البلاغة:
﴿فَصَدَقَتْ﴾ و ﴿فَكَذَبَتْ﴾ و ﴿الصّادِقِينَ﴾ و ﴿الْكاذِبِينَ﴾ بين كلّ طباق.
﴿مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ من باب تغليب الذكور على الإناث.
المفردات اللغوية:
﴿وَراوَدَتْهُ﴾ طلبت منه زليخا مواقعتها برفق ولين ومخادعة، ومنه قوله: ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ﴾ [يوسف ٦١/ ١٢] أي نحتال عليه ونخدعه عن إرادته، ليرسل أخاه بنيامين معنا، ومنه الرائد: الذاهب لطلب شيء. والمراد من آية ﴿وَراوَدَتْهُ﴾ تحايلت لمواقعته إياها، ولم تجد منه قبولا. ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ﴾ أحكمت إغلاق أبواب البيت، قيل: كانت سبعة، والتشديد: للتكثير أو للمبالغة في الإيثاق. ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أي هلمّ وأقبل وبادر، أو تهيأت، وهي لغة عرب حوران والكلمة: اسم فعل مبني على الفتح، ولام ﴿لَكَ﴾ للتبيين، كالتي في «سقيا لك».
﴿قالَ: مَعاذَ اللهِ﴾ أعوذ بالله وأتحصن من الجهل والفسق. ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ إن الذي اشتراني سيدي قطفير، أو إن الشأن ﴿أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ مقامي، أي أحسن تعهدي، إذ قال لك:
﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾ فلا أخونه في أهله. وقيل: إن الضمير لله تعالى، أي إنه الذي خلقني وأحسن منزلتي بأن عطف عليّ قلب سيدي، فلا أعصيه. ﴿إِنَّهُ﴾ أي الشأن ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ المجازون الحسن بالسيء، وقيل: الزناة، فإن الزنى ظلم على الزاني والمزني بأهله.
﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ قصدت منه الجماع ومخالطته أو أن تبطش به لعصيانه أمرها، والهم بالشيء:
قصده والعزم عليه ومنه الهمام: وهو الذي إذا همّ بشيء أمضاه. ﴿وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ أي لولا وجود النبوة، أو مراقبة الله تعالى وطاعته ورؤية ربه متجليا عليه، لقصد مخالطتها، والمفهوم من ﴿لَوْلا﴾ أنه لم يقصد ذلك أصلا، لوجود خشية الله في قلبه؛ لأن ﴿لَوْلا﴾ حرف امتناع لوجود، فعند ما تقول: لولا إتيان ضيف إلى البارحة لجئت إليك، تعني تعذر المجيء لصاحبك بسبب مجيء ضيف يزورك، فالضيف مانع من حصول المجيء، وكذلك هنا: لولا برهان النبوة ومراقبة الله لهمّ بها.
﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه وأريناه البرهان. ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ الخيانة ﴿وَالْفَحْشاءَ﴾ الزنى ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ المختارين الذين اجتباهم الله واختارهم لطاعته وعلى قراءة كسر اللام ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ يكون المراد: المخلصين في الطاعة.
﴿وَاسْتَبَقَا الْبابَ﴾ أي تسابقا إلى الباب، فحذف الجار، أو ضمن الفعل معنى الابتدار، أي أسرع كل منهما نحو الباب، وذلك أن يوسف فرّ منها ليخرج، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج،
стр. 3782
فمبادرته كانت للفرار، ومبادرتها كانت للتشبّث فيه، فأمسكت ثوبه وجذبته إليها. ﴿وَقَدَّتْ﴾ شقت قميصه من دبر، أي من الخلف والقد: الشق طولا. ﴿وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ﴾ وجدا زوجها وصادفاه عند الباب. ﴿قالَتْ: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً﴾ أي نزهت نفسها، وأو همت زوجها أنها فرّت منه تبرئه لساحتها عنده وإغراء به للانتقام من يوسف. و ﴿ما﴾ نافية أو استفهامية، والمعنى: أي شيء جزاؤه إلا السجن أي الحبس. ﴿أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم بأن يضرب.
وتعبير ﴿وَاسْتَبَقَا الْبابَ﴾ من اختصار القرآن المعجز، الذي يجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة.
﴿قالَ: هِيَ راوَدَتْنِي﴾ قال يوسف: هي طالبتني بالمواتاة، دفاعا عن نفسه لما عرضت له من السجن أو العذاب، ولو لم تكذب عليه لما قال ذلك. ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ قيل:
ابن عمها، أو ابن خالها، وكان صبيا في المهد، أنطقه الله تعالى.
﴿مِنْ قُبُلٍ﴾ من قدام أو أمام. ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ من خلف. ﴿فَلَمّا رَأى﴾ زوجها ﴿قالَ:﴾
﴿إِنَّهُ﴾ أي إن قولك: ﴿ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً﴾ ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ أي من حيلتكن أيها النساء، والخطاب لها ولأمثالها، أو لسائر النساء. ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أي إن كيد النساء ألصق وأعلق بالقلب، وأشد تأثيرا في النفس، ولا قدرة للرجال عليه ولا يفطنون لحيلهن.
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ أي ثم قال زوجها: يا يوسف أعرض عن هذا الأمر، ولا تذكره واكتمه لئلا يشيع الخبر بين الناس. ﴿وَاسْتَغْفِرِي﴾ يا زليخا. ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ أي الاثمين المذنبين، ولكن شاع الخبر واشتهر. والتذكير للتغليب.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى ما أكرم به يوسف من المكارم المادية بالإقامة في قصر عزيز مصر، والمعنوية من النبوة أو العلم والحكمة، ذكر هنا محنته مع امرأة العزيز، والتزامه العفة والنزاهة والطهارة، حتى إنه آثر دخول السجن على ارتكاب الفاحشة، والتخلص من افتتان النساء به.
التفسير والبيان:
كان يوسف ﵇ في غاية الحسن والجمال، وقد أوصى عزيز مصر امرأته بإكرامه وحسن تعهده، فأحبته حبا شديدا لجماله وحسنه وبهائه، فحملها
стр. 3783
ذلك على أن تجملت له، ودعته لمخالطتها، وتمحلت لمواقعته إياها، وأحكمت إغلاق الأبواب عليه قيل: كانت سبعة، وقالت: هيت لك، أي هلمّ أقبل وبادر، وتهيأت لك، وزيدت كلمة ﴿لَكَ﴾ لبيان المخاطب، مثل: سقيا لك ورعيا لك. وهذا أسلوب في غاية الاحتشام.
فامتنع من ذلك أشد الامتناع، وقال: أعوذ بالله معاذا، وألتجئ إليه وأعتصم به مما تريدين مني، فهو يعيذني أن أكون من الجاهلين ﴿إِنَّهُ﴾ (الضمير للشأن والحديث) ربي أي سيدي ومالكي (قطفير) ﴿أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ أي منزلي ومقامي وأحسن إلي، حين قال لك: أكرمي مثواه فلا أقابله بالخيانة، وإتيان الفاحشة في أهله، إنه لا يفلح الظالمون الذين يجازون الإحسان بالإساءة، أو لا يظفر الظالمون بمطالبهم، ومنهم الخائنون المجازون الإحسان بالسوء.
ولقد همّت بالانتقام منه والتنكيل به، لعصيانه أمرها، وعدم نزوله عند رغبتها، ومخالفته مرادها، وهي سيدته وهو عبدها، أو همت بمخالطته.
﴿وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ كثر كلام الناس وتعليقاتهم حول معنى هذه الآية، والأمر فيها سهل يسير، لا يصح تفسير كلمة ﴿وَهَمَّ بِها﴾ وحدها دون بقية الجملة، وإذا فسرت الجملة مع بعضها، تبين أنه لم يهمّ بها قط؛ لأن رؤية برهان ربه قد منعه من ذلك، بدليل أن ﴿لَوْلا﴾ حرف امتناع لوجود وجوابها محذوف دائما، وتقديره: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها ولخالطها؛ لأن قوله: ﴿وَهَمَّ بِها﴾ يدل عليه، كقولك: (هممت بقتله لولا أني خفت الله) معناه: (لولا أني خفت الله لقتلته) ففي الكلام تقديم وتأخير، أي لولا أن رأى برهان ربه لهم بها.
ثم إن المراد بالهم: خطرات حديث النفس، والميل إلى المخالفة بحكم الطبيعة
стр. 3784
البشرية، وهذا لا مؤاخذة فيه شرعا، فلا يقال: كيف جاز على نبي الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصد إليها؟ ودليل رفع المؤاخذة على الهم الذي هو مرتبة دون العزم والحزم
ما أورده البغوي من حديث عبد الرزاق والصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى: إذا همّ عبدي بحسنة، فاكتبوها له حسنة، فإن عملها، فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإن همّ بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإنما تركها من جرائي، فإن عملها فاكتبوها بمثلها».
والبرهان الذي رآه: هو برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم، أو هو حجة الله تعالى في تحريم الزنى، والعلم بما على الزاني من العقاب.
وقيل: هو تطهير نفوس الأنبياء ﵈ عن الأخلاق الذميمة، وقيل: هو النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش، وجائز أن يراد كل هذه المعاني؛ لأنها متقاربة غير متعارضة، تحقق هدفا واحدا وهو طاعة الله .
والخلاصة: لم يرتكب يوسف ﵇ المعصية قط، ولولا حفظ الله ورعايته وعصمته لهمّ بها. وللعلماء في الآية تفسيران: الأول-إنه لم يهمّ بها لرؤية برهان ربه، فهو الذي منعه من الهمّ، والثاني-إنه همّ بمقتضى الطبيعة البشرية، ثم تنبه للمانع من وقوع المعصية، ورأى برهان الله وتذكره، مثل قوله تعالى:
﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء ٧٤/ ١٧].
وبه تبين وجود الفارق بين الهمين: همها به وهمه، فهي قد همت بالانتقام منه والتنكيل به، شفاء لغيظها، أو همت بمخالطته، فكان همها المعصية، وهو همّ عزم وتصميم. وهو قد همّ بالدفاع عن نفسه، والتخلص منها، حين رأى بوادر الإقدام عليه، ولكنه رأى برهان ربه وعصمته التي جعلته يهم بالفرار من هذا المأزق، فكان همه النجاة منها وهو مجرد حديث نفس وخاطر، وما هم بالسوء بها لما رأى برهان ربه؛ لعصمة الأنبياء، قال تعالى: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ لذا أتبعه بقوله: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبابَ﴾ أي فبادر إلى الباب هربا، وبادرت هي إلى الباب صدا له عن الهرب. وأراد الله صرف السوء عنه فقال: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ
стр. 3785
وَالْفَحْشاءَ إنه من عبادنا المخلصين﴾ لذا أتبعه بقوله: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبابَ﴾ أي فبادر إلى الباب هربا، وبادرت هي إلى الباب صدا له عن الهرب. وأراد الله صرف السوء عنه فقال: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ﴾ أي مثل ذلك التثبيت على العفة أمام دواعي الفتنة والإغراء ثبتناه، وكما أريناه برهانا صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره. والسوء: المنكر والمعصية وخيانة السيد، والفحشاء: الزنى والفجور.
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي إن يوسف من عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم لوحيه ورسالته وصفاهم من الشوائب، فلا يستطيع الشيطان إغواءهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ﴾ [ص ٤٧/ ٣٨].
وحدثت المفاجأة الغريبة المحرجة بقدوم زوجها، وهما يتسابقان إلى الباب، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبابَ﴾ أي وتسابقا إلى الباب، بناء على حذف الجارّ وإيصال الفعل كقوله تعالى: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف ١٥٥/ ٧] أو بناء على تضمين ﴿اِسْتَبَقَا﴾ معنى: ابتدرا، والتسابق مختلف الغرض، فيوسف فرّ منها مسرعا يريد الباب ليخرج، وهي أسرعت وراءه لتمنعه الخروج. ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي لحقته في أثناء هربه، فأمسكت بقميصه من الخلف، فقطعته.
﴿وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ﴾ أي وحينئذ وجدا سيدها وهو زوجها عند الباب، فحاولت بمكرها وكيدها التنصل من جرمها وإلصاق التهمة بيوسف، فقالت: ما جزاء من أراد بأهلك فاحشة إلا أن يحبس، أو عذاب مؤلم موجع، فيضرب ضربا شديدا. وكانت نساء مصر تلقب الزوج بالسيد، ولم يقل:
سيدهما؛ لأن استرقاق يوسف غير شرعي.
стр. 3786
وهنا ذكر الرازي علامات كثيرة دالة على أن يوسف ﵇ هو الصادق وهي (١):
١ - إن يوسف ﵇ كان في اعتبارهم عبدا، والعبد لا يتسلط على مولاه إلى هذا الحد.
٢ - شوهد يوسف يعدو عدوا شديدا ليخرج، وطالب المرأة لا يفعل ذلك.
٣ - زيّنت المرأة نفسها على أكمل الوجوه، خلافا لما كان عليه حال يوسف.
٤ - لم تكن سيرة يوسف في المدة الطويلة دالة على حالة تناسب، هذا الفعل المنكر.
٥ - لم تصرح المرأة بنسبته إلى الفاحشة، بل أجملت كلامها، وأما يوسف فصرح بالأمر.
٦ - إن زوج المرأة كان عاجزا، فطلب الشهوة منها أولى.
لكل هذا لم تطلب عقوبة شديدة، وإنما أرادت أن يحبس يوما أو أقل، على سبيل التخفيف والتخويف؛ لأن حبها الشديد ليوسف حملها على أن تشفق عليه، ولكنها من جانب آخر استحيت أن تقول: إن يوسف قصدني بالسوء، وأرادت تصيّد عذر ما، وحماية سمعتها وكرامتها أمام زوجها.
ذكر بعضهم: ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه الله، فألقى عليه هيبة النبوة، فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه.
ثم جاء دور براءة يوسف: ﴿قالَ: هِيَ راوَدَتْنِي.﴾. قال يوسف بارّا صادقا مدافعا عن نفسه حينما اتهمته بقصد السوء: هي التي راودته عن نفسه،
стр. 3787
فامتنع منها، وأنها تبعته وجذبته حتى قدت قميصه، ولم تترك حيلة إلا لجأت إليها لمواقعتها.
﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها.﴾. وللعلماء قولان في هذا الشاهد، هل هو صغير أو كبير؟ وهل هو إنسان أو القميص؟، فصار في تعيين هذا الشاهد ثلاثة أقوال:
الأول-أنه كان ابن عم لها كبير، وكان رجلا حكيما عاقلا حصيف الرأي، فقال: إن كان (١) شق القميص من قدامه فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلفه فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص، ورأوا الشق من خلفه، قال ابن عمها: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ.﴾. أي من عملكن، ثم قال ليوسف: أعرض عن هذا واكتمه، وقال لها: استغفري لذنبك. وهذا قول طائفة كبيرة من المفسرين.
والثاني-وهو قول ابن عباس وجماعة: أن ذلك الشاهد كان صبيا أنطقه الله تعالى في المهد.
روى ابن جرير حديثا مرفوعا عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم».
والثالث-أن ذلك الشاهد هو القميص. قال الرازي: وهذا في غاية الضعف؛ لأن القميص لا يوصف بهذا، ولا ينسب إلى الأهل.
ولما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به وظهر للقوم براءة يوسف عن هذا المنكر، قال العزيز أو الشاهد: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ إن هذا
стр. 3788
الاتهام من جملة كيدكن ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أي إن مكر المرأة وكيدها شديد التأثير في النفوس، غريب لا يفطن له الرجال، ولا قبل لهم به، ولا لحيلها وتدبيرها.
ويا يوسف أعرض عن ذكر هذه الواقعة واكتم خبرها عن الناس، ويا أيتها المرأة اطلبي المغفرة لذنبك، إنك كنت من زمرة الخاطئين أي المذنبين. وقوله هذا؛ لأنه لم يكن غيورا، فكان ساكنا، أو لأن الله تعالى سلبه الغيرة، وكان فيه لطف بيوسف، حتى كفي ما قد يبادر به وعفا عنها.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات بيان محنة يوسف، وإظهار براءته، واتهام زوجة العزيز، وتكون الآيات دالة على ما يأتي:
١ - اتهام امرأة العزيز بمراودة يوسف عن نفسه، وذكر في الآية ثلاثة تصرفات تؤكد تهمتها وهي: المراودة، وإغلاق الأبواب، ودعوتها يوسف لنفسها قائلة: ﴿هَيْتَ ١ لَكَ﴾ وهي لغة أهل حوران جنوب سوريا، أي هلمّ أقبل وتعال.
٢ - دفاع يوسف عن نفسه، مستخدما في الجواب ثلاثة أشياء: ﴿مَعاذَ اللهِ، إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾، استعاذ بالله واستجار به مما دعته إليه، وتذكر فضل سيده عليه إذ آواه وأحسن مثواه ومقامه وتعهده بالرعاية والحفظ، ونظر إلى المستقبل نظرة العاقل المتأمل الذي يصون
стр. 3789
مستقبله، وقرر أنه لا يظفر الظالمون الخائنون الذين يقابلون الإحسان بالإساءة.
٣ - هناك فرق واضح بين همّها به وهو المعصية من مخالطة وانتقام، وبين همّه بها وهو الفرار والنجاة منها؛ لأن الأنبياء معصومون عن المعاصي.
وأدلة عصمة الأنبياء (١):
الدليل الأول-إن الزنى من منكرات الكبائر، وكذلك الخيانة من منكرات الذنوب، وأيضا مقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموقعة بالفضيحة التامة والعار الشديد من منكرات الذنوب، ثم إن إقدام الصبي الذي تربى في حجر إنسان على الإساءة إلى المنعم عليه من أقبح المنكرات والأعمال.
الدليل الثاني-إن ماهية السوء والفحشاء مصروفة عن النبي، لقوله تعالى:
﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ﴾ ثم إن الله تعالى جعل يوسف ﵇ من عباده المخلصين-بفتح اللام-الذين خلصهم الله من الأسواء، وبكسر اللام: من الذين أخلصوا دينهم لله تعالى، ويحتمل أن يكون المراد أنه من ذرية إبراهيم ﵇ الذين قال الله فيهم: ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ﴾ [ص ٤٦/ ٣٨ - ٤٧].
الدليل الثالث-من المحال أن يصدر عن الأنبياء ﵈ زلة أو هفوة ثم لا يتبعونها بالتوبة والاستغفار.
الدليل الرابع-كل من كان له تعلق بتلك الواقعة، فقد شهد ببراءة يوسف ﵇ من المعصية.
والذين لهم تعلق بهذه الواقعة: يوسف ﵇، وتلك المرأة وزوجها،
стр. 3790
والنسوة، والشهود، ورب العالمين، وإبليس، الكل شهدوا ببراءة يوسف عن الذنب والمعصية، كما تقدم سابقا.
٤ - قال العلماء: لما برّأت نفسها؛ ولم تكن صادقة في حبه-لأن من شأن المحبّ إيثار المحبوب-قال: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ نطق يوسف بالحق في مقابلة بهتها وكذبها عليه.
٥ - الشاهد من أهلها: إما طفل في المهد تكلم، قال السهيلي: وهو الصحيح،
للحديث المتقدم: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة» وذكر فيهم شاهد يوسف، وإما رجل حكيم ذو عقل كان الوزير يستشيره في أموره، وكان من جملة أهل المرأة، وكان مع زوجها.
٦ - في آية قدّ القميص مقبلا ومدبرا دليل على القياس والاعتبار، والعمل بالعرف والعادة؛ لأن القميص إذا جبذ من خلف تمزّق من تلك الجهة، وإذا جبذ من قدّام تمزق من تلك الجهة، وهذا هو الأغلب.
٧ - إذا كان الشاهد على براءة يوسف طفلا صغيرا، فلا يكون فيه دلالة على العمل بالأمارات؛ وإذا كان رجلا صحّ الاعتماد على الأمارة، كالعلامة في اللقطة وغيرها؛ فقال مالك في اللصوص: إذا وجدت معهم أمتعة، فجاء قوم فادعوها، وليست لهم بينة، فإن السلطان ينظر في ذلك، فإن لم يأت غيرهم دفعها إليهم.
وقال الحنفية وغيرهم: إذا اختلف الرجل والمرأة في متاع البيت: إن ما كان للرجال فهو للرجال، وما كان للنساء فهو للمرأة، وما كان للرجل والمرأة فهو للرجل. وكان شريح وإياس بن معاوية يعملان على العلامات في الحكومة؛ وأصل الاعتماد على الأمارات هذه الآية.
٨ - الحذر من فتنة النساء، فإن كيدهن عظيم؛ لعظم فتنتهن، واحتيالهن في التخلص من ورطتهن،
ذكر مقاتل عن أبي هريرة قال: قال
стр. 3791
رسول الله ﷺ : «إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء ٧٦/ ٤]، وقال: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾».
الفصل الخامس من قصة يوسف
انتشار الخبر بين نسوة المدينة ومؤامرة امرأة العزيز بهن
وتقرير سجن يوسف
﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ (٣٥)﴾
стр. 3792
الإعراب:
﴿حُبًّا﴾ تمييز.
﴿حاشَ لِلّهِ﴾ حذف الألف للتخفيف، ومن قرأ: حاشى لله، أتى به على الأصل. وحاشى:
فعل في رأي الكوفيين، بدليل تعلق حرف الجر بها في قوله: ﴿حاشَ لِلّهِ﴾ وحرف الجر إنما يتعلق بالفعل لا بالحرف. وهي حرف في رأي سيبويه وأكثر البصريين؛ لأن ما بعدها يجيء مجرورا، يقال: حاش أبي ثوبان، ولو كان فعلا لما جاز أن يجيء ما بعده مجرورا. وأما تعلق حرف الجر بها في قوله ﴿لِلّهِ﴾ فإن اللام في قوله: ﴿حاشَ لِلّهِ﴾ زائدة لا تتعلق بشيء، مثل لام: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف ١٥٤/ ٧] وباء ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ [العلق ١٤/ ٩٦] ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ.﴾.
[يوسف ٣٥/ ١٢] فاعل بدا: مصدر مقدر، دل عليه. ﴿بَدا﴾ أي ثم بدا لهم بداء، وهو الراجح، وقيل: دل عليه ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ وقام مقامه، وقيل: الفاعل محذوف تقديره: ثم بدا لهم رأي.
واللام جواب ليمين مضمر، وهو فعل مذكر لا فعل مؤنث.
البلاغة:
﴿سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ استعار المكر للغيبة؛ لأنها تشبهه في الإخفاء.
﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ استعار لفظ القطع للجرح أي جرحن أيديهن.
المفردات اللغوية:
﴿نِسْوَةٌ﴾ اسم لجمع امرأة، وتأنيثه بهذا الاعتبار غير حقيقي. ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ مدينة مصر، وهو ظرف لقال، أي أشعن الحكاية في مصر، أو هو صفة نسوة، وكن خمسا: زوجة الحاجب والساقي والخباز والسجان وصاحب الدواب. ﴿اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ فتاها:
عبدها، أي تطلب مواقعة غلامها إياها. والعزيز بلغة العرب: الملك. ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أي دخل حبه شغاف قلبها. أي غلافه المحيط به حتى وصل إلى فؤادها. ﴿فِي ضَلالٍ﴾ في خطأ أي انحراف عن طريق الرشد ومقتضى العقل. ﴿مُبِينٍ﴾ أي بيّن واضح، بحبها إياه.
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ باغتيابهن لها، وإنما سمي مكرا؛ لأنهن أخفينه كما يخفي الماكر مكره، ولأنهن أردن إغضابها لتعرض عليهن يوسف، فيفزن بمشاهدته. ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ أعدّت وهيأت لهن. ﴿مُتَّكَأً﴾ ما يتكئن عليه من الوسائد في مكان يجلسن فيه متكئين. وقيل: المتكأ: طعام يقطع السكين للاتكاء عنده، وهو الأترج. ﴿وَآتَتْ﴾ أعطت. ﴿وَقالَتِ﴾ ليوسف، ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أعظمنه. ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ جرحن أيديهن بالسكاكين، ولم يشعرن بالألم لشغل قلبهن بيوسف، ودهشتهن من جماله الرائع.
стр. 3793
﴿وَقُلْنَ: حاشَ لِلّهِ﴾ تنزيها لله من صفات العجز، وتعجبا من قدرته على خلق مثله.
﴿ما هذا بَشَراً﴾ أي ما يوسف من جنس البشر؛ لأن هذا الجمال غير معهود للبشر. ﴿إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ما هذا إلا ملك، لما حواه من الحسن الفائق،
جاء في الحديث: «أنه أعطي شطر الحسن» أو لما جمع الله له من الجمال الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة التي هي من خواص الملائكة.
﴿قالَتْ﴾ امرأة العزيز، لما رأت ما حل بهن: ﴿فَذلِكُنَّ﴾ أي فهذا هو. ﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني في حبه والافتتان به قبل تصوره حق التصور، ولو تصورتنه بما عائنتن لعذرتنني، والمراد بيان عذرها. ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ امتنع امتناعا شديدا، مأخوذ من العصمة وهي المنع من الوقوع في المعصية. ﴿ما آمُرُهُ﴾ به. ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ الذليلين المهانين، فقلن له: أطع مولاتك. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أمل إليهن وأوافقهن على أهوائهن. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ وأصر من المذنبين، والقصد بذلك الدعاء.
﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ دعاءه. ﴿السَّمِيعُ﴾ للقول ودعاء الملتجئ إليه. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بالفعل والأحوال وما يصلحهم. ﴿بَدا﴾ ظهر لهم رأي جديد، وهو أن يسجنوه. الآيات الشواهد الدالة على براءة يوسف. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ أي ليدخلنه السجن إلى زمن، ينقطع فيه كلام الناس، فسجن سبع سنين أو خمس سنين. والحين: الوقت غير المحدود من الزمن.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى محنة يوسف مع امرأة العزيز، ونجاته من تلك المحنة وقناعة زوجها ببراءته بناء على شهادة حكم شاهد من أقاربها بما رأى، أورد تعالى ما تمخضت عنه المحنة والمحاولة من نتائج طبيعية هي انتشار الخبر وشيوعه في مصر، ومحاولة امرأة العزيز تبرئة ساحتها أمام النساء بمكيدة محكمة وخطة مدروسة، واعترافها أمامهن بأنها التي راودته عن نفسه، فامتنع، وأنها ما تزال مصرة مصممة على ما تريد، وإلا أودع في قيعان السجون، وتم اتخاذ القرار بالسجن، وآثره يوسف ابتغاء مرضاة الله، بل دعا إليه ربه، فسجن سبع سنين أو خمس سنين.
стр. 3794
التفسير والبيان:
وقال جماعة من نساء الكبراء والأمراء في مدينة مصر، منكرات على امرأة العزيز وعائبات عليها ومتعجبات منها: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه، أي تحاول غلامها عن نفسه وتدعوه إلى نفسها، وما تزال محاولاتها مستمرة، بدلالة فعل ﴿تُراوِدُ﴾ الذي يفيد الاستمرار في الطلب في المستقبل، وما زال قلبها متعلقا به.
وأكدوا إنكارهم عليها بأمرين؛ لأن المألوف أن المرأة مطلوبة لا طالبة، وهي امرأة الوزير الأول، وتطلب مخالطة عبدها وخادمها:
الأول- ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أي قد وصل حبه إلى شغاف قلبها وهو غلافه المحيط به، ونفذ إلى سويدائه، فلم تعد تبالي بالعواقب وما يؤول إليه الحال.
والثاني- ﴿إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي إنا لنعتقد ونعلم أنها في صنيعها هذا من حبها فتاها ومراودتها إياه عن نفسه لفي خطأ واضح وبعد عن الصواب وجهل يتنافى مع مكانتها. وأردن من هذا القول المكر والحيلة، ودفعها إلى دعوتهن والاقتناع بعذرها فيما فعلت. قال محمد بن إسحاق: بل بلغهن حسن يوسف، فأحببن أن يرينه، فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته.
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي باغتيابهن، وسوء مقالتهن، وكلامهن: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني، وسمي الاغتياب مكرا؛ لأنه في خفية وحال غيبة، كما يخفي الماكر مكره، فكما أن الغيبة تذكر على سبيل الخفية، فكذلك المكر.
﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ أي لما بلغها ما تقوله النساء عنها غيابيا، أرسلت إليهن، أي دعتهن إلى منزلها للضيافة، وأعدت لهن ما يتكئن عليه من الكراسي
стр. 3795
والوسائد والطعام الذي يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه، وأعطت كل واحدة من النساء سكينا لقطع اللحم والفاكهة. ونحوها، وذلك مكيدة منها، ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته، فمكرت بهن كما مكرن بها.
﴿وَقالَتِ: اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي وبيناهم في تناول الفاكهة والطعام، وكلّ تمسك بسكينها، أمرته بالخروج عليهن، بعد أن كانت قد خبأته في مكان آخر، وكانت ذكية ماهرة في اختيار الوقت المناسب وهو أن يفجأهن وقت انشغالهن بما يقطعنه ويأكلنه.
﴿فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ.﴾. أي فلما خرج ورأينه، أعظمنه، ودهشن لجماله الفائق وحسنه الكامل، وجعلن يقطعن أيديهن، اندهاشا برؤيته، فجرحن أيديهن، وهن يظنن أنهن يقطعن ما قدم لهن من طعام، وهكذا يفعل المدهوش الذي اجتذب نظره حادث مؤثر، أو منظر غريب، أو شيء مثير.
﴿وَقُلْنَ: حاشَ لِلّهِ﴾ بحذف الألف للتخفيف واتباع المصحف، وقرأ أبو عمرو: وحاشا لله بإثبات الألف وهو الأصل، لأنها من المحاشاة وهي التنحية والتبعيد، وحاشا: كلمة تفيد معنى التنزيه، أي وقلن لها على الفور تنزيها لله تعالى عن العجز، وتعجبا حيث قدر على خلق جميل مثله: وما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا؛ لأنهن لم يرين في البشر مثله، ولا قريبا منه، فإنه ﵇ قد أعطي شطر الحسن، كما
ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء: أن رسول الله ﷺ مرّ بيوسف ﵇ في السماء الثالثة، فقال: «فإذا هو قد أعطي شطر الحسن».
ما هذا الذي رأيناه من جنس البشر، وما هو إلا ملك كريم من الملائكة تمثل في صورة بشر، والمقصود إثبات الحسن العظيم له؛ لأنه استقر في الطباع أن لا حي أحسن من الملك، وأن لا حي أقبح من الشيطان. فلما رأت النساء روعة
стр. 3796
جمال يوسف شبهنه بالملك، ونفين عنه البشرية، لغرابة جماله وروعة حسنه.
والأقرب عند الرازي: أن النسوة لما رأين عليه هيبة النبوة والرسالة، وعلامة التطهر والعفة، نفوا عنه آثار الشهوة البشرية والصفات الإنسانية، وأثبتوا له طهر الملائكة.
قالت، وقد نجحت في انبهارهن بجماله الأخاذ: فذلكن هو الذي وجهتن اللوم إلي بسببه، وعبتنّ علي فعلي. وإنما قالت ﴿فَذلِكُنَّ﴾ ولم تقل «فهذا» بالرغم من أنه حاضر أمامهن، رفعا لمنزلته في الحسن، وجدارة حبه والافتتان به، واستبعادا لمحله السامي، أي فذلك يوسف البعيد السامي في الكمال والجمال، فأنا معذورة، فهو حقيق أن يحب لجماله وكماله.
وإذا كان هذا حالكن معه في لحظة، فماذا أفعل وهو معي دائما في المنزل، وإني أعترف وأقر أني والله لقد راودته عن نفسه، فامتنع بإباء وشمم عما أردته منه؛ لأنه عفيف طاهر، ورث العفة عن أسلافه.
قال بعضهم: لما رأين جماله الظاهر، أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن، وهي العفة مع هذا الجمال.
ثم قالت متوعدة إياه بالعقاب: ولئن لم يفعل ما آمره به في المستقبل القريب، ليسجنن وليكونن من الذليلين المقهورين؛ لأن زوجي لا يخالف أمري ورغبتي.
وهذا دليل على أن حبه استولى على مجامع نفسها، وأن السجن المؤكد الدائم سيكون عقابه، لا مجرد الحبس المؤقت الذي كانت قد أشارت به على زوجها، عند اكتشاف أمرها لدى الباب، وأنها بهذا التهديد واثقة بسطانها على زوجها، مع علمه بأمرها، واستنكاره سلوكها، فقد أصبح عشقها له، وحبها المتناهي أمرا علنيا لا تواري فيه، ولا تخشى أحدا من نقدها وتوجيه اللوم لها.
стр. 3797
فعندئذ استعاذ يوسف ﵇ من شرهن وكيدهن. والكيد: الاحتيال والاجتهاد، وقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ..﴾. أي يا رب، أنت ملاذي وملجئي، إن السجن الذي توعدت به أحب إلي مما يدعونني إليه هؤلاء النسوة من الفاحشة وارتكاب المعصية.
وكنى عن امرأة العزيز في قوله ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ بخطاب الجمع، إما لتعظيم شأنها في الخطاب، وإما ليعدل عن التصريح إلى التعريض. والأولى حمل اللفظ على العموم، أي كيد النساء، وليس كيد امرأة العزيز فقط.
وقد أسند الدعوة إلى النساء جميعا؛ لأنهن زيّن له مطاوعتها ونصحنه بالاستجابة لرغبتها، وقلن له: إياك وإلقاء نفسك في السجن والصغار.
وهو في دعائه هذا آثر المشقة على اللذة؛ لأن العذاب المكروه وهو السجن مع البراءة أهون من الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فإن البريء المسجون يشعر بسعادة عظيمة وهي المدح في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة، وقد اختار أهون الشرين وأخف الضررين: السجن والزنى، ففي السجن راحة بال وهدوء نفس وخروج عن بيئة الفساد، وتخلص من التحكم في أمره.
ثم أكد دعاءه مبينا عجزه وضعفه، ومفوضا أمره لمن له القدرة والقوة، فقال: ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ.﴾. أي وإن لم تبعد عني أثر كيدهن، أمل إلى موافقتهن على أهوائهن، وأكن من الجاهلين السفهاء الذين تستهويهم الشهوات، والذين لا يعملون بما يعلمون؛ لأن الحكيم لا يفعل القبيح، ولأن من لا ينتفع بعلمه فهو ومن لا يعلم سواء.
أي إن وكلتني إلى نفسي، فليس لي منها قدرة، وإنما أعتصم وألجأ إلى حولك وقوتك، فأنت المستعان وعليك التكلان، فلا تكلني إلى نفسي. وهذا
стр. 3798
فزع منه إلى ألطاف الله وعصمته كعادة الأنبياء والصالحين فيما عزم عليه من الصبر.
﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ.﴾. أي فأجاب ربه دعاءه المفهوم من قوله: ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي.﴾. الذي فيه معنى طلب الصرف والدعاء باللطف، فصرف عنه كيدهن، وعصمه عصمة عظيمة، وحماه من التورط في المعصية أو الجهل والسفه باتباع أهوائهن، إنه تعالى السميع لدعاء الملتجئين إليه، العليم بصدق إيمانهم وبأحوالهم وما يصلحهم.
وهذا دليل على حراسة ربه له وعنايته به وتربيته تربية مثلي تليق بالأنبياء.
وقد ترفع مع شبابه وجماله وكماله عن مواقعة امرأة عزيز مصر التي كانت أيضا في غاية الجمال والأبهة، وأختار السجن خوفا من الله ورجاء ثوابه،
ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلّق بالمساجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل تصدّق بصدقة، فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يميه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه».
﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ.﴾. ثم ظهر من المصلحة والرأي للعزيز وامرأته والشاهد الذي شهد عليها من أهلها بعد شيوع الخبر، وبعد ما عرفوا براءته، وظهرت الآيات وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته، ظهر لهم أن يسجنوه لأجل غير معلوم، إيهاما أنه راودها عن نفسها، وأنهم سجنوه على ذلك، وتنفيذا لرغبة زوجة العزيز التي تبين أنها ذات سلطان على زوجها، وأنه فقد الغيرة عليها، وآثر رضاها بأى ثمن كان.
стр. 3799
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن خبر السوء سرعان ما يشيع في أنحاء المجتمع، وأشد ما يكون شيوعا ما يكون النساء وراءه.
٢ - كان نقد أكابر النساء في المجتمع المصري لامرأة العزيز لأول وهلة، وبحكم العادة المألوفة، حقا وصوابا، إذ كيف تراود امرأة الوزير الأول عبدا لها وخادما عندها، وهذا مستعظم عادة، لترفع السادة وأنفتهن من مخالطة الخدم والأتباع.
لذا انتقدوا شدة حبها للغلام، ووجدوا أنها حائدة عن طريق الصواب.
٣ - قابلت امرأة العزيز المكر بمثله، فدعت نساء المدينة إلى وليمة، لتوقعهن فيما وقعت فيه، ولتبدي معذرتها أمامهن، فانبهرن ودهشن بجمال يوسف لحسن وجهه ورينته وما عليه، وجرحن أيديهن بالسكاكين التي كانت معهن لقطع ما يحتاج إلى تقطيع من الطعام، وكن يحسبن أنهن يقطعن الأترجّ (وهو النارانج أو الكبّاد أو الكريفون وهو ثمر أكبر من الليمون الحامض يؤكل بعد إزالة قشرته).
٤ - لم يملك النساء أنفسهن عن التعبير بما دهشن به عند رؤية يوسف، وقالوا: ليس هذا من النوع الإنساني، وإنما هو من جنس الملائكة، والمقصود منه إثبات الحسن الفائق والجمال الرائع، وأنه في التبرئة عن المعاصي كالملائكة، وقوله: ﴿حاشَ لِلّهِ﴾ تبرئة ليوسف عما رمته به امرأة العزيز من المراودة، أي بعد يوسف عن هذا.
٥ - لما رأت امرأة العزيز افتتانهن بيوسف أظهرت عذر نفسها بقولها:
﴿فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي بحبه، واللوم: الوصف بالقبيح.
стр. 3800
٦ - آثر يوسف الصديق دخول السجن ابتغاء مرضاة الله، وأن السجن أحب أي أسهل عليه وأهون من الوقوع في المعصية، لا أنّ دخول السجن مما يحبّ حقيقة. حكي أن يوسف ﵇ لما قال: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ أوحى الله إليه: «يا يوسف! أنت حبست نفسك حيث قلت: السجن أحبّ إلي، ولو قلت: العافية أحبّ إلي لعوفيت».
٧ - جمع يوسف ﵇ في دعائه ليكون قدوة للبشر بين التأثر بالنوازع البشرية والميل الإنساني إلى النساء وبين جهاد النفس الذي استعان بالله عليه، وأوضح أن الوقوع في أهواء النساء جهل، وكون المنزلق من زمرة الجاهلين، أي ممن يرتكب الإثم ويستحق الذم، أو ممن يعمل عمل الجهال الذين يعملون بنقض ما يعلمون. ودل هذا على أن أحدا لا يمتنع عن معصية الله إلا بعون الله؛ ودل أيضا على قبح الجهل والذم لصاحبه.
٨ - استجاب الله تعالى دعاء يوسف، ولطف به، وعصمه عن الوقوع في الزنى لصبره والاستعاذة بالله من الكيد. وهو شأنه تعالى يستجيب دعاء كل ملهوف، مستعصم به، ممتنع عن المعاصي ابتغاء رضوان الله تعالى.
٩ - اتخذ العزيز وأهل مشورته قرارا بسجن يوسف إلى مدة غير معلومة، كتمانا للقصة ألا تشيع بين الناس، بالرغم مما ثبت لهم من عفته ونزاهته، ورأوا الآيات، أي العلامات على براءته من قدّ القميص من دبر، وشهادة الشاهد، وحزّ الأيدي بالسكاكين، وقلة صبر النساء عن لقاء يوسف.
١٠ - لم يرض يوسف ﵇ بارتكاب الفاحشة لعظم منزلته وشريف قدره، بالرغم من إكراهه على ذلك بالسجن، وأقام خمسة أعوام. وبناء عليه قال العلماء: لو أكره رجل بالسجن على الزنى ما جاز له إجماعا.
فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح أنه إذا كان فادحا،
стр. 3801
فإنه يسقط عنه إثم الزنى وحدّه، فإن الله تعالى لا يجمع على عبده العذابين، ولا يجعله بين بلاءين، فإنه من أعظم الحرج في الدين: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج ٧٨/ ٢٢].
الفصل السادس من قصة يوسف
يوسف في السجن ودعوته إلى الدين الحق
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾
стр. 3802
الإعراب:
﴿سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ﴾ سمّى: يتعدى إلى مفعولين، يجوز حذف أحدهما، فالأول: ها في ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ والثاني: محذوف، وتقديره: سميتموها الهة. و ﴿أَنْتُمْ﴾ تأكيد تاء سميتموها، ليحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل فيها.
البلاغة:
﴿أَعْصِرُ خَمْراً﴾ مجاز مرسل باعتبار ما سيكون، أي أعصر عنبا يؤول إلى خمر.
المفردات اللغوية:
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ أي أدخل يوسف السجن، وصادف أن دخل معه غلامان آخران للملك، أحدهما: ساقيه، والآخر صاحب طعامه أي خبازه، فرأياه يعبر الرؤيا، فقالا:
لنختبرنه. ﴿قالَ أَحَدُهُما﴾ وهو الساقي. ﴿خَمْراً﴾ أي عنبا يكون خمرا. ﴿وَقالَ الْآخَرُ﴾ وهو صاحب الطعام الخباز. ﴿نَبِّئْنا﴾ خبرنا. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ بتعبيره. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ من الذين يحسنون تأويل الرؤيا، أو من العالمين.
قال لهما مخبرا أنه عالم بتعبير الرؤيا. ﴿تُرْزَقانِهِ﴾ في منامكما. ﴿نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ في اليقظة أي بتفسيره الذي يؤول إليه في الواقع. ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما﴾ تأويله ويتحقق المراد منه، كأنه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد، ويرشدهما إلى الطريق القويم، قبل أن يجيبهما على سؤالهما.
﴿ذلِكُما﴾ أي ذلك التأويل ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بالإلهام والوحي، وليس من قبيل التكهن أو التنجيم، وهذا أيضا فيه حثّ على إيمانهما ثم قواه بقوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ﴾ دين ﴿قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ هم: تأكيد كفرهم بالآخرة، وهذا تعليل لما قبله، أي علمني ذلك؛ لأني تركت ملة أولئك.
﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ.﴾. معطوف على ﴿تَرَكْتُ﴾ أو كلام مبتدأ لتمهيد الدعوة وإظهار أنه من بيت النبوة، لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه والوثوق به. وهو دليل على أنه يجوز لغير المعروف أن يصف نفسه حتى يعرف، فيستفاد منه. ﴿ما كانَ لَنا﴾ أي ما كان ينبغي لنا أو ما صحّ لنا معشر الأنبياء. ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي شيء كان، لعصمتنا. ﴿ذلِكَ﴾ أي التوحيد. ﴿مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا﴾ بالوحي. ﴿وَعَلَى النّاسِ﴾ وعلى سائر الناس، ببعثتنا لإرشادهم وتثبيتهم عليه.
﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾ المبعوث إليهم، وهم الكفار ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ الله على هذا الفضل، فيشركون ويعرضون عنه.
ثم صرح يوسف بدعوتهما إلى الإيمان فقال: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أي يا ساكنيه أو
стр. 3803
يا صاحبيّ فيه. ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ.﴾. استفهام تقرير. ﴿أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ أي هل الأرباب الشتى المتعددون خير أم الله الواحد المنفرد بالألوهية، الغالب الذي لا يعادله ولا يقاومه غيره؟ ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي غيره. ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ سميتم بها أصناما. ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها﴾ أي بعبادتها ﴿مِنْ سُلْطانٍ﴾ حجة وبرهان، أي فليست هي إلا أشياء ذات أسامي أطلقتم عليها من غير حجة تدل على تحقق مسمياتها فيها، فكأنكم لا تعبدون إلا الأسماء المجردة، والمعنى أنكم سميتم ما لم يدل على استحقاقه الألوهية عقل ولا نقل آلهة، ثم أخذتم تعبدونها باعتبار ما تطلقون عليها.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ أي ما القضاء في أمر العبادة إلا لله وحده؛ لأنه المستحق لها بالذات، من حيث إنه الواجب لذاته، الموجد للكل، المالك لأمره. ﴿أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ أمر على لسان الأنبياء ألا تعبدوا إلا الذي دلت عليه الحجج. ﴿ذلِكَ﴾ التوحيد ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ المستقيم الحق، وأنتم لا تميزون المعوج من القويم. وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة، فإنه ﵇ بين لهم:
أولا-رجحان التوحيد على تعدد الآلهة.
وثانيا-برهن على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها لا تستحق الألوهية، فإن استحقاق العبادة إما بالذات وإما بالغير، وكلا القسمين منتف عن تلك الآلهة.
وثالثا-نص على ما هو الحق القويم والدين المستقيم الذي لا يقتضي العقل غيره ولا يرتضي العلم دود.
﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾ وهم الكفار ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ فيخبطون في جهالاتهم، ولا يدرون ما يصيرون إليه من العذاب، فهم يشركون.
المناسبة:
بعد أن اتخذ العزيز وأهل مشورته قرارهم بحبس يوسف، بالرغم من اقتناعهم بعفته ونزاهته وبراءته، ذكر الله تعالى هنا تنفيذهم ذلك القرار الذي عزموا عليه، من إدخاله السجن، وأنهم لما أرادوا حبسه حبسوه وحبسوا معه اثنين من عبيد الملك، وأن الله لطف بهم إذ علّمه تعبير الرؤيا، وكان ذلك طريقا لإنقاذه من السجن.
стр. 3804
التفسير والبيان:
لما أرادوا حبس يوسف حبسوه، وحبسوا معه غلامين من عبيد الملك، أحدهما: ساقيه، والآخر: خبازه؛ لأنه رفع إليه أنهما تمالا على سمه في طعامه وشرابه، وليس ذلك مصادفة، ولكن تقدير العزيز العليم، وكان يوسف مشهورا في السجن بصدق الحديث وتعبير الرؤيا.
فرأيا رؤيا، فقال الساقي: إني رأيت في المنام أني أعصر عنبا يصير بعدئذ خمرا، وقال الخباز: إني رأيت أني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، فقالا ليوسف: أخبرنا بتأويل وتفسير ما رأينا، فهل سيحدث حقا أو هو مجرد أضغاث أحلام؟ ﴿إِنّا نَراكَ.﴾. إنا نعلم أنك من الذين يحسنون تأويل الرؤيا، أي من المحسنين في علم التعبير؛ لأنه متى عبّر لم يخطئ، كما قال: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ أو من المحسنين الذين يريدون الخير والإحسان للناس.
فانتهز يوسف هذه الفرصة، وهي ثقة هذين الرجلين به وبعلمه وإخلاصه، فاندفع يدعوهما ومن معهما في السجن إلى توحيد الله الخالص، وترك الأوثان، فكان دخوله السجن لحكمة.
ومهد لدعوته بما يدل على المعجزة على صدقه، فقال لهما: لا يأتيكما طعام في يومكما إلا أخبرتكما به قبل وصوله إليكما.
وهذا من تعليم الله إياي بوحي منه وإلهام، لا بكهانة ولا عرافة ونحوهما من علوم البشر. وهذا يدل على أن يوسف أوحي إليه، وهو في السجن ليدعو الضعفاء والفقراء والمظلومين والمذنبين، فهم أقرب إلى التصديق بدعوته من غيرهم.
وسبب الوحي أني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر وهم الكنعانيون وغيرهم من أهالي فلسطين، والمصريين الذين كانوا يعبدون آلهة متعددة كالشمس
стр. 3805
(رع) والعجل (أبيس) والفراعنة (حكام مصر) فهؤلاء لا يرجون ثوابا ولا عقابا في المعاد، وهم كافرون بالآخرة والحساب والجزاء على الوجه الصحيح الذي دعا إليه الأنبياء، كالاعتقاد بأن الفراعنة يعودون إلى الآخرة بأجسامهم المحنطة، ويكون لهم فيها الحكم والسلطان، كما كانوا في الدنيا. وتكرير لفظ ﴿هُمْ﴾ للتأكيد وبيان اختصاصهم بالكفر، ولمبالغتهم في إنكار المعاد.
وقد هجرت طريق الكفر والشرك، وتركت ملة الكافرين الذين لا يصدقون بالله ولا يقرون بوحدانيته، وأنه خالق السموات والأرض، واتبعت ملة آبائي الأنبياء المرسلين: إبراهيم وإسحاق ويعقوب الذين يدعون إلى التوحيد الخالص. وتعبيره ﴿آبائِي﴾ مفيد أن الجد أب، وأنه من بيت النبوة، بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه لإخباره بالمغيبات، ليقوي رغبتهما في الاستماع إليه واتباع قوله.
وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع طريق المرسلين، وأعرض عن طريق الضالين، فإن الله يهدي قلبه، ويعلمه ما لم يكن يعلم، ويجعله إماما يقتدى به في الخير، وداعيا إلى سبيل الرشاد. وذلك ترغيب بالإيمان بالله وتوحيده.
ثم قرر منهج الأنبياء بصفة عامة، فقال: ما صح لنا وما ينبغي لنا معشر الأنبياء أن نشرك بالله، أي شيء كان، من ملك أو جني أو إنسي، فضلا عن أن شرك به صنما أو وثنا لا يسمع ولا يبصر.
ذلك التوحيد، وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو من فضل الله علينا، إذ هدانا إلى الإقرار بوجوده وتوحيده في ربوبيته وألوهيته، وعلى الناس بإرسالنا إليهم، ننبههم إلى الصواب ونرشدهم إليه، ونبعدهم عن طريق الضلال، فهو فضل إلهي على الرسل وعلى المرسل إليهم.
стр. 3806
ولكن أكثر الناس المبعوث إليهم لا يشكرون فضل الله، فيشركون ولا يتنبهون، ولا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ [إبراهيم ٢٨/ ١٤].
وبعد أن أبطل يوسف ﵇ عبادة الشرك والمشركين، وأثبت النبوة، دعا إلى التوحيد الخالص القائم على الاعتراف بإله واحد ورب واحد، لا بآلهة متعددة، وهكذا مبدأ الأنبياء يهدمون عبادة الوثنية أولا، ثم يقيمون الأدلة العقلية على وجود الله ووحدانيته، فقال: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ.﴾ ..
أي يا صاحبيّ في السجن، هل تعدد الآلهة وتشتت الأرباب المتفرقين في الذوات والصفات التي تدعو إلى النزاع والتصادم وفساد الكون خير لكما ولغيركما في طلب النفع ودفع الضر والإعانة في عالم الغيب، أو الله الواحد الأحد الذي لا يحتاج لغيره ولا ينازع في تصرفه وتدبيره، القهار بقدرته وإرادته، الذي ذل كل شيء لجلاله وعظمته؟! ثم بين حقيقة آلهتهم فقال: ﴿ما تَعْبُدُونَ..﴾. أي إن تلك الآلهة التي تعبدونها وتسمونها آلهة إنما هي أسماء مجردة لمسميات وضعوها من تلقاء أنفسهم، ليس لها مقومات، ولا مستند من عند الله، وما أنزل الله بتسميتها أربابا حجة ولا برهانا، حتى تصح عبادتها ويطيعها الناس، إنها تسمية لا دليل عليها من عقل ولا نقل سماوي.
ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة ألا يعبدوا إلا إياه، وهذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له هو الدين المستقيم الذي أمر الله به، وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه.
ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك هو الدين الحق الذي لا عوج فيه، فلهذا كان أكثرهم مشركين، كما قال تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢].
стр. 3807
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - قدّر الله تعالى مع سجن يوسف سجن اثنين آخرين من عبيد الملك، كانا سبب الإفراج عنه من السجن في المستقبل.
٢ - إن تعبير الأحلام يحتاج لعلم وصلاح وتقوى وإحسان، وإن الرؤيا قد تكون حقا،
قال ﷺ فيما رواه أحمد والشيخان عن أنس: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة».
٣ - كان يوسف بشهادة السجناء من زمرة المحسنين، وإحسانه: أنه كان يعود المرضى ويداويهم، ويعزّي الحزانى. وأنه كان من العالمين الذين أحسنوا العلم، فقولهم فيه يعني أنه عالم يؤثر الإحسان، ويأتي بمكارم الأخلاق، وجميع الأفعال الحميدة.
٤ - أعلن يوسف للسائلين اللذين سألاه عن تفسير رؤيا في المنام: أنه كان يخبرهما عن نوع الطعام وصفاته الذي يأتيهما من جهة الملك أو غيره، قبل الإتيان به، بوحي من الله ، لا تكهّنا وتنجيما، وهو إخبار بالغيب دال على نبوته، ومعجزة مثبتة لرسالته.
٥ - النبي المكلف بالدعوة ينتهز كل الفرص المناسبة للقيام بواجبه، وهذا ما فعله يوسف ﵇، فإنه دعا إلى محاربة الشرك والوثنية، وإبطال عبادة المشركين، وإلى توحيد الله تعالى، متبعا ملة أجداده وآبائه الأنبياء:
إبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أنبياء على الحق، وفائدة ذكر هؤلاء الأنبياء أنه ﵇ لما ادعى النبوة وتحدى بالمعجزة وهو علم الغيب، قرن به كونه من أهل بيت النبوة.
стр. 3808
وليس من شأن الأنبياء الإشراك بالله أيا كان نوع الشرك.
وهذا من فضل الله على الرسول مما يشير إلى عصمته من الزنى، والمرسل إليهم هم المؤمنون الذين عصمهم الله من الشرك. وقوله ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ رد على كل أصناف الشرك كعبادة الأصنام، وعبادة النار، وعبادة الكواكب، وعبادة الطبيعة، وإرشاد إلى الدين الحق، وهو أنه لا موجد إلا الله، ولا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله.
ولكن أكثر الناس لا يشكرون على نعمة الإيمان والتوحيد. وقوله ﴿مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ يدل على أن عدم الإشراك وحصول الإيمان من الله تعالى.
٦ - نفى يوسف بالدليل العقلي والنقلي تعدد الآلهة، وأثبت صحة القول بوحدانية الإله وربوبيته.
٧ - إن الآلهة المزعومة من الأصنام والأوثان وغيرها أسماء مخترعة من عند الناس أنفسهم، ليس لها من الألوهية شيء إلا الاسم؛ لأنها جمادات، وأما مسمياتها فليست لها حقيقة موضوعية، ويرفضها العقل والنقل.
٨ - لا حكم إلا لله، لأنه خالق الكل، فهو المستحق العبادة وحده لا شريك له، لذا أمر ألا يعبد سواه.
٩ - الدعوة إلى توحيد الإله هو الدين المستقيم أو القويم الذي لا عوج فيه، ولكن أكثر الناس لا يدرون حقيقة الدين الصحيح.
١٠ - أورد الرازي خمس حجج على بطلان تعدد الآلهة وهي بإيجاز وتصرف ما يأتي (١):
стр. 3809
الأولى-أن كثرة الآلهة توجب الخلل والفساد في هذا العالم، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء ٢٢/ ٢١] فكثرة الآلهة توجب الفساد والخلل والتنازع والصراع، أما توحيد الإله فيقتضي حصول النظام وحسن الترتيب.
الثانية-أن هذه الأصنام ونحوها من البشر والكواكب معمولة لا عاملة ومقهورة لا قاهرة.
الثالثة-أن كونه تعالى واحدا يوجب عبادته؛ لأنه لو كان له ثان، لم نعلم من الذي خلقنا ورزقنا ودفع الشرور والآفات عنا، فيقع الشك في أنا نعبد هذا أم ذاك. وهذا دليل على فساد القول بعبادة الأوثان؛ لأنها على فرض كونها نافعة ضارة لا نعلم حصول النفع ودفع الضرر من هذا الصنم، أو من ذاك، أو بالتعاون والاشتراك، فلا يعرف المستحق للعبادة، هو هذا أم ذاك.
الرابعة-لو فرض أن هذه الأصنام تنفع وتضر، على ما يزعم أصحاب الطلاسم، فإن ذلك في وقت مخصوص وواقعة مخصوصة، والإله تعالى قادر على جميع المقدورات في كل الأوقات، فكان الاشتغال بعبادته أولى.
الخامسة-إن اتصاف الإله بصفة ﴿الْقَهّارُ﴾ يقتضي ألا يقهره أحد سواه، وأن يكون هو قهارا لكل ما سواه، وهذا يقتضي أن يكون الإله واجب الوجود لذاته؛ إذ لو كان ممكنا لكان مقهورا لا قاهرا، ويجب أن يكون واحدا لا متعددا، إذ لو تعدد لما كان قاهرا لكل ما سواه، فالإله لا يكون قهارا إلا إذا كان واجبا لذاته وكان واحدا، وهذا لا ينطبق على الأفلاك والكواكب والنور والظلمة والطبيعة ونحوها من الآلهة المزعومة.
١١ - يستحسن للعالم إذا استفتاه أحد الجهال والفساق أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولا، ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجب عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه بعد ذلك.
стр. 3810
١٢ - إذا جهلت منزلة العالم فوصف نفسه بما هو ملائم المسألة، وكان غرضه أن يقتبس منه وينتفع به في الدين، لم يكن ذلك من باب تزكية النفس المنهي عنها (١): ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم ٣٢/ ٥٣].
الفصل السابع من قصة يوسف
- ١ -
تأويل يوسف رؤيا صاحبيه في السجن ووصيته للناجي منهما
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾
المفردات اللغوية:
﴿أَمّا أَحَدُكُما﴾ أي الساقي فيخرج بعد ثلاث ﴿رَبَّهُ﴾ سيده ﴿خَمْراً﴾ يسقيه خمرا على عادته ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ الخباز، فيخرج بعد ثلاث، فيصلب، فقالا: كذبنا وما رأينا شيئا، فقال:
﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أي قطع الأمر الذي سألتما عنه، صدقتما أم كذبتما. والاستفتاء:
طلب الفتوى عن السؤال المشكل، والفتوى: جواب السؤال.
﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ أيقن ﴿أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا﴾ وهو الساقي ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ سيدك، فقل له: إن في السجن غلاما محبوسا ظلما ﴿فَأَنْساهُ﴾ أي الساقي ﴿ذِكْرَ﴾ يوسف ﴿فَلَبِثَ﴾ مكث يوسف ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ البضع: من الثلاث إلى التسع، قيل: إنه مكث سبعا في السجن.
стр. 3811
المناسبة:
بعد أن قرر يوسف ﵇ مسألة التوحيد وعبادة الله والنبوة، عاد إلى الإجابة عن السؤال، وتعبير الرؤيا.
التفسير والبيان:
قال يوسف: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما﴾ وهو الساقي الذي رأى أنه يعصر خمرا-ولكنه لم يعينه في خطابه لئلا يحزن-فيسقي سيده خمرا كما كان في عادته. وقوله: ﴿رَبِّهِ﴾ لم يقصد ربوبية العبودية، فإن ملك مصر في زمن يوسف لم يدّع الألوهية كفرعون مصر أيام موسى ﵇. روي أن يوسف قال له: ما أحسن ما رأيت، أما حسن العنبة فهو حسن حالك، وأما الأغصان:
فثلاثة أيام، يوجه إليك الملك عند انقضائهن، فيردك إلى عملك، فتصير كما كنت، بل أحسن (١). وهذا دليل على أنه كان بريئا من تهمة المشاركة في تسميم الملك.
وأما الآخر: وهو الخباز الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه: فيصلب، فتأكل الطيور الجوارح كالنسر والعقاب والصقر والحدأة والرخمة من رأسه. روي أن يوسف قال له: بئسما رأيت، السلال الثلاث ثلاثة أيام، يوجه إليك الملك عند انقضائهن، فيصلبك، وتأكل الطير من رأسك، وهذا يدل على أن الخباز هو الذي اتهم بتسميم الملك وثبتت عليه التهمة. لكن تفاصيل هذه الرواية والتي قبلها تعارض ظاهر الآية.
ثم نقل في التفسير: أنهما قالا: ما رأينا شيئا فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أي لا تناقشا فإن الأمر قد نفذ، وسبق الحكم الذي تسألان عنه.
والاستفتاء لغة: السؤال عن المشكل، والفتوى: جوابه.
стр. 3812
وهذا صحيح؛ لأن يوسف أعلم الصاحبين أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رجل طائر، ما لم تعبّر، فإذا عبرت وقعت.
روى الإمام أحمد عن معاوية بن حيدة عن النبي ﷺ قال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت».
وجواب يوسف ليس مجرد تعبير رؤيا مبني على الظن والحسبان، وإنما اعتمد على الوحي من الله تعالى، والوحي يفيد القطع واليقين، لا الظن والتخمين.
ثم أخبر يوسف ﵇ خفية لمن ظن أي تيقن أنه ناج وهو الساقي، دون علم الآخر، لئلا يشعره أنه المصلوب، وقال له: اذكر قصتي عند سيدك وهو الملك، لعله يخرجني من السجن بعد أن علم براءتي، وهذا من قبيل الأخذ بالأسباب الظاهرية المطلوبة عادة وشرعا، للنجاة والإنقاذ.
فأنسى الشيطان ذلك الناجي تذكير الملك بقصة يوسف، وكان النسيان من جملة مكايد الشيطان، لئلا يخرج نبي الله يوسف من السجن، فيدعو إلى توحيد الله وعبادته، ومقاومة الشرك، ومطاردة وساوس الشيطان.
فلبث يوسف في السجن منسيا مظلوما بضع سنين أي من الثلاث إلى التسع، قيل: إنه مكث سبعا، قال وهب بن منبّه: مكث أيوب في البلاء سبعا، ويوسف في السجن سبعا، وعذب بختنصّر سبعا. وقال مقاتل: مكث يوسف في السجن خمسا وبضعا.
وقال ابن عباس: ثنتا عشرة سنة، وقال الضحاك: أربع عشرة سنة.
والرأي الأول أصح؛ لأنه داخل في معنى البضع.
ومن المعلوم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة، إلا أن
стр. 3813
الأولى بالصدّيقين ألا يلجأوا إلا إلى الله في رفع الأسباب، فهو مسبب الأسباب ورافعها.
روي أن جبريل جاء إلى يوسف، وهو في السجن، معاتبا له إذ استغاث بالآدميين، فقال له: يا يوسف من خلصك من القتل من أيدي إخوتك؟! قال: الله تعالى، قال: فمن أخرجك من الجبّ؟ قال: الله تعالى، قال: فمن عصمك من الفاحشة؟ قال: الله تعالى، قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف تركت ربك، فلم تسأله، ووثقت بمخلوق؟! قال: يا ربّ، كلمة زلّت مني، أسألك يا إله إبراهيم وآله والشيخ يعقوب ﵈ أن ترحمني؛ فقال له جبريل: فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيتان إلى ما يلي:
١ - إن تعبير الرؤيا يعتمد على العلم والصلاح والتقوى، فلا يفيد ذلك من العالم إلا الظن، وأما يوسف ﵇ فكان تعبيره الرؤيا مقترنا بالوحي من ربه، فيفيد اليقين.
٢ - من كذب في رؤياه، ففسرها العابر له أيلزمه حكمها؟ قال: العلماء:
لا يلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف؛ لأنه نبي، وتعبير النبي حكم، فأوجد الله تعالى ما أخبر به الرائي كما قال، تحقيقا لنبوته.
٣ - الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة في الشريعة، لا إنكار عليه،
стр. 3814
لكن الأمر بالنسبة ليوسف الصدّيق كان خلاف الأولى؛ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
٤ - كان من جملة مكايد الشيطان إنساء الناجي من السجن تذكير مولاه الملك بقصة يوسف ﵇، لئلا يطلع من السجن.
٥ - لبث يوسف في السجن بضع سنين، وهي إما خمس سنين، وإما سبع سنين، كما روي عن بعض المفسرين. وعلى أي حال فهي مدة طويلة، صبر فيها يوسف على مراد الله، وآثر السجن على الوقوع في معصية الزنى.
- ٢ -
تأويل يوسف رؤيا الملك
﴿وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾
стр. 3815
الإعراب:
﴿لِلرُّءْيا﴾ اللام زائدة للبيان أو لتقوية العامل، كما في آية: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف ١٥٤/ ٧] لأنها تزاد في المفعول به إذا تقدم على الفعل، وقد جاء أيضا زيادتها معه، وليس بمتقدم، مثل قوله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل ٧٢/ ٢٧] لكن زيادتها مع التقديم أحسن. ﴿دَأَباً﴾ منصوب على المصدر، وقرئ بسكون الهمزة وفتحها.
البلاغة:
﴿إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ استعمل صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية بين كل من ﴿سِمانٍ.﴾.
و ﴿عِجافٌ﴾ و ﴿خُضْرٍ.﴾. و ﴿يابِساتٍ﴾ طباق.
﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ شبه اختلاط الأحلام المشتملة على المحبوب والمكروه، والسّار والمحزن باختلاط الحشيش المجموع من أصناف متنوعة.
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ براعة استهلال تتضمن الاستعطاف بالثناء للوصول إلى الجواب.
﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ مجاز عقلي من قبيل الإسناد إلى الزمان والمراد به الناس؛ لأن السنين لا تأكل، وإنما يأكل الناس ما ادخروه فيها.
لمفردات اللغوية:
﴿وَقالَ الْمَلِكُ﴾ ملك مصر وهو الريان بن الوليد ﴿إِنِّي أَرى﴾ أي رأيت ﴿سِمانٍ﴾ جمع سمينة ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾ يبتلعهن ﴿عِجافٌ﴾ سبع من البقر هزيلة ضعيفة، جمع عجفاء ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾ جمع سنبلة وهي التي تحمل الحب الذي انعقد، واليابسات: ما آن حصاده ﴿الْمَلَأُ﴾ أشراف القوم ﴿تَعْبُرُونَ﴾ تفسرون ببيان المعنى المراد ﴿أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ﴾ بينوا لي تعبيرها، وهو الانتقال من الصور الخيالية إلى الواقع الحسي المشاهد.
﴿أَضْغاثُ﴾ أخلاط، واحدها ضغث: وهو حزمة النبات أو مجموعة الحشيش فاستعير للرؤيا الكاذبة ﴿أَحْلامٍ﴾ جمع حلم بضم اللام وتسكينها: ما يرى في النوم، وهو قد يكون واضح المعنى كأفكار اليقظة، وقد يكون غامضا مضطربا يشبه مجموعة الحزم والحشائش التي لا تناسب بينها. وإنما جمعوا الأحلام للمبالغة في وصف الحلم بالبطلان والكذب والزيف ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ يريدون بالأحلام المنامات الباطلة خاصة، أي ليس لها تأويل عندنا، وإنما التأويل للمنامات الصادقة، وهو مقدمة ثانية للاعتذار بالجهل بتأويله.
стр. 3816
﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما﴾ أي من الفتيين وهو الساقي ﴿وَادَّكَرَ﴾ أي تذكر يوسف، وفيه أبدل التاء في الأصل دالا، ثم أدغم في الدال أصله «اذتكر» ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي تذكر يوسف بعد طائفة من الزمن مجتمعة أي مدة. ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ إلى من عنده علم أو إلى السجن، فأتى يوسف.
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ أي يا يوسف الكثير الصدق أو المبالغ في الصدق؛ لأنه جرب أحواله، وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه ﴿إِلَى النّاسِ﴾ أي إلى الملك وأصحابه أو إلى أهل البلد؛ إذ قيل: إن السجن لم يكن فيه ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تأويلها أو فضلك ومكانك، وإنما لم يبت الكلام فيهما؛ لأنه لم يكن جازما من الرجوع.
﴿تَزْرَعُونَ﴾ ازرعوا ﴿دَأَباً﴾ متتابعة، على عادتكم المستمرة، وهي تأويل السبع السمان ﴿فَذَرُوهُ﴾ اتركوه وادخروه ﴿فِي سُنْبُلِهِ﴾ لئلا يفسد أو يسوس ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ في تلك السنين، فادرسوه.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي بعد السبع المخصبات ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ مجدبات صعاب، وهي تأويل السبع العجاف ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن، فأسند إلى السنين على المجاز تطبيقا بين المعبر والمعبر به ﴿مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ تحرزون وتدخرون للبذر ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي السبع المجدبات ﴿عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ بالمطر من الغوث والإغاثة من القحط ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ الأعناب وغيرها لخصوبته. وهذه بشارة، بعد أن أوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة، ولعله علم ذلك بالوحي، أو بما جرت به السنة الإلهية على أن يوسع على عباده، بعد ما ضيق عليهم.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى تأويل يوسف رؤيا صاحبيه في السجن، ذكر تأويل رؤيا ملك مصر الذي كان من ملوك العرب المعروفين بالرعاة (الهكسوس) بعد أن أعلن الكهنة والعلماء وأهل الرأي عجزهم عن تأويلها، وقالوا: أضغاث أحلام، فكان هذا سببا في اتصال يوسف بالملك.
التفسير والبيان:
هذه رؤيا ملك مصر التي قدر الله أن تكون سببا لخروج يوسف ﵇ من السجن معززا مكرما، والقصة أن الملك هالته هذه الرؤيا وتعجب من
стр. 3817
أمرها، وكيفية تفسيرها، فجمع الكهنة وكبار رجال دولته وأمراءه، فقص عليهم ما رأى، وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا عن تأويلها بأنها ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي أخلاط أحلام.
والمعنى: وقال ملك مصر: إني رأيت في منامي رؤيا أدهشتني، وهي أن سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس، أكلتهن سبع بقرات عجاف هزيلات، وسبع سنبلات خضر انعقد حبها، غلبتها سبع أخر يابسات آن حصادها، فالتوت عليها.
فقال للملأ من قومه وهم الكهنة والعلماء: عبّروا على هذه الرؤيا، إن كنتم تعلمون تعبير الرؤيا، وبيان معناها الخيالي، وترجمتها إلى الواقع الحقيقي.
فقالوا: هذه أحلام مختلطة من خواطر وخيالات تتراءى للنائم في دماغه، ولا معنى لها، وتنشأ من اضطراب الهضم، وتلبّك المعدة، وتعب النفس أحيانا، ولسنا عالمين بتأويل أمثالها، فلو كانت رؤيا صحيحة، لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها.
وحينئذ تذكر الذي نجا من الموت من صاحبي يوسف في السجن، وهو الساقي، وكان الشيطان قد أنساه ما أوصاه به يوسف، من عرض أمره للملك، وكان تذكره بعد مدة من الزمان أي بعد نسيان، فقال للملك والملأ الذين جمعهم حوله: أنا أخبركم بتأويل هذا المنام، فابعثوني (وهو خطاب للملك والجمع، أو للملك وحده على سبيل التعظيم) إلى يوسف الصديق الموجود حاليا في السجن.
فبعثوه فجاء فقال: يا يوسف، أيها الرجل كثير الصدق في أقوالك وأفعالك وتأويل الأحاديث وتعبير الأحلام، أفتنا في منام رآه الملك، لعل الله يجعل لك فرجا ومخرجا بسبب تأويلك رؤياه.
فذكر له يوسف النبي ﵇ تعبيره من غير لوم وعتاب على نسيانه
стр. 3818
ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، فقال: مبينا لهم خطة أربع عشرة سنة: إنه يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات.
ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تكون سببا للثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر.
ثم أرشدهم إلى ما يفعلون في سني الخصب، فقال: مهما جنيتم في هذه السبع السنين الخصب من الغلال والزروع، فادخروه في سنبله، لئلا يأكله السوس، إلا المقدار القليل الذي تأكلونه، فادرسوه، ولا تسرفوا فيه لتنتفعوا بالباقي في السبع الشداد الصعاب، وهن السبع السنين الجدب التي تعقب هذه السنوات السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف، اللاتي تأكل السمان؛ لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات، ففي سني القحط لا تنبت الأرض شيئا، وما بذروه لا يرجع منه شيء، لهذا قال:
﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلاً.﴾. أي إن أهلها يأكلون كل ما ادخرتم في تلك السنين السابقة لأجل السنين الجدباء، إلا قليلا مما تحزنون وتحرزون وتدخرون لبذور الزراعة. ويلاحظ أنه نسب الأكل للسنين وأراد به أهلها.
والخلاصة: تأول يوسف ﵇ البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين محصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة.
ثم بشرهم بمجيء عام يغاث فيه الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس فيه ما كانوا يعصرون عادة من زيت الزيتون وسكر القصب وشراب التمر والعنب ونحوها.
وهذا الإخبار بمغيبات المستقبل من وحي الله وإلهامه، لا مجرد تعبير للرؤيا، فهو بشارة في العام الخامس عشر بعد تأويل الرؤيا بمجيء عام مبارك خصيب، كثير الخير، غزير النعم، وهو إخبار من جهة الوحي.
стр. 3819
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات تعبير رؤيا الملك الذي كان سببا في خروج يوسف من السجن، وقد دلت على الآتي:
١ - لما دنا فرج يوسف ﵇ رأى الملك الأكبر: الرّيان بن الوليد رؤياه، فعرضها على الكهنة والعلماء، فاعتذروا عن تأويلها، وكان عجزهم عن التعبير سببا في إحالة الأمر إلى يوسف.
٢ - كانت رؤيا الملك في آخر الأمر بشرى ورحمة ليوسف.
٣ - الرؤيا نوعان: منها حق، ومنها أضغاث أحلام وهي الكاذبة، كما قال ابن عباس.
٤ - في الآية دليل على بطلان قول من يقول: إن الرؤيا على أوّل ما تعبر؛ لأن القوم قالوا: ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ ولم تقع كذلك؛ فإن يوسف فسّرها على سنّي الجدب والخصب، فكان كما عبّر، وأما حديث أبي يعلى عن أنس مرفوعا:
«الرؤيا لأول عابر» فيظهر أنه ضعيف.
وفيها دليل أيضا على فساد أن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت.
وأما الحديث المتقدم الذي رواه الإمام أحمد بهذا اللفظ والمعنى فلم تثبت صحته.
٥ - إن تذكر الخير والإقدام على فعله بعد نسيان، كما حدث للناجي الذي نسي ذكر أمر يوسف للملك، مردّه إلى القضاء والقدر والتوفيق الإلهي.
٦ - كان ذهاب ساقي الملك إلى يوسف في سجنه سببا في معرفة مكانه في الفضل والعلم، فخرج من السجن، كما كان تأويل الرؤيا سببا في إنقاذ أهل مصر من المجاعة مدة سبع سنوات، وهكذا فإن الأنبياء والرسل ﵈ رحمة
стр. 3820
للناس جميعا، سواء في تصحيح العقيدة وتقويم الأخلاق، وتصحيح السلوك، أو في الحياة المعيشية والاقتصادية.
وقد استفيد من فعل يوسف سلامة الخطة ونجاح سياسة التخطيط، وتعليم الناس كيفية حفظ الحبوب من التسوس، وهو إرشاد زراعي رفيع المستوى.
٧ - قال القرطبي: آية ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ.﴾. أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال؛ فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور فهو مصلحة، وكل ما يفوت شيئا منها فهو مفسدة، ودفعه مصلحة؛ ولا خلاف في أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية؛ ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية، ومراعاة ذلك فضل من الله ، ورحمة رحم بها عباده، من غير وجوب عليه، ولا استحقاق (١).
٨ - كان إخبار يوسف ﵇ عن عام الإنقاذ والخصب بعد أربع عشرة سنة وحيا من الله وإلهاما له، وتلك معجزة تدل على صدق نبوته.
٩ - دل قوله تعالى: ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ أي مما تحبسون أو تدخرون لتزرعوا، على أن في استبقاء البذر تحصين الأقوات. وهو يدل أيضا على جواز احتكار الطعام إلى وقت الحاجة.
١٠ - قال القرطبي أيضا: هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تخرّج على حسب ما رأى، لا سيما إذا تعلقت بمؤمن؛ فكيف إذا كانت آية لنبي، ومعجزة لرسول، وتصديقا لمصطفى للتبليغ، وحجة للواسطة بين الله ﷻ وبين عباده (٢).