السّرق أخذ من وجد في رحله. وقوله: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ جملة هي في موضع خبر المبتدأ، أي فالاستعباد جزاء السّرق، وفاء: ﴿فَهُوَ﴾ متضمنة معنى الشرط أو جواب له على أن ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ شرطية، والجملة الشرطية كما هي: خبر المبتدأ الاول: ﴿جَزاؤُهُ﴾ على إقامة الظاهر فيها مقام الضمير، كأنه قيل: جزاؤه من وجد في رحله، فهو هو، إلا أنه أقام الظاهر مقام المضمر للتأكيد والمبالغة في البيان.
﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ ﴿مَنْ وُجِدَ﴾ الذي هو الاسم الموصول.
البلاغة:
﴿وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ فيه جناس الاشتقاق. ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ فيه أيضا جناس الاشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿آوى إِلَيْهِ أَخاهُ﴾ ضم إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل. ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ تحزن. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الحسد لنا، وأمره ألا يخبرهم، وتواطأ معه على أنه سيحتال على أن يبقيه عنده. ﴿جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ أعد لهم الطعام بسرعة. ﴿السِّقايَةَ﴾ في الأصل: المشربة أو وعاء يسقى به، والمراد به هنا المكيال الذي كان يكال به الطعام للناس، وهو صواع الملك، فهو كان مشربة، ثم جعل صاعا يكال به، ويقدر بكيلة مصرية ١/ ١٢ من الإردب المصري، والإردب ١٩٨ لترا، أو ١٥٦ كغ. قيل: كان من فضة، وقيل: كان من ذهب. ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامين.
﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مناد، أو أعلم وأخبر، وهو يفيد الكثرة والتكرار. ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ القافلة أو الجمال التي تحمل الطعام، والمراد أصحابها. ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيّ شيء ضاع منكم، والفقد: غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه.
﴿صُواعَ الْمَلِكِ﴾ صاعه أو مكياله. ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ من الطعام جعلا له. ﴿وَأَنَا بِهِ﴾ بالحمل. ﴿زَعِيمٌ﴾ كفيل وضامن، أؤديه إلى من ردّه.
﴿تَاللهِ﴾ قسم فيه معنى التعجب. ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ.﴾. استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم، لما عرفوا منهم في كرتي مجيئهم، مما يدل على فرط أمانتهم، مثل ردّ البضاعة التي جعلت في رحالهم.
﴿قالُوا: فَما جَزاؤُهُ﴾ أي قال المؤذن وأصحابه، فما جزاء السارق. ﴿إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ في قولكم: ما كنا سارقين، ووجد فيكم. ﴿قالُوا: جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ أي عقوبة السارق استعباد أو استرقاق من وجد في رحله. ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تأكيد لما سبق أي فأخذ السارق جزاء
стр. 3852
المسروق لا غير، وكان ذلك سنة آل يعقوب. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أي مثل هذا الجزاء جزاء الظالمين بالسرقة، وهذا تصريح منهم ليوسف بتفتيش أوعيتهم.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ ففتشها. ﴿قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ قبل تفتيش وعاء أخيه بنيامين لئلا يتهم. ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها﴾ أي السقاية أو الصواع. ﴿كَذلِكَ كِدْنا﴾ أي مثل ذلك الكيد (أي التدبير الخفي) كدنا ليوسف، علمناه الحيلة في أخذ أخيه وأوحينا به إليه. ﴿ما كانَ﴾ يوسف.
﴿لِيَأْخُذَ أَخاهُ﴾ رقيقا من السرقة. ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ في قانون أو نظام أو حكم أو شرع ملك مصر؛ لأن جزاءه في ذلك النظام الضرب وتغريم مثلي المسروق، لا الاسترقاق. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك، وهو أخذه بحكم أبيه، أي لم يتمكن من أخذه إلا بمشيئة الله بإلهامه سؤال إخوته، وجوابهم بنظامهم أو سنتهم. والاستثناء متصل من أعم الأحوال، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، أي لكن أخذه بمشيئة الله وإذنه.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ بالعلم كيوسف. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ من المخلوقين.
﴿عَلِيمٌ﴾ أعلم منه، حتى ينتهي إلى الله تعالى.
المناسبة:
الربط بين الآيات هنا واضح، إذ هي تعرض أجزاء ومشاهد قصة واحدة ذات حلقات متسلسلة، فبعد أن اتجه أولاد يعقوب إلى مصر لجلب الميرة، مزودين بوصية والدهم، وصلوا إلى مكان وجود العزيز الذي يتولى بيع الطعام للناس، فلما دخلوا عرف أخاه وضمه إليه.
التفسير والبيان:
حينما دخل أولاد يعقوب على يوسف في مجلسه الخاص ومنزل ضيافته، ومعهم أخوه شقيقه بنيامين، بعد أن كانوا دخلوا القصر من أبواب متفرقة، ضم إليه أخاه واختلى به، وأطلعه على شأنه، وعرّفه أنه أخوه، وقال له: لا تبتئس أي لا تأسف ولا تحزن على ما صنعوا بي، وأمره ألا يطلع إخوته على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيتخذ تدبيرا يبقيه عنده معززا مكرما.
روي أنهم قالوا له: هذا أخونا، قد جئناك به، فقال لهم: أحسنتم
стр. 3853
وأصبتم، وستجدون ذلك عندي، فأنزلهم وأكرمهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحده، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه، فقال يوسف: بقي أخوكم وحيدا، فأجلسه معه على مائدته، وجعل يواكله، وقال: أنتم عشرة، فلينزل كل اثنين منكم بيتا، وهذا لا ثاني له، فيكون معي، فبات يوسف يضمه إليه، ويشم رائحته، حتى أصبح وسأله عن ولده، فقال: لي عشرة بنين، اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي هلك، فقال له:
أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد أخا مثلك؟! ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل (أمهما) فبكى يوسف وقام إليه وعانقه، وقال له: إني أنا أخوك يوسف، فلا تحزن بما كانوا يعملون بنا في الماضي، فإن الله قد أحسن إلينا، وجمعنا على خير، ولا تعلمهم بما أعلمتك (١).
﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ.﴾. فلما أعدّ لهم الطعام، وحمل لهم أبعرتهم طعاما، أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية (الصواع أو المكيال، وهي إناء من فضة في قول الأكثرين، وقيل: من ذهب) في رحل أخيه بنيامين، دون علم أحد.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ ثم نادى مناد حينما عزموا على الخروج: أيتها العير أي يا أصحاب العير، إنكم قوم سارقون، فقفوا. فبهتوا وذهلوا.
فالتفتوا إلى المنادي وقالوا: أي: قال إخوة يوسف للمنادي ومن معه: أيّ شيء تفقدونه؟ فأجابوهم: نفقد صاع الملك الذي يكيل به، ولمن أتى به حمل بعير من القمح، وهذا يدل على أن عيرهم الإبل، وأنا به زعيم أي كفيل ضامن، وهذا من باب الجعالة والضمان والكفالة.
قال إخوة يوسف بعد اتهامهم بالسرقة: والله لقد خبرتمونا وجربتمونا في المرة الأولى وحين عودتنا إذ رددنا بضاعتنا إليكم، وتحققتم منذ عرفتمونا، وشاهدتم
стр. 3854
سيرتنا الحسنة أنا ما جئنا لنفسد في أرض بسرقة ولا غيرها من التعدي على حقوق الناس، ولم نكن يوما ما سارقين، فليست سجايانا تقتضي هذه الصفة.
فقال لهم فتيان يوسف: فما جزاء السارق إن كان فيكم، إن كنتم كاذبين في نفي التهمة عنكم؟ أي أيّ عقاب للسارق في شرعكم إن وجدنا فيكم من أخذه، وأنتم تدّعون البراءة؟ فأجابوهم: جزاؤه أخذ من وجد في رحله، ومثل هذا الجزاء نجزي الظالمين للناس بسرقة أموالهم في شريعتنا أن يسترقوا، وهكذا كانت شريعة إبراهيم ويعقوب ﵉: أن السارق يدفع إلى المسروق منه، فيصيرا عبدا له، وهذا هو ما أراده يوسف ﵇.
ولهذا بدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه للتورية وحتى لا يتهم، ثم استخرج السقاية من وعاء أخيه بنيامين، فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزاما لهم بما يعتقدونه ويحكمون به.
قوله: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تقرير للحكم السابق وتأكيد له، بعد تأكيد ثقتهم وبراءتهم بأنفسهم.
﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أي مثل ذلك الكيد وهو التدبير الخفي، كدنا ليوسف، أي دبرنا له في الخفاء وأوحينا إليه أن يفعله. وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة. وهو دليل على جواز التوصل إلى الأغراض المشروعة بما ظاهره الحيلة إذا لم يخالف نصا تشريعيا أو حكما مقررا، فهي حيلة جائزة مشروعة، لا ممنوعة محظورة، لما يترتب عليها من الخير والمصلحة، دون إلحاق ضرر بأحد، مع اطمئنان بنيامين إلى البراءة، بسبب التواطؤ السابق بينه وبين أخيه يوسف.
стр. 3855
وسبب ذلك التدبير الخفي أن يوسف ما كان يتمكن من أخذ أخيه في حكم ملك مصر الذي لا يبيح استرقاق السارق، ولكن قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه وهو أن يستعبد السارق، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى بقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ بالعلم، كما قال تعالى:
﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة ١١/ ٥٨].
وقوله: ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ استثناء من أعم الأحوال أي ما كان ليأخذ أخاه في نظام الملك في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله، فإنه فعل ذلك بإذن الله ووحيه، مما يدل على أن تلك الحيلة بإقرار الشرع، ووحي الله تعالى.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أي فوق كل عالم من هو أعلم منه، قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله . فإذا كان إخوة يوسف علماء فإن يوسف كان أعلم منهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - كانت فرحة غامرة من أفراح العمر لقاء الأخوين: يوسف وبنيامين، فضم يوسف أخاه إليه، وتعرّف عليه بعد فراق دام أكثر من ربع قرن، وتواطأ معه على خطة إبقائه لديه.
٢ - دل قول يوسف لأخيه ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ على التحلي بصفة العفو والتسامح، وإظهار الحب والود لإخوته، ونسيان الماضي وتجاوز أخطائهم معه في مقتبل العمر.
٣ - كان وضع الصواع في رحل بنيامين بأمر يوسف ﵇ تعليما
стр. 3856
وإلهاما ووحيا من الله، وكان إبقاء أخيه لديه عملا بشريعة إبراهيم ويعقوب، وإلزاما لإخوته بما حكموا به.
٤ - لم يكن وصف أولاد يعقوب بأنهم سارقون كذبا من يوسف ﵇، وإنما المراد أيتها العير حالكم حال السّرّاق، والمعنى: إن شيئا لغيركم صار عندكم من غير رضا الملك ولا علمه. أو أن ذلك كان حيلة لاجتماع شمله بأخيه، وفصله عنهم إليه، أو أنهم سارقون باعتبار ما كان منهم حينما أخذوا يوسف من أبيه، فألقوه في الجبّ.
٥ - دل قوله: ﴿وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ على جواز الجعالة (١) وضمان الجعل قبل إنجاز العمل أو قبل إتمامه. وقد أجيز للضرورة، فجاز فيه من الجهالة ما لا يجوز في غيره، وهو من العقود الجائزة التي يجوز لأحدهما فسخه، إلا أن المجعول له يجوز أن يفسخه قبل الشروع بالعمل وبعده، إذا رضي بإسقاط حقه، وليس للجاعل أن يفسخه إذا شرع المجعول له في العمل. ولا يشترط في عقد الجعالة حضور المتعاقدين، كسائر العقود؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جاءَ بِهِ.﴾. وبهذا كله قال الشافعي، وكذا المالكية والحنابلة، ولم يجز الحنفية الجعالة للجهالة.
ولم يكن قوله ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ ضمان المجهول، لأن حمل البعير كان معينا معلوما عندهم كالوسق (٦٠ صاعا) فصح ضمانه، غير أنه كان بدل مال عن المسروق، وهو كفالة بما لم يجب، لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئا على رد السرقة، فلعله كان يصح في شرعهم، أو كان هذا جعالة.
стр. 3857
٦ - دل قوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ على جواز الكفالة بنوعيها: الكفالة بالمال والكفالة بالنفس، وهذا مطابق للحديث النبوي الذي أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ابن حسان وصححه عن أبي أمامة الباهلي وغيره: «الزعيم غارم» وهو رأي المذاهب الأربعة، ولم يجز بعضهم الكفالة بالنفس لعجز الكفيل عن إحضار المكفول بنفسه.
وهل يلزم الكفيل بالنفس ضمان المال أو لا؟ قال الحنفية: لا يلزمه إن مات المكفول بنفسه: لأنه إنما تكفل بالنفس ولم يتكفل بالمال، فمحال أن يلزمه ما لم يتكفل به. وقال المالكية والليث والأوزاعي: يغرم المال، ويرجع به على المطلوب؛ لأن الكفيل يعلم أن المضمون بنفسه إنما يطلب بمال، فإذا ضمن إحضاره ولم يأته به، فكأنه فوّته عليه، فلزمه المال.
وإذا انعقدت الكفالة جاز في رأي الجمهور للدائن المكفول له أن يطالب بالمال أو الدين من شاء من المدين الأصيل أو الكفيل. ورأي مالك الأخير: ألا يطالب الكفيل إلا أن يفلس الغريم (المدين) أو يغيب؛ لأن البدء بمطالبة من عليه الحق أولى؛ إلا أن يكون معدما، فيؤخذ الدين من الكفيل، لأنه معذور في أخذه في هذه الحالة.
والكفالة لا تصح إلا في الحقوق التي تجوز النيابة فيها، مما يتعلق بالذمة من الأموال، وكان الدين ثابتا مستقرا، أي لازما. فلا تصح الكفالة بنجوم (أقساط) الكتابة؛ لأنها ليست بدين لازم أو ثابت مستقر. وأما الحقوق التي لا يمكن لأحد القيام بها عن أحد كالحدود فلا كفالة فيها عند الأكثرين؛ لأن درء هذه الحدود مطلوب ما أمكن، ويسجن المدعى عليه الحد، حتى ينظر في أمره.
وأجاز أبو يوسف ومحمد الكفالة في الحدود والقصاص، لجواز الكفالة بالنفس.
وأجاز الشافعية كفالة تسليم النفس في الحدود الخالصة للآدمي كقصاص وحد قذف وتعزير؛ لأنها حق لآدمي، فصحت الكفالة، كسائر حقوق الآدميين المالية.
стр. 3858
٧ - كان استرقاق أو استعباد السارقين دين يعقوب ﵇ وحكمه، وقد فهم هذا من جواب أولاده: ﴿جَزاؤُهُ: مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ وفي الجملة معنى التوكيد، كما تقول: جزاء من سرق القطع، فهذا جزاؤه؛ لأنهم التزموا استرقاق من وجد في رحله.
وكان حكم السارق عند أهل مصر أن يغرم ضعفي ما أخذ.
وأما قطع يد السارق في شريعتنا فهو ناسخ لما تقدم من الشرائع، أو لما كان في شرع يعقوب من استرقاق السارق.
٨ - يجوز التوصل إلى الأغراض أو الحقوق المشروعة إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلا. وأجاز الحنفية والشافعية الحيلة إلى المباح، واستخراج الحقوق، لفعل يوسف بوضع الصواع في رحل أخيه، ولفعل أيوب مع امرأته:
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص ٤٤/ ٣٨] ولأمر النبي ﷺ ببيع التمر الرديء بالدراهم، ثم شراء التمر الجيد (الجنيب) بالدراهم.
واجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة، فإذا حال الحول لا يحل له التحيل ولا النقصان، ولا أن يفرّق بين مجتمع، ولا أن يجمع بين متفرق.
وقال مالك: إذا فوّت من ماله شيئا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه، لزمته الزكاة عند الحول، أخذا منه
بقوله ﷺ : «خشية الصدقة».
وقال أبو حنيفة: إن نوى بتفريقه الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا يضرّه؛ لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول، ولا يتوجه إليه معنى
الحديث السابق: «خشية الصدقة» (١) إلا حينئذ.
стр. 3859
٩ - شاء الله أن يجري على ألسنة أولاد يعقوب حكم بني إسرائيل في استرقاق السارق، مع أنه كان حكم الملك الضرب والتغريم ضعفي المسروق.
١٠ - لله في خلقه شؤون، يعزّ قوما ويذلّ آخرين، ويرفع من يشاء درجات بالعلم والإيمان. قال ابن عباس: يكون ذا أعلم من ذا، وذا أعلم من ذا، والله فوق كل عالم. وقال أيضا: الله العليم، وهو فوق كل عالم. والآية تدل على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات.
الفصل الرابع عشر من قصة يوسف
نقاش حادّ بين أولاد يعقوب وبين يوسف وبين أبيهم حول
السرقة المزعومة
﴿قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩) فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧)﴾
стр. 3860
الإعراب:
﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً﴾ بدل من أسرّها. ﴿مَعاذَ اللهِ﴾ منصوب على المصدر، حذف فعله وأضيف إلى المفعول.
﴿اِسْتَيْأَسُوا﴾ استفعلوا من يئس ييأس ﴿نَجِيًّا﴾ حال من ﴿خَلَصُوا﴾ و ﴿نَجِيًّا﴾ لفظه لفظ المفرد، والمراد به الجمع، كعدو وصديق، فإنهما يوصف بهما الجمع على لفظ المفرد.
﴿ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ ﴿فَلَمَّا﴾ إما مصدرية في موضع نصب بالعطف على قوله تعالى:
﴿أَباكُمْ﴾ وتقديره: ألم تعلموا أن أباكم وتفريطكم، وإما أن تكون زائدة، أي ومن قبل فرطتم، مثل ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ﴾ أي فبرحمته.
﴿يا أَسَفى﴾ في موضع نصب؛ لأنه منادى مضاف، وأصله: يا آسفي، فأبدل من الكسرة فتحة، فانقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار: ﴿يا أَسَفى﴾. و ﴿عَلى يُوسُفَ﴾ في موضع نصب؛ لأنه من صلة المصدر.
стр. 3861
البلاغة:
﴿فَأَسَرَّها﴾ .. ﴿وَلَمْ يُبْدِها﴾ بينهما طباق. ﴿شَيْخاً كَبِيراً﴾ فيه إطناب للاستعطاف.
﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ مجاز مرسل علاقته المحلية أي أهل القرية. ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ بينهما جناس الاشتقاق. ﴿تَاللهِ تَفْتَؤُا﴾ إيجاز بالحذف، أي والله لا تفتأ.
﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ استعار الروح وهو تنسيم الريح الطيبة النسيم، للفرج بعد الكرب، واليسر بعد الشدة.
المفردات اللغوية:
﴿إِنْ يَسْرِقْ﴾ بنيامين. ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ قيل: ورثت عمته من أبيها منطقة إبراهيم ﵇، وكانت تحضن يوسف وتحبه، فلما شبّ أراد يعقوب انتزاعه منها، فشدت المنطقة على وسطه، ثم أظهرت ضياعها، فتفحص عنها، فوجدها محزومة عليه، فصارت أحق به في حكمهم. وقيل: كان لأبي أمه صنم من ذهب، فسرقه، وكسره، وألقاه في الجيف، لئلا يعبده.
﴿فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها﴾ لم يظهرها لهم، والضمير يعود للكلمة أو الجملة التي في قوله:
﴿قالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً﴾ أي فأسرّ الجملة أو الكلمة التي هي قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً﴾.
﴿قالَ﴾ في نفسه. ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً﴾ أي شر منزلة من يوسف وأخيه، لسرقتكم أخاكم من أبيكم وظلمكم له. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أي والله عالم أنه لم يصح لي ولا لأخي سرقة، وليس الأمر كما تذكرون من أمره، أو وهو يعلم أن الأمر ليس كما تصفون.
﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾ في السن أو القدر، يحبه أكثر منا، ويتسلى به عن ولده الهالك، ويحزنه فراقه، وهذا استعطاف له عليه. ﴿فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ﴾ استعبده بدلا منه، فإن أباه مستأنس به. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ في أفعالك إلينا، فأتمم إحسانك، أو من المتعوّدين الإحسان، فلا تغير عادتك. ﴿مَعاذَ اللهِ﴾ أي نعوذ بالله ونلجأ إليه. ﴿أَنْ نَأْخُذَ﴾ من أن نأخذ، ولم يقل:
من سرق، تحرزا من الكذب. ﴿إِنّا إِذاً﴾ إن أخذنا غيره مكانه ﴿لَظالِمُونَ﴾ في مذهبكم، لو أخذنا غيره مكانه، كنا من الظلمة.
﴿اِسْتَيْأَسُوا﴾ يئسوا يأسا كثيرا من يوسف وإجابته إياهم، وزيادة السين والتاء للمبالغة.
﴿خَلَصُوا﴾ انفردوا واعتزلوا الناس. ﴿نَجِيًّا﴾ متناجين متشاورين سرا، يناجي بعضهم بعضا، وإنما وحده لأنه مصدر أو بزنة المصدر، كما قيل: هم صديق، وجمعه أنجية كنديّ وأندية.
﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ سنا: روبيل أو يهوذا، أو كبيرهم في الرأي وهو شمعون. ﴿مَوْثِقاً﴾ عهدا. ﴿مِنَ اللهِ﴾ في أخيكم، وإنما جعل حلفهم بالله موثقا منه، لأنه بإذن منه وتأكيد من
стр. 3862
جهته. ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ هذا. ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾ قصرتم في شأنه، و ﴿فَلَمَّا﴾ زائدة أو مصدرية في موضع نصب بالعطف على مفعول: تعلموا، ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف، أو معطوف على اسم أن، وخبره: ﴿فِي يُوسُفَ﴾. ويصح كونه مبتدأ وخبره: من قال قال البيضاوي: وفيه نظر: لأن قبل إذا كان خبرا، أو صلة، لا يقطع عن الإضافة، حتى لا ينقص. ويصح أن تكون موصولة، أي ما فرطتموه بمعنى: ما قدمتموه في حقه من الخيانة.
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ لن أفارق أرض مصر ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالعودة أو الرجوع إليه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ أو يقضي الله لي بخلاص أخي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ أعدلهم؛ لأن حكمه لا يكون إلا بالحق.
﴿وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا﴾ وما شهدنا عليه إلا بما تيقنا من مشاهدة الصاع في رحله واستخراجه من وعائه ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ﴾ لما غاب عنا وهو باطن الحال، حين إعطاء الموثق ﴿حافِظِينَ﴾ أي فلا ندري أنه سرق، أو ما كنا للعواقب عالمين، فلم ندر حين أعطيناك الموثق أنه سيسرق.
﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ.﴾. واسأل أهل مصر ﴿وَالْعِيرَ﴾ أصحاب الإبل ﴿الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ وهم قوم من كنعان ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ في قولنا، فرجعوا إليه، وقالوا له ذلك ﴿سَوَّلَتْ﴾ زينت ﴿أَمْراً﴾ ففعلتموه، اتهمهم لما سبق منهم من أمر يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي صبري صبر جميل ﴿أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ﴾ يوسف وأخويه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحالي ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه.
﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم تاركا خطابهم ﴿يا أَسَفى﴾ يا حزني ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ﴾ انمحق سوادهما وتبدل بياضا من بكائه ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾ عليه ﴿كَظِيمٌ﴾ مملوء غيظا، مغموم مكروب لا يظهر كربه ﴿تَاللهِ تَفْتَؤُا﴾ لا تفتأ أي لا تزال تذكره تفجعا عليه ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضاً﴾ مريضا مشرفا على الهلاك، لطول مرضك، وهو مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿الْهالِكِينَ﴾ الموتى.
﴿قالَ﴾ يعقوب لهم ﴿بَثِّي﴾ هو عظيم الحزن الذي لا يصبر عليه حتى يبث إلى الناس من.
البث: وهو النشر ﴿وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ لا إلى غيره، فهو الذي تنفع الشكوى إليه، فخلوني وشكايتي ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ من أن رؤيا يوسف صدق وهو حي، وأعلم من الله أي من صنعه ورحمته فإنه لا يخيب داعيه ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ اطلبوا خبرهما ﴿وَلا تَيْأَسُوا﴾ تقنطوا ﴿مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ رحمته وفرجه.
المناسبة:
هزت السرقة أعماق نفوس أولاد يعقوب، فثار النقاش الحاد والحوار الشديد
стр. 3863
بين أولاد يعقوب أنفسهم، وبينهم وبين يوسف، وبينهم وبين أبيهم، لعودتهم إليه دون ولدين آخرين: وهما أكبر أولاده «روبيل أو يهوذا» وأصغر أولاده وهو بنيامين. ولم يجد أبناء يعقوب سبيلا للدفاع إلا الحجة الساذجة السطحية وهو تأكيد حادثة السرقة من أخيهم كما سرق أخوه يوسف من قبل، وقالوا:
هذه الواقعة عجيبة أن «راحيل» ولدت ولدت ولدين لصين، ثم قالوا: يا بني راحيل، ما أكثر البلاء علينا منكم، فقال بنيامين: ما أكثر البلاء علينا منكم، ذهبتم بأخي وضيعتموه في المفازة، ثم تقولون لي هذا الكلام، قالوا له: فكيف خرج الصواع من رحلك؟ فقال: وضعه في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم (١).
التفسير والبيان
قال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من وعاء بنيامين، بعد أن نفوا السرقة نفيا باتا، والتزموا على أنفسهم استعباد من وجد في رحله: إن يسرق بنيامين، فقد سرق أخوه يوسف من قبل، فهما من أصل واحد، ومرادهم التنصل إلى العزيز من التشبه بالأخوين، وتأنيب أخيهم على ما فعل.
وهذا يعني أن الطبائع والعادات والأخلاق تورث، وأن الحقد والكراهية والحسد عندهم ما يزال موجودا لديهم.
ونسبة السرقة إلى يوسف في أصح الروايات ما روى ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا قال: سرق يوسف ﵇ صنما لجده أبي أمه من ذهب وفضة، فكسره وألقاه في الطريق، فعيره بذلك إخوته. وقال سعيد بن جبير عن قتادة: كان يوسف ﵇ قد سرق صنما لجده أبي أمه، فكسره.
وروى محمد بن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان أول
стр. 3864
ما دخل على يوسف من البلاء-فيما بلغني-أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت عندها منطقة إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكان من اختبأها ممن وليها، كان له سلما لا ينازع فيه، يصنع فيه ما يشاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، وكان لها به وله، فلم تحب أحدا حبها إياه، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات، تاقت إليه نفس يعقوب ﵇، فأتاها، فقال: يا أخية، سلّمي إليّ يوسف، فو الله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة، قالت: فو الله، ما أنا بتاركته، ثم قالت: فدعه عندي أياما، أنظر إليه، وأسكن عنه، لعل ذلك يسليني عنه.
فلما خرج من عندها يعقوب، عمدت إلى منطقة إسحاق، فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق ﵇، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟ فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوهم، فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله، إنه لي لسلم أصنع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب، فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذلك، إن كان فعل ذلك، فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، قال:
فهو الذي يقول إخوة يوسف، حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
﴿فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ أي فأخفى في نفسه مقالتهم هذه، أو أخفى الجملة أو الكلمة التي بعدها وهي قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً.﴾ ..
﴿وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أي لم يظهر ما في نفسه من مؤاخذتهم بمقالتهم، بل صفح عنهم.
﴿قالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً﴾ أي وقال لهم في نفسه دون إعلان لهم: أنتم شر مكانا ومنزلة ممن تتهمونه بالسرقة، إذا أنكم سرقتم من أبيكم أخاكم، وطرحتموه في البئر، بقصد الهلاك والتخلص منه.
стр. 3865
﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أي والله عالم بما تذكرون وما تصفونه به.
وهذا من قبيل الإضمار قبل الذكر، وهو كثير في اللغة والقرآن والحديث.
ثم استعطفوه واستشفعوا لديه لعله يأخذ أحدهم مكانه، فالفداء أو العفو أيضا جائز في شرعهم: ﴿قالُوا: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ أي قالوا: يا أيها العزيز، إن له أبا شيخا هرما متعلقا به، فهو يحبه حبا شديدا، ويتسلى به عن ولده الذي فقده، أو هو كبير القدر والمقام جدير بالرعاية والمجاملة والعناية.
فخذ أحدا منا بدله، يكون عندك عوضا عنه، إنا نراك من المحسنين لنا في ميرتنا وضيافتنا، أو من العادلين المنصفين، القابلين للخير، أو من عادتك الإحسان مطلقا، فأحسن إلينا.
فأجابهم: ﴿قالَ: مَعاذَ اللهِ.﴾. أي نعوذ بالله معاذا أو نستعيذ بالله أن نأخذ غير من وجدنا الصواع عنده، كما قلتم واعترفتم، ولم يقل: إلا من سرق، تحاشيا للكذب، إنا إذا أخذنا غيره كان ذلك ظلما في مذهبكم، فهو أخذ بريء بمتهم، فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم. والمقصود الحقيقي من هذا الكلام بيان أن الله أمرني وأوحى إلي بأخذ بنيامين واحتباسه لمصلحة في ذلك، فلو أخذت غير من أمرني بأخذه، كنت ظالما وعاملا على خلاف الوحي. وهو رد قوي لهم، متضمن الاستعاذة من رأيهم، لأنه ظلم. ثم جاء دور حوارهم مع بعضهم.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا.﴾. أي فلما يئس إخوة يوسف من إطلاق سراح أخيهم بنيامين الذي التزموا لأبيهم برده إليه، وعاهدوا على ذلك، انفردوا عن الناس يتناجون فيما بينهم ويتشاورون في أمرهم. قال كبيرهم في السن أو في العقل والرأي وهو روبيل أو يهوذا الذي أشار بإلقائه في البئر عند ما هموا بقتله: إن هذا الأمر عظيم، ألم تذكروا أخذ أبيكم موثقكم لتردّنه إليه، إلا أن يحاط بكم، وألم
стр. 3866
تعلموا أيضا تفريطكم في الماضي بأخيكم يوسف وإضاعته عن أبيكم، مما جعله رهين الحزن والأسى عليه؟! ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ..﴾. فلن أغادر أرض مصر أبدا، وأترك بنيامين فيها، حتى يأذن لي أبي في العودة إليه، أو يحكم الله لي بأن يمكنني من أخذ أخي أو بالخروج من مصر، وهو خير الحاكمين، فلا يحكم أبدا إلا بالحق والعدل.
هذا قراره الشخصي، وأما رأيه فيما يقولون لأبيهم فهو ﴿اِرْجِعُوا.﴾. أي عودوا إلى أبيكم وقولوا له: يا أبانا إن ابنك سرق صواع الملك، فاسترقه العزيز القائم بأمر الحكم في مصر، على وفق شريعتنا التي أخبرناه بها، وما شهدنا عليه بالسرقة إلا بما علمناه وشاهدنا من إخراج الصواع من وعاء بنيامين، وما كنا للغيب حافظين، أي وما علمنا أنه سيسرق ويسترق حين أعطيناك الموثق، أو ما علمنا أنك تصاب به كما أصبت بيوسف، وفي الجملة: حقيقة الحال غير معلومة لنا، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى.
﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ.﴾. أي واسأل يا أبانا عما حدث أهل القرية التي كنا فيها وهي مصر، فقد اشتهر أمر هذه السرقة فيهم، واسأل أصحاب العير الذين كانوا يأتون بالميرة (الطعام) معنا. وهذا مبالغة منهم في إزالة التهمة عن أنفسهم، لأنهم مشكوك فيهم، وكانوا متهمين بسبب واقعة يوسف ﵇. ثم أكدوا صدقهم بقوله: ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به من أنه سرق، وأخذوه بسرقته، وهذا مقال كبيرهم، ثم ذكر تعالى مقال أبيهم:
﴿قالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ.﴾. أجابهم أبوهم بما يدل على عدم تصديقهم فيما قالوا، كما أجابهم حين جاؤوا على قميص يوسف بدم كذب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ.﴾.
بل زينت لكم أنفسكم أمرا آخر أردتموه، وكيدا جديدا فعلتموه؟ وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته لولا فتواكم وتعليمكم!
стр. 3867
فأمري الاعتصام بالصبر الجميل وهو الذي لا جزع فيه ولا شكاية لأحد، وإنما أرضى بقضاء الله وقدره، وأشكو إلى الله وحده، ثم ترجى أن يرد عليه أولاده الثلاثة: يوسف وبنيامين، وروبيل الذي أقام بمصر، ينتظر أمر الله فيه: إما أن يرضى عنه أبوه، فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خفية، فقال: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً.﴾. أي لعل الله الذي أطلب منه إرجاع أولادي الثلاثة أن يعيدهم إلي جميعا، وقد كان ملهما أن يوسف لم يمت، إنه هو العليم بحالي من الكبر والحزن، الحكيم في أفعاله وقضائه وقدره، فما بعد الشدة إلا اليسر، وما بعد الكرب إلا الفرج.
﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ.﴾. وأعرض يعقوب عن بنيه كارها لما قالوا ووصفوا، وقال متذكرا حزن يوسف القديم: يا حزني ويا أسفي على يوسف، والأسف: أشد الحزن والحسرة، فجدد له حزن الابنين الحزن الدفين. وهو دليل على تمادي أسفه على يوسف، وأن المصاب فيه دائم متجدد لم ينس مع تقادم العهد.
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ.﴾. أي أصيبت عيناه بسبب الحزن بغشاوة بيضاء، حجبت البصر والرؤية فأصبح كظيما أي ساكتا لا يشكو أمره إلى مخلوق، كاظما غيظه على أولاده. قيل: ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف، إلى حين لقائه، ثمانين عاما، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.
والجزع البالغ والحزن الشديد أمر إنساني عند الشدائد والمصائب، وهو غير مذموم شرعا إذا اقترن بالصبر، وضبط النفس، حتى لا يخرج إلى مالا يحسن، ولقد
بكى رسول ﷺ على ولده إبراهيم، وقال فيما رواه الشيخان: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».
وإنما الجزع المذموم: ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة ولطم الصدور
стр. 3868
والوجوه، وتمزيق الثياب.
عن النبي ﷺ «أنه بكى على ولد بعض بناته، وهو يجود بنفسه، فقيل: يا رسول الله، تبكي وقد نهيتنا عن البكاء؟ فقال: ما نهيتكم عن البكاء، وإنما نهيتكم عن صوتين أحمقين: صوت عند الفرح، وصوت عند الترح».
وقال الحسن البصري حينما بكى على ولد أو غيره: «ما رأيت الله جعل الحزن عارا على يعقوب».
وعند ما شاهد أولاد يعقوب ما حدث لأبيهم، رقوا له، وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه: والله لا تزال تذكر يوسف، حتى تصير مريضا ضعيف القوة، أو تموت، أي إن استمر بك هذا الحال، خشينا عليك الهلاك والتلف.
فأجابهم عما قالوا: ﴿إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ أي لا أشكو إلى أحد منكم ومن غيركم حزني، إنما أشكو همّي الشديد وأسفي وما أنا فيه إلى الله وحده داعيا له وملتجئا إليه، فخلوني وشكايتي، وأعلم من الله ما لا تعلمون، أي أرجو منه كل خير، لأني أعلم من صنعه وإحسانه ورحمته وحسن ظني به أن يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب. روي أنه رأى ملك الموت في منامه، فسأله، هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا والله، هو حيّ فأطلبه. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ.﴾. يعني رؤيا يوسف أنها صدق، وأن الله لا بد أن يظهرها.
﴿يا بَنِيَّ، اِذْهَبُوا.﴾. يا أولادي اذهبوا إلى مصر، وتعرفوا أخبار يوسف وأخيه بنيامين. والتحسس يكون في الخير، والتجسس يكون في الشر، فهو قد ندبهم على الذهاب إلى مصر للتعرف على أخبار إخوتهم، وأمرهم ألا ييأسوا من روح الله أي من فرجه وتنفيسه الكرب، ولا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يقصدونه، فإنه لا يقطع الرجاء، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون أي
стр. 3869
الذين يجحدون قدرته ورحمته، ويجهلون حكمة الله في عباده. أما المؤمنون فلا ييأسون من رحمة الله وتفريجه الكروب، وإزالته الشدائد. قال ابن عباس ﵄: «إن المؤمن من الله على خير، يرجوه في البلاء، ويحمده في الرخاء».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - لم يتغير موقف أولاد يعقوب العشرة في حال الصغر والكبر معا، وظلوا على حقدهم وحسدهم وكراهيتهم لأخويهما: يوسف وبنيامين، وقد فهم هذا من محاولة تبرئة أنفسهم بأنهم على منهج وطريقة وسيرة تختلف عن منهج وسيرة أخويهم، فأخواهما مختصان بهذه الطريقة واحتراف السرقة، لأنهما من أم أخرى.
والحق أن سرقة يوسف كانت رضى لله، وكانت على ما يبدو في حال الصغر، والصغير غير مكلف، ولم يكن وضع الصواع في رحل بنيامين منه إنما كان من غيره.
٢ - لم يقابلهم يوسف بالإساءة والتصريح عما في نفسه، وإنما أسرّ في نفسه مقالتهم، وقولهم هو: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وقيل: إنه أسرّ في نفسه على طريقة الإضمار قبل الذكر قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً﴾ ثم جهر فقال: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾.
٣ - استعطفوه لإطلاق سراح أخيهم بنيامين أو قبول الفداء عنه بأخذ أحدهم بدله، بحال أبيه الشيخ الكبير أي كبير القدر، ولم يريدوا كبير السن، لأن ذلك معروف من حال الشيخ، واستعطفوه أيضا بما رأوا من إحسانه في جميع أفعاله معهم.
стр. 3870
وأما عرضهم أخذ البدل عنه فهو إما مجاز، لأنهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر يسترق بدل المتهم، وإنما هو مبالغة في استنزاله، كما تقول لمن تكره فعله:
اقتلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنت لا تريد أن يقتلك، ولكنك مبالغ في استنزاله.
وإما أن يكون قولهم: ﴿فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ﴾ حقيقة، من طريق الكفالة بالنفس، ليصل بنيامين إلى أبيه، ويعرف جلّية الأمر، والكفالة بالنفس جائزة على التحقيق في المذاهب الإسلامية الأربعة، حتى عند الشافعي على الراجح.
وعلى كل حال كما أن الاستعباد للسارق في شرع إسحاق ويعقوب جائز، كذلك العفو وأخذ الفداء كان جائزا أيضا.
٤ - رفض يوسف ﵇ أخذ البدل، ووصف ذلك بأنه ظلم.
٥ - تشاور أولاد يعقوب فيما يفعلون أمام الميثاق الذي أخذه عليهم أبوهم مؤكدا باليمين بالله، وتذكروا تفريطهم السابق بيوسف، فقرر أكبرهم في السن أو في الرأي والعقل وهو شمعون أو يهوذا أو روبيل البقاء في مصر، حتى يأذن له أبوه بالرجوع إليه، لاستحيائه منه، أو يحكم الله له بالمضي مع أخيه إلى أبيهما.
وهذا دليل على أن التناجي والمشاورة في أمر ما مطلوب شرعا.
وقد ذكر القاضي عياض في «الشفا» أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ هذه الآية:
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ فقال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام. إذ أن هذه الجملة تضمنت معاني كثيرة، يعبر عنها اليوم بجمل كثيرة لعقد اجتماع سري، وتشاور فيه، ومداولة فيما يجابهون به أباهم، وكيفية بيان الحادث له.
٦ - اتفق أولاد يعقوب بمشورة كبيرهم الذي بقي في مصر على مصارحة أبيهم بما حدث من واقعة السرقة، وشهادتهم في الظاهر عليها، حيث أخرج الصواع
стр. 3871
من متاع بنيامين، وجهلهم بالمغيب، فلم يعلموا وقت أخذ الميثاق عليهم أنه يسرق، ويصير أمرهم إلى ما آل إليه، من الاستعباد أو الاسترقاق، عملا بما هو المقرر من جزاء في شريعتهم.
وعلى كل حال فإنهم لما تفكروا في الأصوب ظهر لهم أن الأصوب هو الرجوع وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة على نحو ما حدثت.
٧ - تضمنت آية ﴿وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا﴾ جواز الشهادة بأي وجه حصل العلم بها، فتصح شهادة المستمع والمعاين والأعمى والأخرس إذا فهمت إشارته، وكذلك تصح الشهادة على الخط إذا تيقن الشاهد أن الخط خط الكاتب أو خط فلان، فكل من حصل له العلم بشيء، جاز أن يشهد به، وإن لم يشهده المشهود عليه، قال الله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف ٨٦/ ٤٣]
وقال رسول الله ﷺ فيما أخرجه مسلم عن زيد بن خالد الجهني: «ألا أخبركم بخير الشهداء: خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها».
وقد شهد أولاد يعقوب بما رأوه حين إخراج الصواع من رحل أخيهم، فغلب على ظنهم أنه هو الذي أخذ الصواع.
وأما شهادة المرور بأن يقول: مررت بفلان فسمعته يقول كذا، فالصحيح أنه إذا استوعب القول، جاز أداء الشهادة عليه.
وإذا ادعى رجل شهادة لا يحتملها عمره، ردّت، لأنه ادّعى باطلا، فأكذبه العيان ظاهرا.
والخلاصة: أن الشهادة تكون بالاعتماد على الحواس الظاهرة، أما حقيقة الغيب فلا يعلمها إلا الله تعالى.
٨ - استعان أولاد يعقوب لإقناع أبيهم بصدق قولهم بسؤال أناس من أهل
стр. 3872
مصر، وسؤال قوافل الطعام التي كانت معهم من قوم من الكنعانيين، وهذا يدل على أن كل من كان على حق، وعلم أنه قد يظن به أنه على خلاف ما هو عليه أو يتوهم: أن يرفع التهمة وكل ريبة عن نفسه، ويصرح بالحق الذي هو عليه، حتى لا يبقى لأحد كلام، وقد فعل هذا نبينا ﷺ
فيما رواه البخاري ومسلم- بقوله للرجلين اللذين مرّا، وهو مع صفية يردّها من المسجد: «على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي». فقالا: سبحان الله! وكبر عليهما، فقال: «إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا».
ثم إنهم بالغوا في التأكيد والتقرير فقالوا: ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ يعني سواء نسبتنا إلى التهمة، أو لم تنسبنا إليها، فنحن صادقون.
٩ - الواجب على كل مسلم إذا أصيب بمكروه في نفسه أو ولده أو ماله أن يتلقى ذلك بالصبر الجميل والرضا والتسليم، ويقتدي بنبي الله يعقوب وسائر النبيين ﵈. قال يعقوب في واقعتي يوسف وبنيامين: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ إلا أنه قال في واقعة يوسف: ﴿وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ وقال في واقعة بنيامين: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾.
١٠ - قول يعقوب ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ صادر عن علمه بالوحي أو بالإلهام أو بسؤال ملك الموت أن يوسف ﵇ لم يمت، وإنما غاب عنه خبره. والذين تمنى إحضارهم ثلاثة: كبير أولاده ويوسف وبنيامين.
١١ - تجدد مصاب يعقوب وحزنه على يوسف بغياب ولدين آخرين هما أكبر أولاده وأصغرهم، فأسف أسفا شديدا، والأسف: شدة الحزن على ما فات، وعمي فلم يعد يبصر بعينيه ست سنين من البكاء، الذي كان سببه الحزن.
стр. 3873
ولكن الله العالم بحقائق الأمور الحكيم فيها على الوجه المطابق للفضل والإحسان والرحمة والمصلحة هيأ لجمع الأسرة كلها.
١٢ - إن الحزن ليس بمحظور إذا اقترن بالصبر والرضا والتسليم لقضاء الله وقدره، فذلك من طبع الإنسان وعاطفته، وإنما المحظور هو السخط على القضاء والقدر، والولولة، وشق الثياب، والكلام بما لا ينبغي،
قال النبي ﷺ فيما أخرجه الشيخان:
«تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب».
وبناء عليه لما سمع يعقوب ﵇ كلام أبنائه، ضاق قلبه جدا، وأعرض عنهم، وفارقهم، ثم طلبهم أخيرا وعاد إليهم.
١٣ - أشفق أولاد يعقوب على أبيهم، ورقوا، وذكروا له مخاطر الاستمرار في حال الحزن، وهي إما المرض المضعف القوة، وإما الهلاك والموت، وهذا أمر واقعي مطابق لأحوال الناس.
١٤ - كانت شكاية يعقوب وحزنه ولجوءه بالدعاء إلى الله وحده، لا إلى أحد من الخلق، وهذا هو المطلوب شرعا في كل شاك حزين.
١٥ - إن نبي الله يعقوب يعلم مالا يعلم غيره من الناس بما عند الله من رحمة وإحسان وتفريج كرب، ويعلم أيضا أن رؤيا يوسف صادقة، وأنه وزوجته وأبناؤه سيسجدون له، تصديقا لرؤياه السابقة وهو صغير.
١٦ - تيقن يعقوب ﵇ حياة ابنه يوسف إما بالرؤيا، وإما بإخبار ملك الموت إياه بأنه لم يقبض روحه، وهو أظهر، فعاد يكلم أولاده باللطف، وطلب منهم الذهاب إلى مصر للبحث عن يوسف وأخيه.
١٧ - لا يقنط من فرج الله إلا القوم الكافرون، وهذا دليل على أن الكافر يقنط في حال الشدّة، وعلى أن القنوط من الكبائر، أما المؤمن فيرجو دائما فرج الله تعالى.
стр. 3874
قال الرازي: واعلم أن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بكريم، بل هو بخيل، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر، ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرا (١).
الفصل الخامس عشر من قصة يوسف
تعرّف أولاد يعقوب على يوسف في المرة الثالثة واعترافهم
بخطئهم وعفوه عنهم
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٩٢) اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾
стр. 3875
الإعراب:
﴿لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ اللام: لام الابتداء، وأنت: مبتدأ، و ﴿يُوسُفُ﴾: خبره، والجملة من المبتدأ والخبر: في موضع رفع خبر «إن» ويجوز أن تكون ﴿لَأَنْتَ﴾ ضمير فصل على قول البصريين، أو عمادا على قول الكوفيين.
﴿مَنْ يَتَّقِ﴾ ﴿مَنَّ﴾ شرطية مبتدأ، وخبره: ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وكان الأصل أن يقال: فإن الله لا يضيع أجرهم، ليعود من الجملة إلى المبتدأ ذكر، إلا أنه أقام المظهر مقام المضمر، كقول الشاعر: لا أرى الموت يسبق الموت شيء. أي يسبقه شيء. وهو كثير في كلام العرب. والجملة من المبتدأ والخبر خبر إن الأولى، والهاء فيها: ضمير الشأن والحديث.
و ﴿يَصْبِرْ﴾: مجزوم بالعطف على ﴿يَتَّقِ﴾. ومن قرأ «يتقي» على جعل من بمعنى «الذي» وإذا كانت بمعنى الذي، ففيها معنى الشرط، ولهذا تأتي الفاء في خبرها في الأكثر، مثل:
﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقين ١٠/ ٦٣].
﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ لا: نافية للجنس، و ﴿تَثْرِيبَ﴾: اسمها، و ﴿عَلَيْكُمُ﴾ متعلق بالخبر المحذوف، وتقديره: لا تثريب مستقر عليكم، واليوم منصوب بالخبر المحذوف. ولا يجوز أن يتعلق أحدهما بتثريب، لأنه لو كان متعلّقا به، لوجب أن يكون منونا، كقولهم: لا خيرا من زيد.
المفردات اللغوية:
﴿الضُّرُّ﴾ أي شدة الجوع ﴿بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أي بدراهم رديئة أو زيوف، يدفعها التجار، من أزجى الشيء: إذا دفعه برفق، كما في قوله تعالى: ﴿يُزْجِي سَحاباً﴾ [النور ٤٣/ ٢٤].
﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي فأتم لنا الكيل ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ بالمسامحة عن رداءة بضاعتنا، أو برد أخينا ﴿إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ يثيبهم أحسن الجزاء، والتصدق: التفضل مطلقا، ولكنه اختص عرفا بما يبتغى به ثواب من الله تعالى.
ثم قال لهم توبيخا: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ من الضرب والبيع وغير ذلك ﴿وَأَخِيهِ﴾ فعلهم بأخيه: إفراده عن يوسف وإذلاله، حتى كان لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز
стр. 3876
وذلة ﴿إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ قبح أو عاقبة فعلكم، فأقدمتم عليه. وإنما قال ذلك تحريضا لهم على التوبة وشفقة عليهم، لما رأى من عجز هم وتمسكنهم، لا معاتبة وتثريبا.
﴿قالُوا﴾ بعد أن عرفوه، لما ظهر من شمائله ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ استفهام تقرير وإثبات، وحقق بأن ودخول اللام عليه ﴿وَهذا أَخِي﴾ من أبي وأمي، ذكره تعريفا لنفسه به، وتفخيما لشأنه ﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ أنعم علينا بالاجتماع والسلامة والكرامة ﴿مَنْ يَتَّقِ﴾ يخف الله ﴿وَيَصْبِرْ﴾ على ما يناله من البليات، أو على الطاعات وعن المعاصي ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وضع الظاهر ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ موضع الضمير أجرهم للتنبيه على أن المحسن: من جمع بين التقوى والصبر.
﴿آثَرَكَ﴾ فضلك، واختارك علينا بحسن الصورة وكمال السيرة وبالملك والسلطة وغيرها ﴿وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ إن مخففة من الثقيلة، أي إنا كنا، أي والحال أن شأننا أنا كنا مذنبين بما فعلنا معك، وآثمين في أمرك. والخاطئ: الذي يتعمد الخطيئة، والمخطئ: الذي يريد الصواب فيخطئه ويصير إلى غيره. والخط ء: الذنب.
﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ لا لوم ولا تأنيب عليكم ﴿الْيَوْمَ﴾ خصه بالذكر، لأنه مظنة التثريب، فغيره أولى. وهو متعلق بالتثريب، أو بالخبر المحذوف وتقديره: لا تثريب كائن أو حاصل عليكم ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ لأنه صفح عن جريمتهم التي اعترفوا بها حينئذ ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فإنه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب.
﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا﴾ هو قميص إبراهيم الذي لبسه، حين ألقي في النار، كان في عنقه في الجبّ، فهو القميص المتوارث، أو القميص الذي كان عليه. ﴿يَأْتِ بَصِيراً﴾ يصر مبصرا ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي ائتوني أنتم وأبي وزوجته بنسائكم وذراريكم ومواليكم.
المناسبة:
الكلام مرتبط بما قبله، بتقدير محذوف، وهو أن يعقوب لما قال لبنيه:
﴿اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ قبلوا من أبيهم هذه النصيحة، وعادوا إلى مصر للمرة الثالثة، يبحثون عن يوسف وأخيه، بلا يأس، وإنما بأمل وجدّ في البحث، فلما التقوا مع يوسف العزيز، ورق قلبه لاستعطافهم، عرّفهم بنفسه، وتم اجتماع الإخوة الاثني عشر.
стр. 3877
التفسير والبيان:
فلما ذهبوا في المرة الثالثة، فدخلوا مصر، ودخلوا على يوسف ﵇، فقالوا مختبرين بذكر حالهم، واستعطافهم، وشكواهم إليه رقة الحال وقلة المال مما يرقق القلب: يا أيها العزيز-وكان أبوهم يرى أن هذا العزيز هو يوسف-قد أصابنا وأهلنا الضرر الشديد من الجدب والقحط والجوع وقلة الطعام، وأتينا إليك بثمن الطعام الذي نمتاره، وهو ثمن قليل أو رديء زيوف لا يروج بين التجار في الأسواق، فأتم لنا الكيل كما عودتنا من إحسانك، وتصدّق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة، وتسامح فيها بعد أن تتغاضى عن قلتها أو رداءتها، إن الله يجزي المتصدقين أحسن الجزاء، فيخلف لهم ما ينفقون، ويضاعف الثواب لهم.
وكان القصد من هذا الكلام الرقيق والتضرع والتذلل اختبار حال العزيز، هل يرق قلبه، ويظهر نفسه، ويعلن عن شخصه؟ بعد أن ذكروا له ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام، وما لدى أبيه من الحزن لفقد ولديه.
وقد نجحوا في هذا الاستعطاف، فأخذته رقة ورأفة ورحمة على أبيه وإخوته، وهو في حال الملك والتصرف والسعة، فأجابهم بقوله، مستفهما عن مدى استقباح فعلهم السابق بيوسف: هل علمتم قبح ما فعلتم بيوسف وأخيه بنيامين؟ حيث ألقيتم يوسف في الجبّ، وعرضتموه للهلاك، وفرقتم بينه وبين أخيه، وما عاملتم به أخاه من معاملة جافّة قاسية، حال كونكم جاهلين قبح ما فعلتموه، من عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم والقرابة، وذلك كما قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل، وقرأ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ الآية [النحل ١١٩/ ١٦].
والمراد بهذا الاستفهام التقريع والتوبيخ، ومراد يوسف تعظيم الواقعة، أي ما أعظم ما ارتكبتم بيوسف، كما يقال: هل تدري من عصيت؟ والصحيح أنه
стр. 3878
قال ﴿جاهِلُونَ﴾ تأنيسا لقلوبهم وبيانا لعذرهم، كأنه قال: إنما دفعكم لهذا الفعل القبيح جهالة الصبا أو الغرور، وكأنه لقنهم الحجة، كقوله تعالى:
﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار ٦/ ٨٢] (١).
وهذا تذكير رقيق بذنوبهم، تمهيدا لتعريفهم بنفسه، لا معاتبة ولوما وتوبيخا، بعد أن حان الوقت في هذه المرة الثالثة من لقاء يوسف مع إخوته، وكان قد أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين بتقدير الله وأمره، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف ١٥/ ١٢].
فاغتنموا فرصة هذا التذكير وتساؤل العارف الخبير بأحوالهم، فسألوه سؤال المتعجب المستغرب المقرّر المثبت أنه أخوهم يوسف: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ أي إنهم استفهموا استفهام تعجب من موقفه أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر، وهم لا يعرفونه وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، ولكنهم في هذه المرة عرفوه بقولهم ذلك، وتوسموا أنه يوسف، واستفهموه استفهام استخبار، وقيل: استفهام تقرير، وهو أولى في تقديري، لأنهم كانوا عرفوه بعلامات.
قال ابن عباس: إن إخوته لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان في قرنه علامة، وكان ليعقوب مثلها شبه الشامة، فلما قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ رفع التاج عنه، فعرفوه، فقالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ أي إنهم قالوا: من المؤكد قطعا أنك أنت يوسف.
﴿قالَ: أَنَا يُوسُفُ﴾ قال: نعم أنا يوسف المظلوم العاجز، الذي نصرني الله وقواني وصرت إلى ما ترون، وهذا أخي بنيامين الذي فرقتم بيني وبينه،
стр. 3879
ومقصوده: أن هذا أيضا كان مظلوما كما كنت، ثم صار منعما عليه من قبل الله تعالى، كما ترون.
﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي قد أنعم الله علينا بالاجتماع بعد الفرقة وبعد طول المدة، وأعزنا في الدنيا والآخرة. وفيه إشارة إلى أنه لا وجه لطلبكم بنيامين، لأنه أخي.
﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ.﴾. أي إن كل من يتقي الله حق التقوى فيما أمر به ونهى، ويصبر على طاعة الله وعلى المحن التي يتعرض لها، فإن الله حسبه وكافيه من كل سوء، ومنجيه من كل مكروه، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا في الدنيا والآخرة. وهذه شهادة من الله بأن يوسف من المتقين الصابرين المحسنين.
﴿قالُوا: تَاللهِ لَقَدْ.﴾. أجابوه إعلانا للحق واعترافا له بالفضل، والله لقد فضلك الله علينا، وآثرك بالعلم، والحلم، والخلق، والملك والسعة والتصرف، والنبوة أيضا، وأقروا له بأنهم أساؤوا إليه، وأخطئوا في حقه، وأعلنوا بأنهم المذنبون الخاطئون، الذين لا يعذرون.
وبعد اعتذارهم وإعلان توبتهم صفح عنهم فقال: لا لوم ولا تعيير ولا توبيخ ولا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم، وكذا فيما قبله من الأيام، وخص اليوم بالذكر، لأنه مظنة التثريب والعتاب.
ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة، فقال: يغفر الله لكم ذنوبكم وظلمكم، وهو أرحم الراحمين لمن تاب إليه وأناب إلى طاعته.
﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا.﴾. لما عرف يوسف نفسه إخوته، سألهم عن أبيهم، فقالوا: ذهب بصره، أي عمي من كثرة البكاء، فقال لهم بما عرف بالوحي:
اذهبوا بقميصي هذا الذي على بدني، أو المتوارث عن أجدادي وآبائي إبراهيم
стр. 3880
وإسحاق ويعقوب، فألقوه على وجه أبي فور وصولكم إليه، يأت مبصرا (ذا بصر) كما كان، فإن الغشاوة التي ألمت به تزول بالفرح والبشرى، وذلك بفضل الله وكرمه، وأتوني بجميع أهليكم من الرجال والنساء والأولاد، روي أن أهله كانوا سبعين رجلا وامرأة وولدا.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - جواز الشكوى عند الضّرّ، أي الجوع، بل يجب على الإنسان إذا خاف على نفسه الضر من الفقر وغيره، أن يبدي حالته إلى من يرجو منه النفع، كما يجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه، ولا يكون ذلك معارضا التوكل:
وهذا ما لم يكن التشكي على سبيل التسخط. ويظل الصبر والتجلّد في النوائب أحسن، والتعفف عن المسألة أفضل، وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى، كما قال يعقوب: ﴿إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي من جميل صنعه، وغريب لطفه، وعائدته على عباده.
أما الشكوى لمن لا يؤمل منه إزالتها فهو عبث وسفه، إلا أن يكون على وجه البثّ والتسلي.
٢ - جواز طلب الزيادة على الحق على سبيل الصدقة، والصدقة كما ذكر مجاهد لم تحرم إلا على نبينا محمد ﷺ .
وروى ابن جرير أن سفيان بن عيينة سئل: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي ﷺ ؟ فقال: ألم تسمع قوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ، وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا، إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾.
стр. 3881
٣ - استدل مالك وغيره من العلماء على أن أجرة الكيال على البائع: لأن إخوة يوسف قالوا له: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ فكان يوسف هو الذي يكيل.
وكذلك الوزّان والعدّاد وغيرهم، لأن على البائع تسليم المبيع وتمييزه عما عداه، إلا إذا باع شيئا معينا أو ما لا يحتاج إلى الكيل أو الوزن أو العدد، ولأن البائع لا يستحق الثمن إلا بعد إيفاء الحق بالكيل أو الوزن.
وكذلك أجرة النقد (فحص الدراهم التي هي الثمن) على البائع أيضا، لأنه هو الذي يدّعي الرداءة، ولأن النفع يقع له، فصار الأجر عليه.
ويكره للرجل أن يقول في دعائه: اللهم تصدق عليّ، لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالثواب بجميع النعم، لا رب غيره.
٤ - استنباط الأحكام من فحوى الكلام وما يصحبه من إشارات، فإن يوسف وجّه لإخوته استفهاما بمعنى التذكير والتوبيخ بقوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ؟﴾ ففهموا منه أنه يوسف، فقالوا على سبيل استفهام التقرير والإثبات: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ؟﴾.
ودل قوله ﴿إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ على أنهم كانوا صغارا في وقت أخذهم ليوسف، وليسوا أنبياء، لأنه لا يوصف بالجهل إلا من كانت هذه صفته، ويدل على أنه حسنت حالهم الآن، أي فعلتم فعلكم إذ أنتم صغار جهال.
وتعرف إخوة يوسف عليه، فتجاوب معهم وعرفهم بنفسه قائلا: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ أي أنا المظلوم.
قال ابن عباس: كتب يعقوب إلى يوسف بطلب ردّ ابنه، وفي الكتاب:
من يعقوب صفيّ الله ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر:
стр. 3882
أما بعد، فإنا أهل بيت بلاء ومحن، ابتلى الله جدّي إبراهيم بنمروذ وناره، ثم ابتلى أبي إسحاق بالذبح، ثم ابتلاني بولد كان لي أحبّ أولادي إلي، حتى كفّ بصري من البكاء، وإني لم أسرق ولم ألد سارقا، والسّلام.
فلما قرأ يوسف الكتاب ارتعدت مفاصله، واقشعرّ جلده، وأرخى عينيه بالبكاء، وعيل صبره، فباح بالسرّ.
وأعلن يوسف عن مزيد فضل الله عليه بقوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي بالاجتماع بعد الفرقة، وبالعز بعد الذل، وبالنجاة والملك.
٥ - إن من اتقى الله بالتزام ما أمر واجتناب ما نهى، وصبر على المصائب وعن المعاصي، فإن الله يدخر له ثواب إحسانه العمل، ولا يضيع منه شيئا.
٦ - الاعتراف بالذنب أو الخطأ سبيل الحظوة بالعفو والصفح، فإن قول إخوة يوسف: ﴿وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أي مذنبين، متضمن سؤال العفو، وقد ظفروا به.
ولا مانع من العفو عن الخطأ وإن كان عمديا، فهو تجاوز للحق، أيا كانت صفته، وكل من اقترف ذنبا متجاوز لمنهاج الحق، واقع في الشبهة والمعصية.
٧ - شهد الله تعالى لنبيه يوسف ﵇ بصفات المتقين الصابرين المحسنين، وكفى بشهادة الحق فخرا، وهذا تعليم وتدريب ومثل عملي لنا.
٨ - كانت عبارة يوسف: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ مثلا رائعا في السماحة والعفو والصفح، فهو عفو لا لوم فيه ولا تعيير، وهو صفح في حال المقدرة على العقاب، وهو تنازل عن أي حق دون أي حقد أو كراهية، وأضيف إليه الدعاء بالمغفرة على الذنب والستر، والرحمة في عالم الآخرة بين يدي أرحم الراحمين. وهو لا يكون إلا عن وحي، فكان مرد الفضل في النهاية إلى الله تعالى.
стр. 3883
واحتذى نبينا ﵊ حذو أخيه يوسف ﵇ في هذا القول العظيم يوم فتح مكة بإعلان العفو عن قريش،
روى ابن مردويه عن ابن عباس، والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أخذ بعضادتي الباب يوم فتح مكة، وقد لاذ الناس بالبيت فقال: «الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم قال: ماذا تظنون يا معشر قريش؟ قالوا:
خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت، قال: وأنا أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ فخرجوا كأنما نشروا من القبور».
وقال عطاء الخراساني: طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ، ألم تر قول يوسف: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ وقال يعقوب:
﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾.
٩ - حدثت الفرحة الصغرى بعودة البصر إلى يعقوب حينما ألقي عليه قميص يوسف. وهو-في القول الأصح
المروي مرفوعا عن أنس عن النبي ﷺ ، فيما ذكر القشيري- قميص إبراهيم الذي ألبسه الله أثناء إلقائه في النار من حرير الجنة، وكان كساه إسحاق، وكان إسحاق كساه يعقوب، ويعقوب علقه في عنق يوسف، لما كان يخاف عليه من العين، وأخبره جبريل بأن أرسل قميصك فإن فيه ريح الجنة، وإن ريح الجنة لا يقع على سقيم ولا مبتلى إلا عوفي. وهذا بإعلام الله يوسف به. وقيل: إنه قميص يوسف الذي خلعه من على بدنه، فإنه إذا ألقي على أبيه انشرح صدره، وحصل في قلبه الفرح الشديد، والفرح يقوي الروح، ويزيل الضعف عن القوى الحسية، فيقوى بصره، ويزول عنه ما غشيه بسبب البكاء، والطب يؤيد ذلك.
١٠ - تمت الفرحة الكبرى بطلب يوسف ﵇ من إخوته إحضار جميع أسرته إلى مصر لاتخاذها دارا، وكان عددهم سبعين أو ثلاثة وتسعين، ما بين رجل وامرأة.
стр. 3884
الفصل السادس عشر من قصة يوسف
إخبار يعقوب بريح يوسف وتأييده ببشارة البشير
﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾
الإعراب:
﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ﴾ أن لتأكيد الربط بين شرط «لما» وهو ﴿جاءَ﴾ وجوابها وهو ﴿أَلْقاهُ﴾.
البلاغة:
﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ هذا استنكار من القوم الحاضرين مجلس يعقوب الذين أخبرهم بأن يوسف حي، وأكدوا كلامه بمؤكدات ثلاثة: القسم وإنّ واللام.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ انفصلت عن بلد مصر وجاوزت حدودها وخرجت من العريش ﴿قالَ أَبُوهُمْ﴾ لمن حضره من ولد ولده ومن حوله من قومه ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ لأحس برائحة يوسف، أشعره الله برائحة القميص حين أقبل به إليه يهوذا من ثمانين فرسخا (١) أي حملته إليه ريح الصبا بإذنه تعالى من مسيرة ثلاثة أيام أو ثمانية أو أكثر ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ تنسبوني إلى الفند: وهو ضعف العقل الحادث بسبب الهرم، أو الخرف، وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف، تقديره: لصدقتموني، أو لقلت: إنه قريب.
стр. 3885
﴿قالُوا﴾ أي الحاضرون ﴿لَفِي ضَلالِكَ﴾ خطئك، أو في إفراطك في حبه، وإكثار ذكره، وتوقع لقائه بعد طول العهد ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ﴾ يهوذا، روي أنه قال: كما أحزنته بحمل قميصه الملطخ بالدم إليه، فأفرحه بحمل هذا إليه، وأن: زائدة ﴿أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ﴾ طرح البشير القميص على وجه يعقوب ﵇. ﴿فَارْتَدَّ﴾ رجع بصيرا، لما انتعش فيه من القوة، بسبب الفرح والبهجة.
المناسبة:
عمت الفرحة أولاد يعقوب في أرجاء مصر، بعد تعارفهم، وانتقل أثر الفرح إلى أرض كنعان في أسعد عودة من رحلتهم الثالثة إلى مصر، وأظهر الله المعجزة على يد يعقوب ﵇ بإحساسه برائحة يوسف، وأيّد الله ذلك الشعور ببشارة البشير ابنه الأكبر الذي اعتصم في مصر، حتى يأذن له أبوه بالرجوع بعد بقاء أخيه بنيامين.
روى الواحدي عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه قال: أما قوله:
﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي، يَأْتِ بَصِيراً﴾ فإن نمروذ الجبار، لما ألقى إبراهيم في النار، نزل عليه جبريل ﵇ بقميص من الجنة، وطنفسة من الجنة، فألبسه القميص، وأجلسه على الطنفسة، وقعد معه يحدثه، فكسا إبراهيم ﵇ ذلك القميص إسحاق، وكساه إسحاق يعقوب، وكساه يعقوب يوسف، فجعله في قصبة من فضة، وعلقها في عنقه، فألقي في الجب، والقميص في عنقه.
التفسير والبيان:
ولما خرجت إبل أولاد يعقوب من حدود مصر عائدة إلى أرض كنعان (فلسطين) من بلاد الشام، قال يعقوب النبي ﵇ لمن حضره من حفدته وقومه: إني لأشم رائحة يوسف وقميصه، لولا أن تنسبوني إلى الفند (الخرف وضعف العقل) والكبر.
стр. 3886
أخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: لما خرجت العير، هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف، فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ، لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام.
قال الرازي: والتحقيق أن يقال: إنه تعالى أوصل تلك الرائحة إليه على سبيل إظهار المعجزات، لأن وصول الرائحة من هذه المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة، فيكون معجزة ليعقوب ﵇ على الأظهر أو الأقرب (١).
﴿قالُوا: تَاللهِ.﴾. قال الحاضرون في مجلس يعقوب له: والله، إنك لفي خطئك القديم الذي طال أمده بظنك أن يوسف حي يرزق يرجى لقاؤه. قال قتادة: أي من حب يوسف، لا تنساه ولا تسلاه، قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله ﵇.
﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ.﴾. فحينما وصل البريد، وهو ابنه يهوذا يحمل قميص يوسف، مبشرا له ببقائه حيا هو وأخوه بنيامين، ألقاه على وجه يعقوب، فانقلب فورا بصيرا كما كان، من شدة الفرح قال السّدّي: إنما جاء به (أي يهوذا بن يعقوب) لأنه هو الذي جاء بالقميص، وهو ملطّخ بدم كذب، فأحبّ أن يغسل ذلك بهذا، فجاء بالقميص، فألقاه على وجه أبيه، فرجع بصيرا.
﴿قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ.﴾. قال يعقوب لأولاده وحفدته ومن حوله: ألم أقل لكم حين طلبت منكم أثناء ذهابكم إلى مصر: ابحثوا عن يوسف، ولا تيأسوا من روح الله ورحمته: إني أعلم من الله تعالى بوحي منه أشياء لا تعلمونها، وأعلم أن الله سيردّ يوسف إليّ. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ كلام مستأنف مبتدأ لم يقع
стр. 3887
عليه القول، ويجوز إيقاع القول عليه وهو ما قاله لهم سابقا: ﴿إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.
وحين ذاك قالوا لأبيهم مترفّقين معظّمين متوسّلين: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾، فإنّا كنّا مذنبين عاصين لله، فقد تبنا وأنبنا وندمنا على ما فعلنا معك ومع أخوينا: يوسف وبنيامين.
أجابهم والدهم يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ في المستقبل، لأنّ ربّي غفور ساتر للذّنوب، رحيم بالعباد.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - يمتاز الأنبياء عن غيرهم بأن الله تعالى يظهر على أيديهم معجزات خارقة للعادة، خارجة عن المألوف، وهذا هو الذي مكّن يعقوب من الإخبار برائحة يوسف وقميصه، قبل وصول أولاده إليه، حاملين البشارة بلقائهم الحارّ مع أخيهم يوسف ﵇.
وقال ابن عباس: هاجت ريح، فحملت ريح قميص يوسف إليه، وبينهما مسيرة ثمان ليال. وعلى هذا القول أيضا يكون الإحساس بالرّائحة محتاجا إلى عناية ربّانيّة، وتأييد روحاني عميق الإدراك.
٢ - وظهرت معجزة أخرى بشفاء يعقوب ﵇ بوضع القميص على وجهه، بإرادة الله تعالى وعونه، فهو إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون.
٣ - كان كلام الحاضرين في مجلس يعقوب ﵇ مشوبا بالغلظة والتّهكّم، مما لا يليق توجيهه لنبيّ إطلاقا، وهو من بنيه زيادة في العقوق.
٤ - لم يجد يعقوب ﵇ عنده شيئا يعطيه مكافأة للبشير، وإنّما دعا
стр. 3888
له قائلا: هوّن الله عليك سكرات الموت. وهذا الدّعاء من أعظم الجوائز وأفضل العطايا والهبات. والآية دالّة على جواز البذل والهبات عند البشائر.
جاء في حديث كعب بن مالك: «فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشّرني، نزعت ثوبيّ، فكسوتهما إيّاه ببشارته».
وتدلّ الآية أيضا على جواز إظهار الفرح بعد زوال الغمّ والتّرح، بتفريح الصّبيان وإطعام الطّعام ونحوهما، وقد نحر عمر بعد حفظه سورة البقرة جزورا.
٥ - نصر الله نبيّه يعقوب ﵇ على أولاده وكلّ من حوله، كما ينصر أنبياءه الكرام في نهاية المطاف وفي عاقبة الأمور، وتبيّن أنّ الناس مع الأنبياء كالأقزام مع العمالقة، فلم يجد أولاد يعقوب ﵇ بدّا من الاعتذار من أبيهم، وطلب الدّعاء منه أن يغفر الله لهم، لأنهم أدخلوا عليه من ألم الحزن ما لم يرتفع الإثم عنه أو يسقط المأثم عنه إلا بإحلاله وتسامحه وعفوه عنهم، كما عفا عنهم أخوهم يوسف.
وهذا الحكم ثابت فيمن آذى مسلما في نفسه أو ماله أو غير ذلك ظالما له، فإنه يجب عليه أن يتحلّل منه ويطلب صفحة عنه ومسامحته عليه، ويخبره بالمظلمة وقدرها، والصّحيح أنه لا ينفعه التّحليل المطلق دون بيان السّبب، فإنه لو أخبره بمظلمة لها قدر وبال، ربّما لم تطب نفس المظلوم في التّحلل منها.
روى البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليحلله منه اليوم، قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح، أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيّئات صاحبه، فحمل عليه»،
فقوله ﷺ : «أخذ منه بقدر مظلمته» يجب أن تكون المظلمة معلومة القدر، مشارا إليها مبيّنة (١).
стр. 3889
٦ - لم يستعجل يعقوب ﵇ بطلب المغفرة لأولاده والدّعاء لهم، وإنّما أخّر ذلك-كما قال ابن عباس-إلى السّحر، قال طاوس: سحر ليلة الجمعة، ووافق ذلك ليلة عاشوراء. وهذا رأي الأكثرين.
وهذا الموقف من يعقوب يختلف عن موقف يوسف ﵉، لأنّ دعاء الأول كان مؤجّلا، ودعاء الثّاني كان في الحال. والسبب أن حال الأب حال المربّي، فهو يريد تعظيم الذّنب في أنفسهم، ولأنّ ذنبهم لم يكن موجّها إليه مباشرة، وإنما إلى يوسف ﵇ وأخيه، ولأن خطأهم ذنب كبير حدثت منه أضرار كثيرة، فيحتاج إلى توبة نصوح، وندم شديد، ولا يمحى بمجرد طلب الاستغفار، ثمّ إن يوسف ﵇ كان قادرا على عقابهم وهم ضعاف، فأراد المبادرة إلى تأمينهم من خوف الانتقام منهم، وتهدئة نفوسهم، وإظهارا للسّرور عقب المفاجأة بأنه أخوهم، وليرى الناس فضل العفو عند المقدرة، ويصبح للنّاس أسوة حسنة.
الفصل السابع عشر من قصة يوسف
لقاء أسرة يعقوب ﵇ في مصر
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾
стр. 3890
الإعراب:
﴿سُجَّداً﴾ جمع ساجد، كشهّد جمع شاهد، وهو حال من واو ﴿خَرُّوا﴾ وهي حال مقدّرة.
البلاغة:
﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ جملة دعائية للتّبرّك وجعل الأمان بمشيئة الله تعالى، وهي متقدّمة على قوله تعالى: ﴿آمِنِينَ﴾، والتّقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ المراد بأبويه أبوه وأمه أو خالته من باب التّغليب للأب، والسّجود متقدّم على الرّفع على السّرير، لكن قدّم الرّفع لفظا للاهتمام بتعظيمه أبويه.
المفردات اللغوية:
﴿فَلَمّا دَخَلُوا﴾ في الكلام حذف، تقديره: فرحل يعقوب ﵇ بأهله أجمعين، وساروا حتى تلقوا يوسف ﵇. ﴿آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ ضمّ إليه أباه وأمه، أو خالته، نزلت منزلة الأم تنزيل العمّ منزلة الأب في قوله تعالى: ﴿وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ [البقرة ١٣٣/ ٢] وإسماعيل كان عمّا ليعقوب ﵇.
﴿وَقالَ﴾ يوسف ﵇ لهم. ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ سرير الملك. ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ أي أبواه وإخوته الأحد عشر. ﴿سُجَّداً﴾ سجود تحية وتكرمة له، وسجود انحناء لا سجود عبادة، ولا وضع جبهة على الأرض، فإن ذلك كان تحيتهم في زمانهم. ﴿تَأْوِيلُ رُءْيايَ﴾ مآلها وعاقبتها. ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ لم يقل من الجبّ تكرّما، لئلا يخجل إخوته. ﴿الْبَدْوِ﴾ البادية. ﴿نَزَغَ﴾ أفسد ووسوس، يقال: نزغ بين الناس: أفسد بينهم بالحثّ على الشّرّ، وأصل النّزغ: النّخس، يقال: نزغ الرّائض الدّابة: إذا نخسها وحملها على الجري، ونزغه الشيطان:
نخسه، ليحثّه على المعاصي. ﴿لَطِيفٌ﴾ لطيف التّدبير لما يشاء، إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بخلقه وبوجوه المصالح والتّدابير. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه، الذي يفعل كلّ شيء في وقته، وعلى وجه يقتضي الحكمة.
المناسبة:
بعد أن طلب يوسف ﵇ من إخوته أن يأتوه بأهله أجمعين، أخبر هنا أنهم رحلوا من بلاد كنعان إلى مصر، فخرج يوسف ﵇ للقائهم، ومعه بأمر الملك أكابر دولته.