وأمه. ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ إما تأكيد، أو استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها، فلا تكرار.
وإنما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم، وهو السجود الذي هو من صفات العقلاء. والسجود المراد هنا: هو الانحناء، مبالغة في الاحترام، وليس سجود عبادة؛ لأن سجود العبادة لا يكون إلا بنية التقرب لمن يعتقد أن له عليه سلطانا غيبيا فوق السلطان المعتاد.
لا تقصص رؤياك*قص الرؤيا: الإخبار بها، والرؤيا كالرؤية، غير أنها مختصة بما يكون في النوم، ففرق بينهما، بتاء التأنيث المربوطة، كالقربة والقربى. والرؤيا: انطباع الصورة المنحدرة من الخيال إلى الحس المشترك، فتصير مشاهدة. ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾ يحتالون في هلاكك حسدا.
﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهر العداوة؛ لما فعل بآدم وحواء. ﴿وَكَذلِكَ﴾ ومثل ذلك الاجتباء.
﴿يَجْتَبِيكَ﴾ يختارك ويصطفيك، أي وكما اجتباك ربك لمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز، كذلك يجتبيك ربك لأمور عظام. ﴿وَيُعَلِّمُكَ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه، كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك. ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ تعبير الرؤيا: أي الإخبار بما يؤول إليه الشيء في الوجود، وسميت الرؤيا أحاديث باعتبار حكايتها والتحديث بها، وتعبير الرؤيا يميز بين أحاديث الملك الصادقة وبين أحاديث النفس والشيطان الكاذبة.
﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوة. ﴿وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي أهله وأولاده. والآل: خاص بمن لهم شرف وخطر. ﴿كَما أَتَمَّها﴾ بالنبوة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ اي من قبلك أو من قبل هذا الوقت.
﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه وبمن يستحق الاجتباء. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه بهم، يفعل الأشياء على ما ينبغي.
المناسبة:
هذا شروع في بيان أحسن القصص، وهذه بداية مثيرة مجملة في حلقات أو فصول قصة يوسف، تجتذب ذهن القارئ والسامع لتعرف ما هو المصير، وكيف يتم حل اللغز المبهم المبدوء بقصّ يوسف رؤياه الغريبة على أبيه وهو صغير، وما أجابه به، من إخفاء الرؤيا على إخوته حتى لا يحسدوه ويكيدوا له وهذا.
الأسلوب يحتذيه واضعو القصص، إذ يبدءون القصة بلغز أو نبأ مثير، ثم يتدرجون في حل اللغز وبيان أبعاد النبأ وحقيقته.
هل أبناء يعقوب أنبياء ؟
يفسر بعض المفسرين الأسباط في آية ﴿قُولُوا: آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا
стр. 3747
وَمَا أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ﴾ [البقرة ٢/ ١٣٦] بأنهم إخوة يوسف وأنهم أنبياء. والصحيح كما ذكر ابن كثير أن الأسباط ليسوا أولاد يعقوب، وإنما هم القبائل من ذرية يعقوب؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب (١).
التفسير والبيان:
اذكر يا محمد لقومك قصة يوسف حين قال لأبيه يعقوب: إني رأيت في منامي أن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر تسجد لي، سجود احترام وانحناء وخضوع وتواضع، لا سجود عبادة، وقد وصف فعل غير العاقل بوصف العاقل وهو السجود، للدلالة على أنها رؤيا إلهام، لا مجرد أضغاث أحلام. قال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي. والرؤيا الصالحة جزء من النبوة، ونوع من الإخبار بالغيب إذ رآها صالح وتأولها عالم صالح. وتكون بارتسام الوقائع على الروح الصافية، وتظهر غالبا موافقة لحديث النفس.
والأحد عشر كوكبا هم إخوته الأحد عشر نفرا، والكواكب هم الإخوة، والشمس والقمر أبوه وأمه. وهذا رأي جماعة من المفسرين؛ لأن الكواكب لا تسجد في الحقيقة، فيحمل الكلام على الرؤيا، ولقول يعقوب ﵇:
﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ﴾.
وذكر ابن جرير الطبري عن جابر قال: أتى النبي ﷺ رجل من يهود، يقال له: بستانة اليهودي، فقال له: يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له، ما أسماؤها؟ قال؛ فسكت النبي ﷺ ساعة، فلم يجبه بشيء، ونزل عليه جبريل ﵇، فأخبره بأسمائها، قال: فبعث
стр. 3748
رسول الله ﷺ إليه، فقال «هل أنت مؤمن إذا أخبرتك بأسمائها؟» فقال:
نعم، قال: «جريان، والطارق والذيال، وذو الكنفات، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروح، ودو الفرغ، والضياء والنور» فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها (١).
﴿قالَ: يا بُنَيَّ.﴾. قال يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا المتضمنة خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه إجلالا واحتراما وإكراما:
لا تخبر إخوتك بما رأيت، حتى لا يحسدوك، ويحتالوا لك حيلة توقعك في مكروه، فإن الشيطان عدو لآدم وبنيه، ومن دأبه إيقاع الفتنة بين الناس، كما قال يوسف نفسه: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف ١٠٠/ ١٢].
وثبت في السنة عن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم ما يحب، فليحدّث به، وإذا رأى ما يكره، فليتحول إلى جنبه الآخر، وليتفل عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدث بها أحدا، فإنها لن تضره» (٢).
وروى الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال:
قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبّر، فإذا عبرت وقعت».
﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ.﴾. أي كما اختارك ربك، وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك، يختارك لنفسه ويصطفيك لنبوته على آلك وغيرهم، ويعلمك تعبير الرؤيا.
وتعبير الرؤيا: الإخبار بما تؤول إليه في الوجود. وتعليم الله يوسف التأويل:
стр. 3749
إلهامه الصواب فيها، أو صدق الفراسة، كما قال يوسف لأبيه: ﴿هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ، قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف ١٠٠/ ١٢] وقال لصاحبي السجن: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما، ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف ٣٧/ ١٢] ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ..﴾. أي بإرسالك والإيحاء إليك، وعلى آل يعقوب، أي أبيك وإخوتك وذريتهم، وآل الإنسان: أهله، وهو خاص بمن لهم مجد وشرف، كآل النبي ﷺ .
﴿كَما أَتَمَّها.﴾. أي كإتمام تلك النعمة من قبل هذا الوقت على جدك إسحاق، وجد أبيك إبراهيم، وقدم إبراهيم؛ لأنه الأشرف، إن ربك عليم بخلقه وبمن يستحق الاجتباء والاصطفاء، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، كما في آية أخرى، حكيم في صنعه وتدبيره، يفعل الأشياء على ما ينبغي.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - رؤيا الأنبياء حق، ورؤيا الصالحين جزء من النبوة، والكواكب هي إخوة يوسف، والشمس والقمر أبوه وأمه، وهذا هو الأصح. قال الحكماء: إن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب، والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين.
والرؤيا حالة شريفة ومنزلة رفيعة،
قال ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي هريرة: «لم يبق بعدي من المبشّرات: الرؤيا الصالحة الصادقة، يراها الرجل الصالح، أو ترى له»
وقال في رواية لحديث عند الشيخين عن أبي هريرة:
«أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا»
وحكم ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري بأنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وهو أصح الروايات.
وإنما كانت الرؤيا جزءا من النبوة؛ لأن فيها ما يعجز ويمتنع، كالطيران،
стр. 3750
وقلب الأعيان، والاطلاع على شيء من علم الغيب. والرؤيا الصادقة من الله، وهي التي خلصت من الأضغاث (١) والأوهام،
قال ﷺ فيما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي قتادة: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان». والتصديق بالرؤيا الصالحة حق.
أما رؤيا الكافر والفاجر والفاسق والكاذب، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من الوحي ولا من النبوة؛ إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب، يكون خبره ذلك نبوة. ومن المعلوم أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق، لكن ذلك نادر وقليل، فكذلك رؤيا هؤلاء.
وحقيقة الرؤيا: هي إدراك حقيقة في أثناء النوم، وأكثر ما تكون في آخر الليل، لقلة غلبة النوم، وتسمى أحلام اليقظة، فيخلق الله للرائي علما ناشئا.
ولا يرى الرائي في المنام إلا ما يصح إدراكه في اليقظة، فلا يرى المستحيل، وإنما يرى الجائزات المعتادات. ويمثل الله في الرؤيا للرائي صورة محسوسة، قد توافق الواقع، وقد تكون لمعاني معقولة غير محسوسة، وفي الحالتين قد تكون مبشّرة أو منذرة.
٢ - لا تقص الرؤيا على غير عالم ولا محب ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها،
أخرج الترمذي حديثا: «الرؤيا معلّقة برجل طائر، ما لم يحدّث بها صاحبها، فإذا حدّث بها وقعت، فلا تحدّثوا بها إلا عاقلا أو محبّا أو ناصحا».
٣ - يطلب كتمان النعمة أمام من تخشى غائلته حسدا وكيدا، حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث أخرجه الطبراني والبيهقي وغيرهما عن عمر:
«استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود».
стр. 3751
٤ - يباح أن يحذّر المسلم أخاه المسلم ممن يخافه عليه، ولا يكون داخلا في معنى الغيبة؛ لأن يعقوب (إسرائيل) ﵇ قد حذّر يوسف ﵇ أن يقص رؤياه على إخوته، فيكيدوا له كيدا.
٥ - في الآية دليل واضح على معرفة يعقوب ﵇ بتأويل الرؤيا، فإنه عرف أن يوسف سيظهر على إخوته، فسّره ذلك ودل على أن محبته له كانت مبنية على مقومات فيه، والرجل يودّ أن يكون ولده خيرا منه، أما الأخ فلا يودّ ذلك لأخيه.
ودلت الآية أيضا على أن يعقوب ﵇ كان أحسّ من بنيه حسد يوسف وبغضه، فنهاه عن قص الرؤيا عليهم خوف المكيدة والحسد، والعمل على هلاكه. ودل هذا وفعلهم بيوسف يدل على أنهم كانوا غير أنبياء؛ لأن الأنبياء معصومون من الحسد الدنيوي، ومن عقوق الآباء، وتعريض مؤمن للهلاك، وتآمر على قتله.
٦ - اشتمل كلام يعقوب مع ابنه يوسف على عدة بشائر، فأخبره أنه كما أكرمه الله بالرؤيا، فإن الله يجتبيه ويحسن إليه بتحقيق الرؤيا، بالسجود له.
والاجتباء: اختيار معالي الأمور للمجتبى، ويعلمه كيفية تعبير الرؤيا وتأويل أحاديث الأمم والكتب ودلائل التوحيد، وهي إشارة إلى النبوة، ويتم نعمته عليه بالنبوة، كما أتم تلك النعمة على أجداده: إسحاق وإبراهيم، فجعل الله إبراهيم خليلا ونبيا ونجاه من النار، وجعل إسحاق نبيا أيضا، وفي قول غير راجح: إنه الذبيح، والنعمة: الذبح.
والخلاصة: إن القول الصحيح في تفسير النعمة على يوسف وغيره هي النبوة؛ لأن النعمة التامة في حق البشر ليست إلا النبوة، وكل ما سواها فهي ناقصة بالنسبة إليها. وإن يعقوب وعد يوسف بدرجات ثلاث: هي الاجتباء أو الاصطفاء، وتعبير الرؤيا أو تأويلها، والنبوة
стр. 3752
الفصل الثاني من قصة يوسف
يوسف وإخوته
- ١ -
اتفاقهم على إلقائه في البئر
﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠)﴾
الإعراب:
﴿آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿آياتٌ﴾ جمع آية، وآية على وزن «فعلة» بكسر العين، فتقلب العين ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فتصير آية «لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ» مبتدأ وخبر.
﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ مبتدأ وخبر، والواو حالية.
﴿أَرْضاً﴾ منصوب على أنه ظرف مكان، وتعدّى إليه. ﴿اِطْرَحُوهُ﴾ وهو لازم؛ لأنه ظرف مكان مبهم، وليس له حدود بحصره ولا نهاية تحيط به، لأنه نكرة، فنصبت كالظروف المبهمة. أو انتصب على إسقاط حرف الجر.
﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ جواب الأمر. ﴿وَتَكُونُوا﴾ مجزوم بالعطف على ﴿يَخْلُ﴾ أو منصوب بإضمار أن.
стр. 3753
المفردات اللغوية:
﴿فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ أي في خبرهم وقصتهم، وهم أحد عشر وإخوته العشر هو: يهوذا، وروبيل، وشمعون، ولاوي، وربالون، ويشجر، ودينة، ودان، ونفتالى، وجاد، وآشر.
والسبعة الأولون كانوا من «ليا» بنت خالة يعقوب، والأربعة الآخرون من سرّيّتين (أمتين):
زلفة وبلهة، فلما توفيت «ليا» تزوج يعقوب أختها «راحيل» فولدت له بنيامين ويوسف (١).
لآيات عبر، أو علامات ودلائل على قدرة الله تعالى وحكمته في كل شيء لمن سأل عنهم وعرف قصتهم، والظاهر أنها الدلالات على صدق الرسل. ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ عن خبرهم. ﴿إِذْ قالُوا﴾ اذكر حين قال بعض إخوة يوسف لبعضهم. ﴿وَأَخُوهُ﴾ بنيامين. ﴿عُصْبَةٌ﴾ جماعة رجال ما بين الواحد والعشرة. ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ خطأ بيّن، بإيثارهما علينا وتفضيله المفضول، أو لترك العدل في المحبة. روي أن يوسف كان أحب إلى أبيه، لما يرى فيه المخايل، وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة، بحيث لم يصبر عنه، فتبالغ حسدهم حتى حملهم على التعرض له.
﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ من جملة المحكي بعد قوله: إذ قالوا، كأنهم اتفقوا على ذلك الأمر إلا من قال: لا تقتلوا يوسف. ﴿أَرْضاً﴾ أي بأرض بعيدة من العمران. ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ يصف لكم، فيقبل عليكم ولا يلتفت إلى غيركم. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد يوسف أو من بعد قتله أو طرحه.
﴿صالِحِينَ﴾ تائبين إلى الله تعالى عما جنيتم، بأن تتوبوا، أو صالحين مع أبيكم، أو في أمر دنياكم.
﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ﴾ هو يهوذا، وكان أحسنهم فيه رأيا، وقيل: روبيل ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فإن القتل عظيم. ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ في قعره سمي به لغيبوبته عن أعين الناظرين. ﴿السَّيّارَةِ﴾ المسافرين، الذين يسيرون في الأرض. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ما أردتم من التفريق بينه وبين أبيه، أو فاعلين بمشورتي، فاكتفوا بذلك.
المناسبة:
هذه بداية قصة يوسف مع إخوته، بعد أن قدم الله تعالى لها بمقدمتين:
الأولى-وصف القرآن، وأنه تنزيل من عند الله بلسان عربي مبين، دال على رسالة النبي ﷺ ، ورتب عليه: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾. والثانية-الكلام على رؤيا يوسف وتأثيرها في نفس يعقوب، وبنى عليها العبرة منها وهي ﴿يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ، قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾.
стр. 3754
التفسير والبيان:
تالله، لقد كان في قصة يوسف مع إخوته لأبيه عبرة ومواعظ للسائلين الذين سألوا عنهم، دالة على قدرة الله تعالى وحكمته في كل شيء لكل سائل عن أحداث القصة، ودالة على صدق الرسول يوسف وغيره، وعلى ما أظهر الله في قصة يوسف من عواقب البغي عليه، وصدق رؤياه، وصحة تأويله، وضبط نفسه وقهرها، حتى قام بحق الأمانة (١). فذلك خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه.
إنه لعبرة حين قالوا: والله ليوسف وأخوه بنيامين شقيقه أحب إلى أبينا منا، فهو يفضلهما علينا في الحب، وهما صغيران، ونحن جماعة عشرة رجال.
حلفوا فيما يظنون، و ﴿أَحَبُّ﴾ أفعل تفضيل أي أكثر حبا منا. والعصبة:
ما بين الواحد إلى العشرة.
إن أبانا لفي خطأ واضح مجاف الصواب في ذلك، بإيثار يوسف وأخيه علينا بالمحبة، وتركه العدل والمساواة في المحبة، فكيف يفضّل صغيرين ضعيفين لا كفاية فيهما ولا منفعة، على رجال أشداء، نقوم بكل ما يحتاج إليه من منافع معاشية ودفاعية، وكيف يحب الاثنين أكثر من الجماعة؟! وهذا في الحقيقة خطأ منهم لا من أبيهم؛ لأن يوسف وأخاه صغيران يتيمان ماتت أمهما، ولأنه كان يرى في يوسف إرهاصات النبوة والعقل والحكمة، وتأكد توقعه بما فهم من رؤياه.
ومع ذلك يطلب الاحتياط في معاملة الأولاد والتسوية بينهم في المحبة والمعاملة ولو في القبلة، وتجنب ما يثير التحاسد والتباغض بينهم، كما
أوصى النبي
стр. 3755
صلى الله عليه وسلّم فيما يرويه البخاري ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن النعمان بن بشير: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»
وما يرويه الطبراني عن النعمان بن بشير أيضا: «اعدلوا بين أولادكم في النّخل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف».
ثم ذكر الله تعالى مؤامرتهم بقوله: ﴿اُقْتُلُوا.﴾. أي ومما قالوا، أي قال بعض إخوة يوسف لبعض: ﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ حسما للمشكلة، أو انبذوه في أرض مجهولة عن العمران، فلا يستطيع الرجوع إلى أبيه، فإن فعلتم ذلك تستريحوا منه، ويصف لكم وجه أبيكم، وتخلوا أنتم مع أبيكم، والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها، وتكونوا من بعد يوسف أو بعد قتله أو طرحه أرضا قوما تائبين إلى الله مما جنيتم عليه، أو يصلح ما بينكم وبين أبيكم بعذر تمهدونه، أو تصلح دنياكم وتنتظم أموركم بعده، بخلوّ وجه أبيكم، فيرضى عنكم ربكم وأبوكم.
﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ..﴾. أي قال أكبرهم وهو يهوذا، وقيل: روبيل:
لا تقدموا على قتله، فإن القتل جريمة عظيمة، وهو أخوكم، ولكن ألقوه في أسفل البئر، يلتقطه بعض المسافرين الذين يسيرون في الأرض للتجارة، فتستريحوا منه بهذا، ويتحقق غرضكم وهو إبعاده عن أبيه، ولا حاجة إلى قتله، إن كنتم فاعلين، أي عازمين على ما تقولون، وفاعلين ما هو الصواب، فهذا هو الرأي.
وقوله: ﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فيه حذف، أي قال قائل منهم: اقتلوا.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - في قصة يوسف وإخوته دلالة على صدق الرسل، وعبرة تمخضت عنها
стр. 3756
وهي التنبيه على عاقبة البغي والحسد، وفضيلة ضبط النفس، والتصديق بتعبير الرؤيا وصحة تأويلها إن كانت من نبي أو عالم ناصح.
٢ - لقد دفع التباغض والتحاسد والغيرة إخوة يوسف على تدبير مؤامرة لقتله أو إلقائه في بادية بعيدة عن الناس حتى يهلك، أو يأخذه بعض التجار المسافرين ويتملكونه؛ لأن خبر المنام بلغهم، فتآمروا على كيده، أو لمجرد الغيرة الشديدة من عاطفة أبيهم نحو يوسف وأخيه.
٣ - إن تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث الحقد والحسد، ويورث الآفات، لكن يعقوب ﵇ العالم بذلك لم يفضل ولديه يوسف وأخيه إلا في المحبة، والمحبة ليست في وسع البشر، فكان معذورا فيه، ولا لوم عليه.
٤ - دل قوله: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ﴾ أي تائبين، بأن تحدثوا توبة بعدئذ، فيقبلها الله منكم، وهو دليل على أن توبة القاتل مقبولة؛ لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم، كما ذكر القرطبي (١).
٥ - علق محمد بن إسحاق على مؤامرة أولاد يعقوب على أخيهم يوسف فقال فيما رواه ابن أبي حاتم: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الضرع الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند الله، مع حق الوالد على ولده، ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه، على كبر سنه، ورقة عظمه، مع مكانه من الله، ممن أحبه طفلا صغيرا، وبين الأب وابنه على ضعف قوته، وصغر سنه، وحاجته إلى لطف والده، وسكونه إليه، يغفر الله لهم، وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمرا عظيما (٢).
стр. 3757
٦ - أفعال إخوة يوسف المتقدمة تدل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء، لا أولا ولا آخرا؛ لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين، فارتكبوا معصية ثم تابوا. ومما يرد قول من قال إنهم أنبياء: أن الأنبياء معصومون من الكبائر. وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء، ثم نبأهم الله (١) وقد سبق بيان الرأي الأصح في هذا عن ابن كثير وغيره.
حكم الالتقاط:
الالتقاط: تناول الشيء من الطريق، ومنه اللقيط واللّقطة. أما اللقيط:
فالأصل فيه الحرية، لغلبة الأحرار على العبيد، فهو قضاء بالغالب، وهو مسلم أخذا بالغالب أيضا، فإن كان في قرية فيها نصارى ومسلمون، قال ابن القاسم، يحكم بالأغلب؛ فإن وجد عليه زيّ اليهود فهو يهودي، وإن وجد عليه زيّ النصارى فهو نصراني، وإلا فهو مسلم، إلا أن يكون أكثر أهل القرية على غير الإسلام.
وقال غير ابن القاسم: لو لم يكن في القرية إلا مسلم واحد، قضي للقيط بالإسلام، تغليبا لحكم الإسلام الذي يعلو، ولا يعلى عليه.
أما النفقة عليه: فقال أبو حنيفة: إذا أنفق الملتقط على اللقيط فهو متطوع، إلا أن يأمره الحاكم.
وقال مالك: إذا أنفق عليه الملتقط، ثم أقام رجل البينة أنه ابنه، فإن الملتقط يرجع على الأب، إن كان طرحه متعمدا، وإن لم يكن طرحه، ولكنه ضل منه فلا شيء على الأب، والملتقط متطوع بالنفقة.
وقال الشافعي: إن لم يكن للقيط مال وجبت نفقته في بيت المال، فإن لم
стр. 3758
يكن ففيه قولان: أحدهما-يستقرض له في ذمته. والثاني-يقسط على المسلمين من غير عوض.
والخلاصة: اتفق العلماء على أنه إذا لم يكن للقيط مال: إن شاء تبرع الملتقط بالإنفاق عليه، وإن شاء رفع الأمر إلى الحاكم، لينفق منه على حساب بيت المال المعدّ لحوائج المسلمين. وإن كان للقيط مال، بأن وجد معه مال، فتكون النفقة من مال اللقيط؛ لأنه غير محتاج إليه.
ولو أنفق عليه الملتقط من مال نفسه: فإن أنفق بإذن القاضي، فله أن يرجع على الملتقط بعد بلوغه، وإن أنفق بغير إذن القاضي، يكون متبرعا، ولا يرجع على اللقيط بشيء.
وأما اللقطة والضّوال-وهما بمعنى واحد على الأصح (١) -فأجمع العلماء على أنها ما لم تكن تافها يسيرا، أو شيئا لا بقاء لها، فإنها تعرّف حولا كاملا، وأجمعوا أن صاحبها إن جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت له أنه صاحبها، وأجمعوا أن ملتقطها إن أكلها بعد الحول، وأراد صاحبها أن يضمّنه، فإن ذلك له، وإن تصدق بها فصاحبها مخيّر بين التضمين وبين الرضا بالثواب أو الأجر على التصدق بها، وليس لملتقطها التصدق بها أو التصرف قبل الحول. وأجمعوا أن ضالّة الغنم المخوف عليها، له أكلها.
وللعلماء آراء في الأفضل من ترك اللقطة أو أخذها، فقال المالكية: إن شاء أخذها وإن شاء تركها، ونقل عن مالك وأحمد كراهة الالتقاط، ودليلهم حديث أصحاب الكتب الستة عن زيد بن خالد الجهني في الشاة: «هي لك أو
стр. 3759
لأخيك، أو للذئب» ولا تلزم صاحبها بيّنة عندهم وعند الحنابلة، ويكفي بيان علاماتها، من وعاء ووكاء مثلا.
وذهب الحنفية، والشافعية في الأصح إلى أنه يجوز الالتقاط، لحفظ اللقطة لصاحبها، صيانة لأموال الناس، ومنعا من ضياعها ووقوعها في يد خائنة.
ولكن لا تدفع لصاحبها إلا إذا أقام البينة أنها له.
وكذلك للعلماء آراء في النفقة على الضوال، فقال المالكية: للملتقط الرجوع بالنفقة على صاحبها، سواء أنفق عليها بأمر السلطان أو بغير أمره.
وقال الشافعية والحنابلة: لا يرجع الملتقط بشيء من النفقة، لأنه متطوع.
وكذا قال الحنفية: إن أنفق الملتقط على اللقطة بغير إذن الحاكم فهو متبرع أو متطوع، وإن أنفق عليها بإذن الحاكم، كان ما ينفقه دينا على المالك، فيرجع عليه.
وأما تملك اللقطة بعد تعريفها سنة، فقال الحنفية: إذا كان الملتقط غنيا، لم يجز له أن ينتفع باللقطة، وإنما يتصدق بها على الفقراء، وإذا كان فقيرا فيجوز له الانتفاع بها بطريق التصدق،
لقوله ﵊ فيما أخرجه البزار والدارقطني عن أبي هريرة: «فليتصدق به».
وقال الجمهور: يجوز للملتقط أن يتملك اللقطة، وتكون كسائر أمواله، سواء أكان غنيا أم فقيرا، فإن عرف صاحبها في المستقبل ضمنها له.
- ٢ -
تنفيذ إخوة يوسف مؤامرتهم وتدليسهم الأمر على أبيهم
﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤) فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)﴾
стр. 3760
الإعراب:
﴿تَأْمَنّا﴾: أصله: تأمننا، فاجتمع حرفان متحركان من جنس واحد، فاستثقلوا اجتماعهما فسكنوا الأول منهما وأدغموه في الثاني، وبقي الإشمام يدل على ضمة الأولى. والإشمام: ضم الشفتين من غير صوت، وهذا يدركه البصير دون الضرير.
﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ العين في ﴿يَرْتَعْ﴾ ساكنة للجزم على وزن «يفعل»، ويقرأ بكسر العين، وأصله يرتعي على وزن يفتعل، من الرّعي، إلا أنه حذفت الياء للجزم.
﴿أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ أن الأولى وصلتها: في تأويل مصدر فاعل ﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ وأن الثانية وصلتها: في تأويل مصدر مفعول ﴿أَخافُ﴾. والواو في قوله ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ للحال.
﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ.﴾. جواب «لما» محذوف، وتقديره: فلما ذهبوا به حفظناه.
﴿عِشاءً﴾ أي ليلا، وهو ظرف في موضع الحال.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: إما مبتدأ وخبره محذوف، أي فصبر جميل أمثل من غيره، أو خبر مبتدأ محذوف، أي فصبري صبر.
стр. 3761
البلاغة:
﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ الدم لا يوصف بالكذب، والمراد: بدم مكذوب فيه، وجيء بالمصدر على طريق المبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿لَناصِحُونَ﴾ لقائمون بمصالحه، والناصح: المشفق المحب للخير، أي ونحن نشفق عليه ونريد له الخير، أرادوا استنزاله عن رأيه في حفظه منهم، لما تنسم من حسدهم ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً﴾ إلى البرية أو الصحراء، والغد: اليوم التالي ليومك ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ يرتع: يتسع في أكل الفواكه ونحوها، من الرتعة: وهي الخصب، والرتع: التوسع في الملاذ، والأكل من الفاكهة حيث شاء.
ويلعب: ينشط ويلعب بالاستباق والانتضال بالسهام ﴿لَحافِظُونَ﴾ أن يناله مكروه ﴿لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ ذهابكم، لشدة مفارقته أو فراقه علي وقلة صبري عنه، والحزن: ألم في النفس لفقد محبوب أو وقوع مكروه. والخوف: ألم في نفس مما يتوقع من مكروه.
﴿أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ المراد به الجنس، وكانت أرضهم مذأبة كثيرة الذئاب ﴿غافِلُونَ﴾ مشغولون عنه بالرتع واللعب، أو لقلة اهتمامكم بحفظه.
﴿لَئِنْ أَكَلَهُ﴾ اللام لا قسم، وجوابه ﴿إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ﴾. ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جماعة ﴿لَخاسِرُونَ﴾ عاجزون أو ضعفاء مغبونون، أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسار ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ أي وعزموا على إلقائه في البئر: بئر بيت المقدس أو بئر بأرض الأردن أو بين مصر ومدين، بأن نزعوا قميصه بعد ضربه وإهانته وإرادة قتله، وأدلوه إلى البئر، فلما وصل إلى نصف البئر، ألقوه ليموت، فسقط في الماء، ثم أوى إلى صخرة، فنادوه فأجابهم ظانا رحمتهم، فأرادوا رضخه بصخرة، فمنعهم يهوذا.
﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ﴾ في البئر، أي ألهمناه، وله سبع عشرة سنة أو دونها تطمينا لقلبه ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ لتخبرنهم بعد اليوم ﴿بِأَمْرِهِمْ﴾ بصنيعهم ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بك حال الإنباء أنك يوسف، لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم ﴿عِشاءً﴾ وقت المساء، آخر النهار ﴿يَبْكُونَ﴾ متباكين ﴿نَسْتَبِقُ﴾ نتسابق في العدو أو في الرمي ﴿مَتاعِنا﴾ ثيابنا ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ بمصدّق ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ أي ولو ثبت صدقنا لا تهمتنا، فكيف وأنت تسيء الظن بنا؟! أو ولو صدقنا لسوء ظنك بنا وفرط محبتك ليوسف.
﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ﴾ محله نصب على الظرفية، أي فوقه ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي ذي كذب، بمعنى مكذوب فيه، بأن ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، وذهلوا عن شقه، وقالوا: إنه دمه ﴿قالَ﴾
стр. 3762
أي يعقوب، لما علم كذبهم ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ زينت ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ ففعلتموه به ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ لا جزع فيه، وهو ما لا شكوى فيه إلى الخلق ﴿وَاللهُ الْمُسْتَعانُ﴾ المطلوب منه العون ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ تذكرون من أمر يوسف أو من هذه المصيبة وهلاكه.
المناسبة:
الكلام مرتبط بما قبله، مبين مكيدة إخوة يوسف له، وخداعهم أباهم، وإظهارهم أنهم في غاية المحبة ليوسف والشفقة عليه، وهم يعلمون أن أباهم كان يحب يوسف محبة شديدة، ويحرص عليه، ويحب تطييب قلبه، فأرسله معهم، وهو غير مقتنع بكلامهم ويخافهم عليه.
التفسير والبيان:
لما تواطأ إخوة يوسف على أخذه وطرحه في البئر، كما أشار به عليهم أخوهم يهوذ أو روبيل، جاؤوا أباهم يعقوب ﵇، فقالوا: ما بالك لا تأتمنا على يوسف، وتخافنا عليه، ونحن له ناصحون، أي نحبه، ونشفق عليه، ونريد الخير له، ونخلص له النصح؟ وهم يريدون خلاف ذلك، لحسدهم له، بعد ما علموا من رؤيا يوسف، وأدركوا حب أبيه له، لما يتوسم فيه من الخير العظيم وشمائل النبوة.
أرسله معنا، أي ابعثه معنا في الغد حين نخرج كعادتنا إلى المرعى في الصحراء، يرتع أي يأكل ما يطيب له من الفاكهة والبقول، ويلعب أي ويسعى وينشط ويشاركنا في السباق بالسهام، وإنا له لحافظون من أي أذى ومكروه يصيبه، ونحفظه من أجلك. فأجابهم يعقوب بقوله: إني ليحزنني ويؤلمني ذهابكم به وفراقه لي على أي نحو، وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورعيكم، فيأتيه ذئب، فيأكله وأنتم غافلون عنه لا تحسون به.
وبه يتبين أنه اعتذر إليهم بشيئين: أن فراقه إياه مما يحزنه، وخوفه عليه
стр. 3763
من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم أو لعبهم، لقلة اهتمامهم به، وكأنه لقنهم الحجة، وشدة الحذر دفعته لقول ذلك.
فأجابوه في الحال: والله لئن أكله الذئب، ونحن جماعة أشداء ندافع عن الحرمات، لكنا خاسرين، أي هالكين عاجزين لا خير فينا ولا نفع.
ثم بدؤوا تنفيذ المؤامرة بالفعل، فلما ذهبوا به من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك، صمموا على مرادهم، وعزموا عزما لا تردد فيه على إلقائه في قعر بئر وأسفله، وهو البئر المعروف لديهم، ليذهب حيث شاء، أو يهلك، فيستريحوا منه.
ولكنّ الله تعالى ذا القدرة الشاملة، والإرادة النافذة، والرحمة واللطف، وإنزاله اليسر بعد العسر، والفرج بعد الكرب، أوحى إليه وحي إلهام على الأظهر، مثل قوله: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل ٦٨/ ١٦] وقوله:
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص ٧/ ٢٨] تطمينا لقلبه وتثبيتا له ألا تحزن مما أنت فيه، فإن لك فرجا ومخرجا، وسينصرك الله عليهم، وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع السيء، وهم لا يعرفون ولا يشعرون بأنك يوسف. وهو وعد بالخلاص من هذه المحنة، والنصر عليهم، وصيرورتهم تحت سلطانه.
ثم جاء دور الاعتذار بالأعذار الكاذبة لأبيهم يعقوب ﵇، فحينما رجعوا إليه في آخر اليوم وقت العشاء في ظلمة الليل، أخذوا يتباكون ويظهرون الأسف والجزع على يوسف، وقالوا معتذرين عما زعموا: إنا ذهبنا نتسابق ونترامى بالنبال، وتركنا يوسف عند ثيابنا وأمتعتنا، حارسا لها، فأكله الذئب، وهذا الذي كان قد جزع منه وحذر عليه، ونحن نعلم أنك لا تصدقنا -والحالة هذه-لو كنا صادقين موثوقين عندك، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك؟! وأنت معذور في هذا لغرابة ما وقع، وعجيب ما حدث. والحاصل أنا
стр. 3764
وإن كنا صادقين، لكنك لا تصدقنا؛ لأنك تتهمنا في يوسف، لشدة محبتك إياه، ولظنك أنا قد كذبنا.
وهذا إيماء بعدم قناعتهم بما يقولون، وإحساسهم بالكذب ضمنا.
وزاد في التلبيس والتدليس أنهم جاؤوا بقميصه ملطّخا بدم مكذوب مفترى، أخذوه من دم سخلة ذبحوها، ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، لذا قال: ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ ولكن إرادة الله أبت إلا أن يظهر آثار جريمتهم، فنسوا أن يخرقوا الثوب ويشقّوه؛ إذ لو كان من افتراس الذئب لتمزق القميص، فلم يصدقهم يعقوب وأعرض عنهم وعن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه، فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ﴾ أي بل زينت أو سهلت وهونت لكم أنفسكم السيئة أمرا منكرا غير ما تصفون وتذكرون، فسأصبر صبرا جميلا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه، وأستعين بالله حتى يفرج الكرب بعونه ولطفه، فالصبر الجميل أولى بي،
يروى أن النبي ﷺ سئل عن الصبر الجميل فقال: «هو الذي لا شكوى معه». والله المستعان على ما تذكرون من الكذب، وهو المعين على شر ما تصفون من الحدث الأليم.
روي أن يعقوب قال استهزاء: ما أحلمك يا ذئب تأكل ابني ولا تشق قميصه؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - نجح إخوة يوسف في حبك المؤامرة، وخداع أبيهم، والمؤمن غر كريم، وتلك حيلة يلجأ إليها الأولاد عادة؛ لأن لعب الصبيان المباح وتنشيطهم مرغوب فيه، لا سيما وقد أظهروا شفقتهم عليه وحبهم له، وتعهدوا بحفظه ورعايته من المخاوف.
стр. 3765
٢ - كانت إجابة يعقوب لأولاده متضمنة بحكم العاطفة الأبوية المألوفة تحذيرا من التقصير، وتنبيها على شدة الصون والحفظ، وإشعارا بحب ابنه يوسف وعدم تحمله الصبر على فراقه، وهذا أمر طبيعي.
٣ - موّه إخوة يوسف على أبيهم الحقيقة، وأظهروا كاذبين أنهم حماة يصونون أخاهم، فهم عصبة أقوياء، وجماعة أشداء، يخشى الناس بأسهم، أفلا يقدرون على مطاردة ذئب يهاجم أخا لهم.
٤ - كان إخوة يوسف في أشد ما يكونون قسوة وشدة على أخ لهم من أبيهم، فرموه في البئر، ونزعوا عنه قميصه، ووجد عند كل واحد من الغيظ والحسد والظلم أشد مما عند الآخر.
٥ - إن رحمة الله ولطفه قريب من المحسنين، فلا يدع سبحانه مظلوما حتى ينصره، ولا مفجوعا حتى يسلي قلبه ويطمئنه، ويبشره بالسلامة، فألهم يوسف أنه سينجو مما هو فيه، وأنه سينصره عليهم، وأنه سيخبرهم بسوء ما يصنعون به ويوبخهم على ما صنعوا، وسيكونون تحت قهره وسلطانه، وهم لا يدرون أنه يوسف.
وهذا يدل على أن الوحي ليوسف بعد إلقائه في الجب كان تقوية لقلبه، وتبشيرا له بالسلامة.
٦ - إنما جاؤوا عشاء، أي ليلا ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة، ولذا قيل: لا تطلب الحاجة بالليل، فإن الحياء في العينين، ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار.
٧ - ودلت آية ﴿يَبْكُونَ﴾ على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله؛ لاحتمال أن يكون تصنّعا، فمن الخلق من يقدر على ذلك، ومنهم من لا يقدر، وقد قيل: إن الدم المصنوع لا يخفى.
стр. 3766
٨ - الاستباق مباح في السهام أو الرمي، وعلى الفرس، وعلى الأقدام؛ والغرض من المسابقة على الأقدام تدريب النفس على العدو؛ لما له من فائدة في قتال الأعداء، ومطاردة الذئاب. قال ابن العربي: إن المسابقة شرعة في الشريعة، وخصلة بديعة، وعون على الحرب، وقد فعلها النبي ﷺ بنفسه وبخيله؛
فروي أنه سابق عائشة فسبقها، فلما كبر رسول الله ﷺ سابقها فسبقته، فقال لها: هذه بتلك (١). وتسابق النبي أيضا مع أبي بكر وعمر ﵄، فسبقهما.
وسابق سلمة بن الأكوع-فيما رواه مسلم-رجلا لما رجعوا من «ذي قرد» إلى المدينة، فسبقه سلمة.
وروى مالك عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي قد أضمرت (٢)، وسابق بين الخيل التي لم تضمّر، وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها.
وكذلك المسابقة بالنّصال والإبل،
أخرج النسائي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا سبق (٣) إلا في نصل أو خفّ أو حافر».
وروى البخاري عن أنس قال: كان للنبي ﷺ ناقة تسمى العضباء، لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشقّ ذلك على المسلمين حتى عرفه؛ فقال: «حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه».
وأجمع المسلمون على أن السّبق على وجه الرهان المباح الآتي بيانه لا يجوز إلا في الخف والحافر والنصل. قال الشافعي: ما عدا هذه الثلاثة فالسّبق فيها قمار.
وقد زاد أبو البختري القاضي في الحديث السابق: «أو جناح» لإرضاء الرشيد،
стр. 3767
فترك العلماء حديثه لذلك ولغيره من موضوعاته؛ فلا يكتب العلماء حديثه بحال.
ولا يجوز السّبق في الخيل والإبل إلا في غاية معلومة وأمد معلوم، وكذلك الرمي لا يجوز السّبق فيه إلا بغاية معلومة، ورشق معلوم، ونوع من الإصابة.
والسبق الجائز اثنان: ما يخصصه الوالي أو غيره من ماله تطوعا، وما يخرجه أحد المتسابقين دون صاحبه، فإن سبقه صاحبه أخذه، وإلا بقي له.
والسبق غير الجائر أو الحرام: هو ما يكون من الطرفين المتسابقين، بأن يخرج كل واحد منهما شيئا مثل ما يخرجه صاحبه، فأيهما سبق أحرز سبقه وسبق صاحبه.
ولا يجوز هذا الوجه إلا بمحلّل لا يأمنان أن يسبقهما، فإن سبق المحلّل أحرز السّبقين جميعا وأخذهما وحده، وإن سبق أحد المتسابقين، أحرز سبقه وأخذ سبق صاحبه، ولا شيء للمحلّل فيه، ولا شيء عليه. وإن سبق الثاني منهما الثالث كان كمن لم يسبق واحد منهما.
وسمي محلّلا لأنه يحلل السّبق للمتسابقين أو: له.
واتفق العلماء على أنه إن لم يكن بينهما محلّل، واشترط كل واحد من المتسابقين أنه إن سبق أخذ سبقه وسبق صاحبه، أنه قمار، ولا يجوز.
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أدخل فرسا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يسبق، فليس بقمار، ومن أدخله وهو يأمن أن يسبق فهو قمار» وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب قال: ليس برهان الخيل بأس إذا دخل فيها محلّل، فإن سبق أخذ السّبق، وإن سبق لم يكن عليه شيء. وهذا قول الجمهور.
ولا يكون سباق الخيل والإبل إلا لمحتلم، أو لأربابها، وهو أولى.
٩ - استفاد أولاد يعقوب الحجة من قول أبيهم: ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ لأنه كان أظهر المخاوف عليه.
стр. 3768
١٠ - لم يصدقهم يعقوب، لما ظهر له منهم من قوة التهمة وكثرة الأدلة على خلاف ما قالوه.
وأحسّوا هم بضعف حجتهم حينما قالوا: ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ أي ولو كنا عندك من أهل الثقة والصدق ما صدقتنا، ولا تتهمنا في هذه القضية؛ لشدة محبتك ليوسف.
١١ - دلسوا على أبيهم بالدم المكذوب فيه، فهو دم ظبية، كما قال قتادة، ولما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم، قرن الله بهذه العلامة علامة تعارضها، وهي سلامة القميص من التمزيق المعتاد عند اعتداء الذئب على إنسان. قال ابن عباس: لما نظر إليه، قال: كذبتم؛ لو كان الذئب أكله لخرق القميص.
حكى الماوردي أن في القميص-أي في جنسه-ثلاث آيات: حين جاؤوا عليه بدم كذب، وحين قدّ قميصه من دبر، وحين ألقي على وجه أبيه، فارتد بصيرا.
١٢ - استدل الفقهاء بقصة القميص الملوث بالدم على جواز الاعتماد على الأمارات، في مسائل فقهية كالقسامة وغيرها، وأجمعوا على أن يعقوب ﵇ استدل على كذبهم بصحة القميص وسلامته من التخرق. وهكذا على الناظر ملاحظة الأمارات والعلامات، ويقضي بالراجح منها.
١٣ - الاعتصام بالصبر، والاستعانة بالله، على التزوير والظلم والكذب والمصيبة وفي المحنة والشدة، فذلك مؤذن بالفرج بعد الكرب، وباليسر بعد العسر، وهو دليل الإيمان بأن لهذا لكون ربا يفعل فيه ما يشاء.
١٤ - الصبر الجميل: هو الذي لا شكوى معه، وهو أن يعرف أن منزل البلاء
стр. 3769
هو الله تعالى، ثم يعلم أن الله سبحانه مالك الملك، ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملك نفسه.
ولا يكون الصبر جميلا ما لم يكن فيه رضا بقضاء الله وقدره.
والضابط في جميع الأفعال والأقوال والاعتقادات: أن كل ما كان لطلب عبودية الله تعالى، كان حسنا، وإلا فلا.
والجمع بين الصبر والاستعانة في كلام يعقوب دال على أن إقدامه على الصبر لا يمكن إلا بمعونة الله تعالى، للتغلب على الجزع أو الحزن بسبب الدواعي القوية إليه.
الفصل الثالث من قصة يوسف
نجاة يوسف وإكرامه في بيت العزيز
- ١ -
تعلق يوسف بالدلو ومسيره مع السيارة
﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ (٢٠)﴾
الإعراب:
﴿يا بُشْرى﴾ منادى مفرد، كأنه جعل ﴿بُشْرى﴾ اسم المنادي أي هذه آونتك كقولك:
يا زيد، ومن قرأ يا بشراي كان منادى مضافا.
стр. 3770
﴿وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ المراد بالواو: التجار، والمراد بالهاء: يوسف، أخفوه من الرفقة، وقيل: أخفوا أمره ووجدانهم له في البئر، وقالوا لهم: دفعه إلينا أهل الماء، لنبيعه لهم بمصر. وعن ابن عباس: أن الضمير لإخوة يوسف قالوا للتجار: هذا غلام لنا قد أبق، فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه. وذلك لأن يهوذا كان يأتيه بالطعام كل يوم، فأتاه يومئذ، فلم يجده، فأخبر إخوته، فأتوا الرفقة، وساوموهم على بيعه لهم، فاشتروه منهم.
و ﴿بِضاعَةً﴾ منصوب على الحال من يوسف، ومعناه: مبضوعا، أي أخفوه متاعا للتجارة.
﴿دَراهِمَ﴾ بدل من «ثمن». و ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ في موضع نصب خبر كان. و ﴿فِيهِ﴾ متعلق بفعل دل عليه من ﴿الزّاهِدِينَ﴾، ولا يجوز أن يتعلق بالزاهدين؛ لأن الألف واللام فيه بمعنى الذي، وصلة الاسم الموصول لا يعمل فيما قبله.
المفردات اللغوية:
﴿سَيّارَةٌ﴾ جمع مسافرون معا، كالكشافة والتجار، وكانوا قوما مسافرين من مدين إلى مصر ﴿وارِدَهُمْ﴾ هو الرائد الذي يرد الماء أو يبحث عنه ليستقي للقوم، وهو مالك بن دعر الخزاعي من العرب العاربة. ﴿فَأَدْلى دَلْوَهُ﴾ فأرسل دلوه في الجب ليملأها، فتدلى بها يوسف، والدلو: إناء يستقى من البئر ﴿يا بُشْرى﴾ نادى البشرى بشارة لنفسه أو لقومه، كأنه تعالى قال:
فهذا أوانك، كما تقول: يا هناي، ويكون هذا النداء مجازا، أي احضري فهذا وقتك.
﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ أخفوه وأخفوا أمره عن الرفاق ﴿بِضاعَةً﴾ أي أخفوه حال كونهم جاعليه متاعا للتجارة. والبضاعة: ما بضع من المال للتجارة، أي قطع ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ لم يخف عليه إسرارهم ﴿وَشَرَوْهُ﴾ باعوه؛ لأن لفظ الشراء والبيع من ألفاظ الأضداد، فيقال: اشتراه أي ابتاعه، وشراه: باعه ﴿بَخْسٍ﴾ مبخوس أي ناقص ومعيب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ [الأعراف ٨٥/ ٧ وغيرها] والمراد بالبخس هنا قول الحرام أو الظلم؛ لأنه بيع حر، والأصح أن المراد به الناقص عن ثمن المثل ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ قليلة، قيل: كان عشرين درهما أو اثنين وعشرين ﴿وَكانُوا فِيهِ﴾ في يوسف ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ الراغبين عنه. والضمير إن كان للإخوة فظاهر، وإن كان للرفقه التجار، فزهدهم فيه؛ لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاون به، مستعجل في بيعه. وباعته السيارة في مصر للذي اشتراه بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى ما فعله إخوة يوسف بإلقائه في أعماق الجب (البئر)
стр. 3771
ذكر هنا طريق خلاصه من تلك المحنة عن طريق قافلة تجار ذاهبة إلى مصر، فأخذوه وباعوه فيها.
التفسير والبيان:
ومرّ بالبئر جماعة مسافرون مارّون من مدين إلى مصر، روي أنهم من العرب الإسماعيليين، بعد أن مكث يوسف في البئر ثلاثة أيام، كان يتردد عليه بالطعام أخوه يهوذا، وذكر محمد بن إسحاق أن إخوته بعد إلقائه في الجب، جلسوا قريبا من تلك البئر، فساق الله له سيارة، فأرسلوا واردهم (وهو الذي يبحث عن الماء ليسقي القوم فلما جاء إلى البئر، وأدلى دلوه فيها، تشبّث يوسف ﵇ بها، وخرج من البئر.
فقال مبشرا جماعته السيارة: يا بشرى هذا غلام، أي هذه أوان البشرى فاحضري، هذا غلام وسيم جميل صبوح ظريف، كما تقول: يا أسفا، ويا حسرتا. فاستبشروا به فهو غلام يباع.
وأخفوه عن الناس، ليكون بضاعة لهم يتاجرون فيه ويبيعونه لأهل مصر، والله عليم بما يعملون لا يخفى عليه شيء من أفعال هؤلاء وغيرهم، وعليم بما يفعله إخوة يوسف ومشتروه، وهو قادر على تغيير الواقع ودفعه، ولكن له حكمة وقدر سابق، فترك الأمر ليمضي ما قدره وما قضاه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف ٥٤/ ٧].
والبائع: إما إخوة يوسف، كما روي عن ابن عباس، والتجار هم الذين اشتروه والذين أسرّوه بضاعة هم إخوة يوسف، لما استخرج من الجبّ. وإما أن البائع هم السّيارة، والمشتري: واحد من أهل مصر.
وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ عما كان يلقاه من أذى قومه المشركين، وإعلام له بأن الله عالم بأذى قومك لك، فإنه قادر على تغيير الأذى، ولكن
стр. 3772
اصبر كما صبر يوسف على كيد إخوته وأذاهم، وسأنصرك عليهم، كما نصرت يوسف على إخوته، وجعلته سيدا عليهم.
﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي باعه إخوة يوسف، قال ابن كثير: وهو الأقوى، أو باعته السيارة القافلة في مصر بثمن قليل ناقص عن ثمن المثل من الدراهم المعدودة عدا، لا وزنا، وكانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية (أربعين درهما) فما فوقها، فباعوه بعشرين أو باثنين وعشرين درهما، فالمراد بالبخس هنا الناقص أو المعيب أو كلاهما، أي باعوه بأنقص الأثمان. وقيل: المراد به الظلم أو الحرام، لكونه بيع حر، والراجح هو المعنى الأول، كما ذكر ابن كثير؛ لأن الحرام معلوم يعرفه كل أحد؛ لأن ثمنه حرام على كل حال، وعلى كل أحد؛ لأنه نبي ابن نبي، ابن نبي، ابن خليل الرحمن، فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم.
وكانوا في يوسف وبيعه من الزاهدين أي الراغبين عنه الذين يودون التخلص منه بأي حال دون أن يعلموا منزلته عند الله تعالى. وقد اشتراه عزيز مصر رئيس الشرطة وصار فيما بعد مسلما آمن بيوسف ومات في حياته.
والخلاصة: أنه تعالى وصف ذلك الثمن بصفات ثلاث: كونه بخسا، وبدراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - إن مجيء السيارة وإرسال الدلو في البئر تدبير خفي من الله، وتيسير ولطف بعبده يوسف، لإنقاذه من الموت أو الهلاك في البئر؛ لأن الله عليم بكل شيء في هذا الكون، ومدبر ما يراه خيرا على وفق حكمته وإرادته.
٢ - كان بيع يوسف بثمن ناقص عن ثمن المثل، بدراهم معدودة هي عشرون
стр. 3773
درهما كما قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما، فلم يستوف ثمنه الحقيقي بالقيمة؛ لأن إخوته إن كانوا باعوه فلم يكن قصدهم ما يستفيدون من ثمنه، وإنما كان قصدهم ما يستفيدون من خلو وجه أبيهم عنه؛ وإن كان الذين باعوه هم السيارة الواردة، فإنهم التقطوه، ومن أخذ شيئا بلا ثمن، باعه بأرخص الأسعار، فما يأخذونه فيه ربح كله.
٣ - في الآية دليل واضح على جواز شراء الشيء الخطير بالثمن اليسير، ويكون البيع لازما.
٤ - الله تعالى عليم بأفعال الخلائق وأقوالهم، لا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيهم عليها.
وبمناسبة الكلام عن الدراهم، قال العلماء: أصل النقدين الوزن،
لقوله ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: «الذهب بالذهب الفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا» ولكن جرى في النقود العدّ تخفيفا عن الخلق، لكثرة المعاملة، ومشقة الوزن.
وهل تتعين الدراهم والدنانير أو لا؟ رأيان: قال أبو حنيفة، ومالك في الظاهر من قوله: لا تتعين بالتعيين. وقال الشافعي: إنها تتعين. وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا قال: بعتك هذه الدنانير بهذه الدراهم، فعلى الرأي الأول:
تعلقت الدنانير بذمه صاحبها، والدراهم بذمه صاحبها، فلو تلفت، ظل البيع صحيحا ولم يتأثر بتلف شيء من العوضين؛ لأن مال الذمة لا يتلف.
وعلى الرأي الثاني: لو تلفت الدراهم والدنانير، لم يتعلق بذمة صاحبهما شيء، وبطل العقد كبيع الأعيان من العروض وغيرها.
стр. 3774
- ٢ -
يوسف عند ملك مصر وإيتاؤه النبوة
﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾
المفردات اللغوية:
﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ﴾ وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، واسمه قطفير أو أطفير، وكان الملك يومئذ ريان بن الوليد العمليقي من العماليق، وقد آمن بيوسف ومات في حياته. روي أنه اشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان وكان ابن ثلاثين، وآتاه الله الحكمة والعلم، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين.
واختلف فيما اشتراه به، فقيل: عشرون دينارا وزوجا نعل وثوبان أبيضان ﴿لاِمْرَأَتِهِ﴾ زليخا أو راعيل ﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾ مقامه عندنا، أي اجعلي مقامه عندنا كريما أي حسنا، والمعنى:
أحسني تعهده ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ في ضياعنا وأموالنا ونستعين به في مصالحنا ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ نتبناه، وكان عقيما، لما تفرّس به من الرشد، ولذلك قيل: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر، وابنة شعيب التي قالت: ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص ٢٦/ ٢٨]، وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله تعالى عنهما.
﴿وَكَذلِكَ﴾ كما نجيناه من القتل والبئر، وعطفنا عليه قلب العزيز ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ مكنا له في أرض مصر وجعلنا له مكانة رفيعة فيها، حتى صار رئيس حكومتها ووزير ماليتها ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ تعبير الرؤيا، وهو معطوف على محذوف مقدر متعلق
стр. 3775
بمكنا، أي لنملكه أو ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه، أو الواو زائدة ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ﴾ أي لا يعجزه شيء، فلا يمنع عما يشاء، ولا ينازع فيما يريد.
﴿أَشُدَّهُ﴾ منتهى اشتداد جسمه وكمال قوته الجسمية والعقلية، وهو رشده، وهو سن ما بين الثلاثين والأربعين ﴿آتَيْناهُ حُكْماً﴾ أي حكمة، وهو العلم المؤيد بالعمل، أو حكما بين الناس، أو حكما صحيحا يزن به الأمور بميزان صادق ﴿وَعِلْماً﴾ يعني علم تأويل الأحاديث، وفقه الدين قبل أن يبعث نبيا ﴿وَكَذلِكَ﴾ كما جزيناه ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لأنفسهم، وهو تنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ذلك جزاء على إحسانه في عمله واتقائه في عنفوان أمره.
المناسبة:
بعد مسيرة يوسف مع السيارة إلى مصر، أبان الله تعالى بداية قصة يوسف في بيت عزيز مصر الذي اشتراه، وإيتاءه النبوة والعلم والحكمة وتعبير الرؤيا وجعله من زمرة المحسنين.
التفسير والبيان:
بعد تلك المأساة الحزينة التي مرّ بها يوسف في البئر، ثم اعتباره كالعبيد يباع ويشترى، قيّض الله له الذي اشتراه من مصر، ولم يذكر هنا اسمه، وإنما وصفه النسوة بأنه عزيز مصر على خزائنها، وذكر في التاريخ أنه رئيس الشرطة والوزير بها، وكان اسمه «قطفير» أو أطفير بن روحيب وزير المالية، حتى اعتنى به وأكرمه وأوصى أهله به، لما توسم فيه الخير والصلاح، فقال لامرأته زليخا أو راعيل بنت رعابيل: أكرمي مقام هذا الغلام ومنزله عندنا أي أحسني تعهده، لما تفرس فيه من الرشد.
روى أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾ والمرأة التي قالت لأبيها: ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ الآية [القصص ٢٦/ ٢٨]، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب ﵄.
стр. 3776
وقيل: كان فرعون موسى الذي عاش أربع مائة سنة هو الذي اشترى يوسف، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ﴾ [غافر ٣٤/ ٤٠] قال البيضاوي: والمشهور أن المشتري من أولاد فرعون، والآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء.
ثم علل عزيز مصر طلبه من امرأته حسن تعهد يوسف بقوله كما قال الله:
﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ أي لي رجاء أن ينفعنا في أعمالنا الخاصة واستثمار أموالنا، أو مصالحنا العامة، أو نتبناه ولدا تقر به أعيننا؛ لأنه كان عقيما لا يولد له ولد، وكان حصورا.
والآية تدل على على أن العزيز كان عقيما، وأنه كان صادق الفراسة.
ثم أبان الله تعالى أفضاله الأدبية المعنوية بعد أن قيض له من يعينه ماديا فقال: وكما أنعمنا عليه بالسلامة من الجبّ، وأنقذناه من إخوته، وهيأنا له المنزل والمثوى الطيب الكريم، عطّفنا عليه قلب العزيز، وجعلنا له مكانة عالية في أرض مصر، يملك الأمر والنهي وتدبير أمور المالية وشؤون الدولة والحكم، بسبب حدوث ما حدث له في بيت العزيز، ثم السجن، الذي كان سببا في التعرف على ساقي الملك، ثم الاتصال بالملك نفسه، حتى قال له الملك: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف ٥٤/ ١٢] وقال يوسف للملك: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ، إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف ٥٥/ ١٢].
وتحقيق الكمال يكون بأمرين هما القدرة والعلم، أما تكميله في صفة القدرة فبقوله تعالى: ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ وأما تكميله في صفة العلم، فبقوله تعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ وهو معطوف على مقدر متعلق بمكنا، أي لنملّكه ولنعلمه. وتأويل الأحاديث: تعبير الرؤيا، ومعرفة حقائق الأمور، وكيفية الاستدلال بأصناف المخلوقات على قدرة الله تعالى وحكمته وجلاله.
стр. 3777
ثم قال تعالى: ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ.﴾. لا يعجزه شيء، فلا يمنع عما يشاء، ولا ينازع فيما يريد، إذا أراد شيئا فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب، وهو الفعال لما يشاء، كما قال سعيد بن جبير: «ولكن أكثر الناس لا يدرون حكمته في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد، ويأخذون بظواهر الأمور، كما ظن إخوة يوسف أنه لو أبعد خلالهم وجه أبيهم، وكانوا من بعده قوما صالحين».
وقوله: ﴿أَكْثَرَ النّاسِ﴾ دليل على أن الأقل يعلمون الحقائق كيعقوب ﵇، الذي يعلم أن الله غالب على أمره.
ثم بيّن الله تعالى ما جازى به يوسف لما صبر على إساءة إخوته إليه، وعلى الشدائد والمحن التي مرّ بها، فمكنه الله تعالى في الأرض، وهو القدرة التي أشرنا إليها، ولما بلغ أشده آتاه الله النبوة التي عبر عنها بالحكم والعلم، وهي أكمل درجات العلم، فقال: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ.﴾. أي ولما استكمل يوسف قواه الجسمية والعقلية، آتيناه حكما وعلما، أي النبوة التي حباه بها بين أولئك الأقوام، كالجزاء على صبره على تلك المحن وعلى الأعمال الحسنة.
واكتمال الرشد وبلوغ الأشد: ما بين الثلاثين والأربعين، فقال جماعة:
ثلاث وثلاثون سنة، أو بضع وثلاثون، وقال الحسن: أربعون سنة. وقال عكرمة وهو تقدير الأطباء: خمس وعشرون سنة.
﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي ومثل ذلك الجزاء، نجزي المحسنين الذين يحسنون لأنفسهم أعمالهم. وهذا دليل على أن يوسف ﵇ كان محسنا في عمله، عاملا بطاعة الله تعالى، وأن ما آتاه الله من سلطان ونفوذ، وعلم وحكمة، ونبوة ورسالة كان جزاء على إحسانه في عمله، وتقواه في حال شبابه، إذ للإحسان تأثير في صفاء العقول، وللإساءة تأثير في تعكير النفوس وسوء فهم الأمور.
стр. 3778
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما تفضل الله به على يوسف ﵇ جزاء صبره من نعم وفضائل مادية ومعنوية وهي ما يأتي:
١ - تهيئة البيت الكريم، والمثوى والمقام المريح، والمطعم واللباس الحسن، والحفظ والرعاية المادية والأدبية في ظل بيت العزيز الذي كان وزيرا للمالية على خزائن مصر، وهو المنصب ذاته الذي تولاه يوسف ﵇ بعدئذ.
٢ - كان عزيز مصر صادق الفراسة، ثاقب الفكرة، أصاب فيما توقعه ليوسف من مكانة عالية في البلاد.
٣ - التمكين المادي ليوسف في أرض مصر، بأن عطف الله عليه قلب الملك، حتى تمكن من الأمر والنهي في بلد الملك نفسه، فصار وزيرا للمالية ورئيسا للحكومة.
٤ - التمكين المعنوي ليوسف ليوحي الله إليه بكلام منه، وليعلمه تأويل الكلام وتفسيره، وتعبير الرؤيا، والفطنة للأدلة الدالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته.
٥ - إيتاؤه الحكم والعلم، أي النبوة بعد بلوغ الرشد واكتمال البنية الجسدية والقوى العقلية، فقوله: ﴿حُكْماً وَعِلْماً﴾ إشارة إلى استكمال النفس في قوتها العملية والنظرية.
٦ - جعله من المؤمنين المحسنين المطيعين أوامر ربه، المتجنب نواهيه، الصابرين على النوائب، حتى قال بعضهم: إن من اجتهد وصبر على بلاء الله تعالى، وشكر نعماء الله تعالى، وجد منصب الرسالة، بدليل أنه تعالى لما ذكر صبر يوسف على تلك المحن، ذكر أنه أعطاه النبوة والرسالة.
стр. 3779
٧ - دل قوله: ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ على أن كل من أتى بالطاعات الحسنة التي أتى بها يوسف، فإن الله يعطيه تلك المناصب.
٨ - الله تعالى غالب على أمره، فعال لما يشاء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، نافذ أمره في الخلائق، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦].
٩ - أكثر الناس لا يعلمون حقائق الأمور الإلهية، ويكتفون بظواهر الأمور، والأقل كالأنبياء والمؤمنين الأتقياء هم الذين يدركون أن الله غالب على أمره.
الفصل الرابع من قصة يوسف
يوسف وامرأة العزيز
﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاِسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٧) فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)﴾
стр. 3780
الإعراب:
﴿هَيْتَ لَكَ﴾ اسم لهلمّ، ولذلك كانت مبنية، وكان الأصل أن تبنى على السكون، إلا أنه لم يمكن أن تبنى على السكون؛ لأنهم لا يجمعون بين ساكنين وهما الياء والتاء. ومنهم من بناها على الفتح لأنه أخف الحركات. ومنهم من بناها على الكسر؛ لأنه الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين، ومنهم من بناها على الضم لحصول الغرض من زوال التقاء الساكنين.
ومن قرأ: هيئت لك بالهمز فمعناه: تهيأت لك، وتكون التاء مضمومة؛ لأنها تاء المتكلم.
﴿مَعاذَ اللهِ﴾ منصوب على المصدر، يقال: عاذ يعوذ معاذا وعوذا وعياذا.
﴿رَبِّي﴾ في موضع نصب على البدل من هاء ﴿إِنَّهُ﴾ وهي اسم إن.
﴿أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ فعل ومفعول، ومن قرأ أحسن فهو خبر إنّ، أي إن ربي أحسن مثواي.
﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ الهاء ضمير الشأن والحديث. وجملة ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ جملة فعلية خبر إن.
﴿لَوْلا أَنْ رَأى.﴾. ﴿لَوْلا﴾ حرف يمتنع له الشيء لوجود غيره. و ﴿أَنْ رَأى﴾ في موضع رفع لأنه مبتدأ. ولا يجوز إظهار خبره بعد ﴿لَوْلا﴾ لطول الكلام بجوابها، وقد حذف خبر المبتدأ هنا والجواب معا، والتقدير: لولا رؤية برهان ربه موجودة لهمّ بها. ولا يجوز أن يكون ﴿وَهَمَّ بِها﴾ جواب ﴿لَوْلا﴾ لأن جواب ﴿لَوْلا﴾ لا يتقدم عليه.
﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ﴾ الكاف من ﴿كَذلِكَ﴾ يجوز أن تكون رفعا، بأن تكون خبر مبتدأ محذوف، التقدير: البراهين كذلك، ويجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف، أي أريناه البراهين رؤية كذلك.
стр. 3781
البلاغة:
﴿فَصَدَقَتْ﴾ و ﴿فَكَذَبَتْ﴾ و ﴿الصّادِقِينَ﴾ و ﴿الْكاذِبِينَ﴾ بين كلّ طباق.
﴿مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ من باب تغليب الذكور على الإناث.
المفردات اللغوية:
﴿وَراوَدَتْهُ﴾ طلبت منه زليخا مواقعتها برفق ولين ومخادعة، ومنه قوله: ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ﴾ [يوسف ٦١/ ١٢] أي نحتال عليه ونخدعه عن إرادته، ليرسل أخاه بنيامين معنا، ومنه الرائد: الذاهب لطلب شيء. والمراد من آية ﴿وَراوَدَتْهُ﴾ تحايلت لمواقعته إياها، ولم تجد منه قبولا. ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ﴾ أحكمت إغلاق أبواب البيت، قيل: كانت سبعة، والتشديد: للتكثير أو للمبالغة في الإيثاق. ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أي هلمّ وأقبل وبادر، أو تهيأت، وهي لغة عرب حوران والكلمة: اسم فعل مبني على الفتح، ولام ﴿لَكَ﴾ للتبيين، كالتي في «سقيا لك».
﴿قالَ: مَعاذَ اللهِ﴾ أعوذ بالله وأتحصن من الجهل والفسق. ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ إن الذي اشتراني سيدي قطفير، أو إن الشأن ﴿أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ مقامي، أي أحسن تعهدي، إذ قال لك:
﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾ فلا أخونه في أهله. وقيل: إن الضمير لله تعالى، أي إنه الذي خلقني وأحسن منزلتي بأن عطف عليّ قلب سيدي، فلا أعصيه. ﴿إِنَّهُ﴾ أي الشأن ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ المجازون الحسن بالسيء، وقيل: الزناة، فإن الزنى ظلم على الزاني والمزني بأهله.
﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ قصدت منه الجماع ومخالطته أو أن تبطش به لعصيانه أمرها، والهم بالشيء:
قصده والعزم عليه ومنه الهمام: وهو الذي إذا همّ بشيء أمضاه. ﴿وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ أي لولا وجود النبوة، أو مراقبة الله تعالى وطاعته ورؤية ربه متجليا عليه، لقصد مخالطتها، والمفهوم من ﴿لَوْلا﴾ أنه لم يقصد ذلك أصلا، لوجود خشية الله في قلبه؛ لأن ﴿لَوْلا﴾ حرف امتناع لوجود، فعند ما تقول: لولا إتيان ضيف إلى البارحة لجئت إليك، تعني تعذر المجيء لصاحبك بسبب مجيء ضيف يزورك، فالضيف مانع من حصول المجيء، وكذلك هنا: لولا برهان النبوة ومراقبة الله لهمّ بها.
﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه وأريناه البرهان. ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ الخيانة ﴿وَالْفَحْشاءَ﴾ الزنى ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ المختارين الذين اجتباهم الله واختارهم لطاعته وعلى قراءة كسر اللام ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ يكون المراد: المخلصين في الطاعة.
﴿وَاسْتَبَقَا الْبابَ﴾ أي تسابقا إلى الباب، فحذف الجار، أو ضمن الفعل معنى الابتدار، أي أسرع كل منهما نحو الباب، وذلك أن يوسف فرّ منها ليخرج، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج،
стр. 3782
فمبادرته كانت للفرار، ومبادرتها كانت للتشبّث فيه، فأمسكت ثوبه وجذبته إليها. ﴿وَقَدَّتْ﴾ شقت قميصه من دبر، أي من الخلف والقد: الشق طولا. ﴿وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ﴾ وجدا زوجها وصادفاه عند الباب. ﴿قالَتْ: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً﴾ أي نزهت نفسها، وأو همت زوجها أنها فرّت منه تبرئه لساحتها عنده وإغراء به للانتقام من يوسف. و ﴿ما﴾ نافية أو استفهامية، والمعنى: أي شيء جزاؤه إلا السجن أي الحبس. ﴿أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم بأن يضرب.
وتعبير ﴿وَاسْتَبَقَا الْبابَ﴾ من اختصار القرآن المعجز، الذي يجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة.
﴿قالَ: هِيَ راوَدَتْنِي﴾ قال يوسف: هي طالبتني بالمواتاة، دفاعا عن نفسه لما عرضت له من السجن أو العذاب، ولو لم تكذب عليه لما قال ذلك. ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ قيل:
ابن عمها، أو ابن خالها، وكان صبيا في المهد، أنطقه الله تعالى.
﴿مِنْ قُبُلٍ﴾ من قدام أو أمام. ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ من خلف. ﴿فَلَمّا رَأى﴾ زوجها ﴿قالَ:﴾
﴿إِنَّهُ﴾ أي إن قولك: ﴿ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً﴾ ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ أي من حيلتكن أيها النساء، والخطاب لها ولأمثالها، أو لسائر النساء. ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أي إن كيد النساء ألصق وأعلق بالقلب، وأشد تأثيرا في النفس، ولا قدرة للرجال عليه ولا يفطنون لحيلهن.
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ أي ثم قال زوجها: يا يوسف أعرض عن هذا الأمر، ولا تذكره واكتمه لئلا يشيع الخبر بين الناس. ﴿وَاسْتَغْفِرِي﴾ يا زليخا. ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ أي الاثمين المذنبين، ولكن شاع الخبر واشتهر. والتذكير للتغليب.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى ما أكرم به يوسف من المكارم المادية بالإقامة في قصر عزيز مصر، والمعنوية من النبوة أو العلم والحكمة، ذكر هنا محنته مع امرأة العزيز، والتزامه العفة والنزاهة والطهارة، حتى إنه آثر دخول السجن على ارتكاب الفاحشة، والتخلص من افتتان النساء به.
التفسير والبيان:
كان يوسف ﵇ في غاية الحسن والجمال، وقد أوصى عزيز مصر امرأته بإكرامه وحسن تعهده، فأحبته حبا شديدا لجماله وحسنه وبهائه، فحملها
стр. 3783
ذلك على أن تجملت له، ودعته لمخالطتها، وتمحلت لمواقعته إياها، وأحكمت إغلاق الأبواب عليه قيل: كانت سبعة، وقالت: هيت لك، أي هلمّ أقبل وبادر، وتهيأت لك، وزيدت كلمة ﴿لَكَ﴾ لبيان المخاطب، مثل: سقيا لك ورعيا لك. وهذا أسلوب في غاية الاحتشام.
فامتنع من ذلك أشد الامتناع، وقال: أعوذ بالله معاذا، وألتجئ إليه وأعتصم به مما تريدين مني، فهو يعيذني أن أكون من الجاهلين ﴿إِنَّهُ﴾ (الضمير للشأن والحديث) ربي أي سيدي ومالكي (قطفير) ﴿أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ أي منزلي ومقامي وأحسن إلي، حين قال لك: أكرمي مثواه فلا أقابله بالخيانة، وإتيان الفاحشة في أهله، إنه لا يفلح الظالمون الذين يجازون الإحسان بالإساءة، أو لا يظفر الظالمون بمطالبهم، ومنهم الخائنون المجازون الإحسان بالسوء.
ولقد همّت بالانتقام منه والتنكيل به، لعصيانه أمرها، وعدم نزوله عند رغبتها، ومخالفته مرادها، وهي سيدته وهو عبدها، أو همت بمخالطته.
﴿وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ كثر كلام الناس وتعليقاتهم حول معنى هذه الآية، والأمر فيها سهل يسير، لا يصح تفسير كلمة ﴿وَهَمَّ بِها﴾ وحدها دون بقية الجملة، وإذا فسرت الجملة مع بعضها، تبين أنه لم يهمّ بها قط؛ لأن رؤية برهان ربه قد منعه من ذلك، بدليل أن ﴿لَوْلا﴾ حرف امتناع لوجود وجوابها محذوف دائما، وتقديره: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها ولخالطها؛ لأن قوله: ﴿وَهَمَّ بِها﴾ يدل عليه، كقولك: (هممت بقتله لولا أني خفت الله) معناه: (لولا أني خفت الله لقتلته) ففي الكلام تقديم وتأخير، أي لولا أن رأى برهان ربه لهم بها.
ثم إن المراد بالهم: خطرات حديث النفس، والميل إلى المخالفة بحكم الطبيعة
стр. 3784
البشرية، وهذا لا مؤاخذة فيه شرعا، فلا يقال: كيف جاز على نبي الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصد إليها؟ ودليل رفع المؤاخذة على الهم الذي هو مرتبة دون العزم والحزم
ما أورده البغوي من حديث عبد الرزاق والصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى: إذا همّ عبدي بحسنة، فاكتبوها له حسنة، فإن عملها، فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإن همّ بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإنما تركها من جرائي، فإن عملها فاكتبوها بمثلها».
والبرهان الذي رآه: هو برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم، أو هو حجة الله تعالى في تحريم الزنى، والعلم بما على الزاني من العقاب.
وقيل: هو تطهير نفوس الأنبياء ﵈ عن الأخلاق الذميمة، وقيل: هو النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش، وجائز أن يراد كل هذه المعاني؛ لأنها متقاربة غير متعارضة، تحقق هدفا واحدا وهو طاعة الله .
والخلاصة: لم يرتكب يوسف ﵇ المعصية قط، ولولا حفظ الله ورعايته وعصمته لهمّ بها. وللعلماء في الآية تفسيران: الأول-إنه لم يهمّ بها لرؤية برهان ربه، فهو الذي منعه من الهمّ، والثاني-إنه همّ بمقتضى الطبيعة البشرية، ثم تنبه للمانع من وقوع المعصية، ورأى برهان الله وتذكره، مثل قوله تعالى:
﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء ٧٤/ ١٧].
وبه تبين وجود الفارق بين الهمين: همها به وهمه، فهي قد همت بالانتقام منه والتنكيل به، شفاء لغيظها، أو همت بمخالطته، فكان همها المعصية، وهو همّ عزم وتصميم. وهو قد همّ بالدفاع عن نفسه، والتخلص منها، حين رأى بوادر الإقدام عليه، ولكنه رأى برهان ربه وعصمته التي جعلته يهم بالفرار من هذا المأزق، فكان همه النجاة منها وهو مجرد حديث نفس وخاطر، وما هم بالسوء بها لما رأى برهان ربه؛ لعصمة الأنبياء، قال تعالى: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ لذا أتبعه بقوله: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبابَ﴾ أي فبادر إلى الباب هربا، وبادرت هي إلى الباب صدا له عن الهرب. وأراد الله صرف السوء عنه فقال: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ
стр. 3785
وَالْفَحْشاءَ إنه من عبادنا المخلصين﴾ لذا أتبعه بقوله: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبابَ﴾ أي فبادر إلى الباب هربا، وبادرت هي إلى الباب صدا له عن الهرب. وأراد الله صرف السوء عنه فقال: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ﴾ أي مثل ذلك التثبيت على العفة أمام دواعي الفتنة والإغراء ثبتناه، وكما أريناه برهانا صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره. والسوء: المنكر والمعصية وخيانة السيد، والفحشاء: الزنى والفجور.
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي إن يوسف من عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم لوحيه ورسالته وصفاهم من الشوائب، فلا يستطيع الشيطان إغواءهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ﴾ [ص ٤٧/ ٣٨].
وحدثت المفاجأة الغريبة المحرجة بقدوم زوجها، وهما يتسابقان إلى الباب، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبابَ﴾ أي وتسابقا إلى الباب، بناء على حذف الجارّ وإيصال الفعل كقوله تعالى: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف ١٥٥/ ٧] أو بناء على تضمين ﴿اِسْتَبَقَا﴾ معنى: ابتدرا، والتسابق مختلف الغرض، فيوسف فرّ منها مسرعا يريد الباب ليخرج، وهي أسرعت وراءه لتمنعه الخروج. ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي لحقته في أثناء هربه، فأمسكت بقميصه من الخلف، فقطعته.
﴿وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ﴾ أي وحينئذ وجدا سيدها وهو زوجها عند الباب، فحاولت بمكرها وكيدها التنصل من جرمها وإلصاق التهمة بيوسف، فقالت: ما جزاء من أراد بأهلك فاحشة إلا أن يحبس، أو عذاب مؤلم موجع، فيضرب ضربا شديدا. وكانت نساء مصر تلقب الزوج بالسيد، ولم يقل:
سيدهما؛ لأن استرقاق يوسف غير شرعي.