن يقال: تلك الرّحمة هو أنه سبحانه خلق فيه تلك الهداية والمعرفة (١).
٨ - مما ثبت في الأزل وأخبر تعالى عنه وقدر أنه يملأ ناره، ويملأ جنّته، فقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ.﴾.، و
أخرج البخاري عن أبي هريرة أنّ النّبي ﷺ قال عن الجنّة والنّار: «ولكلّ واحدة ملؤها».
стр. 3724
الفائدة العملية من قصص الأنبياء
والأمر بالعبادة والتوكل على الله تعالى
﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنّا عامِلُونَ (١٢١) وَاِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾
الإعراب:
﴿وَكُلاًّ﴾ منصوب على المصدر ب ﴿نَقُصُّ﴾ وتنوينه عوض عن المضاف إليه، أي كل ما يحتاج إليه، وكل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك.
﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بيان لقوله: ﴿وَكُلاًّ﴾ أو بدل منه، أو مفعول به.
المفردات اللغوية:
﴿وَكُلاًّ﴾ وكل نبأ ﴿نَقُصُّ﴾ نخبرك به، والقص: تتبع أثر الشيء للإحاطة به، كما قال تعالى: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ.﴾. [القصص ١١/ ٢٨]. ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾ جمع نبأ: وهو الخبر المهم. ﴿نُثَبِّتُ بِهِ﴾ نقوّي ونطمئن. ﴿فُؤادَكَ﴾ قلبك، أي نجعله راسخا كالجبل، وهو المقصود من الاقتصاص، وهو زيادة يقينه، وطمأنينة قلبه، وثبات نفسه على أداء الرسالة، واحتمال أذى الكفار. ﴿وَجاءَكَ فِي هذِهِ﴾ الأنباء أو الآيات ﴿الْحَقُّ﴾ ما هو حق ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارة إلى سائر فوائده العامة، وخصّ المؤمنون بالذكرى؛ لانتفاعهم بها في الإيمان، بخلاف الكفار.
﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على حالتكم أو على تمكنكم واستطاعتكم. ﴿إِنّا عامِلُونَ﴾ على حالتنا، وهو تهديد لهم. ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ عاقبة أمركم. ﴿إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أن ينزل بكم نحو ما نزل بأمثالكم.
стр. 3725
﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي علم ما غاب فيهما، لا يخفى عليه خافية مما فيهما.
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ أي يرجع إليه أمرك وأمرهم، لا محالة، فينتقم ممن عصى.
﴿فَاعْبُدْهُ﴾ وحده ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ثق به، فإنه كافيك. وتقديم الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على ما هو الأنفع للعابد. ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أنت وهم، فيجازي كلاّ ما يستحقه، وإنما يؤخرهم لوقتهم.
المناسبة:
بعد أن قص الله على نبيه أخبار الأنبياء مع أقوامهم، ذكر فائدة تلك القصص وحصرها في نوعين من الفائدة وهما: تثبيت الفؤاد على أداء الرسالة وعلى الصبر واحتمال الأذى، وبيان ما هو حق وعظة وعبرة وذكرى تذكر المؤمنين. ثم ختم السورة بما بدأها به وهو الأمر بالعبادة، والتوكل على الله، وعدم المبالاة بعداوة المشركين.
التفسير والبيان:
وكل خبر من الأخبار التي هي من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم نقصها عليك لفائدتين:
الأولى- ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أي ما به يقوى الفؤاد على أداء الرسالة وعلى الصبر واحتمال الأذى؛ لأن الأنبياء الذين من قبلك تحملوا في محاجة أقوامهم الأذى الكثير، فصبروا على ما كذبوا به، فنصرهم الله وخذل أعداءهم الكافرين، فلك بمن مضى من إخوانك المرسلين أسوة.
الثانية- ﴿وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وتبين لك في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء، أو في هذه الأنباء والآيات، ما هو الحق والصدق واليقين: وهو وحدانية الله وعبادته وحده، وإثبات البعث، وفضيلة التقوى والخلق الفاضل، وفي تلك الأنباء عظة وعبرة يرتدع بها
стр. 3726
الكافرون، وذكرى يتذكر بها المؤمنون. وخصّ هذه السورة بالذكر؛ لأن فيها أخبار الأنبياء والجنة والنار.
والحق: البراهين الدالة على التوحيد والعدل والنبوة.
والموعظة: التنفير من الاعتماد الكلي على الدنيا وما فيها من شقاوة، وإيثارها على الآخرة وما فيها من سعادة.
والذكرى: الإرشاد إلى الأعمال الصالحة الباقية.
وبعد هذا الإنذار والترهيب والترغيب أمر الله رسوله بقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ﴾ أي وقل للكافرين الذين لا يؤمنون بما جئت به من ربك، على وجه التهديد: اعملوا على طريقتكم ومنهجكم وحالكم، وافعلوا كل ما تقدرون عليه في حقي من الشرّ، كما قال شعيب ﵇ لقومه، فنحن أيضا عاملون على طريقتنا ومنهجنا وما نقدر عليه من الدعوة إلى الخير، وانتظروا بنا نهاية أمرنا، إما بموت أو غيره مما تتأملون، إنا منتظرون عاقبة أمركم، وما ينزل بكم من عقاب نزل بأمثالكم، إما من عند الله أو بأيدي المؤمنين. قال ابن عباس ﵄: وانتظروا الهلاك، فإنا منتظرون لكم العذاب.
والتهديد بقوله: ﴿اِعْمَلُوا.﴾. مثل قوله تعالى لإبليس: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ..﴾. [الإسراء ٦٤/ ١٧] وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩/ ١٨].
وتمني انتهاء أمر النبي حكاه الله عن المشركين بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور ٣٠/ ٥٢].
وانتظار مصير الفريقين له شبيه في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام ١٣٥/ ٦].
стр. 3727
ثم ختم الله تعالى السورة بخاتمة جامعة سامية، جمعت كل مطالب الخير، فقال: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ.﴾. أي أنه تعالى عالم غيب السموات والأرض في الماضي والحاضر والمستقبل، وعلمه نافذ في جميع الكليات والجزئيات، والمعدومات والموجودات، والحاضرات والغائبات، ومرجع الكل ومصير الخلائق والكائنات إليه؛ لأنه مصدر الكل ومبدأ الكل، وهو عظيم القدرة نافذ المشيئة، قهار للعبيد، وسيحاسب كل عامل بما عمل يوم الحساب، من صغير أو كبير.
وإذا كان الله هو المتصف بما ذكر، فاعبده وحده ومن معك من المؤمنين، وتوكل عليه في كل أمورك حق التوكل، وثق به تمام الثقة فيما تستطيع وما لا تستطيع، فمن توكل على الله فهو حسبه وكافيه، وما ربك بغافل عما تعملون، أي ليس بخفي عليه كل ما يعمل به المكذبون والمصدقون، وما عليه أحوالهم، وما تصدر عنه أقوالهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا والآخرة، وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين، فلا تبال بهم.
روى أحمد والترمذي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: «الكيّس: من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز: من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - في إيراد قصص الأنبياء وما كابدوه من مشاق من أجل دعوتهم تسلية للنبي ﷺ ، وتثبيت له على أداء الرسالة، والصبر على ما يناله فيها من الأذى.
وفيها بما تضمنته من بيان ما هو الحق واليقين عظة وعبرة وذكرى لكل مؤمن.
والموعظة: ما يتّعظ به من إهلاك الأمم الماضية. والذكرى: تذكر المؤمنين
стр. 3728
ما نزل بمن هلك فيتوبون. وخصّ الله تعالى المؤمنين؛ لأنهم المتعظون إذا سمعوا قصص الأنبياء.
٢ - فيها تهديد ووعيد الكافرين على أعمالهم، وندب لهم أن يفعلوا في حق النبي ﷺ كل ما يقدرون عليه من الشر، فلن ينالوا منه شيئا. وفي هذا إعلان الثقة التامة بعصمة الله له، وتأكيد الإيمان بصحة عمله، والإنذار بسوء عاقبة المخالفين.
٣ - العلم بالغيب والشهادة في جميع السموات والأرض، في الحاضر والماضي والمستقبل مختص بالله تعالى.
٤ - المرجع والمآب في الدار الآخرة إلى الله تعالى، وليس لمخلوق أمر إلا بإذنه.
٥ - إيجاب العبادة بالإخلاص لله وحده، وإيجاب التوكل على الله في كل شيء، أي اللجوء إليه والثقة به وتفويض الأمور إليه.
٦ - الله مطلع على أحوال العباد وأقوالهم وأفعالهم، ويجازي كلاّ بعمله، فلا يضيع طاعات المطيعين، ولا يهمل أحوال المتمردين الجاحدين، والجزاء بإحضارهم في موقف القيامة، وحسابهم على الصغير والكبير، والعتاب على كل شيء. وتحصل عاقبة الأمر: فريق في الجنة وفريق في السعير.
стр. 3729
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة يوسف ﵇
مكية وهي مائة وإحدى عشرة آية.
تسميتها وسبب نزولها:
سميت سورة يوسف، لإيراد قصة النبي يوسف ﵇ فيها،
روي أن اليهود سألوا رسول الله ﷺ عن قصة يوسف فنزلت السورة.
وقال سعد بن أبي وقاص ﵁-فيما رواه عنه الحاكم وغيره-: أنزل القرآن على رسول الله ﷺ ، فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: لو قصصت علينا؛ فنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [يوسف ٣/ ١٢] و [الكهف ١٣/ ١٨] فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: لو حدثتنا؛ فنزل: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩]. وقد نزلت بعد اشتداد الأزمة على النبي ﷺ في مكة مع قريش، وبعد عام الحزن الذي فقد فيه النبي زوجته الطاهرة خديجة، وعمه أبا طالب الذي كان نصيرا له.
روي في سبب نزولها أن كفار مكة لقي بعضهم اليهود وتباحثوا في شأن محمد ﷺ ، فقال لهم اليهود: سلوه، لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن قصة يوسف، فنزلت.
وبالرغم من أنها سورة مكية، فأسلوبها هادئ ممتع، مصطبغ بالأنس والرحمة، واللطف والسلاسة، لا يحمل طابع الإنذار والتهديد كما هو الشأن
стр. 3730
الغالب في السور المكية. قال عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها. وروى البيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن طائفة من اليهود حين سمعوا رسول الله ﷺ يتلو هذه السورة، أسلموا؛ لموافقتها ما عندهم.
مناسبتها لما قبلها:
نزلت هذه السورة بعد سورة هود، وهي مناسبة لها، لما في كلّ من قصص الأنبياء، وإثبات الوحي على النبي ﷺ . وقد تكررت قصة كل نبي في أكثر من سورة في القرآن، بأسلوب مختلف، ولمقاصد وأهداف متنوعة، بقصد العظة والاعتبار، إلا قصة يوسف ﵇، فلم تذكر في غير هذه السورة، وإنما ذكرت جميع فصولها بنحو متتابع شامل، للإشارة إلى ما في القرآن من إعجاز، سواء في القصة الكاملة أو في فصل منها، وسواء في حالة الإجمال أو حالة التفصيل والبيان. قال العلماء: ذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن، وكرّرها بمعنى واحد في وجوه مختلفة، بألفاظ متباينة على درجات البلاغة، وذكر قصة يوسف ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرّر، ولا على معارضة غير المتكرر، والإعجاز لمن تأمل (١).
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة قصة يوسف ﵇، بجميع فصولها المثيرة، المفرحة حينا والمحزنة حينا آخر، فبدأت ببيان منزلته عند أبيه يعقوب وصلته به، ثم علاقته بإخوته (مؤامرتهم عليه، وإلقاؤه في البئر، وبيعه لرئيس شرطة مصر، وشراؤهم الطعام منه في المرة الأولى ومنحهم إياه دون مقابل، ومنعهم شراء الطعام في المرة الثانية إن لم يأتوه بأخيهم (بنيامين) وإبقاء أخيه بنيامين لديه في
стр. 3731
حيلة مدروسة وسرقة مزعومة، حتى يأتوه بأخيهم لأبيهم، ثم تعريفه نفسه لإخوته)، ومحنة يوسف وجماله الرائع، وقصة يوسف مع امرأة العزيز، وبراءته المطلقة، يوسف في غياهب السجون يدعو لدينه، بوادر الفرج وتعبير رؤيا الملك، توليته وزيرا للمالية والتجارة ورئاسة الحكم، إبصار يعقوب حين جاء البشير بقميص يوسف، لقاء يوسف في مصر مع أبويه وجميع أسرته.
ثم إيراد العبرة من هذه القصة، وإثبات نبوة محمد ﷺ ، وتسليته، وبشائر الفرج بعد الضيق، والأنس بعد الوحشة، فإن يوسف ﵇ انتقل من السجن إلى القصر، وجعل عزيزا في أرض مصر، وكل من صبر على البلاء فلا بد من أن يأتيه الفرج والنصر، وتحذير المشركين من نزول العذاب بهم كما حدث لمن قبلهم، والدروس والأخلاق المستفادة من قصة يوسف ﵇، وأهمها نصر الرسل بعد الاستيئاس.
أضواء من التاريخ على قصة يوسف ﵇ (١):
نسب يوسف:
هو يوسف بن يعقوب (إسرائيل الله) بن إسحاق بن إبراهيم ﵈.
وهو أحد أولاد يعقوب الاثني عشر ذكرا الذين ولدوا في فدان آرام أثناء رعاية غنم خاله (لابان) مقابل تزوجه ابنتيه، إلا بنيامين فقد ولد في أرض كنعان بعد رحيله إليها.
قال النبي ﷺ عن يوسف فيما أخرجه أحمد والبخاري عن ابن عمر: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم».
وكان يوسف رائع الجمال، محبوبا لدى أبيه، مما أثار حقد إخوته عليه وتآمرهم عليه. وقد رأى في منامه في صغره في سن السابعة عشرة سنة أو
стр. 3732
الثانية عشرة أن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر سجدوا له، فقصّ الرؤيا على أبيه، فبشره بالنبوة وتعبير الأحلام.
إلقاء يوسف في البئر:
أخذه إخوته معهم إلى البرية بقصد السياحة واللعب، ثم ألقوه في البئر، وأخبروا أباهم كذبا أن الذئب أكله، فلم يقتنع الأب الصالح بكلامهم، واتهمهم بمكيدة أوقعوها فيه، ثم أنقذه الله بتعلقه بحبل دلو أدلي في البئر، ثم باعه آخذوه في مصر بثمن نجس، وادعوا أنهم اشتروه من سيده، باعوه لرئيس الشرطة وهو العزيز في محافظة الشرقية قرب بحيرة المنزلة، واسمه (فوطيفار) أو (أطفير) فأحبه وقال لامرأته زليخا: ﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ.﴾. وجعله صاحب أمره ونهيه، ورئيس خدمه والمتصرف في بيته، وتولاه الله تعالى بالهداية والتربية والتوفيق.
محنة يوسف:
وكان جماله الرائع سبب محنته،
روى مسلم في صحيحة أنه ﷺ قال: «فإذا أنا بيوسف إذا هو قد أعطي شطر الحسن» فأحبته امرأة العزيز، وراودته عن نفسه، فأبى إيمانا بالله، وامتثالا لأمره، واجتنابا لمنهياته، وتقديرا لأفضال زوجها عليه: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ وامتنع همّه بها لوجود البرهان عنده، وهو حرصه على الطاعة، والتمسك بآداب آبائه، لأن ﴿لَوْلا﴾ حرف امتناع لوجود، امتنع الهم لوجود البرهان، كما في قوله تعالى:
﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ، لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها، لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص ١٠/ ٢٨] أي امتنع إبداؤها بما في نفسها على ابنها، لوجود الربط على قلبها.
مكيدة امرأة العزيز:
ولما خابت في تحقيق رغبتها منه، حقدت عليه، كما هو شأن السادة عند ما
стр. 3733
يخالفهم أحد الأتباع. ولما رأت زوجها لدى الباب يريد الدخول، لفقت عليه التهمة، وأفهمته أنه يريدها بسوء، فكذبها يوسف الصّديق، فاحتكم الزوج العاقل إلى القرائن: إن كان قميصه مزّق من الأمام فهي الكاذبة، وإن مزق من الخلف فهو الصادق، لأن المقدم على المرأة يظهر أثر مقاومتها ودفاعها من الناحية الإمامية، والهارب من المرأة يظهر أثر لحاقها به من الخلف، فظهرت براءته، والتصقت التهمة بها، وأمر يوسف بكتمان الخبر، وأمرها بالاستغفار لذنبها.
ومع هذا، شاع خبر امرأة العزيز وفتاها في أرجاء المدينة، ولامتها النساء، فأعدت لهن طعاما يحتاج إلى القطع بالسكين، وآتت كل واحدة سكينا، وأمرت يوسف أن يخرج عليهن، فبهرهن جماله، فقطعن أيديهن، وقلن: ﴿ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ فعذرنها، ثم هددته بالسجن إن لم يستجب لها، وفشا أمره بين الناس، فرأى سيده أن يزجه في السجن، ليحمي سمعة امرأته.
دخول يوسف إلى السجن ودعوته لدينه فيه:
وأدخل يوسف السجن، ودخل معه السجن فتيان: أحدهما: رئيس الخبازين عند الملك، والثاني: رئيس سقاته، فرأى الثاني في منامه أنه يعصر في كأس الملك خمرا، ورأى الأول أنه يحمل فوق رأسه خبزا وطيرا تأكل الناس منه، وطلبا من يوسف تعبير الرؤيا.
فأظهر يوسف مقدرته على تأويل الرؤيا، ولكنه قدم لذلك بدعوته السجناء إلى توحيد الله، قائلا لصاحبيه: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ؟﴾ وقال للساقي: إنه يسقي ربه خمرا، وقال للآخر: إنه سيصلب، فتأكل الطير من رأسه. وتأمل يوسف الفرج وقال لمن ظن أنه ناج منهما:
﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾.
стр. 3734
رؤيا الملك:
ثم رأى الملك أن سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنابل خضراء حسنة في ساق واحدة يأكلهن سبع يابسات، فدعا بالسحرة لسؤالهم عن تأويل المنام، فقالوا: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.
فتذكر ساقي الملك يوسف في السجن، فعرض الأمر على الملك، فوافق على أن يرسله إلى السجن ليأتي له بالتفسير الصحيح للمنام، فجاءه فيه، ثم عاد بالجواب إلى الملك، فقال الملك: ائتوني بيوسف، فأبى يوسف الخروج من السجن، حتى تظهر براءته وحقيقة أمره مع النساء، فأحضرهن الملك، وسألهن عنه، قلن: حاشا لله ما علمنا عليه من سوء، وأقرت امرأة العزيز (زليخا) ببراءته، وقالت: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ، أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ. ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ، وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾.
﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ، إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي، إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وآية: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي..﴾. من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف كما يذكر بعض المفسرين خطأ.
خروج يوسف من السجن إلى القصر:
وخرج يوسف من السجن بريئا من التهمة، وسأله الملك عن أي عمل يرضاه لنفسه؟ فقال يوسف: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ فجعله على كل أرض مصر، وصاحب الأمر والنهي، ووزيرا للمالية والتجارة ورئاسة الحكم، وجعل خاتمه في يد يوسف الذي أصبح عمره ثلاثين سنة.
طلب إخوة يوسف الطعام منه:
ومرت السنوات السبع المخصبة، ثم جاءت السبع المجدبة، فباع يوسف المصريين من مخازن القمح التي كان قد ادخرها أثناء الخصب، ثم جاءه أهل
стр. 3735
فلسطين، وأرسل يعقوب أولاده مع الجمال والحمير لحمل الطعام من مصر، فلما قدموا عرفهم يوسف ولم يعرفوه، إذ أصبح في سن الأربعين، وطلب منهم أن يأتوه بأخ لهم من أبيهم مرة أخرى، وأعطاهم الطعام بلا ثمن، ليأتوه بأخيهم، دون أن يعلموا أنه ردّ عليهم الثمن، ووضع نقودهم في أوعيتهم؛ لأنهم سيعودون بها إليه؛ لأنهم لا يقبلون ما ليس لهم.
ولما اشتد القحط بأهل فلسطين، سمح يعقوب بسفر ابنه (بنيامين) مع إخوته، فلما قدموا أحسن يوسف ضيافتهم واستقبالهم في حفل غداء ظهرا، ولكنه لم يأكل معهم جريا على عادة المصريين الذين يعتبرون الأكل مع العبرانيين نجاسة، وأخبروا خادما ليوسف أنهم عادوا بالفضة ثمن الطعام سابقا، وبفضة أخرى لشراء القمح.
حيلة يوسف في إبقاء أخيه عنده:
أمر يوسف بتجهيز إخوته من الطعام، وأمر أن توضع فضة كل واحد في عدله، وأن يوضع صواع الملك في رحل أخيه بنيامين، وعند ما عزموا على المسير، نودوا بأنهم سرقوا سقاية الملك، وأن من سرقه فهو فداؤه في قانون الملك. ففتشت أعدالهم، ثم أخرج الصواع من عدل بنيامين، فتوسطوا لدى الملك واسترحموا أن يأخذ أحدهم بدلا عنه؛ لأن له أبا شيخا كبيرا، فأبى، فقالوا: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، فأسرها يوسف في نفسه، وقال لهم: أنتم شرّ مكانا من هذا السارق.
وسرقة يوسف المزعومة:
أن أمه ماتت وهو صغير، فكفلته عمته، ولما أراد أبوه أن يأخذه منها، ألبسته منطقة لإبراهيم كانت عندها، وأخفتها تحت ثيابه، ثم أظهرت أنها سرقت منها، ثم أخرجتها من تحت ثيابه، وطلبت بقاءه عندها يخدمها مدة، جزاء له بما صنع.
стр. 3736
فلما قدم إخوة يوسف على أبيهم يعقوب ما عدا أكبرهم وأصغرهم، أخبروه بما حدث، فازداد حزنا حتى ابيضت عيناه، وتذكر يوسف فقال: يا أسفا على يوسف.
تعارف الإخوة ولقاء الأسرة:
ثم جاء إخوة يوسف إلى مصر في المرة الثالثة، وطلبوا إمدادهم بالطعام، لما تعرضوا له من الضرّ (الجوع) قائلين: وجئنا ببضاعة مزجاة أي قليلة، كما طلبوا إطلاق سراح أخيهم، فذكرهم يوسف بإساءتهم القديمة قائلا: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ، إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ فعرفوا أنه يوسف: ﴿قالُوا: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ؟ قالَ: أَنَا يُوسُفُ، وَهذا أَخِي، قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا.﴾ ..
وأعطاهم قميصه لإلقائه على وجه أبيهم، والإتيان بأهله أجمعين إليه، فلما وصلوا فلسطين ألقوا القميص على وجه يعقوب، فارتد بصيرا، وبشره البشير بسلامة يوسف وأخيه.
فجاء يعقوب وآله إلى مصر، فآوى يوسف إليه أبويه: يعقوب وزوجه خالة يوسف، لموت أمه وهو صغير، وسجد له أبوه وأمه وإخوته الأحد عشر سجود تحية وتعظيم، لا سجود عبادة، وتلك هي تأويل رؤياه السابقة بسجود أحد عشر كوكبا له مع الشمس والقمر، وكان هذا اللقاء فرحة كبري للأسرة برئاسة يعقوب، استوجبت من يوسف إعلان شكر الله تعالى على نعمه عليه، من العلم والملك، وطلب من الله تعالى أن يتولاه في الدنيا والآخرة، وأن يتوفاه مسلما أي مطيعا لله، غير عاص، وأن يلحقه بالصالحين من آبائه الأنبياء.
العبر والعظات المستفادة من قصة يوسف:
يمكن استخلاص عبر كثيرة وعظات عديدة، وأخلاق وفضائل سامية من قصة يوسف ﵇، منها:
стр. 3737
١ - قد تؤدي النقمة إلى النعمة، فقد بدأت قصة يوسف بالأحزان والمفاجآت المدهشة، من الإلقاء به في البئر، ثم بيعه عبدا لرئيس شرطة مصر، ثم كانت محنته الشديدة مع النساء، فزجّ به في غياهب السجون، ثم آل الأمر به إلى أن يصبح حاكم مصر الفعلي.
٢ - قد توجد ضغائن وأحقاد بين الإخوة ربما تدفع إلى الموت أو الهلاك.
٣ - كانت نشأة يوسف في بيت النبوة نشأة صالحة، تربى فيها على الأخلاق الكريمة، والخصال الرفيعة، فشب على تلك الأوصاف الكاملة التي ورثها من آبائه وأجداده الأنبياء، وقد أفاده ذلك في مختلف الأحداث الكبرى التي مرا، وانتصر بها على المحن، وجاءه الفرج بعد الشدة، والعز والنصر بعد الذل والانكسار.
٤ - إن العفة والأمانة والاستقامة مصدر الخير كله، للرجال والنساء، على حدّ سواء، وإن الاستمساك بالدين والفضيلة مصدر الاحترام وحسن السمعة، وإن الحق وإن استتر زمنا لا بدّ من أن يظهر ولو بعد حين.
٥ - إن مثار الفتنة هو خلوة الرجل بالمرأة، لذا حرمها الإسلام، وحرم سفر المرأة لمسافة قصيرة بغير محرم، ولو بوسائط النقل السريعة الحديثة، لما يطرأ لها من عثرات ومضايقات ملحوظة ومشكلات تصاحب الأسفار، ثبت في الحديث الذي أخرجه الترمذي والنسائي: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان».
٦ - الإيمان بالمبدأ، وصلابة الاعتقاد سبيل لتخطي الصعاب، والترفع عن الدنايا، وذلك هو الذي جعل ليوسف نفسا كريمة، وروحا طاهرة، وعزيمة صماء لا تلين أمام الشهوات والمغريات.
٧ - الاعتصام بالله عند الشدة، واللجوء إليه عند الضيق، فلم يأبه يوسف
стр. 3738
عليه السّلام بتوعد امرأة العزيز له بالسجن، وإنما لجأ إلى الله قائلا: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾.
٨ - المحنة لا تثني المؤمن عن واجبه في الدعوة إلى الله تعالى، فإن يوسف ﵇ بالرغم من كونه في السجن، انتهز فرصة تأويل رؤيا سجينين معه، فبادر إلى الدعوة إلى التوحيد ودين الله، لعل الموجودين معه يؤمنون بدعوته، وقد أسلم فعلا الملك، ومستعبر الرؤيا الساقي، والشاهد فيما يقال.
٩ - الفطنة لاستغلال الأحداث والاتصاف بالإباء والشمم، فلم يبادر يوسف ﵇ إلى الخروج من السجن، حتى تعلن براءته، وتظهر طهارته، وشرف نفسه، حتى لا يوصف بأنه مجرم، أودع السجون بجرمه.
١٠ - إظهار فضيلة الصبر، فقد كان يوسف متدرعا بدرع الصبر على الأذى، لاجتياز العقبات والصعاب والمصائب التي تعرّض لها وهي ما ذكر، والصبر مفتاح الفرج، ونصف الإيمان، وطريق تحقيق النصر، وقد نصره الله كما نصر باقي الرسل بعد الاستيئاس. وتوّج نصره بالعفو عن إخوته وكرمه في العفو الذي أصبح مضرب الأمثال، حتى قال: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ..﴾ ..
١١ - أسفرت قصة يوسف عن براءته المطلقة، كبراءة الذئب من دمه، فقد تضافرت شهادات عديدة على براءته، كما ذكر الرازي (١):
أولها-شهادة رب العالمين: فقد شهد الله تعالى ببراءته عن الذنب بقوله:
﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ شهد تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات، بقوله: ﴿لِنَصْرِفَ.﴾. واللام للتأكيد
стр. 3739
والمبالغة، وقوله: ﴿وَالْفَحْشاءَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا﴾ وقوله:
﴿الْمُخْلَصِينَ﴾.
وثانيها-شهادة الشيطان ببراءته بقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص ٨٢/ ٣٨] فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ويوسف من المخلصين، للآية السابقة.
وثالثها-شهادة يوسف ﵇ بقوله: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وقوله: ﴿رَبِّ، السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾.
ورابعها-شهادة امرأة العزيز: فإنها اعترفت ببراءته وطهارته، فقالت للنسوة: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمَ﴾ وقالت: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ، أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾.
وخامسها-الشهود من أهل العزيز: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها، إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ، فَكَذَبَتْ، وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ.﴾. الآية.
وسادسها-شهادة النسوة اللائي قطّعن أيديهن بقولهن: ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.
كل تلك الشهادات قاطعة ببراءة يوسف ﵇، فمن أراد أن يتهمه بالهمّ على السوء-علما بأن الهمّ أمر نفسي لا عقاب عليه-فهو من دعاة السوء، وأهل الجهالة والغباوة، وأدنى من الشيطان الذي شهد كما أوضحنا بطهارة يوسف.
١٢ - أرشدت قصة يوسف إلى أنه لا دافع لقضاء الله تعالى، ولا مانع من قدر الله تعالى، وأنه تعالى إذا قضى للإنسان بخير ومكرمة، لم يمنعه عنه أحد ولو اجتمع العالم عليه.
стр. 3740
١٣ - دلت القصة على أن الحسد سبب للخذلان والخسران.
١٤ - الصبر مفتاح الفرج، فإن يعقوب ﵇ لما صبر فاز بمقصوده، وكذلك يوسف ﵇ لما صبر فاز كما تقدم بيانه.
عربية القرآن ومنزلة القصص القرآني
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣)﴾
الإعراب:
﴿تِلْكَ آياتُ.﴾. مبتدأ وخبر.
﴿قُرْآناً﴾ حال من هاء. ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ أي أنزلناه مجموعها. وكذلك ﴿عَرَبِيًّا﴾ حال أخرى.
﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ﴿أَحْسَنَ﴾ منصوب نصب المصدر؛ لأنه مضاف إلى المصدر، وأفعل:
إنما يضاف إلى ما هو بعض له، فينزل منزلة المصدر، فصار بمنزلة قولهم: سرت أشدّ السير، وصمت أحسن الصيام. ﴿هذَا الْقُرْآنَ﴾ ﴿هذَا﴾ مفعول به، و ﴿الْقُرْآنَ﴾ بدل أو عطف بيان أو نعت.
﴿وَإِنْ كُنْتَ﴾ إن مخففة من الثقيلة، واللام: هي التي تفرق بينها وبين النافية، وضمير ﴿قَبْلِهِ﴾ راجع إلى قوله ﴿بِما أَوْحَيْنا﴾ والمعنى: وإن الشأن والحديث كنت من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عنه.
стр. 3741
البلاغة:
﴿تِلْكَ آياتُ﴾ أشار إلى القرآن بالعبيد لبيان علو منزلته وبعد مرتبته في الكمال.
المفردات اللغوية:
﴿الر﴾ البدء بالحروف المقطعة إشارة إلى إعجاز القرآن، فمن هذه الحروف العربية الأبجدية ونحوها التي تكونت منها لغة العرب، تألفت آيات الكتاب المعجز، كما بينا في أول سورة البقرة وآل عمران وغيرهما من السور المتقدمة.
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى آيات السورة. ﴿الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ أي السورة، أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو الواضحة معانيها لنزولها بلسان العرب، أو المبينة لمن تدبرها أنها من عند الله، لا من عند البشر.
و ﴿الْمُبِينِ﴾ الموضّح المفصل ما يريد. ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ أي الكتاب الذي فيه قصة يوسف. ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ مجموعا بلغة العرب، وسمي بعض القرآن قرآنا؛ لأن القرآن اسم جنس، يقع على كله وبعضه، وصار علما للكل بالغلبة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ علة لإنزاله بهذه الصفة، أي أنزلناه مجموعا أو مقروءا بلغتكم كي تفهموه وتحيطوا بمعانيه.
﴿الْقَصَصِ﴾ إما مصدر بمعنى الاقتصاص، وإما اسم مفعول بمعنى المقصوص من الخبر والأحاديث. وقص الخبر: حدثه على وجهه الصحيح. و ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ لأنه اقتص على أبدع الأساليب، أو أحسن ما يقص؛ لاشتماله على العجائب والحكم والآيات والعبر.
﴿بِما أَوْحَيْنا﴾ أي بإيحائنا إليك هذا القرآن، يعني السورة ﴿لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ عن هذه القصة، الجاهلين بها، فلم يكن لك فيها علم قط، ولا عرفت شيئا منها.
سبب النزول:
نزول الآية (٣):
﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾: روى ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا:
يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فنزلت: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾.
التفسير والبيان:
تشبه فاتحة هذه السورة فاتحة سورة يونس، لكن وصف القرآن هنا بالمبين
стр. 3742
وهناك بالحكيم، والسبب أن سورة يوسف تعبر عن أحداث جسام مرّ بها نبي كريم صبور فناسبها الوصف بالبيان، وأما سورة يونس فموضوعها إثبات أصول الدين من توحيد الله، وإثبات الوحي والنبوة، والبعث والجزاء، وهذه يناسبها الوصف بالحكمة.
والمعنى: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب، وهذا تفسير الزمخشري. وقال أبو حيان: والظاهر أن المراد بالكتاب: القرآن، و ﴿الْمُبِينِ﴾ إما البيّن في نفسه، الظاهر أمره في إعجاز العرب وتبكيتهم، وأما المبين الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وما يحتاج إليه من أمر الدين، أو المبين الهدى والرشد والبركة.
وعلى أي حال، فإن الكتاب اسم جنس يطلق على البعض وعلى الكل، فسواء قلنا: إن المراد به هذه السورة، أو كل القرآن، فالمقصود إثبات صفة القرآن، وصفاته لا تختلف بين السور جميعها، فكلها واضحة جلية تفصح عن أشياء مبهمة، وآياتها تبين وتفسر غوامض الأمور، وتوضح أحكام الشريعة، وترشد إلى ما هو خير في الدنيا والآخرة.
قال القرطبي وابن كثير: هذه آيات الكتاب وهو القرآن المبين، أي الواضح الجلي الذي يفصح عن الأشياء المبهمة ويفسرها ويبينها، يعني بالكتاب المبين:
القرآن المبين، أي المبين حلاله وحرامه، وحدوده وأحكامه، وهداه وبركته.
﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ.﴾. أي إنا أنزلنا هذا القرآن على النبي محمد العربي، بلغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، لتتعلموا ما لم تكونوا تعلمون من قصص وأخبار، وآداب وأخلاق، وأحكام وتشريعات، ومناهج حياة سليمة في السياسة والاجتماع والاقتصاد وشؤون الدولة، ولتتدبروا ما فيها من معان وأهداف،. تبني الفرد والجماعة على أقوم الأسس.
стр. 3743
قال ابن كثير: فلهذا أنزل أشرف الكتب، بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة، فكمل من كل الوجوه.
ولهذا قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ.﴾. أي نحن نخبرك بأحسن الأخبار، بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن، الذي جاء تاما كاملا مفصلا كل شيء، وجاءت قصة يوسف كاملة تامة مفصلة ذات أهداف سامية وعبر كثيرة. وإن كنت من قبل ما أوحينا أي من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عما عرفناك به، أي من الجاهلين به، فلا علم لك به قط، شأنك شأن قومك، لا يعلمون من قصص الماضين وأخبارهم شيئا.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - القرآن الكريم كتاب مبين، أوضح الحلال والحرام، والحدود والأحكام، والشرائع والأخلاق، ليكون هدى للعالمين، وبركة وخيرا للناس أجمعين، فهو معجزة بيّنة لمحمد ﷺ .
٢ - القرآن العظيم نزل بلسان عربي مبين، يقرأ بلغة العرب، فكان معشر العرب أولى الناس بالإيمان به، وفهم ما فيه، وتعلم معانيه.
٣ - القرآن بيان جلي متضمن أحسن القصص، وأثبت الأخبار، وأجدى الآثار وتواريخ الأمم الماضية. والمراد بأحسن القصص: أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب، أي أن المراد من الحسن حسن البيان وكون الألفاظ بالغة بالفصاحة حد الإعجاز.
٤ - قصة يوسف ﵇ أحسن القصص، والسبب في تسمية هذه
стр. 3744
السورة أحسن القصص من بين سائر الأقاصيص هو ما تضمنته هذه القصة من العبر والحكم، وما اشتملت عليه من التوحيد والفقه والسّير وتعبير الرؤيا، والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجميل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا، وذكر الأنبياء والصالحين، والملائكة والشياطين، والجنّ والإنس، والأنعام والطير، وأخبار الملوك والممالك، والتجار والعلماء والجهّال، والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن.
فهي قصة جامعة شاملة للدين والدنيا والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية الملأى بالعبر والعظات، ولعل من أهمها الصبر على الأذى والعفو عند المقدرة.
الفصل الأول من قصة يوسف ﵇
رؤيا يوسف وتعبير يعقوب الرؤيا
﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾
الإعراب:
﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ ﴿إِذْ﴾ في موضع نصب على الظرف، وعامله (الغافلين) وهو
стр. 3745
بدل اشتمال من ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ لأن الوقت مشتمل على القصص وهو المقصوص، أو بإضمار «اذكر».
و ﴿يُوسُفُ﴾ ممنوع من الصرف للعلمية (التعريف) والعجمة، ووزنه يفعل، وليس في كلام العرب يفعل.
﴿يا أَبَتِ﴾ من قرأ بكسر التاء، جعلها بدلا عن ياء الإضافة، ويوقف عليها بالهاء عند سيبويه؛ لأنه ليس ثمّ «ياء» مقدرة. وذهب الفراء إلى أن الياء في النّية، والوقف عليها بالتاء، وعليه أكثر القراء اتباعا للمصحف.
ومن قرأ بفتح التاء ففيه وجهان: إما أصله «يا أبتي» فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف فصارت ﴿يا أَبَتِ﴾. وإما أنه محمول على قول من قال: يا طلحة بفتح التاء، كأنه قد رخّم، ثم ردّ التاء وفتحها، تبعا لفتح الحاء، فقال:
يا طلحة.
﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ أجرى الكواكب والشمس والقمر مجرى العقلاء؛ لأن السجود من صفات من يعقل، فوصفها بصفات من يعقل. و ﴿ساجِدِينَ﴾ حال من الهاء والميم في ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾.
﴿فَيَكِيدُوا﴾ منصوب بأن مضمرة، وعدي باللام مع أنه متعد بنفسه، لتضمينه معنى فعل يتعدى باللام، للتأكيد والمبالغة في التخويف.
البلاغة:
﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.﴾. فيها استعارة؛ لأن الكواكب والمذكور معها مما لا يعقل، فكان الأصل أن يقال: ساجدة، فلما وصفها بصفات العقلاء وهو السجود، أطلق عليها فعل من يعقل على طريق الاستعارة.
﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ﴾ تشبيه مرسل مجمل.
المفردات اللغوية:
﴿إِذْ قالَ﴾ أي ذكر، أو بدل من ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ بدل اشتمال إن جعل ﴿أَحْسَنَ﴾ مفعولا به ﴿لِأَبِيهِ﴾ هو يعقوب،
روى أحمد والبخاري أن النبي ﷺ قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم». ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾ في المنام من الرؤيا لا من الرؤية. ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ هم إخوة يوسف، وكانوا أحد عشر، والشمس والقمر: أبوه
стр. 3746
وأمه. ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ إما تأكيد، أو استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها، فلا تكرار.
وإنما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم، وهو السجود الذي هو من صفات العقلاء. والسجود المراد هنا: هو الانحناء، مبالغة في الاحترام، وليس سجود عبادة؛ لأن سجود العبادة لا يكون إلا بنية التقرب لمن يعتقد أن له عليه سلطانا غيبيا فوق السلطان المعتاد.
لا تقصص رؤياك*قص الرؤيا: الإخبار بها، والرؤيا كالرؤية، غير أنها مختصة بما يكون في النوم، ففرق بينهما، بتاء التأنيث المربوطة، كالقربة والقربى. والرؤيا: انطباع الصورة المنحدرة من الخيال إلى الحس المشترك، فتصير مشاهدة. ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾ يحتالون في هلاكك حسدا.
﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهر العداوة؛ لما فعل بآدم وحواء. ﴿وَكَذلِكَ﴾ ومثل ذلك الاجتباء.
﴿يَجْتَبِيكَ﴾ يختارك ويصطفيك، أي وكما اجتباك ربك لمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز، كذلك يجتبيك ربك لأمور عظام. ﴿وَيُعَلِّمُكَ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه، كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك. ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ تعبير الرؤيا: أي الإخبار بما يؤول إليه الشيء في الوجود، وسميت الرؤيا أحاديث باعتبار حكايتها والتحديث بها، وتعبير الرؤيا يميز بين أحاديث الملك الصادقة وبين أحاديث النفس والشيطان الكاذبة.
﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوة. ﴿وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي أهله وأولاده. والآل: خاص بمن لهم شرف وخطر. ﴿كَما أَتَمَّها﴾ بالنبوة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ اي من قبلك أو من قبل هذا الوقت.
﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه وبمن يستحق الاجتباء. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه بهم، يفعل الأشياء على ما ينبغي.
المناسبة:
هذا شروع في بيان أحسن القصص، وهذه بداية مثيرة مجملة في حلقات أو فصول قصة يوسف، تجتذب ذهن القارئ والسامع لتعرف ما هو المصير، وكيف يتم حل اللغز المبهم المبدوء بقصّ يوسف رؤياه الغريبة على أبيه وهو صغير، وما أجابه به، من إخفاء الرؤيا على إخوته حتى لا يحسدوه ويكيدوا له وهذا.
الأسلوب يحتذيه واضعو القصص، إذ يبدءون القصة بلغز أو نبأ مثير، ثم يتدرجون في حل اللغز وبيان أبعاد النبأ وحقيقته.
هل أبناء يعقوب أنبياء ؟
يفسر بعض المفسرين الأسباط في آية ﴿قُولُوا: آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا
стр. 3747
وَمَا أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ﴾ [البقرة ٢/ ١٣٦] بأنهم إخوة يوسف وأنهم أنبياء. والصحيح كما ذكر ابن كثير أن الأسباط ليسوا أولاد يعقوب، وإنما هم القبائل من ذرية يعقوب؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب (١).
التفسير والبيان:
اذكر يا محمد لقومك قصة يوسف حين قال لأبيه يعقوب: إني رأيت في منامي أن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر تسجد لي، سجود احترام وانحناء وخضوع وتواضع، لا سجود عبادة، وقد وصف فعل غير العاقل بوصف العاقل وهو السجود، للدلالة على أنها رؤيا إلهام، لا مجرد أضغاث أحلام. قال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي. والرؤيا الصالحة جزء من النبوة، ونوع من الإخبار بالغيب إذ رآها صالح وتأولها عالم صالح. وتكون بارتسام الوقائع على الروح الصافية، وتظهر غالبا موافقة لحديث النفس.
والأحد عشر كوكبا هم إخوته الأحد عشر نفرا، والكواكب هم الإخوة، والشمس والقمر أبوه وأمه. وهذا رأي جماعة من المفسرين؛ لأن الكواكب لا تسجد في الحقيقة، فيحمل الكلام على الرؤيا، ولقول يعقوب ﵇:
﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ﴾.
وذكر ابن جرير الطبري عن جابر قال: أتى النبي ﷺ رجل من يهود، يقال له: بستانة اليهودي، فقال له: يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له، ما أسماؤها؟ قال؛ فسكت النبي ﷺ ساعة، فلم يجبه بشيء، ونزل عليه جبريل ﵇، فأخبره بأسمائها، قال: فبعث
стр. 3748
رسول الله ﷺ إليه، فقال «هل أنت مؤمن إذا أخبرتك بأسمائها؟» فقال:
نعم، قال: «جريان، والطارق والذيال، وذو الكنفات، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروح، ودو الفرغ، والضياء والنور» فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها (١).
﴿قالَ: يا بُنَيَّ.﴾. قال يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا المتضمنة خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه إجلالا واحتراما وإكراما:
لا تخبر إخوتك بما رأيت، حتى لا يحسدوك، ويحتالوا لك حيلة توقعك في مكروه، فإن الشيطان عدو لآدم وبنيه، ومن دأبه إيقاع الفتنة بين الناس، كما قال يوسف نفسه: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف ١٠٠/ ١٢].
وثبت في السنة عن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم ما يحب، فليحدّث به، وإذا رأى ما يكره، فليتحول إلى جنبه الآخر، وليتفل عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدث بها أحدا، فإنها لن تضره» (٢).
وروى الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال:
قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبّر، فإذا عبرت وقعت».
﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ.﴾. أي كما اختارك ربك، وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك، يختارك لنفسه ويصطفيك لنبوته على آلك وغيرهم، ويعلمك تعبير الرؤيا.
وتعبير الرؤيا: الإخبار بما تؤول إليه في الوجود. وتعليم الله يوسف التأويل:
стр. 3749
إلهامه الصواب فيها، أو صدق الفراسة، كما قال يوسف لأبيه: ﴿هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ، قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف ١٠٠/ ١٢] وقال لصاحبي السجن: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما، ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف ٣٧/ ١٢] ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ..﴾. أي بإرسالك والإيحاء إليك، وعلى آل يعقوب، أي أبيك وإخوتك وذريتهم، وآل الإنسان: أهله، وهو خاص بمن لهم مجد وشرف، كآل النبي ﷺ .
﴿كَما أَتَمَّها.﴾. أي كإتمام تلك النعمة من قبل هذا الوقت على جدك إسحاق، وجد أبيك إبراهيم، وقدم إبراهيم؛ لأنه الأشرف، إن ربك عليم بخلقه وبمن يستحق الاجتباء والاصطفاء، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، كما في آية أخرى، حكيم في صنعه وتدبيره، يفعل الأشياء على ما ينبغي.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - رؤيا الأنبياء حق، ورؤيا الصالحين جزء من النبوة، والكواكب هي إخوة يوسف، والشمس والقمر أبوه وأمه، وهذا هو الأصح. قال الحكماء: إن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب، والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين.
والرؤيا حالة شريفة ومنزلة رفيعة،
قال ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي هريرة: «لم يبق بعدي من المبشّرات: الرؤيا الصالحة الصادقة، يراها الرجل الصالح، أو ترى له»
وقال في رواية لحديث عند الشيخين عن أبي هريرة:
«أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا»
وحكم ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري بأنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وهو أصح الروايات.
وإنما كانت الرؤيا جزءا من النبوة؛ لأن فيها ما يعجز ويمتنع، كالطيران،
стр. 3750
وقلب الأعيان، والاطلاع على شيء من علم الغيب. والرؤيا الصادقة من الله، وهي التي خلصت من الأضغاث (١) والأوهام،
قال ﷺ فيما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي قتادة: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان». والتصديق بالرؤيا الصالحة حق.
أما رؤيا الكافر والفاجر والفاسق والكاذب، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من الوحي ولا من النبوة؛ إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب، يكون خبره ذلك نبوة. ومن المعلوم أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق، لكن ذلك نادر وقليل، فكذلك رؤيا هؤلاء.
وحقيقة الرؤيا: هي إدراك حقيقة في أثناء النوم، وأكثر ما تكون في آخر الليل، لقلة غلبة النوم، وتسمى أحلام اليقظة، فيخلق الله للرائي علما ناشئا.
ولا يرى الرائي في المنام إلا ما يصح إدراكه في اليقظة، فلا يرى المستحيل، وإنما يرى الجائزات المعتادات. ويمثل الله في الرؤيا للرائي صورة محسوسة، قد توافق الواقع، وقد تكون لمعاني معقولة غير محسوسة، وفي الحالتين قد تكون مبشّرة أو منذرة.
٢ - لا تقص الرؤيا على غير عالم ولا محب ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها،
أخرج الترمذي حديثا: «الرؤيا معلّقة برجل طائر، ما لم يحدّث بها صاحبها، فإذا حدّث بها وقعت، فلا تحدّثوا بها إلا عاقلا أو محبّا أو ناصحا».
٣ - يطلب كتمان النعمة أمام من تخشى غائلته حسدا وكيدا، حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث أخرجه الطبراني والبيهقي وغيرهما عن عمر:
«استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود».