أخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: لما خرجت العير، هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف، فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ، لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام.
قال الرازي: والتحقيق أن يقال: إنه تعالى أوصل تلك الرائحة إليه على سبيل إظهار المعجزات، لأن وصول الرائحة من هذه المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة، فيكون معجزة ليعقوب ﵇ على الأظهر أو الأقرب (١).
﴿قالُوا: تَاللهِ.﴾. قال الحاضرون في مجلس يعقوب له: والله، إنك لفي خطئك القديم الذي طال أمده بظنك أن يوسف حي يرزق يرجى لقاؤه. قال قتادة: أي من حب يوسف، لا تنساه ولا تسلاه، قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله ﵇.
﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ.﴾. فحينما وصل البريد، وهو ابنه يهوذا يحمل قميص يوسف، مبشرا له ببقائه حيا هو وأخوه بنيامين، ألقاه على وجه يعقوب، فانقلب فورا بصيرا كما كان، من شدة الفرح قال السّدّي: إنما جاء به (أي يهوذا بن يعقوب) لأنه هو الذي جاء بالقميص، وهو ملطّخ بدم كذب، فأحبّ أن يغسل ذلك بهذا، فجاء بالقميص، فألقاه على وجه أبيه، فرجع بصيرا.
﴿قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ.﴾. قال يعقوب لأولاده وحفدته ومن حوله: ألم أقل لكم حين طلبت منكم أثناء ذهابكم إلى مصر: ابحثوا عن يوسف، ولا تيأسوا من روح الله ورحمته: إني أعلم من الله تعالى بوحي منه أشياء لا تعلمونها، وأعلم أن الله سيردّ يوسف إليّ. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ كلام مستأنف مبتدأ لم يقع
стр. 3887
عليه القول، ويجوز إيقاع القول عليه وهو ما قاله لهم سابقا: ﴿إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.
وحين ذاك قالوا لأبيهم مترفّقين معظّمين متوسّلين: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾، فإنّا كنّا مذنبين عاصين لله، فقد تبنا وأنبنا وندمنا على ما فعلنا معك ومع أخوينا: يوسف وبنيامين.
أجابهم والدهم يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ في المستقبل، لأنّ ربّي غفور ساتر للذّنوب، رحيم بالعباد.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - يمتاز الأنبياء عن غيرهم بأن الله تعالى يظهر على أيديهم معجزات خارقة للعادة، خارجة عن المألوف، وهذا هو الذي مكّن يعقوب من الإخبار برائحة يوسف وقميصه، قبل وصول أولاده إليه، حاملين البشارة بلقائهم الحارّ مع أخيهم يوسف ﵇.
وقال ابن عباس: هاجت ريح، فحملت ريح قميص يوسف إليه، وبينهما مسيرة ثمان ليال. وعلى هذا القول أيضا يكون الإحساس بالرّائحة محتاجا إلى عناية ربّانيّة، وتأييد روحاني عميق الإدراك.
٢ - وظهرت معجزة أخرى بشفاء يعقوب ﵇ بوضع القميص على وجهه، بإرادة الله تعالى وعونه، فهو إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون.
٣ - كان كلام الحاضرين في مجلس يعقوب ﵇ مشوبا بالغلظة والتّهكّم، مما لا يليق توجيهه لنبيّ إطلاقا، وهو من بنيه زيادة في العقوق.
٤ - لم يجد يعقوب ﵇ عنده شيئا يعطيه مكافأة للبشير، وإنّما دعا
стр. 3888
له قائلا: هوّن الله عليك سكرات الموت. وهذا الدّعاء من أعظم الجوائز وأفضل العطايا والهبات. والآية دالّة على جواز البذل والهبات عند البشائر.
جاء في حديث كعب بن مالك: «فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشّرني، نزعت ثوبيّ، فكسوتهما إيّاه ببشارته».
وتدلّ الآية أيضا على جواز إظهار الفرح بعد زوال الغمّ والتّرح، بتفريح الصّبيان وإطعام الطّعام ونحوهما، وقد نحر عمر بعد حفظه سورة البقرة جزورا.
٥ - نصر الله نبيّه يعقوب ﵇ على أولاده وكلّ من حوله، كما ينصر أنبياءه الكرام في نهاية المطاف وفي عاقبة الأمور، وتبيّن أنّ الناس مع الأنبياء كالأقزام مع العمالقة، فلم يجد أولاد يعقوب ﵇ بدّا من الاعتذار من أبيهم، وطلب الدّعاء منه أن يغفر الله لهم، لأنهم أدخلوا عليه من ألم الحزن ما لم يرتفع الإثم عنه أو يسقط المأثم عنه إلا بإحلاله وتسامحه وعفوه عنهم، كما عفا عنهم أخوهم يوسف.
وهذا الحكم ثابت فيمن آذى مسلما في نفسه أو ماله أو غير ذلك ظالما له، فإنه يجب عليه أن يتحلّل منه ويطلب صفحة عنه ومسامحته عليه، ويخبره بالمظلمة وقدرها، والصّحيح أنه لا ينفعه التّحليل المطلق دون بيان السّبب، فإنه لو أخبره بمظلمة لها قدر وبال، ربّما لم تطب نفس المظلوم في التّحلل منها.
روى البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليحلله منه اليوم، قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح، أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيّئات صاحبه، فحمل عليه»،
فقوله ﷺ : «أخذ منه بقدر مظلمته» يجب أن تكون المظلمة معلومة القدر، مشارا إليها مبيّنة (١).
стр. 3889
٦ - لم يستعجل يعقوب ﵇ بطلب المغفرة لأولاده والدّعاء لهم، وإنّما أخّر ذلك-كما قال ابن عباس-إلى السّحر، قال طاوس: سحر ليلة الجمعة، ووافق ذلك ليلة عاشوراء. وهذا رأي الأكثرين.
وهذا الموقف من يعقوب يختلف عن موقف يوسف ﵉، لأنّ دعاء الأول كان مؤجّلا، ودعاء الثّاني كان في الحال. والسبب أن حال الأب حال المربّي، فهو يريد تعظيم الذّنب في أنفسهم، ولأنّ ذنبهم لم يكن موجّها إليه مباشرة، وإنما إلى يوسف ﵇ وأخيه، ولأن خطأهم ذنب كبير حدثت منه أضرار كثيرة، فيحتاج إلى توبة نصوح، وندم شديد، ولا يمحى بمجرد طلب الاستغفار، ثمّ إن يوسف ﵇ كان قادرا على عقابهم وهم ضعاف، فأراد المبادرة إلى تأمينهم من خوف الانتقام منهم، وتهدئة نفوسهم، وإظهارا للسّرور عقب المفاجأة بأنه أخوهم، وليرى الناس فضل العفو عند المقدرة، ويصبح للنّاس أسوة حسنة.
الفصل السابع عشر من قصة يوسف
لقاء أسرة يعقوب ﵇ في مصر
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾
стр. 3890
الإعراب:
﴿سُجَّداً﴾ جمع ساجد، كشهّد جمع شاهد، وهو حال من واو ﴿خَرُّوا﴾ وهي حال مقدّرة.
البلاغة:
﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ جملة دعائية للتّبرّك وجعل الأمان بمشيئة الله تعالى، وهي متقدّمة على قوله تعالى: ﴿آمِنِينَ﴾، والتّقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ المراد بأبويه أبوه وأمه أو خالته من باب التّغليب للأب، والسّجود متقدّم على الرّفع على السّرير، لكن قدّم الرّفع لفظا للاهتمام بتعظيمه أبويه.
المفردات اللغوية:
﴿فَلَمّا دَخَلُوا﴾ في الكلام حذف، تقديره: فرحل يعقوب ﵇ بأهله أجمعين، وساروا حتى تلقوا يوسف ﵇. ﴿آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ ضمّ إليه أباه وأمه، أو خالته، نزلت منزلة الأم تنزيل العمّ منزلة الأب في قوله تعالى: ﴿وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ [البقرة ١٣٣/ ٢] وإسماعيل كان عمّا ليعقوب ﵇.
﴿وَقالَ﴾ يوسف ﵇ لهم. ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ سرير الملك. ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ أي أبواه وإخوته الأحد عشر. ﴿سُجَّداً﴾ سجود تحية وتكرمة له، وسجود انحناء لا سجود عبادة، ولا وضع جبهة على الأرض، فإن ذلك كان تحيتهم في زمانهم. ﴿تَأْوِيلُ رُءْيايَ﴾ مآلها وعاقبتها. ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ لم يقل من الجبّ تكرّما، لئلا يخجل إخوته. ﴿الْبَدْوِ﴾ البادية. ﴿نَزَغَ﴾ أفسد ووسوس، يقال: نزغ بين الناس: أفسد بينهم بالحثّ على الشّرّ، وأصل النّزغ: النّخس، يقال: نزغ الرّائض الدّابة: إذا نخسها وحملها على الجري، ونزغه الشيطان:
نخسه، ليحثّه على المعاصي. ﴿لَطِيفٌ﴾ لطيف التّدبير لما يشاء، إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بخلقه وبوجوه المصالح والتّدابير. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه، الذي يفعل كلّ شيء في وقته، وعلى وجه يقتضي الحكمة.
المناسبة:
بعد أن طلب يوسف ﵇ من إخوته أن يأتوه بأهله أجمعين، أخبر هنا أنهم رحلوا من بلاد كنعان إلى مصر، فخرج يوسف ﵇ للقائهم، ومعه بأمر الملك أكابر دولته.
стр. 3891
فتمّ لقاء الأسرة في المرّة الرّابعة من رحلات أولاد يعقوب ﵇ إلى مصر، ورأوا يوسف ﵇ في عزّ وأبهة، وتحققت رؤيا يوسف ﵇ بسجود إخوته الأحد عشر مع أبيه وأمه أو خالته، فتمّ الاجتماع بعد الفرقة، والأنس بعد الكدر.
روي أن يوسف ﵇ وجّه إلى أبيه جهازا ومائتي راحلة، ليتجهّز إليه بمن معه، وخرج يوسف ﵇ والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر للقاء يعقوب نبيّ الله ﵇.
قيل: إن يعقوب وولده دخلوا مصر، وهم اثنان وسبعون، ما بين رجل وامرأة، وخرجوا منها مع موسى، والمقاتلون منهم ست مائة ألف وخمس مائة، وبضع وسبعون رجلا سوى الصبيان والشّيوخ.
وأقام يعقوب ﵇ عند ابنه يوسف ﵇ أربعا وعشرين سنة، أو سبع عشرة سنة، وكانت مدّة فراقه ثماني عشر، أو أربعين أو ثمانين سنة، وحضره الموت، فوصّى يوسف ﵇ أن يحمله ويدفنه عند أبيه، فمضى بنفسه ودفنه ثمة، ثم عاد إلى مصر، وأقام بعده ثلاثا وعشرين سنة.
التّفسير والبيان:
بناء على طلب يوسف ﵇ من إخوته إحضار أهله أجمعين إليه من بلاد كنعان إلى مصر، للإقامة معه فيها، حضر أبوه وخالته وإخوته وأسرهم، فلما أخبر يوسف ﵇ باقترابهم، خرج لتلقّيهم، وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف ﵇، لتلقي نبيّ الله يعقوب ﵇، فلما دخلوا على يوسف ﵇ في أبهة سلطانه، بعد أن استقبلهم في الطريق مع جموع غفيرة، ضمّ إليه أبويه وعانقهما: وهما أبوه وأمه على القول الذي رجّحه
стр. 3892
ابن جرير، بأنّها كانت حيّة، أو أبوه وخالته؛ لأن أمه قد ماتت، فتزوّج أبوه خالته.
وقال لأسرته جميعا: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين على أنفسكم وأموالكم وأهليكم، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
ورفع أبويه على سرير ملكه بأن أجلسهما معه، تكريما لهما، وسجد له الإخوة الأحد عشر والأبوان سجود تحيّة وإكرام له، لا سجود عبادة وتقديس، وكان سجود الانحناء هو تحيّة الملوك والعظماء في زمنهم.
ويلاحظ أن في الآية حذفا في مطلعها تقديره: فجاء يعقوب وأسرته حتى وصلوا إلى مصر، وفيها تقديم المشيئة ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ على قوله: ﴿آمِنِينَ﴾ لأن القصد اصطحاب الدّخول بالأمان والسّلامة والغنيمة، وكذلك فيها تقديم وتأخير بين الرّفع على العرش وبين السّجود، فالسّجود متقدّم على الرّفع على السّرير الملكي، لكن قدّم الرّفع، اهتماما بتعظيم أبويه.
وحينئذ أعادت الذّاكرة إلى ذهن يوسف ﵇ رؤياه السابقة في عهد الصّغر، فقال لما رأى سجود أبويه وإخوته: يا أبت، هذا السّجود تأويل رؤياي القديمة حال صغري، وهي: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ وتأويل رؤياي: ما آل إليه الأمر.
إن تلك الرؤيا أصبحت حقيقة واقعة وصحيحة صدقا، فإن رؤيا الأنبياء حقّ ثابت، كما أن رؤيا إبراهيم ذبح ولده، صار سببا لوجوب ذلك الذّبح عليه في اليقظة، فكذلك صارت هذه الرؤيا التي رآها يوسف ﵇، وحكاها ليعقوب من قبل، سببا لوجوب ذلك السّجود.
وقد أحسن الله تعالى إليّ وأفاض عليّ من نعمه، إذ أطلق سراحي من
стр. 3893
السّجن، ورزقني الملك، وجاء بكم من البادية، وكانوا أهل بادية وماشية وشظف عيش، فنقلكم إلى الحضر وترف المدينة.
ولم يذكر إخراجه من البئر، ترفّعا عن لوم إخوته، وتكريما لهم، وحفاظا على حيائهم، ولأن السّجن كان آخر المحن، وأخطر من السّقوط في الجبّ؛ لما فيه من اتّهام بالنّساء، ولأنه بعد خروجه من البئر صار عبدا لا ملكا، وصار بعد السّجن ملكا، فكان الإخراج منه أقرب إلى الإنعام الكامل.
حدث هذا كلّه من بعد أن نزغ الشّيطان، أي أفسد وأغوى بيني وبين إخوتي، وقد أضاف النّزغ إلى الشّيطان؛ لأنه سبب الإفساد، وتكريما لإخوته.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أي إذا أراد أمرا قيّض له أسبابا وقدّره ويسّره، إنه هو العليم بمصالح عباده، الحكيم في أقواله وأفعاله، وقضائه وقدره، وما يختاره ويريده.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - إن العاطفة بين الولد وأبويه طبيعية فطرية، لذا كان إكرام يوسف ﵇ لأبويه أشدّ من إكرام إخوته، فعانقهما وضمّهما إليه، وأجلسهما على سرير الملك معه، واكتفى بأن قال لجميع الأسرة: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾.
٢ - دلّ قوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ على تأمين الحاكم الدّاخلين إلى بلاده من قطر آخر، وهو أمان يشمل الأنفس والأهل والأموال.
والمراد بقوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ﴾ كما ذكر ابن عباس: أقيموا بها آمنين، سمّى الإقامة دخولا لاقتران أحدهما بالآخر.
стр. 3894
والأمان الحقيقي لا يكون إلا بمشيئة الله، لذا علقه بقوله: ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح ٢٧/ ٤٨].
٣ - أجمع المفسّرون على أنّ سجود أسرة يوسف ﵇ له كان سجود تحيّة وانحناء على عادتهم المألوفة في التّحية، لا سجود عبادة ولا على الأرض. وقد نسخ الله تعالى ذلك كله في شرعنا.
وبالرّغم من نسخ الانحناء في التّحية، فإن بعض المسلمين مع الأسف، لا يتنبهون لذلك، وينحنون في التّحية والسّلام، كما يفعل الغربيون الآن.
روى ابن عبد البرّ في التّمهيد عن أنس بن مالك قال: قلنا: يا رسول الله، أينحني بعضنا إلى بعض إذا التقينا؟ قال: «لا»، قلنا: أفيعتنق بعضنا بعضا؟ قال: «لا»، قلنا: أفيصافح بعضنا بعضا؟ قال: «نعم».
وأمّا القيام للقادم، كما أمر النّبي ﷺ جماعة الأوس
بقوله في الحديث الصحيح الذي أخرجه أبو داود عن أبي سعيد: «قوموا إلى سيّدكم وخيركم» يعني سعد بن معاذ، فهو جائز إذا لم يؤثّر ذلك في نفسه، فإن أثّر فيه، وأعجب به، ورأى لنفسه حظّا، لم يجز إعانته على ذلك،
لقوله ﷺ : «من سرّه أن يتمثّل له النّاس قياما، فليتبوأ مقعده من النّار».
وتجوز الإشارة بالإصبع للبعيد عنك، دون الدّاني القريب، وإذا سلّم لا ينحني، ولا أن يقبّل مع السّلام يده، ولأن الانحناء على معنى التّواضع لا ينبغي إلا لله. وأما تقبيل اليد فإنه من فعل الأعاجم.
ولا بأس بالمصافحة، فقد صافح النّبي ﷺ جعفر بن أبي طالب حين قدم من الحبشة، وأمر بها، وندب إليها،
وقال فيما أخرجه ابن عدي عن ابن عمر، وهو ضعيف: «تصافحوا يذهب الغلّ».
وروى غالب التّمار عن الشّعبي أن أصحاب النّبي ﷺ كانوا إذا التقوا تصافحوا،
стр. 3895
٤ - عدّد يوسف ﵇ بعض النّعم عليه وعلى آله، منها الخروج من السّجن، ومجيء أهله من البادية في أرض كنعان، واللطف أو الرّفق الإلهي بالعباد حيث جمع الأسرة هذا الجمع الكريم الحافل السّارّ، بعد إيقاع الشّيطان الحسد بينه وبين إخوته، وتمّ ذلك كلّه بفعل الله تعالى وفضله.
٥ - تحققت رؤيا يوسف الّتي رآها في عهد الصّغر، واختلف العلماء في مقدار المدة بين تحقق الرؤيا وبين حدوثها، فقيل: ثمانون سنة، وقيل: سبعون، وقيل: أربعون، وهو قول الأكثرين، ولذلك يقولون: إن تأويل الرؤيا إنّما صحّت بعد أربعين سنة.
٦ - إذا أراد الله تعالى شيئا هيّأ أسبابه ويسّرها، فحصول الاجتماع بين يوسف ﵇ وبين أبيه وإخوته مع الألفة والمحبة، وطيب العيش، وفراغ البال، كان في غاية البعد، إلا أنه تعالى لطيف بعباده، لأنه عليم بجميع الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية لها، وحكيم محكم في فعله، حاكم في قضائه، حكيم في أفعاله، مبرّأ عن العبث والباطل.
الفصل الثامن عشر من قصّة يوسف
دعاء جامع
يتضمّن تحدّث يوسف بنعم الله عليه وطلبه من ربّه حسن الخاتمة
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (١٠١)﴾
стр. 3896
الإعراب:
﴿فاطِرَ السَّماواتِ.﴾. منصوب على أنه صفة المنادي أو منادى مستقل.
المفردات اللغوية:
﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾ بعض الملك وهو ملك مصر. ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ تأويل الكتب الإلهيّة، وتعبير الرؤيا، و ﴿مِنَ﴾ أيضا للتّبعيض لأنه لم يؤت كلّ التّأويل. ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما ومبدعهما. ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ ناصري أو متولّي أمري أو منعم عليّ.
﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ من آبائي، أو بعامة الصالحين في الرّتبة، فعاش بعد ذلك أسبوعا أو أكثر، ومات وله مائة وعشرون سنة، أو مائة وسبعة أعوام.
فتنازع المصريون في مدفنه، فجعلوه في صندوق من مرمر، ودفنوه في أعلى النّيل، لتعمّ البركة جانبيه، ثم نقله موسى ﵇ إلى مدفن آبائه في فلسطين. أما يعقوب ﵇ فأقام مع يوسف أربعا وعشرين سنة، ثم توفي وأوصى أن يدفن بالشام إلى جنب أبيه، فذهب به، ودفنه ثمّة، وعاد وعاش بعده ثلاثا وعشرين سنة.
المناسبة:
بعد أن حمد يوسف ﵇ ربّه على لطفه ونعمه، باجتماعه بأبويه وإخوته، وما منّ الله به عليه من النّبوة والملك، دعا هذا الدّعاء، وسأل ربّه ، كما أتمّ نعمته عليه في الدّنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوفّاه مسلما، وأن يلحقه بالصّالحين.
التفسير والبيان:
قال يوسف بعد اجتماعه بأبويه وإخوته: ربّ قد أعطيتني ملك مصر، وجعلتني حاكما مطلق التّصرف فيها دون منازع ولا معارض ولا حاسد. روي أن يوسف ﵇ أخذ بيد يعقوب ﵇، وطاف به في خزائنه، فأدخله خزائن الذهب والفضة، وخزائن الحلي، وخزائن الثياب، وخزائن السّلاح، فلما أدخله خزائن القراطيس، قال: يا بني ما أغفلك! عندك هذه
стр. 3897
القراطيس، وما كتبت إليّ على ثمان مراحل، قال: نهاني جبريل ﵇ عنه، قال: سله عن السّبب، قال: أنت أبسط إليه، فسأله، فقال جبريل ﵇: أمرني الله تعالى بذلك، لقولك: ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ فهلا خفتني؟! ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ أي الكتب السّماوية وأسرار كلامك، وتعبير الرؤيا ومصداقيتها، فتقع كما ذكرت.
و ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْمُلْكِ،﴾ و ﴿مِنْ تَأْوِيلِ.﴾. للتّبعيض، لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدّنيا وهو ملك مصر، وبعض التّأويل.
﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنت خالق السّموات والأرض ومبدعهما.
﴿أَنْتَ وَلِيِّي.﴾. أنت ناصري ومتولّي أموري وشأني كلّه في الدّنيا والآخرة، فإن نعمك غمرتني في الدّنيا، وأملي فيها في الآخرة.
﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً﴾ أمتني على الإسلام منقادا خاضعا طائعا أوامرك. قال ابن عباس: «ما تمنّى نبيّ قط الموت قبل يوسف ﵇».
﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ اجعلني ملحقا بالأنبياء والمرسلين، على العموم، وبآبائه على الخصوص وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، فتوفّاه الله طيّبا طاهرا بمصر، ودفن في النّيل في صندوق من رخام، ثم نقل موسى ﵇ تابوته بعد أربع مائة سنة إلى بيت المقدس، فدفن مع آبائه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى أن سيرة الأنبياء ﵈ مثل أعلى في القدوة، فإن نعم الله تعالى على يوسف ﵇ في الدّنيا من إيتاء الملك وتعبير الرؤيا، لم تحجبه عن طلب مرضاة الله تعالى في الآخرة، لأن العبرة بحسن الخاتمة،
стр. 3898
وبما يلقاه المؤمن من نعيم خالد في الآخرة، ولأن الآخرة خير وأبقى. وبما أنه نبيّ لم يطلب أقلّ من مرتبة الأنبياء وكرامتهم، فسأل الله أن يجعله مع الصالحين، وهم الأنبياء والرّسل ﵈، في ثوابهم ومراتبهم ودرجاتهم.
أما تمني الموت فلم يكن مطلقا، وإنما تمنى الوفاة على الإسلام، أي إذا جاء أجلي توفّني مسلما، وهذا قول الجمهور، فاللهم اجعل وفاتنا على الإيمان.
ولا يجوز في شريعتنا تمنّي الموت، بدليل ما
ثبت عند الإمام أحمد وفي الصّحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتمنين أحدكم الموت لضرّ نزل به، فإن كان لا بدّ متمنّيا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي»، و
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ فيما رواه أحمد ومسلم: «لا يتمنى أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا».
الفصل التّاسع عشر من قصّة يوسف
إثبات نبوّة محمد ﷺ
الإخبار عن المغيبات والإعراض عن التّأمل في الآيات ودعوة النّبي إلى التّوحيد
﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾
стр. 3899
الإعراب:
﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ.﴾. ﴿ذلِكَ﴾: مبتدأ، و ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ، نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾:
خبران له.
﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ﴾ .. ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ما﴾: نافية حجازية، و ﴿أَكْثَرُ﴾: اسمها، و ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: متعلّق بخبرها. و ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اعتراضية. ﴿بَغْتَةً﴾ منصوب على الحال، وأصله المصدر.
﴿عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ﴿أَنَا﴾: تأكيد للضمير المستتر في ﴿أَدْعُوا﴾ وفي ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ لأنه حال من ﴿أَدْعُوا﴾ و ﴿مَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عطف عليه، يريد: أدعو إليها أنا، ويدعو إليها من اتّبعني. ويجوز أن يكون ﴿أَنَا﴾ مبتدأ وخبره ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ خبر مقدّم، أي على حجة وبرهان، لا على هوى. ﴿هذِهِ سَبِيلِي﴾ مبتدأ وخبر.
البلاغة:
﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اعتراضية بين اسم ﴿ما﴾ الحجازية وخبرها، للدّلالة على أن الهداية بيد الله وحده.
﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على حذف مضاف، أي وما تسألهم على تبليغ القرآن الكريم من أجر.
﴿مُعْرِضُونَ﴾ و ﴿مُشْرِكُونَ﴾ سجع: وهو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير.
المفردات اللغوية:
﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من نبأ يوسف ﵇، والخطاب للرّسول ﷺ . ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ أخبار ما غاب عنك يا محمد. ﴿لَدَيْهِمْ﴾ لدى إخوة يوسف ﵇. ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ في كيده، أي إلقائه في الجبّ، و ﴿أَجْمَعُوا﴾: عزموا عليه. ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ به، أي لم تحضرهم، فتعرف قصّتهم، فتخبر بها، وإنما ذلك من تعليم الله تعالى لك، وقوله: ﴿وَما كُنْتَ
стр. 3900
لَدَيْهِمْ....﴾. إلخ الآية دليل على صدق الإخبار بالمغيب عنك، والمعنى: هذا النّبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي، لأنك لم تحضر إخوة يوسف ﵇ حين عزموا على ما همّوا به من أن يجعلوه في غيابة الجبّ، وهم يمكرون به وبأبيه، ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحدا سمع ذلك، فتعلّمته منه. وإنما حذف هذا الكلام استغناء بذكره في غير هذه القصة مثل: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ [هود ١١/ ٤٩].
﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ﴾ أي أهل مكة. ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات لهم. ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لعنادهم وتصميمهم على الكفر. ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ على الإنباء أو القرآن الكريم. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ من جعل تأخذه كما يفعل حملة الأخبار. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ﴾ ما هو أي القرآن الكريم إلا عظة للعالمين من الإنس والجنّ. ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ وكم من آية، والمراد بها كثير من الآيات الدّالة على وجود الصانع وحكمته وكمال قدرته وتوحيده، فالآية هنا: دليل على وجود الصانع ووحدانيته. ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ يمرّون على الآيات، أي يشاهدونها. ﴿وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ لا يتفكّرون فيها، ولا يعتبرون بها.
﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ﴾ حيث يقرّون بوجوده وخالقيته، أي أنه الخالق الرّازق.
﴿إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ به بعبادة الأصنام، فكانوا يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك»، أو يشركون باتّخاذ الأحبار أربابا من دون الله، ونسبة التّبنّي إليه، أو القول بالنور والظلمة. قيل: الآية في مشركي مكة، وقيل: في المنافقين، وقيل:
في أهل الكتاب، والأولى حملها على العموم.
﴿غاشِيَةٌ﴾ نقمة تغشاهم أو عقوبة تحيط بهم وتعمّهم أو تشملهم. ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بوقت إتيانها. ﴿هذِهِ سَبِيلِي﴾ طريقي. ﴿أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ إلى دين الله. ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ حجة واضحة ومعرفة تامة. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ومن آمن بي. ﴿وَسُبْحانَ اللهِ﴾ أنزهه تنزيها عن الشّركاء. ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وما أنا من جملة المشركين، وهو من جملة سبيله أيضا.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة يوسف ﵇، أراد الحقّ تعالى أن يثبت بها نبوّة النّبي محمد ﷺ ، عن طريق أنها إخبار بالغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، ولم يشاهده النّبي ﷺ ولا قومه، مما يدلّ على كون القرآن كلام الله تعالى، وكون نبوّة الرّسول ﷺ حقّا وصدقا.
ثم ندّد الله تعالى بموقف المشركين من الإيمان بالله تعالى، فذكر أن هناك
стр. 3901
كثيرا من الآيات الدّالة على وجود الصانع ووحدانيته، ولكن لا يلتفت إليها أولئك المشركون، وإنّما يعرضون عنها.
وحسم الحقّ تعالى الموقف، فأبان أن سبيل دعوة النّبي ﷺ هو الدّعوة إلى التّوحيد، ورفض الشّرك بمختلف أشكاله وأنواعه.
التّفسير والبيان:
ذلك المذكور من قصة يوسف بدءا من رؤياه الرؤيا وإلقائه في الجبّ إلى أن أصبح حاكم مصر الفعلي، وبيان موقف إخوته منه، وحال أبيهم يعقوب ﵇، هو من أخبار الغيب الّتي لم يطّلع عليها النّبي ﷺ ولم يرها هو وقومه، والخطاب له، وهي وحي من الله تعالى إليه، لتثبيت فؤاده، وصبره على أذى قومه وإعراضهم عن دعوته.
والمقصد الإخبار عن الغيب، فيكون معجزا، لأنه ﷺ ما طالع الكتب، ولم يتتلمذ لأحد، ولم يكن حاضرا معهم، فإخباره بهذه القصة الطويلة من غير تحريف ولا غلط إعجاز.
﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ.﴾. بمثابة الدّليل على كونه من الغيب، أي وما كنت حاضرا عندهم، ولا مشاهدا لهم، حين عزموا على إلقائه في الجبّ، وهم يمكرون به وبأبيه، ولكنّا أعلمناك به وحيا إليك، وإنزالا عليك، كقوله تعالى في قصّة مريم: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:
٤٤/ ٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا﴾ [القصص ٤٤/ ٢٨ - ٤٦]، وقوله : ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [القصص ٤٥/ ٢٨].
стр. 3902
وبالرّغم من هذه الأخبار المعجزة التي فيها عبرة وعظة لم يؤمن أكثر النّاس، كما قال تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ.﴾. أي وليس أكثر النّاس بمصدّقين بدعوتك ورسالتك، ولو حرصت وتهالكت على إيمانهم، لتصميمهم على الكفر وعنادهم.
والمراد بالآية العموم، كقوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرّعد ١/ ١٣]. وعن ابن عباس ﵄: أراد أهل مكة. ووجه اتصال الآية بما قبلها على قول ابن عباس: أن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه القصة من رسول الله ﷺ على سبيل التّعنّت، واعتقد رسول الله ﷺ أنه إذا ذكرها، فربّما آمنوا، فلمّا ذكرها أصرّوا على كفرهم، فنزلت هذه الآية، وكأنه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص ٥٦/ ٢٨] (١).
ومعنى الحرص: طلب الشّيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف؛ لأن جواب ﴿لَوْ﴾ لا يكون مقدّما عليها، فلا يجوز أن يقال: قمت لو قمت.
ثم نفى تعالى أن يكون للمشركين عذر بعدم الإيمان بدعوتك فقال:
﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ.﴾. أي ما تسأل منكري نبوّتك يا محمد على هذا النّصح والدّعاء إلى الخير والرّشد من أجر، أي من جعل ولا أجرة، بل تفعله ابتغاء وجه الله ونصحا لخلقه، فما عليهم إلا الاستجابة لدعوتك، لأنك لا تقصد إلا اتّباع أمر ربّك ونصحهم الخالص.
﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أي ما هذا القرآن الذي أرسلك به ربّك إلا تذكير وموعظة لكلّ العالمين من الإنس والجنّ، به يتذكّرون وبه يهتدون، وينجون به في الدّنيا والآخرة. وهذا دلّ على عموم رسالته ﷺ .
стр. 3903
والسّبب في أن أكثر النّاس لا يؤمنون أنهم في غفلة عن التّفكّر في الدّلائل الدّالّة على وجود الصانع وتوحيده، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ.﴾. أي وكم من آية دالّة على توحيد الله وكمال علمه وقدرته في السّموات والأرض من كواكب ثابتة وسيّارة وجبال وبحار، ونبات وشجر، وحيوان وحي وميت، وثمار متشابهة ومختلفة في الطّعوم والرّوائح والألوان والصّفات، يمرّ على تلك الآيات ويشاهدها أكثرهم، وهم غافلون عنها، لا يتفكّرون بما فيها من عبر وعظات، وكلّها تشهد على وجود الله تعالى ووحدانيته.
وفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنه واحد
والآية هنا: الدّليل على وجود الله تعالى وتوحيده.
وأما علماء الفضاء والفلك فدأبهم الرّصد المادي كرصد الحركة أو الثّبات، واستنباط القوانين العلمية، لكنهم لا يفكرون غالبا في الخالق الموجد، وفي عظمة المدبّر والمقدّر.
﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ.﴾. أي وما يكاد يقرّ أكثر المشركين بوجود الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان ٢٥/ ٣١] إلا وتراهم يقعون في الشّرك، لإشراكهم مع الله الأصنام والأوثان في العبادة.
فكلّ عبادة أو تقديس وتعظيم لغير الله شرك،
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله: أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه».
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الأوّلين والآخرين ليوم لا ريب فيه، ينادي مناد: من
стр. 3904
كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشّركاء عن الشّرك».
وروى التّرمذي وحسّنه ابن عمر: «من حلف بغير الله فقد أشرك» أي حلف بغير الله قاصدا تعظيمه مثل الله فقد أشرك.
وروى أحمد عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشّرك الأصغر، قالوا: وما الشّرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:
الرّياء، يقول الله تعالى يوم القيامة: إذا جاز النّاس بأعمالهم، اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدّنيا، فانظروا، هل تجدون عندهم جزاء؟».
وروى أحمد عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «يا أيها النّاس، اتّقوا هذا الشّرك، فإنه أخفى من دبيب النّمل» ثم بيّن للصحابة كيف يتّقى الشّرك الخفي، فقال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه».
ثم هدد الله تعالى المشركين بالعقاب فقال: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ أي أفأمن هؤلاء المشركون بالله أن تأتيهم عقوبة تغشاهم وتشملهم، أو يأتيهم يوم القيامة فجأة، وهم لا يحسون ولا هم يشعرون بذلك، وهذا كالتأكيد لقوله:
﴿بَغْتَةً﴾.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ. أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ، فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [النّحل ٤٥/ ١٦ - ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَ
стр. 3905
أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ؟ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٧/ ٧ - ٩٩].
وإبهام السّاعة مبعث الهيبة والخوف من الله دون وازع مشاهد أو قريب.
ثم أبان الله تعالى بعد كل تلك الأدلة هدف دعوة النّبي ﷺ وثقته بها، فقال: ﴿قُلْ: هذِهِ سَبِيلِي.﴾. أي قل يا محمد للثقلين: الإنس والجن: إن هذه الطريقة التّي أتبعها، والدّعوة الّتي أدعو إليها وهي شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أدعو إلى دين الله بها، على يقين، وحجة واضحة قاطعة، وبرهان، أدعو أنا، ويدعو إليها كل من اتبعني أي آمن بي وصدّق برسالتي.
وسبحان الله أي وأنزه الله وأجلّه وأعظمه وأقدسه من أن يكون له شريك أو نظير أو عديل أو نديد أو ولد أو والدّ أو صاحبة أو وزير أو مشير، ﵎ وتقدس الله عن ذلك علوا كبيرا: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ، وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧].
وبعد أن أثبت الوحدانية لله نفى الشّرك نفيا قاطعا للرّد على المشركين الذين كانوا يقرون بوجوده ثم يشركون به في العبادة إلها آخر فقال: ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي أنا بريء من جميع المشركين على مختلف أنواعهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - الإخبار بقصة يوسف وغيرها من قصص الأنبياء السّابقين مع أقوامهم من أنباء الغيب الدّالة على المعجزة: وهي كون القرآن كلام الله، وصدق النّبي ﷺ في دعوته، فذلك معجزة لرسول الله ﷺ .
стр. 3906
٢ - نزلت آية ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ تسلية للنّبي ﷺ ، أي حتى ولو أخبرتهم بقصة يوسف، فلم يؤمنوا، أي لست تقدر على هداية من أردت هدايته.
٣ - مهمة كل نبي تبليغ الوحي المنزل عليه بإخلاص وقصد الثواب عند الله ، دون تكليف النّاس بشيء من الأجر أو المقابل.
٤ - القرآن والوحي عظة وتذكرة للعالمين قاطبة، لا للعرب خاصة، إنه تذكرة لهم في دلائل التّوحيد والعدل والنّبوة، والمعاد والقصص، والتّكاليف والعبادات، ففيه منافع عظيمة.
٥ - ما أكثر الآيات، أي الدّلائل الدّالة على وجود الله تعالى ووحدانيته، وقدرته وحكمته وعلمه ورحمته، في السّموات والأرضين من نجوم وكواكب وبحار وأنهار وجبال ونباتات وأشجار، وصحار شاسعات، وأحياء وأموات، وحيوان وثمرات مختلفة الطعوم والرّوائح والألوان والصّفات. وهذه كلها أدلة محسوسة.
٦ - إيمان المشركين مزيف باطل، فهم يقرون بوجود الله خالقهم وخالق الأشياء كلها، وهم يعبدون الأوثان. قال ابن عباس: نزلت في تلبية مشركي العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. وعنه أيضا أنهم النّصارى. وعنه أيضا أنهم المشبّهة الذين يشبهون الله بخلقه، آمنوا مجملا وأشركوا مفصّلا. وقيل: نزلت في المنافقين، والأولى حملها على العموم، والمعنى كما قال الحسن ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ﴾ أي باللسان إلا وهو كافر بقلبه.
٧ - عذاب الله وعقابه، وإتيان السّاعة (يوم القيامة) يأتيان فجأة، من حيث لا يشعر النّاس بهما.
٨ - طريقة النّبي ﷺ وسنته ومنهاجه، ومنهاج أتباعه المؤمنين به الدّعوة
стр. 3907
إلى ما يؤدي إلى الجنة، على يقين وحق، وشعار المؤمن دائما: سبحان الله وما أنا من المشركين، أي أنزه الله عن أي شريك، ولست من الذين يتخذون من دون الله أندادا أي نظراء لله.
وسمي الدّين سبيلا، لأنه الطريق الذي يؤدي إلى الثواب، كما في قوله تعالى: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النّحل ١٢٥/ ١٦].
الفصل العشرون من قصّة يوسف
العبرة من القصص القرآني
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾
الإعراب:
﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر، وهذا إضافة الصّفة بعد حذف الموصوف، وتقديره:
ولدار السّاعة أو الحال الآخرة، وهذه الإضافة في نيّة الانفصال، ولهذا لا يستفيد المضاف التّعريف من المضاف إليه.
стр. 3908
﴿حَتّى إِذَا﴾ متعلّقة بمحذوف، دلّ عليه الكلام، كأنه قيل: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا فتراخى نصرهم حتى إذا استيأسوا عن النّصر.
﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ﴾ خبر كان المقدرة، أي ولكن كان ذلك تصديق الذي بين يديه وتفصيلا، و ﴿هُدىً وَرَحْمَةً﴾ منصوبان بالعطف عليه.
المفردات اللغوية:
﴿إِلاّ رِجالاً﴾ لا ملائكة. ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ الأمصار؛ لأنهم أعلم وأحلم، بخلاف أهل البوادي لجفائهم وجهلهم. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أهل مكة. ﴿عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي آخر أمرهم من إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم. ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ﴾ أي ولدار الحال القادمة أو السّاعة الأخرى أو الحياة الآخرة وهي الجنة. ﴿اِتَّقَوْا﴾ الله واتقوا الشّرك والمعاصي، أي خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أهل مكة، فيؤمنوا.
﴿حَتّى﴾ غاية محذوف، دلّ عليه الكلام، أي وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا، فتراخى نصرهم. ﴿اِسْتَيْأَسَ﴾ يئس، أي لا يغررهم تمادي أيامهم، فإن من قبلهم أمهلوا، حتى أيس الرّسل من النّصر عليهم في الدّنيا أو من إيمانهم، لانهماكهم في الكفر. ﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا. ﴿كُذِبُوا﴾ أي ظنّ الأمم أنّ الرّسل أخلفوا ما وعدوا به من النّصر، وعلى قراءة التّشديد، أي وظنّ الرّسل أن القوم قد كذبوهم تكذيبا لا إيمان بعده فيما أو عدوهم. ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ﴾ وهم النّبي والمؤمنون.
﴿بَأْسُنا﴾ عذابنا. ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين. ﴿فِي قَصَصِهِمْ﴾ أي الرّسل. ﴿عِبْرَةٌ﴾ أي اعتبار من حال إلى حال. ﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول. ﴿ما كانَ﴾ هذا القرآن.
﴿يُفْتَرى﴾ يختلق. ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قبله من الكتب. ﴿وَتَفْصِيلَ﴾ تبيين. ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه في الدّين. ﴿وَهُدىً﴾ من الضّلالة. ﴿وَرَحْمَةً﴾ ينال بها خير الدّارين. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدّقونه، خصّوا بالذّكر لانتفاعهم به دون غيرهم.
المناسبة:
بعد أن أثبت القرآن الكريم نبوّة النّبي محمد ﷺ بدليل إخباره عن المغيبات، ردّ الله على منكري النّبوة، فقد كان من شبه منكري نبوّته ﷺ أن الله لو أراد إرسال رسول لبعث ملكا، كما حكى القرآن عنهم: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت ١٤/ ٤١].
стр. 3909
ثم أنذر الله كفار قريش وأمثالهم بالعقاب والعذاب إن لم يؤمنوا، فإن سنّة لله في عباده واحدة أنهم إن لم يؤمنوا، حلّ بهم العذاب.
ثم ذكر تعالى أن قصة يوسف ﵇ مع أبيه وإخوته عبرة لذوي العقول والأفكار.
التّفسير والبيان:
ختمت سورة يوسف بهذه الخاتمة الدّالّة على وجوب الاتّعاظ والاعتبار بقصته المؤثرة الحادثة بين كنعان ومصر، وفي ألوان متعددة، تبتدئ بإلقائه في الجبّ، ثم صيرورته في بيت العزيز، ثم في السّجن، ثم في أعلى مناصب الحكم، وصف فيها كيد الإخوة وحسدهم، ومكر النّساء وكيدهنّ، وصبر يوسف ﵇ وحكمته ومهارته في إدارة الحكم، وأخلاقه وتسامحه مع إخوته، وتعظيمه أبويه.
والمعنى: وما أرسلنا يا محمّد من قبلك رسلا إلا رجالا، لا ملائكة ولا إناثا، وكانوا من أهل المدن لا من البوادي، وكنّا ننزل عليهم الوحي والتّشريع.
وهذا يدلّ على أن الله أرسل الرّسل من الرّجال، لا من النّساء، فلم تكن امرأة قط نبيّا ولا رسولا، وعلى اختيار الرّسل من أهل المدينة، فلم يبعث الله رسولا من أهل البادية، لتتبعهم المدن الأخرى، ولأن أهل البادية فيهم الجهل والجفاء، وأن أهلا لمدن أرق طباعا وألطف من أهل البوادي، ولهذا قال تعالى:
﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً﴾ [التّوبة ٩٧/ ٩].
قال ابن كثير: وزعم بعضهم أن سارّة امرأة الخليل، وأم موسى، ومريم بنت عمران أم عيسى نبيّات، واحتجّوا بأن الملائكة بشّرت سارّة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧/ ٢٨] وبأنّ الملك جاء إلى مريم فبشّرها بعيسى ﵇، وبقوله تعالى: ﴿وَإذْ
стр. 3910
قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٣/ ٤٢ - ٤٣] وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يكنّ نبيّات بذلك (١).
ثم هدد الله المشركين على تكذيبهم بالرّسول ﷺ فقال متعجّبا: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ.﴾. أي أفلم يسر هؤلاء المكذّبون لك يا محمّد في الأرض، فينظروا ويروا كيف كان مصير الأمم المكذّبة للرّسل، كيف دمّر الله عليهم، كقوم نوح وهود وصالح ولوط، وللكافرين أمثالها، فإن عاقبة الكافرين الهلاك، وعاقبة المؤمنين النّجاة.
ثم حضّ الله تعالى على العمل لدار الآخرة والاستعداد لها واتّقاء المهلكات فقال: ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي إن الدّار الآخرة خير للذين خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه، فهي أفضل من هذه الدّار للمشركين المكذّبين بالرّسل، أي وكما نجّينا المؤمنين في الدّنيا، كذلك كتبنا لهم النّجاة في الدّار الآخرة، وهي خير لهم من الدّنيا بكثير؛ فإن نعيم الآخرة أكمل من نعيم الدّنيا، وأبقى وأخلد.
﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي أجهلتم؟ فلا تعقلون أيها المكذّبون بالآخرة، فإنكم لو عقلتم ذلك لآمنتم.
ثم بشر الله نبيّه بالنّصر بإخباره أن نصره تعالى ينزل على رسله ﵈ عند ضيق الحال واشتداد الأزمة وانتظار الفرج من الله تعالى في أحرج الأوقات إليه، فقال: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ.﴾. فيه محذوف، أي وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم، فبلغوا أقوامهم رسالتهم الدّاعية إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، فكذّبوهم وتمادى أقوامهم في الطغيان والكفر والعناد،
стр. 3911
فتراخى نصرهم، حتى أيس الرّسل من إيمانهم أو من النّصر عليهم، لانهماكهم في الكفر، وظنّت (أيقنت) الأمم أن الرّسل أخلفوا فيما وعدوهم به من النّصر، وكذّبوهم فيما أخبروهم به عن الله من وعد النّصر، فجاءهم نصرنا، أي أتاهم نصر الله فجأة، فنجّي من نشاء وهم النّبي والمؤمنون، وحلّ العقاب بالمكذّبين الكافرين، ولا يردّ بأسنا، أي لا يمنع عقاب الله وبطشه عن القوم الذين أجرموا، فكفروا بالله وكذّبوا رسله.
والمعنى على قراءة ﴿كُذِبُوا﴾ بالتّشديد: وظنّ الرّسل أن القوم قد كذّبوهم تكذيبا لا إيمان بعده فيما أو عدوهم.
وهذا تهديد ووعيد لكفار قريش وأمثالهم لعدم إيمانهم بالنّبي ﷺ .
وللآية نظائر كثيرة في القرآن الكريم منها ما اشتمل على وعد الله الرّسل بالنّصر: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [غافر ٥١/ ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨]، ومنها استنجاز النّصر: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، مَتى نَصْرُ اللهِ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤/ ٢].
ومنها بيان سبب العقاب وهو الظّلم والكفر: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ، أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التّوبة ٧٠/ ٩].
ومنها تقرير سنّة الله الواحدة في عباده وإلحاق النّظائر والأشباه بأمثالها، وأنه لا ظلم فيها ولا محاباة، فكفار قريش مثل الكفار السّابقين في استحقاقهم العذاب لارتكابهم سببه وهو الكفر: ﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ، أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر ٤٣/ ٥٤].
ونقل تفسير الآية على قراءة التّشديد: ﴿كُذِبُوا﴾ على النّحو السّابق عن
стр. 3912
عائشة، روى البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت لابن أختها عروة بن الزّبير، وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ الآية:
«معاذ الله لم تكن الرّسل تظنّ ذلك بربّها، هم أتباع الرّسل الذين آمنوا بربّهم وصدّقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النّصر، حتى إذا استيأس الرّسل ممن كذّبهم من قومهم، وظنّت الرّسل أنّ أتباعهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك». وأنكرت عائشة المعنى على قراءة التّخفيف. وقال الرّازي عن تأويل عائشة: وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية.
ونقل تفسير الآية على قراءة التّخفيف ﴿كُذِبُوا﴾ عن ابن عباس وابن مسعود، قال ابن عباس: «لما أيست الرّسل أن يستجيب لهم قومهم، وظنّ قومهم أن الرّسل قد كذبوهم، جاءهم النّصر على ذلك»، وقال ابن مسعود في آية: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾: من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا، بالتخفيف. وهذا هو المشهور عن الجمهور (١).
والخلاصة: على قراءة التّخفيف، الضمير في ﴿وَظَنُّوا﴾ عائد على المرسل إليهم، لتقدّمهم في الذّكر في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فيكون الضّمير عائدا إلى الذين من قبلهم من مكذّبي الرّسل، والظّن هاهنا بمعنى التّوهم والحسبان. والمعنى: وظنّ المرسل إليهم أنهم قد كذبهم الرّسل فيما ادّعوه من النّبوة وفيما يوعدون به من لم يؤمن بهم من العذاب، وهذا مشهور قول ابن عباس وتأويل عبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد. ولا يجوز أن تكون الضّمائر في هذه القراءة على الرّسل؛ لأنهم
стр. 3913
معصومون، فلا يمكن أن يظنّ أحد منهم أنه قد كذبه من جاءه بالوحي عن الله (١).
وعلى قراءة التّشديد وجهان:
الأول-أنّ الظنّ بمعنى اليقين، أي وأيقنوا أن الأمم كذبوهم تكذيبا لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك، فحينئذ دعوا عليهم، فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال، وورود الظنّ بمعنى العلم كثير في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٤٦/ ٢]، أي يتيقنون ذلك.
والثاني-أن يكون الظنّ بمعنى الحسبان، والتّقدير: حتى إذا استيأس الرّسل من إيمان قومهم، فظنّ الرّسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم، وهذا التّأويل منقول عن عائشة ﵂، قال الرّازي: وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية (٢).
وقال الزّمخشري في قراءة التّخفيف: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون، أو وظنّوا أنهم قد كذبهم رجاؤهم كقولهم:
رجاء صادق ورجاء كاذب، والمعنى أن مدّة التّكذيب والعداوة من الكفار، وانتظار النّصر من الله وتأميله قد تطاولت عليهم، وتمادت، حتى استشعروا القنوط، وتوهّموا أن لا نصر لهم في الدّنيا، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب (٣).
ثم ذكر الله تعالى الهدف العام من قصص القرآن، فقال: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ أي لقد كان في سرد أخبار الأنبياء المرسلين مع قومهم، وكيف
стр. 3914
نجّينا المؤمنين، وأهلكنا الكافرين عبرة وعظة وذكرى لأولي العقول والأفكار الصّحيحة. والاعتبار والعبرة: الانتقال والعبور من جهة إلى جهة. أما المهملون عقولهم فلا ينظرون في الأحداث ولا يستفيدون من دروس التّاريخ، فلا يفيدهم النّصح.
ثم ذكر الله تعالى مشتملات القرآن فقال: ﴿ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى﴾ أي ما كان هذا القرآن الشّامل للقصة وغيرها، أو ما كان هذا القصص والحديث الذي اشتمل عليه القرآن حديثا يختلق ويكذب من دون الله، لأنه كلام أعجز رواة الأخبار وحملة الحديث، وإنما هو كلام الله من طريق الوحي والتّنزيل وتصديق ما تقدّمه من الكتب السّماوية كالتّوراة والإنجيل والزّبور، أي تصديق ما جاء فيها من الصّحيح والحقّ، ونفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، فهو مصدّق أصولها الصّحيحة، لا كلّ ما جاء فيها بعد من حكايات وأساطير لا يتقبّلها العقل السّليم، وهو أيضا مهيمن عليها وحارس لها.
والقرآن أيضا فيه تفصيل كلّ شيء من الحلال والحرام والمحبوب والمكروه، والأمر والنّهي، والوعد والوعيد، وصفات الله الحسنى، وقصص الأنبياء على النّحو الثابت الواقع الذي لا تحريف فيه ولا تزويق. ونظير الآية قوله تعالى:
﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨/ ٦].
والقرآن أيضا هدى للعالمين، ويهدي النّاس إلى طريق الاستقامة والسّداد، فيخرجهم من الظّلمات إلى النّور، وينقلهم من الغيّ إلى الرّشاد، ومن الضّلال إلى السّداد، ويرشدهم إلى الحقّ والخير والصّلاح في الدّنيا والدّين.
وهو كذلك رحمة عامّة من ربّ العالمين للمؤمنين في الدّنيا والآخرة.
стр. 3915
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمّنت الآيات الأحكام التّالية:
١ - الأنبياء دائما من الرّجال، ولم يكن فيهم امرأة ولا جنّي ولا ملك. وهذا ردّ على ما
يروى عن النّبي ﷺ أنه قال في حديث غير ثابت: «إنّ في النّساء أربع نبيّات: حوّاء، وآسية، وأم موسى، ومريم».
٢ - الأنبياء من أهل المدن، ولم يبعث الله نبيّا من أهل البادية، لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو، ولأن أهل الأمصار والقرى أعقل وأحلم وأفضل وأعلم. قال الحسن البصري: لم يبعث الله نبيّا من أهل البادية قط، ولا من النّساء، ولا من الجنّ. وقال العلماء: من شرط الرّسول: أن يكون رجلا آدميا مدنيا؛ وإنما قالوا: آدميا، تحرّزا من قوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن ٦/ ٧٢].
٣ - على النّاس قاطبة أن ينظروا بمصارع الأمم المكذّبة لأنبيائهم، فيعتبروا.
٤ - آية ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا.﴾. فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم.
والمعنى أو الحكم على قراءة التّخفيف ﴿كُذِبُوا﴾ في رأي الجمهور: ظنّ القوم أنّ الرّسل كذبوهم فيما أخبروا به من العذاب، ولم يصدقوا. أو ظنّ الأمم أن الرّسل قد كذبوا فيما وعدوا به من نصرهم.
والمعنى أو الحكم، على قراءة التّشديد ﴿كُذِبُوا﴾ أيقنوا أن قومهم كذبوهم، أو حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كذّبوهم، لا أن القوم كذّبوا، ولكن الأنبياء ظنّوا وحسبوا أنهم يكذّبونهم.
стр. 3916
٥ - في قصص الأمم الغابرة ومنها قصة يوسف ﵇ وأبيه وإخوته عبرة، أي فكرة وتذكرة وعظة، لأولي العقول.
٦ - ما كان القرآن حديثا يفتري ويختلق ويكذب من دون الله، فهو كلام معجز لا يستطيع بشر ولو كان نبيّا أن يأتي بمثله. وكذلك ما كانت قصّة يوسف حديثا يفتري من دون الله تعالى.
٧ - القرآن الكريم مصدّق لما تقدّمه من الكتب السّماوية من التّوراة والإنجيل وسائر كتب الله تعالى، ومهيمن عليها وحارس لها.
٨ - القرآن الكريم فيه تفصيل كل شيء مما يحتاج إليه العباد من الحلال والحرام، والشّرائع والأحكام.
وهو أيضا هداية ورحمة من الله تعالى لعباده وللمؤمنين بالغيب، وإنقاذ للبشرية من الضّلالة إلى النّور، ومن الفساد إلى النّظام والصّلاح: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢/ ٢].
٩ - يمكن توجيه الكلام إلى قصّة يوسف ﵇ وحدها، فيكون تعالى وصفها بصفات خمس هي:
أ-كونها عبرة لأولي الألباب.
ب-ما كان حديثا يفتري، أي ليس لمحمد ﷺ أن يفتري، لأنه لم يقرأ الكتب، ولم يتتلمذ لأحد ولم يخالط العلماء، وليس يكذب في نفسه؛ لأنه لا يصحّ الكذب منه، وأكّد تعالى كونه غير مفترى فقال: ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي أن هذه القصة وردت على الوجه الموافق لما في التّوراة وسائر الكتب الإلهية.
ج -وتفصيل كلّ شيء من واقعة يوسف ﵇ مع أبيه وإخوته.
стр. 3917
د-كونها هدى في الدّنيا.
هـ -كونها سببا لحصول الرّحمة في القيامة لقوم يؤمنون. خصّهم بالذّكر؛ لأنهم هم الذين انتفعوا به، كما في قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢/ ٢].
стр. 3918
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الرعد
مدنية وهي ثلاث وأربعون آية.
تسميتها:
سمّيت سورة الرّعد، للكلام فيها عن الرّعد والبرق والصّواعق وإنزال المطر من السّحاب: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً، وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ [الرّعد ١٢/ ١٣ - ١٣] والمطر أو الماء سبب للحياة: حياة الأنفس البشريّة والحيوان والنّبات، والصّواعق قد تكون سببا للإفناء، وذلك مناقض للماء الذي هو رحمة، والجمع بين النّقيضين من العجائب.
ناسبتها لما قبلها:
هناك تناسب بين سورة الرّعد وسورة يوسف في الموضوع والمقاصد ووصف القرآن، أما الموضوع فكلاهما تضمّنتا الحديث عن قصص الأنبياء مع أقوامهم، وكيف نجّى الله المؤمنين المتّقين وأهلك الكافرين، وأما المقاصد فكلّ من السّورتين لإثبات توحيد الإله ووجوده، ففي سورة يوسف: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾. وفي سورة الرّعد: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها.﴾. [٢ - ٤]. ﴿قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ: اللهُ﴾ [١٦]، وفيهما من الأدلّة على وجود الصّانع الحكيم وكمال قدرته وعلمه ووحدانيته الشيء الكثير، ففي سورة يوسف: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾. وفي سورة الرّعد آيات دالّة على
стр. 3919
قدرة الله تعالى وألوهيّته مثل الآيات [٢ - ٤]، والآيات [٨ - ١١]، والآيات [١٢ - ١٦]، والآيتان [٣٠ و ٣٣].
وأما وصف القرآن فختمت به سورة يوسف: ﴿ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وبدئت سورة الرّعد بقوله سبحانه: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ، وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾.
ما اشتملت عليه السّورة:
تحدثت سورة الرّعد عن مقاصد السّور المدنية التّي تشبه مقاصد السّور المكيّة، وهي التّوحيد وإثبات الرّسالة النّبوية، والبعث والجزاء، والرّد على شبهات المشركين. وأهم ما اشتملت عليه هو ما يأتي:
١ - بدئت السّورة بإقامة الأدلّة على وجود الله تعالى ووحدانيته، من خلق السّموات والأرض، والشّمس والقمر، والليل والنّهار، والجبال والأنهار، والزّروع والثّمار المختلفة الطّعوم والرّوائح والألوان، وأن الله تعالى منفرد بالخلق والإيجاد، والإحياء والإماتة، والنّفع والضّر.
٢ - إثبات البعث والجزاء في عالم القيامة، وتقرير إيقاع العذاب بالكفار في الدّنيا.
٣ - الإخبار عن وجود ملائكة تحفظ الإنسان وتحرسه بأمر الله تعالى.
٤ - إيراد الأمثال للحقّ والباطل، ولمن يعبد الله وحده ولمن يعبد الأصنام، بالسّيل والزّبد الذي لا فائدة فيه، وبالمعدن المذاب، فيبقي النّقي الصّافي ويطرح الخبث الذي يطفو.
٥ - تشبيه حال المتّقين أهل السّعادة الصّابرين المقيمي الصّلاة بالبصير،
стр. 3920
حال العصاة الذين ينقضون العهد والميثاق، ويفسدون في الأرض بالأعمى.
٦ - البشارة بجنان عدن للمتّقين، والإنذار بالنّار لناقضي العهد المفسدين في الأرض.
٧ - بيان مهمّة الرّسول وهي الدّعوة إلى عبادة الله وحده، وعدم الشّرك به، وتحذيره من مجاملة المشركين في دعوتهم.
٨ - الرّسل بشر كغيرهم من النّاس، لهم أزواج وذريّة، وليست المعجزات رهن مشيئتهم، وإنما هي بإذن الله تعالى، ومهمّتهم مقصورة على التّبليغ، أما الجزاء فإلى الله تعالى.
٩ - إثبات ظاهرة التّغير في الدّنيا، مع ثبوت الأصل العام لمقادير الخلائق في اللوح المحفوظ.
١٠ - الاعلام بأن الأرض ليست كاملة التّكوير، وإنما هي بيضاوية ناقصة في أحد جوانبها: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾.
١١ - إحباط مكر الكافرين بأنبيائهم في كلّ زمان.
١٢ - ختمت السّورة بشهادة الله لرسوله ﷺ بالنّبوة والرّسالة، وكذا شهادة المؤمنين من أهل الكتاب بوجود أمارات النّبي ﷺ في كتبهم. وكان في السّورة بيان مدى فرح هؤلاء بما ينزل من القرآن مصدّقا لما عرفوه من اكتب الإلهية.
القرآن حق
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١)﴾
стр. 3921
الإعراب:
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ ﴿الْحَقُّ﴾: مبتدأ مؤخّر، ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ﴾ خبر مقدّم، ويجوز أن يكون ﴿الَّذِي﴾ مبتدا وخبره ﴿الْحَقُّ﴾. ويجوز أن يكون ﴿وَالَّذِي﴾ في موضع جر عطفا على ﴿الْكِتابِ﴾ أو وصفا للكتاب، والواو زائدة.
البلاغة:
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ إشارة بالبعيد عن القريب، للدّلالة على علوّ شأن الكتاب. وأل في ﴿الْكِتابِ﴾ للتّفخيم والتّعظيم، أي الكتاب الكامل في بيانه، السّامي في إعجازه.
المفردات اللغوية:
﴿المر﴾ البدء بهذه الحروف الهجائية المقطّعة للتّنبيه على إعجاز القرآن الكريم وبيان أن نزوله من عند الله حق لا شكّ فيه، بالرّغم من كونه بلغة العرب ويتكون من حروف الكلمات التّي ينطقون بها.
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ أي هذه الآيات آيات القرآن، والإضافة بمعنى من، أو أن الكتاب بمعنى السّورة، وتلك إشارة إلى آياتها، أي تلك الآيات آيات السّورة الكاملة. ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي القرآن المنزل إليك من ربّك عطف عام على خاص، أو عطف صفة على صفة، أو مبتدأ، وخبره ﴿الْحَقُّ﴾. ﴿الْحَقُّ﴾ لا شكّ فيه، والجملة كالحجّة على الجملة الأولى، وتعريف ﴿الْحَقُّ﴾ أعمّ من أن يكون المنزل صريحا أو ضمنا كالمثبت بالقياس وغيره مما أقرّ القرآن بحسن اتّباعه.
﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾ إما أهل مكّة، أو على العموم. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بأنه من عند الله؛ لإخلالهم بالنّظر والتّأمل فيه.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى القرآن في آخر سورة يوسف بخمس صفات، أصاف هنا صفة أخرى وهي كونه حقّا من عند الله تعالى.
التّفسير والبيان:
آيات هذه السّورة آيات القرآن البالغ حدّ الكمال، أو تلك الآيات العظام القدر والشّأن آيات الكتاب وهو القرآن الكريم.
стр. 3922
وكلّ القرآن الذي أنزل إليك يا محمد من ربّك حقّ لا شكّ فيه، وهو على التّفسير الأول بأن الآيات هي السّورة إجمال بعد تفصيل، أو عموم بعد خصوص، فبعد أن أثبت تعالى لهذه السّورة وصف الكمال والرّفعة، عمم هذا الحكم على القرآن جميعه.
ولكن أكثر النّاس لا يصدقون بالمنزل إليك من ربّك، ولا يقدرون ما في القرآن من سمو التّشريع والأحكام ورعاية المصالح المناسبة لكلّ عصر وزمان.
وهذا كقوله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ، وَلَوْ حَرَصْتَ، بِمُؤْمِنِينَ﴾ [١٠٣]، أي مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا يؤمن أكثرهم لما فيهم من الشّقاق والنّفاق والعناد.
وإذا كان واقع البشريّة اليوم أن أكثر سكان العالم لا يؤمنون بالقرآن الكريم، وأن المسلمين بالنسبة لغيرهم هم الخمس، فيكون ذلك معجزة للقرآن الكريم الذي أخبر عن حال أكثر النّاس في الماضي كأهل مكة، وفي مسيرة التّاريخ، وفي الوقت الحاضر والمستقبل.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية على أنّ آيات القرآن بالغة حدّ الكمال في الإعجاز والبيان، وأن القرآن الكريم حقّ منزل من عند الله تعالى لا شكّ فيه ولا ريب، باق على وجه الدهر، ولكن مع الأسف حجب العناد والكفر كثيرا من النّاس عن الإيمان بما جاء فيه من حكم بالغة، وأحكام رصينة، وتشريعات محكمة. وهذا ليس إقرارا لهم، وإنما هو على سبيل الزّجر والتّهديد.
وقد تمسّك نفاة القياس بهذه الآية، وقالوا: الحكم المستنبط بالقياس غير نازل من عند الله تعالى، فهو ليس حقّا، لأنه لا حقّ إلا ما أنزله الله تعالى.
стр. 3923
ومثبتو القياس أجابوا عن ذلك بأن الحكم الثابت بالقياس نازل أيضا من عند الله تعالى، لأنه تعالى لما أمر بالعمل بالقياس، كان الحكم الذي دلّ عليه القياس نازلا من عند الله تعالى. وقد بيّنا أن تعريف كلمة ﴿الْحَقُّ﴾ وإن دلّ على اختصاص المنزل بكونه حقّا، فهو أعمّ من المنزل صريحا أو ضمنا، كالمثبت بالقياس وغيره، مما نطق المنزل بحسن اتّباعه.
بعض مظاهر قدرة الله في السّموات والأرض
﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾
الإعراب:
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ الباء متعلّقة برفع، أو ب ﴿تَرَوْنَها﴾. و ﴿تَرَوْنَها﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿السَّماواتِ﴾، أي أنه ليس ثم عمد البتة، ويجوز أن تكون في موضع جر؛ لأنها صفة ل ﴿عَمَدٍ﴾ أي أن ثمّ عمدا، ولكن لا ترى.
﴿وَزَرْعٌ﴾ معطوف على ﴿جَنّاتٌ﴾، وتقديره: وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات
стр. 3924
وزرع ونخيل صنوان مجتمعة من أصل واحد، ﴿وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ غير مجتمعة من أصل واحد، وعلى قراءة الجرّ. ﴿وَزَرْعٌ﴾ معطوف على ﴿أَعْنابٍ﴾، فتجعل الجنّات من الزّرع، وهو قليل.
البلاغة:
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ شبّه إزالة نور النّهار بظلمة الليل بالغطاء الكثيف، واستعار لفظ ﴿يُغْشِي﴾ من الغطاء الحسي للأمور المعنوية.
المفردات اللغوية:
﴿عَمَدٍ﴾ جمع عماد، وهو الأسطوانة، والآية تحتمل ألا عمد أصلا، أو هناك عمد غير مرئية.
﴿اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواء يليق به، أو المراد منه المجاز، أي بالحفظ والتّدبير. ﴿وَسَخَّرَ﴾ ذلّل بالحركة المستمرة والسّرعة المعينة ونحو ذلك. ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ كل منهما يسير في فلكه إلى يوم القيامة. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يصرف الأمر على وجه الحكمة. ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ يبين دلالات قدرته، وهي الأدلة التّي تقدم ذكرها من الشّمس والقمر. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يا أهل مكة وأمثالكم.
﴿بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي لتوقنوا وتتحققوا كمال قدرته بالبعث، فتعلموا أن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قادر على الإعادة والجزاء. واليقين: العلم الثابت الذي لا شكّ فيه.
﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ بسطها طولا وعرضا ليتمكّن الإنسان والحيوان من السّير عليها والانتفاع بمنافعها. ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ وخلق فيها جبالا ثوابت. ﴿وَأَنْهاراً﴾ عطفها على الجبال مباشرة؛ لأنها أسباب تولدها ونبعها. ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ متعلّق بقوله تعالى: ﴿جَعَلَ فِيها﴾. ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي جعل فيها من جميع أنواع الثّمرات صنفين اثنين كالحلو والحامض، والأسود والأبيض، والصغير والكبير، والذكر والأنثى.
﴿يُغْشِي﴾ يغطي الليل بظلمته ضوء النّهار فيطمسه، ويصير الجو مظلما بعد ما كان مضيئا. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور. ﴿لَآياتٍ﴾ دلالات على وحدانية الله تعالى. ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في تلك الآيات وفي صنع الله تعالى، فإن تكونها وتخصصها بوجه دون وجه دليل على وجود صانع حكيم، دبّر أمرها، وهيأ أسبابها.
﴿قِطَعٌ﴾ أي بقاع مختلفة. ﴿مُتَجاوِراتٌ﴾ متلاصقات، فمنها طيب ومنها سبخ، ومنها رخو ومنها صلب، وبعضها صالح للزّرع دون الشّجر وبعضها بالعكس، وذلك التّخصيص مع التّجاور والطّبيعة الأرضيّة من دلائل قدرة الله تعالى. ﴿وَجَنّاتٌ﴾ بساتين.
﴿صِنْوانٌ﴾ جمع صنو، أي ونخلات يجمعها أصل واحد، وتتشعّب فروعها. ﴿وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ آي ومتفرّقات مختلفة الأصول،
وفي الحديث الذي أخرجه التّرمذي «عمّ الرّجل صنو
стр. 3925
أبيه». ﴿يُسْقى﴾ أي الجنّات وما فيها. ﴿الْأُكُلِ﴾ ما يؤكل، فمنها الحلو ومنها الحامض، ومنها الثّمر ومنها الحبّ، وغير ذلك من الاختلاف شكلا وقدرا ورائحة وطعما، وهو من دلائل قدرته تعالى ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور ﴿لَآياتٍ﴾ لدلالات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبّرون ويستعملون عقولهم بالتفكّر.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أن أكثر النّاس لا يؤمنون، أعقبه ببيان ما يدلّ على التّوحيد والمعاد، بالاستدلال بأحوال السّموات وأحوال الشّمس والقمر، وبأحوال الأرض: جبالها وأنهارها، وبأحوال النّبات من زروع وثمار وأشجار مختلفة الطّعوم والرّوائح والألوان.
وبعد أن بيّن الله تعالى أن القرآن حقّ، بيّن أن من أنزله قادر على الكمال، فانظروا في مصنوعاته لتعرفوا كمال قدرته.
التّفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه: أنه الذي خلق السّموات بغير أعمدة، لا نشاهدها بالعين، فهي لا عمد لها أصلا، وقوله: ﴿تَرَوْنَها﴾ مؤكد معنى كونها بغير عمد، لأن المراد إثبات وجود الله تعالى وقدرته، فلو كان لها أعمدة، فلا يكون في الآية دلالة على وجود الله تعالى، فهي تقوم بقدرة الله تعالى وحفظه وتدبيره، وتقوم في الفضاء بإبقائه تعالى، حتى ولو قيل بتوازن قانون الجاذبية بين النّجوم والكواكب، فإن ذلك بخلق الله تعالى.
ثم استوى الله تعالى على عرشه استواء يليق به، والعرش شيء مخلوق، نؤمن به كما أخبر القرآن، وهو أعظم من السّموات والأرض،
جاء في الحديث:
«ما السّموات السّبع وما فيهنّ وما بينهنّ في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك الفلاة»، و
في رواية: «والعرش لا يقدر قدره إلا الله ».