← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

تعالى، وأن مهمته إخراج الناس من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الإيمان والهدى والعلم، وذلك بتوفيق الله إياهم ولطفه بهم. وفيه إنعام على الرسول بتفويضه هذا المنصب العظيم، وعلى الناس لإرساله لهم من خلصهم من ظلمات الكفر، وأرشدهم إلى نور الإيمان. ٢ - قال المعتزلة: في هذه الآية دلالة على إبطال القول بالجبر من جهات ثلاث: أحدها-إخراج الكفر من الكافر بالكتاب. وثانيها-أنه أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول ﷺ . وثالثها-الإخراج من الكفر بالكتاب بتلاوته عليهم ليتدبروه وينظروا فيه، فيتوصلوا إلى كونه تعالى عالما قادرا حكيما، وإلى أن القرآن معجزة صدق الرسول ﷺ ، فيقبلوا منه كل ما أداه إليهم من الشرائع، باختيارهم. قال أهل السنة: إن المؤثر الأول في صدور الفعل من العبد وترجيح جانب الوجود على جانب العدم هو الله تعالى. وفعل العبد مخلوق لله تعالى؛ لقوله سبحانه: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي بمشيئته وتخليقه. ٣ - طرق الكفر والجهل والبدعة كثيرة، وطريق الخير واحد؛ لأنه تعالى قال: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ فعبر عن الجهل والكفر بالظلمات وهو جمع، وعبر عن الإيمان والهداية بالنور، وهو لفظ مفرد. ٤ - قدم ذكر العزيز على الحميد؛ لأن الواجب أولا في العلم بالله: العلم بكونه تعالى قادرا، ثم العلم بكونه عالما، ثم العلم بكونه غنيا عن الحاجات، والعزيز: هو القادر، والحميد: هو العالم الغني.

стр. 4027

٥ - لله ما في السموات وما في الأرض ملكا وعبيدا واختراعا وخلقا، وهذا يدل على أنه تعالى غير مختص بجهة العلو البتة؛ لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء، وبما أن كل ما في السموات فهو ملكه، فهو منزه عن الحصول في جهة فوقية. وأما قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ﴾ [الملك ١٦/ ٦٧] فالمراد به سلطانه وقدرته. وتدل الآية أيضا على الحصر، أي كل ما في السموات والأرض له، لا لغيره، وهو يدل على أنه لا مالك إلا الله، ولا حاكم إلا الله . ولهذا عطف عليه وعيد الكفار بقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ لأنهم تركوا عبادة الله تعالى الذي هو مالك السموات والأرض وما فيهما، إلى عبادة ما لا يملك ضرا ولا نفعا، ويخلق ولا يخلق، ولا إدراك لها ولا فعل. ٦ - استحقاق الكافرين الهلاك والعذاب في نار جهنم لصفات ثلاث: هي تفضيلهم أو إيثارهم الدنيا على الآخرة، ومنعهم الناس من الوصول إلى سبيل الله ودينه، وهو المنهج القويم والطريق المستقيم، وطلبهم لسبيل الله زيغا وميلا واعوجاجا، لموافقة أهوائهم، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم، فهم في ضلال بعيد عن الحق. ٧ - من فضل الله وتيسيره الاهتداء بهدايته إرسال كل رسول إلى قومه بلغتهم، ليبين لهم أمر دينهم، وليفهموا منه شرائع الله، ويفقهوها عنه بيسر وسرعة، ثم ينقلوها لغيرهم. وإرسال جميع الرسل بلغة قومهم يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسل، وهو يدل على أن اللغات حاصلة بالاصطلاح، وليست توقيفية، كما ذكر الرازي. ٨ - قوله: ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ رد على القدرية في

стр. 4028

نفوذ المشيئة، وإخبار بأن الضلال والهداية من الله تعالى، فهو تعالى يضل من يشاء إضلاله، ويهدي من يشاء هدايته حسبما يعلم من استعداد العبد واختياره، وليس على ذلك الرسول غير التبليغ والتبيين، ولم يكلف أن يهدي، بل الهدى بيد الله على ما سبق قضاؤه. وقال الزمخشري على طريقة الاعتزال: والمراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف، وبالهداية: التوفيق واللطف، وكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان (١). ويؤكد الرأي الأول لأهل السنة ما روي: أن أبا بكر وعمر أقبلا في جماعة من الناس، وقد ارتفعت أصواتهما، فقال ﷺ : «ما هذا؟» فقال بعضهم: يا رسول الله، يقول أبو بكر: الحسنات من الله، والسيئات من أنفسنا، ويقول عمر: كلاهما من الله، وتبع بعضهم أبا بكر، وبعضهم عمر، فتعرف الرسول ﷺ ما قاله أبو بكر، وأعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه، ثم أقبل على عمر، فتعرف ما قاله، وعرف البشر في وجهه. ثم قال: «أقضي بينكما كما قضى به إسرافيل بين جبريل وميكائيل، قال جبريل مثل مقالتك يا عمر، وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر، فقضاء إسرافيل: أن القدر كله خيره وشره من الله تعالى، وهذا قضائي بينكما» (٢). ثم ذكر الرازي تأويلات ثلاثة للآية، بعد أن قال: لا يمكن حمل الآية على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد (٣): الأول-أن المراد بالإضلال: هو الحكم بكونه كافرا ضالا، كما يقال: فلان يكفّر فلانا ويضلله، أي يحكم بكونه كافرا ضالا.

стр. 4029

والثاني-أن يكون الإضلال: عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار، والهداية: عبارة عن إرشادهم إلى طريق الجنة. والثالث-أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله، ولم يتعرض له، صار كأنه أضله، والمهتدي لما أعانه بالألطاف، صار كأنه هو الذي هداه. والخلاصة: إنه لا إجبار على الإيمان والكفر، ولا يخلق العبد كافرا أو لا يخلق الكفر في العبد، وإنما المراد بالإضلال والهداية بيان طريقي الشر والخير، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠]. مهمة الرسول موسى ﵇ ونصائحه لقومه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ الإعراب: ﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ ﴿أَنْ﴾: إما أن يكون لها موضع من الإعراب، وهو النصب، وتقديره: بأن أخرج قومك، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به، وإما ألا يكون لها موضع من الإعراب، وتكون مفسّرة بمعنى أي، مثل ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ [ص ٦/ ٣٨]. ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ أتى بالواو هنا، ليدل على أن الثاني غير الأول، وحذفت في غير هذا الموضع في سورة البقرة، ليدل على البدل، وأن الثاني بعض الأول، أي أنه في سورة البقرة تفسير لما سبق، وهنا غير تفسير، وإنما التذبيح نوع آخر من العذاب غير الأول. ﴿إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ حذفت الفاء من جواب الشرط للشهرة. البلاغة: ﴿شَكَرْتُمْ﴾ و ﴿كَفَرْتُمْ﴾ بينهما طباق. ﴿صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ صيغة مبالغة فيهما. شديد.. حميد فيهما سجع. المفردات اللغوية: ﴿بِآياتِنا﴾ الجمهور على أنها الآيات التسع التي أجراها الله على يد موسى ﵇، يعني اليد والعصا وسائر معجزاته. وقيل: هي الجراد والقمل والضفادع ونحوها. ﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ أي بأن أخرج، أو بمعنى أي كأن في الإرسال معنى القول. ﴿قَوْمَكَ﴾ بني إسرائيل. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الكفر والجهالات. ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمان بالله وتوحيده وجميع ما أمروا به ﴿وَذَكِّرْهُمْ﴾ عظهم، ﴿بِأَيّامِ اللهِ﴾ وقائعه التي وقعت على الأمم السابقة، وأيام العرب: حروبها. وقيل: بنعمائه وبلائه. ﴿صَبّارٍ﴾ كثير الصبر على البلاء والطاعة. ﴿شَكُورٍ﴾ أي كثير الشكر للنعم. ﴿وَإِذْ قالَ﴾ واذكر حين قال موسى. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم العذاب السيء الشديد. ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ المولودين. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ يبقونهم أحياء للذل والعار؛ لقول بعض الكهنة: إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون. ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ الإنجاء أو العذاب. ﴿بَلاءٌ﴾ إنعام أو ابتلاء واختبار. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ واذكر حين أعلم وآذن. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ نعمتي بالتوحيد والطاعة. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ جحدتم النعمة بالكفر والمعصية، لأعذبنكم، دل عليه ﴿إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾. ﴿لَغَنِيٌّ﴾ عن خلقه. ﴿حَمِيدٌ﴾ مستحق للحمد في ذاته، محمود في صنعه بهم، تحمده

стр. 4030

الملائكة وتنطق بنعمه المخلوقات، فما ضررتم بالكفران إلا أنفسكم، حيث حرمتموها مزيد الإنعام، وعرضتموها للعذاب الشديد. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى أنه أرسل محمدا ﷺ إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن إرساله نعمة له ولقومه، أتبع ذلك بذكر قصة موسى ﵇، ثم بقصص أنبياء آخرين مع أقوامهم، تنبيها على أن المقصود من بعثة الرسل واحد: وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتصبيرا للرسول على أذى قومه، وإرشادا له إلى كيفية معاملتهم ومكالمتهم. التفسير والبيان:

стр. 4031

كما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب لتخرج الناس كلهم من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى إلى بني إسرائيل بالآيات التسع، وأمرناه قائلين له: أخرج قومك من الظلمات إلى النور، أي أدعهم إلى الخير، ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال، إلى نور الهدى وبصيرة الإيمان. وعظهم بأيام الله، أي بوقائعه التي مرت على أمم الأنبياء السابقين، وكيف نجا المؤمنون، وهلك الكافرون!! أو ذكّرهم بنعم الله عليهم في إخراجهم من أسر فرعون وقهره، وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم الغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى، وغير ذلك من النعم. روى الإمام أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم حديثا مرفوعا عن ابن عباس عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ قال: بنعم الله تعالى. وأيام الله في عهد موسى: إما محنة وبلاء: وهي الأيام التي كان فيها

стр. 4032

بنو إسرائيل تحت قهر فرعون واستعباده، وإما نعمة كإنجائهم من عدوهم، وفلق البحر لهم، وإنزال المن والسلوى عليهم. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ.﴾. أي إن في ذلك التذكير لدلائل على وحدانية الله وقدرته، وإن فيما صنعنا ببني إسرائيل حين أنقذناهم من بطش فرعون، وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين لعبرة، لكل كثير الصبر على الطاعة والبلاء أو الضراء، شكور في حال النعمة والرفاه والسرور. قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر. وجاء في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرا له، وإن أصابته سرّاء، شكر، فكان خيرا له». فعلى المسلم أن يكون صابرا شكورا، يصبر عند البلاء والمحنة، ويشكر عند الرخاء والنعمة. ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى..﴾. واذكر حين قال موسى لقومه: يا قوم، تذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون، وما كانوا يذيقونكم من العذاب والإذلال، ويكلفونكم من الأعمال ما لا تطيقون، وكانوا يذبحون أبناءكم المولودين الصغار، خوفا من ظهور ولد يكون سببا في تدمير ملك فرعون، كما فسرت الرؤيا لفرعون مصر، وكانوا يتركون الإناث أحياء ذليلات مستضعفات، وذلك من أعظم البلاء، فأنقذكم الله من عذابهم، وهذه نعمة عظيمة. ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي وفيما ذكرت لكم اختبار عظيم من ربكم، سواء في حال النقمة، أو في حال النعمة، ليعرف الإنسان أيشكر أم يكفر؟! كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ الأنبياء ٣٥/ ٢١] وقال سبحانه: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف ١٦٨/ ٧].

стр. 4033

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ.﴾. واذكروا يا بني إسرائيل حين آذنكم ربكم وأعلمكم بوعده لكم، وهو قوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها. أخرج البخاري عن أنس حديثا فيه: «ومن ألهم الشكر لم يحرم الزيادة». ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [الأعراف ١٦٧/ ٧]. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ.﴾. أي ولئن جحدتم النعم وسترتموها، فلم تؤدوا حقها من الشكر. ﴿إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ أي إن عقابي أليم وقعة، شديد تأثيره وألمه، في الدنيا بزوال تلك النعم، وسلبها عنهم، وفي الآخرة بالعقاب على كفرانهم، والمراد بالكفر هما: الكفران. جاء في الحديث الثابت الذي رواه الحاكم عن ثوبان: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه». ﴿وَقالَ مُوسى.﴾. أي وأعلن موسى مبدأ أساسيا في الدين، حينما لا حظ منهم أمارات الكفر والعناد، وهو أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى الإنسان، أما الله فهو غني عن عباده، فقال: إن تجحدوا نعمة الله عليكم أنتم وجميع من في الأرض من الثقلين: الإنس والجن، فإن الله غني عن شكر عباده. وهو المحمود، وإن كفر به من كفر، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر ٧/ ٣٩] وقال تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ، وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن ٦/ ٦٤] وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر ٧/ ٣٩]. جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ -فيما يرويه عن ربه -أنه قال: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على

стр. 4034

أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئا، إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر». فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يلي: ١ - إن المقصود من بعثة الأنبياء واحد، وهو أن يسعوا في إخراج الناس من ظلمات الكفر والضلالات إلى أنوار الإيمان والهدايات. ٢ - على الناس الاعتبار والاتعاظ بأيام الله تعالى، أي الوقائع العظيمة التي وقعت فيها، وتذكر نعم الله عليهم. وذلك جمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، فالترغيب والوعد: أن يذكرهم النبي موسى أو غيره ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل، في سائر ما سلف من الأيام. والترهيب والوعيد: أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل، ممن سلف من الأمم فيما سلف من الأيام، مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب، ليرغبوا في الوعد فيصدقوا، ويحذروا من الوعيد فيتركوا التكذيب. ٣ - إن في ذلك التذكير والتنبيه دلائل لمن كان صبارا شكورا. ففي حال المحنة والبلية يصبر، وفي حال المنحة والعطية يشكر، وهذا تنبيه على أن المؤمن يجب ألا يخلو زمانه عن أحد هذين الأمرين: الصبر أو الشكر. روي عن النبي ﷺ أنه قال فيما رواه البيهقي عن أنس، وهو ضعيف: «الإيمان نصفان:

стр. 4035

فنصف في الصبر، ونصف في الشكر» ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾. ٤ - لقد تعرض بنو إسرائيل في زمن فرعون للحالتين: المحنة والنعمة، ولكنهم لم يقدروا النعمة ولم يشكروها، ولم يصبروا عند المحنة، وذلك ملحوظ من نصح موسى ﵇ لهم حينما رأى أمارات الكفر والعناد فيهم. ٥ - إن شكر النعمة سبب لزيادتها، وكفرانها سبب لزوالها، فالآية نص واضح في أن الشكر سبب المزيد، وأن جحود النعمة سبب النقص والزوال، فمن اشتغل بشكر نعم الله، زاده الله من نعمه، ومن كفر بنعمة الله فهو جاهل، والجهل بالله سبب لأعظم أنواع العقاب والعذاب، فالمراد بقوله: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ الكفران، لا الكفر. والشكر: هو عبارة عن الاعتراف بنعمة المنعم، مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة. والخلاصة: الاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد، وحصول الآفات في الدنيا والآخرة، والاشتغال بشكر النعمة يستوجب زيادتها. ٦ - إن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود الا إلى صاحب الشكر وصاحب الكفران. أما المعبود المشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران. والمراد من قول موسى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ.﴾. بيان أنه تعالى إنما أمر بهذه الطاعات، لمنافع عائدة إلى العابد، لا لمنافع عائدة إلى المعبود، بدليل قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي لا يلحقه بذلك نقص، بل هو الغني، وهو المحمود في جميع الأحوال.

стр. 4036

بعض أخبار الرسل السابقين مع أممهم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾ الإعراب: ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ﴾ ﴿ما﴾: استفهامية في موضع رفع مبتدأ، وخبره ﴿لَنا﴾ وأن في ﴿أَلاّ﴾ في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، تقديره: وما لنا في ألا نتوكل على الله، وهو في موضع نصب على الحال، والتقدير: أيّ شيء ثبت لنا غير متوكلين.

стр. 4037

البلاغة: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا﴾ استفهام تقرير، وهذا من كلام موسى ﵇، أو كلام مستأنف أو مبتدأ من الله. ﴿نَبَؤُا﴾ خبر. ﴿وَثَمُودَ﴾ قوم صالح. ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ﴾ جملة اعتراضية، والمعنى: أنهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلا الله، لذا قال ابن مسعود ﵁: كذب النسابون. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ الحجج الواضحة على صدقهم. ﴿فَرَدُّوا﴾ أي الأمم. ﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾ أي فعضوها غيظا مما جاءت به الرسل ﵈، كقوله تعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾. ﴿بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي في زعمكم. ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة، أي الاضطراب والقلق ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ استفهام إنكاري، أي لا شك في توحيده، للدلائل الظاهرة عليه. ﴿فاطِرِ﴾ خالق ومبدع على أكمل نظام. ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى طاعته. ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾: صلة زائدة، أو تبعيضية، والمراد على الأول: أن الإيمان أو الإسلام يغفر به ما قبله، وعلى الثاني يكون القصد هو إخراج حقوق العباد. ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ﴾ بلا عذاب ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أجل الموت. ﴿قالُوا: إِنْ﴾ أي ما. ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام. ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي برهان أو حجة ظاهرة قوية على صدقكم. ﴿إِنْ نَحْنُ﴾ أي ما نحن. ﴿يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ بالنبوة. ﴿وَما كانَ لَنا﴾ وما ينبغي. ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي بأمره؛ لأنا عبيد مربوبون لله تعالى، فليس في قدرتنا الإتيان بالآيات. وفيه دليل على أن النبوة عطائية، وأن ترجيح بعض الجائزات على بعض بمشيئة الله تعالى. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يثقوا به، في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم، عمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل، وقصدوا به أنفسهم أولا. ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ﴾ أي لا مانع لنا من ذلك، ولا عذر لنا في ألا نتوكل عليه. ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ التي نعرفه بها ونعلم أن الأمور كلها بيده. ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ على أذاكم، وهو جواب قسم محذوف، أكدوا به توكلهم وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفار عليهم. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم الناشئ عن إيمانهم. المناسبة: هذا تذكير بأيام الله بانتقامه من الأمم المكذبة بالرسل، بعد تذكير موسى لقومه بما أنعم الله عليهم من نعم، ودفع عنهم من نقم، وبما وعد به تعالى

стр. 4038

الشاكرين بالزيادة، والجاحدين بالعذاب، وبأن الكفران لا يضرّ إلا أهله. ويحتمل أن يكون المذكور هنا من تتمة كلام موسى وخطابا منه لقومه، ليخوفهم بمثل هلاك من تقدم، وهذا رأي ابن جرير، ويحتمل أن يكون ذلك خطابا جديدا مستأنفا من الله لقوم موسى وغيرهم، لتذكيرهم أمر القرون الأولى. والمقصود إنما هو العبرة بأحوال المتقدمين، وهذا حاصل على التقديرين. إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول ﷺ ، وهذا قول الرازي، وقال ابن كثير: والظاهر أنه خبر مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة، فإنه قد قيل: إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه، وقصصه عليهم، لا شك أن تكون هاتان القصتان في التوراة (١). التفسير والبيان: ألم يأتكم خبر أقوام من قبلكم: وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل، مما لا يحصي عددهم إلا الله . وضمير الخطاب في ﴿يَأْتِكُمْ﴾ لأمة النبي ﷺ ، وضمائر: جاءتهم رسلهم، فردوا أيديهم في أفواههم للكفار. جاءت هؤلاء رسلهم بالمعجزات والحجج والدلائل الواضحة الباهرة القاطعة، التي تثبت صدقهم ودعواهم الرسالة عن الله، لإخراجهم من ظلمات الكفر والجهالة إلى نور الإيمان والهداية. ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾ أي إلا أن هؤلاء القوم عضوا أناملهم من شدة الغيظ، لما جاءهم به الرسل، أي اغتاظوا منهم وعادوهم ونفروا منهم، كما فعل العرب مع النبي ﷺ بدليل قوله سبحانه: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ،﴾

стр. 4039

﴿قُلْ: مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران ١١٩/ ٣]. والمراد أنهم كذبوا واستهزءوا ولم يؤمنوا. فهو-كما قال أبو عبيدة والأخفش-مثل. ﴿وَقالُوا: إِنّا كَفَرْنا.﴾. أي وقالوا للرسل: إنا كفرنا بما أرسلتم به من الآيات، أي كفرنا بدلالتها على صدق رسالتكم. وإنا لفي شك موقع في الريبة والقلق والاضطراب مما تدعوننا إليه من الإيمان بالله وحده، وترك ما سواه. وتساءل الرازي بقوله: فإن قيل: كيف تنازلوا إلى الشك في صحة قولهم بعد تصريحهم بالكفر برسالتهم؟ ثم أجاب بأنهم أرادوا أنهم كافرون في الواقع وبنحو جازم متيقن بدعوتهم، فإن لم نكن جازمين فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم. ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾: أفي وجود الله شك؟! فإن الفطرة تقرّ بوجوده، ومجبولة على الإقرار به. وهل في تفرده بالألوهية ووجوب عبادته شك وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له؟! فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنون أنها تقربهم من الله زلفى. وأما دليل الفطرة فثابت كما أخبر النبي ﷺ بقوله فيما رواه ابن عدي والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه، أو يمجّسانه». وأما دليل الخلق فهو أمر حسي مشاهد، وهو ما نبّه إليه بقوله مباشرة: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي كيف تشكون في الله، وهو خالق السموات والأرض ومبدعهما على غير مثال سبق، وعلى هذا النظام المحكم البديع؟! وهو تعالى عدا كونه خالقا وهو دليل وجوده، هو كامل الرحمة لقوله:

стр. 4040

﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي يدعوكم إلى الإيمان الكامل به، من أجل أن يغفر لكم في الدار الآخرة ذنوبكم-على أن من صلة زائدة-أو بعض ذنوبكم-على أن من تبعيضية-فهو يغفر الذنوب المتعلقة به، لا الذنوب التي لها صلة بحقوق العباد. وهذا هو الغرض الأول من الدعوة إلى الإيمان. ويلاحظ أنه تعالى في كل موضع ذكر فيه مغفرة ذنوب الكفار، جاء بلفظ (من) وفي كل موضع ذكر فيه مغفرة ذنوب المؤمنين، جاء بغير لفظ (من). مثال الحالة الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح ٣/ ٧١ - ٤] وقوله سبحانه: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف ٣١/ ٤٦] لأنه يدعوهم إلى الإيمان الذي هو أصل الدين. ومثال الحالة الثانية: قوله : ﴿قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ، فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران ٣١/ ٣] وقوله عزت أسماؤه: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف ١١/ ٦١ - ١٢] لأنه بعد توافر الإيمان لا تكون المغفرة إلا إلى المعاصي. ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هذا هو الغرض الثاني من الدعوة إلى الإيمان، وهو الإمهال والتأخير إلى وقت محدد معين في علم الله تعالى، وهو منتهى العمر، إن حدث الإيمان، وإلا عاجلكم الهلاك والعذاب بسبب الكفر. فالإيمان يتحقق به رحمتان أو نعمتان وهما مغفرة الذنوب والإمهال إلى نهاية الأعمار. ثم ذكر الله تعالى ردّ تلك الأمم على رسلها من نواح ثلاث هي: ١ - ﴿قالُوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أي كيف نتبعكم بمجرد قولكم، ولما نر منكم معجزة، فما أنتم إلا مثلنا في البشرية، ولا فضل لكم علينا، فلم تخصصون بالنبوة دوننا، ولو شاء الله أن يبعث إلى البشر رسلا، لبعث من جنس أفضل.

стр. 4041

٢ - ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أي وأنتم تريدون أن نترك ما وجدنا عليه آباءنا، بهذه الدعوى التي لا دليل على صحتها. ٣ - ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي فأتونا بأمر خارق نقترحه عليكم، أو بحجة ظاهرة تدلّ على صحة ادعائكم النبوة، فنحن لا نؤمن إلا بالحسيّات، أما خلق السموات والأرض وما فيهما من عجائب، فلا نعقلهما، ولا يصلح دليلا على صحة ما تقولون. ثم ذكر الله ما ردّ به الأنبياء على شبهاتهم الثلاث، وهو المصادقة والتسليم للشبهتين الأولى والثانية، وإسناد الأمر إلى الله في الثالثة، فقال: ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ.﴾. أي قالت الرسل للأمم: ما نحن إلا بشر مثلكم كما ذكرتم، نأكل ونشرب وننام ونمشي في الأسواق ونبحث عن الرزق، ولكن الله سبحانه يتفضل على من يشاء من عباده بالرسالة والنبوة: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦] وقد منّ الله علينا بالرسالة. وأما تقليدكم الآباء لمجرد كونهم آباء فهذا شيء لا يقبله العقل. وأما طلبكم الحجة والبرهان على صدق رسالتنا، والإتيان بسلطان على وفق ما سألتم، بالرغم من المعجزات التي ظهرت لنا، فأمره إلى الله، ولا نتمكن من الإتيان بسلطان إلا بمشيئة الله وإرادته، ولا نقدر عليه. ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي على جميع المؤمنين أن يتكلوا على الله في جميع أمورهم، لدفع شرّ عدوهم، والصبر على معاداتهم. ثم أكدوا اعتمادهم على الله فقالوا: ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ.﴾. أي وكيف لا نتوكل على الله الذي هدانا إلى سبيل المعرفة، وأرشدنا إلى طريق النجاة؟! وما يمنعنا من التوكل عليه، وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها.

стр. 4042

﴿وَلَنَصْبِرَنَّ.﴾. أي ولنصبرن على إيذائكم لنا بالكلام السيء والأفعال السخيفة. ثم مدحوا التوكل فقالوا: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي فليستمر وليثبت المتوكلون من المؤمنين على توكلهم على الله، وليثقوا به، وليتحملوا كل أذى في سبيله، ولا يبالوا بشيء صعب مهما كان. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - على الناس الاعتبار بأحوال المتقدمين الذين كذبوا رسلهم، وسخروا منهم، واستهزءوا بهم، فكان عاقبتهم الدمار والهلاك. ٢ - كانت مواقف الكفار من أنبيائهم على مراتب ثلاث: المرتبة الأولى-أنهم سكتوا عن قبول قول الأنبياء ﵈، وحاولوا إسكات الأنبياء عن تلك الدعوى. والمرتبة الثانية-أنهم صرحوا بكونهم كافرين بتلك البعثة. والمرتبة الثالثة-أنهم أخيرا وعلى الأقل صاروا شاكين مرتابين في صحة النبوة. وكل ذلك دليل منهم على عدم الاعتراف بالنبوة. ٣ - أقام الأنبياء الأدلة على وجود الله ووحدانيته بأن الفطرة السليمة شاهدة على ذلك، وبأن خلق السموات والأرض على غير مثال سبق الدال على معنى الحدوث والإبداع والتسخير للمخلوقات دليل قاطع على وجود الخالق وألوهيته وتفرده بوجوب العبادة له، فلا يبقى شك لدى عاقل بوحدانية الله تعالى، بعد

стр. 4043

أن تبين وأقرت الأمم بأنه الخالق لجميع الموجودات، وبأنه يستحيل وجود شيء كدار مثلا يتميز بالإبداع والترتيب والنظام والنقش الجميل من دون موجد عالم حكيم، وإذا كان الله هو الخالق، فلا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له. ٤ - الله تعالى فاطر السموات والأرض متصف أيضا بكمال الرحمة والكرم والجود، بدليل أن الغرض من دعوة الناس إلى الإيمان به وبتوحيده أمران: الأول-مغفرة الذنوب والخطايا والآثام، وفيها تطهير للنفس يبوئها لدخول الجنان التي لا يستحقها إلا الأطهار. والثاني-تأخير الناس إلى نهاية أعمارهم وهو الموت، فلا يعذبهم في الدنيا. ٥ - كانت أجوبة الكفار واهية مشتملة على شبهات ثلاث: الأولى-التساوي في الإنسانية يمنع وجود التفاضل بينهم، بأن يكون الواحد منهم رسولا من عند الله، مطلعا على الغيب، مخالطا لزمرة الملائكة، والباقون غافلون عن كل هذه الأحوال، وهذا معنى قولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾. والثانية-التمسك بطريق التقليد: وهي أنهم وجدوا آباءهم وعلماءهم وكبراءهم متفقين على عبادة الأوثان، ويعبد أنهم لم يعرفوا بطلان هذا الدين، وهذا معنى قولهم: ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾. والثالثة-المعجز لا يدل على الصدق أصلا، وإن سلّم أنه يدل على الصدق، فإن ما جاء به الرسل أمور معتادة، وليست من باب المعجزات الخارجة عن قدرة البشر، وهذا معنى قولهم: ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾. ٦ - كان ردّ الأنبياء على تلك الشبهات الثلاث ما يأتي: أما الشبهة الأولى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فجوابها أن التماثل في البشرية

стр. 4044

والإنسانية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة؛ لأنه منصب يمنّ الله به على من يشاء من عباده. وأما الشبهة الثانية: وهي توافق السلف على ذلك الدين، مما يدل على كونه حقا، فجوابها: أن التمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب عطية من الله تعالى وفضل منه، ولا يبعد أن يخص بعض عبيده بهذه العطية، وأن يحرم الجمع العظيم منها. وأما الشبهة الثالثة: وهي أنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها، وإنما نريد معجزات قاهرة قوية، فالجواب عنها أن الأشياء التي طلبتموها أمور زائدة، والحكم فيها لله تعالى، فإن أظهرها فله الفضل، وإن لم يخلقها فله العدل، ولا يطلب منه شيء بعد توافر قدر الكفاية. ٧ - لا سبيل أمام الأنبياء إلا الصبر على الأذى والاعتصام بالله وتفويض الأمر إليه والتوكل التام عليه، فإن الصبر مفتاح الفرج، ومطلع الخيرات، والتوكل على الله والاعتماد على فضله محقق للنصر والفتوح. وفائدة تكرار الأمر بالتوكل: أمر أنفسهم به أولا ثم أمر أتباعهم به، فبعد أن أمروا أنفسهم بالتوكل على الله في قوله: ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ﴾ أمروا أتباعهم بذلك وقالوا: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وهو يدل على أن الآمر بالخير لا يؤثر قوله إلا إذا أتى بذلك الخير أولا.

стр. 4045

تهديد الكفار لرسلهم بالطرد أو الردة والوحي بأن العاقبة للأنبياء ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاِسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ الإعراب: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ﴾ الهاء: إما عائدة على الكافر، ويكون معنى ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ أي قدّامه، كقوله تعالى: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف ٧٩/ ١٨] أي قدّامهم؛ وإما عائدة على العذاب، ويكون المعنى: إن وراء هذا العذاب عذاب غليظ. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ.﴾. في إعرابه أربعة أوجه: الأول-أنه مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا. الثاني-أنه مبتدأ على تقدير حذف مضاف، والخبر: ﴿كَرَمادٍ﴾، تقديره: مثل أعمال الذين كفروا مثل رماد.

стр. 4046

الثالث-أنه مبتدأ أول، و ﴿أَعْمالُهُمْ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿كَرَمادٍ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول. الرابع-أنه مبتدأ، و ﴿أَعْمالُهُمْ﴾: بدل منه، و ﴿كَرَمادٍ﴾: خبره. ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ ﴿عاصِفٍ﴾ في تقديره وجهان: إما في يوم ذي عصوف، كقولهم: رجل نابل ورامح أي ذو نبل ورمح، وإما في يوم عاصف ريحه، كقولك: مررت برجل حسن وجهه، ثم يحذف الوجه إذا علم المعنى. البلاغة: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾ استعارة لما يغشاه من كروب وشدة، فقد يوصف المغموم بأنه في حالة موت. ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ﴾ .. ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ بينهما طباق. ﴿وَعِيدِ﴾ و ﴿عَنِيدٍ﴾ و ﴿صَدِيدٍ﴾ و ﴿الْبَعِيدُ﴾ فيها سجع ﴿أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ تشبيه تمثيلي، وجه الشبه فيه: منتزع من متعدد. المفردات اللغوية: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ حلفوا على أن يكون أحد الأمرين: إما إخراجهم للرسل أو عودتهم إلى ملتهم ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ لتصيرن، وتستعمل عاد بمعنى صار، ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ولمن آمن معه، فغلبوا الجماعة على الواحد. ﴿فِي مِلَّتِنا﴾ الملة: الشريعة والدين ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ﴾ أي أوحى إلى الرسل ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ الكافرين، على إضمار القول، أو على إجراء الإيحاء مجراه؛ لأنه نوع منه. ﴿الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي أرضهم وديارهم من بعد هلاكهم، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا﴾ [الأعراف ١٣٧/ ٧]. ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ﴿لِمَنْ خافَ مَقامِي﴾ موقفي وقيامي للحساب أو مقامه بين يدي ﴿وَخافَ وَعِيدِ﴾ أي وعيدي بالعذاب أو عذابي الموعود للكفار ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي طلبوا الفتح بالنصرة على الأعداء أي استنصر الرسل بالله على قومهم، وقيل: واستفتح الكفار على الرسل ظنا منهم بأنهم على الحق. ﴿وَخابَ﴾ خسر وهلك ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ كل متعاظم متكبر عن طاعة الله، معاند للحق المخالف له، مجانب له. ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ أي أمامه، ومن بين يديه، وبعد ذلك ينتظره ﴿جَهَنَّمُ﴾ يدخلها

стр. 4047

﴿وَيُسْقى﴾ فيها ﴿مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ هو ما يسيل من جلود أو جوف أهل النار، مختلطا بالقيح والدم ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ سقيته جرعة بعد جرعة، بالشدة والقهر ﴿يُسِيغُهُ﴾ يستطيبه أو يزدرده، لقبحه وكراهته ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾ أي تأتيه أسبابه وتحيط به من كل جانب، وتغشاه أنواع الكروب والعذاب ﴿وَمِنْ وَرائِهِ﴾ بعد ذلك العذاب ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ قوي متصل، وشديد غير منقطع. ﴿مَثَلُ﴾ صفة ﴿أَعْمالُهُمْ﴾ الصالحات كصلة الرحم والصدقة على الفقراء في عدم الانتفاع بها ﴿كَرَمادٍ﴾ أثر النار بعد احتراقها ﴿عاصِفٍ﴾ شديد الريح، أي أعمالهم كالرماد الذي عصفت به الرياح العاتية، فجعلته هباء منثورا، لا يقدر عليه ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ أي الكفار ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ عملوا في الدنيا ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ لا يجدون له ثوابا، لعدم توافر شرطه: وهو الإيمان. ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون ﴿هُوَ الضَّلالُ﴾ الهلاك ﴿الْبَعِيدُ﴾ الغاية في البعد عن الحق. المناسبة: بعد أن أرشد الله تعالى الأنبياء إلى التوكل عليه والاعتماد على حفظه وصيانته، في دفع شرور أعدائهم، ذكر موقف الكفار العصبي المبالغ في السفاهة، وهو التهديد بأحد أمرين: الإخراج والطرد من البلاد، أو العودة إلى الملة الوثنية القديمة المتوارثة، وهذا هو الشأن في كل زمان، يعتمد فيه أهل الباطل والفسق والظلم على القوة والبطش لقوتهم، ويستغلون ضعف أهل الحق لقلتهم. ولكن قدرة الله فوق كل شيء، والله غالب على أمره، فجعل العاقبة والنصر في النهاية للمتقين وأن الهزيمة للكافرين، وأعلمهم بالعذاب في الآخرة، وتلك سنة الله في خلقه مع كل الأمم والرسل. ثم ضرب الله مثلا لأعمال الكافرين، بالرماد الذي عصفت به الرياح الهوج، فجعلته هباء منثورا، لعدم توافر شرطه وهو الإيمان. التفسير والبيان: هذا تطور طبيعي للحوار والصراع بين الرسل والأمم الكافرة، فبعد أن

стр. 4048

أفلست الأمم في مناقشتها، وهزمت حجتها أمام حجة الرسل وبيانهم، لم يجدوا سبيلا إلا تأزم الوضع والدخول في صدام وعمل عدواني، فتوعدوا رسلهم بأحد أمرين: إما الطرد والإخراج والنفي من البلاد، وإما العودة إلى ملتهم وشرعهم الموروث عن الآباء والأجداد، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ [الأعراف ٨٨/ ٧] وقال تعالى إخبارا عن مشركي قريش: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ، لِيُخْرِجُوكَ مِنْها، وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء ٧٦/ ١٦] وقال سبحانه في إلجاء النبي إلى الهجرة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ.﴾. [الأنفال ٣٠/ ٨]. والسبب في هذا التهديد والوعيد: اغترار الكفار بقوتهم وكثرتهم، وقلة عدد المؤمنين وضعف عددهم. وأما قولهم ﴿لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ فلا يعني أن الرسل كانوا وثنيين، وإنما كانوا في ظاهر الأمر معهم، من غير إظهار مخالفة، فظن القوم أنهم كانوا على دينهم. ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ.﴾. أي فأوحى الله إلى رسله قائلا لهم: لنهلكن الظالمين المشركين، ولنسكننكم أرضهم وديارهم من بعد هلاكهم، عقوبة لهم على تهديدهم وإنذارهم بالطرد والإبعاد. وهذا تهديد ووعد من الله للمشركين في مقابل تهديدهم الرسل، وشتان بين التهديدين، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧٠/ ٣٧ - ١٧٣] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨] وقال : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥/ ٢١] وآيات كثيرة أخرى في المعنى.

стр. 4049

﴿ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي.﴾. أي ذلك الموحى به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم، أي ذلك الأمر حق، لمن خاف موقفي للحساب أو مقامه بين يدي، وخاف وعيدي بالعذاب والعقاب، فخشي لقائي، واتقاني بطاعتي، وتجنب سخطي وغضبي. وهذا هو سبب النصر والوحي المذكور. ﴿وَاسْتَفْتَحُوا.﴾. أي واستنصرت الرسل بالله على أممهم أو أقوامهم، أي على أعدائهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال ١٩/ ٨] والمراد أنهم سألوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعدائهم، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف ٨٩/ ٧] والضمير يعود للرسل أو الأنبياء ﵈. وقيل: يعود الضمير على الكفار، أي واستفتح الكفار على الرسل، ظنا منهم بأنهم على الحق، والرسل على الباطل. وقيل: للفريقين، فإنهم كلهم سألوه أن ينصر المحق، ويهلك المبطل، كما قال تعالى في شأن استفتاح الأمم على أنفسها: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]. ولكن كانت النتيجة أن النصر للمتقين والخيبة والخسارة والهلاك للمشركين، فقال سبحانه: ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي وخسر وهلك كل متكبر متعاظم عن طاعة الله، معاند للحق، منحرف عنه، كقوله تعالى: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ، مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ، مُعْتَدٍ مُرِيبٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق ٢٤/ ٥٠ - ٢٦]. ﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أي أمام هذا الجبار العنيد جهنم له بالمرصاد تنتظره، كما قال تعالى: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف ٧٩/ ١٨] أي أمامهم.

стр. 4050

﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ أي ليس له في النار شراب إلا ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم من ماء مختلط بالقيح والدم، كما قال تعالى: ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ [ص ٥٧/ ٣٨ - ٥٨] وهذا أي الحميم حار في غاية الحرارة، وهذا أي الغساق بارد في غاية البرد والنتن. ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي يتحساه جرعة بعد جرعة، ولا يكاد يزدرده، لكراهته، وسوء طعمه ولونه وريحه، مما يدل على التألم حين ابتلاعه، كما قال تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً، فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥/ ٤٧] وقال: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ، يَشْوِي الْوُجُوهَ، بِئْسَ الشَّرابُ، وَساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف ٢٩/ ١٨]. ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ.﴾. أي وتأتيه أسباب الموت من الشدائد وألوان العذاب من كل جهة، ولكنه لا يموت، كما قال تعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ [فاطر ٣٦/ ٣٥]. ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ، أي مؤلم صعب شديد، أغلظ من الذي قبله وأدهى وأمر، وهو دائم غير منقطع، كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٦٤/ ٣٨ - ٦٨] وقال : ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ، خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان ٤٣/ ٤٤ - ٥٠] وقال: ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ، فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة ٤١/ ٥٦ - ٤٤]. وقال تعالى: ﴿هذا وَإِنَّ

стр. 4051

لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ، هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ [ص ٥٥/ ٣٨ - ٥٨]. وبالرغم مما سيلاقيه الكفار من العذاب في نار جهنم، فإنهم يأسفون على أعمالهم الصالحة في الدنيا التي ضاعت هدرا، ولم تنفعهم في الآخرة، فضرب الله المثل لأعمالهم فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ.﴾ .. أي مثل أعمالهم الصالحة كالصدقة وصلة الرحم وبر الوالدين، يوم القيامة، إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، كمثل الرماد الذي اشتدت به الريح العاصفة، في يوم عاصف أي ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد، في هذا اليوم، ذلك هو الضلال البعيد، أي سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة، فهو مغرق في البعد عن الحق، حتى فقدوا ثوابه، لفقدهم شرط قبوله وهو الإيمان. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥] وقوله: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ، أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَأَهْلَكَتْهُ، وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ، وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١١٧/ ٣]. فقه الحياة أو الأحكام: دلتنا الآيات على الفوائد التالية: ١ - لا قيمة لتهديد الكفار رسلهم بالطرد من البلاد أو الإكراه على العودة إلى الملة القديمة، أمام تهديد الله، فالأول يتبدد، والثاني يتحقق، وهذه سيرة الله تعالى في رسله وعباده. ٢ - استحقاق النصر على الأعداء منوط بالخوف من جلال الله وهيبته

стр. 4052

وموقفه للحساب في الآخرة، وخشيته من عذابه وبأسه ونقمته. ٣ - سواء استفتح الرسل أو الكفار أو الفريقان، أي طلبوا الفتح والنصرة على أعدائهم، فإن النصر في النهاية للمتقين والرسل؛ لأنهم المؤمنون حق الإيمان بالله ربهم الذي يطلبون منه النصر، وتكون الخيبة والخسارة والهلاك للكافرين المتجبرين المتعاظمين عن طاعة الله، المعاندين للحق، والمجانبين له؛ لأنهم كفروا بالله، وتنكروا لطاعة الله، وانحازوا عن منهج الحق وسبيله. ٤ - وكما يكون الهلاك للكافرين في الدنيا، يكون أمامهم العذاب في نار جهنم تنتظرهم، فمن بعد الهلاك في الدنيا، يأتي أيضا العذاب في الآخرة. ٥ - ماء أهل جهنم هو صديد أهل النار الذي يسيل من أجسامهم من القيح والدم، والكافر يتحساه جرعة بعد جرعة، لا مرة واحدة، لمرارته وحرارته، ويؤلم إساغته، فهو لا يكاد يسيغه، ولكن تحصل الإساغة بصعوبة، لقوله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج ٢٠/ ٢٢ - ٢١]. وتأتيه أسباب الموت من كل جهة عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته ومن قدّامه وخلفه، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦/ ٣٩]. ومن أمامه عذاب شديد متواصل الآلام من غير فتور. هذه أوصاف عذاب الكفار، في الظاهر والباطن، أولها- ﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ﴾ ثانيها- ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ وثالثها- ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ، وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ ورابعها- ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾.

стр. 4053

٦ - لا جدوى ولا فائدة في الآخرة لأعمال الكفار الطيبة التي عملوها في الدنيا، مثل إطعام الطعام، وإغاثة الملهوف، وفعل المعروف، والصدقة، وصلة الرحم، وبر الوالدين، ولا ثواب على عمل البر في الدنيا؛ لإحباطه بالكفر، وذلك هو الخسران الكبير. فقد ضرب الله هذه الآية مثلا لأعمال الكفار، في أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف. والعصف: شدة الريح، وإنما كان ذلك؛ لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى، فلم يتوافر فيها أساس القبول وهو الإيمان بالله وحده لا شريك له. دليل وحدانية الله ووجوده وقدرته على معاد الأبدان ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ البلاغة: ﴿يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنظر أي تعلم يا مخاطب، وهو خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته، وهو استفهام تقرير، والرؤية هنا: رؤية القلب؛ لأن المعنى: ألم ينته علمك إليه؟ ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بخلق، أي بالحكمة والوجه الذي يحق أن يخلق عليه ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ يعدمكم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بدلكم أي يخلق خلقا آخر مكانكم، وهو مرتب على كونه خالقا للسموات والأرض، استدلالا به عليه، فإن من خلق أصولهم، ثم كونهم بتبديل الصور وتغيير الطبائع، قادر أن يبدلهم بخلق آخر، ولم يمتنع ذلك

стр. 4054

عليه، كما قال: ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ بممتنع أو متعسر، فإنه قادر لذاته، لا اختصاص ل بمقدور دون مقدور، ومن هذا شأنه كان حقيقا بأن يؤمن به ويعبد، رجاء لثوابه، وخوفا من عقابه يوم الجزاء. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى أن أعمال الكفار تصير باطلة ضائعة، بيّن أن الإبطال والإحباط إنما جاء بسبب صدر منهم وهو كفرهم بالله وإعراضهم عن العبودية، فإن الله تعالى لا يبطل أعمال المخلصين، وكيف يليق بحكمته أن يفعل ذلك، وأنه تعالى ما خلق كل هذا العالم إلا لحكمة وصواب؟! التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة، بأنه خلق السموات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس، أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات، في ارتفاعها واتساعها وعظمتها، وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد، وصحارى وقفار، وبحار وأشجار، ونبات وحيوان على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وألوانها. ﴿أَلَمْ تَرَ.﴾. ألم تعلم أيها المخاطب أن الله أنشأ السموات والأرض بالحكمة وعلى الوجه الصحيح الذي يحق أن يخلقا عليه، ومن قدر على خلقهما على هذا النحو البديع، فهو قادر على إفنائكم إذا خالفتم أوامره، والإتيان بخلق جديد سواكم على غير صفتكم، وما ذلك بممتنع أو متعذر عليه، بل هو سهل عليه. ونظير الآية كثير في القرآن منها: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ، بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى، بَلى، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف ٣٣/ ٤٦].

стр. 4055

ومنها: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ، فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾. ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً، فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ، بَلى، وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ، إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس ٧٧/ ٣٦ - ٨٣]. فقه الحياة أو الأحكام: الآية للاستدلال بها على قدرته تعالى، فمن خلق السموات والأرض على ما يوافق الحكمة والصواب، قادر على إعادة الخلق بعد الموت، فالله هو القادر على الإفناء، كما هو قادر على إيجاد الأشياء، فلا تعصوه، فإنكم إن عصيتموه يعدمكم، ويأت بخلق جديد أفضل وأطوع منكم، إذ لو كانوا مثل الأولين، فلا فائدة في الإبدال، وما ذلك على الله بمنيع متعذر. والمقصود أن الكفار أغرقوا في الكفر بالله، مع قيام الأدلة على قدرته وحكمته تعالى، وأنه الحقيق بالطاعة، الذي يرجى ثوابه ويخاف عقابه في دار الجزاء. الحوار بين الأشقياء يوم العذاب والمناظرة بين الشيطان وأتباعه وظفر السعداء بالجنة ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)﴾

стр. 4056

الإعراب: ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ فتحت الياء لإدغام ياء الجمع في ياء الإضافة، بعد حذف نون الإضافة، على لغة من يفتحها، وبقيت الفتحة على حالها، أو أن فتحها لالتقاء الساكنين على لغة من أسكنها، فياء الإضافة فيها لغتان: الفتح والإسكان. وعلى قراءة كسر الياء فهو عدول إلى الأصل، وهو الكسر، ليكون مطابقا لكسر همزة: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ.﴾ .. ﴿أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ أن وصلتها: في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. ﴿بِما أَشْرَكْتُمُونِ﴾ ما: مصدرية أي بإشراككم. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ جملة فعلية في موضع نصب صفة جنات. ﴿خالِدِينَ﴾ حال من ﴿الَّذِينَ﴾. و ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ﴿الَّذِينَ﴾ وهي حال بقدرة، أو حال من الضمير في ﴿خالِدِينَ﴾ فلا تكون حالا مقدرة. أو في موضع نصب على لوصف لجنات.

стр. 4057

والهاء والميم في ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ إما تأويل فاعل، أضيف المصدر إليه، أي يحيي بعضهم بعضا بالسلام، وإما في موضع مفعول لم يسم فاعله (نائب فاعل) أي يحيّون بالسلام، على معنى: تحيّيهم الملائكة بالسلام. البلاغة: ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ طباق السلب. ﴿جَزِعْنا﴾ و ﴿صَبَرْنا﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَبَرَزُوا﴾ أي الخلائق، أي ظهروا بالبراز: وهي الأرض المتسعة، أي مجتمع الناس في ذلك اليوم، ومنه امرأة برزة أي تظهر للرجال، والتعبير فيه وفيما بعده بالماضي لتحقق وقوعه. ﴿الضُّعَفاءُ﴾ الأتباع، أي ضعاف الرأي والفكر. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ المتبوعين، وهم الرؤساء الأقوياء الذين استنفروهم. ﴿تَبَعاً﴾ جمع تابع. ﴿مُغْنُونَ﴾ دافعون. ﴿مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ من الأولى: للتبيين، والثانية: للتبعيض. ﴿لَهَدَيْناكُمْ﴾ لدعوناكم إلى الهدى. ﴿ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ من: زائدة، ومحيص: ملجأ ومنجى ومهرب. ﴿الشَّيْطانُ﴾ إبليس. ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ لما أحكم وفرغ منه، ودخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ وعدا من حقه أن ينجز، أو وعدا أنجزه، وهو الوعد بالبعث والجزاء، فصدقكم الوعد. ﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ وعد الباطل وهو ألا بعث ولا حساب. ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ قدر إبليس تبين خلف وعده كالإخلاف منه. ﴿مِنْ سُلْطانٍ﴾ من: زائدة، والسلطان: القوة والقدرة والتسلط، فألجئكم على الكفر والمعاصي، واقهركم على متابعتي. ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ لكن. ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أسرعتم إجابتي. ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ على إجابتي وإطاعتي، ولم تطيعوا ربكم لما دعاكم. ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم، والمستصرخ: المستغيث. ﴿بِما أَشْرَكْتُمُونِ﴾ بإشراككم إياي مع الله. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا. ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ﴾ الكافرين، وهو قول الله تعالى. ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم. ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها﴾ من الله ومن الملائكة وفيما بينهم. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى ألوان عذاب الكفار في الآخرة، ثم ذكر عقيبه أن أعمالهم تصير محبطة باطلة، ذكر هنا مدى خجلهم أمام أتباعهم وافتضاحهم

стр. 4058

عندهم، وأبان هذا بصورة محاورة بين السادة والأتباع، ومناظرة بين الشيطان وأتباعه الإنس، ثم ذكر جزاء المؤمنين السعداء وظفرهم بجنان الخلد. التفسير والبيان: وبرزت الخلائق كلها برّها وفاجرها لله الواحد القهار في موقف الحساب، واجتمعوا له في مكان متسع لا ساتر فيه، خلافا لحال الدنيا حيث يظن الكفار والعصاة أن الله لا يراهم. فقال الضعفاء، أي الأتباع للقادة والسادة والكبراء في العقل والتفكير، أولئك القادة الذين استكبروا عن عبادة الله وحده وعن اتباع الرسل: إنا كنا تابعين لكم، مقلدين في الأعمال، نأتمر بأمركم ونفعل فعلكم، فكفرنا بالله، وكذبنا الرسل متابعة لكم، فهل أنتم تدفعون عنا اليوم بعض عذاب الله، كما كنتم تعدوننا وتمنوننا. فأجابهم القادة المتبوعون متنصلين من الدفاع عنهم: لو هدانا الله لدينه الحق، ووفقنا لاتّباعه، وأرشدنا إلى الخير، لهديناكم وأرشدناكم إلى سلوك الطريق الأقوم، ولكنه لم يهدنا، فحقت كلمة العذاب على الكافرين. ثم أعلنوا يأسهم من النجاة فقالوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا.﴾. أي ليس لنا خلاص ولا منجى مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه، أي أن الجزع والصبر سيّان، فلا نجاة لنا من عذاب الله تعالى. قال ابن كثير: والظاهر أن هذه المراجعة (أي الحوار) في النار، بعد دخولهم فيها (١)، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ، فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيباً مِنَ النّارِ﴾.

стр. 4059

﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: إِنّا كُلٌّ فِيها، إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ﴾ [غافر ٤٧/ ٤٠ - ٤٨] وقال تعالى: ﴿قالَ: اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ، كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها، حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعاً، قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ: رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا، فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النّارِ؛ قالَ: لِكُلٍّ ضِعْفٌ، وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ. وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ: فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٣٨/ ٧ - ٣٩] وقال تعالى: ﴿رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا، رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ، وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب ٦٧/ ٣٣ - ٦٨]. ثم ذكر الله تعالى محاورة أخرى بين الشيطان وأتباعه من الإنس، فقال: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ.﴾. أي وقال إبليس لأتباعه الإنس، بعد ما قضى الله بين عباده، فأدخل المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات: إن الله وعدكم بالبعث والجزاء وعد الحق على ألسنة رسله، وكان وعدا حقا وخبرا صدقا، وأما أنا فوعدتكم ألا بعث ولا جزاء، ولا جنة ولا نار، فأخلفتكم موعدي، إذ لم أقل إلا باطلا من القول وزورا، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ، وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ [النساء ١٢٠/ ٤] وقد اتبعتموني وتركتم وعد ربكم. ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي وما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه دليل ولا حجة، ولا قوة ولا تسلط فيما وعدتكم به. ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ.﴾. أي ولكن حينما دعوتكم استجبتم لي، بمجرد ذلك. ﴿فَلا تَلُومُونِي.﴾. أي فلا توجهوا اللوم إلي اليوم، ولوموا أنفسكم؛ لأنكم أسرعتم إلى إجابتي باختياركم، فإن الذنب ذنبكم؛ لكونكم لم تستمعوا إلى دعاء ربكم، وقد دعاكم دعوة الحق بالحجج والبينات، فخالفتم البراهين الداعية لكم إلى الصواب.

стр. 4060

﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ.﴾. ما أنا بمغيثكم ولا نافعكم ولا منقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه من العذاب، وما أنتم بمغيثي ولا نافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، وَرَأَوُا الْعَذابَ﴾ [البقرة ١٦٦/ ٢]. ﴿إِنِّي كَفَرْتُ.﴾. إني أنكرت أو جحدت اليوم بإشراككم إياي من قبل أي في الدنيا مع الله تعالى في الطاعة، كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤/ ٣٥] والمراد بذلك تبرؤه من الشرك وإنكاره له، كما قال تعالى: ﴿إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، كَفَرْنا بِكُمْ﴾ [الممتحنة ٤/ ٦٠] وقال سبحانه. ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم ٨٢/ ١٩]. ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ هذا في الأظهر من قول الله ، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس المحكي في القرآن قطعا لأطماع أولئك الكفار عن الإعانة والإغاثة، والمعنى: إن الكافرين في إعراضهم عن الحق، واتباعهم الباطل، لهم عذاب مؤلم. والمقصود تنبيه الناس إلى تبرؤ الشيطان من وساوسه في الدنيا، وحضهم على الاستعداد ليوم الحساب، وتذكر أهوال الموقف. وبعد أن أبان الله تعالى أحوال الأشقياء، أوضح أحوال السعداء، وكلا الفريقين كانوا قد برزوا للحساب والجزاء بين يدي الله، فقال: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾ .. أي ويدخل الملائكة الذين صدقوا بالله ورسوله، وأقروا بوحدانيته، واتبعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، جنات (بساتين) فيها الأنهار الجارية في كل

стр. 4061

مكان، وهم ماكثون فيها أبدا، لا يحولون عنها ولا يزولون منها، وذلك بإذن ربهم، أي بتوفيقه وفضله وأمره. تحييهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم، ويحيون بعضهم بعضا بالسلام، كما قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها، وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها: سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر ٧٣/ ٣٩] وقال سبحانه: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد ٢٣/ ١٣ - ٢٤] وقال : ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ [الفرقان ٧٥/ ٢٥] ويحييهم ربهم بالسلام: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨/ ٣٦] وتحية بعضهم كما قال تعالى: ﴿دَعْواهُمْ فِيها: سُبْحانَكَ اللهُمَّ، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [يونس ١٠/ ١٠]. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ١ - العتاب والنزاع والخصام قائم بين أهل النار، فهذه محاورة بين القادة والأتباع تدل على عجز السادة عن تحقيق أي شيء لأتباعهم الذين اتبعوهم في الدنيا، فهم لا يستطيعون تخليص أنفسهم من عذاب الله، ولا تحقيق أي نفع لذواتهم، فبالأولى لا يتمكنون من نفع غيرهم، والكل لا يجدون مهربا ولا ملجأ من عذاب الله وعقابه على الكفر والعصيان، وذلك سواء صبروا على العذاب أو جزعوا وضجروا. ٢ - إقرار السادة بالضلال، فدعوا أتباعهم إلى الضلال، ولو هدوا وأرشدوا لأرشدوا غيرهم، وهذا كذب منهم، كما قال تعالى حكاية عن المنافقين: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً، فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة ١٨/ ٥٨]. ٣ - أعقب الله المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة الإنس، بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وأتباعه من الإنس، وموضوع المناظرتين

стр. 4062

واحد: وهو تبرؤ المتبوع من التابع، ولكن الشيطان كان أصدق في هذه المحاورة من الإنسان؛ لأنه أعلن أن الله وعد الناس وعد الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال، فوفى لهم بما وعدهم، وأما هو فوعد الناس بخلاف ذلك وأنه لا بعث ولا جزاء، فأخلف الوعد. ٤ - قال الرازي عن آية ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾: هذه الآية تدل على أن الشيطان الأصلي هو النفس؛ لأن الشيطان بيّن أنه ما أتى إلا بالوسوسة، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة والغضب والوهم والخيال، لم يكن لوسوسته تأثير البتة، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس (١). ومن المعلوم أن الملائكة والشياطين هي أجسام لطيفة، والله تعالى ركبها تركيبا عجيبا، ولا يستبعد أن تنفذ الأجرام اللطيفة في عمق الأجرام الكثيفة أي في بنية الإنسان. ٥ - للظالمين عذاب أليم، لا مرد له، جزاء ظلمهم، أي كفرهم، فالعصيان والكفر باختيارهم وكسبهم. ٦ - للمؤمنين المتقين جنات تجري من تحتها الأنهار، بأمر ربهم، ومشيئته وتيسيره، يحيون فيها بالسلام من الله تعالى، ومن الملائكة، وتكون تحية بعضهم بعضا هي السلام. ٧ - كانت مواعيد الشيطان باطلة، ووعد الله هو الحق، واتبع الناس قول الشيطان بلا حجة ولا برهان، وتبرأ الشيطان منهم ومن عملهم، فليس لهم لوم عليه، إنما عليهم اللوم، وأيأسهم بأنه لا نصر عنده ولا عون ولا إغاثة، بل هو محتاج إلى من ينصره، وكفر بشركهم له في الدنيا، وهذا تنبيه لهم مما سيلقونه من العذاب.

стр. 4063

مثال الكلمة الطيبة من السعداء ومثال الكلمة الخبيثة من الأشقياء ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧)﴾ الإعراب: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ بدل من ﴿مَثَلاً﴾ أو تفسير له، و ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ صفة للكلمة أو خبر مبتدأ محذوف، أي هي كشجرة. البلاغة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً﴾ تعجيب من حال الفريقين: السعداء والأشقياء. ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ في كل تشبيه مرسل مجمل. ﴿أَصْلُها﴾ .. ﴿وَفَرْعُها﴾ ﴿طَيِّبَةً﴾ و ﴿خَبِيثَةٍ﴾ في كل طباق. المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً﴾ أي ألم تنظر كيف اعتمده ووضعه، والمثل: قول يشبّه بقول

стр. 4064

بينهما مشابهة في شيء محسوس، للتوضيح والبيان ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، والكلمة الطيبة: هي لا إله إلا الله وهي كلمة التوحيد ودعوة الإسلام والقرآن، والشجرة الطيبة هي النخلة ﴿ثابِتٌ﴾ في الأرض بالعروق ﴿وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ أي أعلاها في جهة العلو ﴿تُؤْتِي﴾ تعطي ﴿أُكُلَها﴾ ثمرها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ كل وقت أقّته الله تعالى لإثمارها، أي أن كلمة الإيمان ثابتة في قلب المؤمن، وعمله يصعد إلى السماء، ويناله ثوابه كل وقت. ﴿بِإِذْنِ رَبِّها﴾ بإرادته ﴿وَيَضْرِبُ﴾ ويبين لأن في هذا التشبيه زيادة إفهام وتذكير ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لعلهم يتعظون فيؤمنوا ﴿كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كلمة الكفر ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي الحنظل ﴿اُجْتُثَّتْ﴾ استوصلت ﴿ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ استقرار ﴿بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ فلا يزلّون إذا افتتنوا في دينهم، كزكريا ويحيى ﵉ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في موقف الحساب وعند رؤيتهم أهوال الحشر، وقيل: معناه الثبات عند سؤال القبر، فحينما يسألهم الملكان عن ربهم ودينهم ونبيهم، يجيبون بالصواب، كما في حديث الشيخين. ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ الكفار الذين ظلموا أنفسهم، فلا يهتدون للحق والجواب الصواب، بل يقولون: لا ندري، كما جاء في الحديث. ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ من تثبيت بعض وإضلال آخرين من غير اعتراض عليه. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى أحوال الأشقياء وما آل إليهم أمرهم من العذاب في نار جهنم، وأحوال السعداء وإدراكهم الفوز عند ربهم، ذكر مثلا يبين حال الفريقين، وسبب التفرقة بينهما، بتشبيه المعنويات بالحسيات، لترسيخ المعاني في الأذهان، كما هو الشأن في القرآن. التفسير والبيان: ألم تعلم أيها المخاطب كيف اعتمد الله مثلا ووضعه في موضعه المناسب له وهو تشبيه الكلمة الطيبة وهي كلمة التوحيد والإسلام ودعوة القرآن، بالشجرة الطيبة وهي النخلة الموصوفة بصفات أربع هي: ١ - كون تلك الشجرة طيبة المنظر والشكل، وطيبة الرائحة، وطيبة الثمرة، وطيبة المنفعة أي يستلذ بأكلها ويعظم الانتفاع بها.

стр. 4065

٢ - أصلها ثابت، أي راسخ باق متمكّن في الأرض لا ينقلع. ٣ - وفرعها في السماء، أي كاملة الحال لارتفاع أغصانها إلى الأعلى، وبعدها عن عفونات الأرض، فكانت ثمراتها نقية طيبة خالية من جميع الشوائب. ٤ - تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي تثمر كل وقت وقّته الله لإثمارها بإرادة ربها وإيجاده وتيسيره. ولما كانت الأشجار تؤتي أكلها كل سنة مرة، كان ذلك في حكم الحين. روي عن ابن عباس أن الكلمة الطيبة هي قول: «لا إله إلا الله» وأن الشجرة الطيبة هي النخلة، وكذلك روي عن ابن مسعود أنها النخلة، وهو مروي عن أنس وابن عمر عن النبي ﷺ . وحديث ابن عمر رواه البخاري، قال: «كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال: أخبروني عن شجرة تشبه الرجل المسلم-أو كالرجل المسلم-لا يتحاتّ ورقها صيفا ولا شتاء، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا، قال رسول الله ﷺ : هي النخلة». ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ.﴾. أي وهكذا يضرب الله الأمثال للناس؛ فإن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وعظة وتصوير للمعاني؛ لأن تشبيه المعاني المعقولة بالأمور المحسوسة يرسّخ المعاني، ويزيل الخفاء والشك فيها، ويجعلها كالأشياء الملموسة. وفي هذا لفت نظر يدعو الإنسان إلى التأمل في عظم هذا المثل، والتدبر فيه، وفهم المقصود منه. ثم ذكر الله تعالى مثال حال كلمة الكفر، فقال: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ.﴾. أي وصفة الكلمة الخبيثة وهي كلمة الكفر أو الشرك كصفة الشجرة الخبيثة وهي شجرة الحنظل ونحوه، كما قال أنس موقوفا فيما روى أبو بكر البزار، ومرفوعا
следующие страницы →