﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما﴾ أي من الفتيين وهو الساقي ﴿وَادَّكَرَ﴾ أي تذكر يوسف، وفيه أبدل التاء في الأصل دالا، ثم أدغم في الدال أصله «اذتكر» ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي تذكر يوسف بعد طائفة من الزمن مجتمعة أي مدة. ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ إلى من عنده علم أو إلى السجن، فأتى يوسف.
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ أي يا يوسف الكثير الصدق أو المبالغ في الصدق؛ لأنه جرب أحواله، وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه ﴿إِلَى النّاسِ﴾ أي إلى الملك وأصحابه أو إلى أهل البلد؛ إذ قيل: إن السجن لم يكن فيه ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تأويلها أو فضلك ومكانك، وإنما لم يبت الكلام فيهما؛ لأنه لم يكن جازما من الرجوع.
﴿تَزْرَعُونَ﴾ ازرعوا ﴿دَأَباً﴾ متتابعة، على عادتكم المستمرة، وهي تأويل السبع السمان ﴿فَذَرُوهُ﴾ اتركوه وادخروه ﴿فِي سُنْبُلِهِ﴾ لئلا يفسد أو يسوس ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ في تلك السنين، فادرسوه.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي بعد السبع المخصبات ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ مجدبات صعاب، وهي تأويل السبع العجاف ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن، فأسند إلى السنين على المجاز تطبيقا بين المعبر والمعبر به ﴿مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ تحرزون وتدخرون للبذر ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي السبع المجدبات ﴿عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ بالمطر من الغوث والإغاثة من القحط ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ الأعناب وغيرها لخصوبته. وهذه بشارة، بعد أن أوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة، ولعله علم ذلك بالوحي، أو بما جرت به السنة الإلهية على أن يوسع على عباده، بعد ما ضيق عليهم.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى تأويل يوسف رؤيا صاحبيه في السجن، ذكر تأويل رؤيا ملك مصر الذي كان من ملوك العرب المعروفين بالرعاة (الهكسوس) بعد أن أعلن الكهنة والعلماء وأهل الرأي عجزهم عن تأويلها، وقالوا: أضغاث أحلام، فكان هذا سببا في اتصال يوسف بالملك.
التفسير والبيان:
هذه رؤيا ملك مصر التي قدر الله أن تكون سببا لخروج يوسف ﵇ من السجن معززا مكرما، والقصة أن الملك هالته هذه الرؤيا وتعجب من
стр. 3817
أمرها، وكيفية تفسيرها، فجمع الكهنة وكبار رجال دولته وأمراءه، فقص عليهم ما رأى، وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا عن تأويلها بأنها ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي أخلاط أحلام.
والمعنى: وقال ملك مصر: إني رأيت في منامي رؤيا أدهشتني، وهي أن سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس، أكلتهن سبع بقرات عجاف هزيلات، وسبع سنبلات خضر انعقد حبها، غلبتها سبع أخر يابسات آن حصادها، فالتوت عليها.
فقال للملأ من قومه وهم الكهنة والعلماء: عبّروا على هذه الرؤيا، إن كنتم تعلمون تعبير الرؤيا، وبيان معناها الخيالي، وترجمتها إلى الواقع الحقيقي.
فقالوا: هذه أحلام مختلطة من خواطر وخيالات تتراءى للنائم في دماغه، ولا معنى لها، وتنشأ من اضطراب الهضم، وتلبّك المعدة، وتعب النفس أحيانا، ولسنا عالمين بتأويل أمثالها، فلو كانت رؤيا صحيحة، لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها.
وحينئذ تذكر الذي نجا من الموت من صاحبي يوسف في السجن، وهو الساقي، وكان الشيطان قد أنساه ما أوصاه به يوسف، من عرض أمره للملك، وكان تذكره بعد مدة من الزمان أي بعد نسيان، فقال للملك والملأ الذين جمعهم حوله: أنا أخبركم بتأويل هذا المنام، فابعثوني (وهو خطاب للملك والجمع، أو للملك وحده على سبيل التعظيم) إلى يوسف الصديق الموجود حاليا في السجن.
فبعثوه فجاء فقال: يا يوسف، أيها الرجل كثير الصدق في أقوالك وأفعالك وتأويل الأحاديث وتعبير الأحلام، أفتنا في منام رآه الملك، لعل الله يجعل لك فرجا ومخرجا بسبب تأويلك رؤياه.
فذكر له يوسف النبي ﵇ تعبيره من غير لوم وعتاب على نسيانه
стр. 3818
ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، فقال: مبينا لهم خطة أربع عشرة سنة: إنه يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات.
ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تكون سببا للثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر.
ثم أرشدهم إلى ما يفعلون في سني الخصب، فقال: مهما جنيتم في هذه السبع السنين الخصب من الغلال والزروع، فادخروه في سنبله، لئلا يأكله السوس، إلا المقدار القليل الذي تأكلونه، فادرسوه، ولا تسرفوا فيه لتنتفعوا بالباقي في السبع الشداد الصعاب، وهن السبع السنين الجدب التي تعقب هذه السنوات السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف، اللاتي تأكل السمان؛ لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات، ففي سني القحط لا تنبت الأرض شيئا، وما بذروه لا يرجع منه شيء، لهذا قال:
﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلاً.﴾. أي إن أهلها يأكلون كل ما ادخرتم في تلك السنين السابقة لأجل السنين الجدباء، إلا قليلا مما تحزنون وتحرزون وتدخرون لبذور الزراعة. ويلاحظ أنه نسب الأكل للسنين وأراد به أهلها.
والخلاصة: تأول يوسف ﵇ البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين محصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة.
ثم بشرهم بمجيء عام يغاث فيه الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس فيه ما كانوا يعصرون عادة من زيت الزيتون وسكر القصب وشراب التمر والعنب ونحوها.
وهذا الإخبار بمغيبات المستقبل من وحي الله وإلهامه، لا مجرد تعبير للرؤيا، فهو بشارة في العام الخامس عشر بعد تأويل الرؤيا بمجيء عام مبارك خصيب، كثير الخير، غزير النعم، وهو إخبار من جهة الوحي.
стр. 3819
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات تعبير رؤيا الملك الذي كان سببا في خروج يوسف من السجن، وقد دلت على الآتي:
١ - لما دنا فرج يوسف ﵇ رأى الملك الأكبر: الرّيان بن الوليد رؤياه، فعرضها على الكهنة والعلماء، فاعتذروا عن تأويلها، وكان عجزهم عن التعبير سببا في إحالة الأمر إلى يوسف.
٢ - كانت رؤيا الملك في آخر الأمر بشرى ورحمة ليوسف.
٣ - الرؤيا نوعان: منها حق، ومنها أضغاث أحلام وهي الكاذبة، كما قال ابن عباس.
٤ - في الآية دليل على بطلان قول من يقول: إن الرؤيا على أوّل ما تعبر؛ لأن القوم قالوا: ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ ولم تقع كذلك؛ فإن يوسف فسّرها على سنّي الجدب والخصب، فكان كما عبّر، وأما حديث أبي يعلى عن أنس مرفوعا:
«الرؤيا لأول عابر» فيظهر أنه ضعيف.
وفيها دليل أيضا على فساد أن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت.
وأما الحديث المتقدم الذي رواه الإمام أحمد بهذا اللفظ والمعنى فلم تثبت صحته.
٥ - إن تذكر الخير والإقدام على فعله بعد نسيان، كما حدث للناجي الذي نسي ذكر أمر يوسف للملك، مردّه إلى القضاء والقدر والتوفيق الإلهي.
٦ - كان ذهاب ساقي الملك إلى يوسف في سجنه سببا في معرفة مكانه في الفضل والعلم، فخرج من السجن، كما كان تأويل الرؤيا سببا في إنقاذ أهل مصر من المجاعة مدة سبع سنوات، وهكذا فإن الأنبياء والرسل ﵈ رحمة
стр. 3820
للناس جميعا، سواء في تصحيح العقيدة وتقويم الأخلاق، وتصحيح السلوك، أو في الحياة المعيشية والاقتصادية.
وقد استفيد من فعل يوسف سلامة الخطة ونجاح سياسة التخطيط، وتعليم الناس كيفية حفظ الحبوب من التسوس، وهو إرشاد زراعي رفيع المستوى.
٧ - قال القرطبي: آية ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ.﴾. أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال؛ فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور فهو مصلحة، وكل ما يفوت شيئا منها فهو مفسدة، ودفعه مصلحة؛ ولا خلاف في أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية؛ ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية، ومراعاة ذلك فضل من الله ، ورحمة رحم بها عباده، من غير وجوب عليه، ولا استحقاق (١).
٨ - كان إخبار يوسف ﵇ عن عام الإنقاذ والخصب بعد أربع عشرة سنة وحيا من الله وإلهاما له، وتلك معجزة تدل على صدق نبوته.
٩ - دل قوله تعالى: ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ أي مما تحبسون أو تدخرون لتزرعوا، على أن في استبقاء البذر تحصين الأقوات. وهو يدل أيضا على جواز احتكار الطعام إلى وقت الحاجة.
١٠ - قال القرطبي أيضا: هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تخرّج على حسب ما رأى، لا سيما إذا تعلقت بمؤمن؛ فكيف إذا كانت آية لنبي، ومعجزة لرسول، وتصديقا لمصطفى للتبليغ، وحجة للواسطة بين الله ﷻ وبين عباده (٢).
стр. 3821
١١ - لم يكن لإخبار يوسف ﵇ عن عام الغوث إشارة في رؤيا الملك، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله، وفيه تطمين لأهل مصر بشيوع الرخاء الاقتصادي، والرفاه المعيشي، واستقرار أحوال الناس بحسب عاداتهم القديمة بعصر الأعناب، واستخراج الأدهان، وحلب الألبان لكثرتها، وكثرة النبات، وذلك دليل على رحمة الإنسان والحيوان، وهو فضل من الله وإحسان.
الفصل الثامن من قصة يوسف
- ١ -
طلب الملك رؤية يوسف والأمر بإخراجه من السجن
وامتناعه من الخروج حتى تثبت براءته
﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢)﴾
الإعراب:
﴿لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من الفاعل أو المفعول، أي لم أخنه وأنا غائب عنه، أو وهو غائب عني، أو ظرف مكان أي بمكان الغيب.
стр. 3822
المفردات اللغوية:
﴿وَقالَ الْمَلِكُ﴾ بعد ما جاءه الرسول بتعبير الرؤيا وأخبره بتأويلها ﴿اِئْتُونِي بِهِ﴾ أي بالذي عبرها ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾ أي لما جاء الرسول إلى يوسف وطلبه للخروج ﴿قالَ﴾ قاصدا إظهار براءته ﴿فَسْئَلْهُ﴾ اطلب منه أن يسأل ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ.﴾. أي ما حال النسوة الذي يشغل البال ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ سيدي ﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ حين قلن لي: أطع مولاتك، وفيه تعظيم كيدهن والاستشهاد بعلم الله عليه، وعلى أنه بريء مما قذف به، والوعيد لهن على كيدهن، فرجع فأخبر الملك فجمعهن. وإنما تريث يوسف في الخروج، وقدم سؤال النسوة ليظهر براءته، ويعلن أنه سجن ظلما، وهذا يدل على أنه ينبغي على المرء أن يجتهد في نفي التهم، ويتقي مواضعها. وإنما قال: ﴿فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ ولم يقل: فاسأله أن يفتش عن حالهن، إغراء له بالبحث وتحقيق الحال. وإنما لم يتعرض لسيدته مع ما صنعت به كرما ومراعاة للأدب.
﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ ما شأنكن وأمركن العظيم، والخطب: أمر يحق أن يخاطب به صاحبه ﴿إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ هل وجدتن منه ميلا إليكن ﴿حاشَ لِلّهِ﴾ تنزيه لله وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله ﴿مِنْ سُوءٍ﴾ ذنب ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ ظهر الحق وثبت واستقر ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ في قوله: هي راودتني عن نفسي.
فأخبر يوسف بذلك فقال: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ أي طلب البراءة والتثبيت ليعلم العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ لم أخنه في أهله بظهر الغيب أي وراء الأستار والأبواب المغلقة ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾ لا ينفذه ولا يسدده، أو لا يهدي الخائنين بكيدهم، فأوقع فعل ﴿يَهْدِي﴾ على الكيد مبالغة. وفيه تعريض بامرأة العزيز: زليخا أو راعيل في خيانتها زوجها وتوكيد لأمانته.
المناسبة:
بعد أن عاد الساقي إلى الملك يخبره بتعبير يوسف ﵇ للرؤيا، استحسنه، وطلب الملك رؤيته حتى يتحقق بنفسه صدق ما تشير إليه الرؤيا، إذ ليس الخبر كالعيان.
وهذا الطلب يدل على فضيلة العلم، وأن العلماء يستشارون في مهام الأمور، وأن العلم كان سببا لخلاص يوسف من المحنة الدنيوية، وهو أيضا سبب للخلاص من المحن الأخروية، لذا طلب يوسف التحقيق في التهمة المشهورة:
تهمة امرأة العزيز له.
стр. 3823
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى في هذه الآيات عن موقف الملك الذي استراح لتعبير يوسف رؤياه، فعرف فضل يوسف وعلمه، وسعة اطلاعه، واهتمامه بأهل بلده ورعاياه، وأدرك أن تفسير الرؤيا بما سمع كلام خطير يدل على رجاحة عقل يوسف وقوة ذكائه، فهو جدير بمقابلته شخصيا ليسمع منه الأمر.
﴿وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ أي أخرجوه من السجن، وأحضروه لي، كي أستمع إلى كلامه، وأتلمس مصداق الرؤيا بنفسي، فلما جاءه الرسول بذلك، امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن كان ظلما وعدوانا.
وقد مدح النبي ﷺ موقف يوسف ﵇، ونبه على فضله وشرفه، وعلو قدره وصبره،
ففي مسند أحمد والصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «.. ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، لأجبت الداعي».
﴿قالَ: اِرْجِعْ.﴾. قال يوسف ردا على طلب مثوله أمام الملك: ارجع إلى سيدك، فاسأله عن حال النسوة اللاتي جرحن أيديهن؛ إذ لا أحب أن آتيه وأنا متهم بمسألة سجنت من أجلها، واطلب من الملك أن يحقق في تلك القضية قبل أن آتيه، ليعرف حقيقة الأمر، إن ربي العالم بخفايا الأمور عليم بكيدهن وتدبيرهن وما دبرن لي من كيد.
فجمع الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز، فقال مخاطبا لهن كلهن، وهو يريد امرأة وزيره وهو العزيز: ما خطبكن أي ما شأنكن وخبركن حين راودتن يوسف عن نفسه يوم الضيافة، أو ما شأنكن الخطير حين دعوتن يوسف إلى ارتكاب الفاحشة؟!
стр. 3824
﴿قُلْنَ: حاشَ لِلّهِ.﴾. أجبن الملك: معاذ الله أن يكون يوسف أراد السوء، وهو تعبير أريد به تبرئته والتعّجب من نزاهته وعفّته، أي حاشا لله أن يكون يوسف متّهما، والله ما علمنا عليه سوءا في تاريخه الطويل.
وحينئذ قالت امرأة العزيز: الآن تبيّن الحقّ وظهر، أنا راودت يوسف عن نفسه، لا هو، فإنه استعصم وامتنع أيّما امتناع، وإنه لصادق في قوله: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وقد أرادت بذلك مكافأة يوسف على صون سمعتها، وإخفاء أمرها، وإعراضه عن شأنها. وهو اعتراف صريح من امرأة العزيز ببراءة يوسف من الذّنوب والعيوب.
ثم قالت: ذلك الاعتراف منّي بالحقّ، ليعلم يوسف في سجنه أنّي لم أخنه أثناء غيبته، أو أطعن في شرفه وطهارته وعفّته. ويجوز كما رأى الزّمخشري أن يكون ذلك الكلام كلام يوسف ﵇ وهو متّصل بقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ والمعنى: ذلك الأمر الذي فعلته من ردّ الرّسول والتّثبت ومطالبة الملك بالتّحقيق في أمري، حتى تظهر براءتي أمام الملك والنّاس، وليتيقّن العزيز أنّي لم أخنه في زوجته أثناء غيابه، بل تعففت عنها (١). وعقّب أبو حيان على ذلك فقال: ومن ذهب إلى أن قوله: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ.﴾. إلخ من كلام يوسف يحتاج إلى تكلّف ربط بينه وبين ما قبله، ولا دليل يدلّ على أنه من كلام يوسف (٢). وقال الزّمخشري: كفى بالمعنى دليلا قائدا إلى أن يجعل من كلام يوسف ﵇. والظاهر لي هو رأي أبي حيان.
﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾ وليعلم الجميع أن الله تعالى لا ينفذ ولا يسدّد كيد الخائنين، بل يبطله ويبدد أثره.
стр. 3825
وإذا كان هذا من كلام يوسف فكأنه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانة زوجها، وتعريض بزوجها في خيانته أمانة الله حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
١ - دلّ رجوع الملك إلى يوسف ﵇ على فضيلة العلم والمعرفة التي تميّز بها يوسف ﵇ على جميع الكهنة والعلماء حول الملك في مصر.
٢ - العلم المقرون بالعمل الصالح سبب للخلاص من المحنة الدّنيوية والأخروية، فقد نجّى الله يوسف من السّجن، وجعله من المحسنين الذين اختارهم الله لديه في الآخرة.
٣ - لا بأس بانتهاز الفرصة لإثبات الحقّ والصّدق والبراءة، فقد تريّث يوسف وتمهّل عن إجابة طلب الملك له.
٤ - الاعتصام بالصّبر والحلم وعزّة النّفس وصون الكرامة من أصول أخلاق الأنبياء، فإنّ يوسف تذرّع بالصّبر وحرص على إعلان براءته وعفّته، وصون سمعته في المجتمع.
ورد في الصّحيحين مرفوعا: «ولو لبثت في السّجن ما لبث يوسف لأجبت الدّاعي».
وفي رواية: «يرحم الله أخي يوسف، لقد كان صابرا حليما، ولو لبثت في السّجن ما لبثه، أجبت الدّاعي، ولم ألتمس العذر»،
وفي رواية أحمد: «لو كنت أنا لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر»، و
في رواية الطّبري: «يرحم الله يوسف، لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إليّ، لخرجت سريعا، أن كان لحليما ذا أناة».
٥ - الواجب شرعا عدم المبادرة إلى الاتّهام بالسّوء والطّعن بالأعراض، فإن
стр. 3826
يوسف عفّ عن اتّهام النّساء بالسّوء حتى يتحقّق الملك ذاته من التّهمة. وقدّر جميل أو معروف سيدته امرأة العزيز، فلم يذكرها بسوء، وفاء لزوجها وبرّا له، ورحمة لها وسترا عليها، وعفّة القول أجدى في مستقبل الزّمان.
٦ - من الخصال الحسنة: الجرأة في إعلان الحقّ، والصّراحة في إظهار الحقائق، وعدم التّردد في إنصاف الأبرياء وتصديق الأتقياء، فإن امرأة العزيز أعلنت براءة يوسف في مجتمع النّسوة أثناء الضّيافة فقالت: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾، وكررت اعترافها بالحقّ بعد مضي سنوات على الحادث بعد أن زجّ بيوسف في قيعان السّجون، فقالت: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ، أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ.﴾. ثمّ أكدّت ذلك بقولها: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ أي أقررت بالصدق ليعلم أنّي لم أكذب عليه، ولم أذكره بسوء وهو غائب، بل صدقت وترفّعت عن الخيانة.
٧ - المؤمن الصّادق هو الذي يؤثر مرضاة الله تعالى، وإعزاز دينه على أي شيء في هذا الوجود، فإن يوسف حرص على تمسّكه بدينه وبمرضاة ربّه في كلّ ظروف المحنة التي مرّ بها مع النّساء.
٨ - إن مصير الخيانة والكيد الفشل وعدم تحقيق النّتائج: ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾ ومعناه: أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم، وإنما يبطله، ولا يسدّده، ولا ينفذه، وتكون عاقبة الكيد الفضيحة والاضمحلال
стр. 3827
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- ٢ -
النّفس الأمّارة بالسّوء
﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾
البلاغة:
﴿لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أمّارة: من صيغ المبالغة، على وزن «فعّال» مبالغة في وصف النّفس بالاندفاع نحو المعاصي والمهالك.
المفردات اللغوية:
﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ من الزّلل أو السّوء. ﴿إِنَّ النَّفْسَ﴾ جنس النّفس. ﴿لَأَمّارَةٌ﴾ كثيرة الأمر، مائلة بالطبع إلى الشّهوات. ﴿إِلاّ ما﴾ بمعنى «من». والمعنى إلاّ من رحم ربّي من النّفوس فعصمه، أو إلا وقت رحمة ربّي، وقيل: إن الاستثناء منقطع، أي ولكن رحمة ربّي هي التي تصرف الإساءة.
والآية على الرّاجح حكاية قول امرأة العزيز: زليخا أو راعيل، والمستثنى نفس يوسف وأمثاله. وقيل: ذلك من قول يوسف، والمعنى: لا أنزهها، تنبيها على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله، بل إظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتّوفيق.
المناسبة:
هذه الآية من تتمة كلام امرأة العزيز، متّصلة بما قبلها، قال أبو حيان:
الظاهر أن هذا كلام امرأة العزيز، وهو داخل تحت قوله: ﴿قالَتِ﴾ والمعنى:
ذلك الإقرار والاعتراف بالحقّ، ليعلم يوسف أنّي لم أخنه في غيبته، والذّبّ عنه،
стр. 3828
وأرميه بذنب هو منه بريء، ثم اعتذرت عمّا وقعت فيه مما يقع فيه البشر من الشّهوات بقولها: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، والنّفوس مائلة إلى الشّهوات، أمّارة بالسّوء (١). وكذلك قال ابن كثير: هذا القول أقوى وأظهر: لأن سياق الكلام كله من امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف ﵇ عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك (٢).
التفسير والبيان:
قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحقّ، وليعلم يوسف أنّي لم أخنه في غيبته، وهو سجين، أو ليعلم زوجي أني لم أخنه بيوسف، وأني لم أرتكب الفاحشة، فلم يحدث مني إلا مجرد المراودة أو المغازلة، فامتنع وأبى ولاذ بالفرار، ولا أنزّه نفسي من الزّلل والخطأ، إن النّفوس ميّالة بالطّبع إلى الشّهوات والأهواء.
إلا من ﵀ الخالق، فصرف عنه السّوء والفحشاء كيوسف وأمثاله.
ولكني لا أيأس من رحمة الله، إنّ ربّي كثير المغفرة، رحيم بالعباد.
وفي قول مرجوح: إن هذه الآية حكاية لقول يوسف، بمعنى: ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجه أثناء غيبته، وحال ثقته بي، وائتمانه على عرضه، وما أبرئ نفسي البشريّة من خواطر القلب، فكلّ نفس ميّالة بالطّبع للشّهوات والأهواء، إلا النّفس التي عصمها الله من الانزلاق في المعاصي، ووفقها للاستقامة، وتلك هي نفس الأنبياء، وسيرة الصّلحاء، إنّ ربّي غفّار لذنوب المخطئين، رحيم بهم إذا بادروا إلى التّوبة والإنابة والتّضرّع إلى الله، ليخلصهم من آثار الذّنوب، ويطهّر نفوسهم من شوائب المعاصي.
стр. 3829
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية على أنّ أكثر النّفوس نزّاعة للشّهوة، ميّالة للهوى، ذات نزعة شريرة، تحتاج إلى مجاهدة ومكافحة ومراقبة وتحذير.
جاء في الخبر عن النّبي ﷺ : «ما تقولون في صاحب لكم، إن أنتم أكرمتموه وأطعمتموه وكسوتموه أفضى بكم إلى شرّ غاية، وإن أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية؟! قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب في الأرض. قال: فو الذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم».
واستدلّ أهل السّنّة بآية: ﴿إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾ على أن الطّاعة والإيمان لا يحصلان إلا من الله، وعلى أن انصراف النّفس من الشّر لا يكون إلا برحمته.
ودلّت الآية أيضا على مدى فضل الله وإحسانه فهو غفور لذنوب عباده، رحيم بهم إذا هم تابوا وأنابوا وأحسنوا العمل، أي يغفر للمستغفر لذنوبه، المعترف على نفسه، ويرحمه ما استغفره واسترحمه مما ارتكبه.
الفصل التّاسع من قصّة يوسف
يوسف في رئاسة الحكم ووزارة الماليّة
﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾
стр. 3830
المفردات اللغوية:
﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أجعله خالصا لنفسي دون شريك. ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ أي فلما أتوا به فكلّمه، وشاهد منه الرّشد والدّهاء. ﴿مَكِينٌ﴾ ذو مكانة ومنزلة. ﴿أَمِينٌ﴾ مؤتمن على كلّ شيء.
﴿خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ أرض مصر. ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ذو حفظ وعلم بأمرها، وقيل: كاتب حاسب.
﴿وَكَذلِكَ﴾ أي كإنعامنا عليه بالخلاص من السّجن. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر. ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾ ينزل من بلاد مصر أي مكان أراد، فصار صاحب الأمر والحكم بعد الضّيق والحبس. وفي القصّة كما يقول السّيوطي: أن الملك توّجه وختّمه وولاه مكان العزيز، وعزله، ومات بعد، فزوّجه امرأته، فوجدها عذراء، وولدت له ولدين، وأقام العدل بمصر، ودانت له الرّقاب.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ﴾ في الدّنيا والآخرة. ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بل نوفّي أجورهم عاجلا وآجلا. ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ من أجر الدّنيا. ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشّرك والفواحش، لعظمه ودوامه.
المناسبة:
بعد أن تحقق الملك الأكبر من أمر النّسوة بناء على طلب يوسف ﵇، وظهرت له براءته وعفّته، طلب إحضاره إليه من السّجن، ليصطفيه لنفسه، فلما سمع منه تعبير رؤياه، أعجب به وبعلمه وحسن أدبه، وأعزّه وأنزله لديه مكانة عالية، وآمنه على نفسه، وائتمنه على كلّ شيء، وسلّمه مقاليد الحكم والسّلطة، وفوّض إليه تصريف وإدارة الأمور السياسيّة والماليّة في جميع أنحاء مصر.
التفسير والبيان:
المراد بالملك هنا: الملك الأكبر، وليس العزيز على الرّأي الرّاجح، لطلب يوسف منه أن يجعله على خزائن الأرض، ولأنه كان قبل ذلك خالصا للعزيز، والآن يريد الملك الأكبر (الرّيان بن الوليد) استخلاصه لنفسه.
стр. 3831
والمعنى: وقال الملك: أحضروه إليّ من سجنه، أجعله من خاصّتي وأهل مشورتي وموضع ثقتي، فلما خاطبه الملك وتعرّف عليه، ورأى فضله وعلمه وبراعته، وحسن أدبه، وسموّ أخلاقه، قال له: إنك عندنا اليوم وما بعده أصبحت ذا مكانة وعزّة وأمانة تؤتمن على كلّ شيء في أمور الحكم، وصاحب التّصرف التّام في شؤون البلاد.
روي أن يوسف لما خرج من السّجن اغتسل وتنظّف ولبس ثيابا جددا، فلما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك من خيره، وأعوذ بعزّتك وقدرتك من شرّه، ثم سلّم عليه بالعربيّة، فقال الملك: ما هذا اللسان؟ فقال: لسان عمي إسماعيل، ودعا له بالعبريّة، فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي.
وكان إبراهيم وأولاده وحفدته من العرب القحطانيين، وكان ملوك مصر من العرب الذين يسمون بالرّعاة (الهكسوس).
قال يوسف: اجعلني أيها الملك على خزائن الأرض: وهي الخزن التي تخزن فيها الغلال، وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلاّت لما يستقبلونه من السّنين التي أخبرهم بشأنها، أي ولّني عليها، لأشرف عليها، وأتصرّف فيها حتى أجعل توازنا اقتصاديا بين سنوات الخصب وسني القحط، فأنقذ البلاد من المجاعة التي تهدد أهلها، بحسب الرؤيا التي رأيت؛ لأني حفيظ عليم، أي خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما يتولاه. وفي هذا إيماء لأهمية التّخطيط والتّنظيم المالي وإقامة التوازن بين الموارد الماليّة والنفقات.
فأجابه الملك إلى طلبه، وجعله وزير المال والخزانة، وأطلق له سلطة التّصرف في شؤون الحكم، لما لمس لديه من رجاحة عقل، وخبرة وضبط وسياسة، وحسن تصرّف، وقدرة على إحكام النّظام.
﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا.﴾. أي ومثل هذا الإنعام الذي أنعمنا على يوسف في
стр. 3832
تقريبه إلى قلب الملك، وإنجائه من السّجن، مكّنّا له في الأرض، أي أقدرناه على ما يريد، وجعلنا له مكانة ومنزلة في أرض مصر، فانتقل من كونه مملوكا إلى أن أصبح مالكا آمرا ناهيا، ذا نفوذ وسلطة، مطاعا بعد أن كان تابعا لغيره مطواعا، حرّا طليقا بعد أن كان سجينا أسيرا، وذلك لما تحلّى به من صبر، وإطاعة لله ، وعفّة وخلق وعقل حكيم، فإنه صبر على أذى إخوته، وفي الحبس بسبب امرأة العزيز، وعفّ عن السّوء والفحشاء، وامتنع من اقتراف المنكر، فأعقبه الله النّصر والتّأييد، وأصبح في منصب سيّده السّابق الذي اشتراه من مصر، العزيز زوج التي راودته، قال مجاهد: وأسلم الملك على يدي يوسف ﵇.
وما أضاعه ربّه ورحمه وصانه، والله تعالى يخصّ برحمته من يشاء ورحمته وسعت كل شيء، فيعطي الملك والغنى والصّحة ونحوها من يريد من عباده.
وقوله تعالى: ﴿بِرَحْمَتِنا﴾ أي بإحساننا، والرّحمة: النّعمة والإحسان.
﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي لا نضيع ثواب الذين يحسنون أعمالهم، فنمنحهم في الدّنيا سعادة وعزّا ومكانة، وفي الآخرة خلودا في الجنان.
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ.﴾. أي إنّ ثواب الآخرة للمؤمنين الأتقياء، وهو التّنعم في الجنان خير وأعظم وأكثر من خير الدّنيا وما فيها من متاع العزّ والسّلطان، والجاه والملك، والمال والزّينة ونحو ذلك.
والله تعالى يخبر بهذا أن ما ادّخره لنبيّه يوسف ﵇ في الدّار الآخرة أعظم وأكثر وأجلّ مما أنعم عليه من التّصرّف والنّفوذ في الدّنيا، كقوله في حقّ سليمان ﵇: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص ٣٩/ ٣٨ - ٤٠].
ومن جمع له الله السّعادتين في الدّنيا والآخرة، كان فضل الله عليهم أكثر،
стр. 3833
وعطاؤه أتمّ، لقيامهم بواجب الطّاعة، واجتنابهم المعصية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدتنا الآيات إلى ما يلي:
١ - إنّ الحوار وسيلة التّعارف والتّعرف على فضائل الإنسان ومعارفه، وبه يزن العاقل مقادير الرّجال.
٢ - إن المقوّمات العالية من علم وخلق وأدب وحسن تصرّف تبوئ صاحبها المنزلة السّامية والمكانة الرّفيعة.
٣ - يجوز طلب الولاية وإظهار كون الشّخص مستعدّا لها، إذا كان من أجل التّعريف للمغمور غير المعروف، وكان الشّخص واثقا من نفسه ودينه وعلمه، وأهلا لما يطلب.
وأما النّهي عن طلب الإمارة في
قوله ﷺ لعبد الرّحمن بن سمرة فيما أخرجه الشيخان: «لا تسأل الإمارة» والنّهي عن مدح النّفس في قوله تعالى:
﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم ٣٢/ ٥٣] فالمراد به في الحديث لمن لا يثق بنفسه من القيام بحقّ الولاية لضعفه وعجزه، أو لأغراض نفسه، والمراد بالآية تزكية النّفس حال العلم بكونها غير متزكية، وكل من المحذورين لا ينطبق على النّبي يوسف ﵇ وأمثاله الأنبياء، لأنه يجب عليه رعاية مصالح الأمة بقدر الإمكان، ولأن السّعي في إيصال النّفع إلى المستحقين ودفع الضّرر عنهم أمر مستحسن في العقول، وعلم يوسف أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الحقوق إلى الفقراء، فرأى أن قيامه بهذه الأمور فرض متعيّن عليه، وقال يوسف عن نفسه: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ عند من لا يعرفه، فأراد تعريف نفسه.
стр. 3834
٤ - يباح للرّجل الفاضل أن يعمل للرّجل الفاجر، والسّلطان الكافر، إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحقّ وسياسة الخلق إلا بالاستعانة به، وكان مفوّضا في فعله لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء. وأما إذا كان عمله بحسب مراد الفاجر وهواه، فلا يجوز.
فإن كان المولّي ظالما فللعلماء قولان: أحدهما-جواز تولّي العمل له إذا عمل بالحقّ فيما تقلّده: لأن يوسف ﵇ ولّي من قبل فرعون، ولأن الاعتبار بفعله لا بفعل غيره.
الثاني: أنه لا يجوز ذلك: لما فيه من إعانة الظّالم على ظلمه، وتزكيته ودعمه وتأييده بتقلّد أعماله. وأما فرعون يوسف فكان صالحا، وعن مجاهد: أن الملك أسلم على يده. وإنما الطّاغي فرعون موسى، ثم إنّ يوسف نظر في مصالح الأمة والبلاد وأملاك الملك دون أعماله، فزالت التّبعة عنه.
٥ - للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل إذا دعته الضرورة إليه، كالكسب المعيشي ونحوه.
٦ - قوله تعالى: ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ شهادة من الله تعالى على أن يوسف ﵇ كان من المحسنين.
٧ - غمرت رحمة الله وفضله وإحسانه يوسف ﵇ لصبره وتقواه، وإنه سبحانه ما أضاع يوسف لصبره في الجبّ، وفي الرّقّ، وفي السّجن، وعلى أذى إخوته، وصبره عن محارم الله عما دعته إليه المرأة.
٨ - إن ثواب الآخرة وعطاء الله فيها أجلّ وأعظم وأكثر من عطاء الدّنيا لمن كان مؤمنا تقيّا، لأن أجر الآخرة دائم، وأجر الدّنيا منقطع، وظاهر الآية:
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ..﴾. العموم في كلّ مؤمن متّق، وهي تدلّ دلالة خاصة على
стр. 3835
فضل الله على يوسف ﵇، فإن ما سيعطيه الله له في الآخرة خير وأفضل مما أعطاه إيّاه في الدّنيا من الملك والسّلطان والمكانة والسّمو.
ودلّت هذه الآية بخصوصها على أن يوسف ﵇ من الذين آمنوا وكانوا يتّقون، وهذا تنصيص من الله .
والخلاصة:
تضمّنت الآيات شهادتين من الله تعالى ليوسف ﵇ الأولى أنه كان من المحسنين، والثانية أنه كان من المؤمنين المتّقين. ودلّت آية أخرى وهي:
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ على أنه من المخلصين، فصارت الشّهادات من الله تعالى ليوسف ثلاثة: كونه من المتّقين، ومن المحسنين، ومن المخلصين. وسبب هذه الشّهادات الصّبر على مراد الله فيه، والطّاعة والتّقوى وإخلاص العمل وصفاء النّفس من الأحقاد والضّغائن.
الفصل العاشر من قصة يوسف
أولاد يعقوب يشترون القمح من أخيهم يوسف
ومطالبته إياهم بإحضار أخيهم
﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنّا لَفاعِلُونَ (٦١) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾
стр. 3836
البلاغة:
﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ بين عرف وأنكر: طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ وهم أحد عشر إلا بنيامين ليمتاروا لما بلغهم أن عزيز مصر يعطي الطعام بثمنه. ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ أنهم إخوته، والمعرفة وعرفان الشيء: التّفكّر في أثره. ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ الإنكار: ضدّ المعرفة، أي أنهم لم يعرفوه لبعد عهدهم به وظنّهم هلاكه. ﴿جَهَّزَهُمْ﴾ أو في لهم كيلهم من القمح الذي جاؤوا لطلبه من عنده، أي جعله تاما وافيا. وجهاز السّفر: أهبته وحوائجه، وجهاز العروس: حوائج الزّفاف. ﴿بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ أي بنيامين لأعلم صدقكم فيما قلتم. ﴿أُوفِي الْكَيْلَ﴾ أتمّه من غير بخس. ﴿الْمُنْزِلِينَ﴾ المضيفين الضيوف، وكان أحسن إنزالهم وضيافتهم.
﴿فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ أي ميرة. ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ نهي أو عطف على محل: ﴿فَلا كَيْلَ﴾ أي تحرموا ولا تقربوا، أي فلا تقربوني ولا تدخلوا دياري. ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ﴾ سنجتهد في طلبه من أبيه، ونستميله لتحقيق هذه الرّغبة برفق. ﴿وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾ ذلك لا نتوانى فيه. ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ لغلمانه الكيالين، جمع فتى. ﴿بِضاعَتَهُمْ﴾ ثمن ما أتوا به من الطعام، وكانت دراهم فضة، وإنما فعل ذلك توسيعا وتفضّلا عليهم وترفّعا من أن يأخذ ثمن الطّعام منهم. ﴿فِي رِحالِهِمْ﴾ أوعيتهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها﴾ لعلهم يعرفون حقّ ردّها، أو لكي يعرفوها. ﴿إِذَا انْقَلَبُوا﴾ انصرفوا ورجعوا إلى أهلهم، وفتحوا أوعيتهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرّجوع.
أضواء من التّاريخ:
قال ابن عباس وغيره (١): لما أصاب النّاس القحط والشدّة، ونزل ذلك بأرض كنعان، بعث يعقوب ﵇ ولده للميرة، وذاع أمر يوسف ﵇ في الآفاق، للينه وقربه ورحمته ورأفته وعدله وسيرته، وكان يوسف ﵇ حين نزلت الشّدّة بالنّاس يجلس عند البيع بنفسه، فيعطيهم من الطعام على عدد رؤوسهم، لكلّ رأس وسقا (٢).
стр. 3837
وذكر السّدّي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين: أن السّبب الذي من أجله أقدم إخوة يوسف بلاد مصر: أن يوسف ﵇، لما باشر الوزارة بمصر، ومضت السّبع السّنين المخصبة، ثم تلتها السّبع السّنين المجدبة، وعمّ القحط بلاد مصر بكمالها، ووصل إلى بلاد كنعان: وهي التي فيها يعقوب ﵇ وأولاده، وحينئذ احتاط يوسف ﵇ للنّاس في غلاّتهم، وجمعها أحسن جمع، فحصل من ذلك مبلغ عظيم، وهدايا متعددة، وورد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات، يمتارون لأنفسهم وعيالهم، فكان لا يعطي الرّجل أكثر من حمل بعير في السّنة، وكان ﵇ لا يشبع نفسه، ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النّهار، حتى يتكفأ الناس بما في أيديهم مدّة السّبع السنين، وكان رحمة من الله تعالى على أهل مصر (١).
وغير هذه الرّوايات هي من الإسرائيليات.
التفسير والبيان:
وجاء إخوة يوسف ﵇ من أرض كنعان (فلسطين) إلى مصر، يطلبون شراء القمح، لأن القحط عمّ بلاد الشّام ومصر، لما بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه.
فلما دخلوا على يوسف، وهو في منصبه الرّفيع، عرفهم حين نظر إليهم، لأن ملامح الكبار لا تتغيّر كثيرا، وهم له منكرون، أي لا يعرفونه، لأنهم فارقوه، وهو صغير حدث، وباعوه للسّيّارة، والملامح في حال الصّغر تتغيّر كثيرا في حال الكبر، ولأنهم قدروا هلاكه، وما دار في خلدهم أنه سيصير إلى ما صار إليه، ولنسيانهم له بطول العهد.
وزاد في الأمر أنه-كما ذكر السّدّي-شرع يخاطبهم، فقال لهم كالمنكر
стр. 3838
عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا: أيّها العزيز، إنّا قدمنا للميرة، قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله، قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبيّ الله، قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم، كنّا اثني عشر، فذهب أصغرنا هلك في البريّة، وكان أحبّنا إلى أبيه وبقي شقيقه، فاحتبسه أبوه ليتسلّى به عنه، فأمر بإنزالهم وإكرامهم.
لكن يبعد من يوسف ﵇ أن يتّهم إخوته وينسبهم إلى أنهم جواسيس وعيون، لأنه يعرف براءتهم عن هذه التّهمة. وعلى كل حال إنه سؤال لا يقتضي صحته.
ولما جهّزهم بجهازهم، أي لما أوفى لهم كيلهم، وحمل أحمالهم من القمح، وهي عشرة أحمال وزادهم حملين آخرين لأبيهم وأخيهم، قال: ائتوني في المرة القادمة بأخ لكم من أبيكم؟ وهو بنيامين، ألا ترون أني أتمّ لكم الكيل الذي تريدون دون بخس، وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم، وأنا خير المنزلين، المضيفين للضيوف، وكان أحسن ضيافتهم؟ وقصده من ذلك ترغيبهم في الرّجوع إليه، وكان السّبب في سؤال يوسف عن حال أخيهم أنهم ذكروا أن لهم أبا شيخا كبيرا وأخا بقي في خدمة أبيه، ولا بدّ لهما أيضا من شيء من الطعام، فجهّز لهما أيضا بعيرين آخرين من الطعام، فقال يوسف: فهذا يدلّ على أن حبّ أبيكم له أزيد من حبّه لكم، فجيئوني به حتى أراه.
ثم أنذرهم بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ، فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ أي إن لم تقدموا به في المرة الثّانية فليس لكم عندي ميرة، ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ أي ولا تدخلون بلادي.
﴿قالُوا: سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ﴾ سنجتهد في طلبه من أبيه، ونحاول إقناعه بذلك برفق، وإنّا لفاعلون ذلك لا محالة، أي سنحرص على مجيئه إليك بكلّ إمكاناتنا ولا نبقي مجهودا نبذله، لتعلم صدقنا فيما قلناه.
стр. 3839
وقال لفتيانه أي لغلمانه، اجعلوا بضاعتهم في رحالهم أي اجعلوا البضاعة التي اشتروا بها الطعام، وقدموا بها للميرة معاوضة، في أمتعتهم التي لهم من حيث لا يشعرون.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها.﴾. لعلهم يعرفون حقّ ردّها وحقّ إكرامنا لهم بإعادتها إليهم، لعلهم يرجعون إلينا، بعد عودتهم إلى أهلهم، وفتح متاعهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - قد لا يعرف الأخ أخاه بسبب طول العهد والمدّة، لا سيما إذا تبدل حال الأخ من أدنى درجات الحال إلى أعلاها، مما يبعد عن التّصور في الذّهن احتمال معرفته.
٢ - تحقيق الغايات قد يستعمل من أجله التّرغيب والتّرهيب معا، كما فعل يوسف من أجل إحضار أخيه بنيامين، فالتّرغيب هو قوله: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ، وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، والتّرهيب هو قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ، فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى تحصيل الطعام، وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده، فإذا منعهم من الحضور عنده، كان ذلك نهاية التّرهيب والتّخويف.
٣ - اتّفق أكثر المفسّرين على أن إخوة يوسف ما كانوا عالمين بجعل البضاعة في رحالهم.
٤ - السّبب الذي لأجله أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم: هو ترغيبهم في العود إليه، والحرص على معاملته، حينما يعلمون أن بضاعتهم ردت إليهم، كرما من يوسف، وسخاء محضا.
стр. 3840
٥ - استجاز يوسف إدخال الحزن على أبيه بطلب أخيه، لأنه يجوز أن يكون الله أمره بذلك ابتلاء ليعقوب، ليعظم له الثّواب، فاتّبع أمره فيه، وهذا هو الأظهر كما قال القرطبي. وربّما كان السّبب تنبيه أبيه على حاله، أو لتتضاعف المسرّة لأبيه برجوع ولديه عليه، أو إيثارا لأخيه بالاجتماع معه قبل إخوته، لميله إليه.
الفصل الحادي عشر من قصّة يوسف
مفاوضة إخوة يوسف أباهم لإرسال أخيهم بنيامين معهم في
المرة القادمة
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾
الإعراب:
﴿خَيْرٌ حافِظاً﴾ وقرئ: حفظا: وهما منصوبان على التّمييز، مثل قولهم: لله درّه فارسا.
﴿ما نَبْغِي﴾: ما: استفهامية في موضع نصب، لأنها مفعول ﴿نَبْغِي﴾ وتقديره:
أي شيء نبغي. ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ اللام لام القسم.
стр. 3841
﴿إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قال الزمخشري: هذا استثناء متّصل، مفعول له أي لأجله، والكلام المثبت الذي هو قوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ في تأويل المنفي، ومعناه: لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم، أي لا تمتنعون منه لعلة من العلل إلا لعلة واحدة، وهي أن يحاط بكم.
المفردات اللغوية:
﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ حكم بمنعه بعد هذا إن لم ترسل أخانا بنيامين. ﴿نَكْتَلْ﴾ نتمكن من اكتيال ما نحتاج إليه. ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ من أن يناله مكروه. ﴿قالَ﴾ يعقوب لهم ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ﴾ أي ما آمنكم عليه إلا كما آمنتكم على أخيه يوسف من قبل، وقد قلتم فيه: ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ثم فعلتم به ما فعلتم.
﴿فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً﴾ فأتوكّل عليه وأفوض أمري إليه. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فأرجو أن يرحمني بحفظه، ولا يجمع عليّ مصيبتين. ﴿ما نَبْغِي﴾ ما: استفهامية، أي: أيّ شيء نطلب من إكرام الملك أعظم من هذا؟ وكانوا ذكروا له إكرامه لهم. ﴿هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا﴾ استئناف موضح لقوله: ﴿ما نَبْغِي﴾.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ نأتي بالميرة لهم وهي الطعام، وهو معطوف على محذوف، أي ردّت إلينا، فنستظهر بها، ونمير أهلنا بالرّجوع إلى الملك. ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا﴾ من المخاوف في ذهابنا وإيابنا.
﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ لأخينا، أي مكيل بعير. ﴿ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ سهل على الملك لسخائه، أو سهل لا عسر فيه لتوافر الغلال لديه.
﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً﴾ حتى تعطوني عهدا. ﴿مِنَ اللهِ﴾ بأن تحلفوا به. ﴿إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ بأن تموتوا أو تغلبوا، فلا تطيقوا ذلك ولا تستطيعوا الإتيان به، وهو استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، والتّقدير: لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم. ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أعطوه عهدهم بذلك. ﴿قالَ: اللهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ من طلب الموثق وإتيانه ﴿وَكِيلٌ﴾ شهيد، ورقيب مطّلع.
المناسبة:
الكلام وثيق الصّلة بما قبله، فبعد أن ذكر الله تعالى مطالبة يوسف ﵇ إخوته بإحضار أخيه بنيامين، ذكر هنا مفاوضتهم أباهم لإنجاز المطلوب، وإبداءه مخاوفه عليه كمخاوفه القديمة التي أظهرها عند ما تآمروا على أخذ يوسف ﵇ للصّحراء بقصد الرّتع واللعب.
стр. 3842
التفسير والبيان:
حينما رجع أولاد يعقوب إلى أبيهم قالوا حين رجوعهم إلى أبيهم: إن عزيز مصر منع عنّا الكيل في المستقبل إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين، فإن لم ترسله لا نكتل، فأرسله معنا نكتل من الطعام بقدر عددنا، وإنّا له لحافظون من كلّ مكروه وسوء في الذّهاب والإياب، فلا تخف عليه، فإنه سيرجع إليك.
قال يعقوب: هل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه من قبل، تغيّبونه عنّي وتحولون بيني وبينه، وقد فرّطتم في يوسف، فكيف آمنكم على أخيه؟ ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً﴾ أي فإني أثق به وأتوكّل عليه وأفوض أمري إليه، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أي هو أرحم الرّاحمين بي، وسيرحم كبري وضعفي وتعلّقي بولدي، وأرجو الله أن يرحمني بحفظه، وأن يردّه عليّ، ويجمع شملي به، إنه أرحم الرّاحمين.
وهذا دليل على موافقته على إرساله معهم، للحاجة الشّديدة إلى الطعام، وعدم ملاحظته وجود قرائن تدلّ على الحسد والحقد فيما بينهم وبين بنيامين، خلافا لحال يوسف.
ولما فتح إخوة يوسف متاعهم وأوعية طعامهم، وجدوا فيها بضاعتهم أي ثمن الطعام، ردّت إليهم، وهي التي كان يوسف أمر غلمانه بوضعها في رحالهم.
فلما وجدوها في رواحلهم قالوا: يا أبانا، ماذا نريد زيادة على هذا الإكرام وإحسان الملك إلينا، كما حدثناك، هذه دراهمنا ردّها إلينا، وإذا ذهبنا بأخينا نزداد كيل بعير بسبب حضوره. وهذا إذا جعلت ما استفهامية، فإن كانت نافية كان المعنى: لا نبغي شيئا آخر، هذه بضاعتنا ردّت إلينا، فهي كافية لثمن الطعام في الذّهاب الثّاني، ثم نفعل كذا وكذا من جلب الميرة وغيرها.
стр. 3843
إننا إذا ذهبنا مع أخينا في المرّة الثّانية وأرسلته معنا، نأتي بالميرة إلى أهلنا من مصر.
ونحفظ أخانا بنيامين بعنايتنا ورعايتنا، فلا تخف عليه.
ونزيد مكيال بعير لأجله، لأن عزيز مصر كان يعطي لكلّ رجل حمل بعير، دون زيادة ولا نقص، اقتصادا وحسن تدبير.
وذلك الحمل الزّائد أمر يسير قليل، أو سهل لا عسر فيه على هذا الرّجل السّخي الرّحيم في مقابلة أخذ أخينا.
قال يعقوب، وقد تذكّر ماضي يوسف: لن أرسل بنيامين معكم حتى تعاهدوني عهدا موثقا باليمين، لتعودنّ به على أي حال كنتم، إلا في حال يمتنع ذلك عنكم بأن تهلكوا وتموتوا أو تغلبوا على أمركم وتقهروا كلكم، ولا تقدرون على تخليصه. ويلاحظ أن العهد المؤكّد باليمين يسمّى يمينا، وإن أكّد ووثّق بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به بغير اليمين يسمّى ميثاقا.
فلما آتوه أي أعطوه موثقهم، أي عهدهم المؤكّد باليمين، قال يعقوب: الله على ما نقول جميعا وكيل، أي شهيد رقيب حفيظ مطّلع، وأفوض أمري إليه، وقد وافق على إرساله اضطرارا من أجل الميرة التي لا غنى لهم عنها.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
١ - كان أولاد يعقوب فيما أخبروا به أباهم من منع الكيل صادقين، حتى يرسل معهم أخاهم، كما وعدوا عزيز مصر.
٢ - تعهد أولاد يعقوب ﵇ بالمحافظة على أخيهم بنيامين، وكأنهم لم
стр. 3844
يريدوا تكرار مأساة يوسف ﵇، لأنهم كانوا يحملون في صدورهم الحقد والحسد عليه، خلافا لحال بنيامين.
٣ - تعلّق إخوة يوسف بزيادة الكسب والرّبح، وطمحوا أن يأتوا مرة أخرى بطعام لهم من مصر من غير ثمن.
٤ - كان إكرام يوسف لإخوته وردّه ثمن الطعام إليهم عاملا مرغّبا قويّا في عودتهم إليه مرة أخرى، مصطحبين معهم أخاهم بنيامين.
٥ - إن يعقوب النّبي ﵇ كان في حديثه مع أولاده مطمئنا إلى حفظ الله ورحمته، فهو نعم الوكيل الحافظ، وهو أرحم الرّاحمين بعباده، لا سيّما حال الضّعفاء وكبار السّن أمثاله، فحفظ الله له خير من حفظكم إيّاه.
٦ - تشدّد يعقوب ﵇ هذه المرة مع أولاده أكثر مما حدث عند إذنه بإرسال يوسف ﵇، بعد تلك التّجربة القاسيّة وما أعقبها من حزن شديد وألم، فطلب منهم الميثاق وهو العهد المؤكّد باليمين على إحضاره إليه إلا في حال العذر القاهر والإحاطة بهم، قال مجاهد معناها: إلا أن تهلكوا أو تموتوا.
وقد دلّ قوله تعالى: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ.﴾. على أنه أجابهم إلى إرساله معهم.
٧ - أراد أولاد يعقوب ﵇ تطييب نفس أبيهم بقولهم: ﴿ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا.. ؟﴾ فهم حشدوا لإقناعه وتطييب نفسه كلّ الأسباب والبواعث المادية واستغلّوا حاجتهم الشديدة: أخذ الطعام دون ثمن، إعالة الأهل، إضافة حمل بعير، وضمّوا إلى ذلك كلّه التّعهد بالحفظ والرّعاية، فلم يجد بدّا من الموافقة على إرسال بنيامين معهم.
٨ - قوله تعالى: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾
стр. 3845
دليل على جواز الكفالة (الحمالة) بالعين والوثيقة بالنّفس (كفالة النّفس) وللعلماء فيها رأيان: رأي الجمهور: هي جائزة إذا كان المكفول به مالا. ولا تجوز الكفالة بالحدود والقصاص في رأي المذاهب الأربعة، وأجاز الشافعية الكفالة بالقصاص، والقذف، والتّعزير، لما فيها من حقّ العبد. وقال بعضهم: لا تجوز الكفالة بالنّفس، لتعذّر إحضار المكفول بنفسه، ولقوله تعالى على لسان العزيز في قصّة يوسف ﵇: ﴿قالَ: مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ﴾.
الفصل الثاني عشر من قصة يوسف
وصية يعقوب لأولاده بالدخول إلى مصر من أبواب متفرقة
﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾
الإعراب:
﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ إما مفعول وإما فاعل، والتقدير على المفعولية: ما كان يغني من قضاء الله شيئا، وعلى الفاعلية: ما كان يغني عنهم من الله شيء مع قضائه.
البلاغة:
﴿لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ فيه طباق السلب، وفيه إطناب:
وهو زيادة اللفظ على المعنى، للتأكيد والتقرير وتمكين المعنى في النفس.
стр. 3846
المفردات اللغوية
﴿لا تَدْخُلُوا﴾ مصر. ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لأنهم كانوا ذوي جمال وأبهة مشتهرين في مصر بالكرامة والحظوة عند العزيز، فخاف عليهم أن يدخلوا جماعة واحدة فتصيبهم العين.
ولعله لم يوصهم بذلك في المرة الأولى، لأنهم كانوا مجهولين حينئذ. ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي وما أدفع عنكم بقولي ذلك شيئا قدره الله عليكم وقضاه، وإنما ذلك شفقة، فإن الحذر لا يمنع القدر. ومن: صلة زائدة لتمكين النفي.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ أي ما الحكم إلا لله وحده، يصيبكم لا محالة إن قضي عليكم سوء، ولا ينفعكم ذلك. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ به وثقت. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ الفاء لإفادة التسبب، فإن فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم. والواو في قوله ﴿وَعَلَيْهِ﴾ للعطف، وقدم ﴿عَلَيْهِ﴾ في عطف الجملة على الجملة للاختصاص.
﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أي من أبواب متفرقة في البلد. ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ﴾ أي ما كان يفيد رأي يعقوب واتباعهم له مما قضاه الله عليهم شيئا، فحدث وضع الصواع في رحل بنيامين، وتضاعفت المصيبة على يعقوب.
﴿إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ استثناء منقطع، أي ولكن حاجة في نفسه يعني شفقته عليهم وحرصه على ألا يعانوا (تصيبهم العين) وقضاها أي أظهرها، ووصى بها. ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ إن يعقوب عليم بحقائق الأمور وأن العين لا توقع ضررا إلا بإذن الله، لتعليمنا إياه بالوحي وإقامة الحجج، ولذلك قال: ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ولم يغتر بتدبيره.
﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾ وهم الكفار. ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ سر القدر، وأنه لا يغني عنه الحذر، وأن الحكم لله. وهذا ثناء من الله على يعقوب ﵇.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى موافقة يعقوب على إرسال بنيامين مع إخوته إلى مصر، ذكر هنا وصيته لأولاده لما عزموا على الخروج إلى مصر، وهي الدخول من أبواب متفرقة، ليروا مدى الاهتمام والاستقبال لكل واحد منهم حين رؤية بنيامين شقيق يوسف، أو لئلا يحسدهم الحساد، وتصيبهم العين جميعا.
стр. 3847
التفسير والبيان:
أمر يعقوب بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر ألا يدخلوا كلهم من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة، لأنهم كانوا من أهل جمال وكمال، وذلك في رأي جمهور المفسرين لئلا تصيبهم العين، فإنه خاف من العين عليهم، والعين حق أي أنها سبب حق في الظاهر قد تؤدي إلى الضرر، ولكن بإذن الله وإرادته، بدليل قوله بعدئذ: ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. أو ليروا من العزيز فرق الاستقبال بينهم وبين أخيهم بنيامين.
﴿وَما أُغْنِي.﴾. أي وما أدفع عنكم بوصيتي وتدبيري من قضاء الله شيئا، إذ لا يغني حذر من قدر، أي إن هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه، فإن الله إذا أراد شيئا لا يخالف ولا يمانع، ولكنا مأمورون باتخاذ وسائل الحيطة والحذر:
﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء ١٠٢/ ٤] أخذا بالأسباب العادية الظاهرية التي لا تؤثر في الواقع شيئا إلا بإذن الله، واستعانة بالله، وفرارا منه إليه، وليس دفعا للقدر، وتحديا للقضاء، فلا يملك الإنسان من أمره شيئا، فما أراد الله بكم سوءا لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به من التفرق، وهو مصيبكم لا محالة.
وما إنفاذ الأحكام وتدبير الأمور إلا لله وحده، عليه وحده توكلت، وبه وثقت، وإليه فوضت أمري، دون حولي وقوتي، وعليه تعالى وحده فليتوكل المتوكلون، لا على أنفسهم ولا على أمثالهم من البشر.
ولما دخلوا أي أولاد يعقوب مصر، التي كان لها أربعة أبواب، من حيث أمرهم أبوهم، أي من أبواب متفرقة، ما كان رأي يعقوب ودخولهم على هذا النحو متفرقين يفيدهم شيئا قط، حيث أصابهم ما ساءهم، مع تفرقهم، من نسبة السرقة إليهم، وافتضاحهم بذلك، وأخذ أخيهم فداء لوجدان الصواع في رحله، وتضاعف المصيبة على أبيهم.
стр. 3848
ولكن حاجة في نفس يعقوب قضاها، أي مجرد شيء في نفسه أظهره، وهي شفقته عليهم، وإظهارها بما قاله لهم ووصاهم به.
وإنه أي يعقوب لذو علم بأن الحذر لا يمنع القدر، لتعليمنا إياه بالوحي.
وقال قتادة والثوري: لذو عمل بعلمه، وهذا ثناء من الله على يعقوب ﵇.
ولكن أكثر الناس وهم المشركون أو الكفار لا يعلمون ذلك أي مثل ما علم يعقوب، أو لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة والعلم، فإنهم لا يعلمون كيف أرشد الله أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة. ومن تلك العلوم الأخذ بالأسباب الظاهرة وتفويض الأمر لله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - قول يعقوب لأولاده: ﴿لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ﴾ دليل في رأي جمهور المفسرين على التحرز من العين، والعين في الظاهر حق، ومرد النتيجة في الحقيقة إلى الله وحده، وتكون العين مجرد سبب،
قال رسول الله ﷺ فيما أخرجه أحمد بسند صحيح «العين حق» أي شيء ذو أثر موجود عند الناس، وذكر النسفي: «إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر»
وكان ﷺ يتعوّذ فيقول: «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامّة، ومن كل عين لامّة»
وكان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: «أعيذ كما بكلمات الله التّامة من كل شيطان وهامّة، ومن كل عين لامة» ويقول: وهكذا كان يعوّذ إبراهيم إسماعيل وإسحاق صلوات الله عليهم.
وروى عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله ﷺ في أول النهار، فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه آخر النهار، فرأيته معافى، فقال: إن
стр. 3849
جبريل ﵇ أتاني فقال فيما أخرجه أحمد عن عائشة وعبادة. «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن كل عين وحاسد، الله يشفيك».
وعلى كل مسلم أعجبه شيء أن يبرّك، فإنه إذا دعا بالبركة، صرف المحذور لا محالة،
لقوله ﷺ لعامر: «ألا برّكت» فدل على أن العين لا تضر إذا برّك العائن. والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه.
ويقال: إن العين أسرع إلى الصغار منها إلى الكبار.
والعائن إذا أصاب بعينه ولم يبرّك، يؤمر بالاغتسال، ويجبر على ذلك إن أباه، لأن الأمر على الوجوب، وقد أمر ﷺ في حديث أبي أمامة العائن بالاغتسال للمعين، وأمر بالرقية.
ومن عرف بالإصابة بالعين، منع من مداخلة الناس، دفعا لضرره.
٢ - دل قوله تعالى: ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ على أن الحذر لا ينفع مع القدر، فدخول أولاد يعقوب مصر من أبواب متفرقة ما كان ذلك التفرق يغني من الله من شيء. قال ابن عباس: ذلك التفرق ما كان يرد قضاء الله ولا أمرا قدره الله.
٣ - الحكم لله، أي الأمر والقضاء لله وحده، وعلى المؤمن الاتكال على الله، أي الاعتماد عليه والثقة به وحده، لأن حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله تعالى.
٤ - إن وصية يعقوب لأولاده بالدخول من أبواب متفرقة مجرد خاطر خطر بقلبه،. وتحرز ظاهري، مع أنه عليم من طريق الوحي بأمر دينه، وأكثر الناس لا يعلمون ما يعلم يعقوب من أمر دينه. وقيل: المقصود بالعلم هنا العمل، أي لذو عمل بعلمه، فإن العلم أول أسباب العمل، فسمي بما هو بسببه.
стр. 3850
٥ - أفادت الآية أن على المسلم أن يحذّر أخاه مما يخاف عليه، ويرشده إلى ما فيه طريق السلامة والنجاة، فإن الدين النصيحة، والمسلم أخو المسلم.
الفصل الثالث عشر من قصة يوسف
معرفة يوسف أخاه بنيامين واتخاذه التدابير لإبقائه لديه
﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾
الإعراب:
﴿جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ ﴿جَزاؤُهُ﴾ مبتدأ، والهاء عائد للسّرق، وتقديره: جزاء
стр. 3851
السّرق أخذ من وجد في رحله. وقوله: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ جملة هي في موضع خبر المبتدأ، أي فالاستعباد جزاء السّرق، وفاء: ﴿فَهُوَ﴾ متضمنة معنى الشرط أو جواب له على أن ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ شرطية، والجملة الشرطية كما هي: خبر المبتدأ الاول: ﴿جَزاؤُهُ﴾ على إقامة الظاهر فيها مقام الضمير، كأنه قيل: جزاؤه من وجد في رحله، فهو هو، إلا أنه أقام الظاهر مقام المضمر للتأكيد والمبالغة في البيان.
﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ ﴿مَنْ وُجِدَ﴾ الذي هو الاسم الموصول.
البلاغة:
﴿وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ فيه جناس الاشتقاق. ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ فيه أيضا جناس الاشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿آوى إِلَيْهِ أَخاهُ﴾ ضم إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل. ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ تحزن. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الحسد لنا، وأمره ألا يخبرهم، وتواطأ معه على أنه سيحتال على أن يبقيه عنده. ﴿جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ أعد لهم الطعام بسرعة. ﴿السِّقايَةَ﴾ في الأصل: المشربة أو وعاء يسقى به، والمراد به هنا المكيال الذي كان يكال به الطعام للناس، وهو صواع الملك، فهو كان مشربة، ثم جعل صاعا يكال به، ويقدر بكيلة مصرية ١/ ١٢ من الإردب المصري، والإردب ١٩٨ لترا، أو ١٥٦ كغ. قيل: كان من فضة، وقيل: كان من ذهب. ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامين.
﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مناد، أو أعلم وأخبر، وهو يفيد الكثرة والتكرار. ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ القافلة أو الجمال التي تحمل الطعام، والمراد أصحابها. ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيّ شيء ضاع منكم، والفقد: غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه.
﴿صُواعَ الْمَلِكِ﴾ صاعه أو مكياله. ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ من الطعام جعلا له. ﴿وَأَنَا بِهِ﴾ بالحمل. ﴿زَعِيمٌ﴾ كفيل وضامن، أؤديه إلى من ردّه.
﴿تَاللهِ﴾ قسم فيه معنى التعجب. ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ.﴾. استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم، لما عرفوا منهم في كرتي مجيئهم، مما يدل على فرط أمانتهم، مثل ردّ البضاعة التي جعلت في رحالهم.
﴿قالُوا: فَما جَزاؤُهُ﴾ أي قال المؤذن وأصحابه، فما جزاء السارق. ﴿إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ في قولكم: ما كنا سارقين، ووجد فيكم. ﴿قالُوا: جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ أي عقوبة السارق استعباد أو استرقاق من وجد في رحله. ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تأكيد لما سبق أي فأخذ السارق جزاء
стр. 3852
المسروق لا غير، وكان ذلك سنة آل يعقوب. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أي مثل هذا الجزاء جزاء الظالمين بالسرقة، وهذا تصريح منهم ليوسف بتفتيش أوعيتهم.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ ففتشها. ﴿قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ قبل تفتيش وعاء أخيه بنيامين لئلا يتهم. ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها﴾ أي السقاية أو الصواع. ﴿كَذلِكَ كِدْنا﴾ أي مثل ذلك الكيد (أي التدبير الخفي) كدنا ليوسف، علمناه الحيلة في أخذ أخيه وأوحينا به إليه. ﴿ما كانَ﴾ يوسف.
﴿لِيَأْخُذَ أَخاهُ﴾ رقيقا من السرقة. ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ في قانون أو نظام أو حكم أو شرع ملك مصر؛ لأن جزاءه في ذلك النظام الضرب وتغريم مثلي المسروق، لا الاسترقاق. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك، وهو أخذه بحكم أبيه، أي لم يتمكن من أخذه إلا بمشيئة الله بإلهامه سؤال إخوته، وجوابهم بنظامهم أو سنتهم. والاستثناء متصل من أعم الأحوال، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، أي لكن أخذه بمشيئة الله وإذنه.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ بالعلم كيوسف. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ من المخلوقين.
﴿عَلِيمٌ﴾ أعلم منه، حتى ينتهي إلى الله تعالى.
المناسبة:
الربط بين الآيات هنا واضح، إذ هي تعرض أجزاء ومشاهد قصة واحدة ذات حلقات متسلسلة، فبعد أن اتجه أولاد يعقوب إلى مصر لجلب الميرة، مزودين بوصية والدهم، وصلوا إلى مكان وجود العزيز الذي يتولى بيع الطعام للناس، فلما دخلوا عرف أخاه وضمه إليه.
التفسير والبيان:
حينما دخل أولاد يعقوب على يوسف في مجلسه الخاص ومنزل ضيافته، ومعهم أخوه شقيقه بنيامين، بعد أن كانوا دخلوا القصر من أبواب متفرقة، ضم إليه أخاه واختلى به، وأطلعه على شأنه، وعرّفه أنه أخوه، وقال له: لا تبتئس أي لا تأسف ولا تحزن على ما صنعوا بي، وأمره ألا يطلع إخوته على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيتخذ تدبيرا يبقيه عنده معززا مكرما.
روي أنهم قالوا له: هذا أخونا، قد جئناك به، فقال لهم: أحسنتم
стр. 3853
وأصبتم، وستجدون ذلك عندي، فأنزلهم وأكرمهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحده، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه، فقال يوسف: بقي أخوكم وحيدا، فأجلسه معه على مائدته، وجعل يواكله، وقال: أنتم عشرة، فلينزل كل اثنين منكم بيتا، وهذا لا ثاني له، فيكون معي، فبات يوسف يضمه إليه، ويشم رائحته، حتى أصبح وسأله عن ولده، فقال: لي عشرة بنين، اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي هلك، فقال له:
أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد أخا مثلك؟! ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل (أمهما) فبكى يوسف وقام إليه وعانقه، وقال له: إني أنا أخوك يوسف، فلا تحزن بما كانوا يعملون بنا في الماضي، فإن الله قد أحسن إلينا، وجمعنا على خير، ولا تعلمهم بما أعلمتك (١).
﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ.﴾. فلما أعدّ لهم الطعام، وحمل لهم أبعرتهم طعاما، أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية (الصواع أو المكيال، وهي إناء من فضة في قول الأكثرين، وقيل: من ذهب) في رحل أخيه بنيامين، دون علم أحد.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ ثم نادى مناد حينما عزموا على الخروج: أيتها العير أي يا أصحاب العير، إنكم قوم سارقون، فقفوا. فبهتوا وذهلوا.
فالتفتوا إلى المنادي وقالوا: أي: قال إخوة يوسف للمنادي ومن معه: أيّ شيء تفقدونه؟ فأجابوهم: نفقد صاع الملك الذي يكيل به، ولمن أتى به حمل بعير من القمح، وهذا يدل على أن عيرهم الإبل، وأنا به زعيم أي كفيل ضامن، وهذا من باب الجعالة والضمان والكفالة.
قال إخوة يوسف بعد اتهامهم بالسرقة: والله لقد خبرتمونا وجربتمونا في المرة الأولى وحين عودتنا إذ رددنا بضاعتنا إليكم، وتحققتم منذ عرفتمونا، وشاهدتم
стр. 3854
سيرتنا الحسنة أنا ما جئنا لنفسد في أرض بسرقة ولا غيرها من التعدي على حقوق الناس، ولم نكن يوما ما سارقين، فليست سجايانا تقتضي هذه الصفة.
فقال لهم فتيان يوسف: فما جزاء السارق إن كان فيكم، إن كنتم كاذبين في نفي التهمة عنكم؟ أي أيّ عقاب للسارق في شرعكم إن وجدنا فيكم من أخذه، وأنتم تدّعون البراءة؟ فأجابوهم: جزاؤه أخذ من وجد في رحله، ومثل هذا الجزاء نجزي الظالمين للناس بسرقة أموالهم في شريعتنا أن يسترقوا، وهكذا كانت شريعة إبراهيم ويعقوب ﵉: أن السارق يدفع إلى المسروق منه، فيصيرا عبدا له، وهذا هو ما أراده يوسف ﵇.
ولهذا بدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه للتورية وحتى لا يتهم، ثم استخرج السقاية من وعاء أخيه بنيامين، فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزاما لهم بما يعتقدونه ويحكمون به.
قوله: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تقرير للحكم السابق وتأكيد له، بعد تأكيد ثقتهم وبراءتهم بأنفسهم.
﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أي مثل ذلك الكيد وهو التدبير الخفي، كدنا ليوسف، أي دبرنا له في الخفاء وأوحينا إليه أن يفعله. وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة. وهو دليل على جواز التوصل إلى الأغراض المشروعة بما ظاهره الحيلة إذا لم يخالف نصا تشريعيا أو حكما مقررا، فهي حيلة جائزة مشروعة، لا ممنوعة محظورة، لما يترتب عليها من الخير والمصلحة، دون إلحاق ضرر بأحد، مع اطمئنان بنيامين إلى البراءة، بسبب التواطؤ السابق بينه وبين أخيه يوسف.
стр. 3855
وسبب ذلك التدبير الخفي أن يوسف ما كان يتمكن من أخذ أخيه في حكم ملك مصر الذي لا يبيح استرقاق السارق، ولكن قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه وهو أن يستعبد السارق، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى بقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ بالعلم، كما قال تعالى:
﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة ١١/ ٥٨].
وقوله: ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ استثناء من أعم الأحوال أي ما كان ليأخذ أخاه في نظام الملك في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله، فإنه فعل ذلك بإذن الله ووحيه، مما يدل على أن تلك الحيلة بإقرار الشرع، ووحي الله تعالى.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أي فوق كل عالم من هو أعلم منه، قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله . فإذا كان إخوة يوسف علماء فإن يوسف كان أعلم منهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - كانت فرحة غامرة من أفراح العمر لقاء الأخوين: يوسف وبنيامين، فضم يوسف أخاه إليه، وتعرّف عليه بعد فراق دام أكثر من ربع قرن، وتواطأ معه على خطة إبقائه لديه.
٢ - دل قول يوسف لأخيه ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ على التحلي بصفة العفو والتسامح، وإظهار الحب والود لإخوته، ونسيان الماضي وتجاوز أخطائهم معه في مقتبل العمر.
٣ - كان وضع الصواع في رحل بنيامين بأمر يوسف ﵇ تعليما