تقديره: فاصدع بالذي تؤمر به، كما حذف من قوله تعالى: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ [الفرقان ٤١/ ٢٥] أي بعثه الله، ومثل: أمرتك الخير أي أمرتك بالخير، وإما أن تكون «ما» مصدرية، أي فاصدع بالأمر. ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ﴾: صفة، وقيل: مبتدأ، ولتضمنه معنى الشرط دخلت الفاء في خبره وهو ﴿فَسَوْفَ﴾.
البلاغة:
﴿سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ عطف عام وهو القرآن على خاص وهو الفاتحة.
﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه استعارة تبعية، شبّه خفض الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة في كل، وأستعير اسم المشبّه به للمشبّه.
المفردات اللغوية:
﴿الْمَثانِي﴾ جمع مثنى، من التثنية وهو التكرير والإعادة، والسبع المثاني: هي الفاتحة، كما قال ﷺ في حديث رواه الشيخان؛ لأنها تثنى في كل ركعة، وآياتها سبع ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لا تطمح ببصرك إلى ما عند غيرك من حطام الدنيا. ﴿أَزْواجاً﴾ أصنافا. ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إن لم يؤمنوا ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ﴾ ألن جانبك، والمراد به: التواضع واللين، مأخوذ من خفض الطائر جناحه على فرخه: إذا غطاه وضمه إليه. ﴿النَّذِيرُ﴾ من عذاب الله أن ينزل عليكم و ﴿النَّذِيرُ﴾ المخوّف بعقاب الله من لم يؤمن به. ﴿الْمُبِينُ﴾ البيّن الإنذار، أي أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.
﴿كَما أَنْزَلْنا﴾ العذاب. ﴿عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ هم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول ﷺ ، فأهلكهم الله تعالى يوم بدر. وقيل: هم أهل الكتاب (اليهود والنصارى).
﴿الْقُرْآنَ﴾ حيث قال المشركون عنادا: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، أو قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين. وإذا كان المراد أهل الكتاب فالقرآن: كتبهم المنزلة عليهم، آمنوا ببعض كتبهم، وكفروا ببعض، فيكون ذلك تسلية للنبي ﷺ .
﴿عِضِينَ﴾ أجزاء، جمع عضة بمعنى الكذب، أي جعلوه مفترى، أو آمنوا ببعض وكفروا ببعض. ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ سؤال توبيخ عن التقسيم أو النسبة إلى السحر، فيجازيهم عليه، أو هو عام في كل ما فعلوا من الكفر والمعاصي. فليس المقصود بالسؤال سؤال استخبار واستعلام؛ لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ، فيقول لهم: لم عصيتم
стр. 4167
القرآن، وما حجتكم فيه؟ هذا قول ابن عباس. وقال عكرمة: إن القيامة مواطن، فمرة يكون هناك سؤال وكلام كما في هذه الآية، ومرة لا يكون هناك سؤال وكلام، كما في قوله تعالى:
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٣٩/ ٥٥].
﴿فَاصْدَعْ﴾ يا محمد. ﴿بِما تُؤْمَرُ﴾ به أي اجهر وأمضه، من صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا. ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بك، بإهلاكنا كلا منهم بآفة، وهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمرهم في الدارين. ﴿وَلَقَدْ﴾ للتحقيق. ﴿يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ أي ينقبض حسرة وحزنا. ﴿بِما يَقُولُونَ﴾ من الاستهزاء والتكذيب. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي قل: سبحانه وبحمده، أي التسبيح مقترنا بالحمد. ﴿السّاجِدِينَ﴾ المصلين. ﴿الْيَقِينُ﴾ الموت. روي أنه ﵊ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
سبب النزول:
نزول الآية (٩٥):
﴿إِنّا كَفَيْناكَ﴾: أخرج البزار والطبراني عن أنس بن مالك قال: مر النبي ﷺ على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون في قفاه، ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي، ومعه جبريل، فغمز جبريل بأصبعه، فوقع مثل الظفر في أجسادهم، فصارت قروحا حتى نتنوا، فلم يستطع أحد أن يدنو منهم، فأنزل الله: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.
المناسبة:
لما صبّر الله تعالى محمدا على أذى قومه، وأمره بأن يصفح الصفح الجميل، أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خص الله تعالى محمدا ﷺ بها؛ لأن الإنسان إذا تذكر كثرة نعم الله عليه، سهل عليه الصفح والتجاوز.
التفسير والبيان:
وتالله لقد أعطيناك وأنزلنا عليك أيها الرسول السبع المثاني والقرآن العظيم،
стр. 4168
والسبع المثاني: هي سورة الفاتحة، ذات الآيات السبع، التي تثنى وتكرر في كل ركعات الصلاة، والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها. روى البخاري حديثين في تفسير السبع المثاني، الأول عن أبي سعيد بن المعلى، والثاني عن أبي هريرة.
أما حديث أبي سعيد فقال: «مرّ بي النبي ﷺ ، وأنا أصلّي، فدعاني، فلم آته حتى صليت، فأتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ فقلت: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤/ ٨] ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ فذهب النبي ﷺ ليخرج، فذكّرته فقال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته».
وأما حديث أبي هريرة فقال: قال رسول الله ﷺ : «أم القرآن: هي السبع المثاني، والقرآن العظيم».
وقيل: السبع المثاني: هي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة؛ لتكرار القصص والأحكام والحدود وتثنيتها فيها.
وقيل: المراد بالسبع المثاني: جميع القرآن، ويكون العطف من باب الترادف، كما قال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩] فهو مثاني من وجه ومتشابه من وجه.
والراجح أن تفسير البخاري نص في أن الفاتحة: السبع المثاني. ولا مانع-كما قال ابن كثير-من وصف غيرها بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضا، والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي، فإن
стр. 4169
ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة (١).
ثم رتب تعالى على هذا العطاء العظيم قوله: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ.﴾. أي لا تطمح أيها الرسول-والخطاب لأمته-إلى ما متعنا به الأغنياء من زينة الحياة الدنيا، فمن وراء ذلك عقاب شديد، واستغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية. والمقصود: فاخر بما أوحي إليك، وقدّر عظمة نعمته عليك، ولا تنظر إلى الدنيا وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية، لنفتنهم فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تتحسر عليهم في تكذيبهم لك، ومخالفتهم دينك، وإذا كنت في نعمة عظمي، هانت أمامها بقية النعم وكانت حقيرة. وهذا دليل على أن القرآن ثروة كبري وخير وفلاح. ونظير الآية: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه ١٣١/ ٢٠].
قال أبو بكر ﵁: من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغّر عظيما، وعظّم صغيرا.
﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي ولا تتأسف على المشركين إذا لم يؤمنوا، ليتقوى بهم الإسلام، ويعتز بهم المسلمون. وقيل: المعنى: لا تحزن على ما متعوا به في الدنيا، فلك في الآخرة أفضل منه.
وبعد النهي عن الالتفات لأغنياء الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين فقال:
﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ألن جانبك وتواضع للمؤمنين، ولا تجافهم ولا تقس عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ﴾
стр. 4170
﴿فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.﴾. [آل عمران ١٥٩/ ٣].
ثم وجهه تعالى لوظيفته، وهي الإنذار فقال: ﴿وَقُلْ: إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ.﴾. أي وقل يا محمد للناس: إني منذر ومخوف من عذاب أليم، بسبب التكذيب والتمادي في الغي، كما حل بالأمم المتقدمة المكذبة لرسلها، وما أحاط بهم من انتقام وعذاب.
جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنّجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذّبه طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبّحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتّبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذّب ما جئت به من الحق».
﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ. الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ هناك رأيان في تعلق قوله: ﴿كَما أَنْزَلْنا﴾ (١).
أحدهما-أن يتعلق بقوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ﴾ أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا التوراة والإنجيل على أهل الكتاب (اليهود والنصارى) من قبلك، وهم المقتسمون الذين اقتسموا القرآن إلى أجزاء، فآمنوا ببعضه الموافق للتوراة والإنجيل، وكفروا ببعضه المخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل. وهذا مروي عند البخاري وسعيد بن منصور والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس.
والثاني-أن يتعلق بقوله: ﴿وَقُلْ: إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ أي وأنذر
стр. 4171
قريشا بالعذاب مثل ما أنزلنا من العذاب على المتسمين-يعني اليهود-وهو ما جرى على قريظة والنضير، فجعل المتوقع بمنزلة الواقع، وهو من الإعجاز؛ لأنه إخبار بما سيكون، وقد كان.
فكل من هذين الرأيين جعل المقتسمين من أهل الكتاب، والمقتسم هو القرآن. ويجوز أن يراد بالقرآن كتبهم التي يقرءونها، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، ويكون هذا من باب التسلية للنبي ﷺ حيث قال قومه عن القرآن؛ إنه سحر، أو شعر، أو كهانة.
وهناك وجه ثالث مروي أيضا عن ابن عباس، جعله الرازي هو القول الأول، حيث قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة، يصدون الناس عن الإيمان برسول الله ﷺ ، ويقرب عددهم من أربعين. وقال مقاتل بن سليمان:
كانوا ستة عشر رجلا، بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها: لا تغتروا بالخارج منا، والمدعي للنبوة، فإنه مجنون، وكانوا ينفرون الناس عنه، بأنه ساحر، أو كاهن. أو شاعر، فأنزل الله تعالى بهم خزيا، فماتوا شر ميتة، والمعنى: أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين (١).
فالمقتسمون: هم القرشيون.
وبعد هذا الإنذار أقسم الله تعالى بذاته العلية على وقوع الحساب على الأعمال، فقال: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.﴾. أي فو الله لنسألن جميع الكفار سؤال توبيخ وتأنيب لهم عن أقوالهم وأعمالهم، وسنجازيهم عليها الجزاء الأوفى.
فسر أبو العالية الآية فقال: يسأل العباد كلهم عن خلّتين يوم القيامة: عما كانوا يعبدون، وعما ذا أجابوا المرسلين.
стр. 4172
وروى ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ :
«يا معاذ، إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعه، فلا ألفينّك يوم القيامة، وأحد غيرك أسعد بما آتاك الله منك».
وإذا كانت هذه مهمتك أيها النبي وهو الإنذار وأن الحساب محقق، فما عليك إلا الجهر بدعوتك، فقد انتهت مرحلة الإسرار في الدعوة، فقال: ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ.﴾. أي فاجهر بتبليغ دعوتك للجميع، وواجه بها المشركين، ولا تأبه بهم، فإن الله عاصمك وحافظك منهم، وأعرض عن المشركين، أي بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله.
﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ هذا تأمين رباني وعصمة وصون، أي إنا كفيناك شر المستهزئين بك، المجاهدين في عداوتك، الساخرين منك ومن القرآن، وهم جماعة ذو وقوة وشوكة من المشركين، وهم خمسة نفر: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث.
قال جبريل لرسول الله ﷺ : أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى عقب الوليد، فتعلق بثوبه سهم، فأبى تعظما نزعه، فأصاب عرقا في عقبه فمات. وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل، فمات بشوكة دخلت فيه، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف عدي بن قيس فامتخط قيحا فمات، وأشار إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فأصيب بداء، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات (١).
стр. 4173
وكان هؤلاء المستهزئون مشركين، لذا وصفهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ أي الذين يتخذون إلها آخر مع الله، فيشركون به من لا يضر ولا ينفع.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمرهم ومآل شركهم ونتيجة كفرهم. وهذا تهديد ووعيد لهم بسوء المصير، لعلهم يرتدعون ويؤمنون.
ثم سلّى الله نبيه عما يصيبه من أذى المشركين فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ.﴾. أي وإنا لنعلم يا محمد أنك تتأذى من سخرية المشركين وشركهم، ويحصل لك ضيق صدر وانقباض، فلا يثنينك ذلك عن إبلاغ رسالة الله، وتوكل عليه، فإنه كافيك وناصرك عليهم، والجأ إليه لإزالة الانقباض والجزع. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
أي فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة، وداوم على ذلك حتى يأتيك اليقين، أي الموت، وسمي الموت باليقين؛ لأنه أمر متيقن، والدليل لهذا التأويل: قوله تعالى حكاية عن أهل النار: ﴿قالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ، وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٤٣/ ٧٤ - ٤٧] أي الموت.
وهذا دليل على أن علاج ضيق الصدر هو التسبيح والتقديس والتحميد والإكثار من الصلاة، وأن العبادة كالصلاة واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا، فيصلي بحسب حاله، كما
ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «صلّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب».
وهو دليل أيضا على تخطئة بعض الملاحدة القائلين بأن المراد باليقين:
المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم، وهذا-كما
стр. 4174
قال ابن كثير-كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء ﵈ كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد الناس، وأكثرهم عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة.
وكان ﷺ إذا حزبه أمر، واشتد عليه خطب، فزع إلى الصلاة.
روى أحمد عن ابن عمار أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم، لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - القرآن العظيم هو النعمة العظمى على النبي ﷺ وعلى المسلمين لا يقاس بها أي شيء آخر من مال أو ثروة أو غير ذلك.
٢ - الفاتحة سورة من القرآن خصصت بالذكر لفضلها ومزيتها، لاشتمالها على أصول الإسلام، بل هي أفضل سور القرآن لسببين:
الأول-إفرادها بالذكر مع كونها جزءا من القرآن، مما يدل على مزيد الشرف والفضيلة.
الثاني-أنه تعالى لما أنزلها مرتين، دل ذلك على زيادة فضلها وشرفها.
وإنها نزلت مرة بمكة في أوائل ما نزل من القرآن، ومرة بالمدينة.
٣ - لا يطمح بصر المؤمن إلى زخارف الدنيا، وعنده معارف المولى ،
قال ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي هريرة: «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» أي من لم يستغن به.
٤ - قال بعضهم: هذه الآية تقتضي الزجر عن التشوّف إلى متاع الدنيا على
стр. 4175
الدوام، وإقبال العبد على مولاه. والحق أنه ليس في دين محمد الرهبانية، والإقبال على الأعمال الصالحة بالكلية، كما كان في دين عيسى، وإنما الإسلام دين الحنيفية السمحة ودين الفطرة ودين الوسطية الذي يجمع بين الروح والمادة، والاشتغال للحياتين معا الدنيا والآخرة، واستيفاء حظوظ الجسد المباحة مع الرجوع إلى الله بقلب سليم.
٥ - على المؤمن أن يكون بعيدا من المشركين، ولا يحزن إن لم يؤمنوا، قريبا من المؤمنين، متواضعا لهم، محبا لهم، ولو كانوا فقراء.
٦ - مهمة النبي ﷺ وكل مؤمن عالم بعده التبليغ لرسالة الله لجميع الخلق، والإنذار بالعذاب من الكفر والعصيان. وقد كانت دعوة النبي ﷺ في بادئ الأمر سرّية، ثم صارت جهرية بهذه الآية: ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.
٧ - العذاب مقرر على المقتسمين لكتاب الله، بأن يؤمنوا ببعض ويكفروا بالبعض الآخر، سواء أكانوا من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) أم من مشركي قريش.
٨ - الآية: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بعمومها تدل على سؤال الجميع من الناس، كافرهم ومؤمنهم، إلا من دخل الجنة بغير حساب. والظاهر أن الكافر يسأل، لقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ [الصّافّات ٢٤/ ٣٧] وقوله:
﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥/ ٨٨ - ٢٦].
وأما قوله تعالى: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص ٧٨/ ٢٨] وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٣٩/ ٥٥] وقوله:
﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ [البقرة ١٧٤/ ٢] وقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥/ ٨٣] فذلك في أحوال خاصة بيوم القيامة؛ لأن للقيامة مواطن،
стр. 4176
فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك فيه. قال عكرمة:
القيامة مواطن، يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها.
وقال ابن عباس: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام، هل عملتم كذا وكذا؛ لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ، فيقول لهم: لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه؟ (١).
٩ - تكفلت عناية الله ورعايته بصون النبي ﷺ وحمايته من أذى المشركين بقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي عن الاهتمام باستهزائهم وعن المبالاة بقولهم، فقد برأك الله عما يقولون.
قال بعضهم: هذا منسوخ بآية القتال، قال الرازي: وهو ضعيف؛ لأن معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم، فلا يكون منسوخا (٢).
ثم قال تعالى: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ.﴾. أي اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله؛ فان الله كافيك من آذاك، كما كفاك المستهزئين. وصفة المستهزئين:
الشرك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾.
١٠ - التسبيح والتحميد والصلاة علاج الهموم والأحزان، وطريق الخروج من الأزمات والمآزق والكروب. وغاية القرب من الله تعالى حال السجود، كما
قال ﷺ فيما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة: «أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأخلصوا الدعاء» لذا خص السجود هنا بالذكر بقوله: ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾.
١١ - المسلم مطالب على سبيل الفرضية بالعبادة التي هي الصلاة على الدوام حتى يأتيه الموت، ما لم يغلب الغشيان أو فقد الذاكرة على عقله، والإسلام سمح
стр. 4177
سهل، فعليه أداء الصلاة بأي كيفية يستطيعها، ولا تسقط عنه أصلا إلا في حال لغيبوبة، ويحاسب على كل فريضة تركها أو أهملها عمدا، كما قال العبد الصالح عيسى ﵇: ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم ٣١/ ١٩].
стр. 4178
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة النحل
مكية، وهي مائة وثمان وعشرون آية.
تسميتها:
سميت سورة النحل، لاشتمالها في الآيتين [٦٨ - ٦٩]: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ على قصة النحل التي ألهمها الله امتصاص الأزهار والثمار، وتكوين العسل الذي فيه شفاء للناس، وتلك قصة عجيبة مثيرة للتفكير والتأمل في عجيب صنع الله تعالى، والاستدلال بهذا الصنع على وجود الله سبحانه.
وسميت أيضا سورة «النّعم» لتعداد نعم الله الكثيرة فيها على العباد (١).
ارتباطها بالسورة التي قبلها:
إن آخر سورة الحجر شديد الارتباط بأول هذه السورة، فإن قوله تعالى في آخر السورة السابقة: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يدل على إثبات الحشر يوم القيامة وسؤالهم عما فعلوه في الدنيا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ يدل على ذكر الموت، وكل من هاتين الآيتين ظاهر المناسبة لقوله هنا في أول السورة: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ إلا أنه في الحجر أتى بقوله:
﴿يَأْتِيَكَ﴾ بلفظ المضارع، وهنا ﴿أَتى﴾ بلفظ الماضي؛ لأن المراد بالماضي هنا: أنه بمنزلة الآتي الواقع، وإن كان منتظرا، لقرب وقوعه وتحقق مجيئه.
стр. 4179
وكذلك ترتبط هذه السورة بسورة إبراهيم؛ لأنه تعالى ذكر هناك فتنة الميت، وما يحصل عندها من الثبات أو الإضلال، وذكر هنا ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [٣٢، ٢٨] وما يحصل عقب ذلك من النعيم أو العذاب. وذكر أيضا النعيم في سورة إبراهيم، وقال بعده: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ [٣٤] وكررت الآية نفسها هنا [١٨] وذكر هنا أنواع النّعم المختلفة.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة الكلام على أصول العقيدة وهي الألوهية والوحدانية، والبعث والحشر والنشور، فبدأت بإثبات الحشر والبعث واقتراب الساعة ودنوها، معبرا تعالى بصيغة الماضي الدال على التحقق والوقوع قطعا، مثل قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء ١/ ٢١] وقوله: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١/ ٥٤] وكل ذلك يدل على أن إخبار الله تعالى في الماضي والمستقبل سواء؛ لأنه آت لا محالة.
ثم أثبتت الوحي الذي كان ينكره المشركون كما أنكروا البعث، وأنهم كانوا يستعجلون الرسول ﷺ أن يأتيهم العذاب الذي هددهم به.
ثم تحدثت السورة عن أدلة القدرة الإلهية في هذا الكون الدالة على وحدانية الله من خلق السموات والأرض، وما فيهما من كواكب ونجوم، وجبال وبحار، وسهول ووديان، ومياه وأنهار، ونباتات وحيوانات، وأسماك ولآلئ بحرية وبواخر تجري في البحر، ورياح لواقح ومسيرة للفلك، ودعت إلى التأمل في منافع المطر والأنعام وثمرات النخيل والأعناب، ومهمة النحل، وخلق الإنسان ثم إماتته، والمفاضلة بين الناس في الرزق، وطيران الطيور، وتهيئة المساكن، وغير ذلك.
وأوضحت السورة نعم الله تعالى الكثيرة المتتابعة، وذكّرت الناس بنتيجة
стр. 4180
الكفر بها، وعدم القيام بشكرها، وإعداد أبواب جهنم للكفار خالدين فيها، وإعداد جنات عدن للمتقين الذين أحسنوا العمل في الدنيا. وأبانت فضل الله سبحانه بإرسال الرسل في كل الأمم، وحصرت مهمتهم الموحدة بالأمر بعبادة الله واجتناب الطاغوت.
وأبانت السورة مهمة خطيرة للأنبياء في عالم القيامة وهي الشهادة على الأمم بإبلاغهم الدعوة الحقة إلى دين الله، وعدم الإذن للكافرين في الكلام، ورفض قبول أعذارهم.
ثم ذكر تعالى أجمع آية في القرآن وهي قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ.﴾. [٩٠] وأعقبها بالأمر بالوفاء بالعهود والوعود، وتحريم نقضها، وتعظيم شروطها وبنودها، وعدم اتخاذ الأيمان الداخلة في العهود والمواثيق وسيلة للخداع والمكر.
ثم أمر الله تعالى بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن، والتصريح بانعدام سلطانه وتأثيره على المؤمنين المتقين المتوكلين على ربهم، وبيان أن سلطانه على المشركين.
وأوضح سبحانه أن هذا القرآن نزل به روح القدس على قلب النبي ﷺ ، فهو كلام الله، لا كلام بشر عربي أو أعجمي.
وفي السورة ضرب الأمثال لإثبات التوحيد ودحض الشرك والأنداد من دون الله والكفر بأنعم الله، ورفع الحرج عمن نطق بالكفر كرها، وقلبه مطمئن بالإيمان، وإعطاء كل نفس حق الدفاع عن نفسها يوم القيامة، وجزاء كل إنسان بما عمل.
وفي أواخر السورة عقب الحديث عن الأنعام بيان ما حرمه الله منها، وزجر
стр. 4181
العلماء عن الإفتاء بالتحريم أو بالتحليل دون دليل، ومقارنة ذلك بما حرمه تعالى على اليهود بسبب ظلمهم.
ثم ختمت السورة بمدح إبراهيم بسبب ثباته على التوحيد الخالص، وأمر النبي ﷺ باتباع ملته، ثم أمره بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقصره العقاب على المثل دون تجاوز ذلك، والأمر بالصبر على المصائب والأحزان، والاعتماد على عون الله للمتقين المحسنين.
إثبات البعث والوحي
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾
الإعراب:
﴿أَتى﴾ بمعنى يأتي، أقام الماضي مقام المستقبل، لتحقيق إثبات الأمر وصدقه. وقد يقام المستقبل مقام الماضي، مثل قول الشاعر:
وإذا مررت بقبره فانحر له... كوم الهجان وكل طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها... فلقد يكون أخا دم وذبائح
أي فلقد كان. ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ الضمير إما أن يعود على الله وإما أن يعود على العذاب، وكلاهما متلازم.
﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ إما بدل من قوله ﴿بِالرُّوحِ﴾ وإما منصوب بتقدير حذف حرف الجر، أي بأن أنذروا، فحذف الباء، فاتصل الفعل به.
стр. 4182
البلاغة:
﴿فَاتَّقُونِ﴾ فيه التفات عن الغيبة إلى خطاب المستعجلين.
المفردات اللغوية:
﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ قرب ودنا، أي أن الأمر الموعود به بمنزلة الأتي المتحقق من حيث إنه واجب الوقوع، فلا تستعجلوا وقوعه فإنه لا خير لكم فيه ولا خلاص لكم عنه وإنه واقع لا محالة. ويقال في العادة لما يجب وقوعه: قد أتى، وقد وقع. و ﴿أَمْرُ اللهِ﴾ تعذيبه الكافرين وعقابه لمن أقام على الشرك وتكذيب رسوله ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له عن الشريك. ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ أي جبريل ﴿بِالرُّوحِ﴾ الوحي أو القرآن، فإنه يحيي القلوب الميتة بالجهل، أو يقوم في الدين مقام الروح في الجسد ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ بأمره وإرادته ﴿أَنْ﴾ مفسرة ﴿أَنْذِرُوا﴾ خوّفوا بالعذاب ﴿فَاتَّقُونِ﴾ خافوا عقابي، لمخالفة أمري وعبادة غيري.
سبب النزول:
كان المشركون يستعجلون ما أوعدهم الرسول ﷺ من قيام الساعة، أو إهلاك الله تعالى إياهم، كما فعل يوم بدر استهزاء وتكذيبا، ويقولون: إن صح ما يقوله فالأصنام نشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت. أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ ذعر أصحاب رسول الله ﷺ حتى نزلت: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فسكنوا.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوايد الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي بكر بن أبي حفص قال لما نزلت: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ قاموا، فنزلت:
﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.
فموضوع الآية الأولى إعلان أن الأمر الموعود به وهو قيام الساعة متحقق حادث لا محالة، وأنه تعالى منزه عن الشريك والولد. وموضوع الآية الثانية الإخبار بأن نزول الوحي بواسطة الملائكة، والتنبيه على التوحيد الذي هو
стр. 4183
منتهى كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية، وأن النبوة عطائية. والمراد من قوله: ﴿أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ معرفة الحق لذاته، وأما المراد من قوله: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ فهو معرفة الخير لأجل العمل به.
التفسير والبيان:
كان الكفار يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة أو نزول العذاب بهم استهزاء وتكذيبا بالوعد، فقيل لهم: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾.
فلما أكثر ﷺ من تهديد الكفار بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ولم يروا شيئا، نسبوه إلى الكذب، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي قد حصل أمر الله وحكمه ووجد من الأزل إلى الأبد، وتحقق بنزول العذاب، إلا أن المأمور به والمحكوم به إنما لم يحصل ولم ينفّذ؛ لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين، فلا تستعجلوه، ولا تطلبوا حصوله قبل مجيء ذلك الوقت، أي أن الحكم صدر مع وقف التنفيذ في أمد معين.
وكذلك لما أكثر ﷺ من تهديدهم بقيام الساعة أجيبوا بأنه قد اقتربت الساعة ودنت، معبرا عن المستقبل بصيغة الماضي الدال على التحقق والوقوع لا محالة، كقوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١/ ٥٤] وقوله سبحانه:
﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء ١/ ٢١] أي أن أمر الله بمنزلة الآتي الواقع وإن كان منتظرا، فلا تستعجلوه قبل حضور الوقت المقدّر في علمه تعالى، أي قرب ما تباعد، فلا تتعجلوا وقوعه.
وهذا تهديد للكفار وإعلام لهم بقرب عذابهم وهلاكهم.
﴿ .﴾. تبرأ الله تعالى وتنزه وتقدس عما ينسبون له من الشريك والولد وعبادتهم ما سواه من الأوثان والأنداد. وهذا إبطال لما عقدوا عليه الآمال من شفاعة الأصنام.
стр. 4184
ولما كان استعجال العذاب وقيام القيامة تكذيبا للنبي واستهزاء به وبوعده، وهو كفر، قرن تعالى النهي عن الاستعجال بإثبات التنزيه له عن الشرك والشركاء، وهو رأس الكفر.
ثم أجاب الله تعالى عن شبهة ثالثة تتعلق بتكذيب النبوة والنبي، فقال:
﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي ينزل تعالى الملائكة بالوحي على من يريد من عباده الذين اصطفاهم واختارهم للرسالة. وعبر عن الوحي بالروح؛ لأنه يحيي موات القلوب كما تحيي الروح موات الأبدان، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ، وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ، لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ [الأنعام ١٢٢/ ٦]. واستعمال الروح بمعنى الوحي شائع في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا، ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ [الشورى ٥٢/ ٤٢].
وقوله: ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ هم الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦] وقال: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ﴾ [الحج ٧٥/ ٢٢] وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر ١٥/ ٤٠]. وهذا رد لقولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣].
وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ يعني أن التنزيل والنزول للوحي لا يكونان إلا بأمره تعالى، كما حكى عن الملائكة: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم ٦٤/ ١٩] فلا يستطيع الملائكة فعل شيء إلا بأمر الله تعالى وإذنه.
ودلت الآية على أن الوحي من الله إلى أنبيائه لا يكون إلا بوساطة الملائكة.
стр. 4185
ثم بيّن تعالى مهمة الرسل فقال: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا.﴾. أي لينذروا الناس الكفرة ويعلموهم أنه لا إله إلا الله، فاتقوا عقابي لمن خالف أمري وعبد غيري.
فقه الحياة أو الأحكام:
أجابت الآيات عن شبهات ثلاث للمشركين: قيام الساعة ونزول العذاب، والشرك والشركاء، والنبوة والوحي.
أما الموضوع الأول: فقد أعلن تعالى أن قيام الساعة ونزول العذاب والهلاك متحقق كائن لا محالة، ولكنه مرتبط بوقت معين مقدر في علم الله تعالى، وهو أمر قريب، فلا داعي للاستعجال بوقوعه، والتعجيل بحدوثه.
وأما الموضوع الثاني: فقد نزه الله تعالى نفسه عن الشرك والإشراك، وعن الشريك والولد وعن الأوثان والأنداد، وعما يصفونه به من أنه لا يقدر على قيام الساعة، لقولهم: لا يقدر أحد على بعث الأموات، فوصفوه بالعجز الذي لا يوصف به إلا المخلوق. والتنزيه يتضمن إثبات القدرة المطلقة لله، والوحدانية التامة، واستحقاق العبادة المستقلة به المخلصة له، وإبطال ما زعموه من شفاعة الأصنام.
وأما الموضوع الثالث: فقد أبان تعالى أنه الذي ينزل بالروح، أي بالوحي وهو النبوة، على من اختارهم الله للنبوة، من طريق الملائكة، ولا يحدث شيء من تنزل الوحي إلا بأمره وإذنه تعالى، وختمت الآية بالتحذير من عبادة الأوثان، والإنذار بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فليتقوا عقاب الله إذا خالفوا أمره وعبدوا غيره.
وأفادت الآية كما لا حظنا أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا يكون إلا بالملائكة، كما قال تعالى في آخر سورة البقرة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ
стр. 4186
بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [٢٨٥] فبدأ بذكر الله سبحانه، ثم أتبعه بذكر الملائكة؛ لأنهم هم الذين يتلقون الوحي من الله ابتداء من غير واسطة، وذلك الوحي هو الكتب، والملائكة يوصلون الوحي إلى الأنبياء والرسل، فكان الترتيب متناسبا متدرجا موضحا رتبة الملائكة والأنبياء. (١).
أدلة وجود الله ووحدانيته
﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾
الإعراب:
﴿بالِغِيهِ﴾ الهاء في موضع جر بالإضافة.
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ﴾ هذه الأسماء كلها معطوفة بالنصب على قوله: ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ وتقديره: وخلق الخيل والبغال والحمير.
﴿وَزِينَةً﴾ إما منصوب بفعل مقدر، أي وجعلها زينة، وإما منصوب على أنه مفعول لأجله، أي لزينة.
стр. 4187
البلاغة:
﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ صيغة مبالغة.
﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ قدم الظرف مراعاة للفاصلة آخر الآيات.
﴿تُرِيحُونَ﴾ ﴿تَسْرَحُونَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿بِالْحَقِّ﴾ أي أوجد السموات والأرض محقا على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة، وقدّرها وخصصها بحكمته ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تعاظم عما يشركون به من الأصنام، وهذا يدل على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام المادية ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ المراد مادة التلقيح التي تكون سببا للحمل ﴿خَصِيمٌ﴾ مناظر مجادل شديد الخصومة ﴿مُبِينٌ﴾ مظهر للحجة قائل: من يحيي العظام وهي رميم؟ روي أن أبيّ بن خلف أتى النبي ﷺ بعظم رميم، وقال: يا محمد، أترى أن الله تعالى يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟ فنزلت. ﴿دِفْءٌ﴾ ما تستدفئون به من الكساء والرداء من أشعارها وأصوافها ﴿وَمَنافِعُ﴾ من النسل والدر والركوب.
﴿جَمالٌ﴾ زينة في أعين الناس، والمراد جمال الصورة وتركيب الخلقة ﴿تُرِيحُونَ﴾ تردونها بالعشي من المرعى إلى مراحها (حظيرتها) ﴿تَسْرَحُونَ﴾ تخرجونها بالغداة (صباحا) إلى المرعى ﴿أَثْقالَكُمْ﴾ أحمالكم ﴿لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ لم تكونوا واصلين إليه على غير الإبل إلا بجهد الأنفس أو بالمشقة الزائدة ﴿لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ بكم حيث خلقها لكم. ﴿وَزِينَةً﴾ أي لتتزينوا بها زينة ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ من الأشياء العجيبة الغريبة.
﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي بيان الطريق المستقيم ﴿جائِرٌ﴾ حائد أو مائل عن الاستقامة ﴿وَلَوْ شاءَ﴾ هدايتكم ﴿لَهَداكُمْ﴾ إلى قصد السبيل هداية مستلزمة للاهتداء ﴿أَجْمَعِينَ﴾ فتهتدون إليه باختيار منكم.
سبب النزول:
نزول الآية (٤):
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾: نزلت الآية في أبي بن خلف الجمحي حين جاء بعظم رميم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما رمّ؟ ونظير
стр. 4188
الآية قوله تعالى في سورة يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ، فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ إلى آخر السورة.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أنه منزّه عن الشريك والولد، وأنه الإله الواحد، وأمر بإخلاص العبادة له، ذكر أدلة وجود الإله الصانع الواحد وكمال قدرته وحكمته، وهي خمسة: خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان، وخلق الأنعام، وخلق النبات، وخلق العناصر الأربعة. والأخيران هما موضوع الآيات التالية.
التفسير والبيان:
خلق الله تعالى وأبدع العالم العلوي وهو السموات، والعالم السفلي وهو الأرض بما حوت، وذلك مخلوق بالحق، أي على أساس من الحكمة والتقدير المحكم، لا عبثا، وانفرد بخلقه ذلك، فتنزه الله عن المعين والشريك، لعجز ما سواه عن خلق شيء، فلا يستحق العبادة إلا هو، فقوله ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيه نفسه عن شرك من عبد معه غيره، فهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له، فيستحق أن يعبد وحده لا شريك له.
ثم ذكر الله تعالى خلق جنس الإنسان من نطفة، أي مهينة ضعيفة، فقال:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ.﴾. أي خلق الإنسان من ماء مهين ضعيف، فلما استقل وكبر، إذا هو يخاصم ربه تعالى، ويكذبه وهو إنما خلق ليكون عبدا، لا ضدا، وخلق من شيء ضعيف، فتراه يجادل ويقول: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨/ ٣٦]. ونظير الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً، فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً، وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً. وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ، وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ [الفرقان ٥٤/ ٢٥ - ٥٥].
روي أن المراد بالآية أبيّ بن خلف الجمحي، جاء إلى النبي ﷺ بعظم
стр. 4189
رميم، فقال: أترى يحيي الله هذا بعد ما قد رمّ؟ وفي هذا أيضا نزل ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٧٧/ ٣٦].
ثم امتن الله تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، كما فصلها في سورة الأنعام إلى ثمانية أزواج، فقال: ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ.﴾. أي وخلق الله لكم الأنعام ذات المصالح والمنافع المختلفة لكم، من أصواف وأوبار وأشعار للبس والأثاث (أو الفراش) ومن ألبان للشرب، ونسل للأكل.
ولكم في هذه الأنعام جمال، أي زينة حين الرواح: وهو وقت رجوعها عشاء من المراعي، ووقت السّروح: وهو وقت الغدوة والذهاب من مراحها إلى مسارحها أو المرعى. وخص تعالى هذين الوقتين بالذكر لاهتمام الرعاة بهما حين الذهاب والإياب، وفي ذلك مفاخرة بالقطيع، وقدم الرّواح على السّروح؛ لأن الفائدة فيه أتم، لمجيئها شبعانة، فتدر الحليب، وتملأ النفس سرورا، والعين متعة، فهي عنصر للغذاء وأداة إنتاج في الاقتصاد.
وجمال الأنعام والدواب من جمال الخلقة والتركيب والصورة.
وكذلك هي أداة عمل وركوب وحمل أمتعة، فقال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ.﴾. أي وهي أيضا تحمل أمتعتكم الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها من بلد إلى آخر لا تبلغونه إلا بمشقة شديدة، مثل الحج والعمرة والجهاد والتجارة ونحو ذلك من أنواع الاستعمال ركوبا وتحميلا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها، وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ، وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون ٢١/ ٢٣ - ٢٢] وقال سبحانه: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها، وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ، وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ، وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر ٧٩/ ٤٠ - ٨٠].
وتظل الأنعام ثروة اقتصادية في كل زمان ومكان، ونعمة كبري، لذا ختم
стр. 4190
تعالى الآية بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ أي ربكم الذي قيض لكم هذه الأنعام وسخرها لكم كثير الرأفة والرحمة بعباده، فقد جعلها لهم مصدر رزق وخير كبير، وأداة منافع وجلب مصالح، كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً، فَهُمْ لَها مالِكُونَ. وَذَلَّلْناها لَهُمْ، فَمِنْها رَكُوبُهُمْ، وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ [يس ٧١/ ٣٦ - ٧٢].
وامتن الله تعالى على الناس بثروة حيوانية أخرى هي: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ.﴾. وخلق لكم الخيل والبغال والحمير أيضا، وجعلها للركوب والزينة بها أي تتزينون بها، مع منافع أخرى.
ثم جاء دور الامتنان بوسائل النقل والمواصلات الحديثة: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي ويخلق لكم غير هذه الحيوانات من وسائل النقل كالقطارات والسيارات والسفن والطائرات وغيرها.
ثم في هذا العالم السماوي والأرضي والحيواني، يرشد تعالى إلى الطريق السوي من الطرق المعنوية الدينية والحياتية فقال: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ.﴾. أي وعلى الله فضلا وتكرما بيان الطريق الواضح الموصل إلى الحق والخير، بإقامة الأدلة وإنزال الكتب وإرسال الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣/ ٦] وقال سبحانه: ﴿قالَ: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر ٤١/ ١٥].
وكثيرا-كما قال ابن كثير-ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية، كقوله تعالى في الحج: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة ١٩٧/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً، وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف ٢٦/ ٧].
ثم قال سبحانه محذرا من متاهات الطرق: ﴿وَمِنْها جائِرٌ﴾ أي ومن
стр. 4191
الطرق أو السبل طريق جائر حائد عن الاستقامة، مؤد إلى الضلال والزيغ عن الحق. وسبيل الاستقامة هو الإسلام، والجائر منها غيره من الأديان، لنسخها بالإسلام، ولأن الإسلام دين التوحيد والفطرة الذي ارتضاه لعباده، كما قال:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً، فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم ٣٠/ ٣٠].
ثم أخبر الله تعالى أن الهداية بقدرته ومشيئته تعالى فقال: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال المعتزلة: ولو شاء لهداكم جميعا جبرا وقسرا وإلجاء. وقال أهل السنة: الله قادر على هداية جميع الناس، ما في ذلك أدنى شك، وإنما المراد بالآية: أنه تعالى بيّن السبيل القاصد المستقيم والجائر، وهدى قوما يستحقون الهداية، وقد اختاروا الهدى، وأضل قوما اختاروا الضلالة لأنفسهم. والهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠] وهداية توفيق ورعاية كما في قوله سبحانه: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦/ ١] وقوله هنا: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس ٩٩/ ١٠] وقوله : ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨/ ١١ - ١١٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن خلق السموات والأرض وخلق الإنسان دليل واضح على قدرة الله تعالى ووجوده ووحدانيته.
стр. 4192
لكن تعدى الإنسان طوره، وتجاوز حدوده، فناكد وجادل، وكذب ربه وخاصمه في قدرته.
٢ - وكذلك خلق الأنعام بما فيها من منافع امتن الله بها على الإنسان دليل آخر على قدرة الله وتوحيده.
ودل قوله ﴿فِيها دِفْءٌ﴾ على مشروعية لباس الصوف، وقد لبسه رسول الله ﷺ والأنبياء قبله، كموسى وغيره.
ومنافع الأنعام كثيرة لا نكاد نجد لها شبيها، ففيها منفعة الأجسام ذاتها بأكل لحومها، ومنفعة نتاجها بالدر واللبن والنسل، ومنفعة ما تستر به من أوبار وأصواف وأشعار، ومنفعة ظهورها للركوب وحمل الأثقال والنقل من بلد إلى آخر، ومنفعة قواها بالحرث، فالبقرة لا يحمل عليها ولا تركب، وإنما هي للحرث وللأكل والنسل واللبن، فحق على الإنسان شكر هذه النعمة، ومقابلتها بالعبادة لله تعالى الذي خلقها وسخرها للناس.
ودلت هذه الآية على جواز السفر بالدواب وحمل الأثقال عليها، ولكن بقدر المعتاد وقدر ما تحتمله من غير إسراف في الحمل، مع الرفق في السير. وقد أمر النبي ﷺ بالرفق بها والإراحة لها ومراعاة التفقد لعلفها وسقيها.
روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها (١)».
وهذا دليل الرفق بالحيوان.
٣ - كذلك الدواب الأخرى التي خلقها الله وهي الخيل والبغال والحمير دليل
стр. 4193
آخر على القدرة الإلهية، ومزيد فضل الله تعالى، قال العلماء: ملّكنا الله تعالى الأنعام والدواب وذللها لنا، وأباح لنا تسخيرها والانتفاع بها، رحمة منه تعالى لنا، وما ملكه الإنسان وجاز له تسخيره من الحيوان، فكراؤه له جائز بإجماع أهل العلم.
واختلف العلماء فيمن اكترى دابة بأجر معلوم إلى موضع معين، فتعدي وتجاوز ذلك المكان، ثم رجع إلى المكان المأذون له فيه، فقال أبو حنيفة:
لصاحبها الأجرة المسماة، ولا أجر له فيما لم يسمّ؛ لأنه خالف فهو ضامن إذا هلكت الدابة.
وقال الشافعي وفقهاء المدينة السبعة: على المستأجر الكراء المسمى، وكراء المثل فيما جاوز ذلك، ولو عطبت لزمته قيمتها.
وقال أحمد: عليه الكراء والضمان.
وقال ابن القاسم تلميذ مالك: إذا عطبت الدابة في حال التجاوز، فلصاحبها كراؤه الأول، وله الخيار في أخذ كراء الزائد بالغا ما بلغ، أو قيمة الدابة يوم التعدي.
واستدل بالآية مالك وأبو حنيفة وغيرهما على تحريم لحوم الخيل؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً﴾ فجعلها للركوب والزينة ولم يجعلها للأكل، ولا يجوز أكل لحوم الخيل والبغال والحمير؛ لأن الله تعالى لما نص على الركوب والزينة، دل على أن ما عداه بخلافه. أما في الأنعام فقال: ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ فأباح لنا أكلها بالذكاة المشروعة فيها.
ويؤيده
حديث أحمد وأبي داود والنسائي والدارقطني وغيرهم عن خالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، وكل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير. وهو لفظ الدارقطني.
стр. 4194
قال القرطبي المالكي: الصحيح الذي يدل عليه النظر والخبر جواز أكل لحوم الخيل، وأن الآية والحديث لا حجة فيهما لازمة؛ أما الآية فلا دليل فيها على تحريم الخيل؛ إذ لو دلت عليه لدلّت على تحريم لحوم الحمر، والسورة مكية، وأي حاجة كانت إلى تجديد تحريم لحوم الحمر عام خيبر، وقد ثبت في الأخبار تحليل الخيل على ما يأتي. وأيضا لما ذكر تعالى الأنعام ذكر الأغلب من منافعها وأهم ما فيها، وهو حمل الأثقال والأكل، ولم يذكر الركوب ولا الحرث بها ولا غير ذلك مصرّحا به، وقد تركب ويحرث بها.
وقد أجمع المسلمون على جواز أكلها، وثبت ذلك في السنة،
روى مسلم من حديث جابر قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل. وقال النّسائي عن جابر: أطعمنا رسول الله ﷺ يوم خيبر لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر (١).
واستدل جمهور العلماء بالآية أيضا على أن الخيل لا زكاة فيها؛ لأن الله سبحانه منّ علينا بما أباحه منها وكرمنا به من منافعها، فغير جائز أن يلزم فيها كلفة إلا بدليل.
وقال أبو حنيفة: إن كانت إناثا كلها، أو ذكورا وإناثا، ففي كل فرس دينار إذا كانت سائمة، وإن شاء قوّمها، فأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم.
واحتج بأثر
عن النبي ﷺ أنه قال: «في الخيل السائمة في كل فرس دينار» لكنه كما قال الدارقطني: تفرد به ضعيف جدا، ومن دونه ضعفاء.
٤ - لم ينقطع فضل الله وكرمه، فقد خلق لنا غير الأنعام والدواب فقال:
﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا يشمل كل وسائل النقل والركوب الحديثة.
стр. 4195
٥ - على الله تفضلا وكرما بيان السبيل المستقيم وهو الإسلام، وحذر من اتباع السبل الجائرة الحائدة عن الحق من الملل والأهواء الأخرى. والهداية بمشيئة الله تعالى، والتوفيق للهداية مقرون باختيار الإنسان لها.
أدلة أخرى لإثبات الألوهية والوحدانية
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾
الإعراب:
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ بالنصب عطفا على ما قبله، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، و ﴿مُسَخَّراتٌ﴾ خبره.
стр. 4196
﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ﴾ مبتدأ وخبر، ومن قرأ بالنصب فهو حال.
﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ﴾ معطوف بالجر على ﴿ذلِكَ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي إن في ذلك وما ذرأ لكم، أو معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾ أي وسخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات.
﴿مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ﴾ ﴿مُخْتَلِفاً﴾ حال.
﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في موضع نصب على أنه مفعول لأجله، أي كراهة أن تميد بكم، أو لئلا تميد بكم، والوجه الأول أوجه؛ لأن حذف المضاف أكثر من حذف «لا».
﴿وَعَلاماتٍ﴾ منصوب بالعطف على قوله ﴿سَخَّرَ﴾ أي سخر الليل والنهار وعلامات، أو منصوب بتقدير: خلق، أي وخلق لكم علامات.
المفردات اللغوية:
﴿تُسِيمُونَ﴾ أي ترعون دوابكم، والسوم: الرعي، ومنه الإبل السائمة ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ أي إن في ذلك المذكور لعلامة دالة على وحدانيته تعالى ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في صنعه، فيؤمنون، ويستدلون على وجود الصانع وحكمته، فإن من تأمل الحبة تقع في الأرض، ثم يخرج منها الزرع أو الشجر، ثم ينمو منها الأوراق والأزهار والثمار ذات الأجسام والأشكال المختلفة، مع اتحاد المواد، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار مقدّس عن منازعة الأضداد والأنداد والشركاء.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ.﴾. بأن هيأها لمنافعكم ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإرادته ﴿يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون ﴿ذَرَأَ﴾ خلق ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ من حيوان ونبات وغير ذلك ﴿أَلْوانُهُ﴾ أشكاله وأصنافه ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ يتعظون ﴿سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ ذلّله للركوب والاصطياد والغوص فيه ﴿لَحْماً طَرِيًّا﴾ هو السمك ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ هي اللؤلؤ والمرجان ﴿وَتَرَى﴾ تبصر ﴿الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿مَواخِرَ فِيهِ﴾ تمخر الماء، أي تشقه بجريها فيه، مقبلة مدبرة بريح واحدة ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ تطلبوا، معطوف على ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ تعالى بالتجارة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ تعرفون نعم الله، فتقومون بحقها.
﴿رَواسِيَ﴾ جبالا ثوابت ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي لئلا تتحرك بكم، أو خوف أن تضطرب يمينا وشمالا بكم، والميد: الحركة والاضطراب يمينا وشمالا ﴿وَسُبُلاً﴾ طرقا ﴿تَهْتَدُونَ﴾ إلى مقاصدكم.
﴿وَعَلاماتٍ﴾ أمارات ومعالم تستدلون بها على الطرق نهارا، كالجبال والسهول.
﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ أي النجوم ﴿هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ إلى الطرق والقبلة ليلا.
المناسبة:
هذه الآيات تتمة لأدلة إثبات وجود الله وتوحيده، ذكر منها هنا خلق النبات وأحواله، وأحوال العناصر الأربعة (الماء والتراب والنار والهواء) أما الماء
стр. 4197
فيشمل المطر والبحر والأنهار، وأما التراب فيفهم من كلمة الأرض، وأما الحرارة فمن الشمس، وأما الهواء فهو أساس حياة الإنسان والحيوان والنبات، وكان واسطة تسيير الفلك في البحار.
التفسير والبيان:
تتابع الآيات التنبيه إلى أدلة أخرى لإثبات الذات الإلهية من حركة الكون وعالم النبات، والبحار، والجبال، وبدأ بعالم النبات الذي يتسبب بإنزال المطر من السماء، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ.﴾. أي إن الذي خلق السموات والأرض والإنسان والأنعام والدواب، هو الذي هيّأ ظروف الحياة للإنسان بإنزال المطر من السماء، فجعله عذبا زلالا يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحا أجاجا، وأخرج به شجرا ترعون فيه أنعامكم، وأنبت به لكم زرعا وزيتونا ونخيلا وأعنابا، ومن كل الثمرات على اختلاف أصنافها وألوانها وطعومها وروائحها وأشكالها، رزقا لكم تستطيعون به تحقيق قوام الحياة، والمراد بالشجر هنا: النبات مطلقا، سواء كان له ساق أم لا، كما نقل عن الزجاج، وهو حقيقة في الأول ويستعمل في الثاني بمعنى الكلأ؛ لأنه الذي يعلف.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً.﴾. أي في ذلك المذكور كله من إنزال الماء والإنبات لدلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، لقوم يتعظون ويتفكرون في تلك الأدلة؛ لأنه لا مبدع ولا موجد لها غير الله الخالق الأحد، المستحق للتمجيد والعبادة، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ، ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها؟ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل ٦٠/ ٢٧].
ثم نبّه الله تعالى على آياته الكونية العظام، ممتنا بنعمه عليكم، فقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ.﴾. أي وصير لكم ما ينفعكم من تعاقب الليل والنهار للنوم والاستراحة والسعي وكسب المنافع وقضاء المصالح، ودوران الشمس والقمر للإنارة وانتفاع الإنسان والحيوان والنبات بالحرارة والضوء ومعرفة عدد السنين
стр. 4198
والشهور، وتزيين السماء بالنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السموات، نورا وضياء، ليهتدى بها في الظلمات، وكل منها يسير في فلكه بنظام دقيق وحركة مقدرة، لا زيادة فيها ولا نقص، وكل ذلك خاضع لسلطان الله وقهره، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ، يَطْلُبُهُ حَثِيثاً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف ٥٤/ ٧].
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ.﴾. إن في المذكور كله دلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم، لقوم يعقلون عن الله كلامه، ويفهمون حججه.
والسبب في ختم الآية السابقة بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وختم هذه الآية بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لأن دلالة الأدلة السماوية العلوية على قدرة الله ووحدانيته ظاهرة لا تحتاج إلا لمجرّد العقل دون تأمل، وأما الأدلة الأرضية من الزرع والنخيل وغيرها فتحتاج في دلالتها على إثبات وجود الله إلى تفكر وتأمل وتدبر.
وبعد أن نبّه الله تعالى على معالم السماء، نبّه على ما خلق في الأرض من عجائب فقال: ﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ.﴾. أي وما خلق لكم في الأرض من أشياء مختلفة الألوان والأشكال والمنافع والخواص من نباتات ومعادن وجمادات وحيوانات.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً.﴾. أي إن في المذكور جميعه لدلالات على قدرة الله، لقوم يذكّرون آلاء الله ونعمه، فيشكرونه عليها، وختمت هذه الآية الثالثة بالتذكر بعد ختم الأولى بالتفكر والثانية بالتعقل؛ للتنبيه على أن المؤثر فيما وجد في الأرض هو الفاعل المختار الحكيم وهو الله .
وبعد أن احتجّ تعالى على إثبات الإله أولا بأجرام السموات، وثانيا ببدن الإنسان ونفسه، وثالثا بعجائب خلقة الحيوانات، ورابعا بعجائب طبائع
стр. 4199
النباتات، ذكر خامسا الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال العناصر، مبتدئا بعنصر الماء، فقال:
﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ.﴾. أي والله تعالى يمتن على عباده أيضا بتذليله البحر لهم، وتيسيره للركوب فيه، وإباحته السّمك حيّا وميتا، في الحلّ والإحرام، وخلقه اللآلئ والجواهر النفيسة فيه، وتيسير استخراج العباد له من قراره، حلية يلبسونها، وكذا الاستفادة من المرجان الذي ينبت في قيعانه:
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن ٢٢/ ٥٥]، وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره، أي تشقه وتجتازه في بلد إلى آخر، ولتبتغوا من فضله، أي ولتطلبوا فضل الله ورزقه بالتجارة فيه، ولتشكروا نعمه وإحسانه عليكم بما يسّره لكم في البحار.
وفي وصف اللحم بالطراوة بيان قدرة الله في إخراج العذب من المالح، ويدل أيضا على أنه يطلب أكله بسرعة؛ لأنه يتسارع إليه الفساد.
ثم ذكر الله تعالى بعض النعم التي خلقها في الأرض فقال: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ.﴾. وهي نعم ثلاث:
الأولى-تثبيت الأرض بالجبال الرواسي، أي الثوابت لتقرّ ولا تضطرب أثناء دورانها بما عليها من كائنات حيّة، كما قال تعالى: ﴿وَالْجِبالَ أَرْساها﴾ [النازعات ٣٢/ ٧٩].
الثانية-إجراء الأنهار على وجه الأرض، ففيها حياة الأنفس والنبات والحيوان. وذكرها بعد الجبال؛ لأن أكثر الأنهار إنما تتفجر منابعها من الجبال.
وتلك الأنهار كثيرة في العالم، منها القصير والغزير والطويل ومنها غير ذلك، وتتجه يمينا أو يسارا، أو جنوبا أو شمالا، أو شرقا أو غربا. والأودية التي تحدث أحيانا ترفد تلك الأنهار.
стр. 4200
الثالثة-إيجاد السبل وهي الطرق والمسالك التي تسهل العبور والانتقال من أرض إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد غيره، بل ومن جبل إلى سهل، كما قال تعالى في صفة الجبال: ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ، وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء ٣١/ ٢١].
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي لتهتدوا بتلك السّبل إلى مآربكم ومقاصدكم.
﴿وَعَلاماتٍ﴾ أي وأظهر في الأرض علامات مخصوصة ومعالم معينة تؤدي إلى المقصود، فالعلامات: هي معالم الطرق، وهي الأشياء التي بها يهتدى، وهي الجبال والرياح ونحوها يستدل بها المسافرون برّا وبحرا، ومن كثرت أسفاره لطلب المال أو غيره مثل قريش، كان علمه بمنافع الاهتداء بالنجوم أوفى وأتمّ.
﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي والناس يهتدون في ظلام الليل بالنّجوم. وهذا يومئ إلى علم النّجوم أو الفلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
أفادتنا الآيات فوائد عديدة هي:
١ - الله تعالى هو منزل المطر بقدرته وحكمته، والمطر: ماء عذب صالح للشرب، ينبت الله به أشجارا وعروشا وكروما ونباتا ومراعي للأنعام، والماء سبب الحياة البشرية: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء ٣٠/ ٢١]. وفي ذلك الإنزال والإنبات دلالة على قدرة الله ووجوده ووحدانيته لقوم يتأملون ويتفكرون.
٢ - والله سبحانه سخّر لعباده الليل والنهار للسكون والأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾
стр. 4201
[القصص ٧٣/ ٢٨]، وسخّر أيضا الشمس والقمر والنّجوم مذللات لمعرفة الأوقات، ونضج الثمار والزروع، والاهتداء بالنجوم في الظلمات.
٣ - والله سخّر ما ذرأ (خلق) في الأرض لكم، فما ذرأه الله سبحانه مسخّر مذلّل كالدّواب والأنعام والأشجار وغيرها. هذا مع العلم بأن بعض المخلوقات غير مذلل لنا، بدليل ما رواه مالك في الموطأ عن كعب الأحبار قال:
لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهود حمارا، فقيل له: وما هنّ؟ فقال: أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلّها ما علمت منها وما لم أعلم، من شرّ ما خلق وبرأ وذرأ.
٤ - إن في اختلاف ألوان المخلوقات لعبرة لقوم يذكّرون أي يتّعظون ويعلمون أن في تسخير هذه الكائنات لعلامات على وحدانية الله تعالى، وأنه لا يقدر على ذلك أحد غيره.
٥ - والله سبحانه أنعم علينا بتسخير البحر لتناول اللحوم (الأسماك) واستخراج اللؤلؤ والمرجان، وللركوب، والتجارة، وللدفاع عن البلاد من أذى محتل وعدوان مستعمر. وتسخير البحر: هو تمكين البشر من التّصرف فيه وتذليله بالرّكوب والتّجارة وغير ذلك.
ويلاحظ أن الحنفية لا يجيزون أكل السمك الطافي على سطح ما البحر أو النهر، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣/ ٥]، ولحديث ضعيف
أخرجه أبو داود وابن ماجه عن جابر عن النّبي ﷺ : «ما نضب عنه الماء فكلوا، وما لفظه فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا».
وأباح الجمهور أكل الطافي، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ، مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ﴾ [المائدة ٩٦/ ٥]، و
لحديث أبي هريرة عند أحمد ومالك
стр. 4202
وأصحاب السنن الأربعة وابن أبي شيبة عن البحر «هو الطّهور ماؤه، الحلّ ميتته».
وقال أبو حنيفة ﵀: لو حلف لا يأكل اللحم، فأكل لحم السّمك، لا يحنث؛ لأنه ليس بلحم عرفا. وقال الجمهور: إنه يحنث؛ لأنه تعالى نصّ على كونه لحما في هذه الآية، وليس فوق بيان الله بيان.
وبما أن الله تعالى امتنّ على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرّم الله تعالى على الرّجال الذهب والحرير،
روي في صحيح الشيخين عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدّنيا، لم يلبسه في الآخرة».
وجمهور العلماء على تحريم اتّخاذ الرجال خاتم الذهب، ويجوز لهم التّختم بخاتم الفضة؛ لأنه ﷺ اتّخذ خاتما من فضة، فاتّخذ الناس خواتيم الفضة،
وقال: «إني اتّخذت خاتما من ورق، ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا ينقشن أحد على نقشه». وهذا دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه.
ومن حلف ألا يلبس حليّا، فلبس لؤلؤا لم يحنث عند أبي حنيفة، عملا بالعرف والعادة، والأيمان تختص بالعرف.
٦ - والله تعالى جعل في الأرض نعما ثلاثا تستحق الشكر هي إلقاء الجبال الرواسي فيها لئلا تميد وتضطرب، وإجراء الأنهار، وجعل السّبل والطّرق منافذ عبور وانتقال بأمان. قال القرطبي: وفي هذه الآية: أدل دليل على استعمال الأسباب، وقد كان الله قادرا على تسكينها دون الجبال.
وجعل تعالى في الأرض علامات، أي معالم الطرق بالنهار، وجعل النّجوم وسائل اهتداء إلى المقاصد.
стр. 4203
خواص الألوهية
الخلق وعلم السّر والعلن والحياة الأبديّة
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾
الإعراب:
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ خبر ثان، أي هم مخلوقون أموات.
ويجوز أن ترفع ﴿أَمْواتٌ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم أموات. ﴿أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ استفهام عن الزمان بمعنى (متى)، و ﴿أَيّانَ﴾: مبني لتضمنه معنى الحرف، وهو همزة الاستفهام، وبني على حركة لالتقاء الساكنين، وهي الفتحة؛ لأنها أخف الحركات.
البلاغة:
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ بينهما طباق السلب. ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ صيغة مبالغة.
﴿تُسِرُّونَ﴾ و ﴿تُعْلِنُونَ﴾ بينهما طباق.
﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ و ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ فيهما إطناب تأكيدا لسفاهة من عبد الأصنام.
стр. 4204
﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ بينهما جناس ناقص.
المفردات اللغوية:
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ هو الله . ﴿كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ كلّ ما عبد من دون الله تعالى من الملائكة وعيسى والأصنام. وغلّب فيه أولو العلم منهم، وأجريت الأصنام مجرى أولي العلم؛ لأنهم سمّوها آلهة، ومن حقّ الإله أن يعلم. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون، فتعرفوا فساد ذلك، فإنه لجلائه كالحاصل للعقل الذي يستحضره بأدنى تذكّر والتفات. والمراد بالآية إنكار التسوية بين الخالق والمخلوق، بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرة الله تعالى وتناهي حكمته وتفرده بالخلق.
﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تضبطوها، فضلا عن أن تطيقوا شكرها. ﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث ينعم عليكم مع تقصيركم وعصيانكم. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد وتزييف للشرك باعتبار العلم.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وهم الأصنام. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ينحتون ويصورون من الحجارة وغيرها، فهي مفتقرة الوجود إلى التخليق، والإله ينبغي أن يكون واجب الوجود.
﴿أَمْواتٌ﴾ لا روح فيهم. ﴿غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ تأكيد. ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ لا يعلمون، أي الأصنام.
﴿أَيّانَ﴾ وقت. ﴿يُبْعَثُونَ﴾ أي لا يشعرون بزمان بعثهم أو بعث عبدتهم الخلق، فكيف يعبدون؟ إذ لا يكون إلها إلا الخالق الحيّ العالم بالغيب، المقدّر للثواب والعقاب، وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف.
﴿إِلهُكُمْ﴾ المستحقّ للعبادة منكم ﴿إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا نظير له في ذاته ولا في صفاته، وهو الله.
تعالى، وهذا تكرير للمدّعى بعد إقامة الحجج. ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ جاحدة للوحدانية.
﴿مُسْتَكْبِرُونَ﴾ متكبّرون عن الإيمان بها. ﴿لا جَرَمَ﴾ حقّا. ﴿أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ فيجازيهم بذلك. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ أي يعاقبهم.
المناسبة:
بعد ذكر الدلائل الدّالة على وجود الإله القادر الحكيم، مع بيان أنواع نعم الله تعالى، ذكر الله تعالى خواص الألوهية: وهي الخلق والإبداع، وعلم السّرّ والعلن، والحياة الدائمة، مما يدلّ على أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، ويدلّ على إبطال عبادة غير الله تعالى، ثم ذكر تعالى أسباب الإشراك: وهي تحجر القلوب وإنكار التوحيد، فبقي أصحابه على الجهل والضّلال، علما بأن أشدّ
стр. 4205
القبح عبادة تلك الأصنام الجمادات المحضة، التي ليس لها فهم ولا قدرة ولا اختيار.
التفسير والبيان:
نبّه الله تعالى في هذه الآيات على عظمته، وأنه لا تنبغي العبادة إلا له، دون ما سواه من الأوثان التي لا تخلق شيئا، بل هي مخلوقة، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ.﴾. أي أفمن يخلق هذه الأشياء التي ذكرناها، كمن لا يخلق، بل لا يقدر على شيء من الخلق أصلا، أفلا تذكّرون أي تعتبرون وتتعظون؟! فإن معرفة ذلك لا تحتاج إلى تدبّر وتفكّر ونظر. والاستفهام إنكار عليهم ورميهم بالجهل وسوء التقدير. ونظير الآية: ﴿هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١/ ٣١].
ثم نبههم تعالى على كثرة نعمه وإحسانه إليهم ليرشدهم إلى أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، فقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ.﴾. أي وإن أردتم حساب نعم الله وضبطها، لا تستطيعوا إحصاءها وضبط عددها، فنعم الله كثيرة دائمة، والعقل عاجز عن الإحاطة بها.
﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ.﴾. أي إنه تعالى كثير المغفرة يتجاوز عنكم وعن تقصيركم في الشّكر، رحيم بكم فينعم عليكم مع استحقاقكم للحرمان بسبب الإشراك والكفر، فلو طالبكم بشكر جميع نعمه، لعجزتم عن القيام بذلك، ولو عذّبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير، ومهما عمل الإنسان من الطاعات فلن يقابل نعمة واحدة من نعم الله تعالى.
والخلاصة: إنه تعالى بعد أن بيّن بالآية المتقدّمة: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ.﴾. أن