وفي هذا تسلية للنبي ﷺ ، فإنهم لم يقتصروا على إنكار نبوته، بل تجاوزوا ذلك إلى إنكار الألوهية.
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ أي لله تعالى دعوة الصدق والدعاء والتضرع، لا لغيره من الأصنام والأوثان والملائكة والبشر الذين اتخذوا آلهة. وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: دعوة الحق: كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، أي لله من خلقه أن يوحّدوه ويخلصوا له.
وذكر في الكشاف وجهان للآية: الأول-إضافة الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل، أي أن دعوة الإسلام دعوة الحق المختصة به. والثاني-إضافة الدعوة إلى الحق الذي هو الله عز وعلا أي أن الدعاء لله الحق الذي يسمع فيجيب (١).
وهذا وما قبله وعيد للكفار على مجادلتهم رسول الله ﷺ في شأن الوعيد بالعقاب الذي هددهم به. قال أبو حيان عن ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: والذي يظهر أن هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، كقوله: ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ﴾ والتقدير: لله الدعوة الحق، بخلاف غيره، فإن دعوتهم باطلة، والمعنى أن الله تعالى، الدعوة له هي الدعوة الحق، وهو رد على الكفار في إثبات آلهة مع الله، فمن يدعو الله فدعوته هي الحق، بخلاف أصنامهم التي جادلوا في الله لأجلها، فإن دعاءها باطل لا يتحصل منه شيء، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ.﴾. أي إن الذين يدعون من دون الله الأصنام
стр. 3957
والأوثان والمعبودات الباطلة وهم المشركون، لا يجيبونهم إطلاقا، ولا يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء، ولا يحققون لهم نفعا ولا يدفعون عنهم ضرا، وما استجابتهم إلا كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد، طالبا وصوله إلى فمه، وهو عطشان، والماء جماد لا يعقل دعاء، ولا يلبي نداء، ولا يشعر به.
ويلاحظ ما عليه هذا التشبيه من واقعية ومن بسط الكفين كما يبسطها الداعي إلى الله.
فهذا مثل ضربه الله ليأس عبدة غير الله من الإجابة لدعائهم، لتنبيه عقولهم وحواسهم، والعرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض الماء باليد. قال الشاعر:
فأصبحت فيما كان بيني وبينها*من الودّ مثل القابض الماء باليد ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي ليست عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسار وضياع وبطلان، فإن دعاءهم لهم غير مجاب، كما أن دعاءهم الله غير مجاب أيضا.
ثم بين الله تعالى كمال قدرته وعظمته وسلطانه فقال: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ.﴾. أي ولله يخضع وينقاد كل شيء طوعا من المؤمنين والملائكة في حالي الشدة والرخاء، وكرها من الكافرين في حال الشدة، بل كل شيء من مخلوقات الكون من إنسان وحيوان ونبات وجماد خاضع منقاد للخالق الذي خلقهم وأوجدهم. وكذلك تسجد لله وتخضع ظلال كل من له ظل مما ذكر في الصباح الباكر وفي آخر النهار، وتخصيص هذين الوقتين بالذكر لظهور الامتداد والتقلص، أو لإرادة الدوام، كما هو الشأن في استعمالات العرب. والسجود لله دال على الربوبية، فلا يستحق العبادة سوى الله تعالى.
стр. 3958
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدتنا الآيات إلى ما يلي:
١ - بيان كمال قدرة الله تعالى، وأن تأخير العقوبة عن العصاة ليس عن عجز، وكل ما ذكر في الآية من البرق والسحاب والرعد والصواعق دلائل ملموسة على قدرة الله ، وأنه شديد القوة والأخذ، والمحال أو المماحلة: وهي المماكرة والمغالبة.
فحدوث البرق مثلا دليل عجيب على قدرة الله تعالى: لأن السحاب مركب من أجزاء رطبة مائية، ومن أجزاء هوائية ونارية، والغالب عليه الأجزاء المائية، والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابس، فتغليب النار على الماء المتضادين، لا بد له من صانع مختار، يظهر الضد من الضد.
والأجزاء المائية من السحاب، سواء قيل: إنها حدثت في جو الهواء أو تصاعدت من أبخرة البحار، لا بد أن يكون حدوثها بإحداث حكيم قادر محدث.
وصوت الرعد المرعب بسبب تصادم كتل الهواء نتيجة تفريع جزء منه بالبرق دليل آخر على القدرة الإلهية.
والصواعق المخيفة المدمرة المتولدة من السحاب والتي تحدث بسبب احتكاك كهربة السحب بكهربة الأرض برهان واضح على الألوهية، ووجود موجود متعال عن النقص والإمكان.
٢ - كل شيء في الوجود من إنسان وحيوان ونبات وجماد وجنّ وملائكة يسبح بحمده، فالرعد يسبح بحمد الله، والملائكة تسبح أيضا بحمد الله من هيبته وإجلاله، والتسبيح: التنزيه عن الشريك والوالد والولد والصاحبة، والتقديس لله تعالى، ولكن الناس لا يفقهون تسبيح من سواهم.
стр. 3959
٣ - هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل الدالة على كمال قدرة الله، يجادلون في الله، ويشككون في وجوده وألوهيته، والله شديد القوة والأخذ، والعقاب، ومغالبة هؤلاء المشككين المجادلين بالباطل.
٤ - لله الدعوة الحق، فمن يدعوه فدعوته هي الحق، أما دعاء الأصنام وأمثالها من الآلهة المزعومة دون الله فهو باطل لا يفيد شيئا.
٥ - الآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله لا يحققون لأحد مطلبا، وما استجابتهم إلا كاستجابة الماء لباسط كفيه إلى الماء، والماء جماد لا يشعر بأحد ولا بحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاء داعيه، فكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم، ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم.
٦ - دل قوله: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ.﴾. على أنه يجب على كل من في السموات والأرض أن يسجد لله إما طوعا أو كرها، فعبر عن الوجوب بالوقوع والحصول، أو أن كل من السموات والأرض يعترفون بعبودية الله تعالى، على ما قال:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، لَيَقُولُنَّ: اللهُ﴾ [لقمان ٢٥/ ٣١].
وقيل: إن السجود عبارة عن الانقياد والخضوع وعدم الامتناع، وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى؛ لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل.
٧ - دل قوله: ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ على أن كل شخص، سواء كان مؤمنا أو كافرا، فإن ظله يسجد لله. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعا، وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله كرها، وهو كاره. وقيل: إن المراد من سجود الظلال أي ظلال الخلق: ميلانها من جانب إلى جانب، وتختلف طولا وقصرا بسبب انحطاط الشمس وارتفاعها، فهي منقادة مستسلمة في طولها وقصرها وميلها من جانب إلى جانب. وإنما خصص الغدو والآصال بالذكر؛ لأن الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين.
стр. 3960
وحدانية الله
ومثل المؤمن والمشرك تجاه الوحدانية
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ (١٦)﴾
لبلاغة:
﴿قُلِ: اللهُ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي الله خالق السموات والأرض.
﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ و ﴿الظُّلُماتُ وَالنُّورُ﴾ فيهما طباق.
﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ﴾ فيهما استعارتان، استعار لفظ الأعمى للمشرك، والبصير للمؤمن، واستعار لفظ الظلمات والنور للكفر والإيمان.
﴿أَمْ جَعَلُوا﴾ الهمزة للإنكار، أي بل جعلوا.
المفردات اللغوية:
﴿قُلْ﴾ يا محمد لقومك ﴿مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خالقهما ومتولي أمرهما ﴿قُلِ:﴾
﴿اللهُ﴾ إن لم يجيبوا فلا جواب غير أن تقول: الله الخالق؛ إذ لا جواب لهم سواه، ولأنه الجواب البين الذي لا يمكن المراء فيه، أو أنه لقنهم الجواب ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ أي كيف اتخذتم من غيره أصناما تعبدونها؟ والمراد أنه ألزمهم بذلك أن اتخاذهم منكر بعيد على مقتضى العقل، والاستفهام للتوبيخ ﴿لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا﴾ لا يقدرون على جلب نفع إليها أو دفع ضر عنها، فكيف يستطيعون إنفاع الغير ودفع الضر عنه؟ وكيف تركتم مالك السموات والأرض؟ وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء، رجاء أن يشفعوا لهم.
стр. 3961
﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ الكافر الجاهل، والمؤمن العالم العاقل ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ﴾ الكفر والإيمان؟ لا.
﴿أَمْ جَعَلُوا﴾ بل أجعلوا، والهمزة للإنكار ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ صفة لشركاء داخلة في حكم الإنكار ﴿فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي خلق الله بخلق الشركاء، أي ما اتخذوا لله شركاء خالقين مثله، حق يتشابه عليهم الخلق، فيقولوا: هؤلاء خلقوا كما خلق الله، فاستحقوا العبادة كما استحقها، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الناس، فضلا عما يقدر عليه الخالق.
وهو استفهام إنكاري، أي ليس الأمر كذلك، ولا يستحق العبادة إلا الخالق ﴿قُلِ: اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي لا خالق غيره، فيشاركه في العبادة، فهو لا شريك له في الخلق، فلا شريك له في العبادة، أي أنه جعل الخلق يستوجب العبادة ويلزم منه ذلك، ثم نفاه عما سواه ليتوصل إلى الآتي وهو قوله: ﴿وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ أي هو المتوحد بالألوهية، الغالب على كل شيء.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أن كل من في السموات والأرض ساجد له، خاضع لقدرته وعظمته، عاد إلى الرد على عبدة الأصنام، لإثبات الوحدانية، وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية، حتى لا يجدوا مناصا من الاعتراف بها.
التفسير والبيان:
قل للمشركين أيها الرسول: من خالق السموات والأرض؟ ثم أجب عنهم الجواب المتعين الذي لا مناص منه، وهو الذي يقرون به؛ لأنهم كانوا يقرون بأن الله هو الخالق كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ: مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؟ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان ٢٥/ ٣١] وقل لهم إذن: الله خالقهما وربهما ومدبرهما.
قال الزمخشري: وقوله: ﴿قُلِ: اللهُ﴾ حكاية لاعترافهم وتأكيد له عليهم؛ لأنه إذا قال لهم: من رب السموات والأرض؟ لم يكن لهم بد من أن يقولوا: الله.
ثم قل لهم بعد أن ثبت هذا لديكم: فلم اتخذتم لأنفسكم من دون الله معبودات
стр. 3962
هي جمادات، وإذا كنتم مقرين بوجود الله، فما بالكم اتخذتم من دونه نصراء عاجزين وأولياء تعبدونهم، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا؟! وإذا كانت تلك الآلهة لا تملك لنفسها النفع والضر، فهي لا تملك لعابديها بطريق الأولى نفعا ولا ضرا. فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له، فهو على نور من ربه؟ لهذا قال: ﴿قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ.﴾ ..
أي قل لهم مبينا لهم سوء اعتقادهم: هل يتساوى الأعمى الذي لا يبصر شيئا، والبصير الذي يدرك الحق ويهدي الأعمى إليه؟ أم هل تتساوى الظلمات والنور؟ جمع الظلمات وأفرد النور؛ لأن طريق الحق واحدة، وطرق الباطل والكفر متعددة.
والمراد: هل يمكن لأحد الحكم بتساوي الكافر والمؤمن، وتساوي الكفر والإيمان، فالكافر كالأعمى، والكفر كالظلمات، والمؤمن كالبصير، والإيمان كالنور؟ ﴿أَمْ جَعَلُوا﴾ بل جعلوا أي جعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق، وحينئذ تشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم، فحينما جعلوا لله شركاء موصوفين بالخلق مثل خلق الله، تشابه ذلك عليهم، فيعبدونهم، مع أنهم لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، فكيف يشركون في العبادة، أفمن يخلق كمن لا يخلق؟! وهذا بمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً، وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣/ ٢٢].
والمراد: ليس الأمر على هذا النحو، فإنه تعالى لا يشابهه شيء، ولا يماثله شيء، ولا ندّ له، ولا وزير له، ولا ولد له ولا صاحبة، وهؤلاء المشركون عبدوا آلهة، وهم معترفون أنها مخلوقة لله، وهم عبيد له، كما صرحوا في تلبيتهم:
стр. 3963
«لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك» وكما أخبر القرآن عنهم: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزّمر ٣/ ٣٩]. وتضمن هذا الاستفهام التعجب منهم والإنكار عليهم والتهكم بهم.
وبعد أن ناقشهم تعالى في فساد اعتقادهم، وأبان عدم وجود المسوغات لاتخاذ غير الله إلها معه، لعجزه وضعفه، قرر الحكم النهائي بقوله: ﴿قُلِ: اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.﴾. أي قل لهم يا محمد مبينا وجه الحق: الله خالق كل شيء، خالقكم وخالق أصنامكم وخالق جميع المخلوقات، فإذا فكرتم تفكيرا سويا وجدتم أن الله هو المتفرد بالخلق والإيجاد وهو المتوحد بالألوهية، المستحق للعبادة وحده، الغالب على كل شيء، فكيف تعبدون أصناما لا تنفع ولا تضر؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
١ - تثبيت الحقيقة الأبدية الخالدة وهي أن الله تعالى وحده هو خالق السموات والأرض وجميع مخلوقات الكون.
ومن له صفة الخلق والإيجاد هو المستحق للعبادة والتقديس.
٢ - دل قوله: ﴿قُلْ: أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ على اعترافهم بأن الله هو الخالق، وهو معنى آية أخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ: اللهُ﴾ [العنكبوت ٦١/ ٢٩] أي فإذا اعترفتم بأن الله هو الخالق فلم تعبدون غيره؟ وذلك الغير لا ينفع ولا يضر، وهو إلزام صحيح بالحجة القاطعة التي لا مجال لردها أو الطعن فيها.
٣ - ضرب الله مثلا للمشركين بالأعمى للكافر والبصير للمؤمن، وإذا كان مسلّما لدى كل البشر ألا يستوي الأعمى والبصير، فكذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق والمشرك الذي لا يبصر الحق.
стр. 3964
ثم ضرب الله تعالى مثلا للشرك والإيمان بالظلمات والنور.
٤ - طمس الله على عقول المشركين، فلم يقتنعوا بما سبق، بل جعلوا لله شركاء فاقدة أهم مقومات الألوهية وهو الخلق والإبداع، فهي عاجزة عن خلق أي شيء، فلا يمكن بعدئذ أن تنافس مخلوقات الله، ولو كان للعالم صانعان لاشتبه الخلق، ولم يتميز فعل هذا عن فعل ذلك، فبم يعلم أن الفعل من اثنين؟! والمشركون حينما اتخذوا آلهة خلقوا مخلوقات كالتي خلقها الله، التبس الأمر عليهم، فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم. وهو تهكم بهم، فإنهم في الحقيقة يرون كل شيء من خلق الله، وأن هذه الآلهة لم تخلق شيئا، ومع هذا فإنهم يعبدونها من دون الله.
٥ - الله خالق كل شيء، فلزم لذلك أن يعبده كل شيء. والآية رد على المشركين والقدرية الذين زعموا أنهم خلقوا كما خلق الله. والله تعالى هو الواحد قبل كل شيء، والقهار الغالب لكل شيء، الذي يغلب في مراده كل مريد، فكيف يصح بعد هذا القول بشريك لله؟! ٦ - استدل أهل السنة بهذه الآية على خلق الأفعال، أي أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وأن العبد لا يخلق فعل نفسه؛ لأن فعله شيء والله خالق كل شيء، وإنما يحصل منه الكسب والتوجيه واختيار ما خلق الله له.
أما المعتزلة فقالوا: إن العبد يفعل ويحدث، ولا نقول: إنه يخلق كخلق الله تعالى، وإنما يفعل لجلب منفعة ودفع مضرة، والله تعالى منزه عن ذلك كله، فلا يلزمهم أنهم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه.
وقال المجبرة: عين ما هو خلق الله تعالى هو كسب العبد وفعل له. وهذا عين الشرك؛ لأن الإله والعبد في خلق تلك الأفعال بمنزلة الشريكين، وكل شريك له حق في فعل الآخر.
стр. 3965
مثل الحق والباطل ومآل السعداء والأشقياء
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩)﴾
الإعراب:
﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ﴾ جار ومجرور، في موضع نصب على الحال من الضمير المجرور في ﴿عَلَيْهِ﴾ وتقديره: ومما يوقدون عليه كائنا أو مستقرا في النار.
﴿اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال من ضمير ﴿يُوقِدُونَ﴾. ولا يجوز أن يكون ﴿فِي النّارِ﴾ متعلقا بيوقدون؛ لأنهم لا يوقدون في النار، وإنما يوقدون على الذهب، كائنا في النار.
﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ مبتدأ، و ﴿مِثْلُهُ﴾: صفة له، وخبره إما ﴿يُوقِدُونَ﴾ أو ﴿فِي النّارِ﴾.
﴿جُفاءً﴾ حال من ضمير ﴿فَيَذْهَبُ﴾ عائد على الزبد ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ مبتدأ، خبره: ﴿لَوْ أَنَّ.﴾ ..
стр. 3966
البلاغة:
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً.﴾. تشبيه تمثيلي، وجه الشبه منتزع من متعدد، شبّه فيه الحق بالماء المستقر على الأرض، وبالجوهر الصافي من المعادن، وشبّه الباطل برغوة الماء وخبث المعدن الطافي عليه لا يلبث أن يتلاشى ويضمحل.
﴿فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ أي فسالت مياه الأودية، فهو مجاز عقلي من إسناد الشيء لمكانه.
﴿يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي أمثال الحق وأمثال الباطل.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ .. ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ بينهما طباق السلب.
﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ شبه الكافر الجاهل بالأعمى على سبيل الاستعارة.
المفردات اللغوية:
﴿مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ مطرا من السحاب أو من جانب السماء ﴿أَوْدِيَةٌ﴾ أنهار، جمع واد: وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة، ثم استعمل للماء الجاري فيه، وتنكيرها؛ لإتيان المطر على التناوب بين البقاع ﴿بِقَدَرِها﴾ بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع، أو بمقدار مثلها في الصغر والكبر ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً﴾ رفعه، والزبد: ما يعلو وجه الماء من رغوة وقذر ونحوه ﴿رابِياً﴾ عاليا عليه مرتفعا فوقه ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ﴾ من جواهر الأرض وفلزاتها كالذهب والفضة والنحاس والحديد ومن: للابتداء، أو للتبعيض، والضمير للناس، وإضماره للعلم به ﴿اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ طلب زينة ﴿أَوْ مَتاعٍ﴾ ينتفع به كالأواني إذا أذيبت، وآلات الحرب والحرث، والمقصود من ذلك بيان منافعها ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أي مثل زبد السيل، وهو خبثه وهو الذي ينفيه الكير ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ﴾ أي المذكور مثل الحق والباطل وأهل كل.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ من السيل وما أوقد عليه من المعادن ﴿فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ يزول باطلا مرميا به، فالجفاء: ما يرميه الوادي من الزبد إلى جوانبه ﴿وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ من الماء والمعادن ﴿فَيَمْكُثُ﴾ يبقى وينتفع به أهلها ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ زمانا، كذلك الباطل يضمحل وينمحق، وإن علا على الحق في بعض الأوقات، والحق ثابت باق، أي أن الحق في إفادته وثباته كالماء النافع الذي يستقر في الأرض، وكالمعدن الذي ينتفع به في صوغ الحلي واتخاذ الأمتعة المختلفة ويدوم ذلك مدة متطاولة، والباطل في قلة نفعه وسرعة زواله كزبد الماء أو غثائه ورغوته، وخبث المعدن وشوائبه ﴿كَذلِكَ﴾ المذكور ﴿يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ يبين، لإيضاح المشتبهات.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أطاعوه، أي للمؤمنين الذين استجابوا بالطاعة لله، واللام متعلقة
стр. 3967
بيضرب ﴿الْحُسْنى﴾ الجنة ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ وهم الكفار ﴿لافْتَدَوْا بِهِ﴾ من العذاب ﴿أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ المؤاخذ بكل ما عملوه، لا يغفر منه شيء، أو المناقشة في الحساب، بأن يحاسب الإنسان بذنبه، لا يغفر منه شيء ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ مرجعهم النار ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ المستقر والفراش هي، والمخصوص بالذم محذوف.
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ.﴾. الهمزة للإنكار، أي فيؤمن ويستجيب كالحمزة ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ عمى القلب لا يؤمن بالنبي ﷺ كأبي جهل، والمراد لا يستويان، ولا يتشابهان ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ يتعظ ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى وجود دعوتين: دعوة الحق، ودعوة الباطل، وأن دعوة الله هي دعوة الحق ودعوة ما يعبدون من دونه هي دعوة الباطل، ولما شبه تعالى المؤمن والكافر والإيمان والكفر، بالبصير والأعمى، والنور والظلمات، ذكر مثلا آخر للإيمان والكفر، وأبان مثلا للحق وأهله، والباطل وحزبه، فجعل مثل الحق وأهله في ثباته وبقائه بالماء النازل من السماء فينفع الأرض والناس، وبالمعدن الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه، واتخاذ الأواني والآلات المختلفة، وجعل مثل الباطل في اضمحلاله وفنائه وسرعة زواله وانعدام منفعته بزبد السيل الذي يرمي به، وزبد المعدن الذي يطفو فوقه إذا أذيب.
التفسير والبيان:
اشتملت الآية الأولى على مثلين للحق وهو القرآن أو الإيمان في ثباته وبقائه ونفعه، والباطل وهو الكفر في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ.﴾ ..
أي أنزل الله تعالى من السحاب مطرا، فأخذ كل واد بحسبه صغرا وكبرا، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها في استيعاب الإيمان سعة وضيقا، فحمل السيل
стр. 3968
المتجمع من ذلك المطر زبدا عاليا طافيا فوقه، وهذا هو المثل الأول للحق والباطل أو الإيمان والكفر.
ثم ذكر تعالى المثل الثاني: ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ.﴾. أي ومثل الحق أو الإيمان كالمعدن النافع من ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس ونحوها الذي يستخلص من التراب والشوائب، بواسطة السبك في النار، ليجعل حلية أو آنية أو سلاحا أو متاعا ينتفع به، ويعلوه الخبث والشوائب الطافية عند الانصهار، وهو مثل الباطل.
﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ﴾ أي المذكور مثل الحق والباطل إذا اجتمعا، فالحق في استقراره ونفعه كالماء المستقر النافع والمعدن النقي الصافي، والباطل في زواله وعدم نفعه كالرغوة التي يقذفها السيل على جوانبه، وخبث المعدن عند انصهاره، فالباطل لا دوام له أمام الحق.
ثم ذكر الله تعالى اضمحلال الباطل وذهابه بقوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ.﴾. أي أن الزبد الطافي فوق الماء يتبدد ويزول ويذهب في جانبي السيل، ويعلق على حافتيه، فتنسفه الرياح، وأما النافع من الماء والمعدن فيبقى مستقرا في الأرض، أما الماء فنشربه ونسقي به الزرع، وأما المعدن فنستفيد منه إما بالحلي أو بصناعة الأواني والأسلحة والأمتعة، كما قال تعالى عن الحديد: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [الحديد ٢٥/ ٥٧].
﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ أي أنه تعالى كما بيّن لكم هذه الأمثال، فكذلك يضربها بيّنات، لإيضاح الفوارق بين أصول الاعتقاد الجوهرية من الإيمان والكفر، والحق والباطل.
والخلاصة: إن القرآن الكريم الذي تجسد فيه الحق ونور الإيمان مثله في إحياء القلوب به مثل الماء الذي يحيي الأرض بعد موتها، ومثل المعدن النقي
стр. 3969
الصافي الذي يحقق منافع كثيرة للناس. وأما الكفر وضلالات الشرك وباطل اعتقاد المشركين، فهو عديم النفع سريع الزوال، يتبدد فورا، فهو كرغوة الماء وغثاء السيل الذي يضمحل وتعصف به الرياح، وخبث المعدن الذي يستبعد ويلقى جانبا.
وما ضرب هذا المثل الرائع إلا لخير الإنسان، الذي عليه أن يقدر مآل أمره، وما ينتظره من سعادة وشقاوة في المعاد، فإذا كان يوم القيامة وعرض الناس وأعمالهم على ربهم، فيزيغ الباطل ويتلاشى، وينتفع أهل الحق بالحق.
وقد ضرب الله تعالى في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين من النار والماء، فقال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً، فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ.﴾.
[١٧] ثم قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [١٩].
وضرب سبحانه للكافرين في سورة النور مثلين، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [٣٩] والسراب يكون في شدة الحر، ثم قال:
﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ.﴾. [٤٠].
وجاء في السنة أمثال مشابهة، فشبّه النبي ﷺ أحوال المنتفعين بسنته بأحوال أراض ثلاث سقط عليها الماء،
ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصابت طائفة منها أخرى إنما هي قيعان، لأتمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» وهذا مثل مائي يشبه المثل الذي ضربه الله تعالى للمنافقين.
стр. 3970
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار، يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلّم عن النار، فتغلبوني، فتقتحمون فيها» وهذا مثل ناري أبان فيه النبي ﷺ حرصه على إبعاد أمته من النار، وتساقط بعضهم فيها كتساقط الفراش، وهو كالمثل الذي ضربه الله للمنافقين.
ثم أبان الله تعالى مستأنفا الكلام مصير أهل الحق وأهل الباطل، ومآل السعداء والأشقياء، ترغيبا وترهيبا، فقال: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا.﴾. أي الجنة للذين أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم الجزاء الحسن ونعيم الجنة والثواب العظيم، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس ٢٦/ ١٠] وقال: ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً﴾ [الكهف ٨٨/ ١٨].
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا.﴾. أي والذين لم يطيعوا الله ورسوله، لا ينفعهم في الآخرة الفداء بجميع ما في الدنيا وضعف ما فيها، أي لا يمكنهم في الدار الآخرة أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا، ومثله معه. ولو كان لهم ذلك لافتدوا به، ولكن لا يتقبل الله منهم؛ لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفا ولا عدلا، أي فداء وتوبة.
أولئك الذين لم يطيعوا الله لهم سوء العذاب في الدار الآخرة، ويناقشون على كل ما قدموه، لا يغفر منه شيء، ومن نوقش الحساب عذب، ومرجعهم إلى النار وبئس المستقر مستقرهم. وفي هذا تهويل شديد، وتخويف عظيم، لغفلتهم من اتباع أوامر ربهم، وتقربهم إليه، وانغماسهم في شهواتهم.
стр. 3971
ثم نزل في حمزة ﵁ وأبي جهل، كما ذكر ابن عباس قوله تعالى:
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ.﴾. أي لا يستوي من يعلم من الناس أن المنزل إليك يا محمد من ربك هو الحق الذي لا شك فيه ولا لبس فيه، بل هو كله حق، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام ١١٥/ ٦] أي صدقا في الإخبار، وعدلا في الطلب، لا يستوي من صدّق بما جاء به محمد ﷺ ، ومن لم يصدق به، وكان أعمى لا يستبصر، ولا يهتدي إلى خير، ولا يفهمه، ولو فهمه، ما انقاد له ولا صدقه، ولا اتبعه.
إنما الذي ينتفع بهذه الأمثال ويعتبر بها ويتعظ ويعقل هم أولو العقول السليمة، والأفكار الصحيحة، والآراء الرشيدة.
ونظير الآية: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ، وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر ٢٠/ ٥٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
أبانت الآيات أمورا ثلاثة:
١ - تشبيه الحق والإيمان بالماء المستقر والمعدن النقي الصافي، وتشبيه الباطل والكفر بالزبد الذي يعلو الماء، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الأودية، وتنسفه الرياح، أو تشبيهه بالطافي فوق المعدن المذاب فكذلك الكفر وشبهاته وخيالاته تذهب وتضمحل، ويبقى الجوهر الصافي من الماء، والمعدن النقي.
وهذان المثلان اللذان ضربهما الله للحق في ثباته، والباطل في اضمحلاله، يلفتان النظر إلى عواقب الأمور.
وقيل وهو ما يروى عن ابن عباس: المراد تشبيه القرآن وما يدخل منه
стр. 3972
القلوب بالمطر، لعموم خيره وبقاء نفعه، وشبّه القلوب بالأودية، يدخل فيها من القرآن مثلما يدخل في الأودية بحسب سعتها وضيقها.
٢ - للطائعين أهل السعادة الذين أجابوا إلى ما دعا الله من التوحيد والنبوات الجزاء الحسن، وهو النصر في الدنيا، والنعيم المقيم غدا في الآخرة.
وللعصاة أهل الشقاوة الذين لم يجيبوا إلى الإيمان بنبوة محمد ﷺ ، لا يتمكنون من فداء أنفسهم في الآخرة بملء الأرض ذهبا، ومثله معه، ولهم سوء العذاب، فلا يقبل لهم حسنة، ولا يتجاوز لهم عن سيئة، ومسكنهم ومقامهم النار، وبئس الفراش الذي مهدوا لأنفسهم، فهذه أربعة أنواع من العذاب والعقوبة: عدم قبول الفداء، والتعرض لسوء الحساب، ومأواهم جهنم، وبئس المهاد مهادهم أي بئس المستقر هي.
٣ - مثل آخر للمؤمن والكافر، روي أنه نزل في حمزة بن عبد المطلب ﵁، وأبي جهل خزاه الله، فالمؤمن بالمنزل من الله على نبيه، المتحقق بصدقه، العامل بما بلغه إليه منه هو المستبصر الواعي العاقل، والكافر هو الجاهل بالدين أعمى القلب، وأولو العقول هم المتعظون المعتبرون بذلك.
أوصاف أولي الألباب السعداء وجزاؤهم
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ (٢٢) جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ (٢٤)﴾
стр. 3973
الإعراب:
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ﴾ إما صفة لأولي الألباب، وإما مبتدأ، خبره: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾.
﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ مرفوع بالعطف على ضمير ﴿يَدْخُلُونَها﴾ المرفوع، وحسن العطف لوجود الفصل بضمير المفعول. ويجوز نصبه على أنه مفعول معه. ولا يجوز عطفه بالجر على ﴿لَهُمْ عُقْبَى﴾ لأن العطف على الضمير المجرور إنما يكون بإعادة حرف الجر. وأجاز الكوفيون ذلك من غير إعادة حرف الخفض.
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من ﴿عُقْبَى الدّارِ﴾، أو مبتدأ، خبره: ﴿يَدْخُلُونَها﴾.
﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ متعلق بعليكم، أو بمحذوف، أي هذا بما صبرتم، ولا يتعلق بسلام؛ فإن الخبر فاصل، والباء: للسببية أو البدلية.
البلاغة:
﴿سِرًّا﴾ و ﴿عَلانِيَةً﴾ و ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ و ﴿السَّيِّئَةَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾ المأخوذ عليهم، وهم في عالم الذر أو كل عهد، وهو ما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا: بلى، أو ما عهده الله تعالى عليهم في كتبه. ﴿وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾ ما وثقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى وبين العباد، والنقض: الفك بترك الإيمان أو الفرائض، وهو تعميم بعد تخصيص. ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من الإيمان بجميع الأنبياء ﵈، والرحم وموالاة المؤمنين، ويندرج في ذلك مراعاة جميع حقوق الناس. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ تمتلئ قلوبهم مهابة منه وجلالا له. والخشية: الخوف مع العلم بمن تخشاه.
﴿وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ﴾ فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، ويخشون خطر الحساب.
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الطاعة والبلاء وعن المعصية. ﴿اِبْتِغاءَ﴾ طلب. ﴿وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي طلب رضاه، لا غيره من أغراض الدنيا، كالفخر أو السمعة ونحوهما. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ المفروضة. ﴿وَأَنْفَقُوا.﴾. في الطاعة بعض ما رزقهم الله. ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ويدفعون
стр. 3974
السيئة بالحسنة، فيجازون الإساءة بالإحسان كالأذى بالصبر، والجهل بالحلم، أو يتبعون السيئة الحسنة، فتمحوها. ﴿عُقْبَى الدّارِ﴾ أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة، وهي ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ إقامة يقيمون فيها. ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أي ومن صلح، وإن لم يعملوا بعملهم، يكونون في درجاتهم تكرمة لهم، وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة، والتقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد الأنساب لا تنفع. ﴿مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ من أبواب الجنة أو من أبواب المنازل، أول دخولهم للتهنئة. ﴿سَلامٌ﴾ قائلين: سلام عليكم، بشارة بدوام السلامة. ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ بصبركم في الدنيا. ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ عقباكم.
المناسبة:
هذه الآية متعلقة بما قبلها، فهي تذكر الصفات الحميدة لأولي الألباب، أو الصفات المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ ومن اتصف بهذه الصفات لهم سعادة الدنيا والآخرة.
التفسير والبيان:
يصف الله تعالى أولي الألباب من المؤمنين الذين تحققوا من نبوة النبي محمد ﷺ واعتقدوا أن ما أنزل إليه هو الحق، يصفهم بالصفات التالية:
١ - الوفاء بالعهد:
الذين يوفون بما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبية الله تعالى، وبالمواثيق بينهم وبين ربهم، وبينهم وبين العباد. وعهد الله: كل ما قام الدليل على صحته من الأدلة العقلية والسمعية، والعهد: اسم للجنس، أي بجميع فروض الله، وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده، ويدخل فيه التزام جميع الفروض، وتجنب جميع المعاصي.
٢ - عدم نقض الميثاق:
أي لا يخلّون بواجبات العهد والتزاماته، ولا ينقضون عهد الإيمان مع ربهم، ولا بالعقود التي يبرمونها مع الناس من بيع وشراء وسائر المعاملات، حتى لا يكونوا
стр. 3975
كالمنافقين الذين إذا عاهد أحدهم غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان،
روى الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»
وفي رواية أربع ومنها: «وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».
فعدم نقض الميثاق في رأي الأكثرين قريب من الوفاء بالعهد، وهما مفهومان متلازمان، وإن كانا متغايرين، ونص على منع النقض تأكيدا عليه. أو أنه تعميم بعد تخصيص. قال قتادة: إن الله ذكر الوفاء بالعهد والميثاق في بضع وعشرين موضعا في القرآن، عناية بأمره، واهتماما بشأنه.
٣ - صلة الرحم ورعاية جميع الحقوق الواجبة لله وللعباد:
الذين يصلون كل ما أمر الله بصلته ونهى عن قطعه من حقوق الله، ومنها مؤازرة النبي ﷺ ونصرته في الجهاد، وحقوق العباد، ومنها صلة الرحم.
جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه» ومنها الإحسان إلى الفقراء والمحاويج وبذل المعروف. ونص على هذا الوصف مع دخوله في الوصفين السابقين للتأكيد، ولئلا يظن ظان أن الوفاء بالعهد مقصور على ما بين الإنسان وبين الله تعالى.
٤ - الخوف من الله:
ويخشون ربهم فيما يأتون وما يذرون من الأعمال، يراقبون الله في ذلك.
والخشية: خوف مقرون بالتعظيم والعلم بمن يخشاه، لذا خص الله العلماء بمزيد الخشية، فقال: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ [فاطر ٢٨/ ٣٥].
стр. 3976
٥ - الخوف من العذاب:
ويحذرون سوء الحساب في الدار الآخرة، فيخافون المناقشة في الحساب؛ لأن من نوقش الحساب عذّب، ويحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا؛ لأن الحساب يشمل كل صغير وكبير، ومن خاف الحساب أقبل على الطاعة، وتجنب المعصية.
ويلاحظ أن الوصف الرابع إشارة إلى الخشية من الله، وهذا يقتضي خوف الجلال والمهابة والعظمة، وهذا الوصف إشارة إلى الخوف من سوء الحساب.
٦ - الصبر:
وهو حبس النفس على ما تكره: والذين صبروا على الطاعة وعن المعصية، وحال البلاء، ففعلوا الطاعات والتكاليف، وامتنعوا من المعاصي والسيئات أو المنكرات، ورضوا بالقضاء والقدر عند التعرض للمصائب، وكان صبرهم بقصد مرضاة الله ونيل ثوابه، لا رياء ولا سمعة.
٧ - إقامة الصلاة:
والذين أقاموا الصلاة أي أدّوها مستكملة أركانها وشروطها التامة، مع خشوع القلب لله تعالى على الوجه المرضي.
٨ - الإنفاق في وجوه الخير:
وأنفقوا بعض ما رزقناهم في السر والجهر بحسب مقتضى الحال، فيسرّون النفقة بينهم وبين ربهم حتى لا يكون قصدهم الرياء والسمعة، ويعلنونها أحيانا للناس إذا كانت بقصد التشجيع والتعليم والقدوة، سواء كان إنفاقا واجبا كالإنفاق على الزوجة والولد والأقارب الفقراء، أو مندوبا كالإنفاق على الفقراء والمساكين الأباعد.
стр. 3977
٩ - مقابلة السيئة بالإحسان:
ويدفعون الإساءة بالإحسان كالجهل بالحلم، والأذى بالصبر، كما قال تعالى:
﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا: سَلاماً﴾ [الفرقان ٦٣/ ٢٥] ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان ٧٢/ ٢٥]، ويتبعون السيئة بالحسنة لمحوها،
لقوله ﷺ فيما يرويه أحمد عن أبي ذر: «إذا عملت سيئة، فاعمل بجنبها حسنة تمحها»
وفي رواية أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي ذر: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
والثابت أن المعاملة الكريمة مع المسيء وغيره أفضل وأجدى وأوقع أثرا؛ لأنها تهوّن الأمر، وتستل الأحقاد، وتكون عاقبتها أسلم.
وبعد أن وصف الله المؤمنين العقلاء بتلك الصفات الحميدة، ذكر جزاءهم بقوله: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ أي أولئك الموصوفون بما ذكر لهم العقبى الحسنة والسعادة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهو النصر على الأعداء، وأما في الآخرة فهو الجنة.
ثم أوضح هذه العقبى فقال: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ.﴾. أي تلك العقبى هي الجنات التي يقيمون فيها إقامة دائمة.
يدخلونها هم والصالحون المؤمنون من أزواجهم وأصولهم وفروعهم، وهو دليل على أن سمو الدرجة يكون بالشفاعة، وأن التقييد بالصلاح يدل على أن مجرد الأنساب لا تنفع، فلا تفيد الأنساب شيئا إذا لم تقرن بالعمل الصالح، وكما قال تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ [المؤمنون ١٠١/ ٢٣] وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٨/ ٢٦ - ٨٩]
وقال النبي ﷺ لفاطمة في مرض موته فيما رواه الترمذي:
«يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا».
стр. 3978
وتأتيهم الملائكة عند دخولهم الجنة من أبواب مختلفة قائلين لهم: سلام عليكم بصبركم، أي أمن دائم عليكم، ورحمة من ربكم، فنعم عقبى الدنيا الجنة. فقوله ﴿سَلامٌ﴾ مشتمل على محذوف تقديره: ويقولون: سلام عليكم.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أمامة أن النبي ﷺ كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول، فيقول لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعثمان.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
١ - وجوب الوفاء بالعهد: وهو يشمل كل حقوق الله وفرائضه وحقوق العباد.
٢ - تحريم نقض المواثيق الإلهية والبشرية: فإذا عقد الإنسان عهدا في طاعة الله، أو مع الناس، لم يجز نقضه.
٣ - وجوب صلة الأرحام ورعاية جميع حقوق الله وحقوق العباد، وذلك يتناول جميع الطاعات والإيمان بجميع الكتب والرسل كلهم.
٤ - الخوف من سوء الحساب: وهو الاستقصاء فيه والمناقشة، ومن نوقش الحساب عذّب، كما روى الشيخان عن عائشة.
٥ - الصبر بإخلاص لله تعالى على الطاعة، وعن المعصية، وعلى الرزايا والمصائب، والحوادث والنوائب.
٦ - إقامة الصلاة: وهو أداؤها بفروضها وخشوعها في مواقيتها.
стр. 3979
٧ - الإنفاق من بعض المال سرا وجهرا، بأداء الزكاة المفروضة والتطوع بالصدقات المندوبة في سبيل الله تعالى.
٨ - درء السيئة بالحسنة، أي الدفع بالعمل الصالح السيء من الأعمال، كالتخلق بالأخلاق الطيبة في مواجهة أذى الناس، كالحلم في وجه الجهل، والصبر في وجه الأذى، ودفع الشر بالخير، والمنكر بالمعروف، واتباع السيئة بالحسنة لمحو أثرها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود ١١٤/ ١١]
وقوله ﷺ فيما رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي ذر: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
٩ - للسعداء الطائعين عاقبة الآخرة: وهي الجنة بدل النار، والدار غدا داران: الجنة للمطيع، والنار للعاصي.
وجنان عدن: وسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن،
جاء في صحيح البخاري «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنة».
١٠ - يدخل الجنة مع المؤمن الصالح آباؤه وأزواجه وأبناؤه إن صدقوا وصلحت أعمالهم، وإن لم يعملوا مثل أعمالهم، واشتراط العمل الصالح كاشتراط الإيمان، ولكن من فضل الله تعالى وإكرام المؤمن وثواب المطيع: سروره واجتماعه مع قراباته في الجنة، وحضور أهله معه فيها، وان دخلها كل إنسان بعمل نفسه من زاوية العدل، وبرحمة الله تعالى من ناحية الفضل.
١١ - التقييد بالصلاح بقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ.﴾. دليل على أن مجرد الأنساب لا تنفع، فلا تفيد الأنساب شيئا إذا لم تقرن بالعمل الصالح.
١٢ - تدخل أفواج الملائكة من مختلف أبواب الجنة مهنئة المؤمنين، ومبشرة لهم بالسلامة، قائلين لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ أي قد
стр. 3980
سلمتم من الآفات والمحن، أو هو خبر بمعنى الدعاء، أي ندعو لكم بدوام السلامة، سلمكم الله، وهذا يتضمن الاعتراف بالعبودية. والسلام عليكم كان بصبركم على ملازمة الطاعة، ومفارقة المعصية، فنعم عاقبة الدار التي كنتم فيها، عملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه، فالعقبى على هذا اسم، وهو قول ابن سلام. أو فنعم عقبى الجنة عن النار أو عن الدنيا، وهو قول أبي عمران الجوني.
١٣ - استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر فقال:
إنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والإكرام والتعظيم، فكانوا به أجل مرتبة من البشر، ولو كانوا أقل مرتبة من البشر، لما كان دخولهم عليهم لأجل السلام والتحية موجبا علو درجاتهم وشرف مراتبهم (١).
صفات الأشقياء وجزاؤهم
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٢٥)﴾
المفردات اللغوية:
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ﴾ ذكر في مقابلة الأولين الذين يوفون بعهد الله. ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر والظلم والمعاصي وإثارة الفتن. ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ الطرد أو البعد من رحمة الله.
﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ العاقبة السيئة في الدار الآخرة، وهي جهنم، أو سوء عاقبة الدنيا؛ لأنه في مقابلة عقبى الدار للسعداء.
стр. 3981
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى صفات السعداء وجزاءهم الذي أعده لهم في دار الكرامة، ذكر حال الأشقياء وما هيأه لهم من عذاب النار، وأتبع الوعد بالوعيد، والثواب بالعقاب، على ما هي عليه عادة القرآن للموازنة والمقابلة، وليكون البيان كاملا فيكون أدعى للامتثال والزجر، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾.
التفسير والبيان:
وصف الله تعالى الأشقياء بصفات ثلاث هي:
١ - نقض العهد: والذين ينقضون عهد الله الذي ألزمه عباده وأمر به.
سواء ما يتعلق به سبحانه من الإيمان بوحدانيته وقدرته وإرادته، والإيمان بأنبيائه ورسله وكتبه وما أوحى لهم به، أو ما يتعلق بحقوق الناس.
ونقض العهد: بألا ينظر في الأدلة الدالة على وجود الله وتوحيده أصلا، أو بأن ينظر فيها ويعلم صحتها ثم يعاند، فلا يعمل بعلمه، أو بأن ينظر في الشبهة، فيعتقد خلاف الحق.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ أي من بعد الإقرار بصحته والالتزام به.
٢ - قطع ما أمر الله به أن يوصل، أي قطع كل ما أوجب الله وصله، من لإيمان به وبرسله، وقطع الرحم والقرابات، وعدم صلة المؤمنين وسائر أصحاب الحقوق وعدم التعاون معهم.
٣ - الإفساد في الأرض، أي ويفسدون في الأرض بأعمالهم الخبيثة، يظلمون أنفسهم وغيرهم، ويدعون إلى غير دين الله، ويلحقون الظلم بالنفوس
стр. 3982
والأموال، ويرتكبون كل ما يؤدي إلى تخريب البلاد، وإثارة الفتن، وتأجيج نار الحرب والدمار.
ثم أبان تعالى ما يستحق هؤلاء من عقاب، فقال: ﴿أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي أولئك الموصوفون بما ذكر يستحقون اللعنة، أي الطرد من رحمة الله والإبعاد من خيري الدنيا والآخرة.
﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ أي ولهم سوء العاقبة والمآل، وهو عذاب جهنم، وليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها، كما قال سبحانه سابقا: ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ [الآية: ١٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى الأحكام التالية:
١ - تحريم نقض العهد الإلهي بالإيمان وإيتاء الحقوق، الذي أقام عليه تعالى لأدلة العقلية والسمعية، وأوجب الوفاء به في قرآنه وكتبه المنزلة على أنبيائه.
٢ - تحريم قطع ما أمر الله بوصله من صلة الأرحام والإيمان بجميع الأنبياء، والتعاون مع المؤمنين.
٣ - تحريم الإفساد في الأرض بالكفر وارتكاب المعاصي والظلم وإثارة الفتن، وارتكاب كل ما يؤدي إلى دمار البلاد وتخريبها، وإتلاف الأموال والحقوق واغتصابها والاعتداء عليها.
٤ - المرتكبون لهذه المنكرات والفواحش لهم اللعنة، أي الطرد والإبعاد من لرحمة، ولهم سوء الدار، أي سوء المنقلب، وهو جهنم.
стр. 3983
الرزق على الله والآيات بيد الله والهداية من الله لمن آمن بالله
﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾
الإعراب:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بدل من قوله: ﴿مَنْ أَنابَ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف.
﴿وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ معطوف على ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وفي الآية تقديم وتأخير، وما سبق ذلك اعتراض.
﴿طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ ﴿طُوبى﴾ مبتدأ، وخبره ﴿لَهُمْ﴾، والجملة خبر المبتدأ:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾. ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾: معطوف مرفوع على ﴿طُوبى﴾. وقرئ:
﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ بالنصب، على أنه منادى مضاف، حذف منه حرف النداء، أي يا حسن مآب، ويجوز أن يكون ﴿طُوبى﴾ منصوبا بفعل مقدر، أي أعطاهم طوبى لهم، وأعطاهم حسن مآب، فهذا معطوف بالنصب على ما سبقه.
البلاغة:
﴿يَبْسُطُ﴾ و ﴿يَقْدِرُ﴾ و ﴿يُضِلُّ﴾ و ﴿يَهْدِي﴾ بينهما طباق.
﴿إِلاّ مَتاعٌ﴾ تشبيه بليغ، حذف منه أداة الشبه ووجه التشبيه، أي ما الحياة الدنيا إلا مثل الذي يتمتع به الإنسان في منزله كالقصعة ونحوها، في حقارته وسرعة زواله.
стр. 3984
المفردات اللغوية:
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يوسعه ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيقه أو يعطي بقدر الكفاية فقط ﴿وَفَرِحُوا﴾ أي أهل مكة فرح بطر ﴿بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بما بسط لهم في الدنيا وما نالوه فيها ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ في جنب الآخرة ﴿إِلاّ مَتاعٌ﴾ إلا متعة لا تدوم، وشيء قليل يتمتع به ويذهب، والمعنى: أن الكفار بطروا بما نالوا من الدنيا، ولم يستخدموه فيما يوصلهم إلى نعيم الآخرة، واغتروا بما هو قليل النفع سريع الزوال.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ﴿لَوْلا﴾ هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ على محمد ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ كعصا موسى ويده، وناقة صالح ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ إضلاله، فلا تغني عنه الآيات شيئا؛ لأنه عاند وأعرض عن الحق ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ يرشد إلى دينه من رجع عن العناد وأقبل إلى الحق. والمعنى: هذا جواب فيه تعجب من قولهم، كأنه قال لهم: ما أعظم عنادكم، إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم، فلا سبيل إلى اهتدائهم، وإن أنزلت كل آية؛ ويهدي إليه من أناب، أي من رجع عن العناد.
﴿وَتَطْمَئِنُّ﴾ تسكن ﴿بِذِكْرِ اللهِ﴾ أي بتوحيده ووعده ﴿تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ قلوب المؤمنين، والمعنى أن قلوب المؤمنين تسكن وتستأنس بتوحيد الله وتذكر وعده، وتعتمد عليه وترجو منه، فتطمئن.
﴿طُوبى﴾ مصدر من الطيب، أي لهم العيش الطيب والنعمة والخير والسرور، والحسنى والكرامة. وقيل: هي شجرة في الجنة، يسير الراكب في ظلها مائة عام. ﴿مَآبٍ﴾ مرجع ومنقلب.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى عاقبة المؤمن وعاقبة المشرك، بيّن أنه تعالى الذي يبسط الرزق ويقدر في الدنيا؛ لأنها دار امتحان، فبسط الرزق على الكافر لا يدل على كرامته، والتقتير على بعض المؤمنين لا يدل على إهانتهم، فلا تعلق للرزق بالكفر والإيمان، فربما وسع على الكافر دون المؤمن استدراجا له، وضيق على المؤمن دون الكافر زيادة في أجره وثوابه.
ثم ذكر تعالى مقالة للمشركين، كثر في القرآن حكايتها وهي طلب آية
стр. 3985
مادية حسية تدل على نبوة محمد ﷺ ؛ لإنكار هم أن القرآن آية دالة على النبوة، فرد الله عليهم أن اقتراح الآيات على الرسل جهل.
ثم ذكر سبحانه حال المؤمنين المتقين وثوابهم عند الله تعالى. والتحدث عن المشركين والمؤمنين هنا مناسب لما ذكر سابقا من بيان عاقبة المؤمن وعاقبة المشرك.
التفسير والبيان:
لما ذكر الله تعالى أن للمشركين سوء الدار، ناسب ذكر حكم الرزق في الدنيا، وأنه لا تعلق له بالإيمان والكفر، فقال تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ.﴾.
أي أن الله تعالى هو الذي يوسع الرزق على من يشاء، ويقتر على من يشاء، لما له في ذلك من الحكمة والعدل، بصرف النظر عن كون الإنسان مؤمنا أو كافرا، فقد يضيق الله الرزق على المؤمن ابتلاء واختبارا، وزيادة في أجره، وقد يوسع الله الرزق على الكافر استدراجا له وحرمانا منه في الآخرة، عدالة، فليست سعة الرزق للكافر دليلا على الكرامة والرضا، وليس التقتير على المؤمن دليلا على الإهانة والسخط. كما قال تعالى في شأن رزق الكافر: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون ٥٦/ ٢٣] وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٢/ ٧].
ثم ذكر الله تعالى حال المشركين في حال الغنى فقال: ﴿وَفَرِحُوا.﴾. أي وفرح مشركو مكة بالدنيا فرح بطر، ولم يعرفوا غيرها، وجهلوا ما عند الله. لكن ما نعيم الدنيا بالنسبة للآخرة إلا متاع زائل، وشيء قليل ذاهب، يزول بسرعة.
أخرج أحمد ومسلم والترمذي عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله
стр. 3986
صلّى الله عليه وسلّم: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع» وأشار بالسبابة.
وأخرج الترمذي عن ابن مسعود قال: «نام رسول الله ﷺ على حصير، فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك، فقال: ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها».
ولما أوضح تعالى أن المشركين اغتروا بمتاع الحياة الدنيا، وطمست المادة على مشاعرهم وقلوبهم، ذكر ما ترتب على الغرور والتأثر بالمادة، فطلبوا من النبي ﷺ آية واحدة مادية تدل على صدق نبوته، لعدم إيمانهم بكون القرآن معجزة مصدقة، وبرهانا قاطعا على ذلك؛ لأنهم قوم ماديون، لا مجال لمخاطبة العقل لديهم، والقائل: عبد الله بن أبي أمية وأصحابه، فقال تعالى حاكيا اقتراحهم:
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾ ..
أي ويطلب أهل مكة المشركون قائلين: هلا أنزل على محمد آية أو معجزة قاهرة ظاهرة مادية مثل معجزات موسى وعيسى ﵉، كقولهم:
﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء ٥/ ٢١].
والله قادر على إجابة ما سألوا، لكن
جاء في الحديث: «إن الله أوحى إلى رسوله، لما سألوه أن يحول لهم الصفا ذهبا، وأن يجري لهم ينبوعا، وأن يزيح الجبال من حول مكة، فيصير مكانها مروج وبساتين: إن شئت يا محمد أعطيتهم ذلك، فإن كفروا أعذبهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة».
ورد الله عليهم بأن إنزال الآيات لا يؤثر في هداية ولا ضلال، بل الأمر كله بيد الله: ﴿قُلْ: إِنَّ اللهَ يُضِلُّ.﴾. أي ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم، فلا فائدة لكم في نزول الآيات، إن لم يرد الله هدايتكم، فمن كان على
стр. 3987
صفتكم من التصميم والعناد في الكفر، فلا سبيل إلى اهتدائكم، وإن أنزلت كل آية، فإن الضلال والهداية بيد الله، والله يضل من يشاء، أي كما أضلكم بعد ما أنزل من الآيات، وحرمكم الاستدلال بها، يضلكم عند نزول غيرها، ويهدي إليه من أناب، أي رجع عن العناد وأقبل على الحق أو الإسلام أو الله ، فهاء ﴿إِلَيْهِ﴾ عائد إلى واحد من المذكورات؛ على تقدير: ويهدي إلى دينه وطاعته من رجع إليه بقلبه.
وللآية نظائر كثيرة منها: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى، وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام ١١١/ ٦] ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١/ ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ، حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧].
ثم ذكر الله تعالى من يستحقون الهداية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. أي يهدي الله الذين صدقوا بالله ورسله، وسكنت قلوبهم إلى توحيد الله ووعده، أنسا به، واعتمادا عليه، ورجاء منه، ألا بتذكر الله، وتأمل آياته، ومعرفة كمال قدرته عن بصيرة، تطمئن قلوب المؤمنين، ويذهب القلق والاضطراب عنهم، بما وقر في تلك القلوب من نور الإيمان، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩] والمؤمن إذا تذكر عقاب الله، خاف، كما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال ٢/ ٨] وإذا تذكر المؤمن وعده تعالى بالثواب والرحمة، اطمأن قلبه وهدأت نفسه: ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ، زادَتْهُمْ إِيماناً، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال ٢/ ٨].
ثم أبان الله تعالى جزاء المؤمنين فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. أي للذين آمنوا وعملوا الصالحات العيش الطيب والنعمة والخير وحسن الثواب، وحسن المرجع.
стр. 3988
والطوبى في رأي ابن عباس: الجنة، وروي عنه أنها شجرة في الجنة، ورجح القرطبي أنها شجرة في الجنة، فقال: والصحيح أنها شجرة (١)؛
للحديث المرفوع عن عتبة بن عبد السّلمي وهو صحيح على ما ذكره السهيلي: «نعم شجرة تدعى طوبى».
وللحديث المرفوع أيضا عن أبي سعيد الخدري فيما رواه الإمام أحمد:
«طوبى: شجرة في الجنة، مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها»
وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها» ولا حرج على فضل الله ولا على قدرته، ففي الجنة كما ثبت في الحديث الذي أخرجه الجماعة إلا النسائي عن أبي هريرة: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الآتي:
١ - الله تعالى مصدر الرزق، يوسع فيه على من يشاء، ويقتره على من يشاء، على وفق حكمته وعدله.
٢ - الكفار وكل أصحاب النزعات المادية يفرحون في الدنيا، ولا يعرفون غيرها، ويجهلون ما عند الله من أفضال ونعم وخيرات كثيرة.
٣ - ليست الدنيا في جانب الآخرة إلا متاع من الأمتعة، وشيء قليل سريع الزوال.
٤ - اقتراح الآيات على الرسل جهل، بعد أن رأوا آية واحدة تغني عن كل آية، هي القرآن، تدل على الصدق، وصحة النبوة والوحي، وكونه كلام الله.
стр. 3989
٥ - لا تعلق للرزق بالإيمان والكفر، فقد يرزق الله الكافر، ويحرم المؤمن، استدراجا للأول، وابتلاء واختبارا للثاني.
٦ - الإضلال والهداية من الله، وللإنسان دور فيهما، فالكافر هو الذي عاند وعارض ولم يؤمن، فلم يهده الله، والمؤمن هو الذي آمن وعمل الصالحات، فزاده الله هدى.
٧ - للمؤمنين الذين يعملون الصالحات الجنة والخير والنعمة والفرح وحسن المرجع، وفي هذا ترغيب في الطاعة، وتحذير من المعصية، ومن سوء العقاب والمصير.
محمد صاحب الرسالة والرسول وبيان عظمة القرآن
وقدرة الله الشاملة
﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٣٤)﴾
стр. 3990
الإعراب:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً﴾: جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي لكان هذا القرآن. وما بعده جمل فعلية في موضع نصب؛ لأنها صفة قرآن. وجاء ﴿سُيِّرَتْ﴾ و ﴿قُطِّعَتْ﴾ بلفظ التأنيث لتأنيث الجبال والأرض، وجاء ﴿كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ على التذكير، لوجود الفصل الذي يتنزل منزلة إلحاق التأنيث.
﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ﴾ ﴿تَحُلُّ﴾: إما للتأنيث، أي قارعة تحل قريبا من دارهم، وهي جملة فعلية في موضع رفع صفة: قارعة، وتقديره: قارعة حالة، وإما للخطاب، أي أو تحل أنت قريبا من دارهم، وهو معطوف على خبر ﴿وَلا يَزالُ﴾ أي: ولا يزال الكافرون تصيبهم بصنيعهم قارعة، أو حالا أنت قريبا من دارهم.
البلاغة:
﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ﴾: تشبيه مرسل مجمل.
المفردات اللغوية:
﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل ذلك وهو إرسال الرسل، أي كما أرسلنا الأنبياء قبلك أرسلناك ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها﴾ مضت وتقدمتها أمم ﴿لِتَتْلُوَا﴾ تقرأ ﴿الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أي القرآن ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ﴾ حيث قالوا لما أمروا بالسجود له: وما الرحمن؟ أي وهم يجحدون ببليغ الرحمة، فلم يشكروا نعمه ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ لا مستحق للعبادة سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في نصرتي عليكم ﴿وَإِلَيْهِ مَتابِ﴾ مرجعي ومرجعكم.
﴿سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ﴾ أي نقلت عن أماكنها ﴿أَوْ قُطِّعَتْ﴾ شققت فجعلت عيونا وأنهارا، أو تصدعت من خشية الله عند قراءته ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ بأن يحيوا لما آمنوا ﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ
стр. 3991
جَمِيعاً﴾ أي لله القدرة على كل شيء، لا لغيره، فلا يؤمن إلا من شاء إيمانه دون غيره، إن أوتوا ما اقترحوا، وهو إضراب عما تضمنته ﴿لَوْ﴾ من معنى النفي، أي بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك، لعلمه بأن قلوبهم لا تلين له.
﴿يَيْأَسِ﴾ المراد يعلم، وهو لغة هوازن، وهو رأي الأكثر، وقيل: هو يأس على الحقيقة، أي أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمانهم، مع ما رأوا من أحوالهم، علما منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا.
﴿أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ﴾ ﴿أَنَّ﴾: مخففة من الثقيلة، أي أنه لو شاء الله لهدى الناس جميعا إلى الإيمان من غير آية، ومعناه: نفي هدى بعض الناس، لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ﴿بِما صَنَعُوا﴾ بصنعهم أي كفرهم ﴿قارِعَةٌ﴾ داهية تقرعهم بصنوف البلاء من القتل والأسر والحرب والجدب، وتفزعهم وتقلقهم ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ أي القارعة، ويجوز أن يكون الخطاب للرسول ﵊، فإنه حل بجيشه قريبا من دارهم عام الحديبية، أو إنه حل مكة ﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾ بالنصر عليهم، أو الموت أو القيامة أو فتح مكة ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ لامتناع الكذب في كلامه، وقد حل بالحديبية حتى أتى فتح مكة.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ.﴾. أي كما استهزئ بك، وهذه تسلية للنبي ﷺ ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أمهلت مدة طويلة ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ بالعقوبة، أي هو واقع موقعه، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك. وهذه تسلية للنبي ﷺ ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ رقيب وحافظ عليها ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ بما عملت من خير وشر، وهو الله، كمن ليس كذلك من الأصنام، لا ﴿قُلْ: سَمُّوهُمْ﴾ له من هم، أي صفوهم فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ بل تخبرون الله ﴿بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بشريك، والاستفهام إنكار، أي لا شريك له، إذ لو كان لعلمه ﴿أَمْ﴾ بل تسمونهم شركاء ﴿بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ بظن باطل لا حقيقة له في الواقع ﴿مَكْرُهُمْ﴾ كفرهم ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ طريق الهدى ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بالقتل والأسر ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أشد وأنكى منه ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ﴾ من عذابه ﴿مِنْ واقٍ﴾ مانع أو حافظ.
سبب النزول:
نزول الآية (٣١):
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً﴾: أخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس، قال: قالوا للنبي ﷺ : إن كان كما تقول، فأرنا أشياخنا الأول، نكلمهم من الموتى، وافسح لنا هذه الجبال-جبال مكة التي قد ضمتنا، فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ﴾
стр. 3992
الآية. ورواية ابن جرير وأبي الشيخ ابن حيان الأنصاري عن ابن عباس أنهم قالوا: سيّر بالقرآن الجبال، قطّع بالقرآن الأرض، أخرج به موتانا، فنزلت.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عطية العوفي قال: قالوا للنبي ﷺ :
لو سيرت لنا جبال مكة، حتى تتسع، فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض، كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى، كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ : إن كنت نبيا كما تزعم، فباعد جبلي مكة أخشبيها (جبلين فيها) هذين مسيرة أربعة أيام أو خمسة، فإنها ضيقة، حتى نزرع فيها ونرعى، وابعث لنا آباءنا من الموتى، حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي، أو احملنا إلى الشام أو اليمن أو إلى الحيرة، حتى نذهب ونجيء في ليلة، كما زعمت أنك فعلته، فنزلت هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن قص الله علينا ما طلبه المشركون من آيات تثبت نبوة محمد ﷺ ، أوضح أن محمدا كغيره من الرسل مع أقوامهم، طلبوا الآيات من أنبيائهم، وأجابهم الله إلى مطلبهم، ولكنهم لم يؤمنوا، فعذبوا بعذاب الاستئصال.
ولو أرادوا آية، فقد أعطيناك هذا الكتاب، وأنت تتلوه، والله قادر على كل شيء من الإتيان بما اقترحوه، ولكنه لا يحقق المقصود. ثم هددهم الله بداهية تحل بهم، ثم أتبع ذلك بتسلية النبي ﷺ على استهزائهم به.
التفسير والبيان:
مثلما أرسلنا رسلا في الأمم الماضية، أرسلناك يا محمد في هذه الأمة لتبلغهم
стр. 3993
رسالة الله إليهم، وما أوحيناه إليك، وقد كذّب الرسل من قبلك، فلك بهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، قال تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النحل ٦٣/ ١٦] وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ، فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا، حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا، وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ، وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام ٣٤/ ٦].
والخلاصة: إننا أرسلناك بكتاب تبلّغه للناس وتقرؤه عليهم، كما أرسلنا رسلا إلى أمم من قبلك، ولما كذّب الرسل، انظر كيف نصرناهم وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة.
﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ﴾ أي والحال أن هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، لا يقرون به، ولا يشكرون نعمه وفضله، وقالوا: إن له شريكا.
﴿قُلْ: هُوَ رَبِّي، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي قل لهم: إن الرحمن الذي تكفرون به، أنا مؤمن به معترف، مقرّ له بالربوبية والألوهية، فهو متولي أمري وخالقي، وهو ربي لا إله إلا هو، لا رب غيره ولا معبود سواه.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي توكلت عليه في جميع أموري، وفوضتها إليه، ووثقت به.
﴿وَإِلَيْهِ مَتابِ﴾ أي إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه، أو إليه توبتي، بمعنى قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر ٥٥/ ٤٠].
ثم بيّن الله تعالى عظمة القرآن وشأنه وتفضيله على سائر الكتب المنزلة قبله، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً.﴾. أي لو كان هناك في الكتب الماضية كتاب تسيّر بتلاوته الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتشقق وتجعل أنهارا
стр. 3994
وعيونا، أو تكلم به الموتى في قبورها بإحيائهم بقراءته، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، بل هو الأولى لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ولأنه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا لاشتماله على الأدلة الكونية الدالة على وجود الصانع، والأحكام والأنظمة التي تصلح البشر وتسعدهم في الدارين. والآية مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ [الحشر ٢١/ ٥٩].
﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ بل مرجع الأمور كلها إلى الله ، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل الله فلا هادي له، ومن يهد الله فما له من مضل، فهو سبحانه صاحب الإرادة والأمر في إنزال الآيات، وهو القادر على كل شيء، فلو كان تحقيق طلب ما اقترحوه مناسبا مشتملا على الحكمة والمصلحة، لأنجزه تعالى، ولكن كفى بالقرآن آية لأولي الألباب، والإرادة الإلهية لم تتعلق بغير ذلك؛ لعلمه تعالى ألا فائدة في مجاراتهم، وأن قلوبهم لا تلين، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فكان الإضلال والهداية مرتبطا بنظام السببية، أي أن الله أنزل في القرآن آيات كافية للهداية، فمن أعرض عنها ضل، فكان ترك الآيات سببا في ضلاله.
﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ.﴾. أي ألم يعلم المؤمنون أن الله قادر لو شاء على هداية الناس أجمعين إلى الإيمان بالقرآن.
أو ألم ييأس الذين آمنوا من إيمان جميع الخلق، ويعلموا أو يتبينوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا إلى دينه، فإنه ليس ثم حجة ولا معجزة أبلغ، ولا أنجع في العقول والنفوس من هذا القرآن.
ثبت في الصحيح الذي رواه البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله
стр. 3995
البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». والمراد: أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار، قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله.
﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. أي لا تزال القوارع والبلايا من القتل والأسر، والسلب تصيب الكافرين في الدنيا بسبب تكذيبهم لك وتماديهم في الكفر، أو تصيب من حولهم ليتعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف ٢٧/ ٤٦].
﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾ حتى ينجز الله وعده لك فيهم، بنصرك عليهم، وهو فتح مكة كما قال ابن عباس وآخرون، أو حتى ينتهي هذا العالم بالنسبة لكفار آخرين.
﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ إن الله ينجز وعده الذي وعدك به، من النصر عليهم، ولا ينقض وعده لرسله بالنصر لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ، إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ﴾ [إبراهيم ٤٧/ ١٤].
ثم أنزل الله تسلية لنبيه عن استهزائهم بطلب هذه الآيات، وتخفيفا عما كان يشق عليه من ذلك، وعن تكذيب بعض قومه، فقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ.﴾. أي إن كذّبك بعض قومك واستهزأ بك المشركون منهم، وطلبوا آيات منك عنادا ومكابرة، فاصبر على أذاهم، فلك في الرسل المتقدمين أسوة، ثم بين تعالى شأنه معهم فقال: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي أنظرتهم وأجّلتهم مدة من الزمان، ثم أوقعت بهم العذاب، فانظر كيف عقابي لهم حين عاقبتهم، كما قال