مكان، وهم ماكثون فيها أبدا، لا يحولون عنها ولا يزولون منها، وذلك بإذن ربهم، أي بتوفيقه وفضله وأمره.
تحييهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم، ويحيون بعضهم بعضا بالسلام، كما قال تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها، وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها: سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر ٧٣/ ٣٩] وقال سبحانه: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد ٢٣/ ١٣ - ٢٤] وقال : ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ [الفرقان ٧٥/ ٢٥] ويحييهم ربهم بالسلام: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨/ ٣٦] وتحية بعضهم كما قال تعالى: ﴿دَعْواهُمْ فِيها: سُبْحانَكَ اللهُمَّ، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [يونس ١٠/ ١٠].
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - العتاب والنزاع والخصام قائم بين أهل النار، فهذه محاورة بين القادة والأتباع تدل على عجز السادة عن تحقيق أي شيء لأتباعهم الذين اتبعوهم في الدنيا، فهم لا يستطيعون تخليص أنفسهم من عذاب الله، ولا تحقيق أي نفع لذواتهم، فبالأولى لا يتمكنون من نفع غيرهم، والكل لا يجدون مهربا ولا ملجأ من عذاب الله وعقابه على الكفر والعصيان، وذلك سواء صبروا على العذاب أو جزعوا وضجروا.
٢ - إقرار السادة بالضلال، فدعوا أتباعهم إلى الضلال، ولو هدوا وأرشدوا لأرشدوا غيرهم، وهذا كذب منهم، كما قال تعالى حكاية عن المنافقين: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً، فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة ١٨/ ٥٨].
٣ - أعقب الله المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة الإنس، بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وأتباعه من الإنس، وموضوع المناظرتين
стр. 4062
واحد: وهو تبرؤ المتبوع من التابع، ولكن الشيطان كان أصدق في هذه المحاورة من الإنسان؛ لأنه أعلن أن الله وعد الناس وعد الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال، فوفى لهم بما وعدهم، وأما هو فوعد الناس بخلاف ذلك وأنه لا بعث ولا جزاء، فأخلف الوعد.
٤ - قال الرازي عن آية ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾: هذه الآية تدل على أن الشيطان الأصلي هو النفس؛ لأن الشيطان بيّن أنه ما أتى إلا بالوسوسة، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة والغضب والوهم والخيال، لم يكن لوسوسته تأثير البتة، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس (١).
ومن المعلوم أن الملائكة والشياطين هي أجسام لطيفة، والله تعالى ركبها تركيبا عجيبا، ولا يستبعد أن تنفذ الأجرام اللطيفة في عمق الأجرام الكثيفة أي في بنية الإنسان.
٥ - للظالمين عذاب أليم، لا مرد له، جزاء ظلمهم، أي كفرهم، فالعصيان والكفر باختيارهم وكسبهم.
٦ - للمؤمنين المتقين جنات تجري من تحتها الأنهار، بأمر ربهم، ومشيئته وتيسيره، يحيون فيها بالسلام من الله تعالى، ومن الملائكة، وتكون تحية بعضهم بعضا هي السلام.
٧ - كانت مواعيد الشيطان باطلة، ووعد الله هو الحق، واتبع الناس قول الشيطان بلا حجة ولا برهان، وتبرأ الشيطان منهم ومن عملهم، فليس لهم لوم عليه، إنما عليهم اللوم، وأيأسهم بأنه لا نصر عنده ولا عون ولا إغاثة، بل هو محتاج إلى من ينصره، وكفر بشركهم له في الدنيا، وهذا تنبيه لهم مما سيلقونه من العذاب.
стр. 4063
مثال الكلمة الطيبة من السعداء ومثال الكلمة الخبيثة من الأشقياء
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧)﴾
الإعراب:
﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ بدل من ﴿مَثَلاً﴾ أو تفسير له، و ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ صفة للكلمة أو خبر مبتدأ محذوف، أي هي كشجرة.
البلاغة:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً﴾ تعجيب من حال الفريقين: السعداء والأشقياء.
﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ في كل تشبيه مرسل مجمل.
﴿أَصْلُها﴾ .. ﴿وَفَرْعُها﴾ ﴿طَيِّبَةً﴾ و ﴿خَبِيثَةٍ﴾ في كل طباق.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً﴾ أي ألم تنظر كيف اعتمده ووضعه، والمثل: قول يشبّه بقول
стр. 4064
بينهما مشابهة في شيء محسوس، للتوضيح والبيان ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، والكلمة الطيبة: هي لا إله إلا الله وهي كلمة التوحيد ودعوة الإسلام والقرآن، والشجرة الطيبة هي النخلة ﴿ثابِتٌ﴾ في الأرض بالعروق ﴿وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ أي أعلاها في جهة العلو ﴿تُؤْتِي﴾ تعطي ﴿أُكُلَها﴾ ثمرها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ كل وقت أقّته الله تعالى لإثمارها، أي أن كلمة الإيمان ثابتة في قلب المؤمن، وعمله يصعد إلى السماء، ويناله ثوابه كل وقت.
﴿بِإِذْنِ رَبِّها﴾ بإرادته ﴿وَيَضْرِبُ﴾ ويبين لأن في هذا التشبيه زيادة إفهام وتذكير ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لعلهم يتعظون فيؤمنوا ﴿كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كلمة الكفر ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي الحنظل ﴿اُجْتُثَّتْ﴾ استوصلت ﴿ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ استقرار ﴿بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ فلا يزلّون إذا افتتنوا في دينهم، كزكريا ويحيى ﵉ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في موقف الحساب وعند رؤيتهم أهوال الحشر، وقيل: معناه الثبات عند سؤال القبر، فحينما يسألهم الملكان عن ربهم ودينهم ونبيهم، يجيبون بالصواب، كما في حديث الشيخين. ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ الكفار الذين ظلموا أنفسهم، فلا يهتدون للحق والجواب الصواب، بل يقولون: لا ندري، كما جاء في الحديث.
﴿وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ من تثبيت بعض وإضلال آخرين من غير اعتراض عليه.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أحوال الأشقياء وما آل إليهم أمرهم من العذاب في نار جهنم، وأحوال السعداء وإدراكهم الفوز عند ربهم، ذكر مثلا يبين حال الفريقين، وسبب التفرقة بينهما، بتشبيه المعنويات بالحسيات، لترسيخ المعاني في الأذهان، كما هو الشأن في القرآن.
التفسير والبيان:
ألم تعلم أيها المخاطب كيف اعتمد الله مثلا ووضعه في موضعه المناسب له وهو تشبيه الكلمة الطيبة وهي كلمة التوحيد والإسلام ودعوة القرآن، بالشجرة الطيبة وهي النخلة الموصوفة بصفات أربع هي:
١ - كون تلك الشجرة طيبة المنظر والشكل، وطيبة الرائحة، وطيبة الثمرة، وطيبة المنفعة أي يستلذ بأكلها ويعظم الانتفاع بها.
стр. 4065
٢ - أصلها ثابت، أي راسخ باق متمكّن في الأرض لا ينقلع.
٣ - وفرعها في السماء، أي كاملة الحال لارتفاع أغصانها إلى الأعلى، وبعدها عن عفونات الأرض، فكانت ثمراتها نقية طيبة خالية من جميع الشوائب.
٤ - تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي تثمر كل وقت وقّته الله لإثمارها بإرادة ربها وإيجاده وتيسيره. ولما كانت الأشجار تؤتي أكلها كل سنة مرة، كان ذلك في حكم الحين.
روي عن ابن عباس أن الكلمة الطيبة هي قول: «لا إله إلا الله» وأن الشجرة الطيبة هي النخلة، وكذلك
روي عن ابن مسعود أنها النخلة، وهو مروي عن أنس وابن عمر عن النبي ﷺ .
وحديث ابن عمر رواه البخاري، قال: «كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال:
أخبروني عن شجرة تشبه الرجل المسلم-أو كالرجل المسلم-لا يتحاتّ ورقها صيفا ولا شتاء، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا، قال رسول الله ﷺ : هي النخلة».
﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ.﴾. أي وهكذا يضرب الله الأمثال للناس؛ فإن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وعظة وتصوير للمعاني؛ لأن تشبيه المعاني المعقولة بالأمور المحسوسة يرسّخ المعاني، ويزيل الخفاء والشك فيها، ويجعلها كالأشياء الملموسة. وفي هذا لفت نظر يدعو الإنسان إلى التأمل في عظم هذا المثل، والتدبر فيه، وفهم المقصود منه.
ثم ذكر الله تعالى مثال حال كلمة الكفر، فقال: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ.﴾.
أي وصفة الكلمة الخبيثة وهي كلمة الكفر أو الشرك كصفة الشجرة الخبيثة وهي شجرة الحنظل ونحوه، كما قال أنس موقوفا فيما روى أبو بكر البزار،
ومرفوعا
стр. 4066
فيما روى ابن أبي حاتم: أن النبي ﷺ قال: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾: هي الحنظلة، ووصفت الشجرة الخبيثة بصفات ثلاث هي:
١ - أنها خبيثة الطعم أو لما فيها من المضار، أو الرائحة وهي الحنظلة، وقيل: الثوم، وقيل: الشوك.
٢ - اجتثت من فوق الأرض، أي اقتلعت واستؤصلت، وليس لها أصل ولا عرق، فكذلك الشرك بالله تعالى ليس له حجة ولا ثبات ولا قوة.
٣ - ما لها من قرار، أي ليس لها استقرار، وهذه الصفة كالمتممة للصفة الثانية.
وهذه صفات في غاية الكمال، فالخبث وصف للمضار، والاجتثاث وعدم القرار وصف للخلو عن المنافع.
وبالموازنة يتبين الفرق بين كلمتي الحق والباطل، فكلمة الحق وهي كلمة التوحيد والإيمان قوية ثابتة نافعة للناس، وكلمة الباطل وهي كلمة الشرك أو الكفر ضعيفة ضارة ليس فيها استقرار ولا ثبات.
وأصحاب الكلمة الأولى هم المؤمنون، وأولو الكلمة الثانية هم الكافرون والعصاة.
ثم أخبر الله تعالى عن فوز أهل الكلمة الأولى بمرادهم في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ.﴾. أي إن كرامة الله وثوابه ثابتان للمؤمنين في الآخرة بالقول الذي كان يصدر عنهم في الدنيا، وهو الإيمان المستقر بالحجة والبرهان في قلوبهم، والمقصود: بيان أن الثبات في المعرفة والطاعة يوجب الثبات في الثواب والكرامة من الله تعالى.
أو أن المراد أن الله يثبت المؤمنين في الدنيا بعدم تعرضهم للفتنة في دينهم
стр. 4067
بالرغم من التعذيب كبلال وغيره من الصحابة، فتثبيتهم به في الدنيا: أنهم إذا فتنوا في دينهم، لم يزلّوا، كما ثبّت الذين فتنهم أصحاب الأخدود، والذين نشروا بالمناشير، ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد.
وتثبيتهم في الآخرة: أنهم إذا سئلوا عن معتقدهم ودينهم في موقف الحساب، لم يتلعثموا، ولم تحيرهم أهوال الحشر.
وقيل وهو القول المشهور: معناه الثبات عند سؤال القبر، والمراد بالحياة الدنيا: مدة الحياة، والآخرة: يوم القيامة والحساب،
روى البخاري ومسلم وأحمد وبقية الجماعة كلهم عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. وهذا مروي أيضا عن أبي هريرة.
وروى ابن أبي شيبة الحديث المتقدم نفسه عن البراء أنه قال في الآية:
التثبيت في الدنيا: إذا جاء الملكان إلى الرجل في القبر، فقالا له: من ربك؟ قال: ربي الله، وقالا: وما دينك؟ قال: ديني الإسلام، وقالا: وما نبيك؟ قال: نبيي محمد ﷺ .
وروى أبو داود عن عثمان بن عفان ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل».
قال الرازي: القول المشهور: أن هذه الآية وردت في سؤال الملكين في القبر، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال وتثبيته إياه على الحق (١).
стр. 4068
ثم ذكر الله تعالى مصير الكافرين بقوله: ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ أي ويمنع الله الكافرين عن الفوز بثوابه، أو يتركهم وضلالهم لعدم توافر استعدادهم للإيمان، وانزلاقهم في الأهواء والشهوات.
أو يجعلهم يترددون في الجواب ويتلعثمون إذا سئلوا في قبورهم عن دينهم ومعتقدهم؛ روى ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس ﵄: «إن الكافر إذا حضره الموت، تنزل عليه الملائكة ﵈ يضربون وجهه ودبره، فإذا دخل قبره، أقعد، فقيل له: من ربك؟ لم يرجع إليهم شيئا، وأنساه الله تعالى ذكر ربه، وإذا قيل له: من الرسول الذي بعث إليك؟ لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾.
ثم أبان الله تعالى مشيئته المطلقة في الفريقين فقال: ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ أي إن شاء هدى، وإن شاء أضل. وإضلالهم في الدنيا: أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن، وتزلّ أقدامهم أول شيء، وهم في الآخرة أضل وأزلّ.
والضلال لسوء الاستعداد، والميل مع أهواء النفس.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - الكلمة الطيبة وهي الإيمان أو لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أو المؤمن نفسه: هي الثابتة الخالدة، الطيبة النافعة.
روى أنس عن النبي ﷺ أنه قال:
«إن مثل الإيمان كمثل شجرة ثابتة: الإيمان عروقها، والصلاة أصلها، والزكاة فروعها، والصيام أغصانها، التأذي في الله نباتها، وحسن الخلق ورقها، والكفّ عن محارم الله ثمرتها». والشجرة الطيبة في الأصح: هي النخلة،
ذكر الغزنوي والطبراني فيما رواه ابن عمر عنه ﷺ : «مثل المؤمن كالنخلة، كل شيء منها ينتفع به».
стр. 4069
٢ - الأمثال والتشبيهات، وبخاصة تشبيه المعقول بالمحسوس، فيها ذكرى وعظة وعبرة، وإفهام وإيقاظ للمشاعر والضمائر، ولفت الأنظار، وشد الانتباه إليها.
٣ - الكلمة الخبيثة وهي كلمة الكفر لا قرار لها ولا ثبات، ولا جدوى ولا نفع، ولا تعتمد على حجة مقبولة أو برهان صحيح. والشجرة الخبيثة في الأصح: شجرة الحنظل، كما في حديث أنس، وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما.
وكذلك الكافر لا حجة له، ولا ثبات، ولا خير فيه، وليس له أصل يعمل عليه.
٤ - المقصود من الآية الدعوة إلى الإيمان، ورفض الشرك.
٥ - يثبّت الله المؤمنين على الحق والإيمان في الدنيا، فلا يتراجعون عنه، ويثبّت نفوسهم، فيلهمها الصواب والنطق بالإيمان في القبر؛ لأن الموتى ما يزالون في الدنيا إلى أن يبعثوا، وكذلك يلهمها الصواب في الآخرة عند الحساب.
٦ - يضلّ الله الظالمين عن حجتهم في قبورهم، كما ضلّوا في الدنيا بكفرهم، فلا يلقّنهم كلمة الحق، فإذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري؛ فيقول الملك:
لا دريت ولا تليت، وعند ذلك يضرب بالمقامع (سياط من حديد، رؤوسها معوجة) على ما ثبت في الأخبار.
٧ - يفعل الله ما يشاء من عذاب قوم وإضلال قوم، وقيل: إن سبب نزول هذه الآية
ما روي عن النبي ﷺ لما وصف مساءلة منكر ونكير وما يكون من جواب الميت، قال عمر: يا رسول الله، أيكون معي عقلي؟ قال: نعم، قال:
كفيت إذن؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ..
стр. 4070
كفران النعمة واتخاذ الأنداد وتهديد الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا
وأمر المؤمنين بإقامة الصلاة والإنفاق
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)﴾
الإعراب:
﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ ﴿قَوْمَهُمْ﴾: مفعول أول، و ﴿دارَ الْبَوارِ﴾: مفعول ثان.
﴿جَهَنَّمَ﴾: بدل من ﴿دارَ الْبَوارِ﴾ وهو ممنوع من الصرف للعلمية (التعريف) والتأنيث.
﴿يَصْلَوْنَها﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿قَوْمَهُمْ﴾ أو من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو منهما.
﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ جواب الأمر وهو أقيموا وتقديره: قل لهم: أقيموا يقيموا. ويجوز جزمه بلام مقدرة، تقديره: ليقيموا، ثم حذف الأمر؛ لتقدم لفظ الأمر. ويجوز كونه مجزوما على أنه جواب ﴿قُلْ﴾ وهذا ضعيف؛ لأن الأمر للنبي بالقول ليس فيه أمر لهم بإقامة الصلاة.
﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ منصوبان على المصدر، أي إنفاق سر وعلانية، أو على الحال، أي ذوي سر وعلانية، أو على الظرف، أي وقتي سر وعلانية.
البلاغة:
﴿سِرًّا، وَعَلانِيَةً﴾ بينهما طباق.
стр. 4071
﴿الْبَوارِ﴾ ﴿.. الْقَرارُ﴾ ﴿.. النّارِ﴾ سجع مرصّع.
﴿قُلْ: تَمَتَّعُوا﴾ تهديد ووعيد.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنظر ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً﴾ أي بدلوا شكر نعمته كفرا، بأن وضعوه مكانه، وهم كفار قريش ﴿وَأَحَلُّوا﴾ أنزلوا ﴿قَوْمَهُمْ﴾ الذين شايعوهم في الكفر، بإضلالهم إياهم ﴿دارَ الْبَوارِ﴾ دار الهلاك بحملهم على الكفر، والقوم البور: هم الهالكون كقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ [الفتح ١٢/ ٤٨] ﴿يَصْلَوْنَها﴾ يدخلونها ويقاسون حرها ﴿وَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ أي وبئس المقر جهنم ﴿أَنْداداً﴾ شركاء، جمع ندّ: وهو المثل والشريك والشبيه ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وهو التوحيد أو دين الإسلام، وليس الضلال والإضلال غرضهم في اتخاذ الأنداد، لكن لما كان نتيجته جعل كالغرض ﴿تَمَتَّعُوا﴾ بدنياكم قليلا. ﴿مَصِيرَكُمْ﴾ مرجعكم.
﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خصهم بالإضافة تنويها لهم وتنبيها على أنهم المقيمون لحقوق العبودية. ومقول ﴿قُلْ﴾ محذوف، دل عليه جوابه، أي قل لعبادي الذي آمنوا: أقيموا يقيموا الصلاة ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ أي وقت السر والعلانية أو ذوي سر وعلانية، أو إنفاق سر وعلانية ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ لا فداء، بأن يبيع ما يفدي به نفسه ﴿وَلا خِلالٌ﴾ مخالة، أي صداقة تنفع، وذلك اليوم هو يوم القيامة.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٨):
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا.﴾. قال ابن عباس: هؤلاء هم كفار مكة.
وأخرج الحاكم وابن جرير والطبراني وغيرهم عن عمر وعلي ﵄ أنهما قالا في المبدّلين: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فقطع الله تعالى دابرهم يوم بدر-أو فكفيتموهم -وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، عاد إلى وصف أحوال الكفار في هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا.﴾. وهم أهل مكة، حيث أسكنهم الله تعالى حرمة الآمن، وجعل عيشهم في السعة، وبعث فيهم محمدا
стр. 4072
صلّى الله عليه وسلّم، فلم يعرفوا قدر هذه النعمة، وأبان أسباب وقوعهم في سوء المصير في جهنم، ثم أمرهم على سبيل الوعيد والتهديد بالتمتع في نعيم الدنيا، ثم أمر المؤمنين بمجاهدة النفس والهوى بالصلاة والإنفاق.
التفسير والبيان:
يدعو الله تعالى إلى التعجب من أمر كفار مكة وأمثالهم الذين وصفهم الله بصفتين هما السبب الأول في دخولهم نار جهنم وهي:
١ - ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً﴾ أي بدلوا شكر نعمة الله كفرا، فإن شكر النعمة واجب عقلا وشرعا، لكنهم خرجوا عن هذا الواجب، وجعلوا بدل الشكر كفرا وجحودا. وهم كفار أهل مكة، وهو المشهور الصحيح عن ابن عباس في هذه الآية، قال ابن كثير: وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله تعالى بعث محمدا ﷺ رحمة للعالمين، ونعمة للناس، فمن قبلها وقام بشكرها، دخل الجنة، ومن ردّها وكفرها دخل النار.
٢ - ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ أي وأنزلوا قومهم الذين شايعوهم في الكفر، واتبعوهم في الضلال، دار الهلاك الذي لا هلاك بعده.
ودار البوار هي جهنم مقر العذاب التي يدخلونها ويقاسون حرها، وبئس المقر جهنم.
والسبب الثاني: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً﴾ أي واتخذوا لله شركاء عبدوهم معه، ودعوا الناس إلى ذلك، فقالوا في الحج مثلا: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.
والسبب الثالث: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي اتخذوا الأنداد أو الشركاء لتكون عاقبة أمرهم إضلال من شايعهم واتبعهم، وصرفهم عن دين الله، وإبقاءهم
стр. 4073
في مرتع الكفر. فاللام في ﴿لِيُضِلُّوا﴾ لام العاقبة؛ لأن عبادة الأوثان سبب يؤدي إلى الضلال؛ ولأنهم لم يريدوا ضلال أنفسهم، أي أن المقصود لا يحصل إلا في آخر المراتب.
ثم قال تعالى مهددا ومتوعدا لهم على لسان نبيه ﷺ : ﴿قُلْ: تَمَتَّعُوا.﴾.
أي تمتعوا بما قدرتم عليه من نعيم الدنيا، فإن جزاءكم ومرجعكم وموئلكم إلى النار، كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً، ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان ٢٤/ ٣١] وقال سبحانه: ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ، ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس ٧٠/ ١٠]. وسمي ذلك تمتعا؛ لأنهم تلذذوا به، ولأنه بالنسبة إلى عقاب الآخرة تمتع ونعيم.
ونظير الآية في أمر التهديد: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠/ ٤١] وقوله:
﴿قُلْ: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً، إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر ٨/ ٣٩].
وبعد تهديد الكفار على تمتعهم في الدنيا، أمر الله نبيه بأن يبلّغ الناس ويأمرهم بإقامة الصلاة التي هي عبادة بدنية، والإنفاق في سبيله وهو عبادة مالية، فقال: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. أي يأمر الله تعالى عباده بطاعته والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه، بأن يقيموا الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله، بأداء الزكوات، والنفقة على القرابات، والإحسان إلى الأباعد.
وإقامة الصلاة: أداؤها مستكملة أركانها وشروطها، مع المحافظة على وقتها، والخشوع لله في جميع أجزائها.
ويكون الإنفاق مما رزق في السرّ (أي في الخفية) والعلانية وهي الجهر، قال البيضاوي: والأحب إعلان الواجب (أي في النفقة) وإخفاء المتطوع به (أي المتبرع أو المتصدق به).
стр. 4074
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ.﴾. أي وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم، من قبل أن يأتي يوم القيامة، الذي لا بيع فيه، أي لا يقبل من أحد فيه فدية، بأن تباع نفسه، ولا تفيد فيه صداقة، للصفح والعفو والتخلص من العقاب، بل هناك العدل والقسط، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ، وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد ١٥/ ٥٧] وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ، وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة ١٢٣/ ٢] وقال : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ، وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ، وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤/ ٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآية بيان الفرق بين فريقي الكفار والمؤمنين، أما الكافرون فاستحقوا دخول دار البوار: جهنم لأسباب ثلاثة: هي تبديلهم شكر نعمة الله عليهم كفرانا وجحودا، واتخاذ الأنداد أي الشركاء وهي الأصنام التي عبدوها، وإضلالهم الناس عن دين الله القويم، بمعنى أن عاقبتهم إلى الإضلال والضلال، ومردهم ومرجعهم إلى عذاب جهنم.
وأما المؤمنون فلهم الجنة بسبب إقامة الصلوات الخمس المفروضة، والإنفاق في سبيل الله، بأداء الزكاة الواجبة، والتطوع بالصدقات المستحبة، بإعلان الواجب، وإخفاء التطوع، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة ٢٧١/ ٢].
ودلت الآية على أنه لا ينفع يوم القيامة فداء ولا صداقة، وأن الطاعات الأساسية ثلاث: الإيمان بالله تعالى، وشغل النفس بخدمة المعبود في الصلاة،
стр. 4075
وصرف المال وبذله في طاعة الله تعالى، ليجد الإنسان ثواب ذلك الإنفاق في يوم لا مبايعة فيه ولا مخالّة، إلا المخالة التي يشترك فيها الأخلاء في عبودية الله تعالى ومحبة الله تعالى كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧/ ٤٣].
أدلة وجود الله والتوحيد في الكون والأنفس
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ (٣٤)﴾
الإعراب:
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿رِزْقاً﴾ منصوب على المصدرية أو مفعول:
﴿فَأَخْرَجَ﴾ و ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بيان له، وحال منه.
﴿دائِبَيْنِ﴾ حال من الشمس والقمر، وذكّر تغليبا للقمر على الشمس؛ لأن القمر مذكر والشمس مؤنث، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث، غلّب جانب المذكر على جانب المؤنث، لأن التذكير هو الأصل.
﴿مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ بالإضافة، على تقدير مفعول محذوف، أي وآتاكم سؤلكم من كل ما سألتموه، مثل قوله تعالى: ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل ١٦/ ٢٧] أي أوتينا من كل شيء شيئا. ومن قرأ بالتنوين ﴿مِنْ كُلِّ﴾ كان المفعول ملفوظا به، أي وآتاكم ما سألتموه من كل شيء.
و ﴿ما﴾ هاهنا: نكرة موصوفة، و ﴿سَأَلْتُمُوهُ﴾: جملة فعلية صفة لها.
стр. 4076
البلاغة:
﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعول وفعّال.
المفردات اللغوية:
﴿السَّماواتِ﴾ جمع سماء، ولا نعرف حقيقتها، ولكن كل ما علا الإنسان وأظله فهو سماء.
﴿رِزْقاً لَكُمْ﴾ الرزق: كل ما ينتفع به، ويشمل المطعوم والملبوس. ﴿وَسَخَّرَ﴾ ذلل أو أعد ويسّر. ﴿الْفُلْكَ﴾ السفن. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإذنه أو بمشيئته إلى حيث توجهتم. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾ جعلها معدة لانتفاعكم وتصرفكم. ﴿دائِبَيْنِ﴾ دائمين في الحركة أو السير، والإنارة والإصلاح، لا يفتران. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ يتعاقبان، فالليل للنوم والسكن فيه والنهار للمعاش وابتغاء الفضل. ﴿وَآتاكُمْ﴾ أعطاكم. ﴿ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ بلسان الحال، على حسب مصالحكم.
﴿نِعْمَتَ اللهِ﴾ إنعامه، وفيه دليل على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة. ﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تطيقوا حصرها. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ الكافر. ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ أي كثير الظلم لنفسه بالمعصية وإغفال شكرها، وكثير الكفر أو الجحود لنعمة ربه.
المناسبة:
بعد أن أوضح الله تعالى أوصاف أحوال السعداء والأشقياء، أتبعه بالأدلة الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته ووحدانيته، ليدل على وجوب شكر الصانع الموجد لها، ويقرّع الكافرين الذين أعرضوا عن التفكر في تلك النعم.
التفسير والبيان:
يعدد الله تعالى في هذه الآيات نعمه على خلقه، ويشير إلى دلائل وجوده وقدرته، وهي عشرة أدلة:
١ - ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾: الله هو الذي خلق السموات سقفا محفوظا، وزيّنها بزينة الكواكب.
٢ - وخلق الأرض فراشا وما فيها من المنافع الكثيرة لكم أيها الناس.
стр. 4077
٣ - ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾: أي السحاب مطرا أحيا به الأرض بعد موتها، وأنبت به الشجر والزرع، وأخرج به ما يحتاجه الإنسان من الأرزاق للأكل والعيش، بواسطة الثمار والزروع المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ [طه ٥٣/ ٢٠].
٤ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾: أي وذلل لكم السفن، بأن ألهمكم صنعها، وجعلها طافية على وجه الماء، تجري في البحر من بلد لآخر للركوب والحمل، بإذن الله ومشيئته.
٥ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ﴾: أي فجر لكم ينابيع الأنهار، وشقّ الأرض من مسافة إلى مسافة، للشرب وسقي الزروع والأشجار والبهائم وغيرها من المنافع.
٧، ٦ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾: أي ذللهما وجعلهما يسيران في حركة دائمة، لا يفتران ليلا ولا نهارا لإصلاح حياة الإنسان والنبات وغيرهما كما قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس ٤٠/ ٣٦].
٩، ٨ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾: أي جعلهما يتعاقبان، ويتعارضان، فمرة يطول الليل كما في الشتاء، ومرة يطول النهار كما في الصيف، ويقصر الآخر، وبالعكس، والنهار للسعي والكسب والمعاش وشؤون الدنيا، والليل للنوم والسبات والسكن فيه كما قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف ٧/ ٥٤] وقال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، وَأَنَّ
стр. 4078
اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان ٢٩/ ٣١] وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص ٧٣/ ٢٨].
١٠ - ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ أي أعطاكم أيها البشر سؤلكم من كل ما شأنه أن يسأل، ويحتاج إليه، وينتفع به، سواء سألتموه أو لم تسألوه، أو أعطاكم من كل مسئول سألتموه شيئا، والخطاب لجنس البشر؛ لأن الله خلق لكم ما في الأرض جميعا، وترك استخراجها واختراع ما يكتشف منها لعقولكم بمقتضى تطور العقل البشري، وتقدم الحياة المدنية، وبالتدريج، وقد وصل الإنسان في القرن العشرين إلى قمة الاكتشاف والابتكار في مختلف المجالات، معتمدا على طاقات البخار والهواء والنفط والكهرباء والذرة وغيرها.
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ أي إن أردتم تعداد نعم الله المنعم بها عليكم لا تطيقوا حصرها لكثرتها. والنعمة هنا قائمة مقام المصدر، بمعنى الإنعام، كالنفقة والإنفاق، ويدل ذلك على العموم؛ لأن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة.
والمقصود من الجملتين الأخيرتين: ﴿وَآتاكُمْ.﴾. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾ الإخبار عن عجز العباد عن تعداد النعم، فضلا عن القيام بشكرها.
فبعد أن ذكر الله تعالى تلك النعم العظيمة، أبان أنه لم يقتصر عليها، بل أعطى عباده من المنافع ما لا يتأتى معه الإحصاء، بقوله: ﴿وَآتاكُمْ.﴾. ثم ختم الكلام بقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾ ليبين أنه آتى العباد من كل ما احتاجوا إليه، مما لا تصلح الأحوال والمعيشة إلا به. قال طلق بن حبيب رحمه الله تعالى: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين.
وفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم لك الحمد غير مكفّي، ولا مودّع، ولا مستغنى عنه ربنا» وقال
стр. 4079
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «الحمد لله الذي لا يؤدّى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها».
﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ أي إن الإنسان يظلم النعمة بإغفال شكرها، شديد الكفران لها، والمراد بالإنسان هنا الجنس، فلا يراد به الواحد، بل يراد به الجمع، أي توجد فيه هذه الخلال، وهي الظلم والكفر، يظلم النعمة بإغفال شكرها، ويكفرها بجحدها.
ويلاحظ أنه تعالى قال هنا: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ وقال في سورة النحل [١٨]: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها، إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والفرق بين الخاتمتين: أن الكلام هنا مناسب لتعداد قبائح الإنسان من كفران النعمة والظلم الذي هو الشرك، وأما في سورة النحل فيناسب ما ذكر في الآية من تعداد فضائل الله على الإنسان، ومنها اتصافه بالمغفرة والرحمة، تحريضا على الرجوع إليه (١).
وقال الرازي عن الفرق بين الآيتين: كأنه تعالى يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة، فأنت الذي أخذتها، وأنا الذي أعطيتها، فحصل لك عند أخذها وصفان: وهما كونك ظلوما كفارا، ولي وصفان عند إعطائها، وهما كوني غفورا رحيما. والمقصود كأنه يقول: إن كنت ظلوما فأنا غفور، وإن كنت كفارا فأنا رحيم، أعلم عجزك وقصورك، فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاء إلا بالوفاء (٢).
стр. 4080
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدتنا الآيات إلى ما يأتي:
١ - لقد أقام الله تعالى أدلة كثيرة على وجوده وقدرته وعلمه ووحدانيته، منها هذه الأدلة العشرة التي ذكرها في الآية من خلق السموات والأرض، وإنزال المطر من السحاب.. إلخ.
٢ - إن نعم الله تعالى على البشر لا تعد ولا تحصى لكثرتها، ولدقة إدراكها وخفائها أحيانا، كخزائن السموات والأرض، وعجائب تكوين الإنسان، وبخاصة دماغه وحواسه من سمع وبصر وملاحظة الصور، وغير ذلك من نعمة العافية، والإمداد بالرزق منذ كونه جنينا في بطن أمه، إلى حين ولادته وطفولته، إلى شبابه وكهولته وشيخوخته، وتقلّبه في أنحاء الأرض، إلى موته فلقاء ربه.
٣ - إن النعم على الإنسان من الله، فلم يبدل نعمة الله بالكفر؟! وهلا استعان بها على الطاعة؟! إن من شأن الإنسان ظلم النعمة بإغفال شكرها، وكفرانها وجحودها. والإنسان: جنس، أراد به العموم، وقال بعض المفسرين: وأراد به الخصوص كأبي جهل وجميع الكفار.
دعاء إبراهيم ﵇ مستقبل البيت الحرام
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)﴾
стр. 4081
الإعراب:
﴿أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ المفعول محذوف، تقديره: أسكنت ناسا من ذريتي بواد.
﴿لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ متعلق بأسكنت، وفصل بينهما بقوله: ﴿رَبَّنا﴾ لأن الفصل بالندا كثير في كلامهم.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي واجعل من ذريتي مقيمي الصلاة، فحذف الفعل لدلالة ما قبله عليه.
البلاغة:
﴿تَبِعَنِي﴾ و ﴿عَصانِي﴾ ﴿نُخْفِي﴾ و ﴿نُعْلِنُ﴾ ﴿الْأَرْضِ﴾ و ﴿السَّماءِ﴾ بين كلّ طباق.
﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ تهوي: فيه استعارة؛ لأن حقيقة الهويّ النزول من علو إلى انخفاض، كالهبوط، والمراد: تسرع إليهم شوقا وحبا من مكان بعيد، بعكس «تحنّ» فهو قد يكون من المقيم بالمكان.
﴿اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾ عرّف البلد هنا، ونكّر في سورة البقرة ﴿اِجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً﴾ لأنه في البقرة كان دعاؤه قبل بنائها، فطلب أن تجعل بلدا وآمنا، وهنا كان بعد بنائها، فطلب أن تكون بلد أمن واستقرار.
стр. 4082
المفردات اللغوية:
﴿هَذَا الْبَلَدَ﴾ بلد مكة ﴿آمِناً﴾ ذا أمن لمن فيها ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ أبعدني. ﴿أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ عن أن نعبد. ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ﴾ أي الأصنام ﴿أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ بعبادتهم لها، فلذلك سألت منك العصمة، واستعذت بك من إضلالهن، وإسناد الإضلال إليهن باعتبار السببية.
﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ على التوحيد ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ من أهل ديني. ﴿وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي ومن عصاني دون الشرك، فإنك تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء، أو بعد التوفيق للتوبة. وقوله:
﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ معناه حين يؤمنوا؛ لأنه أراد أن الله يغفر لكل كافر بعد إيمانه ما كان منه سابقا، لكنه ﵇ استعمل هذه العبارة التي ظاهرها أن كل ذنب فلله أن يغفره حتى الشرك، بسبب ما كان يأخذ به نفسه من القول الجميل، والنطق الحسن، وجميل الأدب.
﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي بعضها، وهو إسماعيل مع أمه هاجر. ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أي مكة، فإنها حجرية لا تنبت. ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ الذي حرمت التعرض له والتهاون به، أو لم يزل معظما تهابه الجبابرة، أو منع منه الطوفان، فلم يستول عليه، ولذلك سمي عتيقا، أي أعتق منه. ﴿أَفْئِدَةً﴾ قلوبا. ﴿مِنَ النّاسِ﴾ بعضهم. ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ تسرع إليهم شوقا وحبا، قال ابن عباس: لو قال: أفئدة الناس، لحنّت إليه فارس والروم والناس كلهم. والمقصود من الدعاء لإقامة الصلاة: توفيقهم لها، أو الدعاء لهم بإقامة الصلاة. ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أي بالإنبات في الوادي مع سكناهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ تلك النعمة، فأجاب الله تعالى دعوته، فجعله حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء، حتى توجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية والشتوية في يوم واحد.
﴿نُخْفِي﴾ نسرّ. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من: زائدة أو للاستغراق، وقول ﴿وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ.﴾. يحتمل أن يكون من كلامه تعالى أو كلام إبراهيم. والمقصود من قوله: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ﴾ أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا، وأرحم منا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطلب، لكنا ندعوك إظهارا لعبوديتك، وافتقارا إلى رحمتك، واستعجالا لنيل ما عندك. وتكرير النداء للمبالغة في التضرع واللجوء إلى الله تعالى، والرغبة في الإجابة. وأتى بضمير جماعة المتكلمين لأنه تقدم ذكره وذكر بنيه.
﴿وَهَبَ لِي﴾ أعطاني. ﴿عَلَى الْكِبَرِ﴾ مع الكبر، ولد إسماعيل ولأبيه تسع وتسعون سنة، وولد إسحاق ولأبيه مائة واثنتا عشرة سنة. ﴿اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ أي مواظبا عليها. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي واجعل من ذريتي من يقيمها، وأتى بمن لإعلام الله تعالى له أن منهم كفارا.
﴿وَلِوالِدَيَّ﴾ هذا قبل أن يتبين له عداوتهما لله ، وقيل: أسلمت أمه. وقيل:
أراد بهما آدم وحواء. ﴿يَقُومُ الْحِسابُ﴾ يثبت ويتحقق ويوجد.
стр. 4083
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى بالأدلة المتقدمة أنه لا معبود إلا الله سبحانه، وأنه لا يجوز عبادة غيره تعالى أصلا، وطلب من رسوله أن يعجب من حال قومه الذين عبدوا الأصنام، أردف ذلك بذكر أصلهم إبراهيم، وأنه دعا أن يجعل مكة بلد أمان واستقرار، وأن يجنّبه وبنيه عبادة الأصنام، وأنه أسكن بعض ذريته عند البيت الحرام ليعبدوه وحده بالصلاة التي هي أشرف العبادات، وأنه شكر الله تعالى على منحه بعد الكبر واليأس من الولد ولدين هما إسماعيل وإسحاق، وأنه طلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين يوم يوجد الحساب.
والخلاصة: إن إبراهيم ﵇ هو القدوة والنموذج لعبادة الله ، فليقتد به من ينتمون إليه.
التفسير والبيان:
هذا تذكير من الله تعالى واحتجاج على مشركي العرب بأن مكة البلد الحرام إنما وضعت منذ القدم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم ﵇ تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن والاستقرار في ظلّ التوحيد، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ.﴾. أي واذكر يا محمد لقومك حين دعا إبراهيم بقوله: ربي اجعل مكة بلدا آمنا أي ذا أمن واستقرار، لا يسفك فيه دم، ولا يظلم فيه أحد، وقد أجاب الله دعاءه، فجعله آمنا للإنسان والطير والنبات، فلا يقتل فيه أحد، ولا يصاد صيده، ولا يختلى خلاه، ولا يعضد شجره، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت ٦٧/ ٢٩] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران ٩٧/ ٣].
﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ.﴾. أي وباعدني يا رب وبني من عبادة الأصنام، واجعل عبادتنا خالصة لك على منهج التوحيد. وهذا دليل على أنه ينبغي لكل
стр. 4084
داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته. وقد استجاب الله دعاه في بعض ذريته دون بعض. وكان هذا الدعاء حين ترك هاجر وابنه إسماعيل، وهو رضيع، في مكة، قبل بناء البيت الحرام.
ثم ذكر أنه افتتن بعبادة الأصنام كثير من الناس فقال: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ.﴾. أي يا رب إن الأصنام كانت سببا في ضلال كثير من الناس عن طريق الهدى والحق، حتى عبدوهن. وقد أضيف الإضلال إلى الأصنام؛ لأنها كانت سببا في الضلال عند عبادتها، وذلك بطريق المجاز، فإن الأصنام جمادات لا تفعل.
﴿فَمَنْ تَبِعَنِي.﴾. أي فمن صدقني في ديني واعتقادي، وسار على منهجي في الإيمان بك وبتوحيدك الخالص، فإنه مني، أي على سنتي وطريقتي، مثل «من غشنا فليس منا» أي ليس على سنتنا، ومن عصاني فلم يقبل ما دعوته إليه من التوحيد لك وعدم الشرك بك، فإنك قادر على أن تغفر له وترحمه بالتوبة.
وهذا صريح في طلب المغفرة والرحمة لأولئك العصاة غير الكفار؛ لأنه ﵇ تبرأ في مقدمة هذه الآية عن الكفار بقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾، ولأنه أيضا بقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ يدل بمفهومه على أن من لم يتبعه على دينه، فإنه ليس منه، ولا يهتم بإصلاح شؤونه، ولأن الأمة مجمعة على أن الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر غير جائزة، فكان قوله: ﴿وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ شفاعة في العصاة غير الكفار.
عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ تلا قول إبراهيم ﵇:
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ.﴾. الآية، وقول عيسى ﵇:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ﴾ الآية، ثم رفع يديه، ثم قال: «اللهم أمتي، اللهم أمتي، اللهم أمتي» وبكى، فقال الله تعالى: اذهب يا جبريل إلى محمد، وربك
стр. 4085
أعلم، وسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇، فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ ما قال، فقال الله تعالى: اذهب إلى محمد، فقال له: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك.
ثم دعا إبراهيم بدعاء ثان بعد بناء البيت الحرام لقوله: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وبعد الدعاء الأول الذي كان قبل بناء البيت، فقال: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ.﴾. أي يا ربنا إني أسكنت بعض ذريتي وهم إسماعيل ومن ولد منه، بواد لا زرع فيه وهو وادي مكة، عند بيتك المحرم أي الذي حرمت التعرض له والتهاون به، وجعلته محرما ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده، فاجعل قلوب بعض الناس تسرع إليه شوقا ومحبة، وتحن وتميل إلى رؤيته. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم: لو قال: أفئدة الناس، لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم، ولكن قال: ﴿مِنَ النّاسِ﴾ فاختص به المسلمون.
وارزق ذريتي من أنواع الثمار الموجودة في سائر الأقطار، ليكون ذلك عونا لهم على طاعتك، وكما أنه واد غير ذي زرع، فاجعل لهم ثمارا يأكلونها.
وقد استجاب الله دعاءه، كما قال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً، يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، رِزْقاً مِنْ لَدُنّا﴾ [القصص ٥٧/ ٢٨] وتحقق فضل الله ورحمته وكرمه، فبالرغم من أنه ليس في البلد الحرام: «مكة» شجرة مثمرة، فإنه تجبى إليها ثمرات ما حولها من البلاد، من أنواع ثمار الفصول الأربعة، استجابة لدعاء الخليل ﵇.
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ أي وارزقهم من أنواع الثمار ليشكروك على جزيل نعمتك، أو رجاء أن يشكروك بإقامة الصلاة وكثرة العبادة. وفيه إيماء إلى أن تحصيل منافع الدنيا إنما هو للاستعانة بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات.
стр. 4086
﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ.﴾. أي أنت تعلم قصدي في دعائي، وهو التوصل إلى رضاك والإخلاص لك، وأنت أعلم بأحوالنا ومصالحنا، وتعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، لا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء، فلا حاجة لنا إلى الطلب، وإنما ندعوك إظهارا لعبوديتك، وافتقارا إلى رحمتك، واستعجالا لنيل ما عندك.
﴿وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ.﴾. أي ولا يغيب عن الله شيء في الأرض أو في السماء، فكله مخلوق له، وهو عالم به. وهذا من كلام الله ، تصديقا لإبراهيم ﵇، كقوله: ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل ٣٤/ ٢٧] أو من كلام إبراهيم، يعني وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب والشهادة من شيء في كل مكان. و ﴿مِنْ﴾ للاستغراق، كأنه قيل: وما يخفى عليه شيء ما.
ثم حمد إبراهيم ﵇ ربه على ما رزقه من الولد بعد الكبر، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي.﴾. أي الحمد والشكر كله لله الذي أعطاني ومنحني الولد بعد الكبر والإياس من الولد، أعطاني ولدين هما إسماعيل وأمه هاجر وإسحاق وأمه سارّة. وقدم إسماعيل؛ لأنه كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة. وقيل: لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتي عشرة سنة.
وقوله: ﴿عَلَى الْكِبَرِ﴾ لأن المنة بهبة الولد في هذه السن أعظم؛ إذ الظفر بالحاجة وقت اليأس من أعظم النعم، ولان الولادة في تلك السن المتقدمة كانت آية لإبراهيم.
﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أي إن الله ربي سامع دعائي وقولي، ومجيب من دعاه، وعالم بالمقصود، سواء صرحت به أو لم أصرح. وقال هذا لما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض، لا على وجه الإيضاح والتصريح.
стр. 4087
ومناسبة قوله: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي.﴾. لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي.﴾. هو لمراعاة الأدب الجم مع الله تعالى، فهو ﵇ كان يريد أن يطلب من الله إعانة زوجه هاجر وابنه إسماعيل بعد موته، ولكنه لم يصرح بهذا المطلوب، بل ذكر أنك يا رب تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا، ثم نوّه بحال ذريته بعد موته، فكان هذا دعاء لزوجه وابنه بالخير والمعونة بعد موته، على سبيل الرمز والتعريض.
وذلك-كما قال الرازي-يدل على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة أفضل من الدعاء،
قال ﵊ حاكيا عن ربه أنه قال فيما رواه البخاري والبزار والبيهقي عن ابن عمر: «من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطيت السائلين».
ثم دعا بما يكون دليلا على شكر الله فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ.﴾. أي رب اجعلني مؤديا صلاتي على أتم وجه، محافظا عليها، مقيما لحدودها.
واجعل بعض ذريتي كذلك مقيمي الصّلاة؛ لأن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض.
وخص الصلاة بالذكر لأنها عنوان الإيمان، ووسيلة تطهير النفوس من الفحشاء والمنكر.
﴿رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ أي اقبل يا رب دعائي، أو عبادتي في رأي ابن عباس بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [مريم ٤٨/ ١٩]. و
قال رسول الله ﷺ فيما رواه الجماعة وغيرهم عن النعمان بن بشير: «الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي، سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي.﴾. أي ربنا استرني وتجاوز عن ذنوبي وذنوب والدي وذنوب المؤمنين كلهم يوم يثبت ويوجد الحساب فتحاسب عبادك على أعمالهم
стр. 4088
الخيرة والشريرة. قال الحسن: إن أمه كانت مؤمنة، وأما استغفاره لأبيه فكان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين أنه عدو لله، تبرأ منه، كما قال :
﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٤/ ٩].
ودعاء إبراهيم لنفسه لا يلزم منه صدور ذنب منه، وإنما المقصود منه الالتجاء إلى الله تعالى، والاعتماد على فضله وكرمه ورحمته.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - تعليمنا طلب نعمة الأمان من الله، فابتداء إبراهيم ﵇ بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات، وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به.
٢ - مشروعية الدعاء للنفس والذرية والبلاد، بل ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته.
٣ - كان دعاء إبراهيم مركّزا حول إخلاص التوحيد لله ، وتجنب عبادة الأصنام والأوثان، التي كانت سببا في إضلال كثير من الناس، فدعاؤه جمع بين طلب أن يرزق التوحيد، وبين طلب صونه عن الشرك، وتضمن أيضا طلب توفيقه لصالح الأعمال، وتخصيصه بالرحمة والمغفرة يوم القيامة.
٤ - الالتفاف حول النبي أو المصلح واجب؛ لقول إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾.
٥ - طلب المغفرة للعصاة غير الكفار؛ لأن الشرك أو الكفر لا يجوز
стр. 4089
بالإجماع طلب إسقاطه ومغفرته؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤].
٦ - إسكان إبراهيم زوجه وابنه إسماعيل عند البيت الحرام كان لإقامة الصلاة.
وقد روى البخاري عن ابن عباس ما مفاده أن إبراهيم ترك هاجر وابنها إسماعيل وهي ترضعه، عند البيت، عند دوحة فوق زمزم، في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا، وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل؛ فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيّعنا؛ ثم رجعت، فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثّنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾.
وبعد أن نفد ما في السقاء، عطشت وعطش ابنها، فجعلت تسعى سعي المجهود بين الصفا والمروة، سبع مرات،
قال النبي ﷺ : «فذلك سعي الناس بينهما» ثم سمعت وهي على المروة صوتا، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو بجناحه، حتى ظهر الماء.
روى الدارقطني عن ابن عباس قال:
قال رسول الله ﷺ : «ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تشتفي به شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله به، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه، وهي هزمة (١) جبريل، وسقيا الله إسماعيل».
стр. 4090
٧ - لا يجوز لأحد أن يفعل فعل إبراهيم في طرح ولده وعياله بأرض مضيعة، اتكالا على العزيز الرحيم، واقتداء بفعل إبراهيم الخليل، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله تعالى،
لقوله في الحديث: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. وكان ذلك كله بوحي من الله تعالى.
٨ - تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها؛ لأن معنى ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه.
٩ - كان من بركة دعاء إبراهيم ﵇ واستجابة الله له أن التعلق بالبيت الحرام وحبه والشوق إليه والحنين إلى زيارته متمكن في قلب كل مؤمن.
وقال ابن عباس في الآية: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً﴾: سأل أن يجعل الله الناس يهوون السّكنى بمكة، فيصير بيتا محرما، وكل ذلك كان، والحمد لله، وأول من سكنه جرهم.
وأن مكة أصبحت ملتقى الأثمار والفواكه الآتية من كل الأنحاء والأمصار، وأنبت الله لهم بالطائف سائر الأشجار.
١٠ - احتج أهل السنة بآية ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ على أن أفعال العبد مخلوقة الله تعالى، وهذا يشمل ترك المنهيات المنصوص عليه في هذه الآية: ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ وفعل المأمورات المنصوص عليه في آية: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وذلك تصريح بأن إبراهيم ﵇ كان مصرا على أن الكل من خلق الله تعالى.
١١ - دلّ القرآن على أنه تعالى أعطى إبراهيم ﵇ ولدين هما إسماعيل وإسحاق على الكبر والشيخوخة، ولم يتعرض القرآن لسن إبراهيم في ذلك الوقت، وإنما يؤخذ من روايات التاريخ.
﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ.﴾. ﴿يَوْمَ﴾: مفعول ﴿أَنْذِرِ﴾ الثاني ولا يجوز أن يكون ظرفا لأنذر؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الإنذار يوم القيامة، ولا إنذار يوم القيامة.
﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ فعل ماض فاعله مقدر، أي تبين لكم فعلنا بهم، ولا يجوز أن يكون ﴿كَيْفَ﴾ فاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيما قبله، ولأن ﴿كَيْفَ﴾ لا يقع مخبرا عنه، والفاعل يخبر عنه، وإنما ﴿كَيْفَ﴾ هنا منصوبة بقوله: ﴿فَعَلْنا﴾.
﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ اللام لام الجحود، والفعل منصوب بتقدير «أن». و «إن» بمعنى «ما» وتقديره: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، على التصغير والتحقير لمكرهم. ومن قرأ بفتح اللام وضم آخر الفعل «لتزول» كانت اللام للتأكيد، ودخلت للفرق بين «إن» المخففة من الثقيلة وبين «إن» بمعنى «ما» أي وإنه كان مكرهم لتزول منه الجبال. وكان هنا تامة بمعنى وقع، والجبال: عبارة عن أمر النبي ﷺ لعظم شأنه.
﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي مخلف رسله وعده.
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ.﴾. يوم منصوب على الظرف بالمصدر قبله، وهو ﴿اِنتِقامٍ﴾. وما بعد ﴿وَالسَّماواتُ﴾ محذوف أي غير السموات، لدلالة ﴿غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ عليه.
﴿لِيَجْزِيَ اللهُ.﴾. اللام تتعلق بفعل ﴿وَتَغْشى﴾ أو بفعل ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ أو بمحذوف دل عليه قوله: ﴿ذُو انتِقامٍ﴾.
﴿وَلِيُنْذَرُوا﴾ فيه تقدير، أي هذا بلاغ للناس وللإنذار؛ لأن «أن» المقدّرة بعد اللام مع «ينذروا» في تأويل المصدر، وهو الإنذار. أو تقديره: هذا بلاغ للناس وأنزل لينذروا به، كقوله تعالى: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ، فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف ٢/ ٧].
البلاغة:
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ فيه جناس الاشتقاق.
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ حذف منه: «والسموات تبدل غير السموات» لدلالة ﴿غَيْرَ الْأَرْضِ﴾.
﴿وَبَرَزُوا﴾ عبر بالماضي محل المضارع «يبرزون» للدلالة على تحقق الوقوع، مثل ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ [النحل ١/ ١٦] أي فكأنه حدث ووقع، فأخبر عنه بصيغة الماضي.
المفردات اللغوية:
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ.﴾. خطاب لرسول الله ﷺ ، والمراد تثبيته على ما هو عليه من أنه مطلع
стр. 4093
على أحوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه خافية، والوعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة، أو هو خطاب لكل من توهم غفلته جهلا بصفات الله واغترارا بإمهاله. ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يؤخر عذابهم.
أماكنها، لهول ما ترى، يقال: شخص بصر فلان، أي فتحه فلم يغمضه. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين إلى الداعي ومقبلين، وأصله الإقبال على الشيء. ﴿مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ أي رافعيها إلى السماء ناظرة أمامها. ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ لا يرجع إليهم بصرهم، بل تبقى عيونهم شاخصة لا تطرف.
﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ قلوبهم خالية من العقل والفهم لفزعهم، وفرط الحيرة والدهشة.
﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ﴾ خوف يا محمد الكفار. ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ﴾ هو يوم القيامة، أو يوم الموت، فإنه أول أيام عذابهم. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالكفر أو الشرك والتكذيب. ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أخر العذاب عنا، وردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى حد من الزمان قريب، أو أخر آجالنا وأبقنا مقدار ما نؤمن بك، ونجيب دعوتك بالتوحيد. ﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ الذين أرسلتهم، وهذا وما قبله جواب الأمر، ونظيره: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقين ١٠/ ٦٣].
﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ﴾ يقال لهم توبيخا، أي حلفتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا. ﴿مِنْ زَوالٍ﴾ ﴿مِنْ﴾: زائدة، أي زوال عن الدنيا إلى الآخرة.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعاصي كعاد وثمود. ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ من العقوبة وما تشاهدونه في منازلهم من آثار ما نزل بهم، فلم تنزجروا. ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ بينا لكم الأمثال في القرآن فلم تعتبروا، وأنكم مثلهم في الكفر والعذاب. ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ بالنبي ﷺ حيث أرادوا قتله أو تقييده أو إخراجه، وبذلوا فيه غاية جهدهم لإبطال الحق وتقرير الباطل. ﴿وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي علمه أو جزاؤه. ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ﴾ أي وما كان مكرهم، وإن عظم، معدّا لإزالة الجبال، أي لا يعبأ به ولا يضر إلا أنفسهم، فهم مكروا ليزيلوا ما هو كالجبال الراسية ثباتا وتمكنا، والمراد بالجبال هنا: حقيقتها، وقيل: شرائع الإسلام المشبهة بها في القرار والثبات. ومن قرأ بفتح لام ﴿لِتَزُولَ﴾ ورفع الفعل، فتكون «إن» مخففة، والمراد تعظيم مكرهم، مثل قوله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم ٩٠/ ١٩].
﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ بالنصر. ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب لا يعجزه شيء ﴿ذُو انتِقامٍ﴾ قادر من الانتقام لأوليائه من أعدائه وكل من عصاه. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ﴾ اذكر ذلك وهو يوم القيامة، فيحشر الناس على أرض بيضاء نقية، كما في حديث الصحيحين. ﴿وَبَرَزُوا﴾ خرجوا من القبور.
﴿وَتَرَى﴾ تبصر يا محمد. ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ الكافرين. ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أي مشدودين مع بعض أو مع
стр. 4094
شياطينهم. ﴿فِي الْأَصْفادِ﴾ في القيود أو الأغلال، جمع صفد. ﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ قمصهم، جمع سربال وهو القميص. ﴿مِنْ قَطِرانٍ﴾ لأنه أبلغ لاشتعال النار، والقطران: أسود منتن، تشتعل فيه النار بسرعة، يطلى به جلود أهل النار، حتى يكون طلاؤه لهم كالقمص، ليجتمع عليهم لذع القطران، ووحشة لونه، ونتن ريحه، مع إسراع النار في جلودهم. والقطران: دهن يتحلب من شجر العرعر والتوت، كالزفت، تدهن به الإبل حال الجرب، ويقال له: الهناء، تهنأ به الإبل الجربي، أي تطلي. ﴿وَتَغْشى﴾ تعلو وتحيط بها.
﴿لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَبَرَزُوا﴾، فتجازى كل نفس مجرمة أو مطيعة بما فعلت في الدنيا من خير أو شر. ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ يحاسب جميع الخلق، في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، لحديث ورد بذلك. ﴿هذا﴾ القرآن. ﴿بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ أي أنزل لتبليغهم، وهو كفاية في العظة والتذكير. ﴿وَلِيَعْلَمُوا﴾ بما فيه من الحجج. ﴿أَنَّما هُوَ﴾ أن الله إله واحد.
﴿وَلِيَذَّكَّرَ﴾ وليتعظ. ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى دلائل التوحيد، وبعد أن حكى عن إبراهيم أنه طلب من الله أن يصونه من الشرك وأن يوفقه لصالح الأعمال، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة يوم القيامة، ذكر ما يدل على وجود يوم القيامة بقوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ وما يدل على صفة يوم القيامة بقوله:
﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ.﴾. إلخ.
التفسير والبيان:
ولا تحسبن يا محمد أن الله إذا أنظر الناس وأخر عنهم العذاب إلى يوم القيامة، أنه غافل عنهم، مهمل لهم، لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم، ويعده عليهم عدا. والمقصود من الآية إثبات وجود يوم القيامة بطريق التنبيه على أنه تعالى سينتقم للمظلوم من الظالم.
وهو وإن كان خطابا للنبي ﷺ صورة، فالمراد به أمته، بأسلوب «إياك أعني واسمعي يا جارة». وفيه تسلية للمؤمنين، وتهديد للظالمين بأن الله يحصي
стр. 4095
عليهم أعمالهم ويعلم بها، وسيجزيهم على ظلمهم في الوقت المناسب، فعقابهم آت لا محالة؛ لأن العلم بالظلم الصادر منهم موجب لعقابهم.
ثم بيّن الله تعالى أنه إنما يؤخر عقاب هؤلاء الظالمين ليوم موصوف بالصفات التالية:
١ - أنه تشخص فيه الأبصار، أي أنه يمهلهم ويؤخرهم ليوم شديد الهول، ومن شدة أهواله تظل الأبصار فيه مفتوحة لا تطرف ولا تغمض، من شدة الفزع والحيرة والدهشة. ثم وصف كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إلى قيام المحشر، فقال:
٢ - ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي أنهم يأتون من قبورهم إلى المحشر مسرعين بالذل والمهانة، كما قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ﴾ [القمر ٨/ ٥٤] وقال سبحانه:
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ، وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ، فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً﴾ إلى قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ.﴾. [طه ١٠٨/ ٢٠ - ١١١] وقال : ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً.﴾. [المعارج ٤٣/ ٧٠].
٣ - ﴿مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ أي رافعي رؤوسهم، ينظرون في ذل وخشوع، ولا يلتفتون إلى شيء.
٤ - ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي لا يرجع إليهم تحريك أجفانهم، بل تظل أبصارهم شاخصة مفتوحة تديم النظر، لا يطرفون ولا يغمضون، لكثرة ما هم فيه من شدة الهول والفزع، والمراد من هذه الصفة دوام الشخوص.
٥ - ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ أي وقلوبهم خاوية خالية لا شيء فيها من القوة، مضطربة، لكثرة الخوف. والمراد أن قلوب الكفار خالية من الخواطر؛ لعظم الحيرة، ومن كل رجاء وأمل؛ لما تحققوه من العقاب، وخالية من كل سرور؛ لكثرة الحزن.
стр. 4096
ووقت حصول هذه الأوصاف عند المحاسبة؛ لأنه تعالى ذكر هذه الصفات عقب وصف ذلك اليوم بأنه يوم يقوم الحساب.
ثم ذكر تعالى مقالة هؤلاء المعذبين حين رؤية الهول، فقال: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ.﴾ ..
أي وخوّف أيها النبي الناس جميعا من أهوال عذاب يوم القيامة، حين يقول الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب هلعا وجزعا: ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي ردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى وقت آخر قريب العودة إليك، نتدارك فيه ما فرطنا في الدنيا، من إجابة دعوتك إلى التوحيد وإخلاص العبادة لك، واتباع رسلك فيما أرسلتهم به، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون ١٠/ ٦٣] وكقوله: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ: رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ.﴾.
[المؤمنون ٩٩/ ٢٣ - ١٠٠].
فرد الله تعالى عليهم موبخا لهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ.﴾. أي أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحالة حينما كنتم في الدنيا: أنكم إذا متم لا زوال لكم عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، أي كنتم تنكرون البعث والحساب، وتزعمون أنه لا انتقال لحياة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل ٣٨/ ١٦] فذوقوا هذا العذاب بذلك الإنكار.
﴿وَسَكَنْتُمْ.﴾. أي والحال أنكم أقمتم في الظلم والفساد، وصاحبتم الظالمين لأنفسهم، وسرتم سيرتهم، بالرغم من أنه تبين لكم، ورأيتم ما فعلنا بهم من الإهلاك والعقاب لتكذيبهم وجحودهم وصدودهم عن دعوة الحق، وعاينتم آثار عذابهم، وظهر لكم أن عاقبتهم آلت إلى الوبال والخزي والنكال، وضربنا لكم الأمثال، وهو ما أورده الله في القرآن مما يعلم به أنه قادر على الإعادة، كما قدر على الابتداء،
стр. 4097
وقادر على التعذيب المؤجل، كما يفعل الهلاك المعجل، وذلك في كتاب الله كثير، ولكنكم لم تعتبروا ولم تتعظوا، فلم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر، فكيف تطلبون العودة والتأخير للتوبة؟! وقد فات الأوان.
ثم بيّن الله تعالى تشابه أحوالهم مع أحوال السابقين، فقال: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ أي إن هؤلاء الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم لم تتغير حالهم عن حال من سبقهم، فإنهم مكروا مكرهم جهد طاقتهم في إبطال الحق وتقرير الباطل، ﴿وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي وعند الله العلم بمكرهم، أو جزاؤهم، فكل شيء معلوم منهم، ومكتوب ومسجل عليهم، وسيجازيهم عليه الجزاء العادل، ويحاسبهم الحساب الشديد.
ثم ذكر الله تعالى وقت انتقامه فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ.﴾. أي إن الله تعالى ذو انتقام من أعدائه، ووعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض، فتصبح على غير الصفة المألوفة المعروفة، وتبدل أيضا السموات غير السموات، أما ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً﴾ [نوح ٢٢/ ٧١] فمحال أن تزول الجبال بمكرهم، والمراد بالجبال آيات الله وشرائعه؛ لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكنا، فهذا الذي فعلوه بأنفسهم من شركهم بالله وكفرهم به، ما ضر ذلك شيئا من الجبال ولا غيرها، وإنما ضر أنفسهم، وعاد وبال ذلك عليهم. والمقصود تصغير مكرهم وتحقيره وتهوينه، فليس من شأنه إزالة الآيات وإبطال النبوات الثابتة ثبوت الجبال، والجبال لا تزول، ولكن العبارة مجاز عن تعظيم الشيء ووصفه كيف يكون.
وإذا كان الأمر كذلك فلا تحسبن أيها الرسول أن الله مخلف رسله وعده، بل هو منجز لهم ما وعدهم به، والمراد تثبيت أمته على الثقة بوعد ربه بنصرهم وتعذيب الظالمين، كما قال: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ
стр. 4098
عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨] وقال: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠] وآية ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ﴾ هنا هي تقرير وتأكيد لهاتين الآيتين، أي من نصرتكم في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.
﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ﴾ أي إن الله ذو عزة وقدرة لا يعجزه ولا يمتنع عليه شيء أراده، وشاء عقوبته، وهو ذو انتقام ممن كفر به وجحده، أو أشرك معه إلها آخر. وهذه خاتمة مناسبة للآية، تؤكد الحرص على إنجاز الوعد للرسل.
ثم ذكر تعالى وقت انتقامه فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ.﴾. أي إن الله تعالى ذو انتقام من أعدائه، ووعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض، فتصبح على غير الصفة المألوفة المعروفة، وتبدل أيضا السموات غير السموات، أما الأرض الحالية فتصبح كالدخان المنتشر، وأما السموات فتتبدد كواكبها وشمسها وقمرها.
جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقيّ، ليس فيها معلم لأحد».
وروى أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن عائشة قالت: «سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾:
أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على الصراط».
واختلف العلماء في تبديل الأرض والسموات، فقيل: تبدّل أوصافها فتسيّر عن الأرض جبالها، وتفجّر بحارها وتسوّى، فلا يرى فيها عوج ولا أمت (١)،
стр. 4099
قال ابن عباس: هي تلك الأرض، وإنما تغير. وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها.
وقيل: يخلق بدلها أرضا وسموات أخر، عن ابن مسعود وأنس: «يحشر الناس على أرض بيضاء، لم يخطئ عليها أحد خطيئته» (١).
والعلماء يقررون أن الأرض والكواكب كانت كتلة ملتهبة في الفضاء، ثم انفصلت عنها الشمس والكواكب السيارة، ثم الأرض، ثم الأقمار. وستنحل هذه المجموعة، وتكون سموات غير هذه السموات، وأرض غير هذه الأرض.
﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ أي وخرجت الخلائق جميعها من قبورهم انتظارا لحكم الله الوحد، الذي قهر كل شيء وغلبه، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر ١٦/ ٤٠] وفي هذا تهويل وتخويف.
ولما وصف الله تعالى نفسه بكونه قهارا، أبان عجز الناس وذلتهم أمامه، وذكر من صفاتهم:
١ - كون المجرمين مقرنين في الأصفاد، أي ترى يا محمد المجرمين وهم الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم مقيدين بعضهم إلى بعض في الأغلال أو القيود، فيجمع بين النظراء أو الأشكال، كل صنف إلى صنف، كما قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢/ ٣٧] وقال: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير ٧/ ٨١] أي تقرن نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين وقال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ﴾ [الشعراء ٩٤/ ٢٦].
٢ - ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ أي قمصهم من القطران، والمراد أن جلود أهل النار تطلي بالقطران، حتى تصبح كالسرابيل، ليحصل بسببها أربعة أنواع
стр. 4100
من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح. وأيضا التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين.
٣ - ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أي تحيط النار بأجسامهم، وإنما ذكرت الوجوه؛ لأنها أشرف الأعضاء وأعزها، مثل قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ، وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٤/ ٢٣] وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الزمر ٢٤/ ٣٩] وقوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ، ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر ٤٨/ ٥٤].
ثم بين الله تعالى سبب الجزاء فقال: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أي أنه تعالى فعل كل ذلك ليجزي يوم القيامة كل شخص بما يليق بعمله وكسبه، من خير أو شر، فيعاقب المجرمين أو الكفار على كفرهم ومعصيتهم، ويثيب المؤمنين على إيمانهم وطاعتهم، كما قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١/ ٥٣].
ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ أي إنه تعالى يحاسب جميع العباد بسرعة وهي في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، كما جاء في الحديث، ولا يظلم الناس ولا يزيد في عقابهم الذي يستحقونه، وهو سريع الإنجاز؛ لأنه يعلم كل شيء ولا تخفى عليه خافية، وإن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم، كقوله تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان ٢٨/ ٣١]، وهو سريع الإحصاء.
ثم قال تعالى: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ أي هذا القرآن بلاغ للناس أي تبليغ وكفاية في الموعظة، كما قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩/ ٦] أي هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجن.