جَمِيعاً﴾ أي لله القدرة على كل شيء، لا لغيره، فلا يؤمن إلا من شاء إيمانه دون غيره، إن أوتوا ما اقترحوا، وهو إضراب عما تضمنته ﴿لَوْ﴾ من معنى النفي، أي بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك، لعلمه بأن قلوبهم لا تلين له.
﴿يَيْأَسِ﴾ المراد يعلم، وهو لغة هوازن، وهو رأي الأكثر، وقيل: هو يأس على الحقيقة، أي أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمانهم، مع ما رأوا من أحوالهم، علما منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا.
﴿أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ﴾ ﴿أَنَّ﴾: مخففة من الثقيلة، أي أنه لو شاء الله لهدى الناس جميعا إلى الإيمان من غير آية، ومعناه: نفي هدى بعض الناس، لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ﴿بِما صَنَعُوا﴾ بصنعهم أي كفرهم ﴿قارِعَةٌ﴾ داهية تقرعهم بصنوف البلاء من القتل والأسر والحرب والجدب، وتفزعهم وتقلقهم ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ أي القارعة، ويجوز أن يكون الخطاب للرسول ﵊، فإنه حل بجيشه قريبا من دارهم عام الحديبية، أو إنه حل مكة ﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾ بالنصر عليهم، أو الموت أو القيامة أو فتح مكة ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ لامتناع الكذب في كلامه، وقد حل بالحديبية حتى أتى فتح مكة.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ.﴾. أي كما استهزئ بك، وهذه تسلية للنبي ﷺ ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أمهلت مدة طويلة ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ بالعقوبة، أي هو واقع موقعه، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك. وهذه تسلية للنبي ﷺ ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ رقيب وحافظ عليها ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ بما عملت من خير وشر، وهو الله، كمن ليس كذلك من الأصنام، لا ﴿قُلْ: سَمُّوهُمْ﴾ له من هم، أي صفوهم فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ بل تخبرون الله ﴿بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بشريك، والاستفهام إنكار، أي لا شريك له، إذ لو كان لعلمه ﴿أَمْ﴾ بل تسمونهم شركاء ﴿بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ بظن باطل لا حقيقة له في الواقع ﴿مَكْرُهُمْ﴾ كفرهم ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ طريق الهدى ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بالقتل والأسر ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أشد وأنكى منه ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ﴾ من عذابه ﴿مِنْ واقٍ﴾ مانع أو حافظ.
سبب النزول:
نزول الآية (٣١):
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً﴾: أخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس، قال: قالوا للنبي ﷺ : إن كان كما تقول، فأرنا أشياخنا الأول، نكلمهم من الموتى، وافسح لنا هذه الجبال-جبال مكة التي قد ضمتنا، فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ﴾
стр. 3992
الآية. ورواية ابن جرير وأبي الشيخ ابن حيان الأنصاري عن ابن عباس أنهم قالوا: سيّر بالقرآن الجبال، قطّع بالقرآن الأرض، أخرج به موتانا، فنزلت.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عطية العوفي قال: قالوا للنبي ﷺ :
لو سيرت لنا جبال مكة، حتى تتسع، فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض، كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى، كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ : إن كنت نبيا كما تزعم، فباعد جبلي مكة أخشبيها (جبلين فيها) هذين مسيرة أربعة أيام أو خمسة، فإنها ضيقة، حتى نزرع فيها ونرعى، وابعث لنا آباءنا من الموتى، حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي، أو احملنا إلى الشام أو اليمن أو إلى الحيرة، حتى نذهب ونجيء في ليلة، كما زعمت أنك فعلته، فنزلت هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن قص الله علينا ما طلبه المشركون من آيات تثبت نبوة محمد ﷺ ، أوضح أن محمدا كغيره من الرسل مع أقوامهم، طلبوا الآيات من أنبيائهم، وأجابهم الله إلى مطلبهم، ولكنهم لم يؤمنوا، فعذبوا بعذاب الاستئصال.
ولو أرادوا آية، فقد أعطيناك هذا الكتاب، وأنت تتلوه، والله قادر على كل شيء من الإتيان بما اقترحوه، ولكنه لا يحقق المقصود. ثم هددهم الله بداهية تحل بهم، ثم أتبع ذلك بتسلية النبي ﷺ على استهزائهم به.
التفسير والبيان:
مثلما أرسلنا رسلا في الأمم الماضية، أرسلناك يا محمد في هذه الأمة لتبلغهم
стр. 3993
رسالة الله إليهم، وما أوحيناه إليك، وقد كذّب الرسل من قبلك، فلك بهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، قال تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النحل ٦٣/ ١٦] وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ، فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا، حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا، وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ، وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام ٣٤/ ٦].
والخلاصة: إننا أرسلناك بكتاب تبلّغه للناس وتقرؤه عليهم، كما أرسلنا رسلا إلى أمم من قبلك، ولما كذّب الرسل، انظر كيف نصرناهم وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة.
﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ﴾ أي والحال أن هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، لا يقرون به، ولا يشكرون نعمه وفضله، وقالوا: إن له شريكا.
﴿قُلْ: هُوَ رَبِّي، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي قل لهم: إن الرحمن الذي تكفرون به، أنا مؤمن به معترف، مقرّ له بالربوبية والألوهية، فهو متولي أمري وخالقي، وهو ربي لا إله إلا هو، لا رب غيره ولا معبود سواه.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي توكلت عليه في جميع أموري، وفوضتها إليه، ووثقت به.
﴿وَإِلَيْهِ مَتابِ﴾ أي إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه، أو إليه توبتي، بمعنى قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر ٥٥/ ٤٠].
ثم بيّن الله تعالى عظمة القرآن وشأنه وتفضيله على سائر الكتب المنزلة قبله، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً.﴾. أي لو كان هناك في الكتب الماضية كتاب تسيّر بتلاوته الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتشقق وتجعل أنهارا
стр. 3994
وعيونا، أو تكلم به الموتى في قبورها بإحيائهم بقراءته، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، بل هو الأولى لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ولأنه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا لاشتماله على الأدلة الكونية الدالة على وجود الصانع، والأحكام والأنظمة التي تصلح البشر وتسعدهم في الدارين. والآية مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ [الحشر ٢١/ ٥٩].
﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ بل مرجع الأمور كلها إلى الله ، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل الله فلا هادي له، ومن يهد الله فما له من مضل، فهو سبحانه صاحب الإرادة والأمر في إنزال الآيات، وهو القادر على كل شيء، فلو كان تحقيق طلب ما اقترحوه مناسبا مشتملا على الحكمة والمصلحة، لأنجزه تعالى، ولكن كفى بالقرآن آية لأولي الألباب، والإرادة الإلهية لم تتعلق بغير ذلك؛ لعلمه تعالى ألا فائدة في مجاراتهم، وأن قلوبهم لا تلين، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فكان الإضلال والهداية مرتبطا بنظام السببية، أي أن الله أنزل في القرآن آيات كافية للهداية، فمن أعرض عنها ضل، فكان ترك الآيات سببا في ضلاله.
﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ.﴾. أي ألم يعلم المؤمنون أن الله قادر لو شاء على هداية الناس أجمعين إلى الإيمان بالقرآن.
أو ألم ييأس الذين آمنوا من إيمان جميع الخلق، ويعلموا أو يتبينوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا إلى دينه، فإنه ليس ثم حجة ولا معجزة أبلغ، ولا أنجع في العقول والنفوس من هذا القرآن.
ثبت في الصحيح الذي رواه البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله
стр. 3995
البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». والمراد: أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار، قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله.
﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. أي لا تزال القوارع والبلايا من القتل والأسر، والسلب تصيب الكافرين في الدنيا بسبب تكذيبهم لك وتماديهم في الكفر، أو تصيب من حولهم ليتعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف ٢٧/ ٤٦].
﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾ حتى ينجز الله وعده لك فيهم، بنصرك عليهم، وهو فتح مكة كما قال ابن عباس وآخرون، أو حتى ينتهي هذا العالم بالنسبة لكفار آخرين.
﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ إن الله ينجز وعده الذي وعدك به، من النصر عليهم، ولا ينقض وعده لرسله بالنصر لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ، إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ﴾ [إبراهيم ٤٧/ ١٤].
ثم أنزل الله تسلية لنبيه عن استهزائهم بطلب هذه الآيات، وتخفيفا عما كان يشق عليه من ذلك، وعن تكذيب بعض قومه، فقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ.﴾. أي إن كذّبك بعض قومك واستهزأ بك المشركون منهم، وطلبوا آيات منك عنادا ومكابرة، فاصبر على أذاهم، فلك في الرسل المتقدمين أسوة، ثم بين تعالى شأنه معهم فقال: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي أنظرتهم وأجّلتهم مدة من الزمان، ثم أوقعت بهم العذاب، فانظر كيف عقابي لهم حين عاقبتهم، كما قال
стр. 3996
تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها، وَهِيَ ظالِمَةٌ، ثُمَّ أَخَذْتُها، وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج ٤٨/ ٢٢]
وجاء في الصحيحين: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾». والمراد بالآية أني سأنتقم من هؤلاء الكفار، كما انتقمت من أولئك المتقدمين.
ثم ذكر الله تعالى ما يكون توبيخا لهم على موقفهم وعقلهم، وما يدعو إلى التعجب منهم فقال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ.﴾. أي إن الله مطلع على كل نفس، عالم بما يكسبونه من أعمال الخير أو الشر، ولا يخفى عليه خافية، قادر على كل شيء كما قال: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ، وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ، وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس ٦١/ ١٠] ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ [الأنعام ٥٩/ ٦] ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها، كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود ٦/ ١١].
وبما أن الله قادر على كل شيء وعالم بكل شيء، فكيف يجعلون القادر العالم كمن لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا، وكيف يتخذونه ربا يطلبون منه النفع ودفع الضر؟! والمراد نفي المماثلة.
ثم أكد تعالى ما سبق بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ أي واتخذوا شركاء لله، عبدوها معه، من أصنام وأوثان وأنداد.
ثم وبخهم مرة أخرى بقوله: ﴿قُلْ: سَمُّوهُمْ﴾ أي صفوهم لنا، وأعلمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا، فإنهم لا حقيقة لهم، وليسوا أهلا للعبادة لعدم نفعهم وضرهم.
﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بل أتخبرونه بشركاء معبودين لا وجود لهم؛ لأنه لو كان لها وجود في الأرض، لعلمها؛ لأنه لا تخفى عليه
стр. 3997
خافية. وهذا نفي لوجودها. والاستفهام: استفهام توبيخ.
﴿أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي بل أتسمونهم شركاء بظن من القول أنهم ينفعون ويضرون، أم بباطل من القول، أي إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر، وسميتموها آلهة كما قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ، ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ، وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ، وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ [النجم ٢٣/ ٥٣].
والخلاصة: إن آية ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ.﴾. حجاج للمشركين وتوبيخ لهم وتعجيب من عقولهم، ويقصد منه نفي الدليل العقلي والدليل النقلي على استحقاق تلك الشركاء للعبادة ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ أي لا فائدة من هذا النقاش أو الحجاج معهم، فإنهم قوم زيّن لهم كفرهم وكيدهم: وهو ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار، كقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت ٢٥/ ٤١].
﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي وصرفوا عن سبيل الحق وسبيل الله والدين القويم، بما زين لهم من صحة ما هم عليه.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ.﴾. أي ومن يخذله الله لكفره وعصيانه، فما له من أحد يوفقه إلى الهداية وسلوك طريق النجاة والسعادة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ [المائدة ٤١/ ٥] وقوله سبحانه: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ، فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ، وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [النحل ٣٧/ ١٦].
ثم ذكر الله تعالى جزاءهم فقال: ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي لهم
стр. 3998
عقاب شديد في الدنيا بأيدي المؤمنين بالقتل والأسر والذلة والحرب، أو البلايا في أجسامهم ونحو ذلك من المصائب.
﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أي والعذاب المدخر في الآخرة أشد وأنكى من عذاب الدنيا، كما
قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين فيما رواه مسلم عن ابن عمر:
«إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» لأن عذاب الدنيا مؤقت، وذاك دائم أبدا في نار، هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفا.
﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ أي وما لهم ساتر يقيهم ويحفظهم من العذاب ويحميهم، ولا شفاعة لأحد عند الله إلا بإذنه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إرسال الرسل قبل إرسال محمد ﷺ كان ظاهرة عامة، قد يؤمن بهم بعض أقوامهم، وقد يكذبهم الأكثرون، ويكفرون بالرحمن.
٢ - كما أرسل الله رسلا إلى أمم وأعطاهم كتبا تتلى عليهم، كذلك أعطى الله نبيه محمدا ﷺ هذا الكتاب (القرآن) وهو يتلوه عليهم، فلماذا اقترحوا غيره.
٣ - الله هو الإله بحق الذي لا إله غيره، ولا معبود سواه، وهو واحد بذاته، وإن اختلفت صفاته، عليه يتوكل العبد ويعتمد ويثق، وإليه مرجع العباد غدا، وعليه يتوكل المؤمن اليوم وفي كل وقت، رضى بقضائه، وتسليما لأمره.
٤ - لو كان هناك كتاب سماوي يقوم بنقل الجبال من أماكنها، وتفجير الأنهار والعيون وشق الأرض، وتكليم الموتى لإحيائها، لكان هذا القرآن، ولو فعل هذا قرآن قبل قرآنكم لفعله قرآنكم.
стр. 3999
٥ - ليعلم البشر أن الله لو يشاء لهدى الناس جميعا من غير أن يشاهدوا الآيات، ويروا المعجزات، وينظروا في دلائل الكون. ولكن ما شاء تعالى هداية جميع الناس.
٦ - لا يزال الكافرون في كل زمان تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة، أو أسر أو جدب أو زلزال أو بركان، أو غيرها من العذاب والبلاء كما نزل بالمستهزئين، وهم رؤساء قريش.
وقد تصيب من حولهم ممن هو قريب منهم، فيتأثرون بالعذاب.
٧ - دلت آية ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ على تسلية النبي ﷺ والتبصير له على سفاهة قومه، فإن أقوام سائر الأنبياء استهزءوا بهم، كما أن قومك يستهزئون بك. ودلت أيضا على تهديدهم، فإنه تعالى يمهلهم مدة ليؤمن من علم الله أنه يؤمن منهم، ثم لما حق القضاء أخذهم بالعقوبة، وكما صنع بمن قبلهم يصنع بمشركي مكة، وبكل الكفار في كل زمان.
٨ - لا مماثلة إطلاقا بين الله تعالى النافع والضارّ بسبب فعل العبد وبين الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، فالله تعالى هو القادر على كل شيء، وهو العالم بكل شيء، وتقدير الآية: أفمن هو قائم على كل نفس بالرقابة والحفظ بما كسبت كشركائهم التي لا تضر ولا تنفع؟! ٩ - ليس للأصنام حقيقة تذكر، فلا وجود للشركاء مع الله، وما يعتمد عليه المشركون إن هو إلا مجرد ظن لا يغني من الحق شيئا، وباطل من القول لا يفيد شيئا، وكل ما في الأمر أن الشيطان زين لهم سوء اعتقادهم وصدهم عن سبيل الله ودينه الحق، أو زين لهم ضلالهم وكفرهم.
١٠ - من يخذله الله ويعلم أنه لا يهتدي، فماله من هاد يقدر على هدايته وتوفيقه والأخذ بيده إلى طريق النجاة والسعادة.
стр. 4000
١١ - للمشركين الصادّين عن الحق ودين التوحيد العذاب في الدنيا بالقتل والسبي والأسر والذم والإهانة، وغير ذلك من الأسقام والأمراض والمصائب، والعذاب الأشد في الآخرة، وليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله، ولا دافع يدفعه عنهم.
ففي الآية إخبار بأنه تعالى جمع لهم بين عذاب الدنيا، وبين عذاب الآخرة الذي هو أشق، وأنه لا دافع لهم عنه، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
صفة الجنّة وموقف أهل الكتاب من نبوّة النّبي ﷺ
وشبهات المشركين حولها
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)﴾
الإعراب:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ مبتدأ مرفوع، وخبره إما محذوف، تقديره: فيما يتلى عليكم مثل الجنّة، وهو قول سيبويه، وإما قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ وهو قول الفرّاء.
стр. 4001
﴿حُكْماً عَرَبِيًّا﴾ منصوب على الحال.
البلاغة:
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ﴾ تشبيه مرسل مجمل.
﴿أُكُلُها دائِمٌ، وَظِلُّها﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي وظلّها دائم، حذف منه الخبر بدليل السابق.
﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ فيه من المحسنات البديعية ما يسمّى المقابلة.
﴿أَرْسَلْنا رُسُلاً﴾ فيهما جناس اشتقاق.
﴿يَمْحُوا﴾ .. ﴿وَيُثْبِتُ﴾ بينهما طباق.
﴿قُلْ: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ﴾ فيه قصر إضافي من قصر الموصوف على الصفة، أي ليس لك إلا الأمر بعبادة الله.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾ من باب التّهييج والإلهاب والبعث للسّامعين على الثّبات في الدّين والتّصلّب فيه، وعدم التأثّر بالشّبهة بعد التّمسّك بالحجة، وإلا فكان رسول الله ﷺ من شدّة الشّكيمة بمكان.
المفردات اللغوية:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ أي صفتها التي هي مثل في الغرابة. ﴿أُكُلُها﴾ ما يؤكل فيها. ﴿دائِمٌ﴾ لا ينقطع ثمرها ولا يفنى. ﴿وَظِلُّها﴾ واحد الظّلال، فيه خبر محذوف، أي دائم لا تنسخه شمس لعدمها فيها. ﴿تِلْكَ عُقْبَى﴾ أي الجنة عاقبة ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشّرك ومآلهم ومنتهى أمرهم.
﴿وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ لا غير، وفي ترتيب النّظمين إطماع للمتّقين وإقناط للكافرين.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني المسلمين من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه من مؤمني اليهود، ومن آمن من النّصارى، وهم ثمانون رجلا: أربعون بنجران، وثمانية باليمن، واثنان وثلاثون بالحبشة، أو عامّتهم، فإنهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم.
﴿الْأَحْزابِ﴾ جمع حزب: وهو الطّائفة المتحزّبة، أي المجتمعة لشأن من الشؤون كحرب أو مكيدة ونحوهما، وهم الذين تحزّبوا عليك من المشركين واليهود، مثل كعب بن الأشرف اليهودي وأصحابه. ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وهو ما يخالف شرائعهم أو ما يوافق ما حرّفوه منها، وكذكر الرّحمن وما عدا القصص. ﴿قُلْ: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ﴾ جواب للمنكرين، أي قل لهم: إنّي أمرت فيما
стр. 4002
أنزل إليّ بأن أعبد الله وأوحّده، ولا سبيل إلى إنكاره؛ وأما ما تنكرونه مما يخالف شرائعكم فليس ببدع اختلاف الشّرائع والكتب الإلهية في جزئيات الأحكام. ﴿إِلَيْهِ أَدْعُوا﴾ لا إلى غيره. ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ وإليه مرجعي للجزاء، لا إلى غيره، وهذا هو القدر المتّفق عليه بين الأنبياء، وأما ما عدا ذلك من التّفاريع فمما يختلف بالأعصار والأمم، فلا معنى لإنكارهم الاختلاف فيه.
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ﴾ أي مثل هذا الإنزال المشتمل على أصول الديانات المجمع عليها. ﴿أَنْزَلْناهُ حُكْماً﴾ أي أنزلنا القرآن يحكم بين الناس في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة. ﴿عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب، ليسهل لهم حفظه وفهمه. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾ أي الكفار فيما يدعونك إليه من ملّتهم على سبيل الافتراض، كالصّلاة إلى قبلتهم بعد ما حوّلت عنها. ﴿بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ينسخ ذلك. ﴿وَلِيٍّ﴾ ناصر. ﴿واقٍ﴾ حافظ أو مانع من عذابه، أي مالك من أحد ينصرك، ويمنع العقاب عنك، وهو حسم لأطماعهم، وتهييج للمؤمنين على الثّبات على دينهم.
﴿أَزْواجاً﴾ نساء. ﴿وَذُرِّيَّةً﴾ أولادا، كما هي لك. ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ﴾ وما صحّ له ولم يكن في وسعه. ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ تقترح عليه، وحكم يلتمس منه. ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ بمشيئته وإرادته، فإنهم عبيد مربوبون لله تعالى. ﴿أَجَلٍ﴾ مدة أو وقت. ﴿كِتابٌ﴾ مكتوب فيه تحديده، أي لكل وقت وأمد تحديد أو حكم معين يكتب على العباد، على ما يقتضيه استصلاحهم.
﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ﴾ ينسخ ما يستصوب نسخه. ﴿وَيُثْبِتُ﴾ يبقي ما يشاء من الأحكام حسبما تقتضي حكمته، وقيل: يمحو سيئات التائب، ويثبت الحسنات مكانها. ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ أي أصل الكتب، وهو اللوح المحفوظ، وهو الذي لا يتغيّر منه شيء، وهو ما كتبه في الأزل، فما من كائن إلا وهو مكتوب فيه، أو العلم الإلهي.
سبب النّزول:
نزول الآية (٣٨):
قال الكلبي: عيّرت اليهود رسول الله ﷺ وقالت: ما نرى لهذا الرّجل مهمّة إلا النّساء والنّكاح، ولو كان نبيّا كما زعم، لشغله أمر النّبوة عن النّساء، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ، وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً﴾ (١).
стр. 4003
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قالت قريش حين أنزل: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾: ما نراك يا محمد تملك من شيء، لقد فرغ من الأمر، فأنزل الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (١).
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى عذاب الكفار في الدّنيا والآخرة، أتبعه بذكر ثواب المتّقين وما أعدّه للمؤمنين من جنّات النّعيم، وذلك هو شأن القرآن الكريم، إذا وصف النّار وعذابها، ذكر الجنّة ونعيمها، مثل المذكور في سورة الفرقان: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ، وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً. إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ، سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً. وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ، دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً. لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً، وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً. قُلْ: أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً. لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ، كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً﴾ [١١ - ١٦].
ثم ذكر تعالى فرح مؤمني أهل الكتاب بتوافق القرآن مع المنزل إليهم من ربّهم، وإنكار فئة آخرين لذلك.
ثم أورد الله تعالى شبهات المشركين لإبطال نبوّة النّبي ﷺ ، كالطّعن بتعدّد الزّوجات، وعجزه عن الإتيان بالمعجزات، فردّ الله عليهم بأن محمدا ﷺ كسائر الأنبياء له أزواج وأولاد، وأن أمر المعجزات مفوّض إلى الله تعالى، لا إلى أحد سواه، وأن إنزال العذاب محدد بأجل معيّن، ولكلّ أجل كتاب، أي لكل حادث وقت معيّن.
стр. 4004
التّفسير والبيان:
فيما نقصّه عليك، أو فيما يتلى عليك صفة الجنّة ونعتها الذي يشبه المثل في الغرابة، تلك الجنّة التي وعدها الله للمتّقين، ذات أنهار تجري في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها، يفجّرونها تفجيرا، ويوجّهونها حيث أرادوا، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ، كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ، وَسُقُوا ماءً حَمِيماً، فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ [محمّد ١٥/ ٤٧].
﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ أي ما يؤكل فيها من الفواكه والمطاعم والمشارب لا ينقطع، ولا يفنى، وكذلك ظلّها دائم لا ينسخ ولا يزول، فليس فيها شمس ولا حرّ ولا برد: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الدّهر ١٣/ ٧٦]. وفي الصّحيحين من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه: قالوا:
يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: «إنّي رأيت الجنّة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدّنيا».
وبعد وصف الجنّة بهذه الصّفات الثلاث، قال تعالى: ﴿تِلْكَ عُقْبَى.﴾.
أي تلك الجنّة هي عاقبة ومصير أهل التّقوى، وعاقبة الكافرين النار، بسبب كفرهم وذنوبهم، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر ٢٠/ ٥٩].
والمراد أن ثواب المتّقين منافع خالصة عن الشّوائب موصوفة بصفة الدّوام.
والآية إطماع للمؤمنين المتّقين، وإقناط للكافرين.
ثم ذكر الله تعالى انقسام أهل الكتاب فئتين من القرآن، فقال: ﴿وَالَّذِينَ
стр. 4005
آتَيْناهُمُ﴾ أي والذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنّصارى قسمان: فالقائمون بمقتضاه يفرحون بما أنزل إليك من القرآن الكريم؛ لما في كتبهم من الشواهد على صدقه، والبشارة به، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة ١٢١/ ٢]، وهم جماعة من اليهود كعبد الله بن سلام وأصحابه، وجماعة من النّصارى وهم ثمانون رجلا من الحبشة واليمن ونجران.
ومن الأحزاب، أي ومن جماعة أهل الكتاب الذين تحزّبوا على رسول الله ﷺ ، مثل كعب بن الأشرف اليهودي، والسيد والعاقب أسقفيّ نجران وأتباعهم، من ينكر بعض ما جاءك من الحقّ، وهو ما لم يوافق شرائعهم أو ما حرّفوه منها.
وأمام هذا الانقسام في الرأي بين اليهود والنّصارى بالنّسبة للقرآن الكريم ذكر تعالى طريق النّجاة والسّعادة، فقال: ﴿قُلْ: إِنَّما أُمِرْتُ.﴾. أي قل يا محمد: إنّما بعثت بعبادة الله وحده لا شريك له، كما أرسل الأنبياء من قبلي، فإلى سبيله وطاعته وعبادته أدعو الناس، وإليه وحده مرجعي ومصيري ومصيركم للجزاء والحساب.
وذلك كقوله تعالى: ﴿قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٦٤/ ٣].
والآية تشير إلى مبدأ التّوحيد ورفض الشّرك، كما تشير إلى مبدأ البعث والحساب والجزاء يوم القيامة.
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا﴾ أي وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب، كذلك أنزلنا عليك القرآن الكريم محكما لا زيغ فيه، معربا
стр. 4006
بلسان قومك، ليسهل عليهم فهمه وحفظه. وهذا دليل على أن كلّ رسول أرسل بلغة قومه، كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤/ ١٤].
وأراد بالحكم: أنه يفصل بين الحقّ والباطل، ويحكم في الأمور، مبيّنا الحلال والحرام، والشّرائع والأنظمة المؤدية إلى سعادتي الدّنيا والآخرة.
ثم قال تعالى على سبيل الافتراض: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ.﴾. أي ولئن اتّبعت آراءهم وجاملتهم، كالتّوجّه إلى قبلتهم في بيت المقدس بعد تحويلها إلى البيت الحرام، فليس لك ناصر ينصرك من الله، ولا حافظ ولا مانع يمنع عنك العقاب، وينقذك من العذاب. وهذا تعريض بهم على طريقة: (إياك أعني واسمعي يا جارة) وهو وعيد شديد لأهل العلم أن يتّبعوا سبل أهل الضّلالة، بعد ما عرفوا الدّين الحقّ، وهو أيضا حسم وقطع لأطماع الكفار، وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم. والخطاب للنّبي ﷺ ، والمراد: الأمة.
ثمّ ردّ الله تعالى على طعن المشركين على النّبي ﷺ بتعدّد الزّوجات، فقال:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً.﴾. أي وكما أرسلناك يا محمد رسولا بشرا، كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشرا، يأكلون الطّعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزّوجات، ولهم ذريّة وأولاد، قال تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف ١١٠/ ١٨]، و
في الصّحيحين عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: «أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي»، و
روى الإمام أحمد والتّرمذي عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع من سنن المرسلين: التّعطّر، والنّكاح، والسّواك، والحناء».
أما تعدّد زوجات النبي بعد سنّ الأربع والخمسين-وهي سنّ تضعف فيه عادة
стр. 4007
الرغبة إلى النّساء-فكان من أجل نشر الدّعوة الإسلامية، وما تقتضيه المصلحة في التّأليف بين القبائل العربية، وضرب المثل في الأخلاق والعدل بين الزّوجات والرّأفة ببعض النّساء تعويضا عن زوجها الذي فقدته في الجهاد أو غيره.
ثمّ ردّ الله على طعنهم بعجزه عن تلبية ما اقترحوه من آيات فقال:
﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ.﴾ ..
أي وما صحّ لرسول ولم يكن في وسعه أن يأتي قومه بمعجزة أو خارق للعادة، إلا إذا أذن له فيه، ليس ذلك إليه، بل إلى الله ، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وقد جاءكم القرآن الكريم معجزة خالدة على ممر الزّمان، فيه تحدّ وإفحام يثبت كونه من عند الله تعالى.
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ.﴾. لكلّ حادث وقت معيّن وزمن محدد، فالآيات تأتي في وقتها لحكمة وفي زمن يعلمه الله، وكلّ شيء عنده بمقدار: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩/ ٥٤]، فقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ أي لكلّ مدّة كتاب مكتوب، مثل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام ٦٧/ ٦]. وقال الزّمخشري: لكل وقت حكم يكتب على العباد، أي يفرض عليهم ما يقتضيه صلاحهم، والشّرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات. فشرائع الأنبياء السّابقين كموسى وعيسى ﵉، ثمّ شريعة محمد ﷺ جاءت فيما يناسب عصورها، وأعمار النّاس وآجالهم وأرزاقهم وحدوث أعمالهم لها أوقات محددة لا تتقدّم ولا تتأخّر كما قال تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف ٣٤/ ٧].
﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ.﴾. أي ينسخ الله ما شاء وما يستصوب نسخه من الشّرائع، ويثبت بدله ما أراد إثباته وما رأى المصلحة في إثباته، وهو القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه، أو يتركه غير منسوخ.
أو يمحو من ذلك الكتاب ما يشاء أن يوقعه بأهله ويأتي به.
стр. 4008
﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ أصل كلّ كتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأن كلّ كائن مكتوب فيه، أو عنده الذي لا يتغيّر منه شيء، أو علم الله وجميع ما يقع في صحف الملائكة لا يكون إلا موافقا لما يثبت فيه، فهو الأمّ لذلك.
قال ابن عمر: سمعت النّبي ﷺ يقول: «يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا السّعادة والشّقاوة والموت». وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا أشياء: الخلق والخلق والأجل والرّزق والسّعادة والشّقاوة.
قال ابن كثير: ومعنى الآية أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء (١)، وقد يستأنس لهذا القول
بما رواه الإمام أحمد والنّسائي وابن ماجه عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرّجل ليحرم الرّزق بالذّنب يصيبه، ولا يردّ القضاء إلا الدّعاء، ولا يزيد في العمر إلا البرّ»
وفي رواية الحاكم «الدعاء يرد القضاء، وإن البر يزيد في الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه». وثبت في الصّحيح أن صلة الرّحم تزيد في العمر،
وفي حديث آخر: «إنّ الدّعاء والقضاء ليعتلجان بين السّماء والأرض».
والخلاصة: إن الآية عامة في جميع الأشياء، والمحو والإثبات وارد فيها، وأصل الكتاب لا يتغيّر، واستثناء السّعادة والشّقاء والخلق والخلق والرّزق؛ لأنها أمور لا تتغيّر، وهي مما لا يدرك بالرّأي والاجتهاد، وإنما يؤخذ عن النّبي ﷺ ، فإن صحّ فالقول به يجب (٢).
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
стр. 4009
١ - الجنّة مخلوقة أعدّها الله للمتّقين، وقال تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣/ ٣].
٢ - ثمر الجنّة لا ينقطع، وظلّها لا يزول، وهذا ردّ على الجهميّة في زعمهم أن نعيم الجنّة يزول ويفنى.
٣ - النّار أيضا مخلوقة أعدّها الله للكافرين المكذّبين، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ، أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤/ ٢].
٤ - بعض اليهود والنّصارى كابن سلام وسلمان الفارسي، والذين جاؤوا من الحبشة يفرح بالقرآن الكريم، لتصديقه كتبهم. ويفرح بذكر الرّحمن لكثرة ذكره في التّوراة.
قال أكثر العلماء: كان ذكر الرّحمن في القرآن قليلا في أول ما نزل، فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه، ساءهم قلّة ذكر الرّحمن في القرآن، مع كثرة ذكره في التّوراة؛ فسألوا النّبي ﷺ عن ذلك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ: اُدْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ، أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ فقالت قريش: ما بال محمد يدعو إلى إله واحد، فأصبح اليوم يدعو إلهين، الله والرّحمن! والله ما نعرف الرّحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذّاب؛ فنزلت: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ﴾، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ﴾ ففرح مؤمنو أهل الكتاب بذكر الرّحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.
٥ - ومن الأحزاب يعني مشركي مكّة، ومن لم يؤمن من اليهود والنّصارى والمجوس، أو هم العرب المتحزّبون على النّبي ﷺ ، من ينكر بعض ما في القرآن الكريم؛ لأن فيهم من كان يعترف ببعض الأنبياء، وفيهم من كان يعترف بأن الله خالق السّموات والأرض.
٦ - دعوة النّبي ﷺ الناس مقصورة على الدّعوة إلى عبادة الله وحده
стр. 4010
لا شريك له، وإلى الإيمان بالبعث والحساب والجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ أي إلى عبادته أدعو النّاس، وأرجع في أموري كلّها.
٧ - كما أنزل الله تعالى الكتب على الرّسل بلغاتهم، كذلك أنزل القرآن الكريم إلى النّبي ﷺ عربيّا، أي بلسان العرب. والمراد بالحكم: ما فيه من الأحكام.
وقيل: أراد بالحكم العربي: القرآن كلّه؛ لأنه يفصل بين الحقّ والباطل ويحكم.
٨ - من اتّبع أهواء المشركين في عبادة ما دون الله تعالى، وفي الاتّجاه إلى غير الكعبة، بعد أن قام الدّليل العلمي القاطع على صدق رسالة القرآن الكريم والنّبي ﷺ ، ليس له ناصر ينصره، ولا واق يمنع من عذابه.
٩ - الأنبياء قاطبة بشر، يقضون ما أحلّ الله من شهوات الدّنيا، ولهم زوجات وأولاد، وإنما التّخصيص بالوحي.
١٠ - آية ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً﴾ تدلّ على التّرغيب في النّكاح والحضّ عليه، وتنهى عن التّبتّل، وهو ترك النّكاح، وهذه سنّة المرسلين، كما نصّت عليه هذه الآية، والسّنّة واردة بمعناها،
قال ﷺ فيما رواه البيهقي وهو ضعيف: «تزوّجوا فإنّي مكاثر بكم الأمم»
وقال فيما رواه الطبراني عن أنس، وهو ضعيف: «من تزوّج فقد استكمل نصف الإيمان، فليتّق الله في النّصف الباقي»، ومعنى ذلك أنّ النّكاح يعفّ عن الزّنى، والعفاف أحد الخصلتين اللتين ضمن رسول الله ﷺ عليهما الجنّة،
فقال فيما رواه الموطأ وغيره: «من وقاه الله شرّ اثنتين، ولج الجنّة: ما بين لحييه، وما بين رجليه»، وتقدم
حديث وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي».
١١ - ليس للرّسول بإرادته أن يأتي بمعجزة خارقة للعادة، وإنّما ذلك بإذن الله ومشيئته.
١٢ - لكلّ أجل كتاب، أي لكلّ أمر قضاه الله كتاب عند الله تعالى. يمحو
стр. 4011
الله من ذلك الكتاب ما يشاء أن يوقعه بأهله ويأتي به، ويثبت ما يشاء، أي يؤخّره إلى وقته. وعنده أصل الكتاب الذي لا يتغيّر منه شيء، فنزول العذاب على الكفار، ونصر المؤمنين لهما وقت معيّن مخصوص.
والمحو يشمل الأقدار، والدّعاء يفيد في ردّ القدر، وقد يحرم الإنسان الرّزق بسبب ذنب يرتكبه، وقد يزداد عمره بصلة الرّحم وبرّ الأقارب. وقد تقدّم
في الصّحيحين عن أبي هريرة حديث: «من سرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه».
وأصول الأشياء لا تتغيّر: وهي الخلق والخلق، والأجل والرّزق، والسّعادة والشّقاوة. والذي في علم الله ثابت لا يتبدّل، مثل قيام السّاعة، وأجل بقاء النّاس في القبور وكلّ ما كتب من الآجال وغيرها.
سئل ابن عباس عن أمّ الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون، فقال لعلمه: كن كتابا، ولا تبديل في علم الله تعالى.
وقال عكرمة: يمحو ما يشاء بالتّوبة جميع الذّنوب، ويثبت الذّنوب حسنات، قال تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً، فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان ٧٠/ ٢٥].
والخلاصة: عقيدتنا هي أنه لا تبديل لقضاء الله تعالى، وهذا المحو والإثبات مما سبق به القضاء. والقضاء منه ما يكون واقعا محتوما، وهو الثّابت، ومنه ما يكون مصروفا بأسباب، وهو الممحو. ويكون المحوّ إما بالدّعاء أو بصلة الرّحم وبرّ الأقارب، أو بالذّنب المقترف. ويشمل المحو نسخ الشّرائع، فقد تنسخ شريعة بأخرى، كالنّسخ بالقرآن لما عداه، لمصلحة وحكمة تقتضيها، ونسخ التّوجّه إلى بيت المقدس وتحويل القبلة إلى الكعبة، ونحو ذلك.
والكلّ بقضاء الله وقدره، والأمور مرهونة بأوقاتها.
стр. 4012
مهمة الرّسول تبليغ الشّريعة والله شاهد له ومحاسب وحاكم بين
العباد ومحبط مكر الكفار
﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)﴾
الإعراب:
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ ﴿مَنْ﴾: إما اسم موصول، و ﴿عِنْدَهُ﴾: صلته، وإما نكرة موصوفة، و ﴿عِنْدَهُ﴾ الصفة. ومحله: إما الجرّ عطفا على لفظ المجرور في قوله تعالى:
﴿كَفى بِاللهِ﴾، وإما الرّفع عطفا على موضعه؛ لأن موضعه الرّفع؛ لأن تقديره: كفى الله.
وذلك مثل: ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ [فاطر ٣/ ٣٥] إما بالجرّ حملا على اللفظ، أو بالرّفع حملا على الموضع. و ﴿عِلْمُ الْكِتابِ﴾ مرفوع بالظّرف ﴿عِنْدَهُ﴾ لأن الظّرف إذا وقع صلة أو صفة فإنه يرفع كما يرفع الفعل. ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ محل ذلك النّصب على الحال، أي يحكم نافذا حكمه.
البلاغة:
﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ قصر إضافي من قصر الموصوف على الصفة، أي ليس لك إلا صفة التّبليغ.
стр. 4013
المفردات اللغوية:
﴿وَإِنْ ما﴾ فيه إدغام نون. «إن» الشّرطية في «ما» المزيدة. ﴿نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ به من العذاب في حياتك، وهو فعل الشّرط، وجوابه محذوف، أي فذاك. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل تعذيبهم. ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ ما عليك إلا البلاغ. ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ إذا صاروا إلينا، فنجازيهم.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي أهل مكة. ﴿أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾ أي أرض الحياة التي يعيشون فيها.
﴿أَطْرافِها﴾ جوانبها، والنقص منها بما نفتحه على المسلمين منها. ﴿وَاللهُ يَحْكُمُ﴾ في خلقه بما يشاء. ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا رادّ ولا مبطل له، والمعقّب: الذي يتعقّب الشيء فيبطله بالنّقد، ويقال لصاحب الحقّ: معقّب؛ لأنه يتابع غريمه المدين بالطّلب، والمعنى: أنه حكم للإسلام بالإقبال وعلى الكفر بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره. ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ يحاسبهم عما قريب في الآخرة بعد ما عذّبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا.
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم بأنبيائهم، كما مكروا بك. والمكر: إرادة الشيء في خفية. ﴿فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً﴾ أي لا يؤبه بتدبير دون تدبيره، فإنه القادر على ما هو المقصود منه دون غيره. ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ فيعدّ جزاءها، وهذا هو المكر «التّدبير» كلّه؛ لأنه يأتيهم به من حيث لا يشعرون. ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ﴾ المراد به كلّ كافر. ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ أي العاقبة المحمودة في الدّار الآخرة، ألهم، أم للنّبي ﷺ وأصحابه.
﴿شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ على صدقي. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ أي المطّلع على حقيقة الكتاب الإلهي من مؤمني اليهود والنّصارى. ومن هاهنا: لابتداء الغاية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى اقتراح المشركين إنزال آيات واستعجال العذاب، ذكر هنا احتمال وقوع ما توعّدوا به، وبيان أن وظيفة الرّسول ﷺ التّبليغ، وأن آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت، بفتح المسلمين جوانب الأرض، وأن الله يحكم في خلقه ما يريد.
ثم أبان أنّ مكر هؤلاء المشركين ومن تقدّمهم لا يضرّ المسلمين شيئا، فالنّصر سيكون لهم، والهزيمة والعذاب لغيرهم.
стр. 4014
ثمّ ردّ الله على اليهود الذين أنكروا رسالة النّبي ﷺ بأنه شاهد له بالصّدق، وحسبه شهادة الله ومن آمن من أهل الكتاب.
التفسير والبيان:
إن أريناك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد أعداءك المشركين وغيرهم من الخزي والنّكال في الدّنيا، أو نتوفينّك قبل أن نريك ذلك، فما عليك إلا تبليغ رسالة ربّك، وإنما أرسلناك لتبلّغهم رسالة الله، وقد فعلت ما أمرت به، وليس عليك التّوصل إلى صلاحهم، فإنما علينا حسابهم وجزاؤهم على الخير والشّرّ، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ، إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٦].
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ.﴾. أي أنسي هؤلاء المشركون في مكة أو شكّوا أنّا نأتي الأرض، فنفتحها لك أرضا بعد أرض، وتنتصر عليهم، وتمتد رقعة الإسلام، وتتقلّص رقعة الكفر، ويدخل النّاس في دين الله أفواجا، كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها، أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الأنبياء ٤٤/ ٢١].
وتدلّ الآية في نطاق العلم الحديث على كون الأرض مفلطحة بيضاوية، ليست كرة تامّة التّدوير، بل هي ناقصة الأطراف.
وأما في الماضي فيراد بالآية كما أوضحت ظهور الإسلام على الشّرك قرية بعد قرية، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى﴾ [الأحقاف ٢٧/ ٤٦].
وقال ابن عباس: المراد موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وذهاب الصّلحاء والأخيار. ولكن اللائق الرّأي الأول، كما قال الواحدي.
﴿وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أي والله يقضي القضاء المبرم، ولا يرد حكمه
стр. 4015
النّافذ، فلا رادّ لقضائه، ولا يستطيع أحد أن يطعن فيه أو يبطله أو ينقضه، ومن حكم الله تعالى أن الأرض يرثها عباده الصّالحون بالعدل والإصلاح والعمران.
﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ أي والله محاسب عباده قريبا في الآخرة، وعقابه آت لا محالة، فلا تستعجل عقابهم، فإن الله معذّبهم في الآخرة بعد أن عذّبهم في الدّنيا بالقتل والأسر والخزي والذّل والنّكال.
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.﴾. هذا تسلية للنّبي ﷺ على مكائد قومه، وتصبير له على أذاهم، فإن النّصر له في النّهاية حتما، أي لقد مكر الكفار السابقون برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، وعذّبوهم، كما فعل النّمرود بإبراهيم، وفرعون بموسى، واليهود بعيسى، وكما فعلت عاد وثمود وإخوان لوط، فمكر الله بهم، وجعل العاقبة للمتّقين، أي دبّر لهم ما أوقعهم في الهلاك بسبب ظلمهم وفسادهم.
﴿فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً﴾ أي لا يؤبه بتدبير دون تدبيره، ولا يضرّ مكر الماكرين إلا بإذنه تعالى، ولا يؤثر إلا بمشيئته وتقديره، فلا خوف إلا منه.
وهذا كقوله تعالى في مكر المشركين بالنّبي ﷺ قبيل الهجرة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ، وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠/ ٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً، وَمَكَرْنا مَكْراً، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النّمل ٥٠/ ٢٧ - ٥٢].
﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي أنه تعالى عالم بجميع السّرائر والضّمائر، وسيجزي كلّ عامل بعمله، فينصر أولياءه، ويعاقب الماكرين.
стр. 4016
وهذا وعيد شديد وتهديد لكلّ كافر ماكر، وتسلية للنّبي ﷺ وأمان له من مكرهم.
﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ.﴾. أي وسيتحقق الكفار يوم القيامة لمن العاقبة المحمودة من الفريقين: المؤمنين والكافرين، حيث تكون العاقبة لأتباع الرّسل في الدّنيا والآخرة، ففي الدّنيا النّصر، وفي الآخرة الجنّة.
ثمّ ردّ الله على منكري نبوّة النّبي ﷺ ، فقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. أي يقول الكافرون الجاحدون نبوّتك: لست رسولا مرسلا من عند الله، تدعو النّاس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتنقذهم من الظّلمات إلى النّور، ومن عبادة الأصنام والأوثان، إلى عبادة الله الواحد الأحد، ومن الظّلم والفساد إلى العدل والصّلاح.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵁ قال: قدم على رسول الله ﷺ أسقف من اليمن، فقال له ﵊: «هل تجدون في الإنجيل رسولا؟»، قال: لا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾
﴿لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ الآية.
﴿قُلْ: كَفى بِاللهِ.﴾. قل يا محمد لهم: حسبي وكفايتي أن الله شاهد لي بصدق رسالتي، ومؤيّد دعوتي، بما أنزله عليّ من القرآن المعجز، ومن الآيات البيّنات الدّالّة على صدقي، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ [الفتح ٢٨/ ٤٨].
وكفاني أيضا بعد شهادة الله شهادة علماء أهل الكتاب الذين آمنوا من اليهود والنّصارى، بما وجدوه لديهم في التّوراة والإنجيل من بشارة برسالتي، وعلامات لا تنطبق على من سواي، وهم عبد الله بن سلام-اليهودي الأصل-وأصحابه.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: كان من أهل الكتاب قوم
стр. 4017
يشهدون بالحقّ ويعرفونه، منهم عبد الله بن سلام، والجارود، وتميم الدّاري، وسلمان الفارسي ﵃.
وذلك كما دلّت آية أخرى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٤٦/ ٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إنّ مهمّة الرّسول مقصورة على إبلاغ الرّسالة للأمّة، وليس عليه هداهم وصلاحهم.
٢ - الله تعالى هو الذي يحقّق الأحداث والوقائع، فينجز الوعد والوعيد، وينزل العقاب الشّديد متى شاء، وقد يكون ذلك في حال حياة النّبي ﷺ أو بعد وفاته.
٣ - الله تعالى هو المتكفّل القائم بحساب العباد على ما قدّموا من خير أو شرّ.
٤ - إن امتداد رقعة الإسلام واتّساع الفتوحات الإسلامية، وانحسار الكفر وتضييق رقعة بلاد الكافرين بيد الله تعالى وحده.
٥ - إن الأرض ليست تامّة الكروية، وإنما هي مفلطحة بيضاوية ناقصة الأطراف والتّكوير.
٦ - لا رادّ لقضاء الله تعالى ولا معقّب لحكمه، ولا يستطيع أحد تعقيب حكمه بنقص أو نقض أو إبطال أو تغيير.
٧ - الله تعالى سريع الحساب من العباد، أي الانتقام من الكافرين، سريع الثّواب للمؤمن.
٨ - تخيب أو تفشل كلّ مخططات الأعداء الكافرين ومكائدهم أمام تدبير الله
стр. 4018
تعالى، ولا يضرّ مكرهم إلا بإذنه تعالى، وفي هذا تسلية للنّبي ﷺ ، وشدّ من عزيمته، وبيان أن النّصر في النّهاية له، وأنّ الدّائرة ستدور على الكفار.
٩ - يعلم الله ما تعمل به كلّ نفس من خير وشرّ، فيجازي عليه.
١٠ - سيتحقق الكفار لمن العاقبة المحمودة، أي عاقبة دار الدّنيا ثوابا وعقابا، أو لمن الثّواب والعقاب في الدّار الآخرة، وهذا تهديد ووعيد.
١١ - إن إنكار مشركي العرب واليهود رسالة النّبي ﷺ وقولهم له: لست بنبيّ ولا رسول، وإنما أنت متقوّل، لما لم يأتهم بما اقترحوا من الآيات، إن إنكارهم لا يغض من الحقيقة شيئا، ولا يغيّر من الواقع، وكفى بالله شهيدا على صدقه، وحسبه شهادة مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الدّاري، والنّجاشي وأصحابه.
لكن قال ابن جبير: السّورة مكيّة، وابن سلام أسلم بالمدينة بعد هذه السّورة، فلا يجوز أن تحمل الآية على ابن سلام، فمن عنده علم الكتاب جبريل، وهو قول ابن عباس. وقال الحسن ومجاهد والضّحّاك: هو الله تعالى.
وأما من قال: إنهم جميع المؤمنين فصدق؛ لأن كلّ مؤمن يعلم الكتاب، ويدرك وجه إعجازه، ويشهد للنّبي ﷺ بصدقه. والكتاب على هذا هو القرآن الكريم (١).
ويجوز أن يكون المراد به: الذي حصل عنده علم التّوراة والإنجيل، يعني:
أن كلّ من كان عالما بهذين الكتابين، علم اشتمالهما على البشارة بمقدم محمد ﷺ ، فإذا أنصف ذلك العالم ولم يكذب، كان شاهدا على أنّ محمدا ﷺ رسول حقّ من عند الله تعالى (٢).
стр. 4019
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة إبراهيم ﵇
مكية وهي اثنتان وخمسون آية.
تسميتها:
سمّيت سورة إبراهيم لاشتمالها على جزء من قصّة إبراهيم أبي الأنبياء ﵇، يتعلّق بحياته في مكّة، وصلته بالعرب وإسماعيل، وأنّ إبراهيم وإسماعيل بنيا البيت الحرام، وأنهما كانا يدعو ان الله تعالى بالهداية، وأن إبراهيم دعا أن يجنّبه وبنيه عبادة الأصنام، وأن يرزق زوجته وابنه إسماعيل اللذين أسكنهما في مكّة من الثّمرات، وأن يجعله هو وذريّته مقيمي الصّلاة، وذلك في الآيات [٣٥ - ٤١].
مناسبتها لما قبلها:
هذه السّورة امتداد لما ذكر في سورة الرّعد، وتوضيح لما أجمل فيها، فكلّ منهما تحدّث عن القرآن، ففي سورة الرّعد ذكر تعالى أنه أنزل القرآن حكما عربيا [الآية ٣٧]، وهنا ذكر حكمة ذلك والغاية من تنزيل القرآن، وهي إخراج الناس من الظّلمات إلى النّور بإذن الله [الآية: ١].
وكلّ منهما ذكر فيه تفويض إنزال الآيات الكونية إلى الله وبإذنه، فقال تعالى في سورة الرّعد: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [٣٨]، وهنا ذكر ذلك على لسان الرسل: ﴿ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [١١].
стр. 4020
وفي كليهما ذكرت الآيات الكونية من رفع السّماء بغير عمد ومدّ الأرض وتسخير الشّمس والقمر، وجعل الرّواسي في الأرض، وخلق الثّمرات المختلفة الطّعوم والألوان.
وتعرّضت السّورتان لإثبات البعث، وضرب الأمثال للحقّ والباطل، والكلام على مكر الكفار وكيدهم وعاقبته، والأمر بالتّوكّل على الله تعالى.
ما اشتملت عليه هذه السّورة:
اشتملت سورة إبراهيم على ما يأتي:
١ - إثبات أصول العقيدة من الإيمان بالله وبالرّسل وبالبعث والجزاء، وإقرار التّوحيد، والتّعريف بالإله الحقّ خالق السّموات والأرض، وبيان الهدف من إنزال القرآن الكريم، وهو إخراج النّاس من الظّلمات إلى النّور، واتّحاد مهمّة الرّسل ودعوتهم في أصول الاعتقاد والفضائل وعبادة الله والإنقاذ من الضّلال.
٢ - الوعد والوعيد: ذمّ الكافرين ووعيدهم على كفرهم وتهديدهم بالعذاب الشّديد، ووعد المؤمنين على أعمالهم الطّيّبة بالجنان [الآية ٢، والآية ٢٣، والآيات ٢٨ - ٣١].
٣ - الحديث عن إرسال الرّسل بلغات أقوامهم، لتسهيل البيان والتّفاهم [الآية ٤].
٤ - تسلية الرّسول ﷺ ببيان ما حدث للرّسل السّابقين مع أقوامهم: قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، والتّذكير بعقابهم، كما في الآيات [٩ - ١٢]، والآيات [١٣ - ١٨].
стр. 4021
٥ - ابتدأ من بين قصص بعض الأنبياء المتقدّمين ﵈ بمحاورة موسى لقومه ودعوته إيّاهم لعبادة الله تعالى [الآيات ٥ - ٨].
٦ - دعوات إبراهيم ﵇ بعد بناء البيت الحرام لأهل مكة بالأمان والرّزق وتعلّق القلوب بالبيت الحرام، وتجنيبه وذريّته عبادة الأصنام، وشكره ربّه على ما وهبه من الأولاد بعد الكبر، وتوفيقه وذريّته لإقامة الصّلاة، وطلبه المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين [الآيات ٣٥ - ٤١].
٧ - بيان مشهد من مشاهد الحوار بين أهل النّار في عالم الآخرة [الآيات ١٩ - ٢٣].
٨ - ضرب الأمثال لكلمة الحقّ والإيمان وكلمة الباطل والضّلال بالشّجرة الطّيّبة والشّجرة الخبيثة [الآيات ٢٤ - ٢٧].
٩ - التّذكير بأهوال القيامة وتهديد الظالمين وبيان ألوان عذابهم [الآيات:
٤٢ - ٥٢].
١٠ - بيان الحكمة من تأخير العذاب ليوم القيامة، وهو ما ختمت به السّورة [الآيتان: ٥١ - ٥٢].
الغاية من إنزال القرآن وذم الكافرين
وكون الرسول بلسان قومه
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾
стр. 4022
الإعراب:
﴿الر﴾ إما خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه الر، وإما في موضع نصب على تقدير: الزم أو اقرأ الر، وتكون جملة: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ﴾ مفسّرة.
﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ﴾ ﴿كِتابٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا كتاب. و ﴿أَنْزَلْناهُ﴾:
جملة فعلية في موضع رفع صفة ﴿كِتابٌ﴾. ﴿إِلى صِراطِ﴾ بدل من قوله ﴿إِلَى النُّورِ﴾.
﴿اللهِ الَّذِي﴾ بالجر بدل من قوله ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ويقرأ بالرفع، فيكون مبتدأ، وما بعده خبره، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو الله الذي له ما في السموات.
﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ نعت للكافرين.
﴿عِوَجاً﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال. وقيل: إنه مفعول «يبغون» واللام محذوفة من المفعول الأول، تقديره: ويبغون لها عوجا.
﴿فَيُضِلُّ اللهُ﴾ مرفوع على الاستئناف والاقتطاع من الأول.
البلاغة:
﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ استعارة، استعار الظلمات للكفر والضلال، والنور للهدى والإيمان. ﴿أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ﴾ جناس اشتقاق.
﴿فَيُضِلُّ﴾ .. ﴿وَيَهْدِي﴾ بينهما طباق.
الحميد.. شديد.. بعيد فيها سجع.
المفردات اللغوية:
﴿الر﴾ الابتداء بالحروف الهجائية في بعض السور لبيان طبيعة تكوين القرآن وأنه من جنس الحروف التي ينطق بها العرب، فهي للتحدي وبيان إعجاز القرآن، وأنه من كلام الله، بدليل العجز عن الإتيان بأقصر سورة من مثله، بالرغم من تكوينه من حروف اللغة العربية.
стр. 4023
﴿كِتابٌ﴾ أي هو كتاب. ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ بدعائك إياهم إلى ما تضمنه. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ من أنواع الضلال والكفر. ﴿إِلَى النُّورِ﴾ إلى الهدى والإيمان. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمره وتيسيره وتسهيله وتوفيقه. ﴿إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ إلى طريق الغالب، المحمود المثنى عليه من نفسه ومن عباده. وإضافة الصراط إلى الله تعالى إما لأنه مقصده أو المظهر له. والتخصيص بالوصفين المذكورين للتنبيه على أنه لا يذل سالكه، ولا يخيب سابله.
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا. ﴿وَيْلٌ﴾ هلاك وعذاب.
﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾ يختارون. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ بتعويق الناس عن الإيمان، واعتناق دين الإسلام. ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ يطلبون السبيل معوجة، أو يطلبون لها زيغا واعوجاجا وانحرافا عن الحق ليقدحوا فيه. ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي الكافرون ضلوا عن الحق وانحرفوا عنه.
﴿بِلِسانِ﴾ بلغة. ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ليفهمهم ما أتى به، ويوضح لهم ما آمروا به، فيفقهوه عنه بيسر وسرعة، ثم ينقلوه لغيرهم، فإنهم أولى الناس بالدعوة، وأحق بالإنذار.
﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ﴾ فيخذله عن الإيمان. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ بالتوفيق له. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه، فلا يغلب على مشيئته. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه، فلا يهدي ولا يضل إلا لحكمة.
التفسير والبيان:
هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم، لتخرج الناس به مما هم فيه من ظلمات الكفر والضلال والغي والجهل، إلى نور الإيمان والهدى والرشد، بما اشتمل عليه من أصول الحكم السديد، والدعوة إلى الحياة الكريمة والمدنية والحضارة السامقة، كما قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ، يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة ٢٥٧/ ٢] وقال : ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ، لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد ٩/ ٥٧].
وقد دلت الآية على أن القرآن موصوف بكونه منزلا من عند الله تعالى.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي بتوفيقه وتيسيره، فهو الهادي بإرسال نور الهداية إلى قلوبهم. لكن أسند الفعل ﴿لِتُخْرِجَ﴾ إلى النبي ﷺ لأنه الداعي والمبلّغ.
стр. 4024
﴿إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ إلى الطريق المستقيم، طريق الله العزيز الذي لا يغالب، بل هو القاهر لكل ما سواه، الحميد أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه، وأمره ونهيه، والصادق في خبره.
﴿اللهِ الَّذِي.﴾. أي الإله الذي له كل ما في السموات والأرض خلقا وملكا وعبيدا وتصريفا وتدبيرا. وتكرار هذه الصفة كثيرا في القرآن للتنبيه على عظمة الخالق، ولإعمال النظر في المخلوقات، والإفادة منها.
﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ.﴾. أي هلاك وعذاب شديد يوم القيامة لمن كفر برسالتك وجحد بوحدانية الله. وهذا وعيد شديد لهم.
ثم وصفهم الله تعالى بصفات ثلاث بقوله:
١ - ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ.﴾. أي الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة، ويقدمونها ويؤثرونها عليها، ويعملون للدنيا، ونسوا الآخرة وتركوها.
٢ - ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي ويمنعون من اتباع الرسل، ويعوقون عن الإيمان بالله، ويصرفون عن الإسلام كل من أراده.
٣ - ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ أي ويحبون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة، منحرفة عن الحق، لتوافق أهواءهم وأغراضهم، وهي في واقعها مستقيمة في نفسها لا تقبل الانحراف عن الحق. والسبيل: تذكر وتؤنث.
قال في الكشاف: الأصل في الكلام أن يقال: ويبغون لها عوجا، فحذف الجار وأوصل الفعل.
ومن أمثلة ذلك في العصر الحديث الانصراف عن تطبيق الحدود الشرعية والقصاص، بحجة قسوتها، وعدم ملاءمتها لروح العصر، ومنافاتها للإنسانية:
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ [الكهف ٥/ ١٨]. وقد
стр. 4025
أدى هذا الاتجاه إلى كثرة الجرائم، حتى إنه في كل ثانية يقع في بريطانيا مثلا خمس عشرة ألف جريمة، وأما في أمريكا فأكثر من ذلك.
﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أولئك الكفار الموصوفون بتلك الصفات السابقة في ضلال بعيد كل البعد عن الحق، وفي جهل سحيق، لا يرجى لهم -والحالة هذه-صلاح ولا فلاح.
وبعد أن بين تعالى مقاصد القرآن وأثره في الهداية، بيّن أنه سبيل ميسر للاهتداء به، لكونه بلغة قوم الرسول، فقال: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ.﴾.
هذا من لطفه تعالى أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم، ليفهموا عنهم ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا: لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت ٤٤/ ٤١]
وأخرج الإمام أحمد عن أبي ذر قال:
قال رسول الله ﷺ : «لم يبعث الله نبيا إلا بلغة قومه».
﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ.﴾. أي أنه بعد البيان وإقامة الحجة على الناس يكون الناس فريقين: فريق يضله الله عن وجه الهدى، لإيغاله في الكفر واجتراحه السيئات والآثام، وعناده، وفريق يهديه الله إلى الحق، ويشرح صدره للإسلام، فيتبع سبيل الرشاد. وهذا كلام مستأنف وليس بمعطوف على ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ لأن الإرسال إنما وقع للتبيين، لا للإضلال.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ والله سبحانه القوي الذي لا يغلب، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، والحكيم في صنعه وأفعاله، فيضل من يستحق الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك، فلا يفعل شيئا إلا على وفق الحكمة والعلم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - قوله تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ﴾ دليل على أن القرآن منزل من عند الله
стр. 4026
تعالى، وأن مهمته إخراج الناس من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الإيمان والهدى والعلم، وذلك بتوفيق الله إياهم ولطفه بهم. وفيه إنعام على الرسول بتفويضه هذا المنصب العظيم، وعلى الناس لإرساله لهم من خلصهم من ظلمات الكفر، وأرشدهم إلى نور الإيمان.
٢ - قال المعتزلة: في هذه الآية دلالة على إبطال القول بالجبر من جهات ثلاث:
أحدها-إخراج الكفر من الكافر بالكتاب.
وثانيها-أنه أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول ﷺ .
وثالثها-الإخراج من الكفر بالكتاب بتلاوته عليهم ليتدبروه وينظروا فيه، فيتوصلوا إلى كونه تعالى عالما قادرا حكيما، وإلى أن القرآن معجزة صدق الرسول ﷺ ، فيقبلوا منه كل ما أداه إليهم من الشرائع، باختيارهم.
قال أهل السنة: إن المؤثر الأول في صدور الفعل من العبد وترجيح جانب الوجود على جانب العدم هو الله تعالى.
وفعل العبد مخلوق لله تعالى؛ لقوله سبحانه: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي بمشيئته وتخليقه.
٣ - طرق الكفر والجهل والبدعة كثيرة، وطريق الخير واحد؛ لأنه تعالى قال: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ فعبر عن الجهل والكفر بالظلمات وهو جمع، وعبر عن الإيمان والهداية بالنور، وهو لفظ مفرد.
٤ - قدم ذكر العزيز على الحميد؛ لأن الواجب أولا في العلم بالله: العلم بكونه تعالى قادرا، ثم العلم بكونه عالما، ثم العلم بكونه غنيا عن الحاجات، والعزيز: هو القادر، والحميد: هو العالم الغني.
стр. 4027
٥ - لله ما في السموات وما في الأرض ملكا وعبيدا واختراعا وخلقا، وهذا يدل على أنه تعالى غير مختص بجهة العلو البتة؛ لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء، وبما أن كل ما في السموات فهو ملكه، فهو منزه عن الحصول في جهة فوقية. وأما قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ﴾ [الملك ١٦/ ٦٧] فالمراد به سلطانه وقدرته.
وتدل الآية أيضا على الحصر، أي كل ما في السموات والأرض له، لا لغيره، وهو يدل على أنه لا مالك إلا الله، ولا حاكم إلا الله .
ولهذا عطف عليه وعيد الكفار بقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ لأنهم تركوا عبادة الله تعالى الذي هو مالك السموات والأرض وما فيهما، إلى عبادة ما لا يملك ضرا ولا نفعا، ويخلق ولا يخلق، ولا إدراك لها ولا فعل.
٦ - استحقاق الكافرين الهلاك والعذاب في نار جهنم لصفات ثلاث: هي تفضيلهم أو إيثارهم الدنيا على الآخرة، ومنعهم الناس من الوصول إلى سبيل الله ودينه، وهو المنهج القويم والطريق المستقيم، وطلبهم لسبيل الله زيغا وميلا واعوجاجا، لموافقة أهوائهم، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم، فهم في ضلال بعيد عن الحق.
٧ - من فضل الله وتيسيره الاهتداء بهدايته إرسال كل رسول إلى قومه بلغتهم، ليبين لهم أمر دينهم، وليفهموا منه شرائع الله، ويفقهوها عنه بيسر وسرعة، ثم ينقلوها لغيرهم.
وإرسال جميع الرسل بلغة قومهم يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسل، وهو يدل على أن اللغات حاصلة بالاصطلاح، وليست توقيفية، كما ذكر الرازي.
٨ - قوله: ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ رد على القدرية في
стр. 4028
نفوذ المشيئة، وإخبار بأن الضلال والهداية من الله تعالى، فهو تعالى يضل من يشاء إضلاله، ويهدي من يشاء هدايته حسبما يعلم من استعداد العبد واختياره، وليس على ذلك الرسول غير التبليغ والتبيين، ولم يكلف أن يهدي، بل الهدى بيد الله على ما سبق قضاؤه.
وقال الزمخشري على طريقة الاعتزال: والمراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف، وبالهداية: التوفيق واللطف، وكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان (١).
ويؤكد الرأي الأول لأهل السنة
ما روي: أن أبا بكر وعمر أقبلا في جماعة من الناس، وقد ارتفعت أصواتهما، فقال ﷺ : «ما هذا؟» فقال بعضهم:
يا رسول الله، يقول أبو بكر: الحسنات من الله، والسيئات من أنفسنا، ويقول عمر: كلاهما من الله، وتبع بعضهم أبا بكر، وبعضهم عمر، فتعرف الرسول ﷺ ما قاله أبو بكر، وأعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه، ثم أقبل على عمر، فتعرف ما قاله، وعرف البشر في وجهه. ثم قال: «أقضي بينكما كما قضى به إسرافيل بين جبريل وميكائيل، قال جبريل مثل مقالتك يا عمر، وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر، فقضاء إسرافيل: أن القدر كله خيره وشره من الله تعالى، وهذا قضائي بينكما» (٢).
ثم ذكر الرازي تأويلات ثلاثة للآية، بعد أن قال: لا يمكن حمل الآية على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد (٣):
الأول-أن المراد بالإضلال: هو الحكم بكونه كافرا ضالا، كما يقال: فلان يكفّر فلانا ويضلله، أي يحكم بكونه كافرا ضالا.
стр. 4029
والثاني-أن يكون الإضلال: عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار، والهداية: عبارة عن إرشادهم إلى طريق الجنة.
والثالث-أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله، ولم يتعرض له، صار كأنه أضله، والمهتدي لما أعانه بالألطاف، صار كأنه هو الذي هداه.
والخلاصة: إنه لا إجبار على الإيمان والكفر، ولا يخلق العبد كافرا أو لا يخلق الكفر في العبد، وإنما المراد بالإضلال والهداية بيان طريقي الشر والخير، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠].
مهمة الرسول موسى ﵇ ونصائحه لقومه
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾
الإعراب:
﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ ﴿أَنْ﴾: إما أن يكون لها موضع من الإعراب، وهو النصب، وتقديره:
بأن أخرج قومك، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به، وإما ألا يكون لها موضع من الإعراب، وتكون مفسّرة بمعنى أي، مثل ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ [ص ٦/ ٣٨].
﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ أتى بالواو هنا، ليدل على أن الثاني غير الأول، وحذفت في غير هذا الموضع في سورة البقرة، ليدل على البدل، وأن الثاني بعض الأول، أي أنه في سورة البقرة تفسير لما سبق، وهنا غير تفسير، وإنما التذبيح نوع آخر من العذاب غير الأول.
﴿إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ حذفت الفاء من جواب الشرط للشهرة.
البلاغة:
﴿شَكَرْتُمْ﴾ و ﴿كَفَرْتُمْ﴾ بينهما طباق.
﴿صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ صيغة مبالغة فيهما.
شديد.. حميد فيهما سجع.
المفردات اللغوية:
﴿بِآياتِنا﴾ الجمهور على أنها الآيات التسع التي أجراها الله على يد موسى ﵇، يعني اليد والعصا وسائر معجزاته. وقيل: هي الجراد والقمل والضفادع ونحوها. ﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ أي بأن أخرج، أو بمعنى أي كأن في الإرسال معنى القول. ﴿قَوْمَكَ﴾ بني إسرائيل. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الكفر والجهالات. ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمان بالله وتوحيده وجميع ما أمروا به ﴿وَذَكِّرْهُمْ﴾ عظهم، ﴿بِأَيّامِ اللهِ﴾ وقائعه التي وقعت على الأمم السابقة، وأيام العرب: حروبها. وقيل: بنعمائه وبلائه. ﴿صَبّارٍ﴾ كثير الصبر على البلاء والطاعة. ﴿شَكُورٍ﴾ أي كثير الشكر للنعم.
﴿وَإِذْ قالَ﴾ واذكر حين قال موسى. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم العذاب السيء الشديد.
﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ المولودين. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ يبقونهم أحياء للذل والعار؛ لقول بعض الكهنة: إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون. ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ الإنجاء أو العذاب. ﴿بَلاءٌ﴾ إنعام أو ابتلاء واختبار.
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ واذكر حين أعلم وآذن. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ نعمتي بالتوحيد والطاعة. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ جحدتم النعمة بالكفر والمعصية، لأعذبنكم، دل عليه ﴿إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾.
﴿لَغَنِيٌّ﴾ عن خلقه. ﴿حَمِيدٌ﴾ مستحق للحمد في ذاته، محمود في صنعه بهم، تحمده
стр. 4030
الملائكة وتنطق بنعمه المخلوقات، فما ضررتم بالكفران إلا أنفسكم، حيث حرمتموها مزيد الإنعام، وعرضتموها للعذاب الشديد.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أنه أرسل محمدا ﷺ إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن إرساله نعمة له ولقومه، أتبع ذلك بذكر قصة موسى ﵇، ثم بقصص أنبياء آخرين مع أقوامهم، تنبيها على أن المقصود من بعثة الرسل واحد: وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتصبيرا للرسول على أذى قومه، وإرشادا له إلى كيفية معاملتهم ومكالمتهم.
التفسير والبيان: