← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

الإعراب: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ ﴿الْحَقُّ﴾: مبتدأ مؤخّر، ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ﴾ خبر مقدّم، ويجوز أن يكون ﴿الَّذِي﴾ مبتدا وخبره ﴿الْحَقُّ﴾. ويجوز أن يكون ﴿وَالَّذِي﴾ في موضع جر عطفا على ﴿الْكِتابِ﴾ أو وصفا للكتاب، والواو زائدة. البلاغة: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ إشارة بالبعيد عن القريب، للدّلالة على علوّ شأن الكتاب. وأل في ﴿الْكِتابِ﴾ للتّفخيم والتّعظيم، أي الكتاب الكامل في بيانه، السّامي في إعجازه. المفردات اللغوية: ﴿المر﴾ البدء بهذه الحروف الهجائية المقطّعة للتّنبيه على إعجاز القرآن الكريم وبيان أن نزوله من عند الله حق لا شكّ فيه، بالرّغم من كونه بلغة العرب ويتكون من حروف الكلمات التّي ينطقون بها. ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ أي هذه الآيات آيات القرآن، والإضافة بمعنى من، أو أن الكتاب بمعنى السّورة، وتلك إشارة إلى آياتها، أي تلك الآيات آيات السّورة الكاملة. ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي القرآن المنزل إليك من ربّك عطف عام على خاص، أو عطف صفة على صفة، أو مبتدأ، وخبره ﴿الْحَقُّ﴾. ﴿الْحَقُّ﴾ لا شكّ فيه، والجملة كالحجّة على الجملة الأولى، وتعريف ﴿الْحَقُّ﴾ أعمّ من أن يكون المنزل صريحا أو ضمنا كالمثبت بالقياس وغيره مما أقرّ القرآن بحسن اتّباعه. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾ إما أهل مكّة، أو على العموم. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بأنه من عند الله؛ لإخلالهم بالنّظر والتّأمل فيه. المناسبة: بعد أن وصف الله تعالى القرآن في آخر سورة يوسف بخمس صفات، أصاف هنا صفة أخرى وهي كونه حقّا من عند الله تعالى. التّفسير والبيان: آيات هذه السّورة آيات القرآن البالغ حدّ الكمال، أو تلك الآيات العظام القدر والشّأن آيات الكتاب وهو القرآن الكريم.

стр. 3922

وكلّ القرآن الذي أنزل إليك يا محمد من ربّك حقّ لا شكّ فيه، وهو على التّفسير الأول بأن الآيات هي السّورة إجمال بعد تفصيل، أو عموم بعد خصوص، فبعد أن أثبت تعالى لهذه السّورة وصف الكمال والرّفعة، عمم هذا الحكم على القرآن جميعه. ولكن أكثر النّاس لا يصدقون بالمنزل إليك من ربّك، ولا يقدرون ما في القرآن من سمو التّشريع والأحكام ورعاية المصالح المناسبة لكلّ عصر وزمان. وهذا كقوله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ، وَلَوْ حَرَصْتَ، بِمُؤْمِنِينَ﴾ [١٠٣]، أي مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا يؤمن أكثرهم لما فيهم من الشّقاق والنّفاق والعناد. وإذا كان واقع البشريّة اليوم أن أكثر سكان العالم لا يؤمنون بالقرآن الكريم، وأن المسلمين بالنسبة لغيرهم هم الخمس، فيكون ذلك معجزة للقرآن الكريم الذي أخبر عن حال أكثر النّاس في الماضي كأهل مكة، وفي مسيرة التّاريخ، وفي الوقت الحاضر والمستقبل. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآية على أنّ آيات القرآن بالغة حدّ الكمال في الإعجاز والبيان، وأن القرآن الكريم حقّ منزل من عند الله تعالى لا شكّ فيه ولا ريب، باق على وجه الدهر، ولكن مع الأسف حجب العناد والكفر كثيرا من النّاس عن الإيمان بما جاء فيه من حكم بالغة، وأحكام رصينة، وتشريعات محكمة. وهذا ليس إقرارا لهم، وإنما هو على سبيل الزّجر والتّهديد. وقد تمسّك نفاة القياس بهذه الآية، وقالوا: الحكم المستنبط بالقياس غير نازل من عند الله تعالى، فهو ليس حقّا، لأنه لا حقّ إلا ما أنزله الله تعالى.

стр. 3923

ومثبتو القياس أجابوا عن ذلك بأن الحكم الثابت بالقياس نازل أيضا من عند الله تعالى، لأنه تعالى لما أمر بالعمل بالقياس، كان الحكم الذي دلّ عليه القياس نازلا من عند الله تعالى. وقد بيّنا أن تعريف كلمة ﴿الْحَقُّ﴾ وإن دلّ على اختصاص المنزل بكونه حقّا، فهو أعمّ من المنزل صريحا أو ضمنا، كالمثبت بالقياس وغيره، مما نطق المنزل بحسن اتّباعه. بعض مظاهر قدرة الله في السّموات والأرض ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ الإعراب: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ الباء متعلّقة برفع، أو ب ﴿تَرَوْنَها﴾. و ﴿تَرَوْنَها﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿السَّماواتِ﴾، أي أنه ليس ثم عمد البتة، ويجوز أن تكون في موضع جر؛ لأنها صفة ل ﴿عَمَدٍ﴾ أي أن ثمّ عمدا، ولكن لا ترى. ﴿وَزَرْعٌ﴾ معطوف على ﴿جَنّاتٌ﴾، وتقديره: وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات

стр. 3924

وزرع ونخيل صنوان مجتمعة من أصل واحد، ﴿وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ غير مجتمعة من أصل واحد، وعلى قراءة الجرّ. ﴿وَزَرْعٌ﴾ معطوف على ﴿أَعْنابٍ﴾، فتجعل الجنّات من الزّرع، وهو قليل. البلاغة: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ شبّه إزالة نور النّهار بظلمة الليل بالغطاء الكثيف، واستعار لفظ ﴿يُغْشِي﴾ من الغطاء الحسي للأمور المعنوية. المفردات اللغوية: ﴿عَمَدٍ﴾ جمع عماد، وهو الأسطوانة، والآية تحتمل ألا عمد أصلا، أو هناك عمد غير مرئية. ﴿اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواء يليق به، أو المراد منه المجاز، أي بالحفظ والتّدبير. ﴿وَسَخَّرَ﴾ ذلّل بالحركة المستمرة والسّرعة المعينة ونحو ذلك. ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ كل منهما يسير في فلكه إلى يوم القيامة. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يصرف الأمر على وجه الحكمة. ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ يبين دلالات قدرته، وهي الأدلة التّي تقدم ذكرها من الشّمس والقمر. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يا أهل مكة وأمثالكم. ﴿بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي لتوقنوا وتتحققوا كمال قدرته بالبعث، فتعلموا أن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قادر على الإعادة والجزاء. واليقين: العلم الثابت الذي لا شكّ فيه. ﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ بسطها طولا وعرضا ليتمكّن الإنسان والحيوان من السّير عليها والانتفاع بمنافعها. ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ وخلق فيها جبالا ثوابت. ﴿وَأَنْهاراً﴾ عطفها على الجبال مباشرة؛ لأنها أسباب تولدها ونبعها. ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ متعلّق بقوله تعالى: ﴿جَعَلَ فِيها﴾. ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي جعل فيها من جميع أنواع الثّمرات صنفين اثنين كالحلو والحامض، والأسود والأبيض، والصغير والكبير، والذكر والأنثى. ﴿يُغْشِي﴾ يغطي الليل بظلمته ضوء النّهار فيطمسه، ويصير الجو مظلما بعد ما كان مضيئا. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور. ﴿لَآياتٍ﴾ دلالات على وحدانية الله تعالى. ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في تلك الآيات وفي صنع الله تعالى، فإن تكونها وتخصصها بوجه دون وجه دليل على وجود صانع حكيم، دبّر أمرها، وهيأ أسبابها. ﴿قِطَعٌ﴾ أي بقاع مختلفة. ﴿مُتَجاوِراتٌ﴾ متلاصقات، فمنها طيب ومنها سبخ، ومنها رخو ومنها صلب، وبعضها صالح للزّرع دون الشّجر وبعضها بالعكس، وذلك التّخصيص مع التّجاور والطّبيعة الأرضيّة من دلائل قدرة الله تعالى. ﴿وَجَنّاتٌ﴾ بساتين. ﴿صِنْوانٌ﴾ جمع صنو، أي ونخلات يجمعها أصل واحد، وتتشعّب فروعها. ﴿وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ آي ومتفرّقات مختلفة الأصول، وفي الحديث الذي أخرجه التّرمذي «عمّ الرّجل صنو

стр. 3925

أبيه». ﴿يُسْقى﴾ أي الجنّات وما فيها. ﴿الْأُكُلِ﴾ ما يؤكل، فمنها الحلو ومنها الحامض، ومنها الثّمر ومنها الحبّ، وغير ذلك من الاختلاف شكلا وقدرا ورائحة وطعما، وهو من دلائل قدرته تعالى ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور ﴿لَآياتٍ﴾ لدلالات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبّرون ويستعملون عقولهم بالتفكّر. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أن أكثر النّاس لا يؤمنون، أعقبه ببيان ما يدلّ على التّوحيد والمعاد، بالاستدلال بأحوال السّموات وأحوال الشّمس والقمر، وبأحوال الأرض: جبالها وأنهارها، وبأحوال النّبات من زروع وثمار وأشجار مختلفة الطّعوم والرّوائح والألوان. وبعد أن بيّن الله تعالى أن القرآن حقّ، بيّن أن من أنزله قادر على الكمال، فانظروا في مصنوعاته لتعرفوا كمال قدرته. التّفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه: أنه الذي خلق السّموات بغير أعمدة، لا نشاهدها بالعين، فهي لا عمد لها أصلا، وقوله: ﴿تَرَوْنَها﴾ مؤكد معنى كونها بغير عمد، لأن المراد إثبات وجود الله تعالى وقدرته، فلو كان لها أعمدة، فلا يكون في الآية دلالة على وجود الله تعالى، فهي تقوم بقدرة الله تعالى وحفظه وتدبيره، وتقوم في الفضاء بإبقائه تعالى، حتى ولو قيل بتوازن قانون الجاذبية بين النّجوم والكواكب، فإن ذلك بخلق الله تعالى. ثم استوى الله تعالى على عرشه استواء يليق به، والعرش شيء مخلوق، نؤمن به كما أخبر القرآن، وهو أعظم من السّموات والأرض، جاء في الحديث: «ما السّموات السّبع وما فيهنّ وما بينهنّ في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك الفلاة»، و في رواية: «والعرش لا يقدر قدره إلا الله ».

стр. 3926

وسخّر الشّمس والقمر، أي ذللهما وجعلهما طائعين لما أريد منهما لمنافع خلقه، من دوران وضياء، وظهور واختفاء، جاء في آيات أخرى ما يبيّن دورة الشّمس حول نفسها، وحركة القمر حول الأرض، فقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس ٣٨/ ٣٦ - ٤٠]. وكلّ من الشّمس والقمر وغيرهما من الكواكب السّيارة يجري لأجل مسمّى، أي لمدة معيّنة هي نهاية الدّنيا ومجيء القيامة، أو لمدة محددة يتمّ فيها دورانه، فالشّمس تتمّ دورتها في سنة، والقمر يتمّ دورته في شهر. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أي إنّ الله تعالى يدبّر أمر الكون ويصرفه على وفق إرادته ومقتضى حكمته، فيحيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويغني ويفقر، ويهيء الأسباب للنّتائج والمسببات، ويسيّر الأفلاك في نظام دقيق ثابت لا يخطئ ولا يتغيّر. ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي يبيّن الدّلائل الدّالّة على وجوده تعالى ووحدانيته وقدرته وحكمته وعلمه ورحمته. ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي يوضح الآيات والدّلالات الدّالة على أنه لا إله إلا هو، وأنه قادر على أن يعيد الخلق إذا شاء كما بدأه أولّ مرة، رجاء أن تتيقّنوا وتتحقّقوا، أو لتعلموا علم اليقين القاطع الذي لا شكّ فيه أنّ الله قادر على البعث والإعادة، والحساب والجزاء، وإحياء الموتى من القبور في أي مكان دفنوا في البرّ أو البحر أو في أجواف الحيوان. فالذي قدر على خلق السّموات والأرض وما بينهما وما فيهما، ودبّر نظام الكون والحياة وأمور الخلق بدقة فائقة، لا يبعد عليه ولا يعجزه البعث الجديد، وإعادة الأرواح إلى أجسادها، ثم حساب أصحابها على ما قدّموا في دار الدّنيا.

стр. 3927

هذه هي الأدلّة السّماوية على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته، أتبعها بالأدلّة الأرضيّة، وهي: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ أي والله تعالى هو الذي جعل الأرض متّسعة، منبسطة للحياة، ممتدة في الطول والعرض، ليتمكّن الإنسان والحيوان من التّنقل فيها بسهولة، والانتفاع بخيراتها النّباتية والمعدنية كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً﴾ [النّبأ ٦/ ٧٨]. ولا يمنع انبساط الأرض للحياة في أجزائها أنها غير كروية أو مسطّحة في حجمها الكلي، فقد أشار القرآن الكريم لكرويتها في آيات أخرى منها: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ، وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزّمر ٥/ ٣٩] والتّكوير: اللف على الجسم المستدير، فهي مبسوطة ممدودة في نظرنا لنعيش عليها. وأرساها بجبال راسيات شامخات، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون، لسقاية ما فيها من الثّمرات المختلفة الألوان والأشكال والطّعوم والرّوائح. وجعل فيها من كلّ صنف من أصناف الثّمار زوجين اثنين أي ذكرا وأنثى، فالشّجر والزّرع لا ينتجان الثّمر والحبّ إلا من عضوين: ذكر وأنثى، وجعل أيضا من كلّ ثمر صنفين، إما من حيث الطّعم كالحلو والحامض، أو من حيث اللون كالأسود والأبيض، أو الطّبيعة كالحار والبارد. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً، وَالْجِبالَ أَوْتاداً، وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً﴾ [النّبأ ٦/ ٧٨ - ٨]. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أي يغطي الله ضوء النّهار بظلمة الليل، ويطرد ظلام الليل بنور النّهار، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً﴾ [النّبأ ٩/ ٧٨ - ١١]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ [النّمل ٨٦/ ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الرّوم ٢٣/ ٣٠].

стр. 3928

ثم نبّه الله تعالى في ختام الآية إلى وجوب التّفكّر في تلك الآيات السّماوية والأرضية، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي إن في مخلوقات الله وعجائب خلقه وآلائه وحكمه لدلائل وبراهين لمن يتفكّر فيها ويعتبر بعظمتها، فيستدلّ بها على وجود الله تعالى، وقدرته، وكمال علمه، وإرادته، مما لا يوجد له مثيل في الكون، وذلك يستوجب تخصيصه بالعبادة، والخضوع لسلطانه، والتّزام أوامره. ومن الآيات الأرضية اختلاف أجزاء الأرض بالطبيعة والماهية، وهي مع ذلك متجاورة فقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ.﴾.، أي وفي الأرض أجزاء يجاور بعضها بعضا، ويقرب بعضها من بعض، وهي مع تجاورها مختلفة متغايرة الخواص، فمنها طيب ينبت ما ينفع النّاس، ومنها سبخة مالحة لا تنبت شيئا، ومنها صالح للزّرع دون الشّجر وبالعكس، ومنها الرّخوة ومنها الصّلبة، وتختلف ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة حمراء، وهذه صفراء، وهذه بيضاء، وهذه سوداء، وهذه محجرة، وهذه مرملة، وهذه سميكة، وهذه رقيقة، والكلّ متجاورات، وهي مختلفة الصّفات، مما يدلّ على وجود الخالق المختار، الذي لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه. وفيها بساتين من أعناب، وزروع متفاوتة من حبوب مختلفة لتوفير غذاء الإنسان والحيوان، ونخيل صنوان وغير صنوان، والصّنوان: ذو الأصول أو الجذوع المجتمعة في منبت واحد كالرّمان والتّين وبعض النّخيل، وغير الصّنوان: ما كان على أصل أو جذع واحد كسائر الأشجار. جاء في الحديث الصّحيح الذي أخرجه التّرمذي أنّ رسول الله ﷺ قال لعمر: «أما شعرت أن عمّ الرّجل صنو أبيه». وقال البراء ﵁: الصّنوان هي النّخلات في أصل واحد، وغير لصّنوان: المتفرّقات. ويظهر التّفاوت العجيب في بقاع الأرض وأصناف النّبات في أن الأرض

стр. 3929

المنبتة لها واحدة، وتسقى من ماء واحد، وتتفاوت طعومها، وتتفاضل مآكلها. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي إن في هذا التّفاوت مع وجود مصادر التّشابه لأدلّة باهرة على وجود الله ووحدانيته، لقوم يتدبّرون ويفكّرون فيها، فهذا الاختلاف في أجناس الثّمرات والزّروع في أشكالها وألوانها وطعومها وروائحها، حلاوة وحموضة ومرارة وعذوبة وتلوّنا، وهذا الاختلاف في الأزهار في ألوانها وروائحها وإبداع ورقاتها وزهرها، مع أنها كلّها تستمد من طبيعة واحدة، وهو الماء والأرض، في كلّ ما ذكر آيات لمن كان واعيا، ومن أعظم الأدلّة على وجود الخالق الفاعل المختار القادر على كلّ شيء، ومن قدر على الإيجاد والخلق أول مرّة فهو قادر على الإعادة والتّكوين مرّة ثانية، بل هو أهون عليه. وختم الآيات الثلاث بما ذكر: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ دليل على وجوب استخدام النّظر والعقل والفكر، للتّوصل إلى الاقتناع الذّاتي الحرّ بوجود الخالق ووحدانيته، وهذا الإعمال للعقل من مقاصد الإسلام، وفرائض القرآن، وأصول الدّين. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - من لطف الله بعباده ورحمته بهم وإرشاده لهم أنه أوضح لهم الأدلّة، ولفت نظرهم إلى ما يدلّ على وجوده وكمال قدرته، وعلمه، وإرادته، فتخصيص كلّ واحد منها بوضعه وموضعه وصفته وطبيعته وحليته ليس إلا من الله تعالى. ٢ - الأدلّة متنوعة: سماوية وأرضية، فالسّماوية ثلاثة: رفع السّموات بغير أعمدة، والاستواء على العرش، وتسخير الشّمس والقمر وتذليلهما وتطويعهما

стр. 3930

لغايات معينة في مدّة معينة لمنافع الخلق ومصالح العباد ما داموا في الدّنيا وحتى تقوم السّاعة، يدبّر الله فيها الأمر، أي يصرفه على ما يريد بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار، وإنزال الوحي وبعثة الرّسل وتكليف العباد، ويبيّن الآيات، فمن قدر على هذه الأشياء يقدر على الإعادة، لذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ وهذا إثبات للألوهيّة والرّبوبية والمعاد يوم القيامة، فمن كان يمكنه تدبير من فوق العرش إلى ما تحت الثّرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، فكذلك يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن عن شأن. وأمّا الأدلة الأرضية فهي ستّة: بسط الأرض بالنّسبة للنّاظر ليمكن العيش عليها، وتثبيتها بالجبال الرّاسيات الشّامخات، وإجراء الأنهار وتفجير الينابيع، وجعل الثّمار ذات وجهين اثنين، أي من صنفين متعارضين كالذّكر والأنثى، والحلو والحامض، والحار والبارد، والأبيض والأسود، وتغطية الليل النّهار، وتبديد ظلمة الليل بضوء النّهار، وتفاوت ما تنتجه الأرض من حبوب وزروع وثمار وأشجار، مجتمعة ذات جذوع متعددة من منبت واحد، ومتفرّقة ذات جذع مستقلّ بكلّ واحدة منها. فكلّ ما ذكر يدلّ دلالة قطعيّة على أنّ الكلّ بتدبير الله الفاعل المؤثر المختار، لا بالطّبيعة ولا بالصّدفة. ٣ - لا يفهم من آية: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾، وآية: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ [النّازعات ٣٠/ ٧٩] أنّ الأرض غير كروية، فقد ثبتت كرويتها بالأدلّة العلمية العقلية والحسيّة، ودلّت أقمار الفضاء الدّائرة حول الأرض بما لا يقبل أي شكّ أو جدل على أن الأرض كروية، وقد صرح بكرويتها علماؤنا كالرّازي (١)، فإن المقصود أن كل قطعة من الأرض تشاهد كالسّطح، وأما مجموعها

стр. 3931

وحجمها العظيم فهو كرة بدليل تثبيتها في الآية هنا بالجبال الرّواسي، وكذلك في آية أخرى: ﴿وَالْجِبالَ أَوْتاداً﴾ [النّبأ ٧/ ٧٨]. وبدليل تكوير الليل على النّهار، والنّهار على الليل، والتّكوير: اللف على الجسم المستدير. ٤ - قال القرطبي عن آية ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾: في هذا أدلّ دليل على وحدانيته تعالى وعظم صمديته، والإرشاد لمن ضلّ عن معرفته؛ فإنه سبحانه نبّه بقوله: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ على أن ذلك كلّه ليس إلا بمشيئته وإرادته، وأنه مقدور بقدرته، وهذا أدلّ دليل على بطلان القول بالطّبع (الطّبيعة)؛ إذ لو كان ذلك بالماء والتّراب والفاعل له الطّبيعة، لما وقع الاختلاف (١). ٥ - الدّعوة القويّة، بل الفريضة والإيجاب لإعمال الفكر والعقل، والاسترشاد بما في الكون من دلائل وعلامات واضحة على وجود الله تعالى، وكمال قدرته، وعلمه، ووحدانيته. ٦ - قال الحسن البصري في آية: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾: المراد بهذه الآية المثل؛ ضربه الله تعالى لبني آدم، أصلهم واحد، وهم مختلفون في الخير والشّرّ والإيمان والكفر، كاختلاف الثّمار التي تسقى بماء واحد. إنكار المشركين البعث واستعجالهم العذاب ومطالبتهم بإنزال آية مادية على النّبي ﷺ ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧)﴾

стр. 3932

الإعراب: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، ولا بد فيه من تقدير صفة لتمكن المعنى أي فعجب أي عجب أو فعجب غريب. ﴿أَإِذا﴾ عامل «إذا»: فعل مقدر دلّ عليه معنى الكلام، أي: أنبعث إذا كنا ترابا؛ لأن في قوله: ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ دليلا عليه، ولا يجوز أن يعمل فيه: ﴿كُنّا﴾؛ لأن «إذا» مضافة إليها، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولأنهم لم ينكروا كونهم ترابا، وإنما أنكروا البعث بعد كونهم ترابا. وقوله ﴿أَإِذا كُنّا﴾ إلى آخر قولهم: إما بدل مرفوع من ﴿قَوْلُهُمْ﴾ وإما منصوب بالقول. والاستفهامان: ﴿أَإِذا﴾ و ﴿أَإِنّا﴾ للتأكيد وشدة الحرص على البيان. ﴿عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ محله النّصب على الحال. ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿مُنْذِرٌ﴾. و ﴿هادٍ﴾: معطوف على ﴿مُنْذِرٌ﴾، فتكون اللام في ﴿لِكُلِّ﴾ متعلقة بمنذر أو بهاد، وقد فصل بين الواو والمعطوف بالجار والمجرور، وتقديره: إنما أنت منذر وهاد لكل قوم. ويجوز أن يكون ﴿هادٍ﴾ مبتدأ، و ﴿لِكُلِّ قَوْمٍ﴾: الخبر، واللام متعلقة باستقر. البلاغة: بين ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ و ﴿الْحَسَنَةِ﴾ وبين ﴿مُنْذِرٌ﴾ و ﴿هادٍ﴾ طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ يا محمد من تكذيب الكفار لك وعبادتهم ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام والأوثان. ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ أي فأعجب منه، أو فعجب غريب أو فحقيق بالعجب تكذيبهم

стр. 3933

بالبعث وإنكارهم له. والعجب: تغير النّفس واندهاشها حين رؤية ما يستبعد في العادة. ﴿أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا استفهام إنكاري، ينكرون فيه إمكان إعادة الخلق بالبعث، وفاتهم أن القادر على إنشاء الخلق وما تقدم على غير مثال قادر على إعادتهم. ﴿الْأَغْلالُ﴾ جمع غل: وهو طوق حديدي تشد به اليدان إلى العنق. ﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ بالعذاب قبل السّلامة. ﴿الْمَثُلاتُ﴾ جمع مثلة بوزن سمرة: وهي العقوبة، أي مضت عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لم يعتبروا بها، فلا يستهزءوا. وسميت مثلة لما بين العقاب والجريمة من المماثلة، كما قال تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشّورى ٤٠/ ٤٢] ومنه سمي عقاب القاتل قصاصا، لما فيه من المماثلة. ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ الغفر والمغفرة: السّتر، بالإمهال وتأخير العقاب إلى الآخرة. ﴿عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ أي مع ظلمهم، وإلا لم يترك على ظهرها دابة. ﴿لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمن عصاه. ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ هلا أنزل على محمد. ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ آية حسية كقلب عصا موسى حية، وجعل يده بيضاء مشعة كالشمس، وناقة صالح. ﴿مُنْذِرٌ﴾ مخوف الكافرين، وليس عليك إتيان الآيات، والإنذار: التخويف. ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ الهادي: الذي يرشد النّاس إلى الخير والحق والصواب كالأنبياء والحكماء والعلماء، أي لكل قوم نبي يدعوهم إلى ربهم بما يعطيه إياهم من الآيات، لا بما يقترحون، وهو مدعم عادة بمعجزة من جنس ما هو الغالب عليهم. المناسبة: أقام الله تعالى في الآيات السّابقة الأدلة السّماوية والأرضية على قدرته، ليثبت للناس أن من كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة، كيف لا تكون وافية بإعادة الإنسان بعد موته، لأن القادر على الأقوى الأكمل، فإنه قادر بالأولى على الأقل الأضعف: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ [الأحقاف ٣٣/ ٤٦]. ثم حكى هنا إنكار المشركين للبعث والقيامة، وأتبعه بحكاية حماقة أخرى وهي استعجالهم العذاب، وأردفه بطلباتهم إنزال آيات حسية للتعجيز. التفسير والبيان: وإن تعجب أيها الرّسول من تكذيب هؤلاء المشركين لك، وعبادتهم

стр. 3934

ما لا يضر وما لا ينفع من الأصنام، مع ما يشاهدونه من آيات الله تعالى ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء، ومع اعترافهم من أنه ابتدأ خلق الأشياء، فكونها بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، إن تعجب من ذلك، فالأعجب منه والأغرب تكذيبهم بالبعث والقيامة، وقولهم: هل تمكن الإعادة بعد الفناء والبلى والصيرورة ترابا؟ وقد تكرر منهم هذا الاستفهام الإنكاري في أحد عشر موضعا، في تسع سور من القرآن: في الرعد، والإسراء، والمؤمنون، والنّحل، والعنكبوت، والسّجدة، والصافات، والواقعة، والنّازعات. مع أن كل عالم وعاقل يعلم أن خلق السّموات والأرض أكبر من خلق النّاس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى، بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف ٣٣/ ٤٦]. ثم حكم الله تعالى حكمه عليهم بأحكام ثلاثة بقوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أي أولئك الكافرون الذين جحدوا بربهم، وكذبوا رسوله، وتمادوا في عنادهم وضلالهم؛ لأن إنكار قدرة الله تعالى إنكار له. وهذا يدل على أن كل من أنكر البعث والقيامة، فهو كافر. وأولئك المقيدون بالسلاسل والأغلال يسحبون بها، قال أبو حيان: والظاهر أن الأغلال تكون حقيقية في أعناقهم كالأغلال (١)، كما قال: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر ٧١/ ٤٠] وهذا حقيقة، وحمل الكلام على الحقيقة أولى. وهم أصحاب النّار الخالدون فيها في الآخرة بقوله: ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ.﴾.

стр. 3935

أي وأولئك أهل النّار الملازمون لها، المستحقون دخولها، الماكثون فيها أبدا لا يحولون عنها ولا يزولون بسبب كفرهم وإنكارهم البعث وتكذيبهم الرسول: ﴿كَلاّ، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤/ ٨٣] والمراد بذلك التهديد بالعذاب المخلد المؤبد. وهذا يدل على أن العذاب المخلد ليس إلا للكفار بهذه الآية. ولم يقتصر تكذيبهم الرسول على إنكار عذاب الآخرة، وإنما أنكروا أيضا عذاب الدّنيا، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي ويستعجلك هؤلاء المكذبون بالعقوبة قبل السّلامة منها والعافية من بلائها، كما قال تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج ١/ ٧٠] وقال: ﴿وَإِذْ قالُوا: اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨] وقال: ﴿وَقالُوا: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ [ص ١٦/ ٣٨] أي عجّل لنا عقابنا وحسابنا. ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ أي قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية وجعلناهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم، وبعبارة أخرى: ويستعجلونك بالعقاب مستهزئين بإنذارك، والحال أنه قد مضت العقوبات النّازلة على أمثالهم من المكذبين، كالرجفة والخسف والطوفان ونحوها. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ.﴾. أي إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس على ذنوبهم، مع أنهم يظلمون، ويخطئون باللّيل والنّهار، ولولا حلمه وعفوه لعجل لهم العذاب فور ارتكاب الذنب، كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا، ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥/ ٣٥] وقال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا، لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ [الكهف ٥٨/ ١٨].

стр. 3936

والخلاصة: إن الله يغفر للنّاس مع ظلمهم أنفسهم باكتساب الذنوب، أي ظالمين أنفسهم، قال ابن عباس: ليس في القرآن آية أرجى من هذه. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي وإنه تعالى شديد العقاب للعصاة. ويلاحظ أنه تعالى قرن حكم المغفرة والرحمة بأنه شديد العقاب، كما هو شأن القرآن كثيرا، ليعتدل الرجاء والخوف، وليكون الإنسان بين الأمل والحذر، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ: رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام ١٤٧/ ٦] وقال: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩/ ١٥ - ٥٠] وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف ١٦٧/ ٧] ونحو ذلك من الآيات التي تجمع بين الرجاء والخوف. روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيّب قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ الآية، قال رسول الله ﷺ : «لولا عفو الله ورحمته وتجاوزه، ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتّكل كل أحد». ثم ذكر الله تعالى ما طالب به المشركون النّبي ﷺ من معجزة حسية كالأنبياء السّابقين بقصد التعجيز والإصرار على الكفر والطعن في النّبوة والتشكيك في صحتها فقال: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. أي يقول المشركون كفرا وعنادا: لولا يأتينا بآية من ربه كما أرسل الأولون، مثل عصا موسى، وناقة صالح، ومائدة عيسى، فيجعل لنا الصفا ذهبا، وأن يزيح عنا الجبال، ويجعل مكانها مروجا وأنهارا. فرد الله عليهم الشّبهة بآية أخرى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء ٥٩/ ١٧] أي نخشى تطبيق العقاب على المكذبين، فإن

стр. 3937

سنتنا أن من لم يؤمن بالآيات المنزلة بعد طلبها، أهلكناهم ودمرناهم بذنوبهم. وهنا أعرض البيان عن الجواب عن قول المشركين، إلى توضيح مهمة الرسول التي أرسل بها وهي الهداية والإنذار، لا تلبية الطلبات، فقال تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أي إنما أنت رسول عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها، وأما الآيات فأمرها إلى الله، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢/ ٢]. ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ أي ولكل أمة أو قوم داع من الأنبياء، يدعوهم إلى الله وإلى الدّين الحق، وسبيل الخير والرشاد، كما في آية أخرى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤/ ٣٥]. ويصح أن يكون ﴿هادٍ﴾ معطوفا على ﴿مُنْذِرٌ﴾ وفصل بينهما بقوله ﴿لِكُلِّ قَوْمٍ﴾ أي أنت منذر وهاد لكل قوم، وبه قال عكرمة وأبو الضحى. والخلاصة: إن الآية نزلت في المشركين والكفار الذين لم يعتدوا بالآيات الخارقة المنزلة كانشقاق القمر، وانقياد الشّجر، وانقلاب العصا سيفا، ونبع الماء من بين الأصابع، وأمثال هذه، فاقترحوا عنادا آيات، كالمذكورة في الإسراء والفرقان كتفجير الينبوع والرقي في السّماء والملك والكنز، فقال الله لنبيه ﷺ : إنما أنت منذر تخوفهم من سوء العاقبة، وناصح كغيرك من الرسل، ليس لك الإتيان بما اقترحوا، فالاقتراح إنما هو عناد، ولم ينزل الآيات إلا إذا تحتم العذاب والاستئصال (١). فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ١ - إنكار البعث والقيامة مدعاة للعجب الشّديد، والله تعالى لا يتعجب،

стр. 3938

ولا يجوز عليه التعجب؛ لأنه تغير في النّفس بما تخفى أسبابه، وإنما ذكر تعالى ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون. ٢ - من أنكر البعث والقيامة، فهو كافر، لإنكاره القدرة الإلهية والعلم والصدق في الخبر، ويساق إلى جهنم بالأغلال والسّلاسل، وهو خالد في النّار. فهذه أوصاف ثلاثة لمنكري البعث: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. ٣ - العذاب المخلد ليس إلا للكفار بهذه الآية: ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ أي هم الموصوفون بالخلود لا غيرهم، أما أهل الكبائر من المسلمين الذين يرتكبون الجرائم العظام، كالقتل وشهادة الزور وعقوق الوالدين، فلا يخلدون في النّار. ٤ - طلب المشركين إنزال العقوبة لفرط إنكارهم وتكذيبهم نوع من الطيش والحماقة، وكفاهم الاعتبار بعقوبات أمثالهم المكذبين، فالمثلات أي العقوبات كثيرة. وقد تبين من هذه الآية: أن عذاب الاستئصال لا ينزل بهم إلا بالإصرار على الكفر والمعاصي. ٥ - حكم سبحانه بتأخير العقوبة عن هذه الأمة إلى يوم القيامة. ٦ - إن الله تعالى لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا، وعن المذنبين إذا تابوا، وقد يعفو تعالى عن صاحب الكبيرة قبل التوبة في رأي أهل السّنة، لأن قوله تعالى ﴿عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ أي حال اشتغالهم بالظلم، وحال الاشتغال بالظلم لا يكون المرء فيها تائبا. قال ابن عباس: أرجى آية في كتاب الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾. ٧ - وإن الله أيضا شديد العقاب للكافرين إذا أصروا على الكفر.

стр. 3939

٨ - ليست مهمة النّبي ﷺ تلبية طلبات المشركين واقتراحاتهم، إنما مهمته الإنذار، أي التعليم، فهو منذر لقومه مبين لهم، ولكل قوم من قبله هاد ومنذر وداع. ٩ - لكل قوم هاد، أي نبي يدعوهم إلى الله. وقيل: الهادي الله؛ أي عليك الإنذار، والله هادي كل قوم إن أراد هدايتهم. ١٠ - اجتمع من المشركين كما تحكي هذه الآية ثلاثة طعون: وهي أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في الحشر والنّشر، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة والبينة. وسبب كل هذه الطعون: أنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات، وقالوا: هذا كتاب مثل سائر الكتب. والإتيان بكتاب معين، لا يكون معجزا البتة، وإنما المعجز ما يكون مثل معجزات موسى وعيسى ﵉، كفلق البحر بالعصا، وقلب العصا ثعبانا. ولا تعني هذه الآية أنه لم تظهر معجزة تصدق النّبي ﵊ سوى القرآن، ولعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات، أو أنهم طلبوا منه معجزات سوى المعجزات التي شاهدوها منه ﷺ كحنين الجذع، وانشقاق القمر، ونبوع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل. ويظل القرآن هو المعجزة الكبرى للنّبي ﷺ ، فهو المناسب لزمنه، فلما كان الغالب في زمان موسى ﵇ هو السّحر، جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم، ولما كان الغالب في أيام عيسى ﵇ الطب، جعل معجزته ما كان من جنس تلك الطريقة، وهو إحياء الموتى، وإبراء الأكمه (الأعمى الذي ولد فاقد البصر) والأبرص، ولما كان الغالب في أيام الرسول ﷺ الفصاحة

стр. 3940

والبلاغة، جعل معجزته ما كان لائقا بذلك الزمان، وهو فصاحة القرآن. فإذا لم يؤمن العرب بهذه المعجزة، مع كونها أليق بطباعهم، فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى. بعض مظاهر علم الله المحيط بكل شيء ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)﴾ الإعراب: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما﴾ ﴿ما﴾ هنا وفي بقية الآية: اسم موصول، مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾ والجمل الفعلية التي بعدها هي الصلات، والعائد منها كلها محذوف. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ استفهامية منصوبة بيعلم. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ﴾ من: مبتدأ مرفوع، و ﴿سَواءٌ﴾: خبر مقدم، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، فهو مستو. ﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ﴾ العامل في ﴿إِذا﴾ ما دل عليه الجواب.

стр. 3941

البلاغة: يوجد طباق في ﴿تَغِيضُ﴾ و ﴿تَزْدادُ﴾ وفي ﴿الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ وفي ﴿أَسَرَّ﴾ و ﴿جَهَرَ﴾ وفي ﴿بِاللَّيْلِ﴾ و ﴿بِالنَّهارِ﴾ وفي ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ و ﴿سارِبٌ﴾ أي ظاهر. المفردات اللغوية ﴿ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ أي حملها أو ما تحمله من كون الجنين ذكرا أو أنثى، واحدا أو متعددا، وصفات كل، وغير ذلك ﴿تَغِيضُ﴾ تنقص من زمن أو جسم. ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ أي وما تنقصه وما تزداده من الجثة والمدة والعدد. ﴿بِمِقْدارٍ﴾ بقدر واحد لا يتجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩/ ٥٤] فإنه تعالى خص كل حادث بوقت وحال معينين، وهيأ له أسبابا مسوقة إليه، تقتضي ذلك. ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ ما غاب، وما حضر أو شوهد. والغائب: ما غاب عن الحس، والشّاهد: الحاضر المشاهد. ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم الشّأن. ﴿الْمُتَعالِ﴾ المستعلي على كل شيء بالقهر أو بقدرته. ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ﴾ أي في علمه تعالى. ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ مستتر. ﴿بِاللَّيْلِ﴾ بظلامه. ﴿وَسارِبٌ﴾ ظاهر بارز بالنهار، بذهابه في سربه أي طريقه. ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ له ملائكة تعتقب في حفظه ورعايته، أو تتعاقب على كتابة أقو اله وأفعاله، جمع معقّبة، من عقّبه: جاء عقبه، والتاء للمبالغة، لا للتأنيث، والمراد: ملائكة يتعاقبون على الإنسان بالليل والنّهار. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ قدامه. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ ورائه أي من جوانبه. ﴿مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي بأمره وإعانته، أو يحفظونه من بأس الله متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له، أو يحفظونه من المضار. ﴿لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ من العافية والنّعمة أي لا يسلبهم نعمته. ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة والمعاصي. ﴿سَواءٌ﴾ عذابا. ﴿فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ من المعقبات ولا غيرها. ﴿وَما لَهُمْ﴾ لمن أراد الله بهم سوءا. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي غير الله. ﴿مِنْ والٍ﴾ ناصر يمنعه عنهم، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، وهذا دليل على أن خلاف مراده محال. المناسبة: بعد أن حكى الله سبحانه إنكار المشركين للبعث واستبعادهم له، أورد الأدلة على قدرته على ذلك بعلمه المحيط بكل شيء، فهو يعلم ما في الأجنّة التي في البطون، ويعلم الغائب عنا والمشاهد لنا، ويعلم السّر وأخفى، ويعلم جميع أجزاء الإنسان

стр. 3942

المتناثرة ومواضعها في البر والبحر وأجواف الحيوان، فيعيدها مرة أخرى. وبعد أن حكى عن المشركين أنهم طلبوا آيات أخرى غير ما أتى به الرسول ﷺ ، بيّن أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فيعلم من حالهم أنهم: هل طلبوا الآية الأخرى للاسترشاد، أو لأجل التعنت والعناد؟ وهل ينتفعون بظهور تلك الآيات، أو يزداد إصرارهم على الكفر واستكبارهم؟. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء، فهو يعلم بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، أهو ذكر أو أنثى، واحد أو متعدد، حسن أو قبيح، ذو خصائص وأوصاف، طويل العمر أو قصيره، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ [لقمان ٣٤/ ٣١] وقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النجم ٣٢/ ٥٣] وقال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ، فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر ٦/ ٣٩]. وإذا أمكن معرفة نوع الجنين علميا بالتحليل مثلا من كونه ذكرا أو أنثى، فلا يكون ذلك معارضا الآية، لأن علم الله لا ينحصر به، وإنما علمه واسع محيط بكل شيء من الخواص والصفات الأخرى. ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ أي والله يعلم ما تنقصه الأرحام وما تزداده من الجثة (سقطا أو تماما) والمدة (أقل من تسعة أشهر أو تسعة أو أكثر إلى عشرة) والعدد (واحدا أو متعددا) والدم (إراقة حتى يخسّ الولد، وعدم إراقة حتى يتم الولد ويعظم). والإحصاء العلمي دل على أن الجنين لا يزيد بقاؤه في بطن أمه عن ٣٠٥ أو ٣٠٨ أيام، وهناك رأي في المذهب المالكي أن عدة المطلقة سنة قمرية (٣٥٤ يوما).

стр. 3943

وأما ما يذكر في المذاهب لأقصى مدة الحمل (أربع سنين عند الشافعية والحنابلة، وخمس سنين عند المالكية، وسنتان عند أبي حنيفة) فمستنده الاستقراء وأخبار الناس، والناس قد يخطئون أو يتوهمون وجود الحمل في فترة زمنية ما، وليس في ذلك أي نص شرعي ثابت. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ أي وكل شيء عنده تعالى بأجل معين، أو بقدر واحد، لا يزيد عنه ولا ينقص، كقوله: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩/ ٥٤]. و جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الجماعة عن أسامة بن زيد: أن إحدى بنات النبي ﷺ بعثت إليه أن ابنا لها في الموت، وأنها تحب أن يحضره، فبعث إليها يقول: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمروها فلتصبر ولتحتسب». ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي يعلم كل شيء غائب عن العباد لا تدركه أبصارهم، ومشاهد لهم مرئي، ولا يخفى عليه منه شيء، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، المتعال على كل شيء، قد أحاط بكل شيء علما، أي شمل علمه كل شيء، وقهر كل شيء، فخضعت له الرقاب، ودان له العباد طوعا وكرها. ويلاحظ أن هذه الآية استوفت بيان كمال علم الله تعالى، ففي مطلع الآية الذي هو كلام مستأنف أوضح تعالى أنه عالم بالجزئيات والمفردات، ثم ذكر أنه عالم بمقادير الأشياء وحدودها لا تتجاوزها ولا تقتصر عليها، وخصص كل حادث بوقته بعينه وبحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ثم أضاف أنه عالم بأشياء خفية لا يعلمها إلا هو، وهي أشياء جزئية من خفايا علمه، فهو يعلم الباطن والظاهر، والغائب: وهو ما غاب عن الحس، والشاهد: وهو ما حضر للحس، ثم ذكر أن علمه محيط بجميع الأشياء، لا فرق فيه بين الخفي السرّ أو الظاهر المعلن فقال: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ.﴾. أي أنه تعالى محيط علمه بجميع خلقه، وأنه سواء منهم من أسرّ قوله وأخفاه أو جهر به وأعلنه، فإنه يسمعه لا يخفى عليه

стр. 3944

شيء، كما قال: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه ٧/ ٢٠] وقال: ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ [النمل ٢٥/ ٢٧]. وقالت عائشة ﵂: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، والله لقد جاءت المجادلة، تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ ، وأنا في جنب البيت، وإنه ليخفى عليّ بعض كلامها، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها، وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ، وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما، إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة ١/ ٥٨]. ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أي يعلم أيضا ما هو مختف في قعر بيته في ظلام الليل، والتنصيص على هذه الحالة تنبيه على رقابة الله في كل مكان قد يظن صاحبه أنه بتواريه عن أنظار الناس، لا يطلع عليه أحد. ﴿وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ أي ظاهر ماش في ضوء النهار، فإن كلاهما في علم الله على السواء، كقوله تعالى: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ، وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ، وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ، وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ، وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس ٦١/ ١٠]. ثم ذكر الله تعالى وسيلة إثبات المعلومات وخزائن المعارف والوقائع لمواجهة أصحابها بها مع علمه تعالى بكل شيء، وهي: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي للإنسان ملائكة حفظة، ملائكة في الليل تعقب ملائكة النهار، وبالعكس فهم يتعاقبون يتعاقبون على حراسته وحفظه من المضار ومراقبة أحواله، ويتعقبون أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ والتدوين أو الكتابة، سواء خيرا أو شرا. فالضمير عائد إلى ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ وقيل: الضمير يعود على اسم الله في عالم الغيب والشهادة.

стр. 3945

فلهؤلاء الملائكة الحفظة وظائف، منها: حفظ الإنسان في الليل والنهار من المضارّ والحوادث بإذن الله وأمره ورعايته، ويقوم به ملائكة معينون وعددهم اثنان يحرسه أحدهما من ورائه والآخر من قدامه، ومنها حفظ الأعمال من خير أو شر، ويقوم به ملائكة آخرون، وهما اثنان عن اليمين والشمال، يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ. ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٧/ ٥٠ - ١٨] فصار مجموع ملائكة كل إنسان أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل، وهم حافظان وكاتبان، كما جاء في الحديث الصحيح عند البخاري: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون» وفي الحديث الآخر: «إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء، وعند الجماع، فاستحيوهم وأكرموهم». قال ابن عباس: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه. ومن علم أن الملائكة الحفظة ترصد عليه أعماله وتحصي أقواله وأفعاله، تهيّب من مخالفة أوامر ربه، وكان حذرا من المعاصي، حتى لا تسجل عليه، ويفاجأ بها يوم القيامة، كأنه شريط مسجل من وقت التكليف (البلوغ والعقل) إلى الوفاة. وقوله ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي يحفظونه بأمر الله وبإذنه، فحفظهم إياه متسبب عن أمر الله لهم بذلك. أو يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب بدعائهم له، وسؤالهم ربه أن يمهله، رجاء أن يتوب وينيب، كقوله: ﴿قُلْ:﴾ ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ﴾ [الأنبياء ٤٢/ ٢١]. ثم بيّن الله تعالى مزيد فضله وعدله بأنه لا عقاب بدون جريمة، فقال:

стр. 3946

﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ.﴾. أي إن الله لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية فيزيلها عنهم وينتقم منهم إلا بتغيير ما بأنفسهم بأن يكون منهم الظلم والمعاصي والفساد وارتكاب الشرور والآثام التي تهدم بنية المجتمع وتدمر كيان الأمم. أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب». وهذا مؤكد للآية: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨]. وواقع التاريخ الإسلامي في القرون الماضية يدل دلالة واضحة على أن الله تعالى لم يغيّر ما كان عليه حال الأمة الإسلامية من عزة ومنعة، ورفاه واستقلال، وعلم وتفوق في السياسة والاقتصاد والاجتماع، إلا بعد أن غيروا ما بأنفسهم، فحكموا بغير القرآن، وأهملوا دينهم، وتركوا سنة نبيهم، وقلدوا غيرهم، وضعفت روابط التعاون بينهم، وساءت أخلاقهم، وانتشرت الموبقات بينهم، وقد وعد الله الأرض من يصلحها بقوله: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥/ ٢١] أي الصالحون لعمارتها، وقوله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ، يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨/ ٧]. ثم وصف تعالى قدرته المطلقة على العذاب فقال: ﴿وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً.﴾. أي وإذا أراد الله بقوم سوءا من فقر أو مرض أو احتلال ونحوها من أنواع البلاء، فلا يستطيع أحد أن يدفع ذلك عنهم، وما لهم من غير الله تعالى ناصر يلي أمورهم، ويدفع عنهم، أي يجلب لهم النفع ويدفع عنهم الضر، فتلك الآلهة المزعومة لا تستحق الألوهية لعجزها عن فعل شيء نافع أو دفع أذى ضار.

стр. 3947

وهذا يدل على أن الله قادر في أي وقت على إيقاع العذاب بالناس، فليس من العقل والحكمة في شيء استعجالهم ذلك. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إن الله تعالى عالم بالجزئيات وبالكليات، وبالماضي والحاضر والمستقبل، وبالباطن والظاهر أو السر المخفي والمعلن المجاهر به، وبالغائب عن مسامعنا وأبصارنا والشاهد الحاضر. ٢ - استدل مالك والشافعي بآية: ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ على أن الحامل تحيض، قال ابن عباس في تأويلها: إنه حيض الحبالى، وهو قول عائشة، وأنها كانت تفتي النساء، الحوامل إذا حضن أن يتركن الصلاة. وقال عطاء والشعبي وغيرهما، وأبو حنيفة: لا تحيض، لأنه لو كانت الحامل تحيض، وكان ما تراه من الدم حيضا، لما صح استبراء الأمة بحيض، وهو إجماع، فتماسك الحيض علامة على شغل الرحم، واسترساله علامة على براءة الرحم، فمحال أن يجتمع مع الشغل، لأنه لا يكون دليلا على البراءة لو اجتمعا. ٣ - وفي هذه الآية دليل أيضا على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة أشهر وأكثر، وأجمع العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر، وأن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر، وله أمثال كثيرون. وهذه الستة الأشهر هي بالأهلة كسائر أشهر الشريعة. واختلف العلماء في أكثر الحمل، فقال مالك في المشهور عنه، خمس سنين، وقال الشافعي وأحمد: أربع سنين، وقال أبو حنيفة: سنتان. ولا أصل لهذه المسألة إلا الاجتهاد والرد إلى ما عرف من أحوال النساء.

стр. 3948

قال ابن العربي: نقل بعض المتساهلين من المالكيين أن أكثر مدة الحمل تسعة أشهر (١). ٤ - تخصيص الممكنات بخواص وأوصاف معينة دليل على كمال القدرة الإلهية، والدليل: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ أي بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، فكلمة بمقدار تعني عدم النقصان والزيادة، وقال قتادة: في الرزق والأجل، والمقدار: القدر، ويقال: ﴿بِمِقْدارٍ﴾: قدر خروج الولد من بطن أمه، وقدر مكثه في بطنها إلى خروجه. قال القرطبي: وعموم الآية يتناول كل ذلك. ٥ - الله عالم الغيب والشهادة، أي هو عالم بما غاب عن الخلق وبما شاهدوه، فالغيب: مصدر بمعنى الغائب، والشهادة: مصدر بمعنى الشاهد. وهذا تنبيه على انفراده تعالى بعلم الغيب، والإحاطة بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن يشاركه في ذلك أحد. والله سبحانه الكبير أي الذي كل شيء دونه، المتعال عما يقول المشركون، المستعلي على كل شيء بقدرته وقهره. والله تعالى يعلم ما أسرّه الإنسان من خير وشر، كما يعلم ما جهر به من خير وشر، ويستوي في علم الله المستخفي بالليل والسارب بالنهار، أي يستوي في علم الله السرّ والجهر، والظاهر في الطرقات، والمستخفي في الظلمات. ٦ - للإنسان بتخصيص الله ملائكة أربعة في الليل، وأربعة في النهار، حافظان وكاتبان، وهي تتعاقب عليه ليلا ونهارا، وتتعقب أعماله وتتبعها

стр. 3949

بالحفظ والكتابة. قال الحسن البصري: المعقبات أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة. الفجر. والمراد من قوله ﴿مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي بأمر الله وبإذنه، وتكون ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. وقال الفرّاء: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: له معقبات من أمر الله، من بين يديه ومن خلفه يحفظونه. وفائدة جعل الملائكة موكلين علينا بالحفظ: أنها تدعونا إلى الخيرات والطاعات، وليكون الإنسان حذرا من المعاصي. وفائدة كتابة أعمال العباد: قال المتكلمون: الفائدة في تلك الصحف وزنها ليعرف رجحان إحدى الكفتين على الأخرى، فإنه إذا رجحت كفة الطاعات ظهر للخلائق أنه من أهل الجنة، وإن كان بالضد فبالضد. ٧ - لا يغير الله ما بقوم حتى يقع منهم تغيير، إما منهم أو من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب، كما غيّر الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم. والمراد بالآية عند المفسرين: أنه تعالى لا يغير ما بالناس من النعم بإنزال الانتقال إلا بأن يكون منهم المعاصي والفساد (١). وهذا المعنى موجّه للجماعة، أما الفرد فقد يتعرض للمصائب بذنوب الغير، ولا يشترط أن يتقدم منه ذنب، كما قال ﷺ ، وقد سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال فيما رواه البخاري في المناقب: «نعم إذا كثر الخبث» أي الفسق والفجور. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨].

стр. 3950

٨ - إذا أراد الله بالناس بلاء من أمراض وأسقام، فلا مرد لبلائه وقيل: إن معنى الآية: إذا أراد الله بقوم سوءا، أعمى أبصارهم حتى يختاروا ما فيه البلاء ويعملوه، فيمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، حتى يبحث أحدهم عن حتفه بكفه، ويسعى بقدمه إلى إراقة دمه. ولا ملجأ ولا ناصر لأحد من مراد الله وعذابه. والأولى تفسير الآية بأنه ليس للبشرية من يلي أمورها غير الله، الذي يجلب لهم النفع ويدفع عنهم الضر، أما الآلهة المزعومة من أصنام وأوثان ونحوها فلا تستطيع أو تفعل شيئا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً، وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣/ ٢٢]. مظاهر ألوهية الله وربوبيته وقدرته ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥)﴾

стр. 3951

الإعراب: ﴿خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ مفعولان لأجله بتقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع، أو حال من البرق أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول، و ﴿يَدْعُونَ﴾: صلته، وعائده محذوف أي يدعونهم، كما حذف من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [الأعراف ١٩٤/ ٧] أي تدعونهم. ﴿كَباسِطِ كَفَّيْهِ﴾ الكاف: متعلقة بصفة مصدر محذوف، أي الاستجابة كاستجابة باسط كفيه، ويكون على هذا التقدير حرفا فيه ضمير انتقل إليه من: كائنة. ويجوز أن يجعل الكاف اسما، أي الاستجابة مثل استجابة باسط كفّيه، ولا يكون في الكاف ضمير. ويجوز الاستثناء من الفعل المصدر والظرف والحال. ولام ﴿لِيَبْلُغَ فاهُ﴾ متعلقة بباسط. البلاغة: يوجد طباق بين ﴿خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ وبين ﴿طَوْعاً وَكَرْهاً﴾. ﴿إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ.﴾. تشبيه تمثيلي، شبه حال الكافرين في دعاء الأصنام بمن أراد أن يغترف الماء ليشربه بكف مبسوط. أو شبه عدم استجابة الأصنام لمن يدعونها بعدم استجابة الماء لباسط كفيه إليه من بعيد. المفردات اللغوية: ﴿الْبَرْقَ﴾ شرارة ضوئية تظهر في السماء بسبب تصادم الأجرام السماوية ﴿خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي من أجل الإخافة من الصواعق، والطمع في المطر، وفيها مضاف محذوف، أي إرادة خوف وطمع، أو إخافة وإطماعا، أو حال أي خائفين طامعين، وإطلاق المصدر بمعنى المفعول أو الفاعل للمبالغة. ومعنى الخوف والطمع: أن وقوع الصواعق يخاف عند لمع البرق، ويطمع في الغيث. ﴿السَّحابَ﴾ الغيم المنسحب في الهواء ﴿الثِّقالَ﴾ بالمطر، وهو جمع ثقيلة، وإنما وصف به السحاب، لأنه اسم جنس في معنى الجمع ﴿الرَّعْدُ﴾ الصوت المسموع خلال السحاب بسبب احتكاك الأجرام السماوية، أي أنه ينشأ عن احتراق الهواء بالشرارة ظهور البرق، الذي يحدث من تصادم سحابتين مختلفتي الشحنة الكهربائية، ثم ينشأ عن تفريغ جزء من الهواء الذي يحدثه البرق احتكاك الهواء الذي يطرده البرق وظهور الرعد. ﴿الصَّواعِقَ﴾ جمع صاعقة وهي التي تحدث بسبب الاحتكاك الكهربائي بين كهربة السحب

стр. 3952

وكهربة الأرض عند تقارب السحب من الأرض، فتنشأ عنه صاعقة تحرق ما تقع عليه ﴿وَهُمْ يُجادِلُونَ﴾ أي الكفار يخاصمون النبي ﷺ في الله تعالى، والجدل: شدة الخصومة ﴿الْمِحالِ﴾ القوة أو الأخذ للأعداء. ﴿لَهُ﴾ تعالى ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ أي كلمته وهي لا إله إلا الله أو الدعاء الحق، فإنه الذي يحق أن يعبد ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعبدون ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ من غيره وهم الأصنام ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ مما يطلبونه ﴿إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ﴾ أي إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء على حافة البئر، يطلب منه أن يبلغه، ليبلغ فاه بارتفاعه من البئر إليه ﴿وَما هُوَ بِبالِغِهِ﴾ أي بالغ فاه أبدا، فكذلك ما هم بمستجيبين لهم ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ﴾ أي عبادتهم الأصنام أو حقيقة الدعاء ﴿إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ ضياع وخسار وبطلان. ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ يحتمل أن يكون السجود على حقيقته، فإنه يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثقلين (الإنس والجن) طوعا حالتي الشدة والرخاء، ويسجد له الكفار كرها حالة الشدة والضرورة. والمنافقون من الكفار، إذ يسجدون كرها. ويحتمل أن يكون المراد: ينقادون لإحداث ما أراده الله فيهم من أفعاله، شاؤوا أو أبوا، لا يقدرون أن يمتنعوا عليه. ﴿وَظِلالُهُمْ﴾ جمع ظل وهو الخيال المقابل للشمس الذي يظهر للشيء المادي القائم أي ويسجد ظلالهم، أو تنقاد أيضا حيث تخضع لمشيئة الله في الامتداد والتقلص والفيء والزوال ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ جمع غداة: وهي أول النهار ﴿وَالْآصالِ﴾ جمع أصيل: وهو ما بعد العصر إلى المغرب. سبب النزول: نزول الآية (١٣): ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾: ذكر الرواة سببين لنزول هذه الآية، أخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس: أن أربد بن قيس وعامر بن الطّفيل قدما المدينة على رسول الله ﷺ فقال عامر: يا محمد: ما تجعل إليّ إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم، قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: ليس ذلك لك ولا لقومك، فخرجا، فقال عامر: إني أشغل عنك وجه محمد بالحديث، فاضربه بالسيف، فرجعا، فقال عامر: يا محمد، قم معي أكلمك، فقام معه، ووقف يكلمه، وسلّ (أربد) السيف، فلما وضع يده على قائم

стр. 3953

السيف، يبست، والتفت رسول الله ﷺ ، فرآه، فانصرف عنهما، فخرجا، حتى إذا كانا بالرّقم (موضع) أرسل الله على أربد صاعقة، فقتلته، فأنزل الله: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ إلى قوله ﴿شَدِيدُ الْمِحالِ﴾. وأما عامر فأرسل الطاعون عليه، فخرجت فيه غدّة كغدة الجمل، ومات في بيت سلولية. وذكر الواحدي ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده والنسائي والبزار عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ بعث رجلا مرّة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: اذهب فادعه لي، فقال: يا رسول الله، إنه أعتى من ذلك، قال: اذهب فادعه لي، قال: فذهب إليه، فقال: يدعوك رسول الله، قال: وما الله، أمن ذهب هو، أو من فضة أو من نحاس؟ فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، وقال: وقد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، فقال: ارجع إليه الثانية فادعه، فرجع إليه، فعاد عليه مثل الكلام الأول، فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال: ارجع إليه، فرجع الثالثة، فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينا هو يكلمني، إذ بعثت إليه سحابة حيال رأسه، فرعدت، فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ، فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ، وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ، وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ (١). المناسبة: بعد أن خوّف الله تعالى عباده بأنه إذا أراد السوء بقوم فلا مردّ له، أتبعه بهذه الآيات المشتملة على أمور ثلاثة، فهي دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته، وتشبه النعم والإحسان حينا، وتشبه العذاب والقهر والنقمة حينا آخر.

стр. 3954

التفسير والبيان: الله تعالى هو الذي يسخر البرق: وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلال السحاب، بسبب تقارب سحابتين مختلفتين في الشحنة الكهربائية، ويريكم إياه تخويفا، فيخاف منه المسافر والمزارع الذي جمع حبوبه في البيدر (الجرين) ويحذر عواقبه كل إنسان من خطف البصر، أو مجيء السيول الجارفة، وطمعا، أي يرجو نفع المطر من كان بحاجة إليه لسقي زرعه وشجره وغسل الجو من الأتربة والرمال والدخان والميكروبات. فالناس في الظواهر العامة قسمان: إما فرح طامع بالخير بالنسبة إليه، وإما متشائم متبرم عابس لما يصيبه من شر أو ضر بالنسبة إليه. ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ أي والله سبحانه هو الذي يوجد السحب المحملة المترعة بالماء، وهي لكثرة مائها ثقلية قريبة إلى الأرض. قال مجاهد: السحاب الثقال: الذي فيه الماء. ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ أي أن الرعد بلسان الحال لا بلسان المقال ينزه الخالق عن الشريك والعجز، ويعلن خضوعه له، وانقياده لقدرته وحكمته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧]. وتسبح الملائكة ربهم وتنزهه عن الصاحبة والولد، من هيبته وإجلاله. ويرسل الله الصواعق نقمة، ينتقم بها ممن يشاء، ولهذا تكثر في آخر الزمان، روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، حتى يأتي الرجل القوم، فيقول: من صعق قبلكم الغداة، فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان».

стр. 3955

وكل من الرعد والبرق إما بشير خير أو نذير شر، لذا أمرنا النبي ﷺ بالدعاء حين رؤيتهما، روى البخاري وأحمد عن سالم عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع الرعد والصواعق قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك». ويسن عند رؤية البرق والرعد أن يقول: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً، وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ روى مالك في موطئه عن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد، ترك الحديث، وقال: «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته». وروى أحمد عن أبي هريرة أنه كان إذا سمع الرعد قال: «سبحان من يسبح الرعد بحمده». و روى أبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تأخذ الصاعقة ذاكرا الله ». وقال أبو هريرة ﵁: كان النبي ﷺ إذا سمع صوت الرعد يقول: «سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة، فعليّ ديته». ﴿وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾ وبالرغم من هذه الأدلة الدالة على قدرة الله وألوهيته، يجادل الكفار ويشكون في عظمة الله تعالى وأنه لا إله إلا هو، قال مجاهد: جادل يهودي النبي ﷺ ، وسأله عن الله تعالى: من أي شيء هو؟ وهو سبحانه شديد المحال أي شديد القوة والأخذ، والمماحلة: وهي شدة المماكرة والمكايدة لأعدائه، فيدبر لهم الحيلة لإنزال العقاب الشديد بهم من حيث لا يشعرون، يقال: تمحل لكذا: إذا تكلف استعمال الحيلة، واجتهد فيه. وهو القادر على إنزال العذاب من فوقكم ومن تحت أرجلكم: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل ٥١/ ٢٧] ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى، وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢/ ١١].

стр. 3956

وفي هذا تسلية للنبي ﷺ ، فإنهم لم يقتصروا على إنكار نبوته، بل تجاوزوا ذلك إلى إنكار الألوهية. ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ أي لله تعالى دعوة الصدق والدعاء والتضرع، لا لغيره من الأصنام والأوثان والملائكة والبشر الذين اتخذوا آلهة. وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: دعوة الحق: كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، أي لله من خلقه أن يوحّدوه ويخلصوا له. وذكر في الكشاف وجهان للآية: الأول-إضافة الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل، أي أن دعوة الإسلام دعوة الحق المختصة به. والثاني-إضافة الدعوة إلى الحق الذي هو الله عز وعلا أي أن الدعاء لله الحق الذي يسمع فيجيب (١). وهذا وما قبله وعيد للكفار على مجادلتهم رسول الله ﷺ في شأن الوعيد بالعقاب الذي هددهم به. قال أبو حيان عن ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: والذي يظهر أن هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كقوله: ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ﴾ والتقدير: لله الدعوة الحق، بخلاف غيره، فإن دعوتهم باطلة، والمعنى أن الله تعالى، الدعوة له هي الدعوة الحق، وهو رد على الكفار في إثبات آلهة مع الله، فمن يدعو الله فدعوته هي الحق، بخلاف أصنامهم التي جادلوا في الله لأجلها، فإن دعاءها باطل لا يتحصل منه شيء، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ.﴾. أي إن الذين يدعون من دون الله الأصنام

стр. 3957

والأوثان والمعبودات الباطلة وهم المشركون، لا يجيبونهم إطلاقا، ولا يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء، ولا يحققون لهم نفعا ولا يدفعون عنهم ضرا، وما استجابتهم إلا كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد، طالبا وصوله إلى فمه، وهو عطشان، والماء جماد لا يعقل دعاء، ولا يلبي نداء، ولا يشعر به. ويلاحظ ما عليه هذا التشبيه من واقعية ومن بسط الكفين كما يبسطها الداعي إلى الله. فهذا مثل ضربه الله ليأس عبدة غير الله من الإجابة لدعائهم، لتنبيه عقولهم وحواسهم، والعرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض الماء باليد. قال الشاعر: فأصبحت فيما كان بيني وبينها*من الودّ مثل القابض الماء باليد ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي ليست عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسار وضياع وبطلان، فإن دعاءهم لهم غير مجاب، كما أن دعاءهم الله غير مجاب أيضا. ثم بين الله تعالى كمال قدرته وعظمته وسلطانه فقال: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ.﴾. أي ولله يخضع وينقاد كل شيء طوعا من المؤمنين والملائكة في حالي الشدة والرخاء، وكرها من الكافرين في حال الشدة، بل كل شيء من مخلوقات الكون من إنسان وحيوان ونبات وجماد خاضع منقاد للخالق الذي خلقهم وأوجدهم. وكذلك تسجد لله وتخضع ظلال كل من له ظل مما ذكر في الصباح الباكر وفي آخر النهار، وتخصيص هذين الوقتين بالذكر لظهور الامتداد والتقلص، أو لإرادة الدوام، كما هو الشأن في استعمالات العرب. والسجود لله دال على الربوبية، فلا يستحق العبادة سوى الله تعالى.

стр. 3958

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدتنا الآيات إلى ما يلي: ١ - بيان كمال قدرة الله تعالى، وأن تأخير العقوبة عن العصاة ليس عن عجز، وكل ما ذكر في الآية من البرق والسحاب والرعد والصواعق دلائل ملموسة على قدرة الله ، وأنه شديد القوة والأخذ، والمحال أو المماحلة: وهي المماكرة والمغالبة. فحدوث البرق مثلا دليل عجيب على قدرة الله تعالى: لأن السحاب مركب من أجزاء رطبة مائية، ومن أجزاء هوائية ونارية، والغالب عليه الأجزاء المائية، والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابس، فتغليب النار على الماء المتضادين، لا بد له من صانع مختار، يظهر الضد من الضد. والأجزاء المائية من السحاب، سواء قيل: إنها حدثت في جو الهواء أو تصاعدت من أبخرة البحار، لا بد أن يكون حدوثها بإحداث حكيم قادر محدث. وصوت الرعد المرعب بسبب تصادم كتل الهواء نتيجة تفريع جزء منه بالبرق دليل آخر على القدرة الإلهية. والصواعق المخيفة المدمرة المتولدة من السحاب والتي تحدث بسبب احتكاك كهربة السحب بكهربة الأرض برهان واضح على الألوهية، ووجود موجود متعال عن النقص والإمكان. ٢ - كل شيء في الوجود من إنسان وحيوان ونبات وجماد وجنّ وملائكة يسبح بحمده، فالرعد يسبح بحمد الله، والملائكة تسبح أيضا بحمد الله من هيبته وإجلاله، والتسبيح: التنزيه عن الشريك والوالد والولد والصاحبة، والتقديس لله تعالى، ولكن الناس لا يفقهون تسبيح من سواهم.

стр. 3959

٣ - هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل الدالة على كمال قدرة الله، يجادلون في الله، ويشككون في وجوده وألوهيته، والله شديد القوة والأخذ، والعقاب، ومغالبة هؤلاء المشككين المجادلين بالباطل. ٤ - لله الدعوة الحق، فمن يدعوه فدعوته هي الحق، أما دعاء الأصنام وأمثالها من الآلهة المزعومة دون الله فهو باطل لا يفيد شيئا. ٥ - الآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله لا يحققون لأحد مطلبا، وما استجابتهم إلا كاستجابة الماء لباسط كفيه إلى الماء، والماء جماد لا يشعر بأحد ولا بحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاء داعيه، فكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم، ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم. ٦ - دل قوله: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ.﴾. على أنه يجب على كل من في السموات والأرض أن يسجد لله إما طوعا أو كرها، فعبر عن الوجوب بالوقوع والحصول، أو أن كل من السموات والأرض يعترفون بعبودية الله تعالى، على ما قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، لَيَقُولُنَّ: اللهُ﴾ [لقمان ٢٥/ ٣١]. وقيل: إن السجود عبارة عن الانقياد والخضوع وعدم الامتناع، وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى؛ لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل. ٧ - دل قوله: ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ على أن كل شخص، سواء كان مؤمنا أو كافرا، فإن ظله يسجد لله. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعا، وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله كرها، وهو كاره. وقيل: إن المراد من سجود الظلال أي ظلال الخلق: ميلانها من جانب إلى جانب، وتختلف طولا وقصرا بسبب انحطاط الشمس وارتفاعها، فهي منقادة مستسلمة في طولها وقصرها وميلها من جانب إلى جانب. وإنما خصص الغدو والآصال بالذكر؛ لأن الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين.

стр. 3960

وحدانية الله ومثل المؤمن والمشرك تجاه الوحدانية ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ (١٦)﴾ لبلاغة: ﴿قُلِ: اللهُ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي الله خالق السموات والأرض. ﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ و ﴿الظُّلُماتُ وَالنُّورُ﴾ فيهما طباق. ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ﴾ فيهما استعارتان، استعار لفظ الأعمى للمشرك، والبصير للمؤمن، واستعار لفظ الظلمات والنور للكفر والإيمان. ﴿أَمْ جَعَلُوا﴾ الهمزة للإنكار، أي بل جعلوا. المفردات اللغوية: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لقومك ﴿مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خالقهما ومتولي أمرهما ﴿قُلِ:﴾ ﴿اللهُ﴾ إن لم يجيبوا فلا جواب غير أن تقول: الله الخالق؛ إذ لا جواب لهم سواه، ولأنه الجواب البين الذي لا يمكن المراء فيه، أو أنه لقنهم الجواب ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ أي كيف اتخذتم من غيره أصناما تعبدونها؟ والمراد أنه ألزمهم بذلك أن اتخاذهم منكر بعيد على مقتضى العقل، والاستفهام للتوبيخ ﴿لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا﴾ لا يقدرون على جلب نفع إليها أو دفع ضر عنها، فكيف يستطيعون إنفاع الغير ودفع الضر عنه؟ وكيف تركتم مالك السموات والأرض؟ وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء، رجاء أن يشفعوا لهم.
следующие страницы →