﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ أي هذه الزيادة من العذاب بسبب الإفساد والصد.
وهذا دليل على أن من دعا غيره إلى الكفر والضلال، فقد عظم عذابه، فكذلك إذا دعا إلى الدين الحق واليقين، فقد عظم قدره عند الله تعالى.
والآية دليل على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال تعالى: ﴿قالَ: لِكُلٍّ ضِعْفٌ، وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٨/ ٧].
ثم خصص الله تعالى بالذكر شهادة محمد ﷺ على أمته، وهو نوع آخر من التهديد المانع من المعاصي، فقال مخاطبا رسوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ.﴾.
أي واذكر أيها الرسول يوم نبعث في كل أمة (أي قرن وجماعة) نبيها يشهد عليها، قطعا للحجة والمعذرة، وجئنا بك شاهدا على هؤلاء أي أمتك، بما أجابوك به عن رسالتك، فيظهر لك الشرف الرفيع والمقام العظيم.
وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله ﷺ صدر سورة النساء، فلما وصل إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء ٤١/ ٤]
فقال له رسول الله ﷺ : «حسبك» فقال ابن مسعود ﵁: فالتفتّ، فإذا عيناه تذرفان.
ثم أبان الله تعالى بمناسبة بيان شهادة النبي على أمته أنه أزاح علتهم فيما كلفوا، فلم يبق لهم حجة ولا معذرة، فقال:
﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً.﴾. أي ونزلنا عليك أيها الرسول هذا القرآن تبيانا لكل شيء من العلوم والمعارف الدينية، مما يحتاج إليه الناس في حياتهم، وهدى للضالين، ورحمة لمن صدّق به، وبشرى لمن أسلم لله وجهه، فأطاعه وأناب إليه، بجنان الخلد والثواب العظيم.
стр. 4307
وبيان القرآن لأحكام التشريع حلاله وحرامه إما بالوحي نصا ومعنى مباشرة، وإما بالوحي معنى وهو السنة التي فيها بيان آخر لمجمل القرآن، كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤/ ١٥]
وقال ﷺ فيما رواه أبو داود والترمذي عن المقدام بن معديكرب: «إني أوتيت القرآن ومثله معه» ثم يأتي دور الاجتهاد في نطاق النصوص الشرعية، وفي ضوء مبادئ التشريع، وروح الشريعة العامة، وضمن مقاصدها وأهدافها العامة. والاجتهاد يشمل كل مصادر التشريع الأخرى غير النصية من إجماع وقياس واستصلاح واستحسان وعرف وسد ذريعة واستصحاب وغير ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - كل نبي شاهد على أمته بما أجابوه عن دعوته، وليس في الآخرة مجال للاعتذار عن التقصير والدفاع عن النفس، ولا يكلف الكفار أن يرضوا ربهم يوم القيامة؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يتركون فيرجعوا إلى الدنيا فيتوبوا.
٢ - لا تخفيف لعذاب جهنم عن المشركين الظالمين، فيدخلون فيها، ولا يؤخرون ولا يمهلون، وإنما يؤخذون بسرعة من الموقف بلا نقاش في الحساب، إذ لا توبة لهم حينئذ.
٣ - تتبرأ الآلهة المزعومة من عبادة عابديها، وتكذبهم بأنها لم تكن آلهة، ولا أمرتهم بعبادتها، فينطق الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار.
ويستسلم العابد والمعبود لحكم الله فيهم، ويبعث الله المعبودين من أصنام وأوثان وغيرها، فيتّبعهم العابدون حتى يوردوهم النار.
ورد في صحيح مسلم من حديث أنس: «من كان يعبد شيئا فليتّبعه، فيتّبع من كان يعبد الشمس
стр. 4308
الشمس، ويتّبع من كان يعبد القمر القمر، ويتّبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت»
ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة، وفيه: «فيمثّل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتّبعون ما كانوا يعبدون».
٤ - للكفار الذين يصدون عن سبيل الله وهو سبيل الحق والإسلام عذاب مضاعف بسبب إفسادهم في الدنيا بالكفر والمعصية. ونوع زيادة العذاب موضح في الحديث التالي،
روى الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال:
«إن أهل النار إذا جزعوا من حرّها، استغاثوا بضحضاح في النار، فإذا أتوه، تلقّاهم عقارب كأنهم البغال الدّهم، وأفاع كأنهن البخاتيّ (١) تضربهم، فذلك الزيادة».
٥ - الأنبياء-كما ذكرنا-شهود على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوهم الرسالة، ودعوهم إلى الإيمان، وفي كل زمان شهيد، وإن لم يكن نبيا، وهم أئمة الهدى خلفاء الأنبياء والعلماء حفظة شرائع الأنبياء.
والنبي ﷺ شاهد على أمته والأمم الأخرى، كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢] وقال: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [الحج ٧٨/ ٢٢].
قال القرطبي: فعلى هذا لم تكن فترة إلا وفيها من يوحّد الله، كقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل الذي
قال فيه النبي ﷺ : «يبعث أمة وحده» وسطيح (٢)، وورقة بن نوفل الذي
قال فيه النبي ﷺ : «رأيته ينغمس
стр. 4309
في أنهار الجنة». فهؤلاء ومن كان مثلهم حجة على أهل زمانهم، وشهيد عليهم (١).
٦ - القرآن الكريم تبيان لكل شيء من أصول التشريع والحلال والحرام، والشرائع والأحكام، ومبادئ الحياة الإنسانية، قال تعالى: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨/ ٦].
وذلك يدل على أنه لا تكليف من الله تعالى إلا ما ورد في هذا القرآن، أي إما جملة وتفصيلا، وإما جملة فقط. أما الأدلة الأخرى كالإجماع وخبر الواحد والقياس، فقد دل القرآن الكريم ذاته على حجيتها، كما هو معروف في علم أصول الفقه. وكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد مستندة إلى تبيان الكتاب، فمن ثم كان تبيانا لكل شيء، كما قال الزمخشري.
أجمع آية في القرآن للخير والشر والوفاء بالعهد والهداية والإضلال
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾
стр. 4310
الإعراب:
﴿تَوْكِيدِها﴾ مضاف إليه، وهو مصدر وكّد، ويقال: أكّد في وكّد، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها كما كانت في «أحد» وأصلها «وحد».
﴿أَنْكاثاً﴾ منصوب على المصدر، وعامله ﴿نَقَضَتْ﴾ لأنه بمعنى: نكثت نكثا، أو حال.
﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ﴾ حال من ضمير ﴿تَكُونُوا﴾.
﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ في موضع نصب على تقدير: كراهة أن تكون أمة، أو لئلا تكون أمة.
و ﴿تَكُونَ﴾ تامة، و ﴿أُمَّةٌ﴾ فاعلها. و ﴿هِيَ أَرْبى.﴾. مبتدأ وخبر، والجملة في موضع رفع، صفة ﴿أُمَّةٌ﴾. وهاء ﴿بِهِ﴾ تعود على العهد، وقيل: التكاثر.
البلاغة:
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ.﴾. مقابلة حيث جمع بين الأمر بثلاثة، ونهى عن ثلاثة. وإيتاء ذي القربى خاص بعد عام للاهتمام به. ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾ تشبيه تمثيلي، شبّه تعالى من يعاهد ثم ينقض عهده بالمرأة التي تغزل غزلا ثم تنقضه.
стр. 4311
﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ فيه استعارة القدم للرسوخ في الدين والتمكن فيه، لكون الثبات يكون عادة بالقدم، ثم شبه الانحراف عن الحق بزلل القدم، وهو تشبيه المعنوي بالانزلاق الحسي بطريق الاستعارة.
﴿يُضِلُّ﴾ ﴿وَيَهْدِي﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿يَنْفَدُ﴾ و ﴿باقٍ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿بِالْعَدْلِ﴾ قال ابن عطية: العدل: فعل كل مفروض من عقائد وشرائع وسير مع الناس في أداء الأمانات، وترك الظلم، والإنصاف وإعطاء الحق. والإحسان: فعل كل مندوب إليه (١).
وذكر البيضاوي أن العدل: التوسط في الأمور اعتقادا، كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر، وعملا كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب، وخلقا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير. والإحسان: إحسان الطاعات، وهو إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل، أو بحسب الكيفية، كما
قال ﵊ فيما رواه الشيخان عن عمر: «الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك».
والخلاصة: إن العدل: الإنصاف، والإحسان: إتقان الأعمال والتطوع بالزائد عن الفرائض، ومقابلة الخير بأفضل منه، والشر بأقل منه.
﴿وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ إعطاء القرابة حقهم من الصلة والبر، وخص ذلك بالذكر اهتماما به و ﴿الْفَحْشاءِ﴾ كل قبيح قولا أو فعلا، ويشمل الزنى والسرقة وشرب المسكرات والطمع ونحو ذلك من المذموم ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ ما أنكره الشرع واستقبحه العقل السليم، كالكفر والمعاصي من الضرب الشديد والقتل وغمط حقوق الناس، ونحو ذلك ﴿وَالْبَغْيِ﴾ ظلم الناس، والاستعلاء عليهم وتجاوز الحد، وخصه بالذكر اهتماما، كما بدأ بالفحشاء اهتماما بها ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون.
جاء في المستدرك عن ابن مسعود: وهذه أجمع آية في القرآن للخير والشر. وكانت سبب إسلام عثمان بن مظعون ﵁، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية، لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة للمؤمنين.
﴿بِعَهْدِ اللهِ﴾ العهد: كل ما يلتزمه الإنسان باختياره، ويدخل فيه الوعد والبيع والأيمان وغيرها ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ﴾ نقض اليمين: الحنث فيها، والأيمان هنا: مطلق الأيمان أو أيمان
стр. 4312
العهد ﴿تَوْكِيدِها﴾ توثيقها ﴿كَفِيلاً﴾ شاهدا ورقيبا بالوفاء، حيث حلفتم به، والجملة حال ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ في نقض الأيمان أو العهود، وهو تهديد لهم.
﴿نَقَضَتْ﴾ أفسدت أو فكت غزلها من بعد إبرام وإحكام ﴿غَزْلَها﴾ ما غزلته من صوف ونحوه، وهو مصدر بمعنى المفعول ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ متعلق بنقضت، أي من بعد إحكام له وإبرام ﴿أَنْكاثاً﴾ جمع نكث: وهو ما ينكث بمعنى منكوث وهو المنقوص، أي يحل فتله وينقض بعد غزله. وهي امرأة حمقاء من مكة، كانت تغزل طول يومها، ثم تنقضه. ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ أي لا تكونوا مثلها في اتخاذكم أيمانكم مكرا وخديعة ﴿دَخَلاً﴾ أي فسادا ومكرا وخديعة، وأصل الدّخل: ما يدخل في الشيء، وليس منه، والمراد أن يظهر المرء الوفاء بالعهد ويبطن النقض.
﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ أي لأن تكون جماعة ﴿هِيَ أَرْبى﴾ أكثر وأوفر عددا. والمناسبة: أنهم كانوا يحالفون الحلفاء، فإذا وجدوا أكثر منهم وأعز، نقضوا حلف أولئك، وحالفوهم.
﴿إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ يختبركم الله بما أمر به من الوفاء بالعهد، لينظر المطيع منكم والعاصي، أو يختبركم بكون أمة أربى، لينظر: أتفون بالعهود أم لا؟ ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا من أمر العهد وغيره، بأن يعذب الناكث ويثيب الوافي ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ﴾ هذه المشيئة مشيئة اختيار على مذهب أهل السنة ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ أهل دين واحد، متفقين على الإسلام ﴿وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ أي أنه تعالى جعل ناسا للشقاوة أو الضلال وهم من لم يأخذوا بأسباب الهدى، وكان في سابق علم الله أنهم لو تركوا وأنفسهم لما فعلوا إلا الضلال والفساد والبهتان، وجعل ناسا آخرين للسعادة وهم من اهتدوا بآيات الله، وعلى هذا النحو خلق الضلال والهدى، أما الإضلال فبالخذلان لمن اختار الكفر، عدلا، وأما الهداية فبالتوفيق لاختيار الإيمان والدوام عليه، فضلا.
﴿وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هذا سؤال توبيخ وتبكيت يوم القيامة، لا سؤال تفهم، فهذا منفي في آيات أخرى، مثل: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٣٩/ ٥٥].
﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ كرره تأكيدا، وهو تصريح بالنهي عنه بعد التضمين، تأكيدا ومبالغة في قبح المنهي ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ أي أقدامكم عن محجة الإسلام، وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحدة عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟! ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ استقامتها عليه ﴿السُّوءَ﴾ العذاب في الدنيا ﴿بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي بصدودكم عن الوفاء بالعهد، أو بصدكم غيركم عنه؛ لأنه يستن بكم ﴿وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة.
﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي ولا تستبدلوا بعهد الله وبيعة رسوله عرضا يسيرا من الدنيا، بأن تنقضوه لأجله. والمناسبة: أن قريشا كانوا يعدون بوسائل الإغراء ضعاف المسلمين
стр. 4313
ويشترطون لهم على الارتداد أن يكافئوهم ﴿إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي إن ما عند الله من النصر والغنيمة في الدنيا، والثواب في الآخرة هو خير لكم مما يعدونكم من عطاء في الدنيا ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن كنتم من أهل العلم والتمييز، وتعلمون ذلك، فلا تنقضوا. والخلاصة: إن هذه الآية تحذير من نقض أيمان مخصوصة، وهي نقض عهد رسول الله على الإيمان به، واتباع شرائعه، طمعا في خيرات الدنيا ومغرياتها.
﴿ما عِنْدَكُمْ﴾ من أعراض الدنيا وأمتعتها ﴿يَنْفَدُ﴾ يفنى أو ينقضي ﴿وَما عِنْدَ اللهِ﴾ من خزائن رحمته ﴿باقٍ﴾ دائم لا ينفد ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الوفاء بالعهود وأذى الكفار ومشاق التكاليف ﴿أَجْرَهُمْ﴾ ثوابهم ﴿بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي بجزاء أحسن من أعمالهم، وقال السيوطي: أحسن بمعنى حسن هنا.
سبب النزول:
نزول الآية (٩١):
﴿وَأَوْفُوا﴾: أخرج ابن جرير عن بريدة قال: نزلت هذه الآية في بيعة النبي ﷺ . وأخرج ابن جرير عن مزيدة بن جابر أن الآية نزلت في بيعة النبي ﷺ ، كان من أسلم يبايع على الإسلام، فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ.﴾.
الآية، فلا تحملنكم قلة محمد وأصحابه، وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام، وإن كان في المسلمين قلة، وفي المشركين كثرة.
نزول الآية (٩٢):
﴿وَلا تَكُونُوا﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن أبي حفص: كانت سعيدة الأسدية حمقاء، تجمع الشعر والليف، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾.
المناسبة:
بعد أن أفاض الله تعالى في وعد المتقين ووعيد الكافرين، وأكد الترغيب والترهيب، أتبعه بأوامر جامعة لأمهات الفضائل، وأصول الأخلاق الاجتماعية،
стр. 4314
وأنواع التكاليف المفروضة والنوافل، وهي العدل والإحسان والوفاء بالعهود.
أما آية ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ فهي-كما قال ابن مسعود-أجمع آية في القرآن للخير والشر، وسأذكر الحديث كله. وقال عنها قتادة: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به، ويستحسنوه، إلا أمر الله به، وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدّم فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامّها. ولهذا
جاء في الحديث الذي أخرجه الطبراني وأبو نعيم والحاكم والبيهقي عن سهل بن سعد: «إن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها».
وقال الحافظ أبو يعلى في كتاب معرفة الصحابة عن علي بن عبد الملك بن عمير عن أبيه، قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي ﷺ ، فأراد أن يأتيه، فأبى قومه أن يدعوه، وقالوا: أنت كبيرنا، لم تكن لتخفّ إليه، قال: فليأته من يبلّغه عني ويبلّغني عنه، فانتدب رجلان، فأتيا النبي ﷺ فقالا له: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت، وما أنت؟ فقال النبي ﷺ : أما من أنا؟ فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا فأنا عبد الله ورسوله.
قال: ثم تلا عليهم هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ الآية.
قالوا: ردّد علينا هذا القول، فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم، فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه، فوجدناه زاكي النسب، وسطا في مضر-أي شريفا-وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها-مساوئها-، فكونوا في هذا الأمر رؤساء، ولا تكونوا فيه أذنابا (١).
وقد ورد في نزولها حديث حسن طويل رواه الإمام أحمد، مفاده أنها كانت سببا في إسلام عثمان بن مظعون، وموجزه: أن عثمان بن مظعون كان جليس
стр. 4315
النبي ﷺ وقتا، فقال له عثمان: ما رأيتك تفعل فعلتك الغداة، قال:
وما رأيتني فعلت؟ قال: شخص بصرك إلى السماء، ثم وضعته على يمينك، فتحرفت عني إليه، وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئا يقال لك، قال: أو فطنت لذلك؟ أتاني رسول الله آنفا، وأنت جالس، قال: فماذا قال لك؟ قال لي: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ.﴾. الآية قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي، وأحببت محمدا ﷺ . ورواه ابن أبي حاتم من حديث عبد الحميد بن بهرام مختصرا.
وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: أعظم آية في كتاب الله تعالى: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾. وأكثر آية في كتاب الله تفويضا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢/ ٦٥ - ٣]. وأشد آية في كتاب الله رجاء: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر ٥٣/ ٣٩].
وعن عكرمة: أن النبي ﷺ قرأ على الوليد بن المغيرة هذه الآية، فقال له:
يا ابن أخي، أعد عليّ، فأعادها عليه، فقال له الوليد: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول بشر.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن ﵁: أنه قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ الآية، ثم قال: إن الله جمع لكم الخير كله، والشر كله في آية واحدة، فو الله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله تعالى إلا جمعه وأمر به، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئا إلا جمعه وزجر عنه.
стр. 4316
التفسير والبيان:
هذه الآيات دعائم الحياة الإسلامية وركائز المجتمع الإسلامي، فالآية الأولى يأمر الله فيها عباده بالعدل والإنصاف بصفة مطلقة في كلّ شيء، في التّعامل، والقضاء والحكم، وشؤون الدّين والدّنيا، وسلوك الإنسان مع نفسه ومع غيره، بل وفي الاعتقاد، فلا يعبد بحقّ وعدل غير الله الخالق الرّازق النافع، والآلهة المزعومة من أصنام وأوثان وكواكب وملائكة وأنبياء وأولياء وزعماء لا تستحق شيئا من العبادة والتقديس، قال ابن عباس في آية ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾:
شهادة أن لا إله إلا الله.
روى ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: صف لي العدل، فقلت: بخ، سألت عن أمر جسيم، كن لصغير النّاس أبا، ولكبيرهم ابنا، وللمثل منهم أخا، وللنساء كذلك، وعاقب الناس على قدر ذنوبهم، وعلى قدر ذنوبهم، وعلى قدر أجسامهم، ولا تضربنّ لغضبك سوطا واحدا، فتكون من العادين.
ويندب الله تعالى إلى الإحسان، والإحسان في العبادة: هو كما في
حديث عمر في الصحيحين: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» والإحسان في الجزاء العقاب بالمثل واستيفاء الحق في القتل والجرح عن طريق القصاص (المعاملة بالمثل). والإحسان في وفاء الحقّ أو الدين: أداؤه من غير مماطلة، أو مع الزيادة غير المشروطة المتبرع بها.
وأفضل الإحسان وأعلاه الإحسان إلى المسيء،
فقد أمر النّبي ﷺ به:
«وأحسن إلى من أساء إليك تكن مسلما». وقال عيسى بن مريم ﵇: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك.
وروى البخاري في تاريخه أن علي بن أبي طالب مرّ بقوم يتحدّثون،
стр. 4317
فقال: فيم أنتم؟ فقالوا: نتذاكر المروءة، فقال: أو ما كفاكم الله ذاك في كتابه إذ يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ فالعدل: الإنصاف، والإحسان: التّفضل، فما بقي بعد هذا؟ وقال سفيان بن عيينة: العدل في هذا الموضع: هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا، والإحسان: أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر: أن تكون علانيته أحسن من سريرته.
ويأمر الله في هذه الآية بإيتاء ذي القربى أي بصلة الأرحام والأقارب، بالزيارة والمودة والعطاء والتّصدق عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء ٢٦/ ١٧]، وقد خصّه بالذّكر مع أنه داخل في الإحسان للاهتمام به والعناية بشأنه.
وبعد أن أمر تعالى بثلاثة نهى عن ثلاثة فقال: ﴿وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾، والفحشاء: الشيء المحرم كالزّنى والسّرقة وشرب المسكر وأخذ أموال النّاس بالباطل.
والمنكر: ما قبّحه الشّرع والعقل، وظهر من الفواحش من فاعلها، كالقتل والضرب بغير حق، وازدراء الناس وغمطهم حقوقهم، قال تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ [الأعراف ٣٣/ ٧].
والبغي: ظلم النّاس والاعتداء عليهم؛
جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن أبي بكرة: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدّنيا، مع ما يدّخر لصاحبه في الآخرة، من البغي، وقطيعة الرّحم».
والخلاصة: العدل: أداء الواجب، والإحسان: الزيادة فيه، والفحشاء والمنكر والبغي: تجاوز حدود الشّرع والعقل.
стр. 4318
﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي يأمركم بما يأمركم به من الخير، وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشّر، لتتعظوا وتتذكروا وتعملوا بما فيه مرضاة الله تعالى، فقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ليس المراد منه التّرجي والتّمني، فإن ذلك محال على الله تعالى، فوجب أن يكون معناه: أنه تعالى يعظكم لإرادة أن تتذكّروا طاعته، وهو يدلّ على أنه تعالى يريد الإيمان من الكلّ.
وبعد أن ذكر الله تعالى كلّ المأمورات والمنهيات في الآية الأولى على سبيل الإجمال، خصص بعضها بالذّكر، فبدأ بالأمر بالوفاء بالعهد، فقال تعالى:
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ.﴾. أي ووفوا بالعهود والمواثيق، وحافظوا على الأيمان المؤكدة، وعهد الله: كلّ ما يجب الوفاء به، من تطبيق أحكام الإسلام، وكلّ عهد يلتزمه الإنسان باختياره، والوعد من العهد، كما قال ابن عباس.
ثم أكّد الله تعالى ضرورة الوفاء بالعهد بقوله: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها.﴾. أي واحذروا نقض العهود وأيمان البيعة على الإسلام بعد توثيقها باسم الله. وأكّد ووكّد لغتان فصيحتان. والمراد بالأيمان هنا: هي الدّاخلة في العهود والمواثيق، أي أيمان العهد أو الأحلاف المعقودة، لا الأيمان التي هي واردة على حثّ أو منع.
روى أحمد ومسلم عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدّة» يعني في نصرة الحق والقيام به، والمعنى: أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التّمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه.
وهذا مثل حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق فقال: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه، فتعاقدوا وتعاهدوا ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه، حتى تردّ عليه مظلمته. فسمّت
стр. 4319
قريش ذلك الحلف حلف الفضول، أي حلف الفضائل. ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ أي شهيدا.
ثمّ جعل الله تعالى نفسه رقيبا على العهود لتأكيد احترامها: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ أي إنه مطّلع ومراقب كلّ ما تفعلونه في العهود، من البرّ بها أو النّقض لها، ومحص ذلك عليكم، ومجازيكم على أفعالكم، ثوابا ورضا في حال البرّ والوفاء، وعقابا وسخطا في حال النّقض والعبث والإخلال بأحكام المعاهدة.
وهذا وعد للطائع، ووعيد وتهديد للمخالف الذي ينقض عهده بعد توكيده.
ثم أكّد الله تعالى حرمة العهد مرّة ثالثة فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ..﴾. أي ولا تكونوا في نقض العهود والمواثيق كالتي نقضت غزلها بعد إبرامه. قال عبد الله بن كثير والسّدّي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكّة، كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه. واسمها: ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة.
أو هو مثل لمن نقض عهده بعد توكيده كما قال مجاهد وغيره، فمن نقض العهد كان كمن نقض الغزل بعد فتله وإبرامه، فهو ليس من فعل العقلاء، وإنما في زمرة الحمقى. والأنكاث: الأنقاض.
﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ.﴾. أي تجعلون أيمانكم على الوفاء بالعهد خديعة ومكرا وتغريرا بالطرف الآخر، من أجل أن تكون جماعة أقوى وأكثر عددا وعدّة من جماعة أخرى، بل عليكم الوفاء بالعهود والحفاظ عليها.
فقوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ﴾ معناه أنكم تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم، ليطمئنوا إليكم، فإذا أمكنكم الغدر بهم، غدرتم، فنهى الله عن ذلك، لينبّه بالأدنى على الأعلى، أي إذا نهاكم عن الغدر في هذه الحالة، فلأن ينهى عنه مع التّمكن والقدرة بطريق الأولى. وأربى: أكثر.
стр. 4320
والمقصود: النّهي عن العود إلى الكفر بسبب كثرة الكفار وكثرة أموالهم.
ومن أمثلة الوفاء بالعهد: أن معاوية كان بينه وبين ملك الروم أمد، فسار معاوية إليهم في آخر الأجل، حتى إذا انقضى، وهو قريب من بلادهم، أغار عليهم، وهم غارّون-غافلون-لا يشعرون، فقال له عمرو بن عنبسة: الله أكبر يا معاوية، وفاء لا غدر،
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان بينه وبين قوم أجل، فلا يحلنّ عقدة حتى يمضي أمدها» فرجع معاوية ﵁ بالجيش.
﴿إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ أي إنما يعاملكم معاملة المختبر، بأمره إياكم بالوفاء بالعهد، لينظر أتغترون بالكثرة والقلّة أم تراعون العهد؟! ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ.﴾. أي وليبينن لكم ربّكم يوم القيامة ما كنتم تختلفون فيه، من أمر الإيمان والكفر، والوفاء بالعهد والنّقض، فيجازي كلّ عامل بعمله من خير أو شرّ، وهذا إنذار وتحذير من مخالفة ملّة الإسلام، التي من أهمّ أحكامها وجوب الوفاء بالعهد.
والله قادر على جمعهم على الإيمان وعلى الوفاء بالعهد، فقال: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً.﴾. أي ولو شاء الله لجعل الناس على ملّة واحدة أو دين واحد، بمقتضى الفطرة والغريزة، فتصبحون كالملائكة مخلوقين على منهج الطاعة والانقياد لأمر الله تعالى، فلا اختلاف ولا تباغض ولا شحناء، وإنما وفاق بينكم.
ولكن حكمة الله اقتضت خلقكم متفاوتين في الكسب، كسب الإيمان والتزام الأحكام، مختارين الاعتقاد والعمل، فيضلّ من يشاء ممن سبق في علمه أنه سيختار الضّلال، ويهدي من يشاء ممن علم في الأزل أنه سيفعل الخير ويختار الإيمان.
стр. 4321
﴿وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي ثم يسألكم يوم القيامة سؤال حساب وجزاء، لا سؤال استفهام، عن جميع أعمالكم، فيجازيكم عليها خيرا أو شرّا.
ونظير الآية كثير في القرآن، مثل: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس ٩٩/ ١٠]، ومثل: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٨/ ١١ - ١١٩].
وبعد أن حذّر الله تعالى في الآية الأولى عن نقض العهود والأيمان على الإطلاق، حذّر في قوله: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليها، وهي أيمان البيعة للنّبي ﷺ على الإسلام.
والمعنى: يحذر الله تعالى عباده وينهاهم عن اتّخاذ الأيمان دخلا، أي خديعة ومكرا، تغرون بها الناس، لئلا تزل قدم في الضّلال بعد ثبوتها على الاستقامة والإيمان. وهذا مثل لمن كان على الاستقامة، فحاد عنها، وزلّ عن طريق الهدى، بأيمان حانثة مشتملة على الصّدّ عن سبيل الله؛ لأن الكافر إذا رأى المؤمن قد عاهده، ثم غدر به، لم يعد يثق بالدّين، فانصدّ بسبب الغدر عن الدّخول في الإسلام.
﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ.﴾. أي وتذوقوا العذاب السّيء الشديد وهو القتل والأسر في الدنيا، بسبب صدّكم عن سبيل الله؛ لأن الدخول في الدّين، ثم الخروج منه، مشجع للآخرين بالبعد عن الإسلام.
﴿وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي ولكم عقاب شديد في الآخرة، جزاء المخالفة والانضمام لفئة الأشقياء الضّالين.
أي إنكم إن نقضتم العهد وقعتم في مفاسد ثلاثة:
стр. 4322
١ - البعد عن منهج الاستقامة والنّأي عن طريق الهدى، بعد الثّبات فيهما.
٢ - تحمّل سوء العذاب في الدّنيا بالقتل والأسر وسلب الأموال وهجر الأوطان.
٣ - العقاب في الآخرة جزاء الإعراض عن جادّة الحقّ والإعراض عن أهله.
ثم حذّر الله تعالى عن نقض العهد بالمعاوضات فقال: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي لا تعتاضوا عن الأيمان المحلوفة بالله عرض الحياة الدّنيا وزينتها، فإنها قليلة.
﴿إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي لو خيرت للإنسان الدّنيا بحذافيرها، لكان ما عند الله هو خير له، أي جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به، وهو خير أيضا من ذلك العرض القليل في الدّنيا.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إن كنتم تعلمون التّفاوت بين خيرات الدّنيا وبين خيرات الآخرة.
ووجه الخيرية: ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ أي إن متاع الدّنيا أو نعيمها ينقضي ويفرغ ويزول، وإن طال الأمد، وما عند الله من ثواب في الجنّة باق خالد لا انقطاع ولا نفاد له، فإنه دائم لا يحول ولا يزول.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا.﴾. أي والله لنجازي ونثيب الصابرين الذين صبروا على أذى المشركين وأحكام الإسلام التي تتضمن الوفاء بالعهود، بأحسن أعمالهم ونتجاوز عن سيئها، وهو ثواب عظيم، ووعد حسن بمغفرة السّيئات.
فقه الحياة أو الأحكام:
حدّدت هذه الآيات دعائم المجتمع المسلم في الحياة الخاصة والعامة، للفرد والجماعة والدولة.
стр. 4323
فأمرت الآية بأوامر ثلاثة، ونهت عن نواه ثلاثة، تعتبر محاسن الأخلاق.
أما الأوامر: فهي التزام العدل، والإنصاف بأداء الواجبات والفرائض، وفعل الإحسان وهو الزيادة والتّفضل، أو النافلة المستحبة فوق الفرض والواجب، وإيتاء ذي القربى أي صلة الأقارب والأرحام. وإنما خصّ ذا القربى؛ لأن حقوقهم أوكد، وصلتهم أوجب.
قال ابن عطية: العدل: هو كلّ مفروض من عقائد وشرائع في أداء الأمانات، وترك الظلم والإنصاف، وإعطاء الحقّ. والإحسان: هو فعل كلّ مندوب إليه؛ فمن الأشياء ما هو كلّه مندوب إليه، ومنها ما هو فرض، إلا أنّ حدّ الإجزاء منه داخل في العدل، والتّكميل الزائد على الإجزاء داخل في الإحسان.
وقسم ابن العربي العدل ثلاثة أقسام: عدل مع الله، وعدل مع النفس، وعدل مع الناس، فقال:
العدل بين العبد وبين ربّه: إيثار حقّه تعالى على حظّ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزّواجر والامتثال للأوامر.
وأما العدل بينه وبين نفسه: فمنعها مما فيه هلاكها؛ قال الله تعالى:
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ وعزوب الأطماع عن الاتّباع، ولزوم القناعة في كلّ حال ومعنى.
وأما العدل بينه وبين الخلق: فبذل التّضحية، وترك الخيانة فيما قلّ وكثر، والإنصاف من نفسك لهم بكلّ وجه؛ ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل، لا في سرّ ولا في علن، والصّبر على ما يصيبك منهم من البلوى، وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى.
стр. 4324
وأما النّواهي الثلاثة: فهي عن الفحشاء والمنكر والبغي. والفحشاء:
الفحش، وهو كلّ قبيح من قول أو فعل كالزّنى والغيبة. والمنكر: ما أنكره الشّرع بالنّهي عنه، وهو يعمّ جميع المعاصي والرّذائل والدّناءات على اختلاف أنواعها، وأخطرها الشّرك. والبغي: هو تجاوز الحدّ، كالكبر والظّلم والحقد والتّعدّي. وخصّ بالذّكر، بالرّغم من دخوله تحت المنكر، اهتماما به؛ لشدّة ضرره. ومن معاني
الحديث: «لا ذنب أسرع عقوبة من بغي» «الباغي مصروع»، وقد وعد الله من بغي عليه بالنّصر، وفي بعض الكتب المنزلة:
لو بغى جبل على جبل لجعل الباغي منهما دكّا.
وتضمّنت هذه الآية الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
والآية الثانية خصصت بالذّكر الأمر بالوفاء بالعهد، لخطورة العهود والمواثيق. وعهد الله: لفظ عام يشمل جميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة.
وأكّدت الآية حرمة العهود والمواثيق بعدّة مؤكّدات: أولها النّهي عن نقضها حتى تنتهي مدّتها، بعد تشديدها وتغليظها، وإشهاد الله عليها. وإنما قال تعالى: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ للتّفرقة بين اليمين المؤكّدة بالعزم وبين لغو اليمين.
ثمّ مثّل لنقضها بصورة المرأة الحمقاء التي تنقض غزلها إنقاضا بعد إبرامه وفتله، ثمّ شنّع على النّاقضين باتّخاذ الأيمان خديعة ومكرا وغشّا وتغريرا، ثمّ قبّح البواعث والأهداف من الغدر ونقض العهد تأييدا لقوّة قبيلة كثيرة قوية، وتحلّلا من عهد القبيلة الضّعيفة القليلة العدد، والعدد، فقال تعالى: لا تنقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى، أو أكثر أموالا، فتنقضون أيمانكم، إذا رأيتم الكثرة والسّعة في الدّنيا لأعدائكم المشركين.
стр. 4325
ثم نبّه الله تعالى أن العهود ابتلاء واختبار، وأن الله تعالى سيبيّن الحقائق يوم القيامة في الاختلاف من البعث وغيره.
ثم ذكر تعالى أنه قادر على جعل الناس على ملّة واحدة هي ملّة الإيمان، والاجتماع على الوفاء بالعهود.
ولكنه تعالى يوفق بهدايته من يشاء فضلا منه عليهم، ويضلّ من يشاء بخذلانه إياهم لاختيارهم سبيل الضّلال، عدلا منه فيهم، وسيسأل الجميع عن أفعالهم.
ثم بالغ تعالى في النّهي عن عقد الأيمان والعهود المنطوية على الخديعة والفساد، فتزلّ قدم بعد ثبوتها، أي عن الإيمان بعد المعرفة بالله، وهذا استعارة لمستقيم الحال، الذي لا يوفي بالعهد، فيقع في شرّ عظيم.
ثمّ توعّد تعالى المخادعين في الأيمان والعهود بعذاب في الدّنيا، وعذاب عظيم في الآخرة. وهذا الوعيد الشديد فيمن نقض عهد رسول الله ﷺ ؛ فإن من عاهده، ثمّ نقض عهده، خرج عن الإيمان، وذاق السّوء في الدّنيا: وهو ما يحلّ بهم من المكروه.
ثم حذّر الله تعالى من المتاجرة بالأيمان والعهود، فنهى عن الرّشاوى وأخذ الأموال على نقض العهد، فقال تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي لا تنقضوا عهودكم لعرض قليل من الدّنيا، وإنما كان قليلا وإن كثر؛ لأنه مما يزول، فهو إذن قليل.
ثم بيّن تعالى الفرق بين حال الدّنيا وحال الآخرة، بأن كلّ ما في الدّنيا ينفد ويتحوّل، وما في الآخرة وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته لا يزول، لمن وفّى بالعهد، وثبت على العقد.
стр. 4326
وختم ما ذكر بأن الله سبحانه يجزي الصابرين على الإسلام والطاعات ومنها الوفاء بالعهد، وعن المعاصي، أجرهم على الطاعات، ويتجاوز عن السّيئات، وهذا هو المراد من الجزاء على أحسن أعمالهم.
كلّ هذه الأوامر والنّواهي والمؤكّدات والوعود والمواعيد والتّهديدات والجزاءات من أجل الحفاظ على المعاهدات والعهود والمواثيق، وعدم الإخلال بأحكامها وشروطها ومشتملاتها.
أجمع آية للرجال والنساء في الترغيب بالعمل الصالح
﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾
الإعراب:
قال: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ ثم قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ لأن ﴿مَنْ﴾ يصلح للواحد والجمع، فأعاد مرة على اللفظ ومرة على المعنى.
المفردات اللغوية:
﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ بيّن النوعين دفعا للتخصيص. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قيد في قبول العمل؛ إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب، وإنما يتوقع عليها تخفيف العقاب. ﴿حَياةً طَيِّبَةً﴾ في الدنيا: يعيش عيشا طيبا لا قلق فيه ولا ضجر، فهو إن كان موسرا لم يصرفه الحرص والطمع عن واجبات الدين، وإن كان معسرا طيّب عيشه بالقناعة والرضا بالقسمة والرزق الحلال.
وقيل: ذلك في الآخرة وهي حياة الجنة. ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الطاعة.
المناسبة:
هذه الآية ترغيب للرجل والمرأة في أداء الطاعات والفرائض الدينية، فبعد
стр. 4327
أن رغب الله تعالى المؤمنين في القسم الأول وهو الصبر على ما التزموه من شرائع الإسلام بقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ بأن يجزيهم على أحسن أعمالهم التي تشمل المباحات والمندوبات والواجبات، ويثيبهم على ما عدا المباحات، رغّب المؤمنين في القسم الثاني وهو الإتيان بكل ما كان من شرائع الإسلام.
التفسير والبيان:
هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا، فمن عمل صالح الأعمال، من ذكر أو أنثى، وهي الأعمال المطابقة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فأدى الفرائض، وكان قلبه مؤمنا بالله ورسوله، فله حياة طيبة في الدنيا، وجزاء بأحسن ما عمله في الدار الآخرة.
والحياة الطيبة: تشمل وجوه الراحة المختلفة، وفسرها ابن عباس وجماعة بالرزق الحلال الطيب، أو السعادة، أو العمل بالطاعة والانشراح بها، أو القناعة، والصحيح-كما قال ابن كثير-: أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله، كما
جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه» ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقري.
وروى الترمذي والنسائي عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قد أفلح من هدي للإسلام، وكان عيشه كفافا، وقنع به».
وروى الإمام أحمد ومسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ :
«إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة.
وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا».
стр. 4328
وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يدعو فيقول:
«اللهم قنّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف عليّ كل غائبة لي بخير».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية بوضوح أن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان.
أما إفادته تخفيف العقاب فإنه لا يتوقف على الإيمان.
والحياة الطيبة ذكر فيها خمسة أقوال أصحها أنها تشمل كل مناحي السعادة في الدنيا من الصحة والرزق الحلال الطيب، والطمأنينة النفسية وراحة البال، والتوفيق إلى الطاعات، فإنها تؤدي إلى رضوان الله تعالى.
ما يتعلق بالقرآن
الاستعاذة والنسخ وعربية القرآن
﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥)﴾
стр. 4329
الإعراب:
﴿إِنَّما سُلْطانُهُ﴾ .. ﴿هُمْ بِهِ﴾ هاء (سلطانه) تعود على الشيطان، وهاء ﴿بِهِ﴾ لله تعالى، وهو مما جاء في التنزيل من ضميرين مختلفين، مثل ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ، وَأَمْلى لَهُمْ﴾ [محمد ٢٥/ ٤٧] أي سول الشيطان، وأملى الله تعالى، كقوله: ﴿أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٨/ ٣] وقيل: هاء ﴿بِهِ﴾ تعود على الشيطان أيضا.
﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ معطوفان على محل ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ أي تثبيتا وهداية وبشارة، فهما مفعولان لأجله.
البلاغة:
﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ مجاز مرسل من إطلاق المسبّب على السبب، أي إذا أردت قراءة القرآن.
﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ جملة اعتراضية لبيان حكمة النسخ، وفيه التفات من المتكلم إلى الغائب، وذكر اسم الله للمهابة.
﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ استعار اللسان للغة والكلام، والعرب تستعمل اللسان بمعنى اللغة مثل ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم ٤/ ١٤].
﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ و ﴿عَرَبِيٌّ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أي أردت قراءته ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ.﴾. أي قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي ألجأ إلى الله لحمايتي من وساوس الشيطان في القراءة، وذلك في كل ركعة للمصلي؛ لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياسا. ﴿سُلْطانٌ﴾ تسلط وقوة واستيلاء.
﴿يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ بطاعته، يقال: توليته: أطعته، وتوليت عنه: أعرضت. ﴿هُمْ بِهِ﴾ بالله.
﴿بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ بنسخها أو رفعها وإنزال غيرها، لمصلحة العباد. ﴿قالُوا: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أي قال الكفار للنبي ﷺ : إنما أنت كذاب، تقوله من عندك. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة القرآن وحكمة النسخ وتمييز الخطأ من الصواب. ﴿قُلْ: نَزَّلَهُ﴾ قل لهم يا محمد: ﴿نَزَّلَهُ
стр. 4330
رُوحُ الْقُدُسِ﴾ جبريل، وسمي بذلك؛ لأنه ينزل بالقدس أي بما يطهر النفوس. ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق ينزل، أي نزله ملتبسا بالحكمة المقتضية له. ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الإيمان بأنه كلامه، وإنهم إذا سمعوا الناسخ، وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة، رسخت عقائدهم، واطمأنت قلوبهم. ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ المنقادين لحكمه، وفيه تعريض بحصول أضداد ذلك لغيرهم.
﴿وَلَقَدْ﴾ للتحقيق. ﴿يُعَلِّمُهُ﴾ القرآن. ﴿بَشَرٌ﴾ هو جبر الرومي، غلام عامر بن الحضرمي النصراني، كان قد قرأ التوراة والإنجيل، وكان حدادا، وكان النبي ﷺ يدخل عليه، ويجلس إليه إذا آذاه أهل مكة. ﴿لِسانُ﴾ لغة وكلام. ﴿الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ يميلون إليه، ويشيرون أنه يعلمه. ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ في لسانه عجمة، سواء من العجم أو من العرب، وهو الذي لا يفصح عن مراده. ﴿وَهذا﴾ القرآن ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ذو بيان وفصاحة، فكيف يعلمه أعجمي. والجملتان مستأنفتان لإبطال طعنهم. ﴿لا يَهْدِيهِمُ﴾ لا يخلق الإيمان في قلوبهم، وهذا عام مخصوص فقد اهتدى قوم كفروا بآيات الله تعالى.
﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم في الآخرة. ﴿يَفْتَرِي﴾ يختلق. ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ القرآن بقولهم: هذا من قول البشر؛ لأنهم لا يخافون عقابا يردعهم عنه. ﴿وَأُولئِكَ﴾ إشارة إلى الذين كفروا، أو إلى قريش. ﴿هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ أي الكاذبون على الحقيقة، أو الكاملون في الكذب؛ لأن تكذيب آيات الله والطعن فيها بهذه المزاعم أعظم الكذب، أو الكاذبون في قولهم: إنما أنت مفتر، إنما يعلمه بشر، والتأكيد بالتكرار ردّ لقولهم المذكور.
سبب النزول:
نزول الآية (١٠١):
﴿وَإِذا بَدَّلْنا.﴾. نزلت حين قال المشركون: إن محمدا ﵊ سخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، وينهاهم عنه غدا، أو يأتيهم بما هو أهون عليهم، وما هو إلا مفتري يقوله من تلقاء نفسه، فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي بعدها.
نزول الآية (١٠٣):
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ.﴾. الآية: أخرج ابن أبي حاتم من طريق حصين عن عبد الله بن مسلم الحضرمي قال: كان لنا عبدان: أحدهما يقال له:
стр. 4331
يسار، والآخر جبر، وكانا صقلبيّين، فكانا يقرآن كتابهما، ويعلمان علمهما، وكان رسول الله ﷺ يمرّ بهما، فيستمع قراءتهما، فقالوا: إنما يتعلم منهما، فنزلت.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أنه يجزي المؤمنين بأحسن أعمالهم، أرشد إلى العمل الذي تخلص به أعمالهم من وساوس الشيطان. ثم ذكر بعض وساوسه إلى منكري نبوة محمد ﷺ بإلقاء الشبهات ومنها شبهتان:
الأولى-شبهة النسخ: وهو التبديل، أي رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية: رفعها بآية أخرى غيرها، وهو نسخها بآية سواها.
والثانية-شبهة كون القرآن من تعليم نصراني لا من الله، وكان الردّ مفحما موضحا بطلان هذه الشبهة: وهو أن القرآن كلام عربي مبين، وهذا المعلم المزعوم أعجمي، فكيف يعلّم كلاما عربيا فصيحا؟!
التفسير والبيان:
يأمر الله عباده على لسان نبيه ﷺ إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، فيقول: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ.﴾. أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، أي الجأ إلى الله من وساوس الشيطان المرجوم الملعون المطرود من رحمة الله، حتى لا تلتبس عليك القراءة، ولتتدبر معاني القرآن.
والآية متصلة بما سبق: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
وخطاب النبي ﷺ خطاب لأمته، بل هي أولى؛ لأنه معصوم من وساوس الشيطان وإغوائه.
وظاهر الآية جعل الاستعاذة عقب القراءة، ولكنها قبل القراءة، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة ٦/ ٥] وقوله:
стр. 4332
﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام ١٥٢/ ٦] وقوله: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب ٥٣/ ٣٣] وقوله: ﴿إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة ١٢/ ٥٨] أي إذا أردتم ذلك. ثم إن سبب الاستعاذة وهو دفع وسوسة الشيطان يقتضي تقديم الاستعاذة قبل القراءة.
والاستعاذة أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
والأمر بها أمر ندب بإجماع العلماء، كما حكى ابن جرير وغيره من الأئمة.
وعن الثوري وعطاء: أنها واجبة في الصلاة أو غيرها، عملا بظاهر الآية؛ إذ الأمر للوجوب، لكن الوجوب في رأي الجمهور مصروف عنه إلى الندب؛ لأنه ﷺ لم يعلمها الأعرابي، ولأنه كان يتركها أحيانا.
والاستعاذة في رأي الحنفية وجماعة مطلوبة فقط في أول الصلاة؛ لأنها عمل واحد، مفتتح بقراءة، فتكون في ابتدائها. وفي رأي الشافعية وجماعة: تتكرر في كل ركعة؛ لأنها قد رتّبت على القراءة، وكل ركعة فيها قراءة، فتبدأ الركعة بالاستعاذة.
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ.﴾. أي إن الشيطان أي جنسه ليس له قوة ولا تسلط على المصدقين بلقاء الله، ويفوضون أمورهم إليه. ﴿إِنَّما سُلْطانُهُ.﴾.
أي إنما تسلطه بالغواية والإضلال على الذين أطاعوه واتخذوه وليا ناصرا لهم من دون الله، والذين أشركوه في عبادة الله، ويحتمل أن تكون الباء سببية، أي صاروا بسبب طاعتهم للشيطان وإغوائه لهم مشركين بربهم.
ثم ذكر تعالى شبهتين من شبهات منكري النبوة بتأثير وسوسة الشيطان.
الشبهة الأولى:
﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً.﴾. أي إذا رفعنا آية وجعلنا مكانها آية أخرى لحكمة
стр. 4333
وهدف، والله أعلم بما ينزله من القرآن، ورأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها، عيّروا رسول الله ﷺ ، وقالوا له: إنما أنت مفتر، أي كذاب، متقول على الله، تأمر بشيء ثم تنهى عنه، بل أكثرهم لا يعلمون ما في التغيير من حكمة ومصلحة للناس، ومراعاة لظروف التغير والتطور، وأخذ بمبدإ التدرج في تنزيل الأحكام، فليس محمد بمفتر، وإنما يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، كما قال تعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٠٦/ ٢].
فردّ الله عليهم شبهتهم الواهية آمرا رسوله: ﴿قُلْ: نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ.﴾. أي قل لهم يا محمد: نزّله، أي القرآن المتلو عليكم جبريل ﵇، وقد أضيف أي جبريل إلى القدس وهو الطهر من المآثم، نزّله من ربك بالحق، أي مقترنا بالصدق والعدل والحكمة، وأن النسخ من جملة الحق.
﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. أي ليبلوهم بالنسخ، فيصدقوا بما أنزل أولا وثانيا، وتطمئن له قلوبهم، فإذا قالوا: هو الحق من ربنا، حكم لهم بثبات القدم في الدين وصحة اليقين بأن الله حكيم، فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب.
واستعمال كلمة ﴿نَزَّلَهُ﴾ الدالة على أن التنزيل شيئا فشيئا على حسب الحوادث والمصالح، فيه إشارة-كما قال الزمخشري-إلى أن التبديل من باب المصالح، وأن ترك النسخ بمنزلة إنزاله دفعة واحدة في خروجه عن الحكمة.
﴿وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ معطوف على محل ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ أي إن القرآن بما فيه من نسخ نزل تثبيتا لهم، وإرشادا وهاديا، وبشارة بالجنة للمسلمين الذين أسلموا وجوههم لله، وأطاعوه، وانقادوا لحكمه وأمره، وآمنوا بالله ورسله.
وهذا يدل على أن المسلمين إذا رأوا النسخ، رسخت عقائدهم واطمأنت
стр. 4334
قلوبهم، وثبت الدين في نفوسهم، وتيقنوا من حكمة الله، وهدوا إلى الحق من الضلال والزيغ، وبشروا بجنات تجري من تحتها الأنهار. وأما المشركون فهم على الضد من هذه الصفات.
والشبهة الثانية:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّما يُعَلِّمُهُ.﴾. أي ونحن نعلم تمام العلم ما يقوله المشركون من الكذب والافتراء على محمد ﷺ ، فهم يقولون جهلا: إنما يعلمه هذا القرآن بشر آدمي، وليس وحيا من الله، ويشيرون إلى رجل أعجمي اللسان، لا يعرف العربية، غلام لبعض القرشيين، وكان بياعا يبيع عند الصفا، وربما كان رسول الله ﷺ يجلس إليه، ويكلمه بعض الشيء.
واسمه جبر، وقيل: بلعام، وقيل: يعيش عبد لبني الحضرمي، وكان غلاما للفاكه بن المغيرة أو لعامر بن الحضرمي أو لعتبة بن ربيعة (١)، وكان نصرانيا فأسلم، فإذا سمع المشركون بعض القصص القرآني، قالوا: إنما يعلمه جبر، وهو أعجمي.
فردّ الله عليهم افتراءهم وكذبهم بنحو يدعو إلى العجب، فقال: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ.﴾. أي لسان الذي يميلون ويشيرون إليه أعجمي لا عربي، والقرآن كلام عربي واضح مبين لكل شيء فصيح يدرك بسرعة، بل أفصح ما يكون من العربية، فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته، وبلاغته، ومعانيه التامة الشاملة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على بني إسرائيل، كيف يتعلم من رجل أعجمي لا يحسن التعبير العربي؟! لا يعقل أن يتعلم هذا النبي كلاما من هذا النوع من مثل هذا الرجل الأعجمي.
стр. 4335
ثم كشف الله زيفهم وتوعدهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ..﴾. أي إن الذين لا يصدّقون بالآيات المنزلة على رسوله ﷺ ، ولم يكن لهم قصد إلى الإيمان بما جاء من عند الله، لا يهديهم ولا يوفقهم الله إلى الإيمان بآياته وما أرسل به رسله، لفقد استعدادهم لذلك واقترافهم السيئات، ولهم في الآخرة عذاب أليم موجع. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ أي وأولئك المشركون من قريش هم الكاذبون المفترون، لا أنت يا محمد.
وهذا تصريح بوصفهم بالكذب الذين عرفوا به عند الناس، أما الرسول محمد ﷺ فكان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا ويقينا، معروفا بالصدق في قومه، حتى لقبوه بالأمين محمد.
ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن صفات الرسول ﷺ أجابه بأنه صدوق، وكان فيما قال له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فقال هرقل: فما كان ليدع الكذب على الناس، ويذهب فيكذب على الله .
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الأحكام التالية:
١ - الاستعاذة من الشيطان الرجيم مطلوبة على سبيل الندب عند الشروع في قراءة القرآن، في الصلاة وغيرها، حتى لا يعرض الشيطان بوسوسته للقارئ، فيصده عن تدبر القرآن والعمل بما فيه.
وللشيطان وسوسة في القلب، حتى في حق الأنبياء، بدليل قوله تعالى:
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى، أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ [الحج ٥٢/ ٢٢].
стр. 4336
٢ - ليس للشيطان بحال سلطان وقوة بالإغواء والكفر على المؤمنين المصدقين بالله ورسوله؛ لأن الله تعالى صرف سلطانه عنهم حين قال إبليس:
﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر ٣٩/ ١٥ - ٤٠] قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ [الحجر ٤٢/ ١٥].
لكن قال القرطبي: إن هذا عام يدخله التخصيص، وقد أغوى آدم وحواء ﵉ بسلطانه، وقد شوش على الفضلاء أوقاتهم بقوله: من خلق ربك (١)؟.
٣ - النسخ واقع في القرآن لحكمة هي مراعاة المصالح والحوادث وتطور الأوضاع البشرية. والنسخ: رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخ أو متأخر عنه.
وقد نزل جبريل بالقرآن كله ناسخه ومنسوخه، من كلام ربه لتثبيت المؤمنين بما فيه من الحجج والآيات، ولجعله هاديا ومرشدا ومبشرا للمسلمين بجنات النعيم، فلا يصح للمشركين الاعتراض على النسخ.
وقد ذكرت في تفسير سورة البقرة أن مذهب أبي مسلم الأصفهاني: أن النسخ غير واقع في هذه الشريعة. وقال عن هذه الآية: إذا بدلنا آية مكان آية في الكتب المتقدمة، مثل أنه حوّل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، قال المشركون: أنت مفتر في هذا التبديل، فالآية هي الرسالة أو بعضها.
وقال سائر المفسرين: النسخ واقع في هذه الشريعة، بأدلة واقعية في القرآن والسنة، سبق إيرادها.
стр. 4337
وقال الشافعي ﵀: القرآن لا ينسخ بالسنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ وهذا يقتضي أن الآية لا تصير منسوخة إلا بآية أخرى.
وردّ عليه بأن هذه تدل على أنه تعالى يبدل آية بآية أخرى، ولا دلالة فيها على أنه تعالى لا يبدل آية إلا بآية، وأيضا فجبريل ﵇ قد ينزل بالسنة، كما ينزل بالآية، وأيضا فالسنة قد تكون مثبتة للآية.
٤ - القرآن بلسان عربي مبين، فكيف يصح للمشركين الزعم بأن محمدا الرسول ﷺ يتعلمه من حداد أعجمي مقيم في مكة؟ مع أن الإنس والجن عجزوا أن يعارضوا منه سورة واحدة فأكثر.
٥ - لا يوفق الله للإيمان هؤلاء المشركين الذين لا يؤمنون بالقرآن، لإصرارهم على الكفر وعنادهم، وإعراضهم عن هدي الرسول ﷺ ، ولهم في الآخرة عذاب مؤلم موجع.
٦ - قد صرحت الآية: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ.﴾. بوصف المشركين بالكذب والافتراء جوابا لوصفهم النبي ﷺ بالافتراء. وقوله: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ مبالغة في وصفهم بالكذب، أي كل كذب قليل بالنسبة إلى كذبهم.
المرتدون عن الإسلام والمهاجرون بعد ما فتنوا
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾
стр. 4338
الإعراب:
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ.﴾. ﴿مَنْ﴾ بدل مرفوع من ﴿الْكاذِبُونَ﴾ في قوله: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ أو مبتدأ أو شرطية، والخبر أو الجواب: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وأحسن الوجوه أن ﴿مَنْ﴾ مبتدأ محذوف الخبر. ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ استثناء متصل؛ لأن الكفر يعم القول والنية كالإيمان.
﴿مَنْ شَرَحَ﴾: من: مبتدا مرفوع، وخبره: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ﴾.
﴿صَدْراً﴾ مفعول ﴿شَرَحَ﴾ أي ولكن من شرح بالكفر صدره؛ وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره، فهو نكرة يراد بها المعرفة.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ.﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ.﴾. خبر ﴿إِنَّ﴾ الأولى دل عليه خبر ﴿إِنَّ﴾ الثانية.
المفردات اللغوية:
﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ على الافتراء، أو على النطق بكلمة الكفر فتلفظ به ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ لم تتغير عقيدته، وثبت على ما كان عليه، وفيه دليل على أن الإيمان هو التصديق بالقلب.
﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ له، أي فتحه ووسعه، والمعنى: اعتقده وطابت له نفسه ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ.﴾. هذا وعيد شديد؛ إذ لا أعظم من جرمه، والغضب: أشد من اللعن الذي هو الطرد من رحمة الله ﴿ذلِكَ﴾ الوعيد لهم ﴿بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ اختاروها أو آثروها وقدّموها.
стр. 4339
﴿لا جَرَمَ﴾ حقا ﴿الْخاسِرُونَ﴾ إذ ضيعوا أعمارهم، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد، وصاروا إلى النار المؤبدة عليهم.
﴿هاجَرُوا﴾ من مكة إلى المدينة ﴿مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ عذّبوا أو اختبروا بالعذاب، وتلفظوا بالكفر، كعمار ﵁. ومن قرأ: ﴿فُتِنُوا﴾ معناه كفروا، أو فتنوا الناس عن الإيمان، كالحضرمي أكره مولاه جبرا، حتى ارتد، ثم أسلما وهاجرا ﴿ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ على الجهاد وما أصابهم من المشاق ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها﴾ من بعد الفتنة والهجرة والجهاد والصبر ﴿لَغَفُورٌ﴾ لهم لما فعلوا قبل ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم، منعم عليهم، مجازاة على ما صنعوا بعد.
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ اذكر، وهو يوم القيامة ﴿تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ تحاج وتجادل عن ذاتها وتسعى في خلاصها، لا يهمها شأن غيرها، فتقول: نفسي نفسي. والنفس الأولى: الجثة والبدن، والنفس الثانية: عينها وذاتها ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ تعطى جزاء ما عملت ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ لا ينقصون أجورهم شيئا
سبب النزول:
نزول الآية (١٠٦):
﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ:﴾ أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أراد النبي ﷺ أن يهاجر إلى المدينة، أخذ المشركون بلالا، وخبّابا، وعمار بن ياسر، فأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقيّة، فلما رجع إلى رسول الله ﷺ ، حدّثه فقال: كيف كان قلبك حين قلت: أكان منشرحا بالذي قلت؟ قال: لا، فأنزل الله: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم أيضا عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة أن هاجروا، فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش بالطريق ففتنوهم، فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية.
стр. 4340
روايات أخرى:
في آية ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾:
أخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل: «أن المشركين أخذوا عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سبّ النبي ﷺ ، وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى رسول الله، قال له: ما وراءك؟ قال شر ما تركت، نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال مطمئن بالإيمان، قال: إن عادوا فعد، فنزلت: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾.
وروي: «أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ياسرا وسميّة على الارتداد فأبوا، فربطوا سمية بين بعيرين، ووجئت بحربة في موضع عفتها، وقالوا: إنما أسلمت من أجل الرجال، فقتلوها وقتلوا ياسرا، وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه، فقيل: يا رسول الله، إن عمارا كفر، فقال رسول الله ﷺ : كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله ﷺ ، وهو يبكي، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه، وقال: مالك؟ إن عادوا فعد لهم بما قلت».
نزول الآية (١١٠):
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ﴾: أخرج ابن سعد في الطبقات عن عمر بن الحكم قال:
كان عمار بن ياسر يعذّب، حتى لا يدري ما يقول، وكان صهيب يعذب، حتى لا يدري ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذب، حتى لا يدري ما يقول، وبلال وعامر بن فهيرة وقوم من المسلمين، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن عياشا ﵁ (وكان أخا أبي جهل
стр. 4341
من الرضاعة) وأبا جندل بن سهيل، وسلمة بن هشام، وعبد الله بن سلمة الثقفي، فتنهم المشركون، وعذبوهم، فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثم إنهم بعد ذلك هاجروا، وجاهدوا، فنزلت فيهم هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن عظّم الله تعالى تهديد الكافرين الذين تقولوا الأقاويل على النبي ﷺ ، فوصفوه بأنه مفتر، وأن ما جاء به هو من كلام البشر لا من عند الله، أردف ذلك ببيان من يكفر بلسانه لا بقلبه بسبب الخوف والإكراه، ومن يكفر بلسانه وقلبه معا. ثم ذكر بعده حال من هاجر بعد ما فتن، وهم المستضعفون في مكة.
التفسير والبيان:
من كفر بوجود الله وتوحيده بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به، فعليه غضب من الله ولعنته، وله عذاب شديد في الآخرة، لعلمه بالإيمان، ثم عدوله عنه، ولأنه استحب الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدم على الردة، ولم يهد الله قلبه، ولم يثبته على الدين الحق، فطبع على قلبه، فهو من الغافلين عما يراد، ومن الذين لا يعقلون شيئا ينفعهم، وقد ختم على سمعه وبصره، فهو لا ينتفع بها، ولا أغنت عنه شيئا.
ثم استثنى الله تعالى ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه من أكره فقال:
﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ أي إلا إذا أكره بسبب الضرب والأذى، وقلبه يأبى ما ينطق به في الظاهر، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله بعد الانزعاج الحاصل بسبب الإكراه، كما فعل عمار بن ياسر حينما عذبه مشركو مكة. وأصل الاطمئنان: سكون بعد انزعاج، والمراد هنا السكون والثبات على الإيمان، ومعنى قوله: ﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً.﴾. أي فتحه ووسعه لقبول الكفر.
стр. 4342
ثم ذكر الله تعالى سبب سخطه على المرتد، فقال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا.﴾. أي ذلك الجزاء والغضب من الله والعذاب العظيم من أجل أنهم آثروا الدنيا على الآخرة.
﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي.﴾. أي وأن الله لا يوفق المصرّين على الكفر، الذين أمعنوا في إنكار توحيد الله ونبوة محمد ﷺ .
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ.﴾. أولئك الذين ارتدوا أو كفروا بعد إيمانهم هم الذين ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فلا يؤمنون ولا يسمعون كلام الله ولا يبصرون البراهين والأدلة إبصار تبصر، وأولئك هم الكاملون في الغفلة الذين لا أحد أغفل منهم؛ لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها.
﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ.﴾. أي حقا أو لا بد أنهم هم الهالكون في الآخرة، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
هؤلاء المرتدون الخاسرون حكم الله عليهم بستة أحكام هي:
١ - أنهم استوجبوا غضب الله.
٢ - أنهم استحقوا العذاب الأليم.
٣ - أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.
٤ - أنه تعالى حرمهم من الهداية للطريق القويم.
٥ - أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.
٦ - أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة.
ثم ذكر الله تعالى حكم المستضعفين في مكة، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا.﴾. أي ثم إن ربك يا محمد للذين هاجروا من ديارهم في مكة بعد ما حاول المشركون فتنهم عن دينهم، وجاهدوا المشركين بعدئذ في المعارك، وصبروا
стр. 4343
على جهادهم، بالعون والنصر والتأييد والمغفرة والستر لذنوبهم، والرحمة بهم، فلا يعاقبهم بعد توبتهم وصدق إسلامهم.
فهؤلاء صنف آخر من المؤمنين كانوا مستضعفين بمكة، مهانين في قومهم، فوافقوهم على الفتنة والنطق بالكفر ظاهرا، ثم إنه أمكنهم الخلاص بالهجرة إلى المدينة، تاركين بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا على الأذى، فأخبر تعالى أنه من بعدها أي من بعد تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة، لغفور لهم، رحيم بهم يوم معادهم.
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ.﴾. ﴿يَوْمَ﴾ منصوب برحيم أو بإضمار فعل:
اذكر، أي إنه غفور رحيم بهم يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته، لا يهمه شأن غيره، كل يقول: نفسي نفسي، كقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧/ ٨٠].
ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار عنها، كقولهم: ﴿هؤُلاءِ أَضَلُّونا﴾ [الأعراف ٣٨/ ٧]، ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣/ ٦] ونحو ذلك.
﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ.﴾. أي وتعطى كل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي لا ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على جزاء الشر، ولا يظلمون نقيرا، أي شيئا حقيرا أو صغيرا.
فقه الحياة أو الأحكام:
اشتملت الآيات على الأحكام التالية:
١ - جزاء المرتدين يوم القيامة هو ستة أوصاف ذكرناها. وأما جزاؤهم في
стр. 4344
الدنيا فهو القتل،
لحديث ابن عباس عند الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة): «من بدل دينه فاقتلوه».
٢ - الترخيص للمستكره بالنطق بالكفر ظاهرا مع اطمئنان القلب بالإيمان، فقد أمر النبي ﷺ عمارا أن يعود إلى مجاراة المشركين في القول إن عادوا إلى إكراهه، لكن عدم المجاراة أفضل.
أ-قال العلماء: إن الأمر في الحديث للإباحة، والصارف له عن الوجوب إليها: ما روي عن خبيب بن عدي لما أراد أهل مكة أن يقتلوه أنه لم يعطهم التقية، بل صبر حتى قتل، فكان عند النبي ﷺ خيرا من عمار في إعطائه التقية. ثم إن في الصبر على المكروه إعزازا للدين والإسلام وغيظا للمشركين، فهو بمنزلة من قاتل المشركين حتى قتل، فتأثير الإكراه حينئذ إنما هو إسقاط المأثم فقط، كما
قال ﷺ فيما رواه الطبراني عن ثوبان، وهو صحيح: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» فألحق المكره بالمخطئ والناسي،
وفي رواية أخرى لابن ماجه عن أبي ذر: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان..» إلخ.
وكذلك بلال الحبشي أبى على المشركين المجاراة في القول، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله، فيأبى عليهم، وهو يقول: أحد، أحد، ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، ﵁ وأرضاه.
وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول:
لا أسمع، فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك.
ورواية القصة هي: «أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنت أيضا، فخلاّه، وقال
стр. 4345
للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله ﷺ فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له» (١).
والخلاصة: أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر، فاختار القتل، أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة.
ب-لما سمح الله بالكفر به-وهو أصل الشريعة-عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا أكره الإنسان عليها لم يؤاخذ بما قال أو فعل، ولم يترتب عليه حكم.
ج -قال القرطبي: أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل: أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي، غير محمد بن الحسن، فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلما. وهذا قول يرده الكتاب والسنة، فإنه مخالف لهذه الآية:
﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾.
د-اختلف الفقهاء في طلاق المكره وعتاقه ونكاحه، فذهب الحنفية إلى أن الطلاق ونحوه يلزمه؛ لأن الطلاق يعتمد الاختيار، والإكراه ينفي الرضا ويحقق الاختيار.
وغير الحنفية ذهبوا إلى عدم لزومه، استدلالا
بالحديث المتقدم: «رفع عن أمتي» وحمله الحنفية على رفع الحكم الأخروي وهو الإثم.