← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

ووقت حصول هذه الأوصاف عند المحاسبة؛ لأنه تعالى ذكر هذه الصفات عقب وصف ذلك اليوم بأنه يوم يقوم الحساب. ثم ذكر تعالى مقالة هؤلاء المعذبين حين رؤية الهول، فقال: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ.﴾ .. أي وخوّف أيها النبي الناس جميعا من أهوال عذاب يوم القيامة، حين يقول الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب هلعا وجزعا: ﴿رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي ردنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى وقت آخر قريب العودة إليك، نتدارك فيه ما فرطنا في الدنيا، من إجابة دعوتك إلى التوحيد وإخلاص العبادة لك، واتباع رسلك فيما أرسلتهم به، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون ١٠/ ٦٣] وكقوله: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ: رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ.﴾. [المؤمنون ٩٩/ ٢٣ - ١٠٠]. فرد الله تعالى عليهم موبخا لهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ.﴾. أي أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحالة حينما كنتم في الدنيا: أنكم إذا متم لا زوال لكم عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، أي كنتم تنكرون البعث والحساب، وتزعمون أنه لا انتقال لحياة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل ٣٨/ ١٦] فذوقوا هذا العذاب بذلك الإنكار. ﴿وَسَكَنْتُمْ.﴾. أي والحال أنكم أقمتم في الظلم والفساد، وصاحبتم الظالمين لأنفسهم، وسرتم سيرتهم، بالرغم من أنه تبين لكم، ورأيتم ما فعلنا بهم من الإهلاك والعقاب لتكذيبهم وجحودهم وصدودهم عن دعوة الحق، وعاينتم آثار عذابهم، وظهر لكم أن عاقبتهم آلت إلى الوبال والخزي والنكال، وضربنا لكم الأمثال، وهو ما أورده الله في القرآن مما يعلم به أنه قادر على الإعادة، كما قدر على الابتداء،

стр. 4097

وقادر على التعذيب المؤجل، كما يفعل الهلاك المعجل، وذلك في كتاب الله كثير، ولكنكم لم تعتبروا ولم تتعظوا، فلم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر، فكيف تطلبون العودة والتأخير للتوبة؟! وقد فات الأوان. ثم بيّن الله تعالى تشابه أحوالهم مع أحوال السابقين، فقال: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ أي إن هؤلاء الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم لم تتغير حالهم عن حال من سبقهم، فإنهم مكروا مكرهم جهد طاقتهم في إبطال الحق وتقرير الباطل، ﴿وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي وعند الله العلم بمكرهم، أو جزاؤهم، فكل شيء معلوم منهم، ومكتوب ومسجل عليهم، وسيجازيهم عليه الجزاء العادل، ويحاسبهم الحساب الشديد. ثم ذكر الله تعالى وقت انتقامه فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ.﴾. أي إن الله تعالى ذو انتقام من أعدائه، ووعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض، فتصبح على غير الصفة المألوفة المعروفة، وتبدل أيضا السموات غير السموات، أما ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً﴾ [نوح ٢٢/ ٧١] فمحال أن تزول الجبال بمكرهم، والمراد بالجبال آيات الله وشرائعه؛ لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكنا، فهذا الذي فعلوه بأنفسهم من شركهم بالله وكفرهم به، ما ضر ذلك شيئا من الجبال ولا غيرها، وإنما ضر أنفسهم، وعاد وبال ذلك عليهم. والمقصود تصغير مكرهم وتحقيره وتهوينه، فليس من شأنه إزالة الآيات وإبطال النبوات الثابتة ثبوت الجبال، والجبال لا تزول، ولكن العبارة مجاز عن تعظيم الشيء ووصفه كيف يكون. وإذا كان الأمر كذلك فلا تحسبن أيها الرسول أن الله مخلف رسله وعده، بل هو منجز لهم ما وعدهم به، والمراد تثبيت أمته على الثقة بوعد ربه بنصرهم وتعذيب الظالمين، كما قال: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ

стр. 4098

عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨] وقال: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠] وآية ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ﴾ هنا هي تقرير وتأكيد لهاتين الآيتين، أي من نصرتكم في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد. ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ﴾ أي إن الله ذو عزة وقدرة لا يعجزه ولا يمتنع عليه شيء أراده، وشاء عقوبته، وهو ذو انتقام ممن كفر به وجحده، أو أشرك معه إلها آخر. وهذه خاتمة مناسبة للآية، تؤكد الحرص على إنجاز الوعد للرسل. ثم ذكر تعالى وقت انتقامه فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ.﴾. أي إن الله تعالى ذو انتقام من أعدائه، ووعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض، فتصبح على غير الصفة المألوفة المعروفة، وتبدل أيضا السموات غير السموات، أما الأرض الحالية فتصبح كالدخان المنتشر، وأما السموات فتتبدد كواكبها وشمسها وقمرها. جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقيّ، ليس فيها معلم لأحد». وروى أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن عائشة قالت: «سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: على الصراط». واختلف العلماء في تبديل الأرض والسموات، فقيل: تبدّل أوصافها فتسيّر عن الأرض جبالها، وتفجّر بحارها وتسوّى، فلا يرى فيها عوج ولا أمت (١)،

стр. 4099

قال ابن عباس: هي تلك الأرض، وإنما تغير. وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها. وقيل: يخلق بدلها أرضا وسموات أخر، عن ابن مسعود وأنس: «يحشر الناس على أرض بيضاء، لم يخطئ عليها أحد خطيئته» (١). والعلماء يقررون أن الأرض والكواكب كانت كتلة ملتهبة في الفضاء، ثم انفصلت عنها الشمس والكواكب السيارة، ثم الأرض، ثم الأقمار. وستنحل هذه المجموعة، وتكون سموات غير هذه السموات، وأرض غير هذه الأرض. ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ أي وخرجت الخلائق جميعها من قبورهم انتظارا لحكم الله الوحد، الذي قهر كل شيء وغلبه، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [غافر ١٦/ ٤٠] وفي هذا تهويل وتخويف. ولما وصف الله تعالى نفسه بكونه قهارا، أبان عجز الناس وذلتهم أمامه، وذكر من صفاتهم: ١ - كون المجرمين مقرنين في الأصفاد، أي ترى يا محمد المجرمين وهم الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم مقيدين بعضهم إلى بعض في الأغلال أو القيود، فيجمع بين النظراء أو الأشكال، كل صنف إلى صنف، كما قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢/ ٣٧] وقال: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير ٧/ ٨١] أي تقرن نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين وقال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ﴾ [الشعراء ٩٤/ ٢٦]. ٢ - ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ﴾ أي قمصهم من القطران، والمراد أن جلود أهل النار تطلي بالقطران، حتى تصبح كالسرابيل، ليحصل بسببها أربعة أنواع

стр. 4100

من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح. وأيضا التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين. ٣ - ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أي تحيط النار بأجسامهم، وإنما ذكرت الوجوه؛ لأنها أشرف الأعضاء وأعزها، مثل قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ، وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٤/ ٢٣] وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الزمر ٢٤/ ٣٩] وقوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ، ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر ٤٨/ ٥٤]. ثم بين الله تعالى سبب الجزاء فقال: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أي أنه تعالى فعل كل ذلك ليجزي يوم القيامة كل شخص بما يليق بعمله وكسبه، من خير أو شر، فيعاقب المجرمين أو الكفار على كفرهم ومعصيتهم، ويثيب المؤمنين على إيمانهم وطاعتهم، كما قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١/ ٥٣]. ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ أي إنه تعالى يحاسب جميع العباد بسرعة وهي في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، كما جاء في الحديث، ولا يظلم الناس ولا يزيد في عقابهم الذي يستحقونه، وهو سريع الإنجاز؛ لأنه يعلم كل شيء ولا تخفى عليه خافية، وإن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم، كقوله تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان ٢٨/ ٣١]، وهو سريع الإحصاء. ثم قال تعالى: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ أي هذا القرآن بلاغ للناس أي تبليغ وكفاية في الموعظة، كما قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩/ ٦] أي هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجن.

стр. 4101

﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أي ليكون منذرا لهم بالعقاب ومحذرا من العذاب، وهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا ولينذروا بهذا البلاغ. ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي وليستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو. ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي وليتذكر ويتعظ به ذوو العقول أي أن لهذا البلاغ ثلاث فوائد: وهي التخويف من عذاب الله، والاستدلال به على وجود الخالق ووحدانيته، والاتعاظ به وإصلاح شؤون الإنسان. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - وجود يوم القيامة بنحو مؤكد مقطوع به، أما تأخير العذاب الشديد ليوم القيامة فلحكمة إلهية يعود نفعها إلى مصلحة العباد، كيلا يعجل بعقابهم وتترك الفرصة لهم لإصلاح أحوالهم، فليس تأخير العذاب للرضا بأفعالهم، بل سنة الله إمهال العصاة مدة. وفي هذا تسلية للنبي ﷺ عما ساءه من إعراض المشركين عن الإيمان بدعوته، قال ميمون بن مهران: هذا وعيد للظالمين، وتعزية للمظلوم. ٢ - يسيطر على يوم الحساب الحيرة والدهشة، والخوف والفزع، والاضطراب والقلق، فترى المجرمين حيارى لا تغمض أعينهم من هول ما يرونه في ذلك اليوم، ويسرعون في الخروج من القبور إلى مكان دعاء الداعي لهم بالتجمع في موقف الحساب، ناظرين من غير أن يطرفوا، ورافعي رؤوسهم ينظرون في ذل واستكانة، لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر، فهي شاخصة النظر، وأفئدتهم خاوية خربة ليس فيها خير ولا عقل، ولا وعي ولا فهم من شدة

стр. 4102

٣ - لا مناص من العذاب يوم القيامة ولا مفر منه، ولا أمل ولا رجاء في العودة إلى الدنيا لإصلاح الاعتقاد والأقوال والأفعال. ٤ - ما أكثر المواعظ والعبر وأقل الاتعاظ والاعتبار!! فقد سكن الناس في مساكن الظالمين، في بلاد ثمود ونحوها، ولم يعتبروا بمساكنهم، بعد ما تبين ما فعل الله بهم، وبعد أن ضرب الله لهم الأمثال في القرآن للعظة والعبرة. ٥ - لا جدوى من مكر الكافرين الشديد بالشرك بالله وتكذيب الرسل والمعاندة، فعند الله العلم التام بمكرهم، وهو مجازيهم عليه. ومكرهم حقير مهين لا يؤدي إلى شيء، من إزالة جبال الأرض، وإزاحة الإسلام والقرآن الثابتين ثبوت الجبال الراسيات، وقد حفظ الله رسوله ﷺ من ألوان مكرهم. ٦ - الله تعالى منجز وعده لرسله وأوليائه لا محالة، ولن يخلف الله وعده بنصر أهل الحق وعقاب المبطلين، والله تعالى قوي غالب منتقم من أعدائه، ومن أسمائه: المنتقم الجبار. ٧ - تتبدل الأرض والسموات يوم القيامة، وتبدل الأرض في رأي الأكثرين: عبارة عن تغير صفاتها، وتسوية آكامها، ونسف جبالها، ومدّ أرضها. وتبدل السموات: انتثار كواكبها وتصدعها وانشقاقها وتكوير شمسها وخسوف قمرها. ٨ - للمجرمين في النار صفات كئيبة، فهم مقيدون بالأغلال والقيود، وتطلي جلودهم بالقطران، وتضرب الناس وجوههم فتغشّيها وتحيط بها وبجميع أجسادهم. ٩ - إن حشر الناس يوم المعاد لإنصاف الخلائق وإقامة صرح العدل المطلق بينهم، ومجازاة كل امرئ بما عمل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

стр. 4103

١٠ - القرآن وما فيه من عظات تبليغ للناس وعظة، وإنذار وتخويف من عقاب الله ، ومصدر للعلم بوحدانية الله بما تضمنه من الحجج والبراهين، وموعظة يتعظ به أصحاب العقول. روى يمان بن رئاب أن هذه الآية ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ.﴾. نزلت في أبي بكر الصديق ﵁. وسئل بعضهم، هل لكتاب الله عنوان؟ فقال: نعم؛ قيل: وأين هو؟ قال: قوله تعالى: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ إلى آخرها. ١١ - هذه الآية الأخيرة من السورة دالة على أنه لا فضيلة للإنسان ولا منقبة له إلا بسبب عقله؛ لأنه تعالى بيّن أنه إنما أنزل هذه الكتب، وإنما بعث الرسل لتذكير أولي الألباب. ١٢ - أول هذه السورة مقرون بآخرها ومطابق له في المعنى، فأولها: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ يدل على أن المقصود من إنزال الكتاب إرشاد الخلق كلهم إلى الدين والتقوى ومنعهم عن الكفر والمعصية، وآخر السورة: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ يدل على أنه تعالى ذكر هذه المواعظ والنصائح لينتفع الخلق بها، فيصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية.

стр. 4104

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الحجر مكية، وهي تسع وتسعون آية. تسميتها: سميت سورة الحجر لذكر قصة أصحاب الحجر فيها، وهم ثمود، والحجر: واد بين المدينة والشام. مناسبتها لما قبلها: هناك تناسب بين هذه السورة وسورة إبراهيم في البدء والختام والمضمون، أما البداية: فكلتا السورتين افتتحتا بوصف الكتاب المبين، وأما المضمون: ففي كليهما وصف السموات والأرض، وإيراد جزء من قصة إبراهيم ﵇ وبعض قصص الرسل السابقين، تسلية لرسول الله ﷺ عما تعرض له من أذى قومه بتذكيره بما تعرض له الأنبياء من قبله، ونصرة الله لهم، مع نقاش الكفار والمشركين. وأما الخاتمة: ففي سورة إبراهيم وصف تعالى أحوال الكفار يوم القيامة بقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ، وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ، سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ، وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ثم قال هنا في هذه السورة: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فأخبر أن المجرمين المذكورين إذا طال مكثهم في النار، ورأوا عصاة المؤمنين والموحدين قد أخرجوا منها، تمنوا أن لو كانوا في الدنيا مسلمين. هذا مع اختتام آخر سورة إبراهيم بوصف الكتاب:

стр. 4105

﴿هذا بَلاغٌ.﴾. وافتتاح هذه به ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ وهذا تشابه في الأطراف بداية ونهاية (١). ما اشتملت عليه السورة: تتفق هذه السورة مع بيان أهداف التنزيل المكي وهي إثبات الوحدانية والنبوة والبعث والجزاء، والتذكير بمصارع الطغاة ومكذبي رسل الله الكرام، لذا ابتدأت السورة بالإنذار والتهديد، والتهويل والتوبيخ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ. ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. وتضمنت السورة ما يأتي: ١ - مناقشة الكفار والمشركين الذين كذبوا بالرسل وبما أتوا به من آيات، بدءا من أبي البشر الثاني: نوح ﵇ إلى خاتم النبيين: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ. وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [١٠ - ١١]. ٢ - إيراد الأدلة والبراهين على وجود الله تعالى من خلق السموات والأرض وخلق الإنسان، ومشاهد الرياح اللواقح، والحياة والموت، والحشر والنشر: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ.﴾. [١٦] ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها.﴾. [١٩] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [٢٦] ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ.﴾. [٢٢] ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ﴾ [٢٣] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ، إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [٢٥] وبيان حكمة خلق الموجودات: وهي عبادة الله وإقامة العدل وإرساء دعائم النظام في الحياة.

стр. 4106

٣ - إثبات صدق الوحي على النبي ﷺ : ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ.﴾. ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [٨ - ٩]. ٤ - الإشارة لنظرية ظلمة السماء: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ، فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقالُوا: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا، بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [١٤ - ١٥]. ٥ - قصة آدم وإبليس المعبّرة عن الطاعة والرفض، بامتثال الملائكة أمر الله بالسجود لآدم وتعظيمه، وأمر إبليس بالسجود له وعصيانه الأمر: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [٢٩ - ٣١]. ٦ - وصف حال أهل الشقاوة والنار، وأهل السعادة والتقوى والجنة [٤٢ - ٤٨]. ٧ - تسلية الرسول ﷺ منعا لليأس والقنوط بتذكيره بقصة لوط وشعيب وصالح ﵈ مع أقوامهم الذين دمرهم الله [قصة آل لوط: ٥٨ - ٧٧] [أصحاب الأيكة: قوم شعيب: ٧٨ - ٧٩] [أصحاب الحجر: ثمود: ٨٠ - ٨٤]. ٨ - بيان ما أنعم الله به على نبيه من إنزال القرآن [٨٧] وإهلاك أعدائه المستهزئين [٩٥] وأمره بعدم الافتتان بتمتيع الآخرين بالدنيا، وأمره بالتواضع للمؤمنين [٨٨] والجهر بالدعوة [٩٤] والصبر والتسبيح والعبادة حتى الموت عند مضايقته باستهزاء المشركين [٩٧ - ٩٩]. والخلاصة: تضمنت السورة دلائل التوحيد، وأحوال القيامة، وصفة الأشقياء والسعداء، وبعض قصص الأنبياء، وأفضال الله على نبيه المصطفى ﷺ .

стр. 4107

وصف القرآن وتهديد الكافرين والعصاة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾ الإعراب: ﴿رُبَما﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، فالتشديد على الأصل، والتخفيف لكثرة الاستعمال. و ﴿رُبَما﴾ فيها كافة عن العمل، وخرجت بها عن مذهب الحرف؛ لأن «رب» حرف جر، وحرف الجر يلزم للأسماء، فلما دخلت ﴿رُبَما﴾ عليها، جاز أن يقع بعدها الفعل، وصارت بمنزلة «طالما وقلّما». ولا يدخل بعد ﴿رُبَما﴾ إلا الماضي، وإنما جاء هاهنا المضارع بعدها، على سبيل الحكاية، ولما كان إخبار الحق تعالى متحققا، لا شك في وجوده لتحققه، نزّل المستقبل منزلة الماضي الذي وقع ووجد. و ﴿رُبَما﴾ معناها التقليل كرب، وقد يراد بها الكثرة، على خلاف الأصل. ﴿لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ مفعول في موضع نصب، لأنه مفعول ﴿يَوَدُّ﴾. ﴿يَأْكُلُوا﴾ جواب الأمر أو الطلب. ﴿وَلَها كِتابٌ﴾ ﴿كِتابٌ﴾ مبتدا مرفوع ﴿وَلَها﴾ خبره، والجملة: في موضع جرّ؛ لأنها صفة. ﴿قَرْيَةٍ﴾ ويجوز حذف واو ﴿وَلَها﴾ نحويا لمكان الضمير، والأصل ألا تدخلها الواو مثل ﴿إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٨/ ٢٦] ولكن لما شابهت صورتها صورة الحال، أدخلت عليها، تأكيدا للصوقها بالموصوف. البلاغة: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ المراد أهلها، من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحالّ.

стр. 4108

المفردات اللغوية: ﴿الر﴾ إشارة لتحدي العرب بإعجاز القرآن البياني، أي هذا الكتاب كلام الله المنظوم من حروف لغتكم العربية الهجائية: ألف، ولام، وميم. ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات ﴿الْكِتابِ﴾ هو السورة، وكذا القرآن، أي هذه آيات الكتاب العظيم المتميز بالفصاحة الكاملة والبيان التام ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ أي وقرآن واضح تام البيان، لا خلل فيه، مظهر للحق من الباطل. والكتاب والقرآن المبين: الكتاب الذي وعد الله تعالى به محمدا ﷺ . وتنكير ﴿وَقُرْآنٍ﴾ للتفخيم، والمعنى: تلك آيات الكتاب الجامع لكونه كتابا وقرآنا، فهو كامل في كونه كتابا، وفي كونه قرآنا مفيدا للبيان. ﴿رُبَما﴾ تدل على أن ما بعدها قليل الحصول، وقد تستعمل في الكثير، كما هنا، فإنه يكثر منهم تمني الإسلام، وقيل: للتقليل، فإن الأهوال تدهشهم، فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة. وما: كفّت دخول «رب» عن الجر، فجاز دخوله على الفعل، و «ما»: نكرة موصوفة، أي رب شيء ﴿يَوَدُّ﴾ يتمنى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين ﴿ذَرْهُمْ﴾ دعهم واتركهم يا محمد ﴿وَيَتَمَتَّعُوا﴾ بدنياهم ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم ﴿الْأَمَلُ﴾ بطول العمر وغيره عن الإيمان ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمرهم، وسوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءه. والغرض إقناط الرسول ﷺ من ارعوائهم وإيذانه بأنهم من أهل الخذلان، وأن نصحهم يعدّ اشتغالا بما لا طائل تحته. وفيه إلزام للحجة، وتحذير عن إيثار التنعم، وما يؤدي إليه طول الأمل. ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة للتمكين ﴿قَرْيَةٍ﴾ المراد أهلها ﴿كِتابٌ﴾ أجل ﴿مَعْلُومٌ﴾ محدود لإهلاكها، أي لها أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي ما يتقدم زمان أجلها، و ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿وَما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ يتأخرون عنه، وتذكير هذا الفعل العائد على ﴿أُمَّةٍ﴾ للحمل على المعنى. التفسير والبيان: ﴿الر﴾ هذه الحروف المقطعة قصد بها التنبيه وإشعار العرب بإعجاز القرآن البياني، وتحديهم بالإتيان بمثل أقصر سورة منه، لأنه نزل بلغتهم، وتكوّن من حروفها التي تتركب منها الكلمات ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ أي تلك الآيات من هذه السورة هي آيات الكتاب الكامل في كل شيء، وآيات القرآن المبين التام الوضوح والبيان لهذه السورة وغيرها. وتنكير كلمة

стр. 4109

﴿قُرْآنٍ﴾ للتفخيم، وقد جمع بين الوصفين: ﴿الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ للدلالة على أنه الكتاب الجامع للكمال، والغرابة في البيان، كما ذكر الزمخشري. ﴿رُبَما يَوَدُّ.﴾. أي ولكن الكفار سيندمون يوم القيامة على ما كانوا فيه من الكفر، ويتمنون لو كانوا في الدنيا مسلمين. وكلمة ﴿رُبَما﴾ وإن كانت للتقليل، فهي أبلغ في التهديد. ذكر ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة: أن كفار قريش لما عرضوا على النار، تمنوا أن لو كانوا مسلمين. قال الزجاج: الكافر كلما رأى حالا من أحوال العذاب، ورأى حالا من أحوال المسلم، ودّ لو كان مسلما. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ، فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ، وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧/ ٦]. روى الطبراني عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم الإسلام، وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب، فأخذنا بها، فسمع الله ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة، فأخرجوا. فلما رأى ذلك من بقي من الكفار، قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، فنخرج كما خرجوا» قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿الر. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ. رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾. ثم هددهم الله وأوعدهم بتهديد شديد ووعيد أكيد، فقال: ﴿ذَرْهُمْ.﴾. أي دع يا محمد الكفار في ملاهيهم وتمتعهم بلذات دنياهم، يأكلون كما تأكل الأنعام، وتلهيهم الآمال عن التوبة والإنابة أو عن الآخرة والأجل، فسوف يعلمون عاقبة أعمالهم وأمرهم. كقوله تعالى: ﴿قُلْ: تَمَتَّعُوا،

стр. 4110

فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ [إبراهيم ٣٠/ ١٤] وقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً، إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات ٤٦/ ٧٧] ويلاحظ أن الآيات الثلاث عللت سبب إهمالهم في الدنيا، إذ لا حظّ لهم في الآخرة. ثم ذكر تعالى سبب تأخير عذاب الكفار إلى يوم القيامة فقال: ﴿وَما أَهْلَكْنا﴾ أي إن سنة الله تعالى في الأمم واحدة، وهي أنه لا يهلك أهل قرية إلا بعد قيام الحجة عليهم، وإبلاغهم طريق الرشد والحق، وانتهاء أجلهم المقرر والمقدر لهم في اللوح المحفوظ، وأنه لا يؤخر عذاب أمة حان هلاكهم عن وقته المحدد، ولا يتقدمون عن مدتهم: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد ٣٨/ ١٣] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف ٣٤/ ٧]. والمقصود بالآيات: أنه لو شاء الله لعجل العذاب للكفار، ولكن اقتضت حكمته إمهالهم لعلهم يتوبوا، فإن لكل أمة أجلا معينا، لا تأخير فيه ولا تقديم، والله تعالى يمهل ولا يهمل. وهذا تنبيه لأهل مكة وأمثالهم وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك، كما قال ابن كثير. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - القرآن الكريم جامع بين صفة الكمال في كل شيء، والوضوح والبيان، فلا نقص فيه ولا خلل، ولا غموض ولا لبس، وإنما يظهر الحق من الباطل لكل إنسان. ٢ - سيندم الكفار يوم القيامة على كفرهم، ويتمنون أن لو كانوا مسلمين في

стр. 4111

أوقات كثيرة؛ لأن ﴿رُبَما﴾ وإن كانت تستعمل في الأصل للقليل، إلا أنها قد تستعمل في الكثير، ومن عادة العرب أنهم إذا ذكروا التكثير، ذكروا لفظا وضع للتقليل، ثم إن هذا التقليل أبلغ في التهديد. ٣ - يهتم الكفار عادة بالماديات، فتراهم منغمسين في الشهوات والأهواء واللذات، معتمدين على الآمال المعسولة، مغتّرين بالأماني الزائفة، منشغلين بالدنيا عن الطاعة والعمل للآخرة. وقد هددهم الله بتركهم في مآكلهم ومتعهم، وحذرهم من عاقبة صنيعهم. والآية تدل على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من شأن أخلاق المؤمنين. وورد في السنة النبوية أحاديث كثيرة في ذم الأمل مطلقا، منها ما رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يهرم ابن آدم، ويبقى معه اثنتان: الحرص والأمل» وفي مسند البزار عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعة من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا». وروى أحمد والطبراني والبيهقي عن عمرو بن شعيب مرفوعا قال: «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل». ٤ - لا ظلم في إهلاك الأمم الكافرة المكذّبة للرسل، وإنما هلاكها بسبب جحودها وكفرها وتكذيبها بآيات الله ورسله. ٥ - إن هلاك الأمم ليس عشوائيا ولا كيفيا حسب رغبات الناس، وإنما هو مقدر بتاريخ معين، ومقرر في أجل محدد، لا تأخير فيه ولا تقديم.

стр. 4112

بعض مقالات المشركين في النبي ﷺ والرد القاطع عليها ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨) إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ الإعراب: ﴿لَوْ ما﴾ بمعنى هلا، وهي مركبة من «لو» التي معناها امتناع الشيء لامتناع غيره، و «ما» التي تسمى المغيّرة؛ لأنها غيرت معنى «لو» من معنى امتناع الشيء لامتناع غيره، إلى معنى «هلا». مثل تركيب «لولا» صارت بمعنى «هلا» في أحد وجهيها، وبمعنى امتناع الشيء لوجود غيره. ﴿إِذاً﴾ أصلها: إذ أن ومعناه: حينئذ، فضم إليها أن، واستثقلوا الهمزة، فحذفوها. ﴿إِنّا نَحْنُ.﴾. ﴿نَحْنُ﴾ في موضع نصب؛ لأنه تأكيد للضمير الذي هو اسم «إن» في ﴿إِنّا﴾. ويجوز أن يكون في موضع رفع مبتدأ، و ﴿نَزَّلْنَا﴾ خبره، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع رفع خبر «إن». ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ محله النصب على الحال. ولا يجوز أن يكون ﴿نَحْنُ﴾ هنا ضمير فصل لا موضع له من الإعراب؛ لأنه ليس بعده

стр. 4113

معرفة، ولا ما يقارب المعرفة؛ لأن ما بعده جملة، وهي نكرة، فتكون صفة للنكرة، وشرط الفصل أن يكون بين معرفتين أو بين معرفة وما يقارب المعرفة. ﴿وَما يَأْتِيهِمْ﴾ ﴿وَما﴾ للحال، وهذا على حكاية الحال الماضية. البلاغة: ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿مُنْظَرِينَ﴾ بينها سجع، وكذلك بين ﴿يَعْرُجُونَ﴾ و ﴿مَسْحُورُونَ﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَقالُوا: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ.﴾. نادوا به النبي ﷺ على التهكم ﴿الذِّكْرُ﴾ القرآن ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أي إنك لتقول قول المجانين، حتى تدّعي أن الله تعالى نزل عليك الذكر أي القرآن ﴿لَوْ ما﴾ أي هلا، للتحضيض على فعل ما يقع بعدها ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعواك أو قولك: إنك نبي، وإن هذا القرآن من عند الله ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ إلا تنزيلا ملتبسا بالحق وملازما له، أي بالوجه الذي قدره واقتضته حكمته، ولا حكمة في أن تأتيكم بصورة تشاهدونها، فإنه لا يزيدكم إلا لبسا وخلطا، ولا في معاجلتكم بالعقوبة، فإن بعضكم وبعض ذريتكم سيؤمن، وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي الوحي أو العذاب ﴿إِذاً﴾ أي حين نزول الملائكة بالعذاب ﴿مُنْظَرِينَ﴾ مؤخرين. ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ القرآن، وهو رد لإنكارهم واستهزائهم ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ من التبديل والتحريف، والزيادة والنقص، بأن جعلناه معجزا مباينا لكلام البشر، بحيث لا يخفى تغيير نظمه على أهل العربية، أو المراد نفي تطرق الخلل إليه أثناء بقائه بضمان الحفظ له. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي أرسلنا رسلا ﴿فِي شِيَعِ﴾ فرق، وهي جمع شيعة: وهي الفرقة أو الجماعة المتفقة على رأي واحد، في العقيدة أو في المذهب، أو في الرأي. ﴿إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ كاستهزاء قومك بك، وهذا تسلية له ﷺ . ﴿نَسْلُكُهُ﴾ ندخله، أي مثل إدخالنا التكذيب في قلوب أولئك ندخله ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي كفار مكة ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالنبي ﷺ ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي مضت سنة الله فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم أنبياءهم، وهؤلاء مثلهم. ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ على هؤلاء المقترحين ﴿فَظَلُّوا فِيهِ﴾ في الباب ﴿يَعْرُجُونَ﴾ يصعدون ﴿سُكِّرَتْ أَبْصارُنا﴾ سدّت ومنعت عن الإبصار ﴿مَسْحُورُونَ﴾ قد سحرنا محمد بذلك، يخيل إلينا أننا مسحورون، والإضراب ببل دلالة على البت بأن ما يرونه لا حقيقة له، بل هو باطل خيل إليهم بنوع من السحر.

стр. 4114

سبب النزول: قال قتادة: القائلون هذه المقالة هم عبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة من صناديد قريش. المناسبة: بعد أن بالغ تعالى في تهديد الكفار، ذكر شبهتهم في إنكار نبوة محمد ﷺ ، وإساءتهم الأدب بوصفه بالسفاهة والجنون، ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء على هذا النحو، فلك يا محمد أسوة بالأنبياء في الصبر على سفاهتهم وجهالتهم. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى في هذه الآيات عن بعض مقالات المشركين وشبهاتهم الصادرة عن كفرهم وعنادهم، فقالوا استهزاء وتهكما: يا أيها الذي تدعي نزول القرآن عليك، إنك متصف بالجنون، حينما تدعونا إلى اتباعك، وترك ما وجدنا عليه آباءنا، فلا نقبل دعوتك. ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ.﴾. لو كنت ما تدعيه حقا وصدقا، فهلا تأتينا بالملائكة يشهدون لك بصدقك وصحة ما جئت به، ويؤيدونك في إنذارك، كما قال تعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ [الفرقان ٧/ ٢٥] وقال: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ، أَوْ نَرى رَبَّنا، لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً﴾ [الفرقان ٢١/ ٢٥] وحكى تعالى قول فرعون في شأن موسى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف ٥٣/ ٤٣]. فأجابهم تعالى عن المقالة الثانية بقوله: ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي

стр. 4115

لا ننزل الملائكة إلا بحق وحكمة ومصلحة نعلمها، ولا حكمة في أن تأتيكم عيانا تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي ﷺ ؛ لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار، وهم من غير جنسكم ولا على صورتكم فيلتبس الأمر عليكم؛ إذ لكل جنس هاد من جنسه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً، لَجَعَلْناهُ رَجُلاً، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٩/ ٦]. ﴿وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ﴾ أي ولو نزلنا الملائكة لكان ذلك إنزالا للهلاك والعذاب، وما أخر عنهم العذاب ساعة؛ لأن سنتنا أننا إذا أنزلنا آية كما يقترح الناس ولم يؤمنوا بها، أتبعنا ذلك بعذاب الاستئصال، فكان في إنزال الملائكة ضررا محققا لهم، لا نفعا. ثم أجابهم الله تعالى عن المقالة الأولى بقوله: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ.﴾. أي أنه تعالى هو الذي أنزل عليه الذّكر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل، فقولوا: إنه مجنون، ونقول: نحن منزلوا القرآن وحافظوه. وتلك خصوصية للقرآن، فإنه تعالى تكفل وحده بحفظه وصونه، على مدى الدهر، بخلاف الكتب السابقة التي أمر بحفظها الأحبار والرهبان، فعبثوا بها وغيروها وبدلوها، بل إن أصلها قد فقد وضاع، فلم يعرف لها أثر؛ قال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ، بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ، وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ [المائدة ٤٤/ ٥]. ثم قال الله تعالى مسليا لرسوله ﷺ في تكذيب بعض كفار قريش: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ.﴾. أي إنا أرسلنا قبلك رسلا للأمم الماضية وشيعها وطوائفها وفرقها، ولكن ما أتاهم من رسول إلا كذبوه واستهزءوا به وكفروا برسالته، فقوله: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ﴾ حكاية حال ماضية؛ لأن

стр. 4116

﴿ما﴾ لا تدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال. ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا، واستكبروا عن اتباع الهدى، فإن مثل ذلك التكذيب والكفر الذي أدخل في قلوب المجرمين السابقين، ندخله في قلوب المجرمين الجدد، فضمير ﴿نَسْلُكُهُ﴾ عائد إلى الشرك. ويصح عوده إلى الذكر (القرآن) أي مثل ذلك الإدخال ندخل القرآن ونلقيه في قلوبهم مكذبا مستهزءا به غير مقبول، حالة كونهم غير مؤمنين به أبدا. ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي مضت السنة المتبعة في الماضين، وهو أنه تعالى يهلك ويدمر كل من كذّب رسله، ويعلم بهم، وينجي الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة، فلك يا محمد أسوة بالرسل قبلك مع أممهم المكذبة. وبعبارة أخرى: سنفعل بالمجرمين اللاحقين كما فعلنا بالسابقين، وسننصر الرسل والمؤمنين. ثم يخبر الله تعالى عن شدة عنادهم وتمكن كفرهم في نفوسهم ومكابرتهم للحق، فقال: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً.﴾. أي لو فتحنا على هؤلاء المعاندين بابا من السماء، فجعلوا يصعدون فيه أو تصعد فيه الملائكة، لما صدقوا بذلك، بل قالوا: إنما منعت وسدت أبصارنا من الإبصار، وقد شبّه علينا، واختلطت الأمور في أذهاننا، وأصبحنا لا نرى إلا أخيلة، كالقوم المسحورين سحرنا محمد بآياته، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ، فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام ٧/ ٦]. والمعنى: بلغ من عناد المشركين أنهم لو صعدوا في السماء حقيقة، ورأوا من العيان ما رأوا، لقالوا: هذه أوهام وأخيلة، وقد سحرنا محمد، كما يفعل عالم السيمياء، أو المنوم المغناطيسي. وفي الآية دليل على وجود الظلام في الفضاء الخارجي.

стр. 4117

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات الشريفة على ما يلي: ١ - لقد تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، إلى يوم القيامة، وهو رد على اتهام المشركين زورا وبهتانا بأن محمدا الذي أنزل عليه هذا القرآن مجنون. ٢ - لا فائدة من إنزال الملائكة تشهد للنبي ﷺ بصدقه في دعواه النبوة، لما فيه من اللبس عليهم، بل إلحاق الضرر بهم، وهو الهلاك أو العذاب إذا كفروا بعدئذ، ولم يمهلوا بنزوله. ٣ - إن تكذيب الأنبياء والاستهزاء بهم عادة قديمة وظاهرة شائعة في الأمم، فكما يفعل المشركون بالنبي ﷺ ، فكذلك فعل من قبلهم بالرسل. ٤ - كما أدخل أو سلك الله الضلال والكفر والاستهزاء والشرك في قلوب المجرمين من طوائف الأقدمين، كذلك يسلكه في قلوب مشركي العرب، حتى لا يؤمنوا بمحمد ﷺ ، كما لم يؤمن من قبلهم برسلهم. وقيل: نسلك القرآن في قلوبهم، فيكذبون به، ذكر جماعة أنه قول أكثر المفسرين. ٥ - مضت سنة الله بإهلاك الكفار، فما أقرب هؤلاء المشركين من الهلاك. ٦ - المشركون معاندون، فلو كشف لهم أن يعاينوا أبوابا من السماء تصعد فيها الملائكة وتنزل، لقالوا: رأينا بأبصارنا ما لا حقيقة له.

стр. 4118

بعض مظاهر قدرة الله تعالى من خلق السموات والأرض وإرسال الرياح لواقح والإحياء والإماتة والعلم الشامل والحشر ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاّ مَنِ اِسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾ الإعراب: ﴿إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ﴾ ﴿مَنِ﴾ مستثنى منصوب، ولا يجوز أن يكون بدلا من ﴿كُلِّ شَيْطانٍ﴾ لأنه استثناء من موجب. ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ.﴾. ﴿مَنْ﴾ إما منصوب عطفا على قوله ﴿مَعايِشَ﴾ أي جعلنا لكم فيها المعايش والعبيد، أو بتقدير فعل، أي وأعشنا من لستم له برازقين، أو عطفا على موضع ﴿لَكُمْ﴾ المنصوب بجعلنا، وإما موضعه الرفع مبتدأ، وخبره محذوف. ولا يجوز في رأي البصريين خلافا

стр. 4119

للكوفيين عطفه على الكاف واللام في ﴿لَكُمْ﴾ لأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إن بمعنى «ما» و ﴿مِنْ﴾ زائدة، و ﴿شَيْءٍ﴾ في موضع رفع مبتدأ، و ﴿عِنْدَنا﴾ خبر المبتدأ، و ﴿خَزائِنُهُ﴾ مرفوع بالظرف وهو ﴿عِنْدَنا﴾ لوقوعه خبرا للمبتدأ، وتقديره: وما شيء إلا عندنا خزائنه. ودخول ﴿إِلاّ﴾ أبطل عمل ﴿إِنْ﴾ على لغة من يعملها. ﴿لَواقِحَ﴾ إما جمع لاقحة، أي حوامل بالسحاب؛ لأنها تسوقه، وإما أصله ملاقح، لكن أتى به على حذف الزوائد. البلاغة: ﴿عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ استعارة تخييلية وتمثيل لكمال قدرته، شبه قدرته تعالى على كل شيء بالخزائن المودع فيها الأشياء، ويخرج منها كل شيء على وفق حكمته. ﴿نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ بين كل طباق. ﴿خَزائِنُهُ﴾ و ﴿بِخازِنِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿بُرُوجاً﴾ البروج: القصور والمنازل، وأصل البروج: الظهور، يقال: تبرجت المرأة: إذا أظهرت زينتها، والمراد هنا النجوم العظام ونجوم البروج الاثني عشر المعروفة أي منازل الشمس والقمر والكواكب السيّارة الأخرى، وهي اثنا عشر برجا مختلفة الهيئات والخواص، على ما دل عليه الرصد والتجربة، مع بساطة السماء، وأسماء هذه البروج: الحمل، الثور، الجوزاء، والسّرطان، والأسد، والسّنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدّلو، والحوت. والعرب تعدّ معرفة مواقع النجوم وأبوابها من أجلّ العلوم، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب. وبرج المريخ: الحمل والعقرب، والزّهرة: لها الثور والميزان، وعطارد: له الجوزاء والسّنبلة، والقمر: له السرطان، والشمس لها: الأسد، والمشتري له: القوس والحوت، وزحل له: الجدي والدلو. ﴿وَزَيَّنّاها﴾ أي السماء بالكواكب ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ المفكرين المعتبرين، المستدلين بها على قدرة مبدعها وتوحيد صانعها ﴿وَحَفِظْناها﴾ منعناها بالشهب ﴿رَجِيمٍ﴾ مرجوم بالحجارة ﴿إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ﴾ لكن من أخذ الشيء خفية أو خطفة، شبه خطفتهم اليسيرة من الملأ الأعلى بالسرقة. واسترق السمع: تسمّعه بخفة وحذر ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ كوكب يضيء ويحرقه، أو شعلة ساطعة

стр. 4120

من النار. وأتبعه: لحقه. ﴿مَدَدْناها﴾ بسطناها بحسب مستوى الناظر وبالنسبة للناس القاطنين فيها ﴿رَواسِيَ﴾ جبالا ثوابت لئلا تتحرك بأهلها ﴿مَوْزُونٍ﴾ أي مقدّر بمقدار معين على وفق الحكمة والمصلحة. ﴿مَعايِشَ﴾ تعيشون بها من المطاعم والملابس، جمع معيشة ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ عطف على معايش أو على محل ﴿لَكُمْ﴾ والمراد به العيال والخدم والمماليك. والقصد من الآية الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل معينين، مختلفة الأجزاء في الوضع، مشتملة على أنواع النبات والحيوان المختلفة خلقة وطبيعة، على كمال قدرته، وتناهي حكمته، وتفرده بالألوهية، والامتنان على العباد بما أنعم عليهم في ذلك ليوحدوه ويعبدوه ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ أي وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره، أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحتاج إخراجها إلى كلفة واجتهاد. والخزائن جمع خزانة، وهي ما تحفظ فيه الأشياء النفيسة أو المهمة. ﴿وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أي وما نسمح بإنزاله إلا بقدر معلوم حدّه، لحكمة وعلى حسب المصالح ﴿لَواقِحَ﴾ حوامل للسحاب، أو التراب، أو للقاح الشجر، كما في قوله: ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً﴾ [الأعراف ٥٧/ ٧] وفي قولهم: ناقة لاقح أي حامل، شبه الريح التي جاءت بخير تحمل السحاب الماطر بالحامل، كما شبّه ما لا يكون كذلك بالعقيم. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ السحاب ﴿السَّماءِ﴾ مطرا ﴿فَأَسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أي جعلناه لكم سقيا لمزارعكم ومواشيكم، يقال للماء المعد لشرب الأرض أو الماشية وسقايتها به: أسقيته، وإذا سقاه ماء أو لبنا: سقيته ﴿وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أي ليست خزائنه بأيديكم ﴿الْوارِثُونَ﴾ الباقون، نرث جميع الخلق ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ من ماتوا من ذرية آدم ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ الأحياء الذين تأخروا إلى يوم القيامة، أي بقوا أحياء ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ يجمعهم لا محالة للجزاء وتوسيط الضمير ﴿هُوَ﴾ للدلالة على أنه القادر المتولي لحشرهم لا غير، وتصدير الجملة بإن لتحقيق الوعد والتنبيه على صحة الحكم ﴿حَكِيمٌ﴾ باهر الحكمة في صنعه متقن الأفعال ﴿عَلِيمٌ﴾ وسع علمه كل شيء. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى كفر الكافرين وعجز أصنامهم، ذكر كمال قدرته، وأدلة وحدانيته السماوية والأرضية، ففي السماء: البروج، والكواكب الساطعة، وفي الأرض الممدودة: الجبال الراسيات، والنباتات المقدرة بمقادير معلومة موزونة بميزان الحكمة والعلم، المشتملة على معايش الإنسان والحيوان، كما

стр. 4121

قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ، وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ، فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات ٢٠/ ٥١ - ٢٣]. والدلائل الأرضية سبعة: بسط الأرض، الجبال الثوابت، إنبات النباتات، الإمداد بالأرزاق من الخزائن، إرسال الرياح لواقح، الإحياء والإماتة للحيوانات، خلق الإنسان. التفسير والبيان: وو الله لقد أوجدنا في السماء نجوما عظاما من الكواكب الثوابت والسيارات، وزيناها لمن تأمل النظر فيها وكرره، فيما يرى من العجائب الظاهرة، والآيات الباهرة، التي يحار الناظر فيها، كقوله تعالى: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ [الصافات ٦/ ٣٧] وقوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً﴾ [الفرقان ٦١/ ٢٥]. وقال جماعة: البروج: هي منازل الشمس والقمر. ﴿وَحَفِظْناها.﴾. أي ومنعنا الاقتراب من السماء كل شيطان رجيم، كما قال في آية أخرى: ﴿وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات ٧/ ٣٧] والرجيم: المرجوم، أي المقذوف بالشهب، أو المرمي بالقول القبيح، أو الملعون المطرود. ﴿إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ.﴾. استثناء منقطع، أي لكن من استرق السمع، أو أراد استراق شيء من علم الغيب الذي يتحدث به الملائكة، لحقه وأتبعه بشهاب مبين، أي بجزء منفصل من الكوكب، وهو نار مشتعلة، فأحرقه. والشهاب: شعلة نار ساطع، ويسمى الكوكب شهابا، كما قال في آية أخرى ﴿وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ

стр. 4122

مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً﴾ [الجن ٩/ ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ، وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك ٥/ ٦٧]. قال ابن عباس ﵄: كانت الشياطين لا تحجب عن السموات، فكانوا يدخلونها، ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة، فيلقونها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى ﵇، منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد رسول الله ﷺ منعوا من السموات كلها، فكل واحد منهم إذا أراد استراق السمع، رمي بشهاب (١). والصحيح أن الشهاب يقتل الشياطين قبل إلقائهم الخبر، فلا تصل أخبار السماء إلى الأرض أبدا إلا بواسطة الأنبياء وملائكة الوحي. ولذلك انقطعت الكهانة ببعثة النبي ﷺ . ثم أردف الله تعالى بيان الدلائل الأرضية بعد الدلائل السماوية على وحدانيته فقال: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها..﴾. أي وجعلنا الأرض ممدودة الطول والعرض، ممهدة للانتفاع بها، في مرأى العين، وبالنسبة للإنسان الذي يعيش على سطحها، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ [الذاريات ٤٨/ ٥١] فلا يعني ذلك نفي كروية الأرض؛ لأن أجزاء الكرة العظيمة تظهر كالسطح المستوي لمن يقف على جزء منها. وهذا دليل واضح على كمال قدرة الله تعالى وعظمته؛ لأن الإنسان المنتفع بها يراها منبسطة رغم تكويرها، ثابتة رغم تحركها. ﴿وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أي وجعلنا فيها جبالا ثوابت كيلا تضطرب بالإنسان، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥/ ١٦]

стр. 4123

فدلت الآيات على خلق الله الأرض وبسطها وتوسيعها وجعل الجبال الراسيات والأودية والرمال فيها. ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها.﴾. أي وأنبتنا في الأرض من الزرع والثمار المتناسبة، المقدرة بميزان معلوم، وحكمة ومصلحة، ومقدار معين، فكل نبات وزنت عناصره، وقدرت بما يحتاجه. فقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أي مقدر بقدر معلوم، موزون بميزان الحكمة أي على وفق الحكمة والمصلحة، كما قال سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد ٨/ ١٣]. ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ.﴾. أي وأعددنا لكم في الأرض أسباب المعيشة والحياة الملائمة من غذاء ودواء، ولباس وماء، ونحوها. ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ أي وجعلنا لكم فيها أيضا الخدم والمماليك والدواب والأنعام التي لستم أنتم لها رازقون، وهذا يعني أن الله يرزقكم وإياهم. والمقصود من الآيات أنه تعالى يمتن على الناس بما يسّر لهم في الأرض من أسباب المكاسب والمعيشة، وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها، والأنعام التي يأكلونها، والخدم الذين يستخدمونهم، وقد تكفل الله الخالق برزقهم، فرزقهم على خالقهم، لا عليهم، فلهم المنفعة، وعلى الله التسخير والرزق. ثم أخبر الله تعالى أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل يسير عليه، وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الأصناف، من نبات ومعادن ومخلوقات لا حصر لها، فقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ.﴾. أي وما من شيء في هذا الكون ينتفع به الناس إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به، وما نعطيه إلا بمقدار معلوم، نعلم أنه مصلحة له، فذكر الخزائن أراد به التمثيل لا الحقيقة وهو اقتداره على كل مقدور. ثم أوضح تعالى أسباب حصول النعم، فقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ.﴾.

стр. 4124

أي وأرسلنا الرياح الخيرة تحمل السحب المشبعة بالرطوبة لإنزال الأمطار، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ، فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ، فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف ٥٧/ ٧]. وكذلك جعلنا الرياح واسطة لتلقيح الأشجار، بنقل طلع الذكور ولقاحها إلى الإناث، ليتكون الثمر. كما أننا جعلنا الرياح وسائل إزالة الغبار عن الأشجار، لينفذ الغذاء إلى مسامّها. قال ابن عباس: الرياح لواقح للشجر وللسحاب. ﴿فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً.﴾. أي فأنزلنا من السحاب مطرا، فأسقيناكموه أي يمكنكم أن تشربوا منه، وأسقينا به زرعكم ومواشيكم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء ٣٠/ ٢١] وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ، أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة ٦٨/ ٥٦ - ٧٠] وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ، وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل ١٠/ ١٦]. ﴿وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أي لستم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم ونجعله ينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أبقاه لكم في طول السنة، لشرب الناس والزروع والثمار والحيوان، فالتخزين يكون في السحاب وفي جوف الأرض. ثم أخبر الله تعالى عن قدرته على بدء الخلق وإعادته فقال: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ.﴾. أي ونحن نحيي الخلق من العدم، ثم نميتهم، ثم نبعثهم كلهم ليوم الجمع، ونحن نرث الأرض ومن عليها، وإلينا يرجعون: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨/ ٢٨].

стр. 4125

ثم أنبأنا الله تعالى عن تمام علمه بالمخلوقات أولهم وآخرهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ.﴾. أي والله لقد علمنا كل من تقدم وهلك من لدن آدم ﵇، ومن هو حي، ومن سيأتي إلى يوم القيامة. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ.﴾. أي وإن ربك هو الذي يجمعهم جميعا، الأولين والآخرين، من أطاع ومن عصى، ويجازي كل نفس بما كسبت، إنه تعالى حكيم باهر الحكمة في صنعه، متقن الأفعال، واسع العلم، وسع علمه كل شيء، فهو يفعل بمقتضى الحكمة والعلم الشامل. فقه الحياة أو الأحكام: ذكرت الآيات دلائل التوحيد السماوية منها والأرضية، وبدأ بذكر الأدلة السماوية، وأردفها بالأدلة الأرضية، وهي ما يأتي: ١ - خلق النجوم العظام والكواكب الثابتة والسيارة، وخلق بروج ومنازل لها، وهي اثنا عشر برجا، معروفة في علم الفلك، قدمت ذكرها في بيان المفردات. ٢ - حفظ السماء من مقاربة الشيطان الرجيم أي المرجوم، والرجم: الرمي بالحجارة أو باللسان سبا وشتما، وهو أيضا: اللعن والطرد. قال الكسائي: كل رجيم في القرآن فهو بمعنى الشتم. ومن حاول اختطاف شيء من علم الغيب، قذف بجزء منفصل من الكوكب، مشتعل النار، فأحرقه وقتله، قبل إلقاء ما استرقه من السمع إلى غيره. ٣ - الأرض مخلوقة ممهدة منبسطة تتناسب مع إمكان الحياة البشرية عليها، وهي مثبّتة بالجبال الرواسي لئلا تتحرك بأهلها، وفيها من النباتات المختلفة ذات المقادير المعلومة، على وفق الحكمة والمصلحة، وفيها أيضا أصناف المعايش من

стр. 4126

مطاعم ومشارب يعيش الناس وغيرهم بها، وفيها كذلك الدواب والأنعام ذات المنافع المتعددة، والله هو الذي يرزقها. ٤ - الله مالك كل شيء، يوجده ويكوّنه وينعم به على حسب مشيئته بمقدار معلوم بحسب حاجة الخلق إليه، فما من شيء من أرزاق الخلق ومنافعهم إلا وعند الله خزائنه، كالمطر المنزل من السماء، والذي به نبات كل شيء، ولكن لا ينزله إلا بمقتضى مشيئته وعلى قدر الحاجة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى ٢٧/ ٤٢]. ٥ - هيأ الله في الكون أسبابا للرزق والإيجاد، منها أنه جعل الرياح لواقح للسحاب والأشجار، فأنزل بها الأمطار لشرب الناس وسقاية الزروع والثمار والأشجار والدواب، وهو تعالى يخزنها في السحاب وجوف الأرض، وهو سبحانه المحيي والمميت ووارث الكون، فلا يبقى فيه أحد. ٦ - الله تعالى عالم بجميع المخلوقات المتقدمة والمتأخرة إلى يوم القيامة، وإنه تعالى سيحشر الناس جميعا للحساب والجزاء. واستنبط الفقهاء من آية ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ حكمين فقهيين: الأول-فضل أول الوقت في الصلاة، وفضل الصف الأول في صلاة الجماعة، قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا». وفي الصف الأول مجاورة الإمام، لكن مجاورة الإمام لا تكون لكل أحد، وإنما هي لكبار العقول، كما قال ﷺ فيما رواه مسلم وأصحاب السنن الأربع عن أبي مسعود: «ليليني منكم أولو الأحلام والنّهى» وهذا حق ثابت لهم بأمر صاحب الشرع. الثاني-فضل الصف الأول في القتال، لأن المتقدم باع نفسه لله تعالى، ولم

стр. 4127

يكن أحد يتقدم الحرب بين يدي رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان أشجع الناس. قال البراء: كنا والله إذا احمرّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ . بدء خلق الإنسان وأمر الملائكة بالسجود له وإباء إبليس وعداؤه البشر ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣١) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾

стр. 4128

الإعراب: ﴿وَالْجَانَّ﴾ منصوب بفعل مقدر، تقديره: وخلقنا الجانّ خلقناه، وقدّر الفعل الناصب ليعطف جملة فعلية على جملة فعلية، هي قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾. ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ توكيد للمعرفة بعد توكيد، وذهب بعض النحويين إلى أن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أفاد معنى الاجتماع، أي سجدوا كلهم مجتمعين، لا متفرقين، إلا أنه يلزمه على هذا أن ينصبه على الحال. ﴿ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ﴾ ﴿ما﴾ مبتدأ، و ﴿لَكَ﴾ خبره، وتقديره: أي شيء كائن لك ألا تكون، أي في ألا تكون، فحذفت (في) وهي متعلقة بالخبر، فانتصب موضع (أن). ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ﴾ ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بالظرف الذي هو ﴿لِكُلِّ﴾، مثل قولهم: كلّ يوم لك درهم، فإن كل يوم منصوب ب (لك). و ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ مرفوع بالظرف الذي هو ﴿لِكُلِّ بابٍ﴾؛ لأن قوله ﴿لِكُلِّ بابٍ﴾ وصف لقوله: ﴿أَبْوابٍ﴾ أي لها سبعة أبواب، كائن لكل باب منها جزء مقسوم منهم، أي من الداخلين، فحذف منها العائد إلى ﴿أَبْوابٍ﴾ التي هي الموصوف، وحذف العائد من الصفة إلى الموصوف جائز في كلامهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ.﴾. [البقرة ١٢٣، ٤٨/ ٢] أي ما تجزي فيه. المفردات اللغوية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ آدم أو الجنس ﴿مِنْ صَلْصالٍ﴾ طين يابس، يسمع له صلصلة، أي صوت، إذا نقر. فإذا طبخ فهو فخّار ﴿حَمَإٍ﴾ طين أسود، أي تغيّر واسود من مجاورة الماء له ﴿مَسْنُونٍ﴾ متغير الرائحة، والتقدير: أي كائن من حمأ مسنون ﴿وَالْجَانَّ﴾ أبا الجن وهو إبليس، أو هذا الجنس ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل خلق آدم ﴿مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ هي نار شديدة الحرارة، لا دخان لها، تنفذ من المسام وتقتل. ﴿وَإِذْ قالَ.﴾. واذكر حين قال ﴿بَشَراً﴾ إنسانا، وسمي بذلك لظهور بشرته أي ظاهر جلده ﴿سَوَّيْتُهُ﴾ أتممت خلقه وهيأته لنفخ الروح فيه ﴿وَنَفَخْتُ﴾ أجريت من الفم أو غيره، والمراد: إضافة عنصر الحياة في المادة القابلة لها. ﴿مِنْ رُوحِي﴾ أي فصار حيا، وإضافة الروح إلى

стр. 4129

الله تشريف لآدم ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ أي فاسقطوا له ساجدين سجود تحية بالانحناء. ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ فيه تأكيدان للمبالغة في التعميم ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ هو أبو الجن، الذي كان بين الملائكة ﴿أَبى﴾ امتنع من أن يسجد له، والاستثناء إما منقطع متصل بقوله: ﴿أَبى﴾ أي لكن إبليس أبى، وإما متصل على أنه استئناف، على أنه جواب سائل قال: هلا سجد. ﴿قالَ﴾ تعالى ﴿يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ.﴾. أي ما منعك، أو أي غرض لك في ألا تكون مع الساجدين ﴿قالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ لا ينبغي لي أن أسجد، واللام لتأكيد النفي، أي لا يصح مني، وينافي حالي ﴿لِبَشَرٍ﴾ جسماني كثيف، وأنا ملك روحاني ﴿خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أي وهو أخسّ العناصر، وأنا خلقتني من نار، وهي أشرف العناصر. ﴿فَاخْرُجْ مِنْها﴾ أي من الجنة أو من السموات أو من زمرة الملائكة ﴿رَجِيمٌ﴾ مطرود من الخير والكرامة، وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته ﴿اللَّعْنَةَ﴾ الطرد والإبعاد ﴿إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يوم الجزاء ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾ أمهلني وأخرني ولا تمتني ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي يوم بعث الناس ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ المسمى فيه أجلك عند الله، أو وقت انقراض الناس كلهم، وهو وقت النفخة الأولى حين تموت الخلائق، كما روي عن ابن عباس. ويجوز أن يراد بالأيام الثلاثة: يوم القيامة، واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات كما قال البيضاوي، فهو يوم الجزاء، ويوم البعث، واليوم المعلوم وقوعه عند الله، والمؤكد حدوثه في علم الناس. ﴿بِما أَغْوَيْتَنِي﴾ أي بإغوائك لي، والإغواء: الإضلال، والباء للقسم، وما: مصدرية، وجواب القسم: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ والمعنى: أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ أي المؤمنين الذين استخلصهم الله لطاعته وطهرهم من الشوائب، وقرئ بكسر اللام، أي الذين أخلصوا لك العبادة من الرياء أو الفساد. ﴿هذا صِراطٌ عَلَيَّ.﴾. أي هذا حق علي أن أراعيه ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ أي لا انحراف فيه، ولا عدول عنه إلى غيره. والإشارة إلى ما تضمنه الاستثناء: وهو تخلص المخلصين من إغوائه، أو الإخلاص. ﴿إِنَّ عِبادِي﴾ المؤمنين ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ.﴾. تصديق لإبليس فيما استثناه، والمراد بيان نجاتهم من تأثير الشيطان عليهم. والسلطان: التسلط بالإغواء ﴿الْغاوِينَ﴾ الكافرين ﴿لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي لموعد الغاوين أو المتبعين، و ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للضمير، أو حال، والعامل فيها: الموعد إن جعل مصدرا على تقدير مضاف، أما إن جعل اسم مكان فإنه لا يعمل ﴿سَبْعَةُ أَبْوابٍ﴾ يدخلون منها لكثرتهم، أو سبع طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة، وهي جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. ولعل تخصيص العدد

стр. 4130

ليشمل جميع المهلكات، أو لأن أهلها سبع فرق ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ﴾ من الأتباع ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ نصيب أو فريق معين مفرز له. المناسبة: هذا هو النوع السابع من دلائل وجود الله وقدرته وتوحيده، فإنه تعالى لما استدل بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدمة، أردفه بالاستدلال بتخليق الإنسان على هذا المطلوب نفسه. والدليل هو أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها، فيجب انتهاء الحوادث إلى حادث أول، فلا بد من انتهاء الناس إلى إنسان هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول غير مخلوق من الأبوين، فيكون مخلوقا لا محالة بقدرة الله تعالى. وبعد أن ذكر الله تعالى خلق الإنسان الأول، ذكر مقاله للملائكة والجن بشأنه. التفسير والبيان: ولقد خلق الله الإنسان الأول آدم أبا البشر من طين أو تراب يابس، فالحمأ: هو الطين، والمسنون: الأملس، والصلصال: التراب اليابس، وقيل: إنه المنتن المتغير الرائحة في الأصل. وقد بدأ الخلق أولا من تراب، ثم من طين، ثم من صلصال، ليكون أدل على القدرة الإلهية. وخلقنا جنس الجن من نار السموم، أي نار الريح الحارة التي لها لفح وتقتل من أصابته. قال ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجانّ، ثم قرأ: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ وورد عن عائشة في صحيح مسلم، وأحمد: «خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم».

стр. 4131

ونظير الآية قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ [الرحمن ١٤/ ٥٥ - ١٥]. وفي هذا إشارة إلى برودة طبع الإنسان، وحرارة طبيعة الجن. وفي الآية تنبيه على شرف آدم ﵇، وطيب عنصره، وطهارة محتده، وذلك كله دليل على قدرة الله تعالى. ثم أبان الله تعالى تشريفه لآدم ﵇ بأمر الملائكة بالسجود له، وتخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة، حسدا وكفرا، وعنادا واستكبارا، وافتخارا بالباطل، فقال: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ.﴾ .. أي واذكر أيها الرسول لقومك حين أمرت الملائكة قبل خلق أبيكم آدم بالسجود له بعد اكتمال خلقه، وإباء إبليس عدوه من بين سائر الملائكة السجود له، قائلا: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر ٣٣/ ١٥] متذرعا بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ، وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧٦/ ٣٨] وقوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء ٦٢/ ١٧]. وقد تضمن دفاع إبليس وسبب امتناعه عن السجود لآدم: بأنه خير منه، فإنه خلق من النار، وآدم من الطين، وفي النار عنصر الارتفاع والسمو، وفي التراب عنصر الخمود والركود، فهي أشرف من الطين، والأعلى لا يعظم الأدنى. وذلك قياس فاسد؛ لأن خيرية المادة لا تعني خيرية العنصر، بدليل أن الملائكة من نور، والنور خير من النار. ثم إنه عصيان أمر الخالق، وجهل بأن آدم امتاز باستعداد علمي وعملي لتلقي التكاليف وتقدم الكون. لذا عاقبة الله بقوله: ﴿قالَ: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ..﴾. أي فاخرج

стр. 4132

من المنزلة التي كنت فيها من الملأ الأعلى، فإنك مرجوم، أي لعين مطرود، لعنة دائمة ملازمة له إلى يوم القيامة. وإمعانا في الكيد لآدم وحسدا له ولذريته طلب الإمهال إلى يوم البعث من القبور، وحشر الخلق لموقف الحساب، فأرجأه الله إلى يوم الوقت المعلوم، وهو وقت النفخة الأولى حين تموت الخلائق. فلما تحقق إبليس الانتظار لذلك اليوم ﴿قالَ: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي﴾ أي قال إبليس عاتيا متمردا: رب بسبب إغوائك وإضلالك إياي، لأزينن في الأرض أي الدنيا لذرية آدم ﵇ الأهواء، وأحبّب إليهم المعاصي، وأرغّبهم فيها، إلا المخلصين الذين أخلصوا لك في الطاعة والعبادة. واستثنى المخلصين؛ لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم، ولا يقبلون منه. فهدده تعالى وتوعده بقوله: ﴿قالَ: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي هذا الطريق في العبودية أو الإخلاص طريق مستقيم، مرجعه إلي، فأجازي كل واحد بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ [الفجر ١٤/ ٨٩]. فقوله: ﴿هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي هذا الإخلاص طريق علي وإلي، يؤدي إلى كرامتي وثوابي، أو هذا الطريق في العبودية طريق علي مستقيم، أو هذا طريق عليّ تقريره وتأكيده، وهو مستقيم: حق وصدق. ومؤدى الكلام: ألا مهرب لأحد مني، كما يقال لمن يتوعده ويتهدده: طريقك علي. وقوله: مستقيم أي لا عوج فيه ولا انحراف. وهو رد لما جاء في كلام إبليس: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ، وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٦/ ٧ - ١٧]. ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ.﴾. أي إن عبادي المؤمنين

стр. 4133

المخلصين أو غير المخلصين، أو الذين قدرت لهم الهداية، لا سلطان لك على أحد منهم، ولا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم ﴿إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ.﴾. استثناء منقطع، أي لكن الذين اتبعوك من الضالين المشركين باختيارهم، فلك عليهم سلطان، بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل ١٠٠/ ١٦]. ونظير الآية: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل ٩٩/ ١٦ - ١٠٠]. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي إن جهنم موعد جميع من اتبع إبليس، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود ١٧/ ١١]. ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ.﴾. أي لجهنم سبعة أبواب، قد خصص لكل باب منها جزء مقسوم وعدد معلوم من أتباع إبليس، يدخلونه، لا محيد لهم عنه، وكلّ يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر عمله. وفي تفسير الأبواب السبعة قولان: قول: إنها سبع طبقات: بعضها فوق بعض، وتسمى تلك الطبقات بالدركات، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء ١٤٥/ ٤] والسبب: أن مراتب الكفر مختلفة بالشدة والخفة، فاختلفت مراتب العذاب. وقول آخر: إنها سبعة أقسام، ولكل قسم باب، أولها كما ذكر ابن جريج: جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. الأولى

стр. 4134

كما ذكر الضحاك: للعصاة الموحدين، والثانية: لليهود، والثالثة: للنصارى، والرابعة: للصابئين، والخامسة: للمجوس، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين. فقه الحياة أو الأحكام: أفادت الآيات ما يأتي: ١ - خلق الله آدم ﵇ الإنسان الأول من طين يابس، مما يدل على القدرة الإلهية. وخلق الجانّ من قبل خلق آدم من نار جهنم أو من الريح الحارة التي تقتل، أو من نار لا دخان لها. ورد في صحيح مسلم عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «لما صوّر الله تعالى آدم ﵇ في الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، وينظر ما هو، فلما رآه أجوف، عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك» (١). ٢ - كرم الله الأصل الإنساني، فأمر الملائكة بالسجود له سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة، ولله أن يفضل من يريد، ففضل الأنبياء على الملائكة، وامتحنهم الله بالسجود له تعريضا لهم للثواب الجزيل. ٣ - سجد الملائكة له كلهم أجمعون إلا إبليس رفض وأبى، وإبليس ليس من جملة الملائكة: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف ٥٠/ ١٨]. وهذا الاستثناء دليل للشافعي في جواز استثناء غير الجنس من الجنس، مثل: لفلان علي دينار إلا ثوبا أو عشرة أثواب إلا رطل حنطة، سواء المكيلات والموزونات والقيميات. وأجاز مالك وأبو حنيفة ﵄ استثناء المكيل

стр. 4135

من الموزون، والموزون من المكيل، كاستثناء الدراهم من الحنطة والحنطة من الدراهم، ولم يجيزا استثناء القيميات من المكيلات أو الموزونات، كالمثالين المذكورين في بيان مذهب الشافعي، ويلزم المقرّ جميع المبلغ. ٤ - سئل إبليس عن سبب امتناعه من السجود، فأجاب بأنه مخلوق من عنصر وهو النار أشرف من التراب. ٥ - كان عقاب إبليس الطرد من السموات أو من جنة عدن أو من جملة الملائكة، وملازمة اللعنة له إلى يوم القيامة. ٦ - سأل إبليس تأخير عذابه، زيادة في بلائه، كالآيس من السلامة، وأراد الإنظار إلى يوم يبعثون: ألا يموت؛ لأن يوم البعث لا موت فيه ولا بعده، فأجله الله تعالى إلى الوقت المعلوم: وهو النفخة الأولى، حين تموت الخلائق. ٧ - صمم إبليس على مدى الحياة إغواء بني آدم وإضلالهم عن طريق الهدى، إلا المؤمنين سواء أكانوا مخلصين أم غير مخلصين، فلا سلطان له عليهم في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفو الله، وهم الذين هداهم الله واجتباهم واختارهم واصطفاهم. ٨ - قول الله: ﴿هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ على سبيل الوعيد والتهديد، كقولك لمن تهدده: طريقك علي، ومصيرك إلي، ومعنى الكلام: هذا أي طريق العبودية طريق مرجعه إلي، فأجازي كلا بعمله. ٩ - استثناء ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ و ﴿إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ دليل على جواز استثناء القليل من الكثير، والكثير من القليل، مثل: علي عشرة إلا درهما، أو عشرة إلا تسعة. وقال ابن حنبل: لا يجوز أن يستثني إلا قدر النصف فما دونه، وأما استثناء الأكثر من الجملة فلا يصح.
следующие страницы →