﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾ حال من الفاعل أو المفعول. ﴿سُجَّداً لِلّهِ﴾ حال من الظلال ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ حال من ضمير ﴿ظِلالُهُ﴾ الذي هو في معنى الجمع ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ حال.
﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ حال من: هم.
البلاغة:
﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا﴾ استفهام بمعنى الإنكار.
﴿لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ من صيغ المبالغة.
﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ﴾ .. ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ عطف خاص على عام لتعظيم الملائكة وتكريمهم.
﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَشْعُرُونَ﴾ ﴿داخِرُونَ﴾ ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يُؤْمَرُونَ﴾ بأسلوب السجع اللطيف.
﴿الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ﴾ هم النبي ﷺ وأصحابه، وقد كانت الهجرة من مكة إلى المدينة في صدر الإسلام فرضا، ثم
قال النبي ﷺ فيما أخرجه الشيخان عن ابن عباس: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» أي أن الهجرة أصبحت هي ترك سيئات الأعمال: «والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه» والهجرة:
ترك الوطن في سبيل الله لإقامة دينه ﴿مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ بالأذى من أهل مكة ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ لننزلنهم في الدنيا منزلا حسنا ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي أن الجنة أعظم ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الضمير للكفار، أي لو علموا أن الله يمنح المهاجرين خير الدارين لوافقوهم، أو للمهاجرين، أي لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم، أو للمتخلفين عن الهجرة، أي لو علموا ما للمهاجرين من الكرامة لبادروا إلى الهجرة. وفي هذا ترغيب في الهجرة وفي طاعة الله تعالى؛ لأنه بالهجرة قوي الإسلام.
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ هم الصابرون على الشدائد من أذى المشركين، والهجرة لإظهار الدين.
﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي منقطعين إلى الله تعالى مفوضين إليه الأمر كله. ﴿إِلاّ رِجالاً﴾ لا ملائكة، وهو رد لقول قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. وفي هذا دلالة واضحة أن النبوة لا تكون إلا في الرجال، وليس في النساء نبية. ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ العلماء بالتوراة والإنجيل، أي أهل الكتاب العالمين ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، فإنهم يعلمونه، وأنتم أقرب إلى تصديقهم من تصديق المؤمنين بمحمد ﷺ ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ متعلق بمحذوف، أي أرسلناهم بالبينات أي الحجج الواضحة، والبينة: هي المعجزة الدالة على صدق الرسول ﴿الزُّبُرِ﴾ الكتب، أي كتب الشرائع وتكاليف العباد، جمع زبور ﴿الذِّكْرَ﴾ القرآن، وسمي ذكرًا؛ لأنه موعظة وتنبيه ﴿لِتُبَيِّنَ
стр. 4238
لِلنّاسِ﴾ لتوضح أسرار التشريع ﴿ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ في القرآن من الحلال والحرام، والتبيين: أعم من أن ينص على المقصود، أو يرشد إلى ما يدل عليه كالقياس ودليل العقل ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي وإرادة أن يتأملوا فيه، فيتنبهوا للحقائق، ويعتبروا.
﴿مَكَرُوا﴾ المكرات السيئات، والمكر: السعي بالفساد خفية ﴿السَّيِّئاتِ﴾ أي الأعمال التي تسوء عاقبتها، وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الذين مكروا بالنبي ﷺ في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه، كما ذكر في سورة الأنفال [٣٠] وراموا صد أصحابه عن الإيمان ﴿يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ مثلما فعل بقارون، أي بأن يذهبهم ويغوّر بهم في أعماق الأرض.
﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي من جهة لا تخطر ببالهم، بأن يأتيهم العذاب بغتة من جانب السماء، كما فعل بقوم لوط، وكما أهلك المشركين في بدر، ولم يكونوا يقدرون على النجاة.
﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ في أسفارهم في البلاد للتجارة، مثل قوله تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ [آل عمران ١٩٦/ ٣]. ﴿فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين الله تعالى بالهرب والفرار من العذاب ﴿تَخَوُّفٍ﴾ مع تخوف وتوقع للبلايا أو تنقص شيئا فشيئا في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا، روي أن عمر ﵁ قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال:
هذه لغتنا، التخوف: التنقص، فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعر أبو كبير يصف ناقته:
تخوّف الرحل منها تامكا قردا... كما تخوف عود النبعة السّفن (١)
فقال عمر: عليكم بديوانكم، لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم.
﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ له ظل كشجرة وجبل ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ﴾ يميل من جانب إلى جانب، وقرئ «تتفيؤا» وكلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع، والظلال: جمع ظل: وهو ما يكون أول النهار قبل أن تناله الشمس ﴿وَالشَّمائِلِ﴾ جمع شمال، والمراد باليمين والشمائل: أي عن جانبي الشيء أول النهار وآخره. ﴿سُجَّداً لِلّهِ﴾ أي خاضعين له بما يراد منهم، والسجود: الانقياد والخضوع ﴿وَهُمْ﴾ الظلال، نزلوا منزلة العقلاء ﴿داخِرُونَ﴾ صاغرون منقادون. ﴿مِنْ دابَّةٍ﴾ نسمة تدب على السماء والأرض، أي تخضع له بما يراد منها، وغلب في الإتيان بما: ما لا يعقل لكثرته ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يتكبرون عن عبادته ﴿يَخافُونَ﴾ أي
стр. 4239
الملائكة، حال من ضمير ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ حال، أي عاليا عليهم بالقهر والغلبة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ [الأعراف ١٢٧/ ٧].
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى موقف الكفار في إنكار البعث والقيامة، الدال على التمادي في الغي والجهل والضلال، أبان حكم الهجرة عن تلك الديار ورغب فيها، تخلصا مما يقدم عليه أولئك الكفار من إيذاء المسلمين وإضرارهم وعقوبتهم، قال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في ستة من الصحابة: صهيب، وبلال، وعمار، وخباب، وعابس، وجبير، موليين لقريش، فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام، أما صهيب فقال لهم: أنا رجل كبير إن كنت لكم، لم أنفعكم، وإن كنت عليكم، لم أضركم، فافتدى منهم بماله، فلما رآه أبو بكر قال:
ربح البيع يا صهيب، وقال عمر: نعم الرجل صهيب، لو لم يخف الله، لم يعصه، وهو ثناء عظيم، يريد به: لو لم يخلق الله النار لأطاعه، فكيف ظنك به، وقد خلقها؟ وأما سائرهم فقد قالوا بعض ما أراد أهل مكة من كلمة الكفر والرجوع عن الإسلام، فتركوا عذابهم، ثم هاجروا، فنزلت هذه الآية (١).
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال في هذه الآية:
هؤلاء أصحاب محمد ﷺ ، أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة، بوّأهم الله المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين.
ثم ذكر الله تعالى الشبهة الخامسة لمنكري النبوة الذين قالوا: الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدا من البشر، بل لو أراد بعثة رسول إلينا، لكان
стр. 4240
يبعث ملكا، ثم أجاب عن هذه الشبهة بأن سنة الله تعالى وعادته أن يبعث رسولا من البشر.
ثم هددهم بخسف الأرض بهم، أو بعذاب من السماء بغتة؛ لأن لله قدرة كاملة في السماء والأرض، والمخلوقات كلها تنقاد له وتخضع لأمره.
التفسير والبيان:
﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ.﴾. هذه الآية تحدد جزاء المهاجرين في سبيل الله، ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان، رجاء ثواب الله وجزائه، والمعنى: والذين فارقوا ديارهم وأوطانهم، وتركوا أموالهم وأولادهم في سبيل الله، وحبا في إرضائه، وذهبوا إلى ديار أخرى، بعد أن ظلموا، وأوذوا من الأعداء، لننزلنهم في الدنيا دارا أو بلدة حسنة، ومنزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم وعلى العرب قاطبة وعلى أهل المشرق والمغرب. فالحسنة: هي المنزلة الطيبة والمسكن المرضي والموطن الأصلح وهو المدينة، كما قال ابن عباس والشعبي وقتادة. وقال مجاهد: هي الرزق الطيب، قال ابن كثير: ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم، فعوضهم الله خيرا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئا لله، عوضه الله بما هو خير له منه، وكذلك أصبحوا سادة العباد والبلاد.
فالحسنة: هي المنزلة الرفيعة المادية والمعنوية.
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ.﴾. أي وثوابهم في الآخرة على هجرتهم أعظم مما أعطيناهم في الدّنيا؛ لأن ثوابه هو الجنة ذات النعيم الدائم الذي لا يفنى، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾: الضمير للكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدّنيا والآخرة، لرغبوا في دينهم. ويجوز أن يرجع الضمير إلى
стр. 4241
المهاجرين، أي لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم. أو لو علم المتخلفون عن الهجرة معهم ما ادّخر الله لمن أطاعه واتّبع رسوله.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك ربّك في الدّنيا، وما ذخر لك في الآخرة أكثر.
ثم وصفهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا.﴾. أي هم الذين صبروا أو أعني الذين صبروا على الأذى من قومهم والعذاب، وعلى مفارقة الوطن المحبوب، وهو حرم الله، وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله، وعناء السفر ومتاعب الغربة، وتوكّلوا على ربّهم، أي فوّضوا أمورهم إليه، فأحسن عاقبتهم في الدّنيا والآخرة.
قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون سبب نزول الآية في مهاجرة الحبشة الذين اشتدّ أذى قومهم لهم بمكة، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة، ليتمكّنوا من عبادة ربّهم. ومن أشرافهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وجعفر بن أبي طالب ابن عمّ الرّسول ﷺ ، وأبو سلمة بن عبد الأسود، في جماعة قريب من ثمانين، ما بين رجل وامرأة، صدّيق وصدّيقة ﵃ وأرضاهم، وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدّنيا والآخرة (١)، وهذا هو الصحيح في سبب نزول هذه الآية، كما ذكر ابن عطية.
ثم أجاب الله تعالى عن الشّبهة الخامسة لمنكري النّبوة المذكورة في هذه السورة وهي بشريّة الرّسل، فقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ.﴾. أي وما أرسلنا للناس رسولا من أهل السماء أي ملائكة، وإنما أرسلنا رجالا من أهل الأرض نوحي إليهم أوامرنا ونواهينا، فلم نرسل إلى قومك يا محمد إلا كما أرسلنا إلى
стр. 4242
من قبلهم من الأمم، أي رسلا من جنسهم وطبيعتهم: ﴿قُلْ: سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء ٩٣/ ١٧]، ﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف ١١٠/ ١٨].
قال ابن عباس: لما بعث الله محمدا ﷺ رسولا، أنكرت العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ.﴾. الآية.
﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ.﴾. أي فاسألوا أهل العلم وأهل الكتب الماضية:
أبشرا كانت الرّسل إليهم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد ﷺ رسولا.
﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ.﴾. أي أرسلناهم بالحجج والدلائل التي تشهد لهم بصدق نبوّتهم، وبالكتب المشتملة على التّشريع الرّبّاني. والزّبر: جمع زبور أي كتاب، تقول العرب: زبرت الكتاب: إذا كتبته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥/ ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر ٥٢/ ٥٤]. وفي الآية: ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ﴾ تقديم وتأخير، أي ما أرسلنا من قبلك بالبيّنات والزّبر إلا رجالا، أي غير رجال، فكلمة ﴿إِلاّ﴾ بمعنى غير، كقوله: لا إله إلا الله.
﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ.﴾. أي وكما أنزلنا الكتب إلى من قبلك يا محمد، أنزلنا إليك القرآن، لتبيّن للناس ما أنزل إليهم من ربّهم من الشرائع والأحكام والحلال والحرام وقصص الأمم الماضية التي أبيدت وأهلكت لتكذيبها الأنبياء، لعلمك بمعاني ما أنزل الله عليك.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي ومن أجل أن يتفكّروا وينظروا في حقائق الكون وأسرار الحياة وعبر التاريخ، فيهتدون، ويفوزون بالنّجاة في الدّارين.
стр. 4243
وبعد فتح باب الأمل أمامهم، حذّرهم تعالى سوء ما هم عليه من الكفر والعصيان، فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ.﴾. أي إنه تعالى يخبر عن حلمه وإمهاله العصاة الذين يعملون السّيئات ويدعون إليها، ويمكرون بالناس في دعائهم لما هم عليه من الضلال. والمكر في اللغة: عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء.
والمعنى: أفأمن الذين مكروا السيئات برسول الله ﷺ وهم أهل مكة، وحاولوا صدّ الناس عن الإيمان بدعوته، أحد أمور أربعة:
الأول-أن يخسف بهم الأرض، كما فعل بقارون.
الثاني-أو يأتيهم العذاب فجأة من حيث لا يشعرون به، كما صنع بقوم لوط.
الثالث-أو يأخذهم في تقلّبهم في الليل والنهار أو في أسفارهم ومتاجرهم واشتغالهم في المعايش والأشغال الملهية، فلا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه.
الرابع-أو يأخذهم على تخوّف أي في حال خوفهم بأن يهلك الله قوما، فيتخوّفوا، فيأخذهم بالعذاب، وهم متخوفون متوقعون، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ فإن العذاب المتوقّع مع الخوف الشديد أبلغ وأشدّ من حال المفاجأة؛ لأن العقاب في حال الإرهاب، وإنهاك الأعصاب، وإخافة النفوس أشدّ من العقاب المفاجئ. وقيل: التّخوّف: التّنقص من الأموال والأرزاق، والأنفس، على لغة هذيل كما بيّنّا.
﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ أي إن الله تعالى لم يعجل بعذابهم، ولم يعاجلهم بالعقوبة؛ لأنه رؤف رحيم بعباده، فترك لهم وقتا يتمكنون من تلافي التّقصير، واستدراك الأخطاء، والعدول عن الضّلال.
стр. 4244
ثبت في الصحيحين: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم»
وثبت فيهما أيضا: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢/ ١١]».
ونظير الآية: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها، وَهِيَ ظالِمَةٌ، ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج ٤٨/ ٢٢].
والتّخويف والإنذار يناسبه التّذكير بالقدرة الإلهية الهائلة، والعظمة والجلال والكبرياء الذي خضع له كلّ شيء، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ.﴾. أي ألم ينظر هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من المخلوقات ذات الظلال كالجبال والأشجار والمباني والأجسام القائمة، تتميل ظلاله من جانب إلى جانب، ذات اليمين وهو المشرق، وذات الشمال وهو المغرب، وذلك بكرة وعشيّا أي في الغداة أول النهار، وفي المساء آخر النّهار، قال الأزهري: تفيؤ الظلال: رجوعها بعد انتصاف النهار، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعد ما انصرفت عنه الشمس، والظّل: ما يكون بالغداة: وهو ما لم تنله الشمس.
والخطاب في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ لجميع الناس.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أراد: من شيء له ظلّ من جبل وشجر وبناء وجسم قائم، بدليل ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ﴾ وهو الشيء الكثيف الذي يقع له ظلّ على الأرض.
وقوله تعالى: ﴿ظِلالُهُ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه: الإضافة إلى ذوي الضلال، وإنما حسن هذا؛ لأن الذي عاد إليه الضمير، وإن كان واحدا في اللفظ وهو قوله تعالى: ﴿إِلى ما خَلَقَ اللهُ﴾ إلا أنه كثير في المعنى. ونظيره قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٣/ ٤٣]، فأضاف الظهور-وهو
стр. 4245
جمع-إلى ضمير مفرد؛ لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة، وهو قوله تعالى:
﴿ما تَرْكَبُونَ﴾.
﴿سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ﴾ أي أن الظلال ساجدة لأمر الله وحده، والسّجود: الانقياد والاستسلام، وهم صاغرون خاضعون منقادون لله، والدّخور: الصّغار والذّل، لأن الظلال تتحوّل من جهة المشرق إلى جهة المغرب، فهي في أول النهار من جهة المشرق، ثم تتقلّص، وتنتقل من حال إلى حال في آخر النهار، مائلة إلى جهة المغرب، وهذا الانتقال دليل على القدرة الإلهية.
وقوله تعالى: ﴿داخِرُونَ﴾ جمع بالواو؛ لأن الدّخور من أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من يعقل، فغلب العقلاء.
ومجمل معنى الآية: أو لم ينظروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيّئة عن أيمانها وشمائلها، أي عن جانبي كلّ واحد منها وشقّيه-استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء-ترجع الظلال من جانب إلى جانب، منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التّفيؤ، والأجرام في أنفسها داخرة أيضا صاغرة منقادة لأفعال الله لا تمتنع (١).
وهذا في الجمادات، ثم ذكر سجود الأحياء فقال: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ.﴾. أي ولله يخضع كلّ ما في السّموات والأرض من دابة تدبّ عليها، وكذلك الملائكة، والحال أنهم لا يستكبرون أبدا عن عبادته وعن أي شيء كلفوا به، أو عن مراد الله فيما أراد، فهم في تذلل وخضوع لله تعالى.
﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ.﴾. يخاف هؤلاء الملائكة والدّواب الأرضية الذي خلقهم،
стр. 4246
وهو دائما من فوقهم بالقهر والغلبة، ويفعلون أي الملائكة كلّ ما يؤمرون به، فهم مثابرون على طاعته تعالى، وامتثال أوامره، وترك زواجره. فالمراد بالفوقية:
الفوقية بالرّتبة والشّرف والقدرة والقوة.
ونظير الآية كثير مثل: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً، وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ [الرّعد ١٥/ ١٣].
والخلاصة: إن على أهل مكة الماكرين بالنّبي وبالمؤمنين أن يحذروا عقاب الله، فإن الله قادر على تعذيبهم عاجلا أو آجلا، ودليل قدرته وعظمته وكبريائه خضوع كلّ شيء له في السّموات والأرض، من جماد ونبات وحيوان وإنس وجنّ وملائكة.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات ما يأتي:
١ - جزاء المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وصبروا على الأذى، وتوكّلوا على ربّهم هو الموطن الأفضل، والمنزلة الحسنة، والعيشة الرّضية، والرّزق الطّيّب الوفير، والنّصر على الأعداء، والسّيادة على البلاد والعباد، وقد اجتمع لهم بفضل الله كل ذلك، ولأجر دار الآخرة أكبر من أن يعلمه أحد قبل أن يشاهده.
٢ - في الآية تنويه بفضيلة الصّبر والتّوكل، أما الصّبر فلما فيه من قهر النّفس، وأما التّوكل فللعزوف عن الخلق والاتّجاه إلى الحقّ، الأول هو مبدأ السّلوك إلى الله تعالى، والثاني هو نهاية هذا الطريق.
٣ - دلّت آية ﴿وَما أَرْسَلْنا.﴾. على أنه تعالى ما أرسل أحدا من النّساء، ودلّت أيضا على أنه ما أرسل ملكا إلى الناس، ولكن الله يرسل الملائكة رسلا إلى
стр. 4247
سائر الملائكة، ويرسل بعضهم بالوحي إلى الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً﴾ [فاطر ١/ ٣٥]. ورسل البشر هم دائما من الرّجال.
٤ - على العوام سؤال أهل الذّكر فيما لم يكونوا يعلمون به، وأهل الذّكر: هم أهل العلم مطلقا، سواء بأخبار الماضين، إذ العالم بالشيء يكون ذاكرا له، أو بالكتب السماوية السابقة، أو بالقرآن. وبما أن أهل مكة كانوا مقرّين بأن اليهود والنّصارى أصحاب العلوم والكتب، فأمرهم الله بأن يرجعوا في مسألة بشرية الرّسل إليهم، ليبيّنوا لهم ضعف هذه الشّبهة وسقوطها، فهم الذين يخبرونهم بأن جميع الأنبياء كانوا بشرا.
٥ - احتجّ بآية ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ من أجاز للمجتهد تقليد مجتهد آخر، فقال: لما لم يكن أحد المجتهدين عالما، وجب عليه الرّجوع إلى المجتهد الآخر الذي يكون عالما، لقوله تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فإن لم يجب فلا أقل من الجواز.
٦ - احتجّ نفاة القياس بهذه الآية أيضا: ﴿فَسْئَلُوا.﴾. فقالوا: المكلّف إذا نزلت به واقعة، فإن كان عالما بحكمها لم يجز له القياس، وإن لم يكن عالما بحكمها وجب عليه سؤال من كان عالما بها؛ لظاهر هذه الآية، ولو كان القياس حجة لما وجب عليه سؤال العالم، لتمكّنه من استنباط الحكم بواسطة القياس.
وأجيب بأنه ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من هذا الدّليل.
٧ - أرسل الأنبياء السابقون بالبيّنات والزّبر، أي بالدّلائل والحجج الشاهدة بصدقهم، وبالكتب المتضمنة تشريع الإله. وأنزل الذّكر أي القرآن على النّبي ﷺ ليبيّن للناس فيه ما أنزل إليهم من الأحكام والوعد والوعيد قولا وفعلا، فالرّسول مبيّن عن الله مراده مما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزّكاة وغيرها من أنظمة الحياة مما لم يفصّله القرآن.
стр. 4248
٨ - اشتملت آية ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي بالسّيئات على وعيد للمشركين الذين احتالوا على تقويض أركان الإسلام بخسف الأرض كما خسفها بقارون، أو بمفاجأتهم بالعذاب كما فعل بقوم لوط وغيرهم، أو بأخذهم في تقلبهم أي في أثناء أسفارهم وتصرفاتهم، وما هم بمعجزين الله، أي سابقين الله ولا فائتيه، أو بأخذهم في حال تخوّف وإرهاب، أو على تنقّص من أموالهم ومواشيهم وزروعهم، أي تنقص من الأموال والأنفس والثّمرات، حتى أهلكهم كلّهم.
٩ - من أدلّة عظمة الله وكبريائه وقدرته سجود كلّ ما يدبّ على الأرض له، وكذا الملائكة الذين في الأرض، وخصّهم بالذّكر لشرف منزلتهم، فكلّ جماد ونبات وحيوان وإنس وجنّ وملائكة يخضعون لله وينقادون لأمره، ولا يستكبرون عن عبادة ربّهم، ويخافون عقاب ربّهم وعذابه من فوقهم، لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء، ويمتثلون كل ما يؤمرون به، وهؤلاء هم الملائكة.
١٠ - استدلّ بعضهم بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من البشر؛ لتخصيصهم بالذّكر، ولأنهم لا يستكبرون عن عبادة ربّهم، فليس في قلوبهم تكبّر وترفّع، ولأنهم يفعلون ما يؤمرون، مما يدلّ على أن أعمالهم خالية من الذّنب والمعصية، ولأنهم خلقوا قبل البشر بأزمان مديدة وهم طائعون لله طوال هذه المدة، ولا شيء فوقهم في الشرف والرتبة إلا الله تعالى.
مناقشة عقائد المشركين وأعمالهم القبيحة
﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾
стр. 4249
الإعراب:
﴿واصِباً﴾ حال من ﴿الدِّينُ﴾، وعامله ﴿لَهُ﴾ الجار والمجرور الذي فيه معنى الظرف.
﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ ﴿ما﴾: شرطية، أو موصولة متضمّنة معنى الشرط باعتبار الإخبار دون الحصول، فإن استقرار النعمة بهم يكون سببا للإخبار بأنها من الله تعالى.
﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿ما﴾: مبتدأ وخبره ﴿لَهُمْ﴾ مقدم عليه، أو معطوف بالنصب على ﴿الْبَناتِ﴾.
﴿سُبْحانَهُ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه.
﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ ألسنة: جمع لسان، واللسان يذكّر ويؤنث، فمن ذكّر جمعه
стр. 4250
على ألسنة، ومن أنّث جمعه على ألسن، والقرآن أتى بالتّذكير. و ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعول ﴿تَصِفُ﴾. ومن قرأ ﴿الْكَذِبَ﴾ بثلاث ضمّات، كان مرفوعا على أنه صفة الألسنة.
البلاغة:
﴿فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ فيه إفادة القصر، أي لا تخافوا غيري، وفيه التفات عن الغيبة إلى التّكلم، مبالغة في التّرهيب والمهابة، وتصريحا بالمقصود، فكأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإياي فارهبون لا غيري. ويلاحظ وجود السّجع في أواخر الآيات ﴿فَارْهَبُونِ﴾ ﴿تَتَّقُونَ﴾ ﴿تَجْئَرُونَ﴾ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ ﴿تَفْتَرُونَ.﴾ ..
﴿فَتَمَتَّعُوا.﴾. تهديد ووعيد.
﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿يَسْتَقْدِمُونَ﴾ بينهما طباق.
﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صيغة مبالغة.
﴿سُبْحانَهُ﴾ اعتراض لتعجيب الخلق من هذا الجهل الفاضح القبيح.
﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ كلام بليغ بديع، أي ألسنتهم كاذبة، كقولهم: «عينها تصف السحر» أي ساحرة.
المفردات اللغوية:
﴿إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ تأكيد. ﴿إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ فيه إثبات الألوهية والوحدانية.
﴿فَارْهَبُونِ﴾ خافون دون غيري، وفيه التفات عن الغيبة. والرّهبة: الخوف. ﴿وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا. ﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾ الطاعة والإخلاص. ﴿واصِباً﴾ دائما لازما، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات ٩/ ٣٧]. ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ أي مع أنه الإله الحق ولا إله غيره، والاستفهام للإنكار والتّوبيخ. ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ أي وأي شيء اتّصل بكم من نعمة، فهو من الله، فلا نافع غيره، ولا ضارّ سواه.
﴿مَسَّكُمُ﴾ أصابكم. ﴿الضُّرُّ﴾ كالفقر والمرض. ﴿تَجْئَرُونَ﴾ تتضرّعون لكشفه أو ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والدّعاء، ولا تدعون غيره. والجؤار: رفع الصوت في الدّعاء والاستغاثة. ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ﴾ وهم كفاركم. ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ من النّعمة، أي كأنهم قصدوا بشركهم كفران النّعمة، وإنكار كونها من الله تعالى. ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ باجتماعكم على عبادة الأصنام، وهو أمر تهديد.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة ذلك وأغلظ وعيده.
﴿وَيَجْعَلُونَ﴾ أي المشركون. ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ أي لآلهتهم التي لا علم لها؛ لأنها جماد، أو لما
стр. 4251
لا يعلمون أنها تضرّ ولا تنفع، وهي الأصنام. ﴿نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ من الزروع والأنعام، بقولهم:
﴿هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا﴾ [الأنعام ١٣٦/ ٦] ﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ﴾ سؤال توبيخ، وفيه التفات عن الغيبة. ﴿تَفْتَرُونَ﴾ تكذبون على الله من أنه أمركم بذلك، وأنها آلهة حقيقة بالتّقرب إليها، وهو وعيد لهم عليه.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ﴾ بقولهم: الملائكة بنات الله، كانت خزاعة وكنانة يقولون: إن الملائكة بنات الله. ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له عن النقائص، أو تنزيها له من قولهم أو تعجّبا منه ومما زعموا. ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ أي يشتهونه، وهم البنون، والمعنى: يجعلون له البنات التي يكرهونها، وهو منزّه عن الولد، ويجعلون لهم الأبناء الذين يختارونهم، فيختصون بالأسنى الأرفع، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ، وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾؟ [الصافات ١٤٩/ ٣٧].
﴿وَإِذا بُشِّرَ﴾ البشارة: إلقاء الخبر المؤثر في تغير الوجه، ويكون في السّرور والحزن، وجاءت الآية في الثاني (الحزن) ثم خصّ عرفا بالخبر السّارّ. ﴿ظَلَّ﴾ صار ﴿مُسْوَدًّا﴾ متغيّرا، وهو كناية عن الاغتمام من الكآبة والحياء من الناس. ﴿كَظِيمٌ﴾ ممتلئ غمّا وغيظا وحزنا.
﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ﴾ يستخفي منهم أي من قومه. ﴿مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ من سوء المبشر به عرفا، خوفا من التغيير، مترددا فيما يفعل به. ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾ أيتركه بلا قتل، بهوان وذلّ، والإمساك هنا: الحبس. ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ﴾ أي يواريه في التّرب أو يئده، وذكر ضمير يمسكه ويدسّه؛ لأنه عائد على ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿ما بُشِّرَ بِهِ﴾. ﴿ساءَ﴾ بئس.
﴿ما يَحْكُمُونَ﴾ حكمهم هذا، حيث نسبوا لخالقهم البنات اللاتي هنّ عندهم بهذا التقدير.
﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي الكفار. ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي الصفة السوء بمعنى القبيحة، وهي اشتهاء الذكور استظهارا بهم، وكراهة الإناث ووأدهنّ خشية الإملاق أو الفقر والعار، مع احتياجهم إليهن للزواج. ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ أي الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلا هو، واتّصافه بجميع صفات الجلال والكمال، فله الوجوب الذاتي، والغنى المطلق، والجود الفائق، والنزاهة عن صفات المخلوقين. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القوي في ملكه، المتفرد بكمال القدرة. ﴿الْحَكِيمُ﴾ المتّصف بكمال الحكمة في صنعه وخلقه.
﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ بالمعاصي. ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها﴾ على الأرض. ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ نسمة تدبّ عليها.
﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عنه. ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عليه، بل هلكوا وعذبوا حينئذ لا محالة، وإضافة الظلم للناس الدّال على العموم: لا يلزم أن يكونوا كلهم ظالمين، حتى الأنبياء ﵈، لجواز أن يضاف إليهم ما شاع فيهم، وصدر عن أكثرهم. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ أي ينسبون لله ما هو قبيح لأنفسهم من البنات، والشريك في الرّياسة، وإهانة الرّسل، وخبائث الأموال.
﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ مع ذلك، أي يكذبون، كما يقال: عينها تصف السحر، أي هي
стр. 4252
ساحرة، وقدّها يصف الهيف، أي هي هيفاء. وكذبهم هو ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى﴾ عند الله، أي الجنة، لقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت ٥٠/ ٤١]. ﴿لا جَرَمَ﴾ حقّا. ﴿مُفْرَطُونَ﴾ متركون فيها أو مقدّمون إليها، معجّلون بهم إليها. وعلى قراءة كسر الراء: أي متجاوزون الحدّ.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أنّ كل ما سوى الله منقاد خاضع لجلاله وكبريائه وسلطانه، أتبع ذلك بأمور ثلاثة:
أولها-النّهي عن الشّرك، وأن كلّ ما سواه فهو ملكه، وأنه غني عن الكلّ، وأن الناس مذبذبون، فإذا أصابهم الضّرّ تضرّعوا إلى الله تعالى، وإذا كشفه عنهم، عادوا إلى الكفر والشرك.
ثانيها-بيان قبائح أفعال المشركين، بعد إيراد سخف أقوالهم وفسادها.
ثالثها-إمهال هؤلاء الكفار، وحلم الله عليهم، وعدم معاجلتهم بالعقوبة، بالرّغم من عظيم كفرهم، وقبيح أفعالهم، إظهارا للفضل والرّحمة والكرم.
التفسير والبيان:
بما أنه ثبت في الآيات السالفة خضوع كل ما في الكون لله تعالى، فذلك دليل قاطع على وحدانية الله، لذا أخبر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كلّ شيء وخالقه وربّه، فقال تعالى:
﴿وَقالَ اللهُ: لا تَتَّخِذُوا.﴾. أي وقال الله تعالى للناس: لا تتخذوا إلهين اثنين، أي لا تتخذوا لي شريكا، ولا تعبدوا سواي، فمن عبد مع الله غيره فقد أشرك به، إنما هو الله إله واحد، ومعبود واحد، فاتّقوني وخافوا عقابي بالإشراك وعبادة سواي.
стр. 4253
وإنما ذكر ﴿اِثْنَيْنِ﴾ بعد قوله ﴿إِلهَيْنِ﴾ لتأكيد التنفير عن التعدد، والدّلالة على أن المنهي عنه هي الاثنينية. وكان ذكر ﴿واحِدٌ﴾ بعد قوله ﴿إِلهٌ﴾ للدلالة على أن المقصود إثبات الوحدانية، أما الألوهية فلا خلاف ولا نزاع فيها. وجاء بهذه العبارة ﴿إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ بعد ثبوت الإله ونفي التعدّد للدلالة على أنه لما ثبت وجود الإله وأنه لا بدّ للعالم من الإله، وثبت أن القول بوجود الإلهين محال، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الفرد الصّمد.
والخلاصة مما ذكر: أن لا إله إلا الله وحده، وأن العبادة لا يستحقها سواه.
﴿وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ.﴾. أي لما كان الإله واحدا، والواجب لذاته واحدا، كان كل ما سواه حاصلا بخلقه وتكوينه وإيجاده، فلله جميع ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، فهو خالقهم ورازقهم، ومحييهم ومميتهم، وهم عبيده ومملوكوه، وله الدّين واصبا، أي له الطاعة والانقياد والعبادة على سبيل الدوام والاستمرار، فالدّين هنا: الطاعة، والواصب: الدائم. وقيل:
الواصب: الواجب اللازم أبدا.
﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ أي إنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد، وعرفتم أن كلّ ما سواه محتاج إليه في وقت حدوثه، ومحتاج إليه أيضا في وقت دوامه وبقائه، فكيف يعقل الرغبة في غير الله أو رهبة غير الله تعالى؟ وهذا مقول على سبيل التّعجب.
﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ.﴾. وإذا كان الواجب ألا يتقى غير الله، فالواجب ألا يشكر غير الله؛ إذ ما من نعمة بكم من إيمان وسلامة جسد وعافية، ورزق ونصر ونحو ذلك إلا وهي من الله ومن فضله وإحسانه.
فدلّت الآية على أن العاقل يجب عليه ألا يخاف وألا يتقي أحدا إلا الله، وألا يشكر أحدا إلا الله تعالى، فجميع النّعم من الله تعالى.
стр. 4254
وكذلك لا يدفع الضّرّ إلا الله بقوله: ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ.﴾. أي إذا تعرّضتم لسوء أو ضرر في أنفسكم من مرض أو خوف أو مشقة، ونحوها من الضرورات، فإليه تلجؤون وتسألون وتدعون، وتلحون في الرّغبة إليه والاستغاثة به لكشف ذلك عنكم، لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ، ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ، فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ، وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً﴾ [الإسراء ٦٧/ ١٧].
﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ.﴾. أي ثم إذا كشف الضّرّ عنكم، وأزال المخاوف، ووهبكم النعمة والسلامة والعافية، وفرج البلاء عنكم، إذا أنتم تفترقون فريقين، ففريق منكم يبقى على ما كان عليه من الإيمان، فلا يفزع إلا إلى الله تعالى، وفريق منكم عند ذلك يتغيرون، فيشركون بالله غيره في العبادة، وهذا مثار عجب من فعل هؤلاء، حيث يقابلون النعمة بالنقمة، والشكر بالشرك بالله تعالى. والجؤار: رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ هذه اللام إما لام التعليل، أي قيضنا لهم ذلك ليكفروا أي يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم، والمعنى: أنهم أشركوا بالله غيره في كشف الضّر عنهم، وغرضهم من الإشراك أن ينكروا كون ذلك الإنعام من الله تعالى.
وإما لام العاقبة (الصيرورة) أي أن عاقبة تلك التضرّعات ما كانت إلا هذا الكفر، كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص ٨/ ٢٨].
ثم توعّدهم وهدّدهم قائلا: ﴿فَتَمَتَّعُوا.﴾. أي اعملوا ما شئتم، وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا في الحياة الدّنيا، فسوف تعلمون عاقبة تمتعكم، وما ينزل بكم من العذاب، وتدركون سوء ما أنتم عليه. وهذا الأمر التهديدي مثل قوله تعالى:
стр. 4255
﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩/ ١٨]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ:﴾
﴿آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء ١٠٧/ ١٧].
ثم أخبر الله تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأوثان والأصنام بغير علم، وجعلوا للأنداد نصيبا مما رزقهم الله، فقال تعالى:
١ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ.﴾. أي ويجعل هؤلاء المشركون للأصنام التي لا يعلمون حقيقتها أنها جماد لا يضرّ ولا ينفع، فهم إذن جاهلون بها، يجعلون لها نصيبا مع الله تعالى، مما رزقناهم من الحرث والأنعام وغيرها يتقرّبون به إلى الله تعالى، ونصيبا يتقرّبون به إليها، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً، فَقالُوا: هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ، وَهذا لِشُرَكائِنا، فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ، وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام ١٣٦/ ٦].
ثم توعّدهم الله على أفعالهم مقسما بنفسه الكريمة فقال: ﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ أي أقسم لأسألنكم عن ذلك الذي افتريتموه من الباطل، ولأجازينكم عليه أوفر الجزاء في نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر ٩٢/ ١٥ - ٩٣]. وهذا سؤال توبيخ وتأنيب وتقريع لهم على إثمهم وجرمهم.
٢ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ.﴾. أي ومن جهل المشركين وإفكهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرّحمن بنات الله، فعبدوها مع الله تعالى، إذ قالت خزاعة: الملائكة بنات الله، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً﴾ [الزّخرف ١٩/ ٤٣]، فأخطؤوا خطأ كبيرا، إذ نسبوا إليه تعالى الولد، ولا ولد له، ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، وإنما يرضون الذّكور، كما قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ
стр. 4256
الْأُنْثى، تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أي جائرة [النّجم ٢١/ ٥٣ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ: وَلَدَ اللهُ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ؟ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات ١٥١/ ٣٧ - ١٥٤]، نزلت في خزاعة وكنانة، فإنهم زعموا أن الملائكة بنات الله تعالى، فكانوا يقولون: ألحقوا البنات بالبنات.
وهنا قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ يعني البنين، أي أنهم يختارون لأنفسهم الذّكور، ويأنفون من البنات التي نسبوها إلى الله تعالى، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا. وهو كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور ٣٩/ ٥٢].
ثم عاب الله تعالى على العرب تبرمهم بالبنات فقال: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى.﴾. أي وإذا بشّر أحد هؤلاء العرب الذين جعلوا لله البنات بولادة أنثى، ظلّ وجهه مسودّا أي كئيبا من الهمّ، وهو كظيم، أي ساكت من شدّة ما هو فيه من الحزن، يتوارى من القوم، أي يكره أن يراه الناس، من مساءة ما بشّر به، هل يمسك المولود الأنثى على هوان وذلّ وعار وفقر، أم يدفنها في التراب وهي حيّة، وذلك هو الوأد المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير ٨/ ٨١ - ٩].
﴿أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوه إلى الله تعالى، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا، وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف ١٧/ ٤٣].
والتبشير عرفا: مختصّ بالخبر الذي يفيد السّرور، إلا أنه بحسب الأصل في اللغة: عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه، وكلّ من السّرور والحزن يوجب تغيّر البشرة.
وذكر ضمير ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ لأنه عائد على ﴿ما﴾.
стр. 4257
ثم أجمل الله تعالى موقف المشركين حول هذا الأمر، فقال:
﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ.﴾. أي للذين لا يصدّقون بالحياة الآخرة وما فيها صفة السّوء التي هي كالمثل في القبح، أي لهم صفة النّقص بما ينسب إليهم، وهي الحاجة إلى الأولاد الذّكور، وكراهة الإناث، ووأدهن خشية الإملاق، والإقرار على أنفسهم بالشّح البالغ.
﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ أي وله تعالى الصفة العليا، والكمال المطلق، فهو الواحد المنزّه عن الولد والوالد والشريك، وهو الغني عن العالمين، والمنزّه عن صفات المخلوقين، وهو الجواد الكريم، أي فله الكمال المطلق من كل وجه.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي وهو القوي الذي لا يغلب، الحكيم في صنعه الذي لا يفعل إلا بما تقتضيه الحكمة السديدة.
وبعد أن حكى الله تعالى عن المشركين عظيم كفرهم وقبيح قولهم، بيّن أنه يمهل هؤلاء الكفار، ولا يعاجلهم بالعقوبة، فضلا منه ورحمة وكرما، فقال:
﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ.﴾. هذا إخبار عن حلمه تعالى بخلقه، مع ظلمهم، فلو أنه يؤاخذهم بذنوبهم ومعاصيهم ويعاقبهم على جرمهم فورا، ما ترك على ظهرها من دابة، أي لأهلك جميع دواب الأرض، تبعا لإهلاك بني آدم، ولكنه ﷻ حليم ستّار غفور رحيم، يؤخرهم إلى أجل مسمى، فلا يعاجلهم بالعقوبة؛ إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدا.
روى البيهقي عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضرّ إلا نفسه، فقال: بلى والله، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.
стр. 4258
وعن ابن مسعود ﵁: كاد الجعل (١) يهلك في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ الآية: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ.﴾. وهذا مروي أيضا عن أبي الأحوص.
﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى..﴾. أي ولكن بحلمه تعالى يؤخر هؤلاء الظلمة والعصاة، فلا يعاجلهم بالعقوبة، إلى أجل سمّاه الله لعذابهم، فإذا حان وقت هلاكهم، لا يستأخرون عن الهلاك ساعة، ولا يتقدّمون قبله، حتى يستوفوا أعمارهم.
روى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ فقال: «إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذريّة الصالحة، يرزقها الله العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر».
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ أي وينسبون إلى الله ما يكرهون لأنفسهم من البنات ومن الشركاء الذين هم عبيد الله، وهم يأنفون أن يكون لأحدهم شريك في ماله ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ أي ويكذبون في دعواهم أن لهم العاقبة الحسنة في الدّنيا وفي الآخرة وهي الجنة على هذا العمل. روي أنهم قالوا: إن كان محمد صادقا في البعث، فلنا الجنة بما نحن عليه، فردّ الله عليهم مقالهم بقوله:
﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ، وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ أي حقّا أن لهم النار، وأنهم متروكون فيها أو معجل بها إليهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أبانت الآيات الأحكام التالية:
стр. 4259
١ - النّهي عن تعدّد الآلهة أو الشّرك، والأمر بالوحدانية والتّوحيد؛ لأن الإله الحقّ لا يتعدّد، وأن كل من يتعدّد فليس بإله، والله تعالى واحد في ذاته المقدّسة، فقد قام الدّليل العقلي والشّرعي على وحدانيته تعالى.
٢ - ترتب على وحدانية الله أنه المستحق للعبادة، فلا يعبد سواه، ولا يخاف غيره.
٣ - وترتب على الوحدانية أن كلّ ما سوى الله في السموات والأرض فهو مملوك له، لأنه مخلوق منه، متكون موجود به، فلا يكون الدين، أي الطاعة والإخلاص لله دائما، ولا يتقى غير الله تعالى.
٤ - جميع النعم من الله تعالى، سواء المادية كالرّزق والسّلامة والصّحة، أو المعنوية كالأمان والجاه والمنصب ونحوها.
٥ - لا يجد الإنسان ملجأ لكشف الضّرّ عنه في وقت الشدائد والكروب إلا الله تعالى، فيضجّ بالدّعاء إليه، لعلمه أنه لا يقدر أحد على إزالة الكرب سواه.
٦ - التعجيب من حال الإنسان بعد إزالة البلاء وبعد الجؤار (رفع الصوت والتضرع بالدّعاء إلى الله) فهو يعود إلى الإشراك بعد النجاة من الهلاك. وهذا المعنى مكرر في القرآن الكريم. وقد أشركوا ليجحدوا، فاللام لام كي، وقيل:
لام العاقبة.
٧ - تهديد هؤلاء الكفار بالتمتع بمتاع الحياة الدّنيا، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم.
٨ - هناك نوع آخر من جهالات المشركين، وهو أنهم يجعلون لما لا يعلمون أنه جماد يضرّ وينفع، وهي الأصنام، شيئا من أموالهم يتقرّبون به إليه. فيكون ضمير ﴿يَعْلَمُونَ﴾ عائدا للمشركين، وقيل: إنه عائد للأوثان، أي ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعلم شيئا نصيبا.
стр. 4260
ولكن الله يسألهم سؤال توبيخ عن افترائهم واختلاقهم الكذب على الله أنه أمرهم بهذا.
٩ - ومن جهالاتهم نسبة البنات إلى الله تعالى، ونسبة البنين لأنفسهم وأنفتهم من البنات.
١٠ - ومن جهالاتهم تغيّر وجوههم حزنا وغمّا بالبنت، واختفاء الواحد منهم وتغيبه عن مواجهة القوم من شدّة الحزن وسوء الخزي والعار والحياء الذي يلحقه بسبب البنت. وكان بعض العرب يدفنون بناتهم أحياء في التراب، مثل خزاعة وكنانة، قال قتادة: كان مضر وخزاعة يدفنون البنات أحياء، وأشدّهم في هذا تميم. زعموا خوف الفقر عليهم وطمع غير الأكفاء فيهنّ.
وقد حرم الإسلام الوأد، وأوجب الإحسان إلى البنات،
روى مسلم في صحيحة عن عائشة ﵂ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهنّ، كنّ له سترا من النّار» ففي الصّبر عليهنّ والإحسان إليهنّ ما يقي من النّار.
وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو» وضمّ أصابعه.
وروى أبو يعلى الحافظ عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له بنت فأدّبها، فأحسن أدبها، وعلّمها فأحسن تعليمها، وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه، كانت له سترا أو حجابا من النّار».
١١ - بئس ما حكم به أهل الجاهلية من إضافة البنات إلى خالقهم وإضافة البنين إليهم، وقد استاؤوا من البنات أشدّ الاستياء؛ لأن الواحد منهم يسودّ وجهه بولادة البنت، ويختفي عن القوم من شدّة نفوره من البنت، ويقدم على قتلها.
стр. 4261
١٢ - لهؤلاء الواصفين لله البنات مثل السّوء، أي صفة السّوء من الجهل والكفر، ولله المثل الأعلى أي الوصف الأعلى من الإخلاص والتوحيد، ووصفه بما لا شبيه له ولا نظير، جلّ الله تعالى عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا.
١٣ - من فضل الله ورحمته وكرمه أنه يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة، ليترك الفرصة لهم للإيمان والتوبة. قال ابن مسعود وقرأ هذه الآية:
لو آخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين، لأصاب العذاب جميع الخلق، حتى الجعلان في حجرها، ولأمسك الأمطار من السماء، والنبات من الأرض، فمات الدّواب، ولكن الله يأخذ بالعفو والفضل؛ كما قال: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة ١٥/ ٥]، وقال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ، لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ [الكهف ٥٨/ ١٨].
١٤ - إن أجل موت الإنسان ومنتهى عمره لا يتقدّم ولا يتأخّر ساعة واحدة أو لحظة واحدة.
وتعميم الهلاك مع أن في الناس مؤمنين ليسوا بظلمة، بجعل هلاك الظالم انتقاما وجزاء، وهلاك المؤمن معوّضا بثواب الآخرة.
جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابا، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على نيّاتهم» أو «على أعمالهم».
١٥ - ينسب المشركون لله البنات، وتقول ألسنتهم الكذب أن لهم الجزاء الحسن، والحق أن لهم النار، وأنهم متركون منسيّون في النّار، أو معجّلون إلى النار، مقدّمون إليها.
стр. 4262
عادة الأمم في تكذيب الرسل ومهمة النبي في تبيان القرآن
وجعله هدى ورحمة
﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾
الإعراب:
﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ منصوبان على المفعول لأجله.
المفردات اللغوية:
﴿أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ﴾ رسلا. ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ السيئة، فرأوها حسنة، فأصروا على قبائحها، وكفروا بالمرسلين. ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾ متولي أمورهم، وناصرهم ومساعدهم، والضمير يعود إلى الأمم. ﴿الْيَوْمَ﴾ أي في الدنيا، وقيل: يوم القيامة، على حكاية الحال الآتية، أي لا ولي لهم غيره، وهو عاجز عن نصر نفسه، فكيف ينصرهم؟! ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم في الآخرة. ﴿الْكِتابَ﴾ القرآن. ﴿إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ للناس. ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من أمر الدين كالتوحيد، والقدر، وأحوال المعاد، وأحكام الأفعال. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ معطوفان على محل ﴿لِتُبَيِّنَ﴾.
المناسبة:
بعد أن فنّد الله تعالى فساد عقائد المشركين وأقوالهم، وأمهلهم العذاب، سلّى رسوله ﷺ عما كان يناله من أذى قومه، ونسبتهم إلى الله ما لا يجوز، بإخباره بإرسال الرسل إلى الأمم المتقدمة، مقسما على ذلك، ومؤكدا بالقسم، وب «قد» التي تقتضي تحقيق الأمم، فزين لهم الشيطان أعمالهم، من تماديهم على
стр. 4263
الكفر، فهو وليهم اليوم، حكاية حال ماضية، أي لا ناصر لهم في حياتهم إلا هو، أو حكاية حال آتية، وهي يوم القيامة، فلا تحزن لتكذيبهم، فلست بدعا من الرسل، وليس قومك منفردين بالعتو والاستكبار.
وناسب ذلك بيان مهمة النبي ﷺ وهي تبيان أحكام القرآن للمختلفين وهم أهل الملل والأهواء، وتوضيح ما اختلفوا فيه وهو الدين، مثل التوحيد والشرك، والجبر والقدر، وإثبات المعاد ونفيه، وأحكام الدين مثل تحريمهم أشياء حلال كالبحيرة والسائبة، وتحليل أشياء حرام كالميتة.
التفسير والبيان:
هذه الآية تسلية من الله لرسوله عما يناله من الحزن بسبب جهالة قومه وإعراضهم عن رسالته، فقال: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا.﴾. أي والله لقد أرسلنا رسلا إلى الأمم الخالية من قبلك، فكذبت الأمم رسلها، وحسّن لهم الشيطان أعمالهم من الكفر وعبادة الأوثان، فهو وليهم اليوم، أي هم رازحون تحت العذاب والنكال.
ووليهم اليوم، أي ناصرهم في الدنيا، على زعمهم، حكاية للحال القائمة ولكن لهم عذاب مؤلم في الآخرة، فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا. وقيل:
﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾ أي قرينهم في النار يوم القيامة، حكاية للحال الآتية، وهي حال كونهم معذبين في النار، أي فهو ناصرهم اليوم، لا ناصر لهم غيره، نفيا للناصر لهم على أبلغ الوجوه، وأطلق على يوم القيامة اسم ﴿الْيَوْمَ﴾ لشهرته.
وبئس الناصر المعين الذي لا يملك لهم خلاصا، ولا يستطيع إنقاذا لهم، ولهم في الآخرة عذاب شديد الألم؛ إذ لا تنفعهم ولاية الشيطان.
فلا تحزن يا محمد على تكذيب قومك لك، فلك أسوة بالمرسلين قبلك، ودع
стр. 4264
المشركين الذين كذبوا الرسل؛ فإنما وقعوا فريسة لتزيين الشيطان لهم ما فعلوه.
ثم أبان الله تعالى أن الهلاك لا يكون إلا بعد بيان الحجة. فقال:
﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ.﴾. أي إنما أنزلنا عليك القرآن لهدف واضح، وهو أن تبين للناس الذي يختلفون فيه في العقائد والعبادات، فيعرفوا الحق من الباطل، والقرآن فاصل بين الناس فيما يتنازعون فيه، وهو هدى للقلوب الحائرة أو الضالة، ورحمة لقوم يصدقون به، ويتمسكون به.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى على أن سنة الله في عباده منذ القديم إرسال الرسل بالحجة الواضحة والبيان الشافي، وما محمد ﷺ إلا كغيره من الرسل.
وشأن الأمم تكذيب المرسلين، لتأثرهم بتزيين الشيطان أعمالهم، وإغوائهم، وصرفهم عن إجابة أنبيائهم.
وهكذا كان موقف كفار مكة، أغواهم الشيطان، كما فعل بكفار الأمم قبلهم.
ولكن سيتلقى هؤلاء الكفار جميعا جزاء أوفى وعذابا أليما في نار جهنم، ولن يكون لهم ولي ولا ناصر ولا معين ينقذهم مما هم فيه.
ودلت الآية الثانية على أن مهمة النبي ﷺ هي تبيان ما جاء في القرآن، وبيان ما اختلف فيه أهل الملل والأهواء من الدين والأحكام، فتقوم الحجة عليهم ببيانه. أما الدين المختلف فيه فهو مثل التوحيد والشرك والجبر والقدر، وإثبات المعاد ونفيه. وأما الأحكام فهي مثل تحريم أشياء تحل شرعا كالبحيرة والسائبة وغيرهما، وتحليل أشياء تحرم كالميتة.
والقرآن تبيان للناس وهدى أي رشد، ورحمة للمؤمنين به.
стр. 4265
من دلائل القدرة الإلهية والتوحيد ومظاهر النعم على الناس
﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾
الإعراب:
﴿مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾ الهاء تعود على ﴿الْأَنْعامِ﴾، على لغة من ذكّره، فإنه يجوز فيه التذكير والتأنيث، كما جاء في سورة المؤمنون: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها﴾ [٢١/ ٢٣] فقد ذكّر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم: ثوب أكياش، ولذلك رجع الضمير إليه هنا مفردا، وأما في سورة المؤمنين فلأن معناه الجمع.
﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ الهاء تعود على موصوف محذوف، وتقديره: ما تتخذون منه. وما:
مبتدأ، وتتخذون جملة فعلية صفة ل «ما». وحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، كقوله تعالى:
﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات ١٦٤/ ٣٧] أي إلا من له مقام معلوم، وتقديره: إلا ملك له مقام.
стр. 4266
﴿ذلِكَ﴾ حال من السبل.
﴿فِيهِ شِفاءٌ﴾ الهاء تعود إلى الشراب، أو إلى القرآن. و ﴿شِفاءٌ﴾ يرتفع بالظرف على كلا المذهبين، إذا جعل وصفا لشراب، كما ارتفع ألوانه بمختلف؛ لأنه وصف للشراب.
البلاغة:
﴿كُلِي مِنْ كُلِّ﴾ فيهما جناس ناقص.
﴿يَسْمَعُونَ﴾ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ ﴿يَعْرِشُونَ﴾ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيها سجع.
المفردات اللغوية:
﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ﴾ أي أحياها بإنبات الزرع والشجر وإخراج الثمر. ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يبسها. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور. ﴿لَآيَةً﴾ دالة على البعث. ﴿يَسْمَعُونَ﴾ سماع تدبر وفهم.
﴿الْأَنْعامِ﴾ الإبل والبقر والغنم. ﴿لَعِبْرَةً﴾ اعتبارا وعظة، وأصل العبرة: تمثيل الشيء بالشيء لتعرف حقيقته من طريق المشاكلة والمشابهة. ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بيان للعبرة. ﴿مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾ أي الأنعام. ﴿مِنْ بَيْنِ﴾ من للابتداء متعلقة ب ﴿نُسْقِيكُمْ﴾. ﴿فَرْثٍ﴾ خلاصة المأكول في الكرش والأمعاء. ﴿خالِصاً﴾ مصفى من الشوائب، لا يشوبه شيء من الفرث والدم من طعم أو ريح أو لون، وهو بينهما. ﴿سائِغاً لِلشّارِبِينَ﴾ سهل المرور في الحلق، لا يغص به. ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ أي ثمر تتخذون منه ﴿سَكَراً﴾ خمرا يسكر، سميت بالمصدر، وهذا قبل تحريمها وفي أول مراحل التحريم، لأنه وصف الرزق بالحسن، ولم يوصف السكر بذلك. ﴿وَرِزْقاً حَسَناً﴾ جميع ما يؤكل طازجا أو غير متخمر من هاتين الشجرتين كالعنب والزبيب والتمر والخل والدبس. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور ﴿لَآيَةً﴾ دالة على قدرته تعالى. ﴿يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون.
﴿وَأَوْحى﴾ ألهم وعلم، كالطبيعة والغريزة في الحيوان. ﴿أَنِ اتَّخِذِي﴾ أن مفسرة أو مصدرية. ﴿بُيُوتاً﴾ تأوين إليها، أي أوكارا. ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ بيوتا. ﴿وَمِمّا يَعْرِشُونَ﴾ أي مما يبنيه الناس لك من الأماكن، أي يصنعونه من الخلايا من طين أو خشب أو غيرهما.
﴿فَاسْلُكِي﴾ ادخلي. ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾ طرقه ومسالكه لامتصاص الأزهار والثمار وغيرها وتحويلها بقدرة الله عسلا طيبا. ﴿ذُلُلاً﴾ جمع ذلول أي مسخرة لك، منقادة طائعة لا تتوعر عليك ولا تلتبس، وهو حال من السبل، أي لا تعسر عليك وإن توعرت، ولا تضل عن العود منها وإن بعدت. ﴿شَرابٌ﴾ هو العسل ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ﴾ من أبيض وأصفر وأحمر وأسود، بحسب نوع المرعى ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ من الأوجاع، إما بعضها بدليل تنكير كلمة ﴿شِفاءٌ﴾ كالأمراض البلغمية، وإما كلها مع ضميمة غيره إليه، كسائر الأمراض، إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزء منه.
стр. 4267
وقيل: الضمير يعود للقرآن.
﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ يتأملون في صنعه تعالى، فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر، علم قطعا أنه لا بد من وجود قادر حكيم يلهمها ذلك، ويحملها عليه.
المناسبة:
بعد بيان وعد المؤمنين بالجنان، والكافرين بالنيران، وتسلية النبي ﷺ عما ناله من أذى قومه، ونسبة الشرك إلى الله، وحصر مهمته في بيان أحكام القرآن، عاد تعالى إلى إثبات قدرته ووجوده ووحدانيته بدلائل حسية مشاهدة لكل راء أمامه صباح مساء، من إنبات الزرع والشجر بالمطر، وإخراج اللبن من الأنعام، واتخاذ أصناف المآكل من الأعناب والنخيل، وإخراج العسل من بطون النحل، الذي فيه شفاء للناس.
قال الإمام أبو عبد الله محمد فخر الدين بن عمر الرازي: إن المقصود الأعظم من القرآن العظيم تقرير أصول أربعة: الإلهيات، والنبوات، والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، والمقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة: الإلهيات، فابتدأ تعالى في أول هذه السورة بذكر دلائل الإلهيات، وهي الأجرام الفلكية، ثم أردف ذلك بالإنسان، ثم الحيوان، ثم النبات، ثم أحوال البحر والأرض، ثم عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات، فبدأ بذكر الفلكيات، فقال: ﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً..﴾. (١).
التفسير والبيان:
بعد أن جعل سبحانه القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك أخبر أنه يحيي الأرض بعد موتها بما أنزله عليها من السماء من ماء، فقال: ﴿وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾.
стр. 4268
أي أنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل منه الماء، الذي يكون سببا لحياة الأرض بإنبات الزرع والشجر والثمر، بعد أن كانت الأرض ميتة لا حياة فيها ولا ثمر ولا نفع.
إن في ذلك لآية واضحة ودليلا قاطعا على وحدانية الله تعالى وعلمه وقدرته لمن يفهمون الكلام ويدركون معناه، بسماع التدبر والإمعان، لا بمجرد سماع الآذان. فهذا دليل حسي على توحيد الإله، وتخصيصه بالعبادة، وإفراده بالألوهية.
وهناك دليل آخر على قدرة الله الباهرة، وهو إخراج اللبن من الضرع، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ.﴾. أي وإن لكم أيها الناس لعظة وعبرة دالة على قدرتنا ورحمتنا ولطفنا في الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم، فإننا نسقيكم مما يخرج من بطونها من اللبن الخالص من الشوائب، السائغ شربه في الحلق، فلا يغص به أحد، اللذيذ طعمه، السهل هضمه، الذي يخلقه الله لبنا خالصا وسيطا بين الفرث (وهو الزبل الذي ينزل إلى الكرش) والدم المحيطين به، أي يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته في باطن الحيوان من بين خلاصة المأكول في الكرش والأمعاء، والدم في العروق، فإذا هضم الغذاء في المعدة صرف من عصارته دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع، وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر، ولا يمازجه بعد انفصاله عنه، ولا يتغير أو يتأثر به. وذلك دليل القدرة الإلهية والحكمة البالغة.
وذكّر ضمير ﴿بُطُونِهِ﴾ مراعاة للفظ ﴿الْأَنْعامِ﴾ فهو لفظ مفرد وضع لإفادة الجمع، كالرهط والقوم والبقر والغنم، فقد يراعى اللفظ فيكون ضميره التذكير، وقد يراعى المعنى فيكون ضميره ضمير الجمع وهو التأنيث.
وهناك دليل آخر وهو ما يتخذ من أشربة من ثمرات النخيل والأعناب وهي
стр. 4269
بعض منافع النبات المذكورة عقب بيان بعض منافع الحيوانات في الآية المتقدمة، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ.﴾. أي ولكم أيضا عبرة وعظة فيما تشربونه من أشربة متنوعة من ثمرات النخيل والأعناب كالخل والدبس والخمر أو النبيذ المسكر قبل تحريمه، وما تأكلونه من ثمار طازجة على طبيعتها. وهذا دليل على إباحة المسكر قبل تحريمه.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً.﴾. أي إن في تلك الأشربة والمآكل لآية واضحة لقوم يستخدمون عقولهم في النظر والتأمل في الآيات. وذكر العقل هنا أمر مناسب؛ لأنه أشرف ما في الإنسان، ولهذا حرمت المسكرات صيانة للعقول.
والتفاوت في الوصف بين «السكر والرزق الحسن» بوصف الرزق بالحسن في حال أكل الثمرة غير متخمرة دون السكر يؤذن بالتفرقة بينهما وبتقبيح المسكر، ويمهد لتحريم المسكرات، وهي أول آية نزلت تعرّض بالخمر أو المسكر،
وقد روي أن النبي ﷺ قال عند نزول هذه الآية: «إن ربكم ليقدم في تحريم الخمر».
وهو دليل للجمهور غير أبي حنيفة على التسوية بين المسكر المتخذ من النخل والمتخذ من العنب، ومثله حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما أوضحت السنة.
قال ابن عباس: السّكر: ما حرّم من ثمرتيهما (النخيل والعنب) والرزق الحسن: ما أحلّ من ثمرتيهما، كالخل والرّب (المربّة) والتمر والزبيب ونحو ذلك (١). وفي رواية عن ابن عباس: السّكر: حرامه، والرزق الحسن: حلاله.
وهذا دليل آخر على أن لهذا العالم إلها قادرا مختارا بعد بيان أدلة إخراج
стр. 4270
الألبان من الأنعام، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، وهو إخراج العسل من النحل، فقال تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾.
أي وألهم (١) ربك النحل وجعل في غريزتها وطبعها، وقرر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها عقلاء البشر، فهي تعيش جماعات في الخلية، ويرأس كل خلية أكبرها جثة وهي الملكة أو اليعسوب، ومعها جماعة الذكور، وجماعة الإناث وهي الشغّالات أو العاملات، وتعيش عيشة تعاونية في أدق نظام، وتقوم بامتصاص رحيق الأزهار، وإفرازه عسلا وشمعا.
وتقوم بما يلي:
١ - ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً.﴾. أي ألهمها الله وأرشدها أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها، ومن الشجر، ومن عرائش الناس التي يصنعونها لها في البيوت والكروم، فتبني بيوتا محكمة الإتقان، سداسية الأشكال، من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض، ولا يوجد فيها خلل، تحزن في بعضها العسل، وفي بعضها الآخر الشمع لتربية صغار النحل.
وجعلها سداسية لمنع الفرج الخالية الضائعة فيما بينها. وإذا نفرت نحلة من وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها ردوها إلى وكرها على ألحان الموسيقى والطبول. وكل ذلك دليل على مزيد الذكاء والكياسة.
٢ - ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أي ثم امتصي من رحيق جميع الثمار
стр. 4271
ما تشاءين، حلوة كانت أو مرّة أو بين ذلك. وهذا إذن أمر قدري تسخيري أن تأكل من كلّ الثمرات.
٣ - ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ أي إذا أكلت من الثمار، فاسلكي الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها في عمل العسل، أو في طلب تلك الثمرات، والعودة بسلام إلى الخلايا.
وهي في أثناء بحثها عن الغذاء تنقل على أجنحتها من حيث لا تشعر لقاحات الأزهار من الذكر إلى الأنثى. وتلك مهام أودعها الله في غرائز النحل، ليست مجرد مصادفة أو طبيعة أو غريزة، وإنما هي جزء من رسالة الكائنات الحية التي تؤدي أدوارا في الكون، يعود نفعها في النهاية على الإنسان، فسبحان الله الخالق المالك القادر القاهر الميسر لكل شيء سببا.
٤ - ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ.﴾. أي يخرج من بطون النحل عسل مختلف الألوان، أبيض أو أصفر أو أحمر، فيه شفاء ونفع لكثير من أمراض الناس، ويدخل في تركيب العقاقير والأدوية. وقد وصفه الله بهذه الصفات الثلاث:
الأولى-كونه شرابا، إما أن يشرب وحده، أو تتخذ منه الأشربة.
الثانية-كونه مختلف الألوان من أحمر وأبيض وأصفر وغيرها.
الثالثة-كونه سببا للشفاء في الجملة لكثير من الأمراض.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال: «اسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا، ثم جاء فقال: يا رسول الله، سقيته عسلا، فما زاده إلا استطلاقا، قال: «اذهب فاسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا، ثم
стр. 4272
جاء فقال: يا رسول الله، ما زاده إلا استطلاقا، فقال رسول الله ﷺ :
«صدق الله، وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلا» فذهب، فسقاه عسلا، فبرئ.
أوضح بعض الأطباء القدامى هذه الواقعة فقال: كان لدى هذا الرجل فضلات في المعدة، فلما سقاه عسلا، وهو حار، تحللت فأسرعت في الاندفاع والخروج، فزاد إسهاله، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره، مع أنه كان مفيدا لأخيه، ثم سقاه فازداد التحلل والدفع، ثم سقاه حتى ذهبت الفضلات الفاسدة كلها المضرة بالبدن، فاستمسك بطنه، وصلح مزاجه، وزالت الآلام والأسقام بإرشاده وإشارته ﵊ (١).
وروى البخاري أيضا عن ابن عباس ﵄ قال: «الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كيّة بنار، وأنهى أمّتي عن الكيّ».
وروى ابن ماجه القزويني عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن».
وذكر الأطباء المحدثون التركيب الكيماوي للعسل وهو ٢٥ - ٤٠ غلوكوز، و ٣٠ - ٤٥ ليفيلوز، و ١٥ - ٢٥ ماء. ويعطى مقويا ومغذيا، وضدّ التسمم من المواد السامة كالزرنيخ والزئبق والذهب والمورفين، وضدّ تسمم الأمراض كالتسمم البولي بسبب أمراض الكبد، والاضطرابات المعدية والمعوية، وتسمم الحميات كالتيفوئيد والتهاب الرئة والسحايا والحصبة، والذّبحة الصدرية، وحالات ضعف القلب واحتقان المخ والتهابات الكلى الحادة.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ إن في كل ما ذكر عن النحل لدلالة
стр. 4273
واضحة على وجود الله وقدرته لقوم يتفكرون في عجيب صنع الله وخلقه ورعايته الحكمة والمصلحة في ترتيب العالم.
فالنحل يختص بتلك العلوم والمعارف الدقيقة كبناء البيوت المسدسة، ويهتدي إلى أجزاء العسل من الأزهار وأطراف الشجر والأوراق، كما أنه يهتدي إلى جمع الأجزاء النافعة في جوّ الهواء الملقاة على أطراف الأشجار والأوراق.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدتنا الآيات إلى ما يأتي من بيان كمال القدرة وتعداد النعم الإلهية:
١ - أنزل الله من السحاب مطرا يكون سببا لإحياء الأرض بالنبات المختلف الأنواع بعد اليبس والجمود، وفي ذلك دلالة على البعث وعلى وحدانية الله تعالى؛ لأن معبود المشركين كما علموا لا يستطيع شيئا، فتكون هذه الدلالة مفيدة لقوم يسمعون عن الله تعالى سماع تدبر وإصغاء بالقلوب، لا بالآذان.
٢ - إن في الأنعام وهي أصناف أربعة: الإبل والبقر والضأن والمعز لدلالة على قدرة الله ووحدانيته وعظمته، فهو يسقي الناس من ألبانها، وحدوث اللبن يدل على أمرين: وجود الصانع المختار سبحانه، وإمكان الحشر والنشر، لمرور الطعام بعدة مراحل من التحول والقلب من نبات وعشب، إلى دم، إلى لبن، فدهن وجبن، وذلك يدل على أنه تعالى قادر على قلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك.
ويخرج اللبن ويتولد مع ثلاثة أشياء في موضع واحد، فالفرث يكون في أسفل الكرش، والدم يكون في أعلاه، واللبن يكون في الوسط، وهذا دليل القدرة العظيمة والصنع الإلهي الدقيق.
واستنبط بعض العلماء من عود الضمير مذكّرا، في قوله: ﴿مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾
стр. 4274
إلى الأنعام أن لبن الفحل يفيد التحريم؛ لأنه جيء به مذكرا لأنه راجع إلى ذكر النعم، واللبن محسوب للذكر.
٣ - في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره، فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به؛ لأنه مائع طاهر في وعاء نجس؛ لأن ضرع الميتة نجس، واللبن طاهر، فإذا حلب صار مأخوذا من وعاء نجس. وأما لبن المرأة الميتة فهو طاهر؛ لأن الإنسان طاهر حيا وميتا، وقيل: إنه نجس لتنجسه بالموت.
٤ - وفي هذه الآية أيضا دليل على استعمال الحلاوة والأطعمة اللذيذة وتناولها، ولا يقال: إن ذلك يناقض الزهد أو يباعده، ولكن إذا أخذ من غير سرف ولا إكثار.
٥ - اللبن غذاء كامل يغذي الطفل مدة من الزمن وينمي الجسد،
روى أبو داود وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: أتي رسول الله ﷺ بلبن فشرب، فقال رسول الله ﷺ : «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه، وإذا سقي لبنا، فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزي عن الطعام والشراب إلا اللبن».
٦ - ومن منافع النبات ما يدل أيضا على القدرة الإلهية، فقد أخرج الله لنا من ثمرات النخيل والأعناب الرزق الحسن: وهو ما أحله من ثمرتيهما على الطبيعة، والسّكر هو النبيذ، وهذا قبل التحريم النهائي البات له، في رأي الجمهور، فالنبيذ (وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد) حرام عندهم، لإسكاره،
وقول النبي ﷺ فيما رواه العقيلي عن علي، والنسائي عن ابن عباس: «حرّم الله الخمر بعينها والسّكر من غيرها» والصواب أنه موقوف على ابن عباس.
وهو حلال عند أبي حنيفة ﵀ ما لم يصل إلى حد السّكر، محتجا بهذه
стр. 4275
الآية الدالة على أن السّكر حلال؛ لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام والمنة، ولأن الحديث السابق دلّ على أن الخمر حرام:
«الخمر حرام لعينها» وهذا يقتضي أن يكون السّكر شيئا غير الخمر، والمغايرة تقتضي أنه النبيذ المطبوخ. والحق أن الآية ليس فيها ما يدل على الحل؛ إذ الكلام في الامتنان بخلق الأشياء لمنافع الإنسان، ولم تنحصر المنافع في حل التناول.
وختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ دليل على قدرة الله تعالى؛ لأن من كان عاقلا، علم بالضرورة أو البداهة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله ، مما يدل على وجود الإله القادر الحكيم.
٧ - كما أن إخراج الألبان من النعم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دلائل قاطعة على أن لهذا العالم إلها قادرا مختارا حكيما، فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع على إثبات هذا المقصود.
وفي النحل منافع كثيرة للأشجار والنباتات نفسها، وللإنسان أيضا، وكذلك في العسل والشمع منافع للإنسان، فالعسل شفاء من كثير من الأمراض، والشمع للإضاءة وصناعات أخرى.
وذلك كله دليل على وجود الإله الصانع الملهم في اعتقاد كل من أعمل فكره، وتأمل ونظر في أعمال النحل وآثاره العجيبة.
بعض عجائب أحوال الناس الدالة على قدرة الله وتوحيده
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾