← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

ونظير الآية قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ [الرحمن ١٤/ ٥٥ - ١٥]. وفي هذا إشارة إلى برودة طبع الإنسان، وحرارة طبيعة الجن. وفي الآية تنبيه على شرف آدم ﵇، وطيب عنصره، وطهارة محتده، وذلك كله دليل على قدرة الله تعالى. ثم أبان الله تعالى تشريفه لآدم ﵇ بأمر الملائكة بالسجود له، وتخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة، حسدا وكفرا، وعنادا واستكبارا، وافتخارا بالباطل، فقال: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ.﴾ .. أي واذكر أيها الرسول لقومك حين أمرت الملائكة قبل خلق أبيكم آدم بالسجود له بعد اكتمال خلقه، وإباء إبليس عدوه من بين سائر الملائكة السجود له، قائلا: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر ٣٣/ ١٥] متذرعا بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ، وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧٦/ ٣٨] وقوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء ٦٢/ ١٧]. وقد تضمن دفاع إبليس وسبب امتناعه عن السجود لآدم: بأنه خير منه، فإنه خلق من النار، وآدم من الطين، وفي النار عنصر الارتفاع والسمو، وفي التراب عنصر الخمود والركود، فهي أشرف من الطين، والأعلى لا يعظم الأدنى. وذلك قياس فاسد؛ لأن خيرية المادة لا تعني خيرية العنصر، بدليل أن الملائكة من نور، والنور خير من النار. ثم إنه عصيان أمر الخالق، وجهل بأن آدم امتاز باستعداد علمي وعملي لتلقي التكاليف وتقدم الكون. لذا عاقبة الله بقوله: ﴿قالَ: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ..﴾. أي فاخرج

стр. 4132

من المنزلة التي كنت فيها من الملأ الأعلى، فإنك مرجوم، أي لعين مطرود، لعنة دائمة ملازمة له إلى يوم القيامة. وإمعانا في الكيد لآدم وحسدا له ولذريته طلب الإمهال إلى يوم البعث من القبور، وحشر الخلق لموقف الحساب، فأرجأه الله إلى يوم الوقت المعلوم، وهو وقت النفخة الأولى حين تموت الخلائق. فلما تحقق إبليس الانتظار لذلك اليوم ﴿قالَ: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي﴾ أي قال إبليس عاتيا متمردا: رب بسبب إغوائك وإضلالك إياي، لأزينن في الأرض أي الدنيا لذرية آدم ﵇ الأهواء، وأحبّب إليهم المعاصي، وأرغّبهم فيها، إلا المخلصين الذين أخلصوا لك في الطاعة والعبادة. واستثنى المخلصين؛ لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم، ولا يقبلون منه. فهدده تعالى وتوعده بقوله: ﴿قالَ: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي هذا الطريق في العبودية أو الإخلاص طريق مستقيم، مرجعه إلي، فأجازي كل واحد بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ [الفجر ١٤/ ٨٩]. فقوله: ﴿هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي هذا الإخلاص طريق علي وإلي، يؤدي إلى كرامتي وثوابي، أو هذا الطريق في العبودية طريق علي مستقيم، أو هذا طريق عليّ تقريره وتأكيده، وهو مستقيم: حق وصدق. ومؤدى الكلام: ألا مهرب لأحد مني، كما يقال لمن يتوعده ويتهدده: طريقك علي. وقوله: مستقيم أي لا عوج فيه ولا انحراف. وهو رد لما جاء في كلام إبليس: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ، وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٦/ ٧ - ١٧]. ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ.﴾. أي إن عبادي المؤمنين

стр. 4133

المخلصين أو غير المخلصين، أو الذين قدرت لهم الهداية، لا سلطان لك على أحد منهم، ولا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم ﴿إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ.﴾. استثناء منقطع، أي لكن الذين اتبعوك من الضالين المشركين باختيارهم، فلك عليهم سلطان، بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل ١٠٠/ ١٦]. ونظير الآية: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل ٩٩/ ١٦ - ١٠٠]. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي إن جهنم موعد جميع من اتبع إبليس، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود ١٧/ ١١]. ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ.﴾. أي لجهنم سبعة أبواب، قد خصص لكل باب منها جزء مقسوم وعدد معلوم من أتباع إبليس، يدخلونه، لا محيد لهم عنه، وكلّ يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر عمله. وفي تفسير الأبواب السبعة قولان: قول: إنها سبع طبقات: بعضها فوق بعض، وتسمى تلك الطبقات بالدركات، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء ١٤٥/ ٤] والسبب: أن مراتب الكفر مختلفة بالشدة والخفة، فاختلفت مراتب العذاب. وقول آخر: إنها سبعة أقسام، ولكل قسم باب، أولها كما ذكر ابن جريج: جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. الأولى

стр. 4134

كما ذكر الضحاك: للعصاة الموحدين، والثانية: لليهود، والثالثة: للنصارى، والرابعة: للصابئين، والخامسة: للمجوس، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين. فقه الحياة أو الأحكام: أفادت الآيات ما يأتي: ١ - خلق الله آدم ﵇ الإنسان الأول من طين يابس، مما يدل على القدرة الإلهية. وخلق الجانّ من قبل خلق آدم من نار جهنم أو من الريح الحارة التي تقتل، أو من نار لا دخان لها. ورد في صحيح مسلم عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «لما صوّر الله تعالى آدم ﵇ في الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، وينظر ما هو، فلما رآه أجوف، عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك» (١). ٢ - كرم الله الأصل الإنساني، فأمر الملائكة بالسجود له سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة، ولله أن يفضل من يريد، ففضل الأنبياء على الملائكة، وامتحنهم الله بالسجود له تعريضا لهم للثواب الجزيل. ٣ - سجد الملائكة له كلهم أجمعون إلا إبليس رفض وأبى، وإبليس ليس من جملة الملائكة: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف ٥٠/ ١٨]. وهذا الاستثناء دليل للشافعي في جواز استثناء غير الجنس من الجنس، مثل: لفلان علي دينار إلا ثوبا أو عشرة أثواب إلا رطل حنطة، سواء المكيلات والموزونات والقيميات. وأجاز مالك وأبو حنيفة ﵄ استثناء المكيل

стр. 4135

من الموزون، والموزون من المكيل، كاستثناء الدراهم من الحنطة والحنطة من الدراهم، ولم يجيزا استثناء القيميات من المكيلات أو الموزونات، كالمثالين المذكورين في بيان مذهب الشافعي، ويلزم المقرّ جميع المبلغ. ٤ - سئل إبليس عن سبب امتناعه من السجود، فأجاب بأنه مخلوق من عنصر وهو النار أشرف من التراب. ٥ - كان عقاب إبليس الطرد من السموات أو من جنة عدن أو من جملة الملائكة، وملازمة اللعنة له إلى يوم القيامة. ٦ - سأل إبليس تأخير عذابه، زيادة في بلائه، كالآيس من السلامة، وأراد الإنظار إلى يوم يبعثون: ألا يموت؛ لأن يوم البعث لا موت فيه ولا بعده، فأجله الله تعالى إلى الوقت المعلوم: وهو النفخة الأولى، حين تموت الخلائق. ٧ - صمم إبليس على مدى الحياة إغواء بني آدم وإضلالهم عن طريق الهدى، إلا المؤمنين سواء أكانوا مخلصين أم غير مخلصين، فلا سلطان له عليهم في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفو الله، وهم الذين هداهم الله واجتباهم واختارهم واصطفاهم. ٨ - قول الله: ﴿هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ على سبيل الوعيد والتهديد، كقولك لمن تهدده: طريقك علي، ومصيرك إلي، ومعنى الكلام: هذا أي طريق العبودية طريق مرجعه إلي، فأجازي كلا بعمله. ٩ - استثناء ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ و ﴿إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ دليل على جواز استثناء القليل من الكثير، والكثير من القليل، مثل: علي عشرة إلا درهما، أو عشرة إلا تسعة. وقال ابن حنبل: لا يجوز أن يستثني إلا قدر النصف فما دونه، وأما استثناء الأكثر من الجملة فلا يصح.

стр. 4136

١٠ - إن جهنم موعد إبليس ومن اتبعه. ولجهنم سبعة أطباق، طبق فوق طبق، لكل طبقة حظ معلوم. وجهنم أعلى الدركات، وهي مختصة بالعصاة من أمة محمد ﷺ . والمنافقون في الدرك الأسفل من النار. جزاء المتقين يوم القيامة ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ الإعراب: ﴿إِخْواناً﴾ حال من ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ أو من واو ﴿اُدْخُلُوها﴾ أو من الضمير في ﴿آمِنِينَ﴾. ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ حال أيضا. البلاغة: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي يقال لهم: ادخلوها. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ هم الذين اتقوا الكفر والفواحش ﴿جَنّاتٍ﴾ بساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار جارية ﴿بِسَلامٍ﴾ أي سالمين من المخاوف والآفات ﴿آمِنِينَ﴾ من كل فزع ﴿غِلٍّ﴾ حقد وحسد دفين في القلب ﴿سُرُرٍ﴾ جمع سرير، وهو المجلس العالي عن الأرض ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران الأسرّة بهم ﴿نَصَبٌ﴾ تعب وإعياء ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبدا.

стр. 4137

سبب النزول: نزول الآية (٤٥): ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾: أخرج الثعلبي عن سلمان الفارسي أنه لما سمع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فرّ ثلاثة أيام هاربا من الخوف، لا يعقل، فجيء به للنبي ﷺ ، فسأله فقال: يا رسول الله، أنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فو الذي بعثك بالحق، لقد قطّعت قلبي، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. نزول الآية (٤٧): ﴿وَنَزَعْنا.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ قيل: وأي غل؟ قال: غل الجاهلية، إن بني تميم، وبني عدي، وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية عداوة، فلما أسلم هؤلاء القوم تحابّوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة، فجعل علي يسخن يده، فيكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى حال الأشقياء من أهل الجحيم، أتبعه ببيان حال السعداء من أهل النعيم المقيم الذين لا سلطان لإبليس عليهم، وهم المتقون. التفسير والبيان: إن المتقين الذين اتقوا عذاب الله ومعاصيه، وأطاعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، فلم يتأثروا بسلطان إبليس ووساوسه، هم في جنات أي بساتين ذات ثمار دائمة وظلال وارفة، وتتفجر من حولهم عيون هي أنهار أربعة: من ماء، ولبن، وخمر غير مسكرة، وعسل مصفى، خاصة بهم أو عامة، دون تنافس أو نزاع

стр. 4138

عليها، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ.﴾. [محمد ١٥/ ٤٧]. ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ يقال لهم: ادخلوها سالمين من الآفات، مسلّما عليكم، آمنين من كل خوف وفزع. ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا فناء. ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ.﴾. ونزع الله كل ما في صدورهم في الدنيا من حقد وعداوة، وضغينة وحسد، حالة كونهم إخوانا متحابين متصافين، جالسين على سرر متقابلين، لا ينظر الواحد منهم إلا لوجه أخيه، ولا ينظر إلى ظهره، فهم في رفعة وكرامة. والمراد: أن الله طهر قلوبهم من معكّرات الدنيا، فلا تحاسد، ولا تباغض، ولا تدابر، ولا غيبة ولا نميمة، ولا تنازع، وألقي فيها التوادّ والتحابّ والتصافي؛ لأن خصائص المادة زالت بالموت في الدنيا. جاء في الصحيح عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذّبوا ونقّوا، أذن لهم في دخول الجنة». وروى ابن جرير وابن المنذر عن أبي حبيبة مولى لطلحة قال: دخل عمران بن طلحة على علي ﵁، بعد ما فرغ من أصحاب الجمل، فرحّب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً، عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ فقال رجلان إلى ناحية البساط: الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس، وتكونون إخوانا؟! فقال علي ﵁: قوما أبعد أرض وأسحقها، فمن هم إذن، إن لم أكن أنا وطلحة؟.

стр. 4139

﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ..﴾. أي لا يصيبهم في تلك الجنات تعب ولا مشقة ولا أذى، إذ لا حاجة لهم إلى السعي والكدح، لتيسير كل ما يشتهون أمامهم دون جهد. جاء في الصحيحين: «إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب». ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ أي وهم ماكثون فيها، خالدون فيها أبدا، لا يخرجون منها ولا يحوّلون عنها. جاء في الحديث الثابت: «يقال: يا أهل الجنة، إن لكم أن تصحّوا فلا تمرضوا أبدا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تقيموا فلا تطغوا أبدا». وقال الله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها، لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ [الكهف ١٠٨/ ١٨]. والخلاصة: إن مقومات النعيم والثواب والمنافع ثلاثة: الاقتران بالاطمئنان والاحترام، وهو قوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ والصفاء من شوائب الضرر والمعكرات الروحية كالحقد والحسد، والجسمية كالإعياء والمشقة، وهو قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً﴾ ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ﴾ والدوام والخلود بلا زوال، وهو قوله تعالى: ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ (١). فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - إن جزاء المتقين الذين اتقوا الفواحش والشرك جنات أي بساتين وعيون هي الأنهار الأربعة: ماء وخمر ولبن وعسل. ويقال لهم: ادخلوها بسلامة من كل داء وآفة، آمنين من الموت والعذاب، والعزل والزوال، فهم في احترام

стр. 4140

وتعظيم. والقول الحق الصحيح وهو قول جمهور الصحابة والتابعين أن المراد بالمتقين: الذين اتقوا الشرك بالله تعالى والكفر به. وقال المعتزلة: هم الذين اتقوا جميع المعاصي. ٢ - لا يتعرض أهل الجنة لشيء من الأضرار والمؤذيات، فهم في خلوص من شوائبها الروحانية كالحقد وغيره، والجسمانية كالتعب والمرض، وهم في نعمة وكرامة لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، تواصلا وتحاببا. ٣ - إن نعيم الجنة دائم لا يزول، وإن أهلها باقون: ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ [الرعد ٣٥/ ١٣] ﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ﴾ [ص ٥٤/ ٣٨]. ٤ - الجنات أربع والعيون أربع، أما عدد الجنات فلقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن ٤٦/ ٥٥] ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن ٦٢/ ٥٥]. وأما العيون فهي أربعة أيضا وهي المذكورة في الآية المتقدمة: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ.﴾ .. المغفرة والعذاب ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ البلاغة: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ يوجد مقابلة بين العذاب والمغفرة، وبين الرحمة والعذاب.

стр. 4141

المفردات اللغوية: ﴿نَبِّئْ﴾ أخبر يا محمد. ﴿الْغَفُورُ﴾ للمؤمنين. ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم. ﴿وَأَنَّ عَذابِي﴾ للعصاة. ﴿الْأَلِيمُ﴾ المؤلم. قال البيضاوي: وفي ذكره المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين من يتقي الذنوب بأسرها كبيرها وصغيرها، وفي توصيف ذاته بالمغفرة والرحمة دون التعذيب ترجيح الوعد وتأكيده. سبب النزول: أخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير قال: مرّ رسول الله ﷺ بنفر من أصحابه يضحكون، فقال: «أتضحكون، وذكر الجنة والنار بين أيديكم، فنزلت هذه الآية: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾. وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: اطلع علينا رسول الله ﷺ من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة، فقال: «لا أراكم تضحكون، ثم أدبر ثم رجع القهقرى، فقال: إني خرجت حتى إذا كنت عند الحجر، جاء جبريل، فقال: يا محمد، إن الله يقول: لم تقنط عبادي: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾». وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال في قوله: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ الآية: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورّع من حرام، ولو يعلم العبد قدر عذاب الله لبخع نفسه». المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أحوال المتقين في الآية المتقدمة، ذكر أحوال غير المتقين في هذه الآية، فقال: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ وهو إخبار عن سنة الله في عباده

стр. 4142

أنه غفار لذنوب التائبين المنيبين إلى ربهم، ومعذّب بعذاب مؤلم من أصروا على المعاصي ولم يتوبوا منها. التفسير والبيان: أخبر يا محمد عبادي أني ذو مغفرة ورحمة، وذو عذاب أليم. وهذا دال على مقامي الرجاء والخوف. فالله تعالى يستر ذنوب من تاب وأناب، فلا يفضحهم ولا يعاقبهم، ويرحمهم فلا يعذبهم بعد توبتهم. وهذا يشمل المؤمن الطائع والعاصي. وأخبرهم أيضا بأن عذابي لمن أصرّ على الكفر والمعاصي ولم يتب منها هو العذاب المؤلم الشديد الوجع. وهذا تهديد وتحذير من اقتراف المعاصي. ففي الآية كغيرها من الآيات الكثيرة جمع بين التبشير والتحذير، والترغيب والترهيب، ليكون الناس بين حالي الرجاء والخوف. أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن قتادة أنه قال في قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ الآية: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم العبد قدر عفو الله، لما تورّع من حرام، ولو يعلم العبد قدر عذاب الله، لبخع نفسه». وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله سبحانه خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر كل الذي عنده من رحمة لم ييأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله تعالى من العذاب لم يأمن من النار». ورواية مسلم هي: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من رحمته أحد».

стр. 4143

فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية دليل على آخر على وسطية الإسلام، فينبغي للإنسان أن يذكّر نفسه وغيره، فيخوّف ويرجّي، ويكون الخوف في حال الصحة أغلب عليه منه في حال المرض، فهو في حال دائمة بين الخوف والرجاء؛ لأن القنوط إياس، والرجاء إهمال، وخير الأمور أوسطها. فالله تعالى وسعت رحمته كل شيء، وهو كثير المغفرة لمن تاب وأناب، ولكنه أيضا لتحقيق التوازن وقمع الفاحشة والمنكر والشرك شديد العذاب لمن أصرّ على معصيته، ومات قبل التوبة والإنابة، وذلك هو العدل المطلق. وكل من اعترف بالعبودية ظهر في حقه كون الله غفورا رحيما، ومن أنكر ذلك، كان مستوجبا للعقاب الأليم؛ لأنه كما يقول الأصوليون: ترتيب الحكم على الوصف يشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم أو «تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق». فقد وصفهم بكونهم عبادا له، ثم ذكر عقيب هذا الوصف: الحكم بكونه غفورا رحيما. قال الرازي: وفي الآية لطائف: إحداها-أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله: ﴿عِبادِي﴾ وهذا تشريف عظيم. وثانيها-لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة هي: ﴿أَنِّي﴾ و ﴿أَنَا﴾ وإدخال الألف واللام على قوله: ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. ولما ذكر العذاب لم يقل: إني أنا المعذب، وما وصف نفسه بذلك، بل قال: ﴿وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾. وثالثها-أنه أمر رسوله بأن يبلغهم هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة.

стр. 4144

ورابعها-أنه لما قال: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ كان معناه: نبئ كل من كان معترفا بعبوديتي، وهذا يدخل فيه المؤمن المطيع والمؤمن العاصي. وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى (١). قصة ضيف إبراهيم وإخبارهم بإهلاك قوم لوط ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ (٥٦) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاّ آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاِتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَاُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاِتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾

стр. 4145

الإعراب: ﴿فَبِمَ﴾ هي ما الاستفهامية دخلها معنى التعجب، أي فبأي أعجوبة تبشروني؟ ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ فتحت النون؛ لأنها نون الجمع، قياسا على فتحها في جمع الاسم، نحو الزيدون، كما كسرت النون بعد ضمير الفاعل إذا كان مثنى في نحو تفعلان قياسا على كسرها في تثنية الاسم، نحو «الزيدان» حملا للفرع على الأصل. و ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ هنا فعل متعد، والمفعول محذوف. وقرئ: ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ بنون خفيفة مكسورة، وأصله: تبشرونني، فاجتمع حرفان متحركان من جنس واحد، وهما نون الوقاية ونون الإعراب، فحذف إحداهما تخفيفا، وحذفت ياء الإضافة وبقيت الكسرة قبلها تدل عليها. وقرئ ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ بنون مشددة مكسورة، ولما استثقل اجتماع النونين المتحركتين، سكّن النون الأولى، وأدغمها في الثانية، قياسا على كل حرفين متحركين من جنس واحد في كلمة واحدة. ثم حذفت الياء وبقيت الكسرة قبلها تدل عليها. ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ﴾ منصوب؛ لأنه استثناء منقطع؛ لأن (أتباع لوط) ليسوا من القوم المجرمين. و ﴿اِمْرَأَتَهُ﴾ منصوب على الاستثناء من آل لوط. وهذا الاستثناء يدل على أن الاستثناء من الإيجاب نفي ومن النفي إيجاب؛ لأنه استثنى آل لوط من المجرمين، فلم يدخلوا في الإهلاك، ثم استثنى من آل لوط ﴿اِمْرَأَتَهُ﴾ فدخلت في الهلاك. ﴿إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ﴾ لما دخلت اللام علقت الفعل عن العمل، مثل: ﴿قالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ [المنافقون ١/ ٦٣].

стр. 4146

﴿أَنَّ دابِرَ.﴾. منصوب على البدل من موضع ﴿ذلِكَ﴾ إن جعل الأمر عطف بيان، أو بدل من ﴿الْأَمْرَ﴾ إن كان ﴿الْأَمْرَ﴾ بدلا من ﴿ذلِكَ﴾. و ﴿مُصْبِحِينَ﴾ حال من ﴿هؤُلاءِ﴾. وعامل الحال معنى الإضافة: ﴿دابِرَ هؤُلاءِ﴾ من المضامّة والممازجة. ﴿عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أي عن ضيافة العالمين، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف، أي لعمرك قسمي. البلاغة: ﴿قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ﴾ أسند فعل التقدير إلى الملائكة مجازا وهو لله وحده، لما لهم من القرب. ﴿أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ كناية عن عذاب الاستئصال. ﴿عالِيَها سافِلَها﴾ بينهما طباق. ﴿الْقانِطِينَ﴾ ﴿الْغابِرِينَ﴾ ﴿أَجْمَعِينَ﴾ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ فيها سجع، وكذا في ﴿الضّالُّونَ﴾ ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿لَصادِقُونَ﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ أخبرهم وهو معطوف على ما سبق وهو: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ وفي العطف تحقيق لهما ﴿ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾ هم ملائكة اثنا عشر أو عشرة أو ثلاثة، منهم جبريل، بشروه بالولد، وبهلاك قوم لوط. وكلمة ضيف تستعمل بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع والمؤنث والمذكر. ﴿فَقالُوا: سَلاماً﴾ أي نسلم عليك سلاما، أو سلمنا سلاما. ﴿وَجِلُونَ﴾ خائفون فزعون. ﴿لا تَوْجَلْ﴾ لا تخف. ﴿إِنّا﴾ رسل ربك. ﴿نُبَشِّرُكَ﴾ استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل. ﴿بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ أي ذي علم كثير إذا بلغ، هو إسحاق، لقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ [هود ٧١/ ١١]. ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ بالولد. ﴿عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ حال، أي مع مسّه إياي. ﴿فَبِمَ﴾ فبأي شيء. ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ استفهام تعجب. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالأمر المحقق الذي لا شك فيه، أي بالصدق أو باليقين. ﴿الْقانِطِينَ﴾ الآيسين من الولد للكبر. ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ أي لا يقنط. ﴿الضّالُّونَ﴾ الكافرون الذي لا يعرفون كمال قدرته تعالى وسعة رحمته، أو البعيدون عن الحق. ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ ما شأنكم وحالكم؟ والخطب: الأمر الخطير. ﴿مُجْرِمِينَ﴾ كافرين، هم قوم لوط، وأرسلنا لإهلاكهم. ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾ لمخلّصوهم مما هم فيه؛ لإيمانهم. ﴿قَدَّرْنا﴾ قضينا وكتبنا، والتقدير:

стр. 4147

جعل الشيء على مقدار معين، وأسند الملائكة التقدير لأنفسهم مع أنه هو فعل الله تعالى، لما لهم من القرب والاختصاص به. ﴿الْغابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب، أي بقيت امرأته في العذاب لكفرها. ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ﴾ أي لوطا. ﴿قالَ﴾ لوط لهم. ﴿مُنْكَرُونَ﴾ أي لا أعرفكم. ﴿بِما كانُوا فِيهِ﴾ أي قومك. ﴿يَمْتَرُونَ﴾ يشكّون، وهو العذاب. ﴿لَصادِقُونَ﴾ في قولنا. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ اذهب بهم ليلا. ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بجزء أو طائفة من الليل. ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ﴾ امش خلفهم أو على إثرهم. ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم، أو يطلع على أحوالهم، فيرى من الهول ما لا يطيقه، أو فيصيبه ما أصابهم. ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ إلى حيث أمركم الله، وهو الشام أو مصر، ففيه تعدية الفعل: ﴿وَامْضُوا﴾ إلى حيث، وتعدية: ﴿تُؤْمَرُونَ﴾ إلى ضميره المحذوف. ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ﴾ أوحينا إلى لوط. ﴿أَنَّ دابِرَ﴾ آخر. ﴿مَقْطُوعٌ﴾ مهلك مستأصل. ﴿مُصْبِحِينَ﴾ حال، أي يتم استئصالهم في الصباح، أي عند طلوع الصبح. ﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ مدينة سدوم، وهي مدينة قوم لوط، أي جاء قوم لوط لما أخبروا أن في بيت لوط مردا حسانا وهم الملائكة. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ حال، طمعا في فعل الفاحشة بهم، والاستبشار: إظهار السرور. ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ في ضيفي، والفضيحة: إظهار ما يوجب العار، فإن من أسيء إلى ضيفه فقد أسيء إليه. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في اقتراف الفاحشة. ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ ولا تذلون بسببهم، والخزي: الذل والهوان أي لا تلحقوا بي ذلا بقصدكم إياهم، بفعل الفاحشة بهم، أو لا تخجلوني فيهم، من الخزاية وهو الحياء. ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أي عن إضافتهم أو إجارة أحد منهم، أو لم تمنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرضون لكل غريب، وكان لوط يمنعهم عنه بقدر وسعه. ﴿هؤُلاءِ بَناتِي﴾ يعني نساء القوم، فإن نبي كل أمة بمنزلة أبيهم، أو هؤلاء بناتي فتزوجوهن. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أي قضاء الوطر. ﴿لَعَمْرُكَ﴾ يكون بفتح العين حال القسم، وهو قسم من الله تعالى بحياة المخاطب وهو النبي ﷺ ، أي وحياتك، والعمر: بفتح العين وضمها: الحياة. ﴿سَكْرَتِهِمْ﴾ غوايتهم. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون. ﴿الصَّيْحَةُ﴾ صيحة جبريل، وهي الصاعقة، قال ابن جرير: وكل شيء أهلك به قوم فهو صيحة وصاعقة. ﴿مُشْرِقِينَ﴾ وقت شروق الشمس، أي داخلين في وقت الشروق. ﴿عالِيَها﴾ أي قراهم. ﴿سافِلَها﴾ بأن رفعها جبريل إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض، فصارت منقلبة بهم. ﴿سِجِّيلٍ﴾ طين متحجر، طبخ بالنار، وهو لفظ معرّب. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور. ﴿لَآياتٍ﴾ دلالات على وحدانية الله. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ للناظرين المتفكرين

стр. 4148

المعتبرين. ﴿وَإِنَّها﴾ قرى قوم لوط. ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ على طريق قومك قريش إلى الشام، بنحو واضح لم تندرس آثارها، يمر بها الناس ويرون آثارها، أفلا يعتبرون بها. ﴿لَآيَةً﴾ لعبرة. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله ورسله. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى دلائل التوحيد، وأحوال القيامة، وصفة الأشقياء والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء ﵈ ليكون سماعها مرغبا في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء، ومحذرا عن المعصية لاستحقاق دركات الأشقياء. وكان ذكر هذه القصص تفصيلا للوعد والوعيد، فبدأ أولا بقصة إبراهيم ﵇ للبشارة بغلام عليم، ثم ذكر إهلاك قوم لوط، لاقترافهم جريمة فاحشة ما سبقهم بها أحد من العالمين. التفسير والبيان: وأخبرهم يا محمد عن ضيوف إبراهيم المكرّمين، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، فقالوا حين دخلوا عليه: سلاما، أي سلاما من الآفات والآلام والمخاوف. وكان إبراهيم ﵇ يكنى: أبا الضيفان. فقال إبراهيم للضيوف: إنا خائفون منكم؛ لدخولهم عليه بلا إذن، أو لما رأى أيديهم لا تمتد إلى ما قربه إليهم من الضيافة، وهو العجل السمين الحنيذ (المشوي بالحجارة المحماة). وهذا يعني أنهم يبيتون شرا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ، نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود ٧٠/ ١١]. فأجابوه بقولهم: ﴿لا تَوْجَلْ﴾ لا تخف، وفي سورة هود: ﴿لا تَخَفْ، إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [٧٠] فهذا تعليل النهي عن الوجل في تلك السورة، وأما هنا فعللوا ذلك بقولهم: ﴿إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ أي أتينا لبشارتك بميلاد غلام ذي علم وفطنة وفهم لدين الله؛ لأنه سيكون نبيا، وهو إسحاق عليه

стр. 4149

السلام، كما تقدم في سورة هود [٧١] وفي سورة الصافات: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [١١٢]. ﴿قالَ: أَبَشَّرْتُمُونِي.﴾. أجاب إبراهيم متعجبا من مجيء ولد حال كبره وكبر زوجته، ومتحققا من الوعد، أبشرتموني بذلك بعد أن أصابني الكبر، فبأي أعجوبة تبشروني، أو إنكم تبشرونني بما هو غير متصور في العادة، فبأي شيء تبشرون؟ يعني لا تبشرونني في الحقيقة بشيء؛ لأن البشارة بمثل هذا بشارة بغير شيء. فأجابوه مؤكدين لما بشروه به: ﴿قالُوا: بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ.﴾. أي قال ضيوف إبراهيم له: بشرناك بما هو حق ثابت؛ إذ هو صنع الله ووعده الذي لا يتخلف، فلا تكن من القانطين اليائسين، فالذي أوجد الإنسان من التراب من غير أب وأم قادر على إيجاده من أي شيء، كأبوين عجوزين، أي أن إبراهيم استعظم نعمة الله عليه في وقت غير مألوف عادة، لا أنه استبعد ما هو داخل في نطاق القدرة الإلهية. فأجابهم ﴿قالَ: وَمَنْ يَقْنَطُ.﴾. أي أجاب إبراهيم الضيوف بأنه ليس يقنط، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك، ولا ييأس من رحمة الله إلا الضالون: أي المخطئون طريق الصواب، كما قال يعقوب: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ [يوسف ٨٧/ ١٢]. ثم بعد تأكد إبراهيم الخليل ﵇ من هذه البشرى وعلمه أنهم ملائكة، وذهاب الروع عنه، سألهم عن أمرهم بسبب مجيئهم مختفين: ﴿قالَ: فَما خَطْبُكُمْ.﴾. أي قال لهم: فما شأنكم وما الأمر الذي أرسلتم به غير البشرى أيها الملائكة المرسلون؟ كأنه فهم من قرائن الأحوال أن لهم مهمة أصلية غير البشرى؛ لأن البشرى كما حدث لزكريا ومريم يكفيها واحد.

стр. 4150

فأجابوه: ﴿قالُوا: إِنّا أُرْسِلْنا.﴾. أي قالوا له: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين مشركين هم قوم لوط، الذين يتعاطون المنكر، ويأتون الرجال شهوة من دون النساء، لنهلكهم. ثم أخبروه أنهم سينجّون آل لوط جميعهم من بينهم إلا امرأته التي كانت متواطئة مع قومها، فإنها من الغابرين، أي الباقين مع الكفرة الهالكين، فإنا مخلصوهم أجمعين من ذلك العذاب: عذاب الاستئصال، إلا امرأة لوط، قضى الله عليها أن تكون مع المهلكين، لإعانتهم على مقاصدهم الخبيثة. وقد أضاف الملائكة التقدير في قولهم: ﴿قَدَّرْنا﴾ إلى أنفسهم، مع أنه لله تعالى، لما لهم من القرب والاختصاص بالله تعالى، كما يقول خاصة الملك: دبّرنا كذا وأمرنا بكذا، والآمر هو الملك، وليس هم. ثم بدأت قصة الدمار والعذاب ومجيئهم إلى لوط ﵇ ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ.﴾. أي لما انتهت مهمة الملائكة مع إبراهيم فبشروه بالولد، وأخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قوم مجرمين، ذهبوا بعدئذ إلى لوط وآله في صورة شباب حسان الوجوه، في بلدهم (سدوم) ولم يعرف لوط وقومه أنهم ملائكة الله، كما لم يعرفهم إبراهيم بادئ ذي بدء، فقال لهم لوط: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي إنكم قوم غير معروفين لدي، تنكركم نفسي، وأخاف أن تباغتوني بشر، فمن أي الأقوام أنتم؟! كما جاء في آية أخرى: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً، سِيءَ بِهِمْ، وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ [هود ٧٧/ ١١]. وقيل: أنكر حالتهم، وخاف عليهم من إساءة قومه، لما رآهم شبانا مردا حسان الوجوه. فأجابوه ﴿بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي قالت الملائكة له: جئناك بما يسرّك، وهو عذابهم وهلاكهم ودمارهم الذي كانوا يشكون في وقوعه بهم، ويكذبونك فيه قبل مجيئه.

стр. 4151

ثم أكدوا ما ذكروه بقولهم: ﴿وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالأمر المحقق واليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه، وهو عذاب قوم لوط، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ [الحجر ٨/ ١٥]. ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ وهذا تأكيد آخر، أي وإنا لصادقون فيما أخبرناك به، من هلاكهم ونجاتك مع أتباعك المؤمنين. وإنما وصفوا مهمتهم بهذا الوصف، ولم يصرحوا بعذابهم، لإفادة تحقق عذابهم، وإثبات صدقه ﵇ فيما دعاهم إليه. ثم جاءت مرحلة التنفيذ وبيان خطة النجاة للوط وأتباعه، فقالوا له: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي فسر بأهلك بعد مضي جزء من الليل، وأهله: ابنتاه فقط ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ﴾ أي وامش وراء أهلك ليكون أحفظ لهم. ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي إذا سمعتم الصيحة بالقوم، فلا تلتفتوا إليهم، وذروهم فيما أصابهم من العذاب والنكال، حتى لا يرق قلبه لهم. وأكدوا النهي بقوله: ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي سيروا بأمر ربكم غير ملتفتين إلى ما وراءكم، إلى الشام، كما قال ابن عباس، أو حيث يوجهكم جبريل الذي أمرهم أن يمضوا إلى قرية معينة، لم يعمل أهلها مثل عمل قوم لوط. وأوحى الله إليه أن التنفيذ سريع الحصول فقال: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي وأوحينا إليه أو تقدمنا إليه أن أمر هلاكهم مقضي قضاء مبرما، وأن آخر هؤلاء وأولهم مستأصل وقت الصباح، كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ، أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١/ ١١]. فقوله: ﴿دابِرَ هؤُلاءِ﴾ يعني آخرهم، أي يستأصلون عن آخرهم، حتى لا يبقى منهم أحد. ثم ذكر الله تعالى في ثنايا القصة ما عزم عليه قوم لوط من الإساءة لهؤلاء

стр. 4152

الضيوف، فقال: ﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي جاء قوم لوط أهل سدوم، حين علموا بأضيافه وصباحة وجوههم، مستبشرين بهم فرحين، أملا في ارتكاب الفاحشة معهم. وهذا جرم فظيع، وأمر مستهجن، ينافي الأعراف والأذواق السليمة من إكرام الغريب والإحسان إليه. قيل: إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن، اشتهر خبرهم حتى وصل إلى قوم لوط. وقيل: إن امرأة لوط أخبرتهم بذلك. وعلى أي حال قال القوم: نزل بلوط ثلاثة من المرد، ما رأينا قط أصبح وجها، ولا أحسن شكلا منهم، فذهبوا إلى دار لوط. فقال لهم لوط جملتين مؤثّرتين، الأولى: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أي هؤلاء ضيوف، فلا تفضحوني فيهم، أي بارتكاب ما يؤدي إلى العار معهم، والضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموهم بالسوء، كان ذلك إهانة لي. والثانية مؤكدة للأولى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ﴾ أي وخافوا عذاب الله، ولا تخزون أي ولا تذلوني بإذلال ضيفي، ولا توقعوني في الخزي (أي الهوان) والعار، بالإساءة لهم. فأجابوه: و ﴿قالُوا: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أي ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة، ونهيناك أن تضيف أحدا. فأجابهم ﴿قالَ: هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أي قال لوط لقومه مرشدا لهم: تزوجوا النساء اللاتي أباحهن الله لكم، وتجنبوا إتيان الرجال، إن كنتم فاعلين ما آمركم به، منتهين إلى أمري. والمراد ببناته: نساء قومه؛ لأن رسول الأمة يكون كالأب لهم، كما قال تعالى في حق نبينا ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب ٦/ ٣٣] وفي قراءة أبيّ: وهو أب لهم. وقيل: المراد بناته من صلبه، أي التزوج بهن.

стр. 4153

وهذا كله، وهم غافلون عما يراد بهم، ويحيط بهم من البلاء، وماذا يصبحهم من العذاب المستقر، لهذا قال تعالى لمحمد ﷺ أو قالت الملائكة للوط: ﴿لَعَمْرُكَ، إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي أقسم بحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا أيها الرسول-وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع-إنهم في غوايتهم يتحيرون، فلا يلتفتون إلى نصيحتك، ولا يميزون بين الخطأ والصواب. و ﴿سَكْرَتِهِمْ﴾ ضلالتهم، و ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون أو يلعبون. قال ابن عباس: ما خلق الله وما ذرأ، وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد ﷺ ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره. ثم أخبر الله تعالى عن نوع عذابهم فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أي فنزل فيهم صيحة جبريل ﵇: وهي ما جاءهم من الصوت القاصف عند شروق الشمس وهو طلوعها، فقوله ﴿مُشْرِقِينَ﴾ أي داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس. وكان ابتداؤها من الصبح وانتهاؤها حين الشروق، لذا قال أولا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ ثم قال هنا ﴿مُشْرِقِينَ﴾. وأخذ الصيحة: قهرها لهم وتمكنها منهم، وقد أدت بهم إلى رفع بلادهم إلى عنان السماء، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم. والصيحة: صوت شديد مهلك من السماء. وهذا ما تضمنه قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها، وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ أي جعلنا عالي المدينة وهو ما على وجه الأرض سافلها أي في أعماقها، فانقلبت عليهم، وأنزل تعالى عليهم حجارة من طين متحجر طبخ بالنار. يظهر مما سبق أن الآية ذكرت أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب هي:

стр. 4154

١ - الصيحة الهائلة المنكرة. ٢ - أنه جعل عاليها سافلها. ٣ - أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل. ثم ذكر تعالى العبرة من تلك القصة، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي إن في ذلك العذاب الواقع بقوم لوط لدلالات للمتأملين المتفرّسين، الذين يتعظون بالأحداث، ويتفهمون ما يكون لأهل الكفر والفواحش من عقاب أليم. وبالمناسبة: روى البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو نعيم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ النبي ﷺ : ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. ثم وجّه تعالى أنظار أهل مكة وأمثالهم إلى الاعتبار بما حدث فقال: ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي وإن مدينة سدوم التي أصابها هذا العذاب لبطريق واضح، لا تخفى على المسافرين المارّين بها، فآثارها ما تزال باقية إلى اليوم، في الطريق من الحجاز إلى الشام، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧/ ٣٧ - ١٣٨]. فقوله: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي بطريق واضح. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار، وإنجاءنا لوطا وأهله لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله، أي إن المنتفعين حقا من مغزى القصة هم المؤمنون الذين يدركون أن العذاب انتقام من الله لأنبيائه. أما غير المؤمنين بالله، فينسبون الدمار للطبيعة والشؤون الأرضية.

стр. 4155

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت القصة إلى ما يأتي: ١ - تعليم أدب الضيف بالتحية والسلام حين القدوم على الآخرين. ٢ - وصف أحاسيس المضيف ومخاوفه حين تقديم الطعام لضيفه وامتناعهم عن الأكل. ٣ - كانت بشارة الملائكة لإبراهيم بولادة إسحاق سببا في طرد مخاوفه وإشعاره بالأمن والسلامة. ٤ - كان استفهام إبراهيم الخليل استفهام تعجب من مخالفة العادة، وحصول الولد حال الشيخوخة التامة من الأبوين معا، ولم يكن استفهامه استبعاد قدرة الله تعالى على خلق الولد منه في زمان الكبر؛ لأن إنكار قدرة الله تعالى حينئذ كفر. ٥ - أكد الملائكة البشارة، وأنها حق ثابت لا خلف فيه، وأن الولد لا بد منه، ثم نهوه عن القنوط واليأس. ويلاحظ أن نهي الإنسان عن الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلا للمنهي عنه، كما في قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٤٨/ ٣٣]. وقد نفى إبراهيم القنوط عن نفسه قائلا ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ﴾ أي المكذبون الذاهبون عن طريق الصواب. وهذا يعني أنه استبعد الولد لكبر سنه، لا أنه قنط من رحمة الله تعالى. ٦ - لا خلاف في اللغة العربية في أن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، فقوله تعالى: ﴿إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِلاّ آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ استثنى آل لوط من القوم المجرمين، فهم ناجون، ثم استثنى امرأته من آل لوط، فهي هالكة.

стр. 4156

٧ - لم يعرف لوط وآله أن الضيوف ملائكة، كما لم يكن إبراهيم قد عرفهم. وقيل: كانوا شبابا، ورأى جمالا، فخاف عليهم من فتنة قومه، فهذا هو الإنكار في قوله ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. ٨ - ليس محمودا إطالة المكث أو النظر إلى آثار القوم الذين دمرهم الله، ويسن الإسراع حين المرور في تلك الديار؛ لأنها أماكن غضب ولعنة. ٩ - نهى الله تعالى لوطا وأتباعه عن الالتفات أثناء نزول العذاب بقوم لوط، حتى لا تأخذهم الشفقة عليهم، وليجدّوا في السير، ويتباعدوا عن القرية قبل أن يفاجئهم الصبح. ١٠ - كان تصميم قوم لوط على ارتكاب الفاحشة مع هؤلاء الضيوف دليلا ماديا آخر على فحشهم وكفرهم وضلالهم. ١١ - قول لوط ﵇: ﴿هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ سواء كنّ بناته الصلبيات أو نساء قومه: إرشاد إلى الشيء المباح غير الحرام، أي فتزوجوهن ولا تركنوا إلى الحرام. ويكفر من فهم غير ذلك؛ لأن الزنى حرام في كل الملل والأديان، ولا يقره نبي قط ولو للضرورة. ١٢ - قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: قال القاضي عياض وابن العربي فيه: أجمع أهل التفسير في هذا: أنه قسم من الله ﷻ بمدة حياة محمد ﷺ ، تشريفا له، وأن قومه من قريش في سكرتهم أي في ضلالتهم يعمهون وفي حيرتهم يترددون. ويحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوط، أنهم كانوا في سكرتهم يعمهون، وأن الملائكة قالت له ﴿لَعَمْرُكَ.﴾ .. ويكره لدى كثير من العلماء أن يقول الإنسان: لعمري؛ لأن معناه:

стр. 4157

وحياتي، فهو حلف بحياة نفسه، وذلك من كلام ضعفة الرجال. وقال الإمام أحمد: من أقسم بالنبي ﷺ لزمته الكفارة. ١٣ - كان عقاب قوم لوط بالصيحة وقلب بلدهم عاليها سافلها، وإمطار حجارة من سجيل أي طين متحجر مطبوخ بالنار عليهم. ١٤ - إن في هذه القصة لعبرة وعظة للمؤمنين الصادقين. والآثار المادية لديار قوم لوط في طريق الشام خير شاهد وأصدق دليل للمتعظين. هذا.. ولم يجز المالكية القضاء بالتوسم والتفرس، فذلك دليل غير متيقن، فلا يترتب عليه حكم. قصة أصحاب الأيكة (قوم شعيب) وأصحاب الحجر (ثمود) ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ الإعراب: ﴿وَإِنْ كانَ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا: مخففة من الثقيلة، ومعنى إن ولام ﴿لَظالِمِينَ﴾ للتوكيد.

стр. 4158

البلاغة: ﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ صيغة مبالغة. المفردات اللغوية: ﴿أَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ هم قوم شعيب ﵇، والأيكة: الغيضة: وهي الشجر الكثير الملتف بعضه على بعض، وهي بقرب مدين. ﴿لَظالِمِينَ﴾ بتكذيبهم شعيبا. ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ بأن أهلكناهم بشدة الحر. ﴿وَإِنَّهُما﴾ قرى قوم لوط والأيكة. ﴿لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ أي لبطريق واضح. والإمام: ما يؤتم به، سمي به الطريق؛ لأنه يؤتم ويتّبع. ﴿أَصْحابُ الْحِجْرِ﴾ هم ثمود، والحجر: واد بين المدينة والشام، كانوا يسكنونه، ويسمى كل مكان أحيط بالحجارة حجرا، ومنه حجر الكعبة. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ أي كذب أصحاب الحجر صالحا، وعبر بالجمع عن المفرد؛ لأنه تكذيب لباقي الرسل، لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد. ﴿آياتِنا﴾ هي الناقة التي فيها آيات كثيرة، كعظم خلقها، وكثرة لبنها، وكثرة شربها، أو المراد آيات الكتاب المنزل على نبيهم. ﴿مُعْرِضِينَ﴾ لا يتفكرون فيها. ﴿مُصْبِحِينَ﴾ وقت الصباح. ﴿أَغْنى﴾ دفع. ﴿عَنْهُمْ﴾ العذاب. ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من بناء البيوت الوثيقة والحصون وجمع الأموال. ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي خلقا ملتبسا بالحق، ملازما له، لا يلائم استمرار الفساد، ودوام الشرور ﴿لَآتِيَةٌ﴾ لا محالة، فيجازي كل أحد بعمله. ﴿فَاصْفَحِ﴾ يا محمد عن قومك. ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ أعرض عنهم إعراضا لا جزع فيه، أو لا تعجل بالانتقام منهم، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم. ﴿الْخَلاّقُ﴾ لكل شيء، خلقك وخلقهم، وبيده أمرك وأمرهم. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحالك وحالهم فهو حقيق بأن تكل إليه الأمر. المناسبة: هذه هي القصة الثالثة والرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، فأولها: قصة آدم وإبليس، وثانيها: قصة إبراهيم ولوط، وثالثها: هذه القصة-قصة أصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب ﵇، كانوا أصحاب غياض (أشجار متشابكة كثيرة) فكذبوا شعيبا، فأهلكهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة، أي الصيحة وقت الصباح، لشركهم بالله، ونقصهم المكاييل والموازين.

стр. 4159

ورابعها: قصة صالح مع قومه، كان في الناقة آيات كثيرة كخروجها من الصخرة وعظم خلقها، وظهور نتاجها عند خروجها، وكثرة لبنها. والهدف من إيراد هذه القصص كما بينا الترغيب في الطاعة الموجبة للفوز بالجنان، والتحذير من المعصية المؤدية لعذاب النيران، وتسلية النبي ﷺ بها عن تكذيب قومه له. وأما مناسبة قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ.﴾. فهو أنه تعالى لما ذكر أنه أهلك الكفار، فكأنه قيل: الإهلاك والتعذيب كيف يليق بالرحيم؟ فأجاب عنه بأني إنما خلقت الخلق ليكونوا مشتغلين بالعبادة والطاعة، فاذا تركوها وأعرضوا عنها، وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير وجه الأرض منهم. أو أن المراد من هذه الآية تصبير الله تعالى محمدا ﵇ على سفاهة قومه، فإنه إذا عرف أن الأنبياء السابقين عاملتهم أممهم بمثل هذه المعاملات الفاسدة، سهل عليه تحمل السفاهات من قومه. التفسير والبيان: أي إن أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب ظالمون، بسبب شركهم بالله، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان، فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة، وقد كانوا قريبي الزمان من قوم لوط بعدهم، ومجاورين لهم في المكان، لذا لما أنذر شعيب قومه قال: ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٩/ ١١]. والأيكة: الشجر الملتف. روى ابن مردويه وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مدين وأصحاب الأيكة أمّتان بعث الله إليهما شعيبا».

стр. 4160

﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ.﴾. أي فعاقبناهم جزاء كفرهم ومعاصيهم، عاقبنا أهل الأيكة بيوم الظلة: وهو إصابتهم بحر شديد سبعة أيام، لا ظل فيه، ثم أرسلت عليهم سحابة، فجلسوا تحتها، فأرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم. وعاقبنا أهل مدين بالصيحة. ﴿وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ أي وإن كلا من قرى قوم لوط وبقعة أصحاب الأيكة لبطريق واضح يسلكه الناس في سفرهم من الحجاز إلى الشام. والإمام: ما يؤتم به، وجعل الطريق إماما لأنه يؤمّ ويتّبع حتى يصل إلى الموضع الذي يريده. ثم ذكر تعالى قصة أصحاب الحجر وهم ثمود، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ.﴾. أي ولقد كذبت ثمود صالحا نبيهم ﵇، ومن كذب رسولا فقد كذب بجميع المرسلين، لاتفاق أصول دعوتهم في التوحيد وعبادة الله وأمهات الفضائل، ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين. ﴿وَآتَيْناهُمْ آياتِنا.﴾. أي وآتيناهم وأعطيناهم من الآيات والدلائل ما يدلهم على صدق نبوة صالح ﵇، كالناقة التي أخرجها الله من صخرة صماء بدعاء صالح، فأعرضوا عنها وعقروها ولم يعتبروا بها، فكانت تسرح في بلادهم، لها شرب يوم من نهر صغير ولهم شرب يوم آخر، ولبنها كثير كان يكفي القبيلة. ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ.﴾. أي وكانت لهم بيوت نحتوها في الجبال وأصبحوا بها آمنين من الأعداء، من غير خوف، لقوة إحكامها، وهي ما تزال مشاهدة بوادي الحجر الذي مرّ به رسول الله ﷺ ، وهو ذاهب إلى تبوك، فقنّع رأسه، وأسرع دابته، وقال لأصحابه-فيما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر-: «لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا، خشية أن يصيبكم ما أصابهم».

стр. 4161

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أي لما عتوا وبغوا وعقروا الناقة، أخذتهم صيحة الهلاك في وقت الصباح من اليوم الرابع من موعد العذاب، كما قال تعالى: ﴿فَقالَ: تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ، ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود ٦٥/ ١١]. ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ.﴾. أي فما نفعتهم تلك الأموال لما جاء أمر ربك، وما دفعت عنهم ذلك العذاب، ولم يستفيدوا من مكاسبهم وهي ما كانوا ينحتونه من البيوت في الجبال، وما كانوا يستغلونه من الزروع والثمار، التي ضنوا بمائها عن الناقة، حتى عقروها، لئلا تضيق عليهم في المياه، بل أصبحوا هلكى جاثمين. ولما أخبر الله تعالى عن إهلاك الكفار، فكأن شخصا تساءل، كيف يليق التعذيب والإهلاك بالرحيم الكريم؟ فأجاب تعالى عنه بقوله: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.﴾. أي وما خلقنا هذه المخلوقات في السماء والأرض وما بينهما إلا بالحق، أي بالعدل والحكمة، لا ظلما، ولا باطلا ولا عبثا، ليكون الخلق مشتغلين بالعبادة والطاعة، فإذا تركوها وأعرضوا عنها، وجب في مقتضى العدل والحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم. وفي هذا إشارة إلى أن تعذيب المكذبين للنبي ﷺ في الآخرة هو حق وعدل وحكمة ومصلحة للبشر أنفسهم. ﴿وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ أي وإن يوم القيامة آت لا ريب فيه، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وفي هذا تهديد للعصاة، وترغيب للطائعين. ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ أي فأعرض يا محمد عن المشركين، واحتمل ما تلقى منهم من أذى إعراضا جميلا بحلم وإغضاء، وهذا مخالقة للناس بخلق حسن، فهو غير منسوخ. والشائع أن هذا الصفح قبل الأمر بالقتال، فهو منسوخ. قال الرازي: كون الصفح منسوخا بآية السيف بعيد؛ لأن المقصود من ذلك

стр. 4162

أن يظهر الخلق الحسن والعفو والصفح، فكيف يصير منسوخا (١)؟! ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ أي إن ربك كثير الخلق، خلق كل شيء، واسع العلم، عليم بكل شيء، وهذا تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة، فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء، العليم بما تبدد من الأجساد، وتفرق في سائر أنحاء الأرض، فالجميع صائرون إليه، محاسبون بين يديه. فقه الحياة أو الأحكام: هاتان قصتان من قصص الأمم البائدة الظالمة المكذّبة لرسلها، تهزّ أعماق البشر، وتحرّك مشاعرهم، وتوقظ ضرورة الصحوة والمبادرة إلى ساحة الإيمان وصلاح الأعمال. فلقد كذب أصحاب الأيكة (قوم شعيب) رسولهم شعيبا، مع أنهم كانوا يرفلون بالنعم والخيرات الكثيرة المغدقة، فكانوا أصحاب غياض (٢) ورياض وشجر مثمر. وظلت بحكمة الله تعالى آثار مدينة قوم لوط وبقعة أصحاب الأيكة ماثلة مشاهدة قائمة، ليعتبر بهما من يمرّ عليهما. وكذلك كذّب أصحاب الحجر (ديار ثمود بين المدينة وتبوك) نبيهم صالحا، فلم يؤمنوا برسالته، ومن كذب نبيا فقد كذب الأنبياء كلهم؛ لأنهم على دين واحد في الأصول، فلا يجوز التفريق بينهم. وكان عقاب هؤلاء المكذبين وهو التدمير والإبادة والهلاك التام عبرة للمعتبرين، ومثار تفكير وعظة للمتفكرين، فما أغنت عنهم الأموال والحصون في

стр. 4163

الجبال وقوة الأجسام. والله الخالق للسموات والأرض قادر على البعث والمعاد والقيامة لإقامة العدل بين الخلائق وحساب الناس أجمعين. وقد استنبط العلماء من الآيات في ضوء السنة ما يأتي: ١ - كراهة دخول مواطن العذاب، ومثلها دخول مقابر الكفار، فإن دخل الإنسان إلى تلك المواضع والمقابر، فعلى الصفة التي أرشد إليها النبي ﷺ مما ذكر سابقا من الاعتبار والخوف والإسراع، وقد قال رسول الله ﷺ : لا تدخلوا أرض بابل، فإنها ملعونة. وهناك روايات أخرى لحديث ابن عمر عند البخاري وهي: أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنّا واستقينا، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا الماء، وأن يطرحوا ذلك العجين. وفي لفظ آخر: أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر-أرض ثمود، فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي تردها الناقة. ٢ - عدم جواز الانتفاع بماء السخط، فرارا من سخط الله؛ لأن النبي ﷺ أمر بإهراق ماء بئر ثمود وإلقاء ما عجن وخبز به، وتقديمه علفا للإبل. وهذا ينطبق على الماء النجس وما يعجن به. ٣ - قال مالك: إن ما لا يجوز استعماله من الطعام والشراب يجوز أن تعلفه الإبل والبهائم؛ إذ لا تكليف عليها. وكذلك قال في العسل النجس: إنه يعلفه النحل. ٤ - أمر رسول الله ﷺ بعلف ما عجن بهذا الماء الإبل، ولم يأمر بطرحه،

стр. 4164

كما أمر في لحوم الحمر الإنسية يوم خيبر، فدل على أن لحم الحمير أشد في التحريم وأغلظ في التنجيس. ٥ - يجوز للرجل حمل النجاسة إلى كلابه ليأكلوها؛ لأمره ﷺ بعلف الإبل العجين. ٦ - جواز التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، وإن تقادمت أعصارهم وخفيت آثارهم؛ لأمره ﷺ أن يستقوا من بئر الناقة. ٧ - منع بعض العلماء الصلاة في موضع العذاب، وقال: لا تجوز الصلاة فيها؛ لأنها دار سخط، وبقعة غضب. فلا يجوز التيمم بترابها، ولا الوضوء من مائها، ولا الصلاة فيها. وقد روى الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق بيت الله». وزاد المالكية: الدار المغصوبة، والكنيسة والبيعة، والبيت الذي فيه تماثيل، والأرض المغصوبة، أو موضعا تستقبل فيه نائما أو وجه إنسان، أو جدارا عليه نجاسة. لكن أجمع العلماء على جواز التيمم في الموضع الطاهر من مقبرة المشركين، وجواز الصلاة في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر. وقال مالك: لا يصلى على بساط فيه تماثيل إلا من ضرورة. والممنوع مما ذكر مستثنى من قوله ﷺ فيما رواه الشيخان والنسائي عن جابر: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». ٨ - لا يصلى في البستان (الحائط) الذي يلقى فيه النتن والعذرة لإصلاحه، حتى يسقى ثلاث مرات، لما رواه الدارقطني عن ابن عباس عن النبي

стр. 4165

صلّى الله عليه وسلّم في الحائط يلقى فيه العذرة والنتن، قال: «إذا سقي ثلاث مرات فصلّ فيه». أفضال الله تعالى على نبيه المصطفى ﷺ ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (٩٨) وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ الإعراب: ﴿كَما أَنْزَلْنا.﴾. الكاف متعلقة بقوله: ﴿آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي﴾ ﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾، أو متعلقة بقوله: ﴿أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾، أي أنذركم من العذاب ﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ وهم الذين اقتسموا طرق مكة وعقابها، يمنعون الناس عن استماع كلام النبي ﷺ . ﴿عِضِينَ﴾ أي جعلوه أعضاء، حين آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، و ﴿عِضِينَ﴾ جمع عضة. ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ ما: إما اسم موصول بمعنى الذي، و ﴿تُؤْمَرُ﴾ صلته، وعائده محذوف

стр. 4166

تقديره: فاصدع بالذي تؤمر به، كما حذف من قوله تعالى: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ [الفرقان ٤١/ ٢٥] أي بعثه الله، ومثل: أمرتك الخير أي أمرتك بالخير، وإما أن تكون «ما» مصدرية، أي فاصدع بالأمر. ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ﴾: صفة، وقيل: مبتدأ، ولتضمنه معنى الشرط دخلت الفاء في خبره وهو ﴿فَسَوْفَ﴾. البلاغة: ﴿سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ عطف عام وهو القرآن على خاص وهو الفاتحة. ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه استعارة تبعية، شبّه خفض الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة في كل، وأستعير اسم المشبّه به للمشبّه. المفردات اللغوية: ﴿الْمَثانِي﴾ جمع مثنى، من التثنية وهو التكرير والإعادة، والسبع المثاني: هي الفاتحة، كما قال ﷺ في حديث رواه الشيخان؛ لأنها تثنى في كل ركعة، وآياتها سبع ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لا تطمح ببصرك إلى ما عند غيرك من حطام الدنيا. ﴿أَزْواجاً﴾ أصنافا. ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إن لم يؤمنوا ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ﴾ ألن جانبك، والمراد به: التواضع واللين، مأخوذ من خفض الطائر جناحه على فرخه: إذا غطاه وضمه إليه. ﴿النَّذِيرُ﴾ من عذاب الله أن ينزل عليكم و ﴿النَّذِيرُ﴾ المخوّف بعقاب الله من لم يؤمن به. ﴿الْمُبِينُ﴾ البيّن الإنذار، أي أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا. ﴿كَما أَنْزَلْنا﴾ العذاب. ﴿عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ هم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول ﷺ ، فأهلكهم الله تعالى يوم بدر. وقيل: هم أهل الكتاب (اليهود والنصارى). ﴿الْقُرْآنَ﴾ حيث قال المشركون عنادا: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، أو قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين. وإذا كان المراد أهل الكتاب فالقرآن: كتبهم المنزلة عليهم، آمنوا ببعض كتبهم، وكفروا ببعض، فيكون ذلك تسلية للنبي ﷺ . ﴿عِضِينَ﴾ أجزاء، جمع عضة بمعنى الكذب، أي جعلوه مفترى، أو آمنوا ببعض وكفروا ببعض. ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ سؤال توبيخ عن التقسيم أو النسبة إلى السحر، فيجازيهم عليه، أو هو عام في كل ما فعلوا من الكفر والمعاصي. فليس المقصود بالسؤال سؤال استخبار واستعلام؛ لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ، فيقول لهم: لم عصيتم

стр. 4167

القرآن، وما حجتكم فيه؟ هذا قول ابن عباس. وقال عكرمة: إن القيامة مواطن، فمرة يكون هناك سؤال وكلام كما في هذه الآية، ومرة لا يكون هناك سؤال وكلام، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٣٩/ ٥٥]. ﴿فَاصْدَعْ﴾ يا محمد. ﴿بِما تُؤْمَرُ﴾ به أي اجهر وأمضه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بك، بإهلاكنا كلا منهم بآفة، وهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمرهم في الدارين. ﴿وَلَقَدْ﴾ للتحقيق. ﴿يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ أي ينقبض حسرة وحزنا. ﴿بِما يَقُولُونَ﴾ من الاستهزاء والتكذيب. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي قل: سبحانه وبحمده، أي التسبيح مقترنا بالحمد. ﴿السّاجِدِينَ﴾ المصلين. ﴿الْيَقِينُ﴾ الموت. روي أنه ﵊ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. سبب النزول: نزول الآية (٩٥): ﴿إِنّا كَفَيْناكَ﴾: أخرج البزار والطبراني عن أنس بن مالك قال: مر النبي ﷺ على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون في قفاه، ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي، ومعه جبريل، فغمز جبريل بأصبعه، فوقع مثل الظفر في أجسادهم، فصارت قروحا حتى نتنوا، فلم يستطع أحد أن يدنو منهم، فأنزل الله: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. المناسبة: لما صبّر الله تعالى محمدا على أذى قومه، وأمره بأن يصفح الصفح الجميل، أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خص الله تعالى محمدا ﷺ بها؛ لأن الإنسان إذا تذكر كثرة نعم الله عليه، سهل عليه الصفح والتجاوز. التفسير والبيان: وتالله لقد أعطيناك وأنزلنا عليك أيها الرسول السبع المثاني والقرآن العظيم،

стр. 4168

والسبع المثاني: هي سورة الفاتحة، ذات الآيات السبع، التي تثنى وتكرر في كل ركعات الصلاة، والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها. روى البخاري حديثين في تفسير السبع المثاني، الأول عن أبي سعيد بن المعلى، والثاني عن أبي هريرة. أما حديث أبي سعيد فقال: «مرّ بي النبي ﷺ ، وأنا أصلّي، فدعاني، فلم آته حتى صليت، فأتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ فقلت: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤/ ٨] ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ فذهب النبي ﷺ ليخرج، فذكّرته فقال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته». وأما حديث أبي هريرة فقال: قال رسول الله ﷺ : «أم القرآن: هي السبع المثاني، والقرآن العظيم». وقيل: السبع المثاني: هي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة؛ لتكرار القصص والأحكام والحدود وتثنيتها فيها. وقيل: المراد بالسبع المثاني: جميع القرآن، ويكون العطف من باب الترادف، كما قال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩] فهو مثاني من وجه ومتشابه من وجه. والراجح أن تفسير البخاري نص في أن الفاتحة: السبع المثاني. ولا مانع-كما قال ابن كثير-من وصف غيرها بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضا، والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي، فإن

стр. 4169

ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة (١). ثم رتب تعالى على هذا العطاء العظيم قوله: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ.﴾. أي لا تطمح أيها الرسول-والخطاب لأمته-إلى ما متعنا به الأغنياء من زينة الحياة الدنيا، فمن وراء ذلك عقاب شديد، واستغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية. والمقصود: فاخر بما أوحي إليك، وقدّر عظمة نعمته عليك، ولا تنظر إلى الدنيا وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية، لنفتنهم فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تتحسر عليهم في تكذيبهم لك، ومخالفتهم دينك، وإذا كنت في نعمة عظمي، هانت أمامها بقية النعم وكانت حقيرة. وهذا دليل على أن القرآن ثروة كبري وخير وفلاح. ونظير الآية: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه ١٣١/ ٢٠]. قال أبو بكر ﵁: من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغّر عظيما، وعظّم صغيرا. ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي ولا تتأسف على المشركين إذا لم يؤمنوا، ليتقوى بهم الإسلام، ويعتز بهم المسلمون. وقيل: المعنى: لا تحزن على ما متعوا به في الدنيا، فلك في الآخرة أفضل منه. وبعد النهي عن الالتفات لأغنياء الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ألن جانبك وتواضع للمؤمنين، ولا تجافهم ولا تقس عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ﴾

стр. 4170

﴿فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.﴾. [آل عمران ١٥٩/ ٣]. ثم وجهه تعالى لوظيفته، وهي الإنذار فقال: ﴿وَقُلْ: إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ.﴾. أي وقل يا محمد للناس: إني منذر ومخوف من عذاب أليم، بسبب التكذيب والتمادي في الغي، كما حل بالأمم المتقدمة المكذبة لرسلها، وما أحاط بهم من انتقام وعذاب. جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنّجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذّبه طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبّحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتّبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذّب ما جئت به من الحق». ﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ. الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ هناك رأيان في تعلق قوله: ﴿كَما أَنْزَلْنا﴾ (١). أحدهما-أن يتعلق بقوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ﴾ أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا التوراة والإنجيل على أهل الكتاب (اليهود والنصارى) من قبلك، وهم المقتسمون الذين اقتسموا القرآن إلى أجزاء، فآمنوا ببعضه الموافق للتوراة والإنجيل، وكفروا ببعضه المخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل. وهذا مروي عند البخاري وسعيد بن منصور والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس. والثاني-أن يتعلق بقوله: ﴿وَقُلْ: إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ أي وأنذر
следующие страницы →