← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

ما تشاءين، حلوة كانت أو مرّة أو بين ذلك. وهذا إذن أمر قدري تسخيري أن تأكل من كلّ الثمرات. ٣ - ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ أي إذا أكلت من الثمار، فاسلكي الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها في عمل العسل، أو في طلب تلك الثمرات، والعودة بسلام إلى الخلايا. وهي في أثناء بحثها عن الغذاء تنقل على أجنحتها من حيث لا تشعر لقاحات الأزهار من الذكر إلى الأنثى. وتلك مهام أودعها الله في غرائز النحل، ليست مجرد مصادفة أو طبيعة أو غريزة، وإنما هي جزء من رسالة الكائنات الحية التي تؤدي أدوارا في الكون، يعود نفعها في النهاية على الإنسان، فسبحان الله الخالق المالك القادر القاهر الميسر لكل شيء سببا. ٤ - ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ.﴾. أي يخرج من بطون النحل عسل مختلف الألوان، أبيض أو أصفر أو أحمر، فيه شفاء ونفع لكثير من أمراض الناس، ويدخل في تركيب العقاقير والأدوية. وقد وصفه الله بهذه الصفات الثلاث: الأولى-كونه شرابا، إما أن يشرب وحده، أو تتخذ منه الأشربة. الثانية-كونه مختلف الألوان من أحمر وأبيض وأصفر وغيرها. الثالثة-كونه سببا للشفاء في الجملة لكثير من الأمراض. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال: «اسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا، ثم جاء فقال: يا رسول الله، سقيته عسلا، فما زاده إلا استطلاقا، قال: «اذهب فاسقه عسلا» فذهب فسقاه عسلا، ثم

стр. 4272

جاء فقال: يا رسول الله، ما زاده إلا استطلاقا، فقال رسول الله ﷺ : «صدق الله، وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلا» فذهب، فسقاه عسلا، فبرئ. أوضح بعض الأطباء القدامى هذه الواقعة فقال: كان لدى هذا الرجل فضلات في المعدة، فلما سقاه عسلا، وهو حار، تحللت فأسرعت في الاندفاع والخروج، فزاد إسهاله، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره، مع أنه كان مفيدا لأخيه، ثم سقاه فازداد التحلل والدفع، ثم سقاه حتى ذهبت الفضلات الفاسدة كلها المضرة بالبدن، فاستمسك بطنه، وصلح مزاجه، وزالت الآلام والأسقام بإرشاده وإشارته ﵊ (١). وروى البخاري أيضا عن ابن عباس ﵄ قال: «الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كيّة بنار، وأنهى أمّتي عن الكيّ». وروى ابن ماجه القزويني عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن». وذكر الأطباء المحدثون التركيب الكيماوي للعسل وهو ٢٥ - ٤٠ غلوكوز، و ٣٠ - ٤٥ ليفيلوز، و ١٥ - ٢٥ ماء. ويعطى مقويا ومغذيا، وضدّ التسمم من المواد السامة كالزرنيخ والزئبق والذهب والمورفين، وضدّ تسمم الأمراض كالتسمم البولي بسبب أمراض الكبد، والاضطرابات المعدية والمعوية، وتسمم الحميات كالتيفوئيد والتهاب الرئة والسحايا والحصبة، والذّبحة الصدرية، وحالات ضعف القلب واحتقان المخ والتهابات الكلى الحادة. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ إن في كل ما ذكر عن النحل لدلالة

стр. 4273

واضحة على وجود الله وقدرته لقوم يتفكرون في عجيب صنع الله وخلقه ورعايته الحكمة والمصلحة في ترتيب العالم. فالنحل يختص بتلك العلوم والمعارف الدقيقة كبناء البيوت المسدسة، ويهتدي إلى أجزاء العسل من الأزهار وأطراف الشجر والأوراق، كما أنه يهتدي إلى جمع الأجزاء النافعة في جوّ الهواء الملقاة على أطراف الأشجار والأوراق. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدتنا الآيات إلى ما يأتي من بيان كمال القدرة وتعداد النعم الإلهية: ١ - أنزل الله من السحاب مطرا يكون سببا لإحياء الأرض بالنبات المختلف الأنواع بعد اليبس والجمود، وفي ذلك دلالة على البعث وعلى وحدانية الله تعالى؛ لأن معبود المشركين كما علموا لا يستطيع شيئا، فتكون هذه الدلالة مفيدة لقوم يسمعون عن الله تعالى سماع تدبر وإصغاء بالقلوب، لا بالآذان. ٢ - إن في الأنعام وهي أصناف أربعة: الإبل والبقر والضأن والمعز لدلالة على قدرة الله ووحدانيته وعظمته، فهو يسقي الناس من ألبانها، وحدوث اللبن يدل على أمرين: وجود الصانع المختار سبحانه، وإمكان الحشر والنشر، لمرور الطعام بعدة مراحل من التحول والقلب من نبات وعشب، إلى دم، إلى لبن، فدهن وجبن، وذلك يدل على أنه تعالى قادر على قلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك. ويخرج اللبن ويتولد مع ثلاثة أشياء في موضع واحد، فالفرث يكون في أسفل الكرش، والدم يكون في أعلاه، واللبن يكون في الوسط، وهذا دليل القدرة العظيمة والصنع الإلهي الدقيق. واستنبط بعض العلماء من عود الضمير مذكّرا، في قوله: ﴿مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾

стр. 4274

إلى الأنعام أن لبن الفحل يفيد التحريم؛ لأنه جيء به مذكرا لأنه راجع إلى ذكر النعم، واللبن محسوب للذكر. ٣ - في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره، فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به؛ لأنه مائع طاهر في وعاء نجس؛ لأن ضرع الميتة نجس، واللبن طاهر، فإذا حلب صار مأخوذا من وعاء نجس. وأما لبن المرأة الميتة فهو طاهر؛ لأن الإنسان طاهر حيا وميتا، وقيل: إنه نجس لتنجسه بالموت. ٤ - وفي هذه الآية أيضا دليل على استعمال الحلاوة والأطعمة اللذيذة وتناولها، ولا يقال: إن ذلك يناقض الزهد أو يباعده، ولكن إذا أخذ من غير سرف ولا إكثار. ٥ - اللبن غذاء كامل يغذي الطفل مدة من الزمن وينمي الجسد، روى أبو داود وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: أتي رسول الله ﷺ بلبن فشرب، فقال رسول الله ﷺ : «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه، وإذا سقي لبنا، فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزي عن الطعام والشراب إلا اللبن». ٦ - ومن منافع النبات ما يدل أيضا على القدرة الإلهية، فقد أخرج الله لنا من ثمرات النخيل والأعناب الرزق الحسن: وهو ما أحله من ثمرتيهما على الطبيعة، والسّكر هو النبيذ، وهذا قبل التحريم النهائي البات له، في رأي الجمهور، فالنبيذ (وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد) حرام عندهم، لإسكاره، وقول النبي ﷺ فيما رواه العقيلي عن علي، والنسائي عن ابن عباس: «حرّم الله الخمر بعينها والسّكر من غيرها» والصواب أنه موقوف على ابن عباس. وهو حلال عند أبي حنيفة ﵀ ما لم يصل إلى حد السّكر، محتجا بهذه

стр. 4275

الآية الدالة على أن السّكر حلال؛ لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام والمنة، ولأن الحديث السابق دلّ على أن الخمر حرام: «الخمر حرام لعينها» وهذا يقتضي أن يكون السّكر شيئا غير الخمر، والمغايرة تقتضي أنه النبيذ المطبوخ. والحق أن الآية ليس فيها ما يدل على الحل؛ إذ الكلام في الامتنان بخلق الأشياء لمنافع الإنسان، ولم تنحصر المنافع في حل التناول. وختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ دليل على قدرة الله تعالى؛ لأن من كان عاقلا، علم بالضرورة أو البداهة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله ، مما يدل على وجود الإله القادر الحكيم. ٧ - كما أن إخراج الألبان من النعم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دلائل قاطعة على أن لهذا العالم إلها قادرا مختارا حكيما، فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع على إثبات هذا المقصود. وفي النحل منافع كثيرة للأشجار والنباتات نفسها، وللإنسان أيضا، وكذلك في العسل والشمع منافع للإنسان، فالعسل شفاء من كثير من الأمراض، والشمع للإضاءة وصناعات أخرى. وذلك كله دليل على وجود الإله الصانع الملهم في اعتقاد كل من أعمل فكره، وتأمل ونظر في أعمال النحل وآثاره العجيبة. بعض عجائب أحوال الناس الدالة على قدرة الله وتوحيده ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾

стр. 4276

الإعراب: ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ ﴿شَيْئاً﴾ منصوب ب ﴿عِلْمٍ﴾ على مذهب البصريين على إعمال الثاني؛ لأنه أقرب. وب ﴿يَعْلَمَ﴾ على مذهب الكوفيين، على إعمال الأول. ﴿فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ جملة اسمية، في موضع نصب؛ لأنها وقعت جوابا للنفي، وقامت هذه الجملة الاسمية مقام جملة فعلية، وتقديره: فما الذين فضّلوا برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم، فيستووا. ﴿رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً﴾ ﴿شَيْئاً﴾ إما بدل منصوب من ﴿رِزْقاً﴾ كأنه قال: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم شيئا، وإما منصوب برزق، أي أن يرزق شيئا، والوجه الأول أوجه؛ لأن الرزق اسم، والاسم لا يعمل إلا شاذا، ولأن البدل أبلغ في المعنى. ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الواو عائد إلى ضمير «ما» حملا على المعنى. البلاغة: ﴿عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ صيغة مبالغة.

стр. 4277

المفردات اللغوية: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ﴾ ولم تكونوا شيئا. ﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم. ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أردؤه وأخسه، بسبب الهرم والخرف، قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة. ﴿عَلِيمٌ﴾ بتدبير خلقه. ﴿قَدِيرٌ﴾ على ما يريده. ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ أي فاوت بين أرزاقكم، فمنكم غني وفقير ومالك ومملوك. ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ الأغنياء والأسياد ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ أي بمعطي رزقهم من الأموال وغيرها لمماليكهم، وجاعليها شركة بينهم وبين مماليكهم. ﴿فَهُمْ﴾ أي المماليك والأسياد (الموالي) ﴿فِيهِ سَواءٌ﴾ شركاء. والمعنى: ليس لهم شركاء من مماليكهم في أموالهم، فكيف يجعلون بعض مماليك الله شركاء له. ﴿يَجْحَدُونَ﴾ يكفرون حيث يجعلون له شركاء. وقرئ «تجحدون». ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ أي جعلها لكم من جنسكم لتأنسوا بها، ولتكون أولادكم مثلكم. ﴿وَحَفَدَةً﴾ أي أولاد الأولاد جمع حفيد. ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ من أنواع الثمار والحبوب والحيوان ونحوها من اللذائذ أو من الحلالات. ومن للتبعيض، فإن المرزوق في الدنيا أنموذج من الطيبات. ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي بالأصنام. ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ حيث أضافوا نعمه إلى الأصنام، بإشراكهم، أو حرموا ما أحلّ الله لهم. وتقديم الصلة على الفعل إما للاهتمام بها، أو للتخصيص مبالغة، أو للمحافظة على فواصل الآيات بالسجع. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي غيره. ﴿رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ﴾ بالمطر. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بالنبات. ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ولا يقدرون على شيء، وهم الأصنام. ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ لا تجعلوا لله أشباها أو أمثالا تشركونهم به، أو تقيسونهم عليه، فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال. ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ﴾ ألا مثل له، وفساد القياس الذي تقيسونه. ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، ولو علمتم لما جرأتم عليه. وهو تعليل للنهي. أو أنه يعلم كنه الأشياء، وأنتم لا تعلمونه، فدعوا رأيكم دون نصه. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى عجائب أحوال الحيوانات، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس، فذكر مراتب عمر الإنسان وهي أربعة: سن النشوء والنماء (الطفولة) وسن الشباب، وسن الكهولة، وسن الشيخوخة، وذلك دليل على كمال قدرة الله ووحدانيته.

стр. 4278

ثم ذكر تفاوت الناس في أرزاقهم، كما قال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزخرف ٣٢/ ٤٣] وهي من قسمة الخلاق. ثم ذكر نعمة ثالثة ورابعة وهي جعل الأزواج من جنس الذكور، والرزق من الطيبات من نبات كالثمار والحبوب والأشربة، ومن حيوان مختلف الأنواع. التفسير والبيان: تستمر الآيات في تعداد مظاهر قدرة الله وعظمته وألوهيته ونعمه، وهي متعلقة هنا بالإنسان، فيذكر تعالى مراحل نشوء الإنسان، وأنه هو سبحانه الذي أنشأ الناس من العدم، ثم بعد ذلك يتوفاهم، ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم، وهو الضعف في الخلقة، فقال: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ.﴾ .. أي والله أوجدكم يا بني آدم، ولم تكونوا شيئا، ثم حدد لأعماركم آجالا معينة، فمنكم من يتوفاه عند انقضاء آجالكم، ومنكم من يهرم ويصير في أرذل العمر وأسوئه وهو حال ضعف القوى والحواس والخرف، أو فقدها، وقلة الحفظ والعلم، كما قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤/ ٣٠] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس ٦٨/ ٣٦] وقال : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين ٤/ ٩٥ - ٥]. وروى البخاري وابن مردويه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يدعو: «أعوذ بك من البخل والكسل والهرم وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات» وفي حديث سعد بن أبي وقاص: «وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر». وروي عن علي ﵁: أرذل العمر: خمس وسبعون سنة. وهذا أمر غير مطرد، وربما كان هذا هو الغالب في الماضي.

стр. 4279

﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً.﴾. أي نرده إلى أرذل العمر، ليصبح غير عالم بشيء، وجاهلا كما كان وقت الطفولة، ونسّاء لضعف ذاكرته. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أي إن الله عليم بكل شيء، فيجعل الإنسان في حال من القوة والضعف على وفق الحكمة، وقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء أبدا. هذا شأن تفاوت الناس في الأعمار، أردفه ببيان تفاوتهم في الأرزاق فقال: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ.﴾. أي أن الله تعالى جعلكم متفاوتين في الأرزاق، فهناك الغني والفقير والمتوسط لحكمة اقتضتها ظروف المعيشة، والمصلحة للإنسان نفسه، وليتخذ بعضكم بعضا سخريا. ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا.﴾. أي فما الذين فضّلوا بالرزق وهم السادة الملاك أو الموالي بجاعلي أرزاقهم شركة على قدم المساواة بينهم وبين مماليكهم. وهذا مثل ضربه الله للعبرة، مفاده أنه إذا كنتم لم ترضوا بهذه المساواة بينكم وبين خدمكم، وهم أمثالكم في الإنسانية، فكيف تسوون بين الخالق والمخلوق، وبينه وبين هذه الأصنام، وتشركون به ما لا يليق به من عبيدي ومخلوقاتي؟ ويوضح المثل آية أخرى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ، هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ، فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ، تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨/ ٣٠]. ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾؟ أي أتشركون بالله بعبادتكم الأصنام، فتجحدون بنعمة الله عليكم؟ لأن من أثبت شريكا لله، فقد نسب إليه بعض النعم والخيرات، فكان جاحدا لكونها من عند الله تعالى. أو أتجحدون بنعمة الله عليكم بعد تقرير هذه البيانات وإيضاح هذه الدلالات على وحدانية الله، والتي يفهمها كل عاقل؟! فهذا إنكار على المشركين جحودهم نعم الله عليهم.

стр. 4280

ومن جليل نعمه تعالى على عباده أمور أخرى منها: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي والله جعل لكم أيها العبيد المخلوقون لله أزواجا من جنسكم وشكلكم لتحقيق الأنس والانسجام والائتلاف وقضاء المصالح، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، فمن رحمته جعل الذكور والإناث من جنس واحد. ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة، أي أولاد البنين. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي ورزقكم من طيبات الرزق التي تستطيبونها في الدنيا، من مطعم ومشرب وملبس ومسكن ومركب. ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾؟ أي أيصدقون بالباطل وهو أن الأصنام شركاء لله في النفع والضرر، وأنها تشفع عنده، وأن الطيبات التي أحلها الله لهم كالبحيرة والسائبة والوصيلة هي حرام عليهم، وأن المحرمات التي حرمها الله عليهم كالميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النّصب هي حلال لهم؟ وهذا توبيخ وتأنيب لهم على تلك الأحكام الباطلة، وعلى إنعام الله في تحليل الطيبات، وتحريم الخبيثات. ﴿وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ أي ويجحدون بهذه النعم الجليلة، فينسبونها إلى غير الخالق من صنم أو وثن؟! ويسترون نعم الله عليهم. جاء في الحديث الصحيح: «إن الله يقول للعبد يوم القيامة ممتنا عليه: ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟». ثم أخبر الله تعالى عن المشركين الذين عبدوا معه غيره، مع أنه هو المنعم المتفضل الخالق الرازق وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون من دونه من الأصنام والأنداد والأوثان ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا، فقال:

стр. 4281

﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ.﴾. أي ويعبد هؤلاء المشركون بالله ما لا يستطيع تقديم الأرزاق لهم من السماء والأرض، فلا يقدر على إنزال المطر، ولا إنبات الزرع والشجر، بل ولا يملكون ذلك لأنفسهم، فليس لهم الإمداد بالرزق لأنفسهم ولغيرهم، ولا يقدرون عليه، لو أرادوه. وفائدة قوله: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ نفي الملك وتحصيل الملك، فمن لا يملك شيئا قد يكون مستطيعا أن يتملكه بطريق ما، فأبان تعالى أن هذه الأصنام لا تملك، وليس في استطاعتها أيضا تحصيل الملك (١). وجمع ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ بالواو والنون المختص بأولي العلم اعتبارا لما يعتقدون فيها أنها آلهة. ونتيجة ما ذكر: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ أي لا تجعلوا له أندادا وأشباها وأمثالا، ولا تشبهوه بخلقه، قال ابن عباس-فيما رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم في هذه الآية-: أي لا تجعلوا معي إلها غيري، فإنه لا إله غيري. ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي إن الله يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم بجهلكم تشركون به غيره. وإن الله تعالى يعلم ما عليكم من العقاب الشديد، بسبب عبادة هذه الأصنام، فاتركوا عبادتها، وأنتم لا تعلمون ذلك، ولو علمتموه لتركتم عبادتها. وهذا تهديد شديد على عظم جرمهم وكفرهم ومعاصيهم، وردّ على عبدة الأصنام. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يلي: ١ - إن الله تعالى هو المتصرف في شؤون الإنسان من حياة أو موت، فهو

стр. 4282

خلقه وهو يتوفاه في أجل معين، وهو الذي يحميه من الأمراض، أو يرده إلى أرذل العمر حال الكبر يعني أردأه وأوضعه، وهو الخرف ونقص القوة والعقل وسوء الحفظ وقلة العلم، فيصبح كالصبي الذي لا عقل له، ولا يعلم ما كان يعلم قبل من الأمور لفرط الكبر. ودلت الآية أيضا على تفاوت الناس في الأعمار. وهذا دليل على وجود إله عالم فاعل مختار، وعلى صحة البعث والقيامة؛ لأن الانتقال من العدم إلى الوجود كالعودة إلى الوجود مرة أخرى. ٢ - لله تعالى الحكمة البالغة في قسمة الأرزاق بين العباد، فجعل منهم الغني والفقير والمتوسط، ليتكامل الكون، ويتعايش الناس، ويخدم بعضهم بعضا، ويحجب عن الإنسان انزلاقه في المعاصي، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ، لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى ٢٧/ ٤٢] فالآية دليل على أن التفاوت في الأرزاق كالتفاوت في الأعمار. ورتّب الله على هذا التفاوت في الأرزاق نتيجة منطقية تمس الاعتقاد في مثل ضربه الله لعبدة الأصنام وهو: إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء؟ فلما لم يجيزوا لأنفسهم أن يشركهم عبيدهم في أموالهم، لم يجز لهم أن يشاركوا الله تعالى في عبادة غيره من الأوثان وغيرها مما عبد، كالملائكة والأنبياء، وهم عبيده وخلقه. والتفاوت ليس مختصا بالمال، بل هو حاصل في الذكاء والبلادة والحسن والقبح والعقل والحمق والصحة والسقم والاسم الحسن والقبيح. ٣ - من نعم الله على عباده جعل الزوجات من جنس الأزواج وشكلهم، وفي هذا ردّ على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوّج الجن وتباضعها. ومن نعمه سبحانه إنجاب الذرية من بنين وبنات وحفدة (أولاد البنين). ومن نعمه رزق الطيبات من الثمار والحبوب والحيوان وغير ذلك.

стр. 4283

والآية تومئ إلى ضرورة التعاون بين الأزواج والبنين والحفدة؛ لأنهم أسرة واحدة. ومن السنة النبوية أن الرجل يعين زوجته؛ روت عائشة أن النبي ﷺ كان يكون في مهنة أهله، فإذا سمع الأذان خرج. ومن أخلاق النبي ﷺ : أنه كان يخصف النعل، ويقمّ البيت، ويخيط الثوب. ومن قدر على نفقة خادمة واحدة أو أكثر فعل، على قدر الثروة والمنزلة. وهذا أمر متروك للعرف، فنساء الريف و الأعراب والبادية يخدمن أزواجهن، ونساء المدن يعينهن الزوج، أو يستأجر لهن الخادمة إذا كان من أهل الثروة. ٤ - من حماقة المشركين وجهالتهم أنهم يعبدون أصناما لا تضر ولا تنفع ولا تشفع، فلا تملك إمداد غيرها ولا أنفسها بالرزق من إنزال المطر وإنبات النبات، ولا يقدرون أي الأصنام على شيء، فلا تشبهوا بالله هذه الجمادات؛ لأنه واحد قادر لا مثل له. مثلان للأصنام والأوثان ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ الإعراب: ﴿عَبْداً﴾ بدل من ﴿مَثَلاً﴾. ﴿مَمْلُوكاً﴾ صفة قيد بها العبد للتمييز من الحر، فإنه أيضا عبد لله.

стр. 4284

﴿وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً﴾: رزق: فعل يتعدى إلى مفعولين، الأول منهما الهاء في ﴿رَزَقْناهُ﴾ والثاني: ﴿رِزْقاً﴾ وهذا ليس مصدرا؛ لأنه قال: ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً﴾ والإنفاق إنما يكون من الأعيان لا الأحداث. ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ جمع الضمير في الفعل ولم يقل: يستويان، لمكان ﴿مَنْ﴾ لأنه اسم مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث؛ ولأنه للجنسين، فإن المعنى: هل يستوي الأحرار والعبيد؟ ﴿رَجُلَيْنِ﴾ بدل من ﴿مَثَلاً﴾. البلاغة: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ.﴾. فيها استعارة تمثيلية، مثّل فيها الوثن بالأبكم الذي لا ينتفع به بشيء، كما مثله في الآية المتقدمة بالمملوك العاجز عن التصرف رأسا. ﴿سِرًّا وَجَهْراً﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿مَمْلُوكاً﴾ صفة تميزه من الحر، فإنه أيضا عبد لله. ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ من التصرف مطلقا لعدم ملكه. ﴿وَمَنْ رَزَقْناهُ﴾ ﴿مَنْ﴾ نكرة موصوفة أي حرا، لتطابق كلمة ﴿عَبْداً﴾. ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً﴾ أي يتصرف به كيف يشاء، والاول: مثل الأصنام، والثاني: مثله تعالى، والمعنى: مثّل ما يشرك به: بالمملوك العاجز عن التصرف رأسا، ومثّل نفسه: بالحر المالك الذي رزقه الله مالا كثيرا، فهو يتصرف فيه، وينفق منه كيف يشاء، فالأول مقيد والثاني حر طليق. ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ أي الجنسان وهما العبيد والأحرار، أي هل يستوي الأحرار والعبيد؟ لا ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ كل الحمد له لا يستحقه غيره، فضلا عن العبادة لأنه مصدر النعم كلها. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أهل مكة. ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه من العذاب، فيشركون. ﴿أَبْكَمُ﴾ الأبكم: الذي ولد أخرس. ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ من الصنائع أو التدابير؛ لأنه لا يفهم ولا يفهم. ﴿كَلٌّ﴾ ثقيل على وليه وقرابته. ﴿مَوْلاهُ﴾ ولي أمره. ﴿أَيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾ يصرفه. ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ بنجح وكفاية مهم، وهذا مثل الكافر أو الأصنام. ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ الأبكم المذكور. ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي ومن هو ناطق نافع للناس حيث يأمر به ويحث عليه. ﴿صِراطٍ﴾ طريق، وهذا هو المؤمن، أو الله تعالى، أي أن هذا تمثيل ثان ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام، لإبطال المشاركة بينه وبينها، أو هو مثل للمؤمن والكافر.

стр. 4285

سبب النزول: أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً﴾ قال: نزلت في رجل من قريش وعبده، وفي قوله: ﴿رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ﴾ قال: نزلت في عثمان ومولى له كان يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. وفي عبارة أخرى: نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان ومولى له كافر يسمى أسيد بن أبي العاص، كان يكره الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه، ويكفله، ويكفيه المؤونة، وكان المولى ينهاه عن الصدقة والمعروف. المناسبة: بعد أن نهى الله تعالى عن ضرب الأمثال له؛ لأن الله يعلم كيف يضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون، علّمهم كيف تضرب الأمثال، فقال: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان مثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حر مالك قد رزقه الله مالا، فهو يتصرف فيه، وينفق منه كيف شاء. ومثلكم أيضا في الإشراك مثل من سوّى بين رجلين: أحدهما أبكم عاجز، لا يقدر على تحصيل خير، وهو عبء ثقيل على سيده، والآخر ذو فهم ومنطق وكفاية وقدرة ورشد ينفع الناس بالحث على العدل. هل من المعقول التسوية بين الاثنين ؟! أي كيف يسوى الجماد بالله تعالى في الألوهية والعبادة؟! أو كيف يسوى الكافر المخذول والمؤمن الموفق؟! هذان مثلان موضحان بطلان عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا تجيب.

стр. 4286

التفسير والبيان: بعد أن نهى الله تعالى عن الإشراك، أبان بالأمثال الواقعية فساد عبادة الأصنام، فذكر مثلين: أولهما- ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً.﴾. هذا مثل ضربه الله لحالة الأصنام بالمقارنة مع ذاته تعالى، فما مثلكم أيها المشركون في إشراككم بالله الأوثان والأصنام المعبودة التي لا تنفع ولا تضر، إلا كمثل من سوّى بين عبد مملوك لمالكه، عاجز عن التصرف، لا يقدر على شيء، وبين مالك حر التصرف في ملكه، ينفق منه كيف يشاء، ويتصرف فيه كيف يريد، سرا وجهرا، فالأول-مثل الصنم العاجز، والثاني-مثل الإله القادر. وبما أنه لا يعقل بداهة التسوية بين الشخصين: العبد والحر، ولا يجهل الفرق بينهما إلا كل غبي، فكيف يسوى بين الإله القادر على الرزق والإنفاق، وبين هذه الأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شيء أصلا؟ وكيف يسوى بين الضار والنافع؟ لذا قال تعالى نتيجة لهذه المقارنة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي الحمد التام الكامل لله، والثناء الشامل لله، والشكر الجزيل لله المنعم بمختلف النعم، فهو وحده المستحق للحمد، لا تلك الأوثان، بل أكثر أولئك الكفار التي يعبدونها لا يعلمون الحق فيتبعوه، ولا يعرفون المنعم الحقيقي بالنعم الجليلة فيخصوه بالتقديس والتنزيه، والعبادة، والحمد والشكر. وثانيهما-هو أيضا مثل الحق تعالى، ومثل الوثن. وهذا المثل يؤكد ما دل عليه المثل السابق على نحو أوضح، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً:﴾ ﴿رَجُلَيْنِ.﴾ .. أي وضرب الله مثلا لنفسه وللوثن أو الآلهة المعبودة من دونه، مثل رجلين: أحدهما-أبكم لا ينطق ولا يتكلم بخير ولا بشيء ولا يقدر على شيء

стр. 4287

يتعلق بنفسه أو بغيره، وهو مع هذا كلّ أي عيال وكلفة على مولاه الذي يعوله، حيثما أرسله أو بعثه، لا يحقق مطلبا، ولا ينجح في مسعاه، ولا يأتي بخير قط؛ لأنه لا يفهم ما يقال له، ولا مقال لديه، فلا يفهم عنه. والثاني-رجل كامل المواهب والحواس، ينفع نفسه وغيره، يأمر بالعدل أي بالقسط، ويسير على منهج الحق والعدل، ويحكم بالعدل، فمقاله حق، وأفعاله وسيرته مستقيمة، وطريقه مستقيم ودينه قويم. هل يستوي هذان الرجلان؟ الأول عديم النفع، والثاني كامل النفع، والأول كالصنم لا يسمع ولا ينطق. والثاني وهو المتصف بصفات الله الواحد القهار الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته، ويأمرهم بالعدل، ويلتزم العدل في نفسه قضاء وحكما. وإذا كان هذان الرجلان لا يتساويان بداهة، فلا تساوي أصلا بين الحق تعالى، وبين ما يزعمون أنه شريك له. فقه الحياة أو الأحكام: دل هذان المثلان على ضلالة المشركين وبطلان عبادة الأصنام؛ لأن شأن الإله المعبود أن يكون مالكا قادرا على التصرف في الأشياء، وعلى نفع غيره ممن يعبدونه، وعلى الأمر بالخير والعدل، والتزام منهج الاستقامة والقسط في سيرته وسلوكه. والأصنام في المثل الأول فاقدة الملك، عاجزة عن التصرف هي مثل العبيد المملوكين للسادة الموالي. أما الأحرار الملاك الأغنياء كثير والإنفاق سرا وجهرا، فهم القادرون على التصرف. وبما أن العقل لا يجوّز التسوية بين الحر والعبد في التعظيم والإجلال، مع تساويهما في الخلقة والصورة والبشرية، فكيف يجوز

стр. 4288

للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق والإفضال، وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شيء أصلا؟! وهناك قول آخر: وهو أن هذا مثل للمؤمن والكافر، فالمراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر، فهو باعتبار حرمانه من عبودية الله وطاعته كالعبد الذليل الفقير العاجز. والمراد بقوله ﴿وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً﴾ هو المؤمن، فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله، فأبان تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان الله تعالى. قال الرازي: والقول الأول أقرب؛ لأن الآية في إثبات التوحيد، وفي الرد على المشركين. وهذا المثل منتظم مع ما ذكر قبله من بيان نعم الله على أولئك المشركين، وعدم توافر تلك النعم من آلهتهم. وقد احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئا. والأصنام في المثل الثاني لا تقدر على شيء، وأما الله فهو القادر على كل شيء، فالأبكم الذي لا يقدر على شيء هو الوثن، والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى، وهل يستوي هذا الأبكم ومن يأمر بالعدل، وهو على الصراط المستقيم؟! والآمر بالعدل يجب أن يكون موصوفا بالنطق، وإلا لم يكن آمرا. ويجب أن يكون قادرا؛ لأن الأمر مشعر بعلو الرتبة، وذلك لا يحصل إلا مع كونه قادرا. ويجب أن يكون عالما حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور، فدل وصفه بالعدل على وصفه بكونه قادرا عالما. أما الرجل الأول فوصفه بأربع صفات: الأبكم (الأخرس العيي)، ولا يقدر على شيء، وهو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل، وكلّ على مولاه (أي

стр. 4289

غليظ وثقيل على سيده)، وأينما يوجهه، أي يرسله، لا يأت بخير؛ لأنه عاجز لا يحسن التعبير ولا يفهم الكلام، فهل الموصوف بهذه الصفات الأربع يتساوى مع الموصوف بأضدادها، وهو الآمر غير الأبكم، والقادر غير العاجز الذي لا يقدر على شيء وأنه كلّ على مولاه، والعالم غير الذي لا يأتي بخير. علم الله الغيب وخلقه الإنسان والطير ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ لإعراب: ﴿مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ قرئ بضم الهمزة على الأصل، وبكسرها على الاتباع لكسرة نون ﴿بُطُونِ﴾. ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ إما منصوب على المصدر، أي لا تعلمون علما، أو منصوب لأنه مفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾ الذي هو بمعنى (تعرفون) للاقتصار على مفعول واحد، والجملة حال. البلاغة: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ تشبيه مرسل مجمل.

стр. 4290

المفردات اللغوية: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي علم ما غاب فيهما، وهو يختص بعلم الغيب، لا يعلمه غيره، وهو ما غاب فيهما عن العباد، بأن لم يكن محسوسا ولم يدل عليه محسوس، وقيل: يوم القيامة، فإن علمه غائب عن أهل السموات والأرض. ﴿السّاعَةِ﴾ وقت القيامة، سميت بذلك لأنها تفجأ الإنسان في ساعة ما، فيموت الخلق بصيحة واحدة. ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ اللمح: النظر بسرعة، ولمح البصر: رجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها. ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ أو أمرها أقرب منه؛ لأنه بلفظ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. والمعنى: ما أمر قيام القيامة في سرعته وسهولته إلا كلمح البصر ﴿السَّمْعَ﴾ أي الأسماع. ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ جمع فؤاد وهي القلوب. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ كي تعرفوا ما أنعم الله عليكم طورا بعد طور، فتشكروا وتؤمنوا. ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ مذللات للطيران. ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾ الفضاء بين السماء والأرض. ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ عند قبض أجنحتهن أو بسطها أن يقعن. ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ بقدرته. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ أي إن في تسخير الطير للطيران وتمكنها منه، وإمساكها في الهواء وخلق الجو لدلالات على الإله الواحد الخالق. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم المنتفعون بها. المناسبة: بعد أن مثّل تعالى الأصنام أو الكفار بالأبكم العاجز، ومثّل نفسه بالآمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم، ولا يكون كذلك إلا إذا كان كامل العلم والقدرة، أردف ذلك ببيان كمال علمه وقدرته. أما كمال العلم فهو قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾. وأما كمال القدرة فهو قوله: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾. ومن مظاهر كمال قدرته وحكمته: خلق الإنسان في أطواره المختلفة، وتمكين الطير من الطيران في الجو، وهذا وما يأتي بعده من دلائل التوحيد. التفسير والبيان: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي علم الله وحده غيب السموات والأرض، والتعبير يفيد الحصر، معناه: أن العلم بالمغيبات ليس إلا لله، وهو

стр. 4291

مختص بعلم الغيب، فلا اطلاع لأحد على ذلك. إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء. وهذا إخبار عن كمال علم الله تعالى. ثم أخبر عن كمال قدرته وأنه إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، فقال: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ أي وما شأن الساعة (وهي الوقت الذي تقوم فيه القيامة) في سرعة المجيء إلا كطرف العين أو رجع البصر من أعلى الحدقة إلى أسفلها، أو هو أقرب من هذا وأسرع؛ لأن أمره فوري الحدوث والتنفيذ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة ١١٧/ ٢ ومواضع أخرى] ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان ٢٨/ ٣١]. فالله تعالى قادر على إقامة القيامة في أسرع لحظة، ولما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر، ذكره تقريبا للأذهان. ونظير الآية: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [٥٠/ ٥٤] أي فيكون ما يريد كطرف العين. وخص قيام الساعة من بين المغيبات، لكثرة الجدل حوله، وإنكاره من كثير من الناس، فهي محط الأنظار، ومحل البحث والجدل بين المنكرين والموحّدين. والمقصود من الآية: أن شرع التحليل والتحريم إنما يحسن بمن يحيط بالعواقب والمصالح، وأنتم أيها المشركون لا تحيطون بذلك، فلم تتحكمون؟! ثم ذكر تعالى دليل ذلك فقال: ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إن الله قادر على كل شيء، ومن مشتملات قدرته: إقامة الساعة في أسرع من لمح البصر أو غمضة العين. ثم ذكر بعض مظاهر قدرته تعالى ومنته على عباده، فقال: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ.﴾. أي والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، فالإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء، ثم زوده الله

стр. 4292

بالمعارف والعلوم، فرزقه عقلا يفهم به الأشياء، ويميز به بين الخير والشر، وبين النفع والضرر، وهيأ له مفاتيح المعرفة من السمع الذي يسمع به الأصوات ويدركها، والبصر الذي يبصر به الأشخاص والأشياء والفؤاد الذي يعي به الأمور، كقوله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ، قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ. قُلْ: هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك ٢٣/ ٦٧ - ٢٤]. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي لتشكروا نعم الله عليكم، باستعمال كل عضو فيما خلق من أجله، ولتتمكنوا من عبادة ربكم، وتطيعوه فيما أمركم. وذلك كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عادى لي وليا، فقد بارزني بالحرب، وما تقرّب إلى عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها (١)، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن دعاني لأجيبنّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه». أي إن العبد إذا أخلص الطاعة لله، صارت أفعاله كلها لله ، فلا يسمع إلا لله، ولا يبصر إلا لله، أي لما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله ، مستعينا بالله في ذلك كله (٢). ثم ذكر الله تعالى دليلا آخر على كمال قدرته وحكمته فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ.﴾.

стр. 4293

أي ألم ينظروا إلى الطير المذلل المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير بجناحيه في جو السماء، ما يمسكه عن الوقوع إلا الله ، فإنه لولا أنه تعالى خلق الطير خلقة يمكنه معها الطيران، وخلق الهواء أو الجو خلقة يمكن معها الطيران فيه، لما أمكن ذلك، فإنه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويضمه مرة، كما يفعل السباح في الماء، وأوجد له الذيل ليساعده في الهبوط، وخلق الهواء، وجعل ثقله حاملا الطير، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا. وقوله: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ﴾ معناه أن جسم الطائر ثقيل، والجسم الثقيل لا يمكنه التحليق في الجو من غير دعامة تحته، فكان الممسك له في الجو هو الله تعالى، بواسطة الهواء. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن في خلق جناحي الطير، وتسخير الهواء لحملة، لدلالات على قدرة الله ووحدانيته، لا للأصنام والأوثان، لمن يؤمن بالله. وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بتلك الآيات، وإن كانت دلائل لكل العقلاء. ونظير الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ، وَيَقْبِضْنَ، ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك ١٩/ ٦٧]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن علم الغيب في السموات والأرض مختص بالله تعالى، لا يعلم به أحد، إلا من أطلعه الله عليه. وإذا كان الله هو المحيط بالغيب فهو الذي يشرع الحلال والحرام، لا المشركون الجاهلون، الذين لا يدركون عواقب الأمور، ولا يقدرون المصالح.

стр. 4294

٢ - إن قيام الساعة (أي حدوث وقت القيامة) في أسرع من لمح البصر دليل واضح على قدرة الله التامة، فهو سبحانه القدير على كل شيء، وهو الذي يقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال الزجاج: لم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها؛ أي يقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ٣ - إن من نعمه تعالى ومن مظاهر قدرته خلق الناس من بطون أمهاتهم، لا علم لهم بشيء، ثم تزويدهم بوسائل المعرفة والعلم، وهي السمع والأبصار والأفئدة، فبها يعلمون ويدركون. فالسمع لسماع الأوامر والنواهي، والأبصار لرؤية آثار صنع الله، والأفئدة للوصول بها إلى معرفة الله. وذلك كله لشكر نعم الله وإبصار آثار صنعته. والآية دليل على أن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء، ثم تأتي المعارف والعلوم بالتعلم بواسطة الحواس التي هي السمع والبصر. ٤ - ومن مظاهر قدرة الله ووحدانيته جعل الطير قادرة على التحليق والطيران في الجو (وهو ما بين السماء والأرض) وهي مذللة لأمر الله تعالى، وما يمسكها في حال القبض والبسط والاصطفاف إلا الله تعالى، وتلك علامات وعبر ودلالات على القدرة الإلهية، لقوم يؤمنون بالله وبما جاءت به رسله، فإنه لولا خلق الطير على وضع يمكنه الطيران، وخلق الجو على حالة يمكن الطيران فيه، لما أمكن ذلك.

стр. 4295

بعض دلائل التوحيد وأنواع النعم والفضل الإلهي ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)﴾ البلاغة: ﴿ظَعْنِكُمْ﴾ ﴿إِقامَتِكُمْ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ﴾ ﴿يُنْكِرُونَها﴾ بين كل اثنين طباق. ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي والبرد، حذف الثاني استغناء بالأول. المفردات اللغوية: ﴿سَكَناً﴾ أي مسكنا تسكنون فيه. ﴿بُيُوتاً﴾ كالخيام. ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾ تجدونها خفيفة للحمل والنقل. ﴿ظَعْنِكُمْ﴾ سفركم، والظعن بسكون العين أو فتحها: سير أهل البادية لطلب الماء والمرعى. ﴿وَمِنْ أَصْوافِها﴾ الغنم. ﴿وَأَوْبارِها﴾ الإبل. ﴿وَأَشْعارِها﴾ المعز. ﴿أَثاثاً﴾ متاع البيوت، كالفرش والثياب وغيرها. وليس للأثاث واحد من لفظه ﴿وَمَتاعاً﴾ ما يتمتع وينتفع به، وهو ما يتّجر به. ﴿إِلى حِينٍ﴾ إلى مدة من الزمان، فإنها لصلابتها تبقى مدة مديدة. ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ﴾ من البيوت والشجر والغمام. ﴿ظِلالاً﴾ جمع ظل: وهو ما يستظل به من الغمام والشجر والجبال وغيرها، للوقاية من حر الشمس. ﴿أَكْناناً﴾ جمع كنّ: وهو ما يستكن فيه وهو الغار في الجبل والسرب أو النفق. ﴿سَرابِيلَ﴾ جمع سربال: وهو القميص

стр. 4296

من القطن والكتّان والصوف وغيرها، وسرابيل الحرب: الدروع، والسربال يعم كل ما يلبس ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي والبرد. ﴿بَأْسَكُمْ﴾ المراد هنا حربكم، أي تقيكم الطعن والضرب وهي الدروع. والبأس في الأصل: الشدة. ﴿كَذلِكَ﴾ كإتمام هذه النعم التي تقدمت. ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ في الدنيا، بخلق ما تحتاجون إليه. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يا أهل مكة وأمثالكم. ﴿تُسْلِمُونَ﴾ توحدون الله، أي لعلكم تنظرون في نعم الله، فتؤمنون به، أو تنقادون لحكمه. سبب النزول: نزول الآية (٨٣): ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: أن أعرابيا أتى النبي ﷺ ، فسأله، فقرأ عليه: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ قال الأعرابي: نعم، ثم قرأ عليه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ﴾ قال: نعم: ثم قرأ عليه كل ذلك، وهو يقول: نعم، حتى بلغ ﴿كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فولّى الأعرابي، فأنزل الله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَها، وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾. المناسبة: هذه باقة أخرى من فضائل الله ونعمه على بني آدم، ومن دلائل التوحيد، فبعد أن ذكر الله تعالى ما منّ به على الناس من خلقهم وما خلق لهم من مدارك العلم، ذكر ما امتن به عليهم مما ينتفعون به في حياتهم، من أمور أخرى غير دوابهم، من بيوت السكن المبنية من الحجارة وغيرها، والخيام أو بيوت الشعر المصنوعة من جلود الأنعام، والأصواف والأوبار والأشعار التي تصنع منها الملابس والأثاث (المفروشات) والأمتعة التي يتجر بها ويعاش من أرباحها، والحصون والقلاع والمعاقل في الجبال، والثياب الواقية من الحر والبرد، والدروع والجواشن (١) الحامية من السلاح في الحرب.

стр. 4297

التفسير والبيان: هذا امتنان آخر بما أنعم الله على عبيده بالإيواء في المساكن فقال: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ.﴾. أي والله جعل لكم بيوتا هي سكن لكم، تأوون إليها، وتسترون بها، وتنتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ.﴾. أي وجعل لكم أيضا من جلود الأنعام المعروفة بيوتا أي من الأدم، في السفر والحضر، تستخفون حملها يوم سفركم وانتقالكم ويوم إقامتكم، وهي الخيام والقباب، يخف حملها عليكم في الأسفار. وجعل من أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار المعز ما تتخذونه أثاثا لبيوتكم، تكتسون به، وتنتفعون به في الغطاء والفراش، وجعل لكم منها متاعا تتمتعون به من جملة الأموال والتجارات، إلى أجل مسمى وزمن معين في علم الله، فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويتّخذ مالا وتجارة، وهذا كله بحسب عرف العرب في الماضي، وإن تغير الحال اليوم. فالأثاث: متاع البيت من الفرش والأكسية. ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً﴾ أي ومن نعمه تعالى أن جعل لكم من الأشجار والجبال وغيرها ظلالا تستظلون بها من شدة حر الشمس، وشدة عصف الرياح. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً﴾ أي وجعل لكم من الجبال حصونا ومعاقل ومغارات وكهوفا ونحوها، تأمنون فيها من العدو أو حر الشمس أو البرد. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ.﴾. أي وجعل لكم ثيابا من القطن والكتّان والصوف ونحوها، تقيكم شدة الحر، أي والبرد، لكن ذكر الحر لحاجة العرب في بلادهم الحارة إلى اتقاء الحر، وما يقي الحر يقي البرد.

стр. 4298

﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ أي وجعل لكم دروعا من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك، تقيكم البأس والشدة في الحرب والطعن والضرب ورمي النبال، واليوم تقي شظايا القنابل. ﴿كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ.﴾. أي هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وحوائجكم، ليكون عونا لكم على طاعته وعبادته، أو مثل ذلك الإتمام بهذه النعم، يتم نعمة الدنيا والدين عليكم، ونعمة الدنيا والآخرة. ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ يا أهل مكة، أي لتدخلوا في حظيرة الإسلام، وتؤمنوا بالله وحده، وتتركوا الشرك وعبادة الأوثان، فتدخلوا جنة ربكم، وتأمنوا عذابه وعقابه. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما.﴾. أي فإن أعرضوا بعد هذا البيان، وتعداد النعم، فليس عليك شيء، إنما عليك فقط البلاغ لرسالتك، الموضح لمهمتك، المفسر لأصول الاعتقاد ومقاصد الدين، وأسرار التشريع، وقد أديت ذلك، أي إن أعرضوا فلست بقادر على إيجاد الإيمان في نفوسهم، إن عليك إلا البلاغ فحسب. وسبب هذا الإعراض هو ما قاله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ.﴾. أي يعرفون أن الله تعالى هو المنعم عليهم بهذه النعم، المتفضل بها عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك بأفعالهم، ويعبدون معه غيره، ويسندون الرزق والنصر إلى غيره، إذ يقولون: إن هذه النعم إنما حصلت بشفاعة هذه الأصنام، فلم يخصوه تعالى بالشكر والعبادة، بل شكروا غير الله تعالى. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ أي وأكثرهم الجاحدون المعاندون، وأقلهم المؤمنون الصادقون. وإنما قال ﴿أَكْثَرُهُمُ﴾ لأنه كان فيهم من لم يكن معاندا، بل جاهلا بصدق الرسول ﵊، وما ظهر له كونه نبيا حقا من عند الله.

стр. 4299

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على طائفة من النعم التي أنعم الله بها على الناس وهي ما يأتي: ١ - الآية الأولى فيها تعداد نعم الله تعالى على الناس في البيوت، فذكر بيوت المدن أولا، وهي للإقامة الطويلة، ثم ذكر بيوت البدو والأعراب والرعاة، وهي بيوت الأدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف. ٢ - وفي الآية الأولى أيضا أذن الله سبحانه بالانتفاع بصوف الغنم ووبر الإبل وشعر المعز، وفي آية أخرى أذن في الأعظم من ذلك وهو ذبحها وأكل لحومها. ولم يذكر القطن والكتان؛ لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به، وإنما عدّد عليهم ما أنعم به عليهم، وخوطبوا بما عرفوا وألفوا. والآية بعمومها دلت على جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال، حتى إن المالكية والحنفية قالوا: صوف الميتة وشعرها طاهر يجوز الانتفاع به على كل حال، ويغسل مخافة أن يكون علق به وسخ. ويؤيدهم حديث أم سلمة عن النبي ﷺ : «لا بأس بجلد الميتة إذا دبغ، وصوفها وشعرها إذا غسل». وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». وزاد أبو حنيفة فقال: القرن والسّن والعظم مثل الشعر؛ لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها، فلا تنجس بموت الحيوان. وقال باقي الأئمة: إن ذلك نجس كاللحم. وأجاز الزهري والليث بن سعد الانتفاع بجلود ميتة الأنعام، وإن لم تدبغ؛ لأن قوله تعالى: ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ﴾ عام في جلد الحي والميت. وخالفهما جمهور العلماء في ذلك.

стр. 4300

والظاهر من مذهب مالك: أن الدباغ لا يطهر جلد الميتة، ولكن يبيح الانتفاع به في الأشياء اليابسة، ولا يصلّى عليه، ولا يؤكل فيه. وأكثر المدنيين وأكثر أهل الحجاز والعراق على إباحة ذلك وإجازته، للحديث المتقدم: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». وذهب الإمام أحمد إلى أنه لا يجوز الانتفاع بجلود الميتة في شيء، وإن دبغت؛ لأنها كلحم الميتة، واحتج بحديث عبد الله بن عكيم عند أبي داود: «ألا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب». وخالفه بقية الأئمة لحديث شاة ميمونة: الذي رواه عنها أبو داود والنسائي «لو أخذتم إهابها؟ فقالوا: إنها ميتة، فقال: يطهرها الماء والقرظ». والمشهور عند المالكية أن جلد الخنزير لا يدخل في الحديث، ولا يتناوله العموم، وكذلك الكلب عند الشافعي والأوزاعي وأبي ثور: لا يطهر بالدباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه. أما جلد الكلب وما لا يؤكل لحمه فغير معهود الانتفاع به، فلا يطهر. ٣ - دلت الآية الثانية على نعمة الظل والظلال: وهو كل ما يستظل به من البيوت والشجر، وعلى نعمة الأكنان جمع كنّ: وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك، وهي المغاور والكهوف في الجبال، يأوي إليها الناس في البراري، ويتحصنون بها من الأمطار والسيول والأعاصير وغير ذلك. ودلت أيضا على نعمة السرابيل أي القمص، والدروع التي تقي الناس في الحرب. وفي قوله تعالى: ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ دليل على اتخاذ العباد عدّة الجهاد، ليستعينوا بها على قتال الأعداء. ودل آخر الآية: ﴿كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ على إكمال نعم الله وأفضاله بإتمام نعمة الدين والدنيا والآخرة.

стр. 4301

وكل هاتيك النعم لتكون سببا للانقياد والطاعة لله ، شكرا على نعمه. ٤ - تشير الآية الثالثة إلى أن مهمة النبي ﷺ هي التبليغ، وأما الهداية فإلى الله، فإن أعرض الناس عن النظر والاستدلال والإيمان، فعليهم تبعة إعراضهم. ٥ - الآية الرابعة صريحة في أن الكفار يعرفون أن النعم من عند الله، ولكنهم ينكرونها بقولهم: إنهم ورثوا ذلك عن آبائهم، أو بواسطة شفاعة الأصنام. ويعرفون نبوة محمد ﷺ ثم يكذبونه، ويعرفون نعم الله بأقوالهم وينكرونها بأفعالهم، ولا يستعملونها في طلب رضوان الله تعالى. وعيد المشركين وأحوالهم يوم القيامة بعث الشاهد عليهم وعلى المؤمنين وعدم تخفيف العذاب ومضاعفته عليهم وتكذيب المعبودات لهم ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾

стр. 4302

المفردات اللغوية: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ واذكر ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ جيل من الناس ﴿شَهِيداً عَلَيْهِمْ﴾ هو نبيهم يشهد لها وعليها بالإيمان والكفر يوم القيامة ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الاعتذار؛ إذ لا عذر لهم، أي إنهم يستأذنون فلا يؤذن لهم ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى ما يرضي الله ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا ﴿الْعَذابَ﴾ النار ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ العذاب ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يمهلون ويؤخرون إذا رأوه. ﴿شُرَكاءَهُمْ﴾ من الشياطين وغيرها الذين شاركوهم في الكفر بالحث عليه، أو أوثانهم التي دعوها ﴿نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ﴾ نعبدهم أو نطيعهم، وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك، أو التماس بأن يشطر عذابهم ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ أي قالوا لهم ﴿إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي أجابوهم بالتكذيب في أنهم شركاء الله، أو أنهم ما عبدوهم حقيقة، وإنما عبدوا أهواءهم، كقوله تعالى: ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص ٦٣/ ٢٨] ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ [مريم ٨٢/ ١٩] ولا يمتنع إنطاق الله الأصنام به. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ أي استسلموا لحكمه، بعد الاستكبار في الدنيا ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ غاب وضاع عنهم وبطل ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من أن آلهتهم ينصرونهم ويشفعون لهم، حين كذبوهم وتبرؤوا منهم. ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي ومنعوا الناس عن دين الله وهو الإسلام، والحمل على الكفر ﴿زِدْناهُمْ عَذاباً﴾ لصدهم ﴿فَوْقَ الْعَذابِ﴾ المستحق بكفرهم ﴿يُفْسِدُونَ﴾ بصدهم الناس عن الإيمان. ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ واذكر ﴿شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ هو نبيهم، فإن نبي كل أمة بعث منهم ﴿وَجِئْنا بِكَ﴾ يا محمد ﴿شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ﴾ قومك أو أمتك ﴿الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿تِبْياناً﴾ بيانا ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه الناس من أمر الشريعة ﴿وَهُدىً﴾ من الضلالة ﴿وَبُشْرى﴾ بالجنة ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ خاصة، وهم الموحدون الخاضعون لله.

стр. 4303

المناسبة: بعد أن أوضح الله تعالى حال المشركين الذين عرفوا نعمة الله ثم أنكروها، وأبان أن أكثرهم الكافرون، أتبعه بالوعيد، فذكر حالهم يوم القيامة وبعض مشاهدهم من شهادة نبيهم لهم أو عليهم، وعدم تخفيف العذاب عنهم ومضاعفته عليهم، وتكذيب المعبودات لهم أنهم شركاء لله، أو أنهم ما عبدوهم حقيقة، وإنما عبدوا أهواءهم. ثم ذكر تعالى نوعا آخر من التهديدات المانعة من المعاصي: وهو إحضار شاهد على كل أمة، وأن النبي ﷺ شاهد على أمته، وأن من مزاياه بيان أحكام القرآن الذي هو هدى ورحمة وبشرى للمؤمنين بالجنان. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن شأن المشركين وأحوالهم يوم القيامة، فيقول: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾. أي واذكر أيها الرسول لهؤلاء المشركين يوم نبعث من كل أمة شاهدا عليهم، وهو نبيهم يشهد عليهم بما أجابوه عما بلّغهم عن الله تعالى، إما بالإيمان وإما بالكفر والعصيان، كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء ٤١/ ٤]. ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثم لا يسمح للكفار بالاعتذار والدفاع عن أنفسهم، إذ لا حجة لهم، ولأنهم يعلمون كذبهم في الاعتذار، كقوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٥/ ٧٧]. وإيراد ﴿ثُمَّ﴾ يدل على أن منعهم من الكلام والاعتذار أشد عليهم من شهادة نبيهم عليهم.

стр. 4304

﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي ولا يطلب منهم العتاب؛ إذ لا فائدة في العتاب مع سخط الله وغضبه، فإن الرجل يطلب العتاب من خصمه إذا كان جازما أنه إذا عاتبه، رجع إلى صالح العمل، والآخرة دار جزاء لا دار تكليف وعمل، ولا أمل في الرجوع إلى الدنيا. ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا.﴾. أي وإذا عاين الذين أشركوا وجحدوا نبوة الأنبياء العذاب، فلا ينجو منهم أحد، ولا يخفف عنهم من شدته ساعة واحدة، ولا يمهل عقابهم ولا يؤخر عنهم، بل يؤخذون بسرعة من الموقف بلا حساب؛ لأنه فات وقت التوبة والإنابة، وحان وقت الجزاء على الأعمال. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ، سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً، وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ، دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ١، لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً، وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان ١٢/ ٢٥ - ١٤] وقوله سبحانه: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً﴾ [الكهف ٥٣/ ١٨]. ثم أخبر تعالى عن تبري آلهة المشركين منهم في وقت أحوج ما يكونون إليها، وهذا من بقية وعيد المشركين، فقال: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ.﴾ .. أي إذا شاهد المشركون بالله يوم القيامة شركاءهم الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله في الدنيا، ألقوا تبعة شركهم عليها، وقالوا: هؤلاء شركاؤنا الذين كنا نعبدهم وندعوهم من دونك، قاصدين بذلك إحالة الذنب والإثم على هؤلاء الشركاء، وهو شأن المتخبط في عمله، كالغريق الذي يتمسك بما تقع يده عليه. فرد الشركاء قائلين: ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ.﴾. أي قالت لهم الآلهة:

стр. 4305

كذبتم، ما نحن أمرناكم بعبادتنا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ. وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥/ ٤٦ - ٦] وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم ٨١/ ١٩ - ٨٢]. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ أي استسلم العابد والمعبود، وأقروا لله بالربوبية وبالبراءة عن الشركاء والأنداد، وذلوا واستسلموا لله جميعهم، فلا أحد إلا سامع مطيع، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ [السجدة ١٢/ ٣٢]. وقال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم ٣٨/ ١٩] أي ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذ. وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه ١١١/ ٢٠] أي خضعت وذلت واستسلمت. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي وذهب عنهم افتراؤهم بنسبة الشركاء لله، وأنها نصراء وشفعاء لهم، كما حكى تعالى عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ [يونس ١٨/ ١٠] وذلك حين كذبوهم وتبرؤوا منهم. وبعد ذكر وعيد الذين كفروا الضالين، أتبعه بوعيد من ضم إلى كفره صد غيره عن سبيل الله، من الضالين المضلين، فقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا.﴾. أي الذين جحدوا النبوة وأشركوا بالله وكفروا بأنفسهم وحملوا غيرهم على الكفر، وصدوا عن سبيل الله، وهو الإيمان بالله ورسوله، يضاعف الله عقابهم، كما ضاعفوا كفرهم، فهم في الحقيقة ازدادوا كفرا على كفر، فاستحقوا عذابين: عذاب الكفر، وعذاب الإضلال والإفساد، والصد عن سبيل الله، واتباع طريق الحق والإسلام، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٦/ ٦] أي ينهون الناس عن اتباع محمد، ويبتعدون هم منه أيضا.

стр. 4306

﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ أي هذه الزيادة من العذاب بسبب الإفساد والصد. وهذا دليل على أن من دعا غيره إلى الكفر والضلال، فقد عظم عذابه، فكذلك إذا دعا إلى الدين الحق واليقين، فقد عظم قدره عند الله تعالى. والآية دليل على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال تعالى: ﴿قالَ: لِكُلٍّ ضِعْفٌ، وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٨/ ٧]. ثم خصص الله تعالى بالذكر شهادة محمد ﷺ على أمته، وهو نوع آخر من التهديد المانع من المعاصي، فقال مخاطبا رسوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ.﴾. أي واذكر أيها الرسول يوم نبعث في كل أمة (أي قرن وجماعة) نبيها يشهد عليها، قطعا للحجة والمعذرة، وجئنا بك شاهدا على هؤلاء أي أمتك، بما أجابوك به عن رسالتك، فيظهر لك الشرف الرفيع والمقام العظيم. وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله ﷺ صدر سورة النساء، فلما وصل إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء ٤١/ ٤] فقال له رسول الله ﷺ : «حسبك» فقال ابن مسعود ﵁: فالتفتّ، فإذا عيناه تذرفان. ثم أبان الله تعالى بمناسبة بيان شهادة النبي على أمته أنه أزاح علتهم فيما كلفوا، فلم يبق لهم حجة ولا معذرة، فقال: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً.﴾. أي ونزلنا عليك أيها الرسول هذا القرآن تبيانا لكل شيء من العلوم والمعارف الدينية، مما يحتاج إليه الناس في حياتهم، وهدى للضالين، ورحمة لمن صدّق به، وبشرى لمن أسلم لله وجهه، فأطاعه وأناب إليه، بجنان الخلد والثواب العظيم.

стр. 4307

وبيان القرآن لأحكام التشريع حلاله وحرامه إما بالوحي نصا ومعنى مباشرة، وإما بالوحي معنى وهو السنة التي فيها بيان آخر لمجمل القرآن، كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤/ ١٥] وقال ﷺ فيما رواه أبو داود والترمذي عن المقدام بن معديكرب: «إني أوتيت القرآن ومثله معه» ثم يأتي دور الاجتهاد في نطاق النصوص الشرعية، وفي ضوء مبادئ التشريع، وروح الشريعة العامة، وضمن مقاصدها وأهدافها العامة. والاجتهاد يشمل كل مصادر التشريع الأخرى غير النصية من إجماع وقياس واستصلاح واستحسان وعرف وسد ذريعة واستصحاب وغير ذلك. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - كل نبي شاهد على أمته بما أجابوه عن دعوته، وليس في الآخرة مجال للاعتذار عن التقصير والدفاع عن النفس، ولا يكلف الكفار أن يرضوا ربهم يوم القيامة؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يتركون فيرجعوا إلى الدنيا فيتوبوا. ٢ - لا تخفيف لعذاب جهنم عن المشركين الظالمين، فيدخلون فيها، ولا يؤخرون ولا يمهلون، وإنما يؤخذون بسرعة من الموقف بلا نقاش في الحساب، إذ لا توبة لهم حينئذ. ٣ - تتبرأ الآلهة المزعومة من عبادة عابديها، وتكذبهم بأنها لم تكن آلهة، ولا أمرتهم بعبادتها، فينطق الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار. ويستسلم العابد والمعبود لحكم الله فيهم، ويبعث الله المعبودين من أصنام وأوثان وغيرها، فيتّبعهم العابدون حتى يوردوهم النار. ورد في صحيح مسلم من حديث أنس: «من كان يعبد شيئا فليتّبعه، فيتّبع من كان يعبد الشمس

стр. 4308

الشمس، ويتّبع من كان يعبد القمر القمر، ويتّبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت» ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة، وفيه: «فيمثّل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتّبعون ما كانوا يعبدون». ٤ - للكفار الذين يصدون عن سبيل الله وهو سبيل الحق والإسلام عذاب مضاعف بسبب إفسادهم في الدنيا بالكفر والمعصية. ونوع زيادة العذاب موضح في الحديث التالي، روى الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إن أهل النار إذا جزعوا من حرّها، استغاثوا بضحضاح في النار، فإذا أتوه، تلقّاهم عقارب كأنهم البغال الدّهم، وأفاع كأنهن البخاتيّ (١) تضربهم، فذلك الزيادة». ٥ - الأنبياء-كما ذكرنا-شهود على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوهم الرسالة، ودعوهم إلى الإيمان، وفي كل زمان شهيد، وإن لم يكن نبيا، وهم أئمة الهدى خلفاء الأنبياء والعلماء حفظة شرائع الأنبياء. والنبي ﷺ شاهد على أمته والأمم الأخرى، كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢] وقال: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [الحج ٧٨/ ٢٢]. قال القرطبي: فعلى هذا لم تكن فترة إلا وفيها من يوحّد الله، كقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل الذي قال فيه النبي ﷺ : «يبعث أمة وحده» وسطيح (٢)، وورقة بن نوفل الذي قال فيه النبي ﷺ : «رأيته ينغمس

стр. 4309

في أنهار الجنة». فهؤلاء ومن كان مثلهم حجة على أهل زمانهم، وشهيد عليهم (١). ٦ - القرآن الكريم تبيان لكل شيء من أصول التشريع والحلال والحرام، والشرائع والأحكام، ومبادئ الحياة الإنسانية، قال تعالى: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨/ ٦]. وذلك يدل على أنه لا تكليف من الله تعالى إلا ما ورد في هذا القرآن، أي إما جملة وتفصيلا، وإما جملة فقط. أما الأدلة الأخرى كالإجماع وخبر الواحد والقياس، فقد دل القرآن الكريم ذاته على حجيتها، كما هو معروف في علم أصول الفقه. وكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد مستندة إلى تبيان الكتاب، فمن ثم كان تبيانا لكل شيء، كما قال الزمخشري. أجمع آية في القرآن للخير والشر والوفاء بالعهد والهداية والإضلال ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾

стр. 4310

الإعراب: ﴿تَوْكِيدِها﴾ مضاف إليه، وهو مصدر وكّد، ويقال: أكّد في وكّد، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها كما كانت في «أحد» وأصلها «وحد». ﴿أَنْكاثاً﴾ منصوب على المصدر، وعامله ﴿نَقَضَتْ﴾ لأنه بمعنى: نكثت نكثا، أو حال. ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ﴾ حال من ضمير ﴿تَكُونُوا﴾. ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ في موضع نصب على تقدير: كراهة أن تكون أمة، أو لئلا تكون أمة. و ﴿تَكُونَ﴾ تامة، و ﴿أُمَّةٌ﴾ فاعلها. و ﴿هِيَ أَرْبى.﴾. مبتدأ وخبر، والجملة في موضع رفع، صفة ﴿أُمَّةٌ﴾. وهاء ﴿بِهِ﴾ تعود على العهد، وقيل: التكاثر. البلاغة: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ.﴾. مقابلة حيث جمع بين الأمر بثلاثة، ونهى عن ثلاثة. وإيتاء ذي القربى خاص بعد عام للاهتمام به. ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾ تشبيه تمثيلي، شبّه تعالى من يعاهد ثم ينقض عهده بالمرأة التي تغزل غزلا ثم تنقضه.
следующие страницы →