← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

[القصص ٧٣/ ٢٨]، وسخّر أيضا الشمس والقمر والنّجوم مذللات لمعرفة الأوقات، ونضج الثمار والزروع، والاهتداء بالنجوم في الظلمات. ٣ - والله سخّر ما ذرأ (خلق) في الأرض لكم، فما ذرأه الله سبحانه مسخّر مذلّل كالدّواب والأنعام والأشجار وغيرها. هذا مع العلم بأن بعض المخلوقات غير مذلل لنا، بدليل ما رواه مالك في الموطأ عن كعب الأحبار قال: لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهود حمارا، فقيل له: وما هنّ؟ فقال: أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلّها ما علمت منها وما لم أعلم، من شرّ ما خلق وبرأ وذرأ. ٤ - إن في اختلاف ألوان المخلوقات لعبرة لقوم يذكّرون أي يتّعظون ويعلمون أن في تسخير هذه الكائنات لعلامات على وحدانية الله تعالى، وأنه لا يقدر على ذلك أحد غيره. ٥ - والله سبحانه أنعم علينا بتسخير البحر لتناول اللحوم (الأسماك) واستخراج اللؤلؤ والمرجان، وللركوب، والتجارة، وللدفاع عن البلاد من أذى محتل وعدوان مستعمر. وتسخير البحر: هو تمكين البشر من التّصرف فيه وتذليله بالرّكوب والتّجارة وغير ذلك. ويلاحظ أن الحنفية لا يجيزون أكل السمك الطافي على سطح ما البحر أو النهر، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣/ ٥]، ولحديث ضعيف أخرجه أبو داود وابن ماجه عن جابر عن النّبي ﷺ : «ما نضب عنه الماء فكلوا، وما لفظه فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا». وأباح الجمهور أكل الطافي، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ، مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ﴾ [المائدة ٩٦/ ٥]، و لحديث أبي هريرة عند أحمد ومالك

стр. 4202

وأصحاب السنن الأربعة وابن أبي شيبة عن البحر «هو الطّهور ماؤه، الحلّ ميتته». وقال أبو حنيفة ﵀: لو حلف لا يأكل اللحم، فأكل لحم السّمك، لا يحنث؛ لأنه ليس بلحم عرفا. وقال الجمهور: إنه يحنث؛ لأنه تعالى نصّ على كونه لحما في هذه الآية، وليس فوق بيان الله بيان. وبما أن الله تعالى امتنّ على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرّم الله تعالى على الرّجال الذهب والحرير، روي في صحيح الشيخين عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدّنيا، لم يلبسه في الآخرة». وجمهور العلماء على تحريم اتّخاذ الرجال خاتم الذهب، ويجوز لهم التّختم بخاتم الفضة؛ لأنه ﷺ اتّخذ خاتما من فضة، فاتّخذ الناس خواتيم الفضة، وقال: «إني اتّخذت خاتما من ورق، ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا ينقشن أحد على نقشه». وهذا دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه. ومن حلف ألا يلبس حليّا، فلبس لؤلؤا لم يحنث عند أبي حنيفة، عملا بالعرف والعادة، والأيمان تختص بالعرف. ٦ - والله تعالى جعل في الأرض نعما ثلاثا تستحق الشكر هي إلقاء الجبال الرواسي فيها لئلا تميد وتضطرب، وإجراء الأنهار، وجعل السّبل والطّرق منافذ عبور وانتقال بأمان. قال القرطبي: وفي هذه الآية: أدل دليل على استعمال الأسباب، وقد كان الله قادرا على تسكينها دون الجبال. وجعل تعالى في الأرض علامات، أي معالم الطرق بالنهار، وجعل النّجوم وسائل اهتداء إلى المقاصد.

стр. 4203

خواص الألوهية الخلق وعلم السّر والعلن والحياة الأبديّة ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ الإعراب: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ خبر ثان، أي هم مخلوقون أموات. ويجوز أن ترفع ﴿أَمْواتٌ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم أموات. ﴿أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ استفهام عن الزمان بمعنى (متى)، و ﴿أَيّانَ﴾: مبني لتضمنه معنى الحرف، وهو همزة الاستفهام، وبني على حركة لالتقاء الساكنين، وهي الفتحة؛ لأنها أخف الحركات. البلاغة: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ بينهما طباق السلب. ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ صيغة مبالغة. ﴿تُسِرُّونَ﴾ و ﴿تُعْلِنُونَ﴾ بينهما طباق. ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ و ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ فيهما إطناب تأكيدا لسفاهة من عبد الأصنام.

стр. 4204

﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ بينهما جناس ناقص. المفردات اللغوية: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ هو الله . ﴿كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ كلّ ما عبد من دون الله تعالى من الملائكة وعيسى والأصنام. وغلّب فيه أولو العلم منهم، وأجريت الأصنام مجرى أولي العلم؛ لأنهم سمّوها آلهة، ومن حقّ الإله أن يعلم. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون، فتعرفوا فساد ذلك، فإنه لجلائه كالحاصل للعقل الذي يستحضره بأدنى تذكّر والتفات. والمراد بالآية إنكار التسوية بين الخالق والمخلوق، بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرة الله تعالى وتناهي حكمته وتفرده بالخلق. ﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تضبطوها، فضلا عن أن تطيقوا شكرها. ﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث ينعم عليكم مع تقصيركم وعصيانكم. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد وتزييف للشرك باعتبار العلم. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وهم الأصنام. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ينحتون ويصورون من الحجارة وغيرها، فهي مفتقرة الوجود إلى التخليق، والإله ينبغي أن يكون واجب الوجود. ﴿أَمْواتٌ﴾ لا روح فيهم. ﴿غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ تأكيد. ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ لا يعلمون، أي الأصنام. ﴿أَيّانَ﴾ وقت. ﴿يُبْعَثُونَ﴾ أي لا يشعرون بزمان بعثهم أو بعث عبدتهم الخلق، فكيف يعبدون؟ إذ لا يكون إلها إلا الخالق الحيّ العالم بالغيب، المقدّر للثواب والعقاب، وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف. ﴿إِلهُكُمْ﴾ المستحقّ للعبادة منكم ﴿إِلهٌ واحِدٌ﴾ لا نظير له في ذاته ولا في صفاته، وهو الله. تعالى، وهذا تكرير للمدّعى بعد إقامة الحجج. ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ جاحدة للوحدانية. ﴿مُسْتَكْبِرُونَ﴾ متكبّرون عن الإيمان بها. ﴿لا جَرَمَ﴾ حقّا. ﴿أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ فيجازيهم بذلك. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ أي يعاقبهم. المناسبة: بعد ذكر الدلائل الدّالة على وجود الإله القادر الحكيم، مع بيان أنواع نعم الله تعالى، ذكر الله تعالى خواص الألوهية: وهي الخلق والإبداع، وعلم السّرّ والعلن، والحياة الدائمة، مما يدلّ على أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، ويدلّ على إبطال عبادة غير الله تعالى، ثم ذكر تعالى أسباب الإشراك: وهي تحجر القلوب وإنكار التوحيد، فبقي أصحابه على الجهل والضّلال، علما بأن أشدّ

стр. 4205

القبح عبادة تلك الأصنام الجمادات المحضة، التي ليس لها فهم ولا قدرة ولا اختيار. التفسير والبيان: نبّه الله تعالى في هذه الآيات على عظمته، وأنه لا تنبغي العبادة إلا له، دون ما سواه من الأوثان التي لا تخلق شيئا، بل هي مخلوقة، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ.﴾. أي أفمن يخلق هذه الأشياء التي ذكرناها، كمن لا يخلق، بل لا يقدر على شيء من الخلق أصلا، أفلا تذكّرون أي تعتبرون وتتعظون؟! فإن معرفة ذلك لا تحتاج إلى تدبّر وتفكّر ونظر. والاستفهام إنكار عليهم ورميهم بالجهل وسوء التقدير. ونظير الآية: ﴿هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١/ ٣١]. ثم نبههم تعالى على كثرة نعمه وإحسانه إليهم ليرشدهم إلى أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، فقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ.﴾. أي وإن أردتم حساب نعم الله وضبطها، لا تستطيعوا إحصاءها وضبط عددها، فنعم الله كثيرة دائمة، والعقل عاجز عن الإحاطة بها. ﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ.﴾. أي إنه تعالى كثير المغفرة يتجاوز عنكم وعن تقصيركم في الشّكر، رحيم بكم فينعم عليكم مع استحقاقكم للحرمان بسبب الإشراك والكفر، فلو طالبكم بشكر جميع نعمه، لعجزتم عن القيام بذلك، ولو عذّبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير، ومهما عمل الإنسان من الطاعات فلن يقابل نعمة واحدة من نعم الله تعالى. والخلاصة: إنه تعالى بعد أن بيّن بالآية المتقدّمة: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ.﴾. أن

стр. 4206

الاشتغال بعبادة غير الله باطل وخطأ، بيّن بهذه الآية: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾ أن العبد لا يمكنه الإتيان بعبادة الله وشكر نعمه على وجه أتم. وبعد أن أبطل عبادة الأصنام لعجزها عن الخلق والإنعام، أبطل عبادتها بوجه آخر وهو كونها جمادات لا تعلم شيئا، فقال: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ.﴾. أي والله يعلم الضمائر والسرائر، كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل عامل بعمله يوم القيامة، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، فهو عالم الغيب والشّهادة، والظّاهر والباطن. ثم وصف تعالى الأصنام بما يجردها عن أهلية العبادة، ليدلّ على غباء المشركين صراحة، فقال ذاكرا ثلاثة أوصاف: ١ - ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ.﴾. أي إن الأوثان والأصنام لا يخلقون شيئا، بل هي مخلوقة، كما قال تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ؟ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾؟ [الصافات ٩٥/ ٣٧ - ٩٦]. ٢ - ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ أي هي جمادات لا أرواح فيها ولا حياة لها أصلا، فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل، فلا تفيدكم شيئا. فقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ لبيان أنه لا يعقب موتها حياة، وذلك أعرق في موتها، فهي ليست كبعض المواد التي يمكن طروء الحياة عليها، كالنّطف التي ينشئها الله حيوانا، وأجساد الحيوان التي تبعث بعد موتها. أما الإله فهو الحيّ الذي لا يطرأ عليه موت أصلا، فبان الفرق بينهما وهو أن الإله دائم الحياة، والأصنام دائمة الموت. ٣ - ﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي وتلك الأصنام لا يدرون متى يبعث عبدتها ومتى تقوم الساعة؟ فكيف يرتجى عند هذه نفع أو ثواب أو جزاء؟ إنما

стр. 4207

يرجى ذلك من الذي يعلم كلّ شيء، وهو خالق كلّ شيء. وعبّر عن الأصنام كما يعبّر عن الآدميين لزعمهم أنها تعقل عنهم وتشفع لهم عند الله تعالى، فجرى خطابهم على حسب زعمهم. وهذا إيماء إلى أن البعث من لوازم التكليف، للجزاء على العمل من خير أو شرّ، وتصريح بأن من لوازم الألوهية معرفة يوم القيامة، وهو تهكّم بالمشركين الذين لا يحسنون الفهم والتّقدير. وبعد هدم عبادة الأصنام، صرّح تعالى بالمطلوب فقال: ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي إن إلهكم أيها الناس إله واحد، لا إله إلا هو، ومعبودكم الذي يستحقّ العبادة والطاعة بحقّ هو الإله المعبود الواحد. ثم ذكر سبب شركهم وإنكارهم التوحيد، فقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ.﴾. أي فالذين لا يؤمنون بالآخرة وينكرونها ولا يصدّقون بها، ولا يؤمنون بالوحدانية قلوبهم منكرة للتّوحيد، وهم مستكبرون عن الإقرار بالوحدانية وعن عبادة الله، فلا يرغبون في حصول الثواب، ولا يرهبون من الوقوع في العقاب. والمعنى أن الكافرين تنكر قلوبهم الوحدانية، كما قال تعالى واصفا تعجبهم منها: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص ٥/ ٣٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر ٤٥/ ٣٩]. ثم هددهم تعالى وأوعدهم على أعمالهم، فقال: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ.﴾. أي حقّا، إنّ ربّك يعلم ما يسرّ هؤلاء المشركون وما يعلنون، ويعلم إصرارهم على كفرهم، وسيجزيهم على ذلك أتمّ الجزاء، إنه لا يحبّ المستكبرين عن التوحيد وهم

стр. 4208

المشركون، بل وكلّ مستكبر، أي يعاقبهم ويجازيهم. وهذا الوعيد يتناول كلّ المتكبّرين. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات مناقشة حادّة مع المشركين، فيها إنكار لعبادتهم الأصنام، وتهكّم بهم، وبيان فساد تفكيرهم وسوء تقديرهم، وسوء صنيعهم، وصدودهم عن الحقّ، وإعلان تصميمهم على الكفر والشّرك. وأول فساد في تفكيرهم أن الأصنام مخلوقة وعاجزة عن خلق غيرها، فهي لا تضرّ ولا تنفع، فكيف تتخذ آلهة؟! ومن كان قادرا على خلق الأشياء، كان بالعبادة أحقّ ممن هو مخلوق لا يضرّ ولا ينفع. والفساد الثاني أنهم ينكرون نعم الله وإحسانه لهم، وأبسط مبادئ التدين والأخلاق مقابلة النعمة وشكرها، وهم لم يشكروها. والفساد الثالث أن الأصنام جمادات لا تعلم شيئا، فكيف توصف بالألوهية؟ والإله ينبغي أن يكون عالما بالسّرائر والظواهر، محيطا بأحوال العابدين، حتى يلبي مطلبهم، ويجازي مقصرهم ومسيئهم. ثم صرّح تعالى بأوصاف الأصنام الثلاثة المناقضة تماما لمن يستحقّ وصفه بالألوهية والعبادة والطاعة، وهي العجز عن خلق شيء، وكونهم أمواتا غير أحياء، لا أرواح فيها ولا تسمع ولا تبصر، أي هي جمادات فكيف تعبدونها وأنتم أفضل منها بالحياة، وكونهم-أي الأصنام-يجهلون وقت البعث وقيام الساعة للحساب والجزاء على الأعمال. والألوهية الحقّة بعد بيان استحالة الإشراك بالله تعالى هي ألوهية الله الواحد

стр. 4209

الأحد الفرد الصّمد، المعبود الواحد الذي لا ربّ غيره، ولا معبود سواه. أما المشركون الذين لا يؤمنون بالآخرة فلا يقبلون الوعظ ولا التّذكير، ولو آمنوا بالآخرة حقّا لآمنوا بوحدانية الله، ولكنهم قوم متكبّرون متعظمون عن قبول الحقّ. والله حقّا يعلم ما يسرّون من القول والعمل وما يعلنون، فيجازيهم على أفعالهم، إنه لا يحبّ المستكبرين أبدا، أي لا يثيبهم ولا يثني عليهم. صفات المستكبرين إنكار المشركين الوحي المنزّل والنّبوة وجزاؤهم ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾

стр. 4210

الإعراب: ﴿ماذا أَنْزَلَ.﴾. ﴿ما﴾ اسم استفهام مبتدأ، و ﴿إِذا﴾ خبره، و ﴿أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾: صلته، والعائد محذوف تقديره: أنزله، فحذف تخفيفا. ولما كان السؤال مرفوعا رفع ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ على تقدير مبتدأ محذوف، أي هو أساطير الأولين. وأما قوله الآتي: ﴿ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا: خَيْراً﴾ فالجواب منصوب؛ لأن السؤال منصوب، لأن ﴿ماذا﴾ بمنزلة كلمة واحدة، أي أيّ شيء أنزل ربّكم، وهي في موضع نصب ب ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حال. ﴿ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حال أيضا. البلاغة: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ استعارة تمثيلية، شبّه حال الماكرين بحال قوم بنوا بنيانا ثم انهدم عليهم وأهلكهم، ووجه الشّبه أنّ ما ظنّوه سببا لحمايتهم، كان سببا في فنائهم. المفردات اللغوية: ﴿أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ على محمد. ﴿أَساطِيرُ﴾ أكاذيب وأباطيل وترّهات. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ الغابرين القدماء، قالوا ذلك إضلالا للناس، وقد نزلت الآية في النّضر بن الحارث، ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ في عاقبة أمرهم. ﴿أَوْزارَهُمْ﴾ ذنوبهم. ﴿كامِلَةً﴾ لم يكفّر منها شيء. ﴿وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ.﴾. أي وبعض أوزار من يضلونهم؛ لأنهم دعوهم إلى الضلال فاتّبعوهم، فاشتركوا في الإثم؛ لتسببهم في إضلالهم، والأصح أن ﴿مِنْ﴾ للجنس لا للتبعيض، أي فعليهم مثل أوزار تابعيهم. ﴿ساءَ﴾ بئس. ﴿ما يَزِرُونَ﴾ يحملونه حملهم هذا. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حال من المفعول، أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلاّل، أو حال من الفاعل أي وهم جاهلون. ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ اللام لام الصيرورة؛ لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين، لأجل أن يحملوا الأوزار، ولكن لمّا كان عاقبتهم ذلك حسن ذكر هذه اللام. ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وهو نمروذ بن كنعان، بنى صرحا طويلا ببابل، سمكه خمسة آلاف ذراع، ليصعد منه إلى السماء، ليقاتل أهلها. والمكر: صرف غيرك عما يريده بحيلة، ويراد به هنا مباشرة الأسباب وترتيب المقدمات. والمقصود بالآية: المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار. ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ﴾ أهلكه وأفناه، فأرسل عليه الريح والزلزلة، فهدمته من الأساس، كما يقال: أتى عليه الدهر، و ﴿فَأَتَى﴾: قصد، و ﴿الْقَواعِدِ﴾: الدعائم، جمع قاعدة. ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي وهم تحته، و ﴿فَخَرَّ﴾: سقط. ﴿وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ من جهة لا تخطر ببالهم، أي من جهة لا يحتسبون ولا يتوقّعون. وقيل: هذا تمثيل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرّسل.

стр. 4211

﴿يُخْزِيهِمْ﴾ يذلّهم أو يعذّبهم بالنار؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران ١٩٢/ ٣]. ﴿وَيَقُولُ: أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أي ويقول الله لهم على لسان الملائكة توبيخا: أين شركائي بزعمكم؟ ﴿تُشَاقُّونَ﴾ تعادون المؤمنين وتنازعون الأنبياء في شأنهم. ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي ويقول الأنبياء والمؤمنون العلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد، فيشاقونهم ويتكبرون عليهم، أو يقول الملائكة: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ﴾ الذلّة والعذاب على الكافرين، وفائدة قولهم: إظهار الشماتة بهم وزيادة الإهانة، وإيراده بقصد وعظ من سمعه. ﴿ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بالكفر. ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾: ﴿السَّلَمَ﴾: الاستسلام والخضوع، والمعنى: انقادوا واستسلموا عند الموت، وأقرّوا لله بالرّبوبية، أو سالموا حين عاينوا الموت. ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ أي قائلين: ما كنّا نعمل من كفران أو شرك، وعدوان. ﴿بَلى﴾ نعم، أي فتجيبهم الملائكة ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهو يجازيكم عليه. ﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ أي ليدخل كلّ صنف بابه المعدّ له. وقيل: ﴿أَبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ أصناف عذابها. ﴿مَثْوَى﴾ مأوى، والمثوى: مكان الإقامة. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أدلّة التوحيد وأدلة بطلان عبادة الأصنام، أعقب ذلك ببيان شبهات منكري النّبوة، وأولها الطعن في القرآن الذي احتج النّبي ﷺ على صحة نبوّته بأنه معجزة، فقالوا: أساطير الأولين، وليس هو من جنس المعجزات، فأهلكهم الله في الدّنيا، وسيعاقبهم في الآخرة بما فعلوا، فيقولون مستسلمين حين رؤية العذاب: ما كنّا نعمل من سوء، أي كفر وشرك وعدوان. التفسير والبيان: تذكر هذه الآيات شبهات منكري النّبوة التي هي صفات المكذّبين المستكبرين. الشّبهة الأولى (١) -طعنهم في القرآن بأنه أساطير الأولين: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ.﴾.

стр. 4212

لما احتجّ رسول الله ﷺ على صحّة نبوّته بكون القرآن معجزة، طعنوا في القرآن، وقالوا: إنه أساطير الأولين، وليس هو من جنس المعجزات. ومعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء المستكبرين المكذّبين الذين لا يؤمنون بالآخرة من المشركين: أي شيء أنزل ربّكم؟ قالوا معرضين عن الجواب: لم ينزل شيئا، إنما هذا الكلام الذي يتلى علينا أساطير أي أكاذيب وخرافات مأخوذة من كتب المتقدمين، كما حكى تعالى عنهم في آية أخرى: ﴿وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان ٥/ ٢٥] أي يفترون على الرّسول بأقوال متضادّة مختلفة باطلة. والسائل: إما واحد من المسلمين أو من كلام بعضهم لبعض أو النّضر بن الحارث أو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة، ينفّرون عن رسول الله ﷺ إذا سألهم وفود الحجيج عما أنزل على محمد ﷺ . هذا عن القرآن، أما عن النّبي ﷺ فكانوا يقولون: ساحر وشاعر وكاهن ومجنون، ثم استقرّ أمرهم على ما اختلقه زعيمهم الوليد بن المغيرة المخزومي، الذي حكى عنه القرآن قراره: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقالَ: إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر ١٨/ ٧٤ - ٢٤]، أي ينقل ويحكى، فتفرقوا متفقين على قوله. ثم أبان تعالى مصير قولهم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً.﴾. هذه لام العاقبة أو الصيرورة، مثل: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص ٨/ ٢٨]. والمعنى: إنما قالوا ذلك ليتحملوا أوزارهم وآثامهم كاملة يوم القيامة وأوزار الذين يتبعونهم جهلا بغير علم فلا يعلمون أنهم ضلاّل، واقتداء بهم في الضّلال، أي

стр. 4213

ليصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم، واقتدائهم بهم. والمراد بقوله تعالى: ﴿كامِلَةً﴾ أنه لا ينقص منها شيء. وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ على رأي الزّمخشري: حال من المفعول، أي يضلّون من لا يعلم أنهم ضلال، وعلى رأي الرّازي: حال من الفاعل، أي إن هؤلاء الرؤساء يضلّون غيرهم جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال. ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أي بئس شيئا يحملونه من الذنب ذلك الذي يفعلون. ونظير الآية: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ، وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت ١٣/ ٢٩]. وأوضحت السّنة سبب تحملهم آثام من قلّدوهم، فقال ﷺ -فيما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السّنن الأربعة عن أبي هريرة-: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». ثم أبان الله تعالى وجود الشّبه بين الكفار القدامى والجدد في الجرم والعقاب فقال: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.﴾. أي قد كاد لدين الله ورسله من تقدّمهم من الأمم، واحتالوا بمختلف الوسائل لإطفاء نور الله فأهلكهم الله تعالى في الدّنيا، بأن دمّر مبانيهم من قواعدها، وسقط عليهم السّقف من فوقهم، وأبطل كيدهم، وأحبط أعمالهم، وأطبق عليهم العذاب من كلّ جانب، ومن حيث لا يحسّون بمجيئه ولا يتوقّعون، فاعتبروا يا أهل مكة وأمثالكم. وهذا كله تمثيل لصورة العذاب، ومضمونه إهلاكهم من الله تعالى. وسبب قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ مع أن السّقف لا يكون إلا من فوق هو

стр. 4214

تأكيد سقوط السقف، وشدّة إطباق العذاب وسقوطه عليهم وهم تحته. ومعنى إتيان الله: إتيان أمره. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْقَواعِدِ﴾ أي من جهة القواعد أي اجتثه من أصله وأبطل عملهم، وهذا مقابل لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ليفيد إحاطة العذاب من أعلى ومن أسفل. وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي من حيث لا يحتسبون ولا يتوقّعون. وأكثر المفسّرين على أن المراد بقوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ.﴾. هو نمروذ بن كنعان، بنى صرحا عظيما ببابل طوله خمسة آلاف ذراع. هذا عذابهم في الدّنيا، وأما في الآخرة فهو ما قاله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ.﴾. أي وفي يوم القيامة يخزيهم، أي يظهر فضائحهم وما تخبئه نفوسهم فيجعله علانية، ويذلّهم بعذاب الخزي، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران ١٩٢/ ٣]. ويقول لهم الرّبّ ﵎ بواسطة الملائكة تقريعا لهم وتوبيخا: أين شركائي في زعمكم واعتقادكم؟ أين آلهتكم التي عبدتموها من دوني؟ أين تلك الآلهة التي كنتم تشاقون أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم؟ أحضروهم ليدفعوا عنكم العذاب: ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشّعراء ٩٣/ ٢٦]، ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾ [الطارق ١٠/ ٨٦]. فلا يجيب أحد، ويسكتون عن الاعتذار، وتظهر عليهم الحجة الدامغة، ويتبين أنه لا شركاء ولا وجود لهم. ثم ذكر الله تعالى مقال الذين أوتوا العلم من الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وهم سادة الدّنيا والآخرة، والمخبرون عن الحقّ: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ.﴾. أي قال العلماء المقرّون بالتوحيد: إن الذّلّ والفضيحة والعذاب والهوان محيط

стр. 4215

اليوم بالكافرين الذين كفروا بالله، وأشركوا به ما لا يضرّهم ولا ينفعهم. وهؤلاء هم الذين بقوا على كفرهم حتى الموت، فتتوفاهم الملائكة وتقبض أرواحهم، حالة كونهم ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي والتعريض للعذاب. وكانت حالهم أيضا: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ.﴾. أي فلما حضرهم الموت وعاينوا العذاب، أظهروا السمع والطاعة والانقياد، قائلين: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ أي ما كنّا مشركين بربّنا أحدا، كما حكى تعالى عنهم يوم المعاد: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣/ ٦]. فكذّبهم الله في قولهم: ﴿بَلى، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ.﴾. أي لقد عملتم السّوء كله وأعظمه وأقبحه، والله عليم بأعمالكم، فلا فائدة في إنكاركم والله يجازيكم على أفعالكم. ﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ.﴾. أي فادخلوا في جهنم، وذوقوا عذاب إشراككم بربّكم وعقاب معاصيكم، وأنتم خالدون ماكثون فيها إلى الأبد، وبئس المقرّ والمقام دار الهوان، لمن كان متكبّرا عن آيات الله تعالى واتّباع رسله. وهم في عذاب دائم دون موت كما قال تعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ [فاطر ٣٦/ ٣٥]، وفي ديمومة من العذاب في جميع الوقت، كما قال سبحانه: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر ٤٦/ ٤٠]. فقه الحياة أو الأحكام: تتضمن الآيات جوابا عن شبهة المشركين حول القرآن ووصفه بأنه أساطير الأولين، وليس معجزة، وليس هو من تنزيل ربّنا. ولم يكن جوابهم هنا كما تبين سابقا بالحجة الدامغة، وإنما جوابهم هو استحقاقهم العذاب الشديد، فاقتصر على

стр. 4216

محض الوعيد ولم يجب عن شبهتهم؛ لأنه تعالى بيّن كون القرآن الكريم معجزا بطريقين: الأول-أنه ﷺ تحدّاهم بكل القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة، أو بحديث واحد، وعجزوا عن المعارضة، وذلك يدلّ على كونه معجزا. الثاني-أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهي: ﴿اِكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ وأبطلها بقوله تعالى: ﴿قُلْ: أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي أن القرآن مشتمل على الإخبار عن المغيبات، وهذا لا يكون إلا من العالم بأسرار السموات والأرض (١). فهم يتحملون نتيجة آثامهم وذنوبهم تحمّلا كاملا، لا ينقص منه شيء لنكبة أصابتهم في الدّنيا بكفرهم، كما أنهم يتحمّلون مثل أوزار تابعيهم، وذلك بسبب كفرهم وإضلالهم غيرهم، جهلا منهم بما يلزمهم من الآثام، إذ لو علموا لما أضلّوا، فبئس الوزر الذي يحملونه. وعقابهم في الدّنيا يشبه عقاب عمالقة الكفر الذين تقدموهم مثل النّمروذ بن كنعان وقومه، أرادوا صعود السّماء وقتال أهله، فبنوا الصرح ليصعدوا منه، فخرّ عليهم، إما بزلزلة أو ريح، فخرّبته. وكان عقابهم إبطال مكرهم وتدبيرهم وإهلاكهم عن بكرة أبيهم. وعقابهم أيضا في الآخرة هو الذّلّ والهوان والفضيحة بالعذاب الأليم بسبب كفرهم، مع التقريع والتوبيخ والاستهزاء بهم، وبيان عدم وجود الشركاء لله تعالى أصلا. وكل من العقابين لاستمرارهم على الكفر إلى حين الموت، فإذا أقرّوا حينئذ

стр. 4217

بالرّبوبية لله، وانقادوا عند الموت، فلا ينفعهم ذلك، والله عليم بأعمال الكفار. وهذه الآية دليل على أنه لا يخرج كافر ولا منافق من الدّنيا حتى ينقاد ويستسلم، ويخضع ويذلّ. ولكن لا تنفعهم حينئذ توبة ولا إيمان، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر ٨٥/ ٤٠]. ويقال لهم عند الموت: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها.﴾. الآية، يدخل كلّ طائفة من باب، ويستقرّ في طبقة أو درك من طبقات ودركات جهنم، فبئس مقام المتكبرين الذين تكبروا في الدّنيا دار التكليف عن الإيمان وعن عبادة الله تعالى، كما وصفهم ربّنا بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات ٣٥/ ٣٧]. صفات المتقين إيمان المتقين بالوحي المنزل وجزاؤهم ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾

стр. 4218

الإعراب: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل، أو مبتدأ، وخبره: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، أو هو المخصوص بالمدح اسم: نعم. ﴿طَيِّبِينَ﴾ حال منصوب من الهاء والميم في ﴿تَتَوَفّاهُمُ﴾ وهو العامل فيها. ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ﴾ نعت لقوله ﴿الْمُتَّقِينَ﴾. البلاغة: ﴿قالُوا: خَيْراً﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي قالوا: أنزل خيرا. والسبب في نصب ﴿خَيْراً﴾ هنا، مع أنه رفع ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ في جواب المشركين: هو كما قال الزمخشري بيان الفرق بين جواب المؤمن المقر وجواب الجاحد، يعني لما سئل المؤمنون لم يتلعثموا وأجابوا على السؤال جوابا بينا مفعولا للإنزال فقالوا: خيرا، والمشركون عدلوا عن السؤال وأعرضوا عن الجواب فقالوا: هو أساطير الأولين، وليس من الإنزال في شيء. المفردات اللغوية: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشرك، يعني المؤمنين. ﴿أَحْسَنُوا﴾ بالإيمان. ﴿حَسَنَةٌ﴾ مكافأة في الدنيا أو حياة طيبة. ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ﴾ أي الجنة. ﴿خَيْرٌ﴾ من الدنيا وما فيها، أو لثوابهم في الآخرة خير منها، وهو وعد للمتقين جزاء قولهم وإيمانهم. ﴿وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ دار الآخرة. ﴿لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ﴾ من أنواع المشتهيات. وفي تقديم الظرف تنبيه على أن الإنسان لا يجد جميع ما يريده إلا في الجنة. ﴿كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي مثل هذا الجزاء يجزيهم. ﴿طَيِّبِينَ﴾ طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي؛ لأنه في مقابلة ﴿ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. ﴿يَقُولُونَ﴾ يقول الملائكة لهم عند الموت: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قيل: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت، جاءه ملك، فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، وبشره بالجنة. ويقال لهم في الآخرة: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى أحوال المكذبين بالقرآن المنزل وبالوحي من قولهم: أساطير الأولين، وتحمل أوزارهم وأوزار أتباعهم، وتوفي الملائكة لهم ظالمي أنفسهم، وإلقائهم السّلم في الآخرة والإقرار بربوبية الله، أتبعه ببيان أوصاف

стр. 4219

المؤمنين الذين يؤمنون بالمنزّل، وما أعده لهم في الدنيا والآخرة من منازل الخيرات ودرجات السعادات في جنات عدن، حتى تتم المقارنة بين وعد هؤلاء، ووعيد أولئك. روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي ﷺ ، فإذا جاء الوافد المقتسمين طرق مكة للحيلولة بين القادمين وبين الإيمان بالنبي، قالوا له ما قالوا سابقا، وإذا جاء المؤمنين قالوا له ذلك. روى ابن أبي حاتم عن السّدّي قال: اجتمعت قريش، فقالوا: إن محمدا رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله، فانظروا ناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين، فمن جاء يريده فردوه عنه، فخرج ناس في كل طريق، فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد، ووصل إليهم، قال أحدهم: أنا فلان بن فلان، فيعرّفه نسبه، ويقول له: أنا أخبرك عن محمد: إنه رجل كذاب، لم يتّبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد، ومن لا خير فيهم، وأما شيوخ قومه وخيارهم، فمفارقون له، فيرجع الوافد، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. فإن كان الوافد ممن عزم الله له الرشاد، فقالوا له مثل ذلك، قال: بئس الوافد لقومي، إن كنت جئت، حتى إذا بلغت مسيرة يوم، رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل، وأنظر ما يقول، وآتي قومي ببيان أمره، فيدخل مكة، فيلقى المؤمنين، فيسألهم ماذا يقول محمد؟ فيقولون: خيرا. التفسير والبيان: تتميز الأشياء بأضدادها، فأخبر الله تعالى عن السعداء المؤمنين إثر الإخبار عن الأشقياء المشركين، ليتضح الفرق، وتتجلى أسس العدل. فسئل الذين اتقوا

стр. 4220

الكفر والمعاصي وخافوا الله: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: أنزل خيرا أي رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به وبرسوله. والسائل: هم الوافدون على المسلمين في أيام المواسم والأسواق، فكان الرجل يأتي مكة، فيسأل المشركين عن محمد وأمره، فيقولون: إنه ساحر وكاهن وكذاب، فيأتي المؤمنين، ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه، فيقولون: أنزل خيرا. ثم أخبر تعالى عما وعد هؤلاء المؤمنين في مقابل وعيد المشركين السابق، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا.﴾. أي للذين آمنوا بالله ورسوله وأطاعوه، وأحسنوا العمل في الدنيا، أحسن الله إليه عمله في الدنيا والآخرة. فلهم في الدنيا مثوبة حسنة من عند الله بالنصر والفتح والعزة، وفي الآخرة بنعيم الجنة وما فيها من خير. ثم أعلمنا الله تعالى بأن دار الآخرة خير من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا. ونظير صدر الآية: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧/ ١٦]. ونظير آخر الآية: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ [القصص ٨٠/ ٢٨] وقوله تعالى: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ [آل عمران ١٩٧/ ٣] وقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ [الضحى ٤/ ٩٣] وقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [الأعلى ١٧/ ٨٧]. ثم وصف الدار الآخرة بقوله: ﴿وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ. جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي﴾

стр. 4221

أي لنعم دار المتقين دار الآخرة، وهي جنات عدن أي إقامة تجري بين أشجارها وقصورها الأنهار، ونعيمها دائم ميسر غير ممنوع: ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها﴾ أي للمحسنين في الدنيا ما يتمنون ويطلبون في الجنات، كما قال تعالى: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١/ ٤٣] وقال سبحانه: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٢/ ٥٦ - ٣٣]. وهذا جزاء التقوى: ﴿كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي مثل ذلك الجزاء الطيب، يجزي الله كل من آمن به واتقاه، وتجنب الكفر والمعاصي، وأحسن عمله. وهذا حث على ملازمة التقوى. ثم أخبر الله تعالى عن حال المتقين عند الاحتضار في موازاة أو مقابلة حال المشركين: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فقال: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ أي الذين تقبض أرواحهم الملائكة طاهرين طيبين من الشرك والمعصية وكل سوء. وكلمة ﴿طَيِّبِينَ﴾ كما قال الرازي: كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة، يدخل فيها إتيانهم بكل ما أمروا به، واجتنابهم كل ما نهوا عنه، واتصافهم بالأخلاق الفاضلة، والتبرؤ عن الأخلاق المذمومة، والتوجه إلى حضرة القدس، وعدم الانهماك في الشهوات واللذات الجسدية، فيطيب للملائكة قبض أرواحهم. وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح. وتسلّم عليهم الملائكة وتبشرهم بالجنة عند قبض الأرواح، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ، وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ، وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ، نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت ٣٠/ ٤١ - ٣٢]. ومضمون تحية الملائكة هو: ﴿يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، اُدْخُلُوا.﴾. أي

стр. 4222

تقول الملائكة لهم: سلام عليكم من الله، وأمان لا خوف، وراحة لا مكروه، ادخلوا الجنة التي أعدها لكم ربكم بسبب أعمالكم. والمراد من هذه التحية: البشارة بدخول الجنة بعد البعث. ولما بشرتهم الملائكة بالجنة، صارت الجنة كأنها دارهم، وكأنهم فيها، فقولهم: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ أي هي خاصة لكم، كأنكم فيها. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات مثل واضح لأسلوب القرآن في بيان المتقابلات المتعاكسة، فبعد أن أبان تعالى حال المشركين وجزاءهم في الدنيا والآخرة، أعقبه ببيان حال المؤمنين الأتقياء. فهم يؤمنون ويصدقون تصديقا جازما بصدق النبوة، وصحة ما أنزل الله من القرآن على نبيه المصطفى ﷺ . فيكون جزاؤهم أحسن من عملهم: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ [الرحمن ٦٠/ ٥٥] فلهم في الدنيا الجزاء الأفضل من النصر والفتح والغنيمة والعزة، ولهم في الآخرة الحسنة أي الجنة، فمن أطاع الله فله الجنة غدا، وما ينالون في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار الدنيا، لفنائها وبقاء الآخرة، ولنعم دار المتقين: الآخرة، وهي جنات عدن التي يدخلونها، وتجري في رياضها الأنهار، ولهم فيها ما يشاءون مما تمنوه وأرادوه، ومثل هذا الجزاء يجزي الله المتقين، وهكذا يكون جزاء التقوى. ويطيب للملائكة قبض أرواح هؤلاء الأتقياء، ويسلمون عليهم، مبشرين لهم بالجنة؛ لأن السلام أمان. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام. وقال مجاهد: إن المؤمن ليبشر بصلاح ولده من بعده، لتقرّ عينه. وتقول لهم أيضا: أبشروا بدخول الجنة بما عملتم في الدنيا من الصالحات.

стр. 4223

والخلاصة: إنه يصدر من الملائكة سلام، وبشارة بالجنة، وبدأ بالسلام لأنه أمان واطمئنان عام، وأتبعه بأمر خاص وهو البشارة. تهديد المشركين على تماديهم في الباطل ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)﴾ المفردات اللغوية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ؟﴾ أي ما ينتظر الكفار المارّ ذكرهم ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ لقبض أرواحهم. ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ هو عذاب الاستئصال، أو يوم القيامة المشتمل على العذاب. ﴿كَذلِكَ﴾ مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب فعل الذين من قبلهم من الأمم، كذبوا رسلهم، فأهلكوا. ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ بإهلاكهم بغير ذنب. ﴿يَظْلِمُونَ﴾ بالكفر. ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أي جزاؤها على حذف المضاف، أو تسمية الجزاء باسم سيئات الأعمال. ﴿وَحاقَ﴾ نزل أو أحاط بهم، وخص في الاستعمال بإحاطة الشر. ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي أحاط بهم جزاء استهزائهم. المناسبة: مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر طعن الكفار في القرآن بقولهم: أساطير الأولين، ثم أتبع ذلك بوعيدهم وتهديدهم، ثم أتبعه بالوعد بالثواب لمن صدق به ووصفه بالخيرية، أردف ذلك ببيان أن أولئك الكفار لا يرتدعون عن

стр. 4224

حالهم إلا أن تأتيهم الملائكة بالتهديد بقبض أرواحهم، أو أمر الله بعذاب الاستئصال (١). ثم نبّه تعالى إلى تشابه الكفار قديما وحديثا في الشرك والتكذيب، وتعرضهم للهلاك جزاء فعلهم والخلاصة: إن هذه الآية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ هي الشبهة الثانية لمنكري النبوة، فإنهم طلبوا من النبي ﷺ أن ينزل الله تعالى ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة، فقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ في التصديق بنبوتك إلا أن تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك؟ (٢). التفسير والبيان: يهدد الله تعالى المشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا، فيقول: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ.﴾. أي ما ينتظر كفار مكة وأمثالهم في التصديق بنبوة النبي محمد ﷺ إلا أن تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك، أو هل ينتظر هؤلاء الكفار الذين طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم؟ ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي أو أن يأتيهم أمر ربك بعذاب الاستئصال في الدنيا كإرسال الصواعق أو الخسف، أو أن يأتي أمر ربك بيوم القيامة، وما يعاينونه من الأهوال، فهم لا ينزجرون عن الكفر إلا بمثل هذه الأمور. والمقصود: حثهم على الإيمان بالله ورسوله قبل أن ينزل بهم أمر لا مرد لهم فيه. ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي هكذا تمادى الذين من قبلهم من المشركين في شركهم، حتى ذاقوا بأس الله، وحل بهم العذاب والنكال.

стр. 4225

﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ.﴾. أي إن ما وقع بهم من العذاب لم يكن بظلم من الله؛ لأنه تعالى أعذر إليهم، وأقام حججه عليهم، بإرسال رسله وإنزال كتبه، ولكن ظلموا أنفسهم بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاؤوا به، فعقبوا، وجوزوا بسوء عملهم، وأحاط بهم من العذاب الأليم ما كانوا به يستهزئون، أي يسخرون من الرسل حين توعدوهم بعقاب الله. فيقال لهم يوم القيامة: ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور ١٤/ ٥٢]. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات جواب عن الشبهة الثانية لمنكري النبوة الذين طلبوا إنزال ملك من السماء يشهد على صدق محمد في ادعاء النبوة. والجواب يدل على إصرارهم على الكفر وتماديهم في الباطل وعزوفهم عن الحق، فهم ما ينتظرون إلا أحد مرين: أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم، أو يأتي أمر الله بالعذاب من القتل كيوم بدر، أو الزلزلة والخسف في الدنيا. وقيل: المراد يوم القيامة. والواقع أن القوم لم ينتظروا هذه الأشياء؛ لأنهم ما آمنوا بها، فاستحقوا العقاب، وكانت عاقبتهم العذاب. ولما أصروا على الكفر، أتاهم أمر الله فهلكوا، وما ظلمهم الله بتعذيبهم وإهلاكهم، كما فعل بأسلافهم، ولكن ظلموا أنفسهم بالشرك. لقد فعل الذين من قبلهم مثلما فعلوا، فأصابهم سيئات ما عملوا، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فأصابهم عقوبات كفرهم، وجزاء خبيث أعمالهم، وعقاب استهزائهم.

стр. 4226

احتجاج الكفار بالقدر وإنكارهم البعث وتشابه مهمة الرسل ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ الإعراب: ﴿الْبَلاغُ﴾ مرتفع بالظرف، لاعتماد الظرف على حرف الاستفهام. ﴿يَهْدِي﴾ فيه ضمير يعود إلى اسم ﴿إِنْ﴾ و ﴿مَنْ﴾ منصوب بيهدي وتقديره: إن الله لا يهدي هو من يضلّ. ومن قرأ ﴿يَهْدِي﴾ كان ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع؛ لأنه نائب فاعل. وفي ﴿يُضِلُّ﴾ ضمير يعود على اسم ﴿إِنْ﴾ ومفعول ﴿يُضِلُّ﴾ محذوف، أي إن الله لا يهدي من يضله الله. ﴿إِنَّما قَوْلُنا﴾ .. ﴿أَنْ نَقُولَ﴾ مبتدأ وخبر.

стр. 4227

البلاغة: ﴿ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ .. ﴿وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فيهما إطناب. ﴿مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ﴿لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ بين كل من الجملتين طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ من أهل مكة ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال البيضاوي: إنما قالوا ذلك استهزاء ومنعا للبعثة والتكليف، متمسكين بأن ما شاء الله يجب، وما لم يشأ يمتنع. وهذا نظير آية أخرى: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا﴾ [الأنعام ١٤٨/ ٦] وهذا احتجاج بالقدر، وهي حجة باطلة داحضة، باتفاق العقلاء والعلماء، كما قال ابن تيمية، لهذا رد الله عليهم هنا بقوله: ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وفي سورة الأنعام [١٤٨] بقوله: ﴿قُلْ:﴾ ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا، إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ والراجح أنهم لم يقولوا ذلك استهزاء، وإنما اعتراضا على الله تعالى. والرد عليهم أن الله تعالى يفعل في ملكه ما يشاء ولا يجوز الاعتراض عليه، ولبعثة الرسل فائدة: وهي الأمر بعبادة الله والنهي عن عبادة الطاغوت، وأما علم الله بالشيء فلا اطلاع لنا عليه. ﴿وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ من البحائر والسوائب، أي فإشراكنا وتحريمنا بمشيئة الله، فهو راض به ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فأشركوا بالله وكذبوا رسله فيما جاؤوا به، وحرموا حلاله، وهو جواب عن الشبهتين المتقدمتين. ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي فما على الرسل إلا الإبلاغ البيّن، وليس عليهم الهداية، ولكنه يؤدي إلى الهدى على سبيل التوسط، وما شاء الله وقوعه إنما يجب وقوعه لا مطلقا، بل بأسباب قدّرها له. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ كما بعثناك في هؤلاء المشركين، أي إن البعثة-كما قال البيضاوي-أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها، سببا لهدى من أراد اهتداءه، وزيادة الضلال لمن أراد إضلاله، كالغداء الصالح، فإنه ينفع المزاج السوي ويقويه، ويضر المنحرف ويفنيه. وهو دليل على أن الله تعالى آمر أبدا في جميع الأمم بالإيمان وناه عن الكفر. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ أي بأن اعبدوا الله، أي وحّدوه ﴿وَاجْتَنِبُوا﴾ أي اتركوا الأوثان أن تعبدوها، وهو أمر بعبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت. والطاغوت: كل ما عبد من دون الله، والمراد: اجتنبوا ما يدعو إليه مما نهى عنه الشرع، ويشمل الطاغوت الشيطان والكاهن والصنم وكل من دعا إلى ضلال.

стр. 4228

﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ﴾ فآمن، بأن وفقهم للإيمان بإرشادهم ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أي وجبت عليه الضلالة في علم الله فلم يؤمن، بأن لم يوفقهم ولم يرد هداهم. ووجبت أي ثبتت بالقضاء الأزلي السابق؛ لإصراره على الكفر والعناد. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي يا معشر قريش ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ رسلهم من الهلاك، مثل عاد وثمود وغيرهم، لعلكم تعتبرون ﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾ يا محمد ﴿عَلى هُداهُمْ﴾ وقد أضلهم الله، لا تقدر على ذلك ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ هذا معنى من حقت عليه الضلالة، أي من يريد ضلاله، ولكنه لم يأمره به، وإنما على العكس أمره وأمر العالم كله بالإيمان ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ ما نعين من عذاب الله، بأن ينصرهم بدفع العذاب عنهم. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ غاية اجتهادهم فيها ﴿بَلى﴾ يبعثهم ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكدان لنفسهما منصوبان بفعلهما المقدر، أي وعد ذلك وحقه حقا ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾ أي أهل مكة ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي أنهم مبعوثون، إما لعدم علمهم بمقتضى الحكمة التي يراعيها الله عادة، وإما لقصر نظرهم على المألوف، فيتوهمون امتناعه. ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ متعلق بقوله: يبعثهم المقدر، أي يبعثهم ليبين ﴿لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ مع المؤمنين، من أمر الدين الحق، بتعذيبهم وإثابة المؤمنين ﴿أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ في إنكار البعث المميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل بالثواب والعقاب ﴿إِذا أَرَدْناهُ﴾ أردنا إيجاده ﴿فَيَكُونُ﴾ فهو يكون. وهذه الآية: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ.﴾. لتقرير القدرة على البعث وبيان إمكانه؛ لأن تكوين الله تعالى بمحض قدرته ومشيئته، ولا يتوقف على سبق المواد والمدد، وإلا لزم التسلسل، فكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادة، يمكن له تكوينها مرة أخرى. سبب النزول: نزول الآية (٣٨): ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ.﴾. قال الربيع بن أنس، عن أبي العالية: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت، فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك لتبعث بعد الموت؟! فأقسم بالله لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

стр. 4229

المناسبة: في هذه الآيات شبهتان، أما آيات ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا.﴾. فهي الشبهة الثالثة لمنكري النبوة بعد إيراد الشبهتين المتقدمتين، وتقريرها: أنهم تمسكوا بصحة القول بالجبر على الطعن في النبوة، فقالوا: لو شاء الله الإيمان لحصل الإيمان، سواء جئت أو لم تجئ، ولو شاء الله الكفر، فإنه يحصل الكفر، سواء جئت أو لم تجئ، وإذا كان الأمر كذلك، فالكل من الله، ولا فائدة في مجيئك وإرسالك، فكان القول بالنبوة باطلا. وأما آيات: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ.﴾. فهي الشبهة الرابعة لمنكري النبوة، ومفادها أنهم قالوا: الاعتقاد بالبعث والحشر والنشر باطل، فكان القول بالنبوة باطلا من وجهين: الأول-أن محمدا كان داعيا إلى التصديق بالمعاد، فإذا بطل ذلك، ثبت أنه كان داعيا إلى القول الباطل، فهو ليس رسولا صادقا. الثاني-أنه يقرر نبوة نفسه ووجوب طاعته، بناء على الترغيب في الثواب والترهيب من العقاب، وإذا بطل ذلك، بطلت نبوته. ورد الله عليهم مقالهم كله بأنه كلام قد سبق بمثله المكذبون من الأمم القديمة، وما على الرسل إلا التبليغ، وليس عليهم الهداية، والله تعالى لا يجبر أحدا على الهداية أو الضلالة، وإنما يختار الإنسان لنفسه ما يريد، والله سبحانه خلق للناس قدرة الاختيار بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ فلا يصح الاحتجاج بمشيئته تعالى، بعد أن خلق لهم من الاختيار ما يكفي.

стр. 4230

التفسير والبيان: أجاب الله تعالى في هذه الآيات عن شبهتين للكفار منكري النبوة، الأولى منهما هي الشبهة الثالثة لهم المتضمنة اغترارهم بما هم فيه من الإشراك واعتذارهم الواهي محتجين بالقدر: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا.﴾. أي وقال المشركون بالله عبدة الأصنام والأوثان، معتذرين عن شركهم، محتجين بالقدر بقولهم: ما نعبد هذه الأصنام إلا بمشيئة الله، فلو شاء الله ما عبدناهم، ولا حرّمنا هذه المحرّمات من البحائر والسوائب والوصائل (١) ونحو ذلك مما ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم، ما لم ينزّل به سلطانا، ما حرمناها إلا برضا الله، ولو كان تعالى كارها لما فعلنا، لأنكره علينا بالعقوبة، ولما مكننا منه. وهذه الشبهة هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا، وَلا آباؤُنا، وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [١٤٨]. وقصدهم من ذلك-كما ذكر الشوكاني في فتح القدير-الطعن في الرسالة، أي لو كان ما قاله الرسول حقا آتيا من الله من منع عبادة غير الله، ومنع تحريم ما لم يحرمه الله، لم يقع منا ما يخالف ما أراده الله منا، فإنه قد شاء ذلك، وما شاءه كان وما لم يشأ لم يكن، فلما عبدنا غيره وحرمنا ما لم يحرمه، دل على أن فعلنا مطابق لمراده وموافق لمشيئته، وهم في الحقيقة لا يقرون بذلك، ولكنهم قصدوا الطعن على الرسل. ورد الله تعالى عليهم شبهتهم بقوله: ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي أن ذلك ليس جديدا في الاعتقاد الفاسد، فمثل قولهم حدث ممن قبلهم من الأمم

стр. 4231

حين كذبوا الرسل، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فهؤلاء سلكوا سبيل أسلافهم في تكذيب الرسل واتباع الضلال. ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي فهم مخطئون فيما يقولون، وليس الأمر كما يزعمون أنه تعالى لم ينكره عليهم، بل قد أنكره عليهم أشد الإنكار، ونهاهم عنه أشد النهي، وأرسل في كل أمة أو قرن أو طائفة من الناس رسولا يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عن عبادة ما سواه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦]. فمنهم من هداه الله ووفقه فآمن وامتثل، ومنهم من أعرض وتنكر، فحقت عليه الضلالة وكلمة العذاب لإصراره على الكفر والعصيان. وما على الرسل الذين أمروا بتبليغ رسالات ربهم إلا إبلاغ الرسالة والوحي وإيضاح طريق الحق، ومنه أن مشيئته تعالى تتوجه بالهداية لمن تعلق بها، كما قال: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ٨/ ٩١ - ١٠] وقال: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ [العنكبوت ٦٩/ ٢٩]. وليس من وظيفة هؤلاء الرسل إلجاء الناس إلى الإيمان، فذلك ليس من شأنهم، ولا هو من الحكمة. أي إن الثواب والعقاب مرتبطان بأمرين: مشيئة الله تعالى، واتجاه العبد إلى تحصيل الأسباب المؤدية إلى النجاة أو الهلاك. وهداية الله نوعان: هداية إرشاد ودلالة، وهذا ما يقوم به الرسل والكتب المنزلة عليهم، وهداية توفيق وعون، وهذا متعلق بسلوك العبد أصل طريق الهداية والإيمان، فمن آمن زاده الله توفيقا إلى الخير، ومن ضل وكفر وأعرض أضله الله وأبعده عن جادة الحق والخير. ثم إن أمر الله جميع الناس بالإيمان غير إرادته ومشيئته.

стр. 4232

ثم أبان الله تعالى عموم بعثة الرسل لكل الأمم فقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً.﴾. أي إن سنته تعالى في خلقه إرسال الرسل إليهم، وأمرهم بعبادة الله، ونهيهم عن عبادة الطاغوت: وهو كل ما عبد من دون الله من الأوثان والأصنام والكواكب والشيطان وغيرها، فلقد أرسل في كل أمة رسولا منذ حدث الشرك في قوم نوح، وكان نوح ﵇ أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، إلى أن ختمهم بمحمد ﷺ الذي كانت دعوته عامة للإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كان يقول: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥/ ٢١] وقوله: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا، أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف ٤٥/ ٤٣]. فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. والخلاصة: إن المشيئة الشرعية للكفر منتفية غير مرادة؛ لأنه تعالى نهى الناس عن الكفر على ألسنة رسله. وأما المشيئة الكونية وهي تمكين بعض الناس من الكفر وتقديره لهم على وفق اختيارهم، فلا حجة لهم فيها؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حكمة بالغة (١). ثم إنه تعالى أنكر على الكفرة المكذبين بإنزال العقوبة عليهم في الدنيا بعد إنذار الرسل فقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ.﴾. أي فبعض الناس هداهم الله ووفقهم لتصديق الرسل، ففازوا ونجوا، ومنهم من كفر بالله وكذبوا رسله، فعاقبهم الله تعالى. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ.﴾. أي اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل،

стр. 4233

وكذب الحق، كعاد وثمود، كيف أهلكهم الله بذنوبهم: ﴿دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ [محمد ١٠/ ٤٧] فانظروا كيف كان مصير المكذبين رسلهم، لتعتبروا بعاقبتهم. ثم خصص الله الخطاب برسوله مسليا له عما يقابله قومه من جحود فقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ.﴾. أي إن تحرص يا محمد على هداية قومك، فلا ينفعهم حرصك إذا كان الله قد أراد إضلالهم بسوء اختيارهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ [المائدة ٤١/ ٥] وقال تعالى حكاية لقول نوح لقومه: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ، إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ، هُوَ رَبُّكُمْ﴾ [هود ٣٤/ ١١] وقال لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص ٥٦/ ٢٨]. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ أي وليس لمن اختاروا الضلالة ناصرون ينقذونهم من عذاب الله وعقابه؛ لأن أساس الحساب على الإيمان والكفر الاختيار، لا الإكراه والإلجاء. ثم ذكر تعالى الشبهة الرابعة لمنكري النبوة، فقالوا: اعتقاد البعث والحشر والنشر باطل، فكان القول بالنبوة باطلا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ.﴾. أي حلف المشركون، واجتهدوا في الحلف، وأغلظوا الأيمان على أنه لا يبعث الله من يموت، أي أنهم استبعدوا البعث، وكذبوا الرسل في إخبارهم إياهم به؛ لأن الميت يفنى ويزول. فرد الله تعالى عليهم بقوله: بلى سيكون ذلك، ووعد به وعدا حقا لا بد منه، ولكن أكثر الناس لجهلهم بقدرة الله خالفوا الرسل ووقعوا في الكفر. وحكمة الله في المعاد هي ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي ليبين للناس الحق فيما يختلفون فيه من كل شيء، ويقيم العدل المطلق فيميز الخبيث من

стр. 4234

الطيب، والطائع من العاصي، والظالم من المظلوم، ويجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. أي وليعلم الكافرون علم اليقين الذين أنكروا البعث والجزاء أنهم كانوا كاذبين في أيمانهم وأقوالهم: لا يبعث الله من يموت، وتقول لهم زبانية النار: ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ، أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ، اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا، سَواءٌ عَلَيْكُمْ، إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٤/ ٥٢ - ١٦]. وناسب الكلام في البعث أنه تعالى أخبر عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فقال: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ.﴾. أي إنا إذا أردنا شيئا من الخلق والإعادة والبعث للأموات والمعاد، فإنما يتم بالأمر به مرة واحدة، فيكون كما يشاء الله، دون عناء ولا تردد، ولا بط ء ولا تكلف، كما قال سبحانه: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠/ ٥٣] وقال: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل ٧٧/ ١٦] وقال: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان ٢٨/ ٣١] وقال: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إن بعثة الرسل في كل الأمم عامة شاملة، وهدفها واحد وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الطاغوت أي ترك كل معبود دون الله، كالشيطان والكاهن والصنم، وكذا كل من دعا إلى الضلال. ٢ - الناس أمام دعوة الرسل فريقان: فريق أرشده الله إلى دينه وعبادته،

стр. 4235

وفريق أضله الله في قضائه السابق حتى مات على الكفر، وكل من الفريقين اختار لنفسه ما يحلو، وعلم الله واسع محيط بكل شيء، علم الله من كل فريق ما سيختار، فكان قضاؤه السابق مطابقا لما سيحدث، وعلم الله لا يتغير. وسنة الله قديمة مع العباد، وهي أنه يأمر الكل بالإيمان، وينهاهم عن الكفر، ثم يخلق الإيمان في البعض، والكفر في البعض، حسبما علم من توجه العبد إلى منحاه. ٣ - العاقل من يعتبر ويتعظ بما حل بفريق الضالين المكذبين، كيف آل أمرهم إلى الدمار والخراب والعذاب والهلاك. ٤ - لا جدوى ولا فائدة من حرص النبي ﷺ أو غيره على هداية أحد بجهده وتصميمه إن سبق في علم الله الضلالة له، فإنه تعالى لا يرشد من أضله، بعد أن ضل سواء السبيل. وليس للضالين من ناصرين ولا من شافعين ولا من رفاق ينقذونهم من العذاب الذي استحقوه على ضلالهم وكفرهم. ٥ - الكل يعجب من حماقة المشركين وجهلهم حينما يغلظون الأيمان ويؤكدون القسم بأن الله لا يبعث من يموت. لذا رد الله عليهم بأن البعث حق مؤكد لا شك فيه، ولا بد من وقوعه، وإن كان أكثر الناس يجهلون أنهم مبعوثون. ٦ - الحكمة من البعث والمعاد واضحة وهي إظهار الله الحق فيما يختلف فيه الناس من أمر البعث وكل شيء، وإعلام الكافرين بالبعث الذين أقسموا على إنكاره أنهم كانوا كاذبين في أيمانهم وأقسامهم: لا يبعث الله من يموت. ٧ - لله القدرة المطلقة الهائلة، فإذا أراد أن يبعث من يموت فلا تعب عليه ولا نصب في إحيائهم، ولا في غير ذلك مما يحدثه في الكون؛ لأنه إنما يقول له: كن فيكون.

стр. 4236

جزاء المهاجرين وبشرية الرسل ومهمة النبي ﷺ في بيان القرآن، وتهديد الكافرين ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ الإعراب: ﴿حَسَنَةً﴾ صفة للمصدر، أي لنبوئنهم تبوئة حسنة. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا.﴾. الذين: إما بدل مرفوع من ﴿الَّذِينَ هاجَرُوا﴾ وإما بدل منصوب من الهاء والميم في ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ أو منصوب بتقدير: أعني.

стр. 4237

﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾ حال من الفاعل أو المفعول. ﴿سُجَّداً لِلّهِ﴾ حال من الظلال ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ حال من ضمير ﴿ظِلالُهُ﴾ الذي هو في معنى الجمع ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ حال. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ حال من: هم. البلاغة: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا﴾ استفهام بمعنى الإنكار. ﴿لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ من صيغ المبالغة. ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ﴾ .. ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ عطف خاص على عام لتعظيم الملائكة وتكريمهم. ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَشْعُرُونَ﴾ ﴿داخِرُونَ﴾ ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يُؤْمَرُونَ﴾ بأسلوب السجع اللطيف. ﴿الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ﴾ هم النبي ﷺ وأصحابه، وقد كانت الهجرة من مكة إلى المدينة في صدر الإسلام فرضا، ثم قال النبي ﷺ فيما أخرجه الشيخان عن ابن عباس: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» أي أن الهجرة أصبحت هي ترك سيئات الأعمال: «والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه» والهجرة: ترك الوطن في سبيل الله لإقامة دينه ﴿مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ بالأذى من أهل مكة ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ لننزلنهم في الدنيا منزلا حسنا ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي أن الجنة أعظم ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الضمير للكفار، أي لو علموا أن الله يمنح المهاجرين خير الدارين لوافقوهم، أو للمهاجرين، أي لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم، أو للمتخلفين عن الهجرة، أي لو علموا ما للمهاجرين من الكرامة لبادروا إلى الهجرة. وفي هذا ترغيب في الهجرة وفي طاعة الله تعالى؛ لأنه بالهجرة قوي الإسلام. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ هم الصابرون على الشدائد من أذى المشركين، والهجرة لإظهار الدين. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي منقطعين إلى الله تعالى مفوضين إليه الأمر كله. ﴿إِلاّ رِجالاً﴾ لا ملائكة، وهو رد لقول قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. وفي هذا دلالة واضحة أن النبوة لا تكون إلا في الرجال، وليس في النساء نبية. ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ العلماء بالتوراة والإنجيل، أي أهل الكتاب العالمين ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، فإنهم يعلمونه، وأنتم أقرب إلى تصديقهم من تصديق المؤمنين بمحمد ﷺ ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ متعلق بمحذوف، أي أرسلناهم بالبينات أي الحجج الواضحة، والبينة: هي المعجزة الدالة على صدق الرسول ﴿الزُّبُرِ﴾ الكتب، أي كتب الشرائع وتكاليف العباد، جمع زبور ﴿الذِّكْرَ﴾ القرآن، وسمي ذكرًا؛ لأنه موعظة وتنبيه ﴿لِتُبَيِّنَ

стр. 4238

لِلنّاسِ﴾ لتوضح أسرار التشريع ﴿ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ في القرآن من الحلال والحرام، والتبيين: أعم من أن ينص على المقصود، أو يرشد إلى ما يدل عليه كالقياس ودليل العقل ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي وإرادة أن يتأملوا فيه، فيتنبهوا للحقائق، ويعتبروا. ﴿مَكَرُوا﴾ المكرات السيئات، والمكر: السعي بالفساد خفية ﴿السَّيِّئاتِ﴾ أي الأعمال التي تسوء عاقبتها، وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الذين مكروا بالنبي ﷺ في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه، كما ذكر في سورة الأنفال [٣٠] وراموا صد أصحابه عن الإيمان ﴿يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ مثلما فعل بقارون، أي بأن يذهبهم ويغوّر بهم في أعماق الأرض. ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي من جهة لا تخطر ببالهم، بأن يأتيهم العذاب بغتة من جانب السماء، كما فعل بقوم لوط، وكما أهلك المشركين في بدر، ولم يكونوا يقدرون على النجاة. ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ في أسفارهم في البلاد للتجارة، مثل قوله تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ [آل عمران ١٩٦/ ٣]. ﴿فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين الله تعالى بالهرب والفرار من العذاب ﴿تَخَوُّفٍ﴾ مع تخوف وتوقع للبلايا أو تنقص شيئا فشيئا في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا، روي أن عمر ﵁ قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص، فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعر أبو كبير يصف ناقته: تخوّف الرحل منها تامكا قردا... كما تخوف عود النبعة السّفن (١) فقال عمر: عليكم بديوانكم، لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ له ظل كشجرة وجبل ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ﴾ يميل من جانب إلى جانب، وقرئ «تتفيؤا» وكلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع، والظلال: جمع ظل: وهو ما يكون أول النهار قبل أن تناله الشمس ﴿وَالشَّمائِلِ﴾ جمع شمال، والمراد باليمين والشمائل: أي عن جانبي الشيء أول النهار وآخره. ﴿سُجَّداً لِلّهِ﴾ أي خاضعين له بما يراد منهم، والسجود: الانقياد والخضوع ﴿وَهُمْ﴾ الظلال، نزلوا منزلة العقلاء ﴿داخِرُونَ﴾ صاغرون منقادون. ﴿مِنْ دابَّةٍ﴾ نسمة تدب على السماء والأرض، أي تخضع له بما يراد منها، وغلب في الإتيان بما: ما لا يعقل لكثرته ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يتكبرون عن عبادته ﴿يَخافُونَ﴾ أي

стр. 4239

الملائكة، حال من ضمير ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ حال، أي عاليا عليهم بالقهر والغلبة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ [الأعراف ١٢٧/ ٧]. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى موقف الكفار في إنكار البعث والقيامة، الدال على التمادي في الغي والجهل والضلال، أبان حكم الهجرة عن تلك الديار ورغب فيها، تخلصا مما يقدم عليه أولئك الكفار من إيذاء المسلمين وإضرارهم وعقوبتهم، قال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في ستة من الصحابة: صهيب، وبلال، وعمار، وخباب، وعابس، وجبير، موليين لقريش، فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام، أما صهيب فقال لهم: أنا رجل كبير إن كنت لكم، لم أنفعكم، وإن كنت عليكم، لم أضركم، فافتدى منهم بماله، فلما رآه أبو بكر قال: ربح البيع يا صهيب، وقال عمر: نعم الرجل صهيب، لو لم يخف الله، لم يعصه، وهو ثناء عظيم، يريد به: لو لم يخلق الله النار لأطاعه، فكيف ظنك به، وقد خلقها؟ وأما سائرهم فقد قالوا بعض ما أراد أهل مكة من كلمة الكفر والرجوع عن الإسلام، فتركوا عذابهم، ثم هاجروا، فنزلت هذه الآية (١). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال في هذه الآية: هؤلاء أصحاب محمد ﷺ ، أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة، بوّأهم الله المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. ثم ذكر الله تعالى الشبهة الخامسة لمنكري النبوة الذين قالوا: الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدا من البشر، بل لو أراد بعثة رسول إلينا، لكان

стр. 4240

يبعث ملكا، ثم أجاب عن هذه الشبهة بأن سنة الله تعالى وعادته أن يبعث رسولا من البشر. ثم هددهم بخسف الأرض بهم، أو بعذاب من السماء بغتة؛ لأن لله قدرة كاملة في السماء والأرض، والمخلوقات كلها تنقاد له وتخضع لأمره. التفسير والبيان: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ.﴾. هذه الآية تحدد جزاء المهاجرين في سبيل الله، ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان، رجاء ثواب الله وجزائه، والمعنى: والذين فارقوا ديارهم وأوطانهم، وتركوا أموالهم وأولادهم في سبيل الله، وحبا في إرضائه، وذهبوا إلى ديار أخرى، بعد أن ظلموا، وأوذوا من الأعداء، لننزلنهم في الدنيا دارا أو بلدة حسنة، ومنزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم وعلى العرب قاطبة وعلى أهل المشرق والمغرب. فالحسنة: هي المنزلة الطيبة والمسكن المرضي والموطن الأصلح وهو المدينة، كما قال ابن عباس والشعبي وقتادة. وقال مجاهد: هي الرزق الطيب، قال ابن كثير: ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم، فعوضهم الله خيرا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئا لله، عوضه الله بما هو خير له منه، وكذلك أصبحوا سادة العباد والبلاد. فالحسنة: هي المنزلة الرفيعة المادية والمعنوية. ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ.﴾. أي وثوابهم في الآخرة على هجرتهم أعظم مما أعطيناهم في الدّنيا؛ لأن ثوابه هو الجنة ذات النعيم الدائم الذي لا يفنى، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾: الضمير للكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدّنيا والآخرة، لرغبوا في دينهم. ويجوز أن يرجع الضمير إلى
следующие страницы →