من الرضاعة) وأبا جندل بن سهيل، وسلمة بن هشام، وعبد الله بن سلمة الثقفي، فتنهم المشركون، وعذبوهم، فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثم إنهم بعد ذلك هاجروا، وجاهدوا، فنزلت فيهم هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن عظّم الله تعالى تهديد الكافرين الذين تقولوا الأقاويل على النبي ﷺ ، فوصفوه بأنه مفتر، وأن ما جاء به هو من كلام البشر لا من عند الله، أردف ذلك ببيان من يكفر بلسانه لا بقلبه بسبب الخوف والإكراه، ومن يكفر بلسانه وقلبه معا. ثم ذكر بعده حال من هاجر بعد ما فتن، وهم المستضعفون في مكة.
التفسير والبيان:
من كفر بوجود الله وتوحيده بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به، فعليه غضب من الله ولعنته، وله عذاب شديد في الآخرة، لعلمه بالإيمان، ثم عدوله عنه، ولأنه استحب الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدم على الردة، ولم يهد الله قلبه، ولم يثبته على الدين الحق، فطبع على قلبه، فهو من الغافلين عما يراد، ومن الذين لا يعقلون شيئا ينفعهم، وقد ختم على سمعه وبصره، فهو لا ينتفع بها، ولا أغنت عنه شيئا.
ثم استثنى الله تعالى ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه من أكره فقال:
﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ أي إلا إذا أكره بسبب الضرب والأذى، وقلبه يأبى ما ينطق به في الظاهر، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله بعد الانزعاج الحاصل بسبب الإكراه، كما فعل عمار بن ياسر حينما عذبه مشركو مكة. وأصل الاطمئنان: سكون بعد انزعاج، والمراد هنا السكون والثبات على الإيمان، ومعنى قوله: ﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً.﴾. أي فتحه ووسعه لقبول الكفر.
стр. 4342
ثم ذكر الله تعالى سبب سخطه على المرتد، فقال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا.﴾. أي ذلك الجزاء والغضب من الله والعذاب العظيم من أجل أنهم آثروا الدنيا على الآخرة.
﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي.﴾. أي وأن الله لا يوفق المصرّين على الكفر، الذين أمعنوا في إنكار توحيد الله ونبوة محمد ﷺ .
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ.﴾. أولئك الذين ارتدوا أو كفروا بعد إيمانهم هم الذين ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فلا يؤمنون ولا يسمعون كلام الله ولا يبصرون البراهين والأدلة إبصار تبصر، وأولئك هم الكاملون في الغفلة الذين لا أحد أغفل منهم؛ لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها.
﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ.﴾. أي حقا أو لا بد أنهم هم الهالكون في الآخرة، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
هؤلاء المرتدون الخاسرون حكم الله عليهم بستة أحكام هي:
١ - أنهم استوجبوا غضب الله.
٢ - أنهم استحقوا العذاب الأليم.
٣ - أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.
٤ - أنه تعالى حرمهم من الهداية للطريق القويم.
٥ - أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.
٦ - أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة.
ثم ذكر الله تعالى حكم المستضعفين في مكة، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا.﴾. أي ثم إن ربك يا محمد للذين هاجروا من ديارهم في مكة بعد ما حاول المشركون فتنهم عن دينهم، وجاهدوا المشركين بعدئذ في المعارك، وصبروا
стр. 4343
على جهادهم، بالعون والنصر والتأييد والمغفرة والستر لذنوبهم، والرحمة بهم، فلا يعاقبهم بعد توبتهم وصدق إسلامهم.
فهؤلاء صنف آخر من المؤمنين كانوا مستضعفين بمكة، مهانين في قومهم، فوافقوهم على الفتنة والنطق بالكفر ظاهرا، ثم إنه أمكنهم الخلاص بالهجرة إلى المدينة، تاركين بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا على الأذى، فأخبر تعالى أنه من بعدها أي من بعد تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة، لغفور لهم، رحيم بهم يوم معادهم.
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ.﴾. ﴿يَوْمَ﴾ منصوب برحيم أو بإضمار فعل:
اذكر، أي إنه غفور رحيم بهم يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته، لا يهمه شأن غيره، كل يقول: نفسي نفسي، كقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧/ ٨٠].
ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار عنها، كقولهم: ﴿هؤُلاءِ أَضَلُّونا﴾ [الأعراف ٣٨/ ٧]، ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣/ ٦] ونحو ذلك.
﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ.﴾. أي وتعطى كل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي لا ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على جزاء الشر، ولا يظلمون نقيرا، أي شيئا حقيرا أو صغيرا.
فقه الحياة أو الأحكام:
اشتملت الآيات على الأحكام التالية:
١ - جزاء المرتدين يوم القيامة هو ستة أوصاف ذكرناها. وأما جزاؤهم في
стр. 4344
الدنيا فهو القتل،
لحديث ابن عباس عند الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة): «من بدل دينه فاقتلوه».
٢ - الترخيص للمستكره بالنطق بالكفر ظاهرا مع اطمئنان القلب بالإيمان، فقد أمر النبي ﷺ عمارا أن يعود إلى مجاراة المشركين في القول إن عادوا إلى إكراهه، لكن عدم المجاراة أفضل.
أ-قال العلماء: إن الأمر في الحديث للإباحة، والصارف له عن الوجوب إليها: ما روي عن خبيب بن عدي لما أراد أهل مكة أن يقتلوه أنه لم يعطهم التقية، بل صبر حتى قتل، فكان عند النبي ﷺ خيرا من عمار في إعطائه التقية. ثم إن في الصبر على المكروه إعزازا للدين والإسلام وغيظا للمشركين، فهو بمنزلة من قاتل المشركين حتى قتل، فتأثير الإكراه حينئذ إنما هو إسقاط المأثم فقط، كما
قال ﷺ فيما رواه الطبراني عن ثوبان، وهو صحيح: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» فألحق المكره بالمخطئ والناسي،
وفي رواية أخرى لابن ماجه عن أبي ذر: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان..» إلخ.
وكذلك بلال الحبشي أبى على المشركين المجاراة في القول، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله، فيأبى عليهم، وهو يقول: أحد، أحد، ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، ﵁ وأرضاه.
وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول:
لا أسمع، فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك.
ورواية القصة هي: «أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنت أيضا، فخلاّه، وقال
стр. 4345
للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله ﷺ فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له» (١).
والخلاصة: أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر، فاختار القتل، أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة.
ب-لما سمح الله بالكفر به-وهو أصل الشريعة-عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا أكره الإنسان عليها لم يؤاخذ بما قال أو فعل، ولم يترتب عليه حكم.
ج -قال القرطبي: أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل: أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي، غير محمد بن الحسن، فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلما. وهذا قول يرده الكتاب والسنة، فإنه مخالف لهذه الآية:
﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾.
د-اختلف الفقهاء في طلاق المكره وعتاقه ونكاحه، فذهب الحنفية إلى أن الطلاق ونحوه يلزمه؛ لأن الطلاق يعتمد الاختيار، والإكراه ينفي الرضا ويحقق الاختيار.
وغير الحنفية ذهبوا إلى عدم لزومه، استدلالا
بالحديث المتقدم: «رفع عن أمتي» وحمله الحنفية على رفع الحكم الأخروي وهو الإثم.
стр. 4346
هـ -وأما بيع المكره والمضطر فله حالتان:
الأولى-أن يبيع ماله في حق وجب عليه: فذلك نافذ لازم لا رجوع فيه؛ لأنه يلزمه أداء الحق إلى صاحبه من غير المبيع، فلما لم يفعل ذلك، كان بيعه اختيارا منه، فلزمه.
الثانية-بيع المكره ظلما أو قهرا: فهو بيع غير لازم، وهو أولى بمتاعه، يأخذه بلا ثمن، ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم؛ فإن تلف المتاع رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك، على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه.
و-للإكراه مراتب:
الأولى-أن يجب الفعل المكره عليه، مثل الإكراه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة، هنا يجب الأكل؛ لأن صون الروح عن الهلاك واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥/ ٢].
الثانية-أن يصير ذلك الفعل مباحا لا واجبا، كالإكراه على التلفظ بكلمة الكفر، يباح ولا يجب.
الثالثة-ألا يجب ولا يباح بل يحرم، كالإكراه على قتل إنسان أو قطع عضو آخر، يبقى الفعل على الحرمة الأصلية. أما القصاص فيسقط في رأي، ويجب في رأي آخر (١).
قال القرطبي: أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة (٢).
стр. 4347
والخلاصة: ثلاثة أمور لا تباح بحال هي الكفر والقتل والزنى. ويرخص في إجراء كلمة الكفر على اللسان فقط دون استباحة ذلك.
ز-هل يحد الزاني مكرها؟ فيه رأيان: قال بعضهم: عليه الحد؛ لأنه إنما يفعل ذلك باختياره، وقال الأكثرون: لا حد عليه، وهو الصحيح. وإذا استكرهت المرأة على الزنى، فلا حد عليها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ وقوله ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور ٣٣/ ٢٤] يريد الفتيات. والعلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة مستكرهة.
ح-هل يجب الصداق (المهر) للمستكرهة؟ قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لها صداق مثلها. وقال الحنفية والثوري وأصحاب مالك:
إذا أقيم الحد على الذي زنى بها، بطل الصداق. قال ابن المنذر: القول الأول صحيح.
ط -إذا أكره إنسان على إسلام (تسليم) أهله (زوجته) لما لم يحلّ، أسلمها فيما ذكر القرطبي، ولم يقتل نفسه دونها، ولا احتمل أذية في تخليصها.
وإن أمكنه الدفاع عن عرضه وجب ذلك.
ي-يمين المكره غير لازمة عند مالك والشافعي وأبي ثور وأكثر العلماء؛ لأن نيته مخالفة لقوله. وقال الحنفية: إنه إن حلف ألا يفعل ففعل حنث؛ لأن المكره له أن يورّي في يمينه كلها، فلما لم يورّ، فقد قصد إلى اليمين.
ك-إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال، كأصحاب المكس (الجمارك) وظلمة السعاة وأهل الاعتداء، فقال مالك: لا تقيّة له في ذلك، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه، لا ماله. وقال ابن الماجشون: لا يحنث، وإن درأ عن ماله، ولم يخف على بدنه.
стр. 4348
ل-قال المحققون من العلماء: إذا تلفظ المكره بالكفر، فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض، فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، ومتى لم يكن كذلك، كان كافرا؛ لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها، مثل أن يقول: أكفر باللاهي، بزيادة الياء، وكافر بالنبيّ بالتشديد، أي المكان المرتفع من الأرض، أو بالنبيء أي المخبر.
م-حد الإكراه: عند مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور وأكثر العلماء هو الوعيد المخوف، والسجن، والضرب، والإخافة، والإيثاق، والقيد ونحو ذلك.
ونقل عن الحنفية أنهم لم يجعلوا السجن والقيد إكراها على شرب الخمر وأكل الميتة؛ لأنه لا يخاف منهما التلف، وجعلوهما إكراها في إقرار الشخص: لفلان عندي ألف درهم.
٣ - المرتدون استوجبوا غضب الله وعذابه؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وحرموا من هداية الله، وطبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وجعلوا من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة.
٤ - كتب الله المغفرة والرحمة للذين هاجروا من بعد ما فتنوا أي قبلوا فتنة مشركي مكة، ثم جاهدوا مع المؤمنين، وصبروا على الجهاد، وهؤلاء هم المستضعفون، مثل عمار بن ياسر، وجبر مولى الحضرمي الذي أكرهه سيده، فكفر، ثم أسلم مولاه، وأسلم، وحسن إسلامهما، وهاجرا، ومثل المذكورين في سبب النزول: عياش وأبي جندل وسلمة بن هشام وعبد الله بن سلمة، ومثل عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي ارتد ولحق بالمشركين، فأمر النبي ﷺ بقتله يوم فتح مكة، فاستجار بعثمان، فأجاره النبي ﷺ ، ثم صار واليا على مصر.
وقد ذكرت قصة عمّار، وأشير للمعذبين المستضعفين بإيجاز.
قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وخبّاب، وصهيب، وبلال، وعمار، وسمية.
стр. 4349
أما الرسول فحماه أبو طالب، وأما أبو بكر فحماه قومه، وأخذ الآخرون وألبسوا دروع الحديد، ثم أجلسوا في الشمس، فبلغ منهم الجهد بحرّ الشمس والحديد، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبخهم، ويشتم سمية، ثم طعنها بحربة في ملمس العفة.
عاقبة كفران النّعم في الدنيا
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣)﴾
الإعراب:
﴿قَرْيَةً﴾ بدل من ﴿مَثَلاً﴾.
﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ الجملة حال.
البلاغة:
﴿قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً﴾ المراد أهلها على سبيل المجاز المرسل، لأجل أنها مكان الأمن وظرف له، والظروف توصف بما حل فيها.
﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ استعارة مكنية في أذاقها، حذف منها المشبه به، شبه ذلك اللباس لكراهته بالطعام المرّ، وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإذاقة، على طريق الاستعارة المكنية، أي أنه استعار الذوق لإدراك أثر الضرر، واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف، وأوقع الإذاقة عليه، نظرا إلى المستعار له.
المفردات اللغوية:
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً﴾ أي وجعلها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة، فكفروا، فأنزل الله بهم النقمة، أو لمكة ﴿قَرْيَةً﴾ هي مكة، والمراد أهلها، وقال الرازي: والأقرب أنها غير مكة؛ لأنها ضربت مثلا لمكة، وهو غير مكة. ﴿آمِنَةً﴾ من الغارات، لا تهاج. ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾
стр. 4350
لا يحتاج إلى الانتقال عنها لضيق أو خوف. ﴿رِزْقُها﴾ قوتها. ﴿رَغَداً﴾ واسعا. ﴿مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ من نواحيها. ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ أي بنعمه، جمع نعمة، كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس، وكفرانها بتكذيب النبي ﷺ . ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ﴾ فقحطوا سبع سنين.
﴿وَالْخَوْفِ﴾ بتهديدهم بسرايا النبي ﷺ . ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ بصنعهم.
﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ محمد ﷺ . ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ الجوع والخوف. ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ حال التباسهم بالظلم.
المناسبة:
بعد أن هدد الله تعالى الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة، هددهم أيضا بآفات الدنيا وهو الوقوع في الجوع والخوف.
التفسير والبيان:
ذكر الله صفة قرية للعبرة، كانت بأهلها آمنة من العدو، مطمئنة لا يزعجها خوف، يأتيها رزقها الوافر رغدا أي هنيئا سهلا واسعا من سائر البلاد، فكفر أهلها بنعم الله، أي جحدوا بها، فعمّهم الله بالجوع والخوف، وبدلوا بأمنهم خوفا، وبغناهم جوعا وفقرا، وبسرورهم ألما وحزنا، وذاقوا مرارة العيش بعد سعته، بسبب أفعالهم المنكرة.
وجاءهم رسول من جنسهم، فكذبوه فيما أخبرهم به من أنه رسول إليهم، مبلّغ عن ربه بأن يعبدوه ويطيعوه ويشكروه على النعمة، وتمادوا في كفرهم وعنادهم، فعذبوا بعذاب الاستئصال الشامل، حال كونهم ظالمين أنفسهم بالكفر وتكذيب الرسل، متلبسين بالظلم: وهو الكفر والمعاصي، وما ظلمهم الله أبدا.
والمثل: قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة، سواء كان ذلك الشيء موجودا أو لم يكن موجودا، وقد يضرب بشيء موجود معين، فهذه القرية يحتمل أن تكون شيئا مفروضا، ويحتمل أن تكون قرية معينة، وهذه القرية إما مكة
стр. 4351
أو غيرها، وأكثر المفسرين على أنها مكة وأهلها، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة، يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمنا لا يخاف، فجحدت بآلاء الله، وأعظمها بعثة محمد ﷺ ، فأذاقها الله شدة الجوع والخوف، بعد الرفاه والأمن، وأبوا إلا معاندة الرسول ﷺ ،
فدعا عليهم بقوله: «اللهم اشدد ووطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف» فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء وابتلوا بالقحط، فاضطروا إلى أكل الجيف والكلاب الميتة والعظام المحرقة، والعلهز: وهو وبر البعير المخلوط بدمه إذا نحروه. ثم قتل رؤساؤهم في بدر.
وقال الرازي: والأقرب أنها غير مكة، لأنها ضربت مثلا لمكة، ومثل مكة يكون غير مكة. أي أن هذا المثل عبرة لكل قرية، وعلى التخصيص مكة إنذارا من مثل عاقبتها، وهي مثل لكل قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة، فكفروا وتولوا، فأنزل الله بهم نقمته.
وقوله: ﴿آمِنَةً﴾ إشارة إلى الأمن، وقوله: ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ إشارة إلى الصحة بسبب طيب الهواء والمناخ، وقوله: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ إشارة إلى الكفاية (١). وبعد أن وصفت القرية بهذه الصفات الثلاثة قال: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ والأنعام جمع نعمة، وهو جمع قلة، أي أنها كفرت بأنواع قليلة من النعم، فعذبها الله. والمقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كان كفران النعم القليلة موجبا العذاب، فكفران النعم الكثيرة أولى بإيجاب العذاب.
وهذه الصفات، وإن وصفت بها القرية، إلا أن المراد في الحقيقة أهلها،
стр. 4352
لذا قال في آخر الآية: ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وسماه الله لباس الجوع والخوف؛ لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى وجوب الإيمان بالله وبالرسل، وإلى عبادة الله وحده، وشكره على نعمه وآلائه الكثيرة، وإلى أن العذاب الإلهي لا حق بكل من كفر بالله وعصاه، وجحد نعمة الله عليه.
وهذا إنذار ووعيد لأهل كل قرية اتصفوا بالظلم أي بالكفر والمعاصي؛ إذ لا ظلم أشد من ظلم الكفر والمعصية، في حق الله تعالى.
والعذاب أو العقاب من جنس العمل، فإن أهل هذه القرية لما بطروا بالنعمة، بدلوا بنقيضها، وهو محقها وسلبها، ووقعوا في شدة الجوع بعد الشبع، وفي الخوف والهلع بعد الأمن والاطمئنان، وفي انعدام موارد العيش بعد الكفاية.
الحلال الطيب والحرام الخبيث من المأكولات
﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاُشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾
стр. 4353
الإعراب:
﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾: ما مع الفعل بعدها: في تأويل المصدر.
﴿الْكَذِبَ﴾ مفعول ﴿تَصِفُ﴾. ومن قرأه بالجر كان بدلا مجرورا من ﴿لِما﴾ أي ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم.
البلاغة:
﴿حَلالٌ﴾ ﴿حَرامٌ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَكُلُوا﴾ أيها المؤمنون، أمرهم تعالى بأكل ما أحل الله لهم، وشكر ما أنعم عليهم، بعد ما زجرهم عن الكفر، وهددهم عليه.
﴿لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ أي لوصف ألسنتكم، والمراد: لا تحرموا ولا تحللوا بمجرد قول من غير دليل، فمن قال: له وجه يصف الجمال، وعين تصف السحر، أراد أنه جميل، وأن عينه فتانة، وهنا جعل الكذب كأنه حقيقة مجهولة، وكذبهم يشرح تلك الحقيقة.. ﴿هذا حَلالٌ، وَهذا حَرامٌ﴾ لما لم يحله الله ولم يحرمه. ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي لهم متاع في الدنيا. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي ولهم في الآخرة عذاب مؤلم.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا﴾ أي اليهود. ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ في آية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية [الأنعام ١٤٦/ ٦]. ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بتحريم ذلك. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بارتكاب المعاصي الموجبة لذلك. ﴿السُّوءَ﴾ الشرك. ﴿ثُمَّ تابُوا﴾ رجعوا. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ عملهم. ﴿مِنْ بَعْدِها﴾ الجهالة أو التوبة. ﴿لَغَفُورٌ﴾ لهم. ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.
المناسبة:
بعد أن هدد الله تعالى الكفار على كفران النعم، وزجرهم عن الكفر بضرب المثل، أمر المؤمنين بأكل ما أحل الله لهم، وشكر ما أنعم عليهم، والمعنى: أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر، فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة، واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم ونحوهما، ثم أوضح لهم أن التحليل والتحريم ليسا بالهوى والشهوة
стр. 4354
ومحض العقل، وإنما لا بد من دليل أو نص شرعي، وأن ما حرّم على اليهود هو ما ذكر سابقا في سورة الأنعام، وأن من يعمل السوء (وهو كل ما لا ينبغي من الكفر والمعاصي) بجهالة أي بطيش وعدم تدبر العواقب (وكل من عمل السوء، فإنما يفعله بالجهالة) ثم يتوب بعدئذ، فإن الله يغفر له معصيته ويرحمه.
التفسير والبيان:
هذا انتقال من الإنذار والتخويف إلى الاطمئنان، وتهدئة الخواطر، وتطييب النفوس المؤمنة، والإذن بمتاع الحياة الحلال، لا الخبيثة الحرام كالميتة والدم، فكلوا أيها المؤمنون من رزق الله الحلال الطيب، واشكروه على ذلك، فإنه المنعم المتفضل الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، إن كنتم تعبدونه حقا، فتطيعونه فيما أمر، وتنتهون عما نهى، والمراد بالجملة الأخيرة التحريض على العبادة والاستمرار عليها.
والحلال أكثر بكثير من الحرام، ولكنه على وفق ما أذن الله به، لا على النحو الذي كان عليه عرب الجاهلية من تحريم ما أحل الله، لذا ناسب ذلك بيان المحرّمات القليلة أمام الحلال الكثير الواسع، فقال تعالى: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ.﴾. أي إنما حرّم عليكم ربكم محرّمات أربعة فقط؛ لأن لفظة ﴿إِنَّما﴾ تفيد الحصر، وهي أكل الميتة والدم، ولحم الخنزير، وما ذبح على النصب للأصنام، وهو داخل تحت قوله: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ أي ذبح على غير اسم الله، جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عباس: «ملعون من ذبح لغير الله» فلا تحرموا شيئا مما أحله الله لكم.
وقد ذكرت هذه الأنواع الأربعة في سور ثلاث سابقة هي سورة البقرة المدنية: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ.﴾. [الآية: ١٧٣] وسورة المائدة المدنية أيضا:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ.﴾. [الآية: ٣] وسورة الأنعام المكية كهذه السورة:
стр. 4355
﴿إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً.﴾. [الآية: ١٤٥]. وأما المذكور في سورة المائدة من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكي (ذبح حيا) فهو داخل في الميتة.
ثم استثنى تعالى حالة الضرورة فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ.﴾. أي فمن دعته الضرورة وألجأته، واحتاج من غير بغي ولا عدوان إلى تناول شيء من هذه المحرّمات، لمجاعة غلب على ظنه الهلاك فيها، غير باغ على مضطر آخر، بأن ينفرد بتناوله، فيهلك الآخر، ولا عاد أي متجاوز ما يسد الرمق والجوع أي قدر الضرورة، مما يدل على تحريم الشبع وهو مذهب الأكثرين، فإن الله غفور ستار لذنبه أو هفوته، لا يؤاخذه على ذلك، رحيم به أن يعاقبه على مثل ذلك. وفي هذا تيسير وتوسعة على هذه الأمة التي يريد الله بها اليسر ولا يريد بها العسر.
ثم نهى الله تعالى عن سلوك سبيل المشركين بالتحليل والتحريم بآرائهم، وما ابتدعوه شرعا في جاهليتهم من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك، وتحليل الميتة والدم وغيرهما، فقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ.﴾. أي ولا تحللوا وتحرموا بالرأي والهوى والجهالة، دون اتباع شرع الله، ولمجرد وصف ألسنتكم الكذب دون دليل. وهذه مبالغة في تأكيد حصر المحرمات في الأربع السابقة.
﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ أي لتصير عاقبة أمركم إسناد التحليل والتحريم إلى الله كذبا، من غير إنزال شيء فيه، فإن من حلل أو حرم شيئا برأيه دون دليل أو وحي من الله، كان من الكاذبين على الله تعالى.
فيدخل في هذا النهي كل من حلل شيئا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أباح الله بمجرد رأيه وهواه، وكل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي.
ثم توعد على ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ، مَتاعٌ قَلِيلٌ.﴾ ..
стр. 4356
أي إن الذين يختلقون الكذب على الله، لا يفوزون بخير في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فلهم متاع قليل زائل وعرض زائل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم جدا، كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً، ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان ٢٤/ ٣١].
والآية في الأصل خطاب للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب، وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كان ميتة.
وبعد بيان الحلال والحرام والمباح للضرورة لهذه الأمة، ذكر تعالى ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل نسخها، فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا.﴾. أي وقد حرمنا على اليهود ما أخبرناك به أيها الرسول في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما، إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام ١٤٦/ ٦] فلا يصح لكم أيها العرب التحريم والتحليل من عند أنفسكم، ولا تقليد اليهود فيما حرمنا عليهم، فلم نحرم عليهم إلا ما ذكر.
وسبب التحريم هو: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ.﴾. أي وما كان التحريم بظلم منا، ولكن كان بسبب ظلم ارتكبوه، فإنهم ظلموا أنفسهم بعصيان ربهم ومعاندة رسلهم، وتجاوز حدودهم، فاستحقوا ذلك، وعوقبوا بما حرمناه عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ.﴾.
[النساء ١٦٠/ ٤]. وهو صريح في أن التحريم كان بسبب الظلم والبغي، عقوبة وتشديدا.
ثم أبان الله تعالى إمكان قبول التوبة تكرما وامتنانا على العصاة والمفترين على الله، والمنتهكين حرماته، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾ أي إن الافتراء على الله ومخالفة أمر الله لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة، فإن
стр. 4357
ربك غفور ستار رحيم بالذين افتروا عليه بالتحليل والتحريم، وعملوا السوء:
وهو كل ما لا ينبغي من الكفر والمعاصي، بسبب الجهالة؛ لأن كل من عمل السوء، فإنما يفعله بالجهالة، فلا يرضى أحد بالكفر مع العلم بكونه كفرا، ولا تصدر المعصية عنه إلا إذا غلبت الشهوة على العقل والعلم.
لكن المغفرة والرحمة مرتبطان بالتوبة والإنابة، والندم على ما فعلوا، وإصلاح الأعمال على وفق مراد الله ورسوله، فمن تاب من بعد ذلك، أي من بعد تلك السيئة أو الجهلة، وأصلح عمله، فآمن بالله ورسوله وأطاع الله ورسوله، فإن الله يغفر ذنبه، ويرحمه في الآخرة والدنيا.
وقد أعاد قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها﴾ على سبيل التأكيد، ثم قال ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي لذلك السوء الذي صدر عنهم بسبب الجهالة.
وهذا يدل على أن ارتكاب الذنب يكون غالبا بسبب غلبة الشهوة على ميزان العقل والعلم، أو بسبب جهالة الشاب وطيشه. ويدل أيضا على أن من أقدم على الكفر والمعاصي ولو دهرا طويلا، ثم تاب وآمن وعمل صالحا، فإن الله يقبل توبته، ويخلصه من العذاب.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الأحكام التالية:
١ - إباحة الحلال الطيب الذي لا ضرر فيه، وتحريم الخبيث الضار الذي يؤدي إلى الأذى والشر، وذلك بحق يقتضي شكر النّعمة.
٢ - المحرمات الأساسية في الشريعة أربعة: هي الميتة والدم ولحم الخنزير، والمذبوح لغير الله من الأصنام وغيرها.
стр. 4358
٣ - يباح للضرورة التي يترتب على مخالفتها غلبة الظن بالوقوع في الهلاك تناول شيء من الأطعمة المحرمة المذكورة آنفا.
٤ - تحذير المؤمنين من التشبه بالكفار في تحليل الحرام وتحريم الحلال، دون دليل أو برهان من المشرع الحقيقي وهو الله، فذلك افتراء على الله الكذب، والمفترون لا يفلحون في الدنيا والآخرة. فمتاعهم في الدنيا متاع قليل، ونعيمها يزول عن قريب، ولهم استمتاع بمتاع قليل، ثم يردون إلى عذاب أليم.
٥ - التحليل والتحريم إنما هو لله ، وليس لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يخبر الله تعالى بذلك عنه. وما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول المجتهد فيه: إني أكره كذا، وهكذا كان يفعل مالك وأحمد وغيرهما من أهل الفتوى من السلف الصالح. فإذا قوي دليل التحريم فلا بأس بالقول بأنه حرام، كتحريم الربا في غير الأصناف الستة الواردة في تحريم الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة.
٦ - الأنعام والحرث (الزروع والثمار) حلال لهذه الأمة، فأما اليهود فحرمت عليهم منها أشياء، وما ظلمهم الله بتحريم ما حرم عليهم، ولكن ظلموا أنفسهم، فحرم عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم.
٧ - اقتضت رحمة الله وفضله وكرمه أن يقبل توبة عباده الذين يعملون السوء من الكفر والمعاصي، ثم يتوبون بعد فعلها، ويصلحون أعمالهم، فيغفر الله لهم.
стр. 4359
إبراهيم ﵇ واتباع ملته وتعظيم اليهود السبت
﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾
الإعراب:
﴿حَنِيفاً﴾ حال من الضمير المرفوع في ﴿اِتَّبِعْ﴾ ولا يحسن أن يكون حالا من ﴿إِبْراهِيمَ﴾ لأنه مضاف إليه.
البلاغة:
﴿كانَ أُمَّةً﴾ أي كان رجلا جامعا للخير، كالأمة والجماعة؛ لا تصافه بأوصاف كثيرة.
﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ التفات عن الغيبة إلى التكلم، زيادة في تعظيم أمره.
المفردات اللغوية:
﴿أُمَّةً﴾ إماما قدوة جامعا لخصال الخير، والأصل في الأمة: الجماعة الكثيرة، وسمي إبراهيم بذلك؛ لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا متفرقة في أشخاص كثيرة، كما قال أبو نواس مادحا الرشيد:
وليس على الله بمستنكر... أن يجمع العالم في واحد
ولأنه ﵇ كان وحده مؤمنا، وكان سائر الناس كفارا.
﴿قانِتاً﴾ مطيعا لله قائما بأمره. ﴿حَنِيفاً﴾ مائلا عن الدين الباطل إلى الدين الحق القيم.
﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كما زعموا، فإن قريشا كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ﴿شاكِراً لِأَنْعُمِهِ﴾ ذكر بلفظ القلة للتنبيه على أنه كان لا يخل بشكر النعم القليلة، فكيف بالكثيرة؟ ﴿اِجْتَباهُ﴾ اصطفاه للنبوة. ﴿وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الدعوة
стр. 4360
إلى الله. ﴿وَآتَيْناهُ﴾ فيه التفات عن الغيبة. ﴿حَسَنَةً﴾ هي الثناء الحسن ومحبة أهل الأديان جميعا له. ﴿لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ الذين لهم الدرجات العلى، من أهل الجنة، كما سأله بقوله:
﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾.
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ يا محمد، و ﴿ثُمَّ﴾: إما لتعظيمه والتنبيه على أن أجل ما أوتي إبراهيم اتباع الرسول ﷺ ملته، أو لتراخي أيامه. ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ أن اتبع دين إبراهيم في التوحيد والدعوة إليه بالرفق، وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى، والمجادلة مع كل أحد على حسب فهمه. ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بل كان قدوة الموحدين. وكرر ردا على زعم اليهود والنصارى أنهم كانوا على دينه.
﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴾ فرض تعظيمه، والتخلي فيه للعبادة، وترك الصيد فيه. ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي على نبيهم، وهم اليهود، أمرهم موسى ﵇ أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة، فقالوا: لا نريده، وإنما نريد يوم السبت؛ لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السموات والأرض، فشدّد الله عليهم، وألزمهم السبت. وقيل: معناه إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه، فأحلوا الصيد فيه تارة، وحرموه أخرى، واحتالوا له الحيل. وذكر ذلك هنا لتهديد المشركين كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بالمجازاة على الاختلاف، أو بمجازاة كل فريق من الآبين السبت والمعظمين له بما يستحقه، من إثابة الطائع، وتعذيب العاصي بانتهاك حرمته.
المناسبة:
بعد أن أبطل الله تعالى مذاهب المشركين من إثبات الشركاء لله، والطعن في نبوة الأنبياء والرسل ﵈، وتحليل أشياء حرمها الله وتحريم أشياء أباحها الله، وكانوا مفتخرين بجدهم إبراهيم ﵇، مقرين بحسن طريقته ووجوب الاقتداء به، بعد إبطال ذلك كله، ختم تعالى هذه السورة بذكر إبراهيم رئيس الموحدين، وقدرة الأصوليين، ليتأسوا به إن كانوا صادقين في اتباع ملته، ولحمل المشركين على الإقرار بالتوحيد، والرجوع عن الشرك، والاقتداء به لاتصافه بصفات تسع.
وبعد وصف إبراهيم بهذه الصفات العالية، أمر الله نبيه محمدا ﷺ باتباع ملة إبراهيم-ملة التوحيد.
стр. 4361
وبما أن محمدا ﷺ اختار يوم الجمعة، فذلك يدل على أن إبراهيم ﵇ كان قد اختار في شرعه يوم الجمعة، وهذا يستدعي السؤال: لم اختار اليهود يوم السبت؟ فأجاب الله تعالى بأن تعظيم السبت واتخاذه للعبادة لم يكن من شرع إبراهيم ولا دينه، وإنما كان مفروضا على اليهود الذين اختلفوا على نبيهم موسى ﵇ في شأن تعظيمه، حيث أمرهم بالجمعة، فاختاروا السبت، فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم، وليس اختلافهم في أن منهم من قال بالسبت، ومنهم من لم يقل به؛ لأن اليهود اتفقوا على ذلك، وهذا هو ما صححه الرازي (١).
التفسير والبيان:
يمدح الله تعالى إبراهيم إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء، ويبرئه من المشركين، ومن اليهودية والنصرانية، فيقول: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ.﴾ ..
أي إنه تعالى وصف إبراهيم ﵇ بتسع صفات هي:
١ - إنه كان أمة، أي كان وحده أمة من الأمم، لكماله في صفات الخير.
والمعنى: أنه الإمام الذي يقتدى به.
٢ - كونه قانتا لله، أي خاشعا مطيعا لله قائما بأمره.
٣ - كونه حنيفا، أي مائلا عن الشرك والباطل قصدا إلى التوحيد.
٤ - إنه ما كان من المشركين، بل كان من الموحدين في الصغر والكبر، فهو الذي قال لملك زمانه: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨/ ٢] وهو الذي أبطل عبادة الأصنام والكواكب بقوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام ٧٦/ ٦] ثم كسر الأصنام حتى ألقوه في النار.
стр. 4362
ونظير الآية قوله: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا، وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران ٦٧/ ٣].
٥ - شاكرا لأنعم الله عليه، والأنعام وإن كان جمع قلة إلا أن المراد به أنه كان شاكرا لجميع نعم الله إن كانت قليلة، فبالأولى الكثيرة، وهذا كما قال تعالى:
﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ [النجم ٣٧/ ٥٣] أي قام بجميع ما أمره الله تعالى به.
وهذا تعريض بكل من جحد بأنعم الله مثل قريش وغيرهم.
٦ - إنه اجتباه ربه، أي اختاره واصطفاه للنبوة، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ، وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٥١/ ٢١].
٧ - إنه هداه إلى صراط مستقيم، أي في الدعوة إلى الله والترغيب في الدين الحق، والتنفير عن الدين الباطل، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام ١٥٣/ ٦].
٨ - وآتاه الله في الدنيا حسنة، أي إن الله حببه إلى جميع الخلق، فكل أهل الأديان يقرّون به، سواء المسلمون واليهود والنصارى، أما كفار قريش وسائر العرب، فلا فخر لهم إلا به، وهذا إجابة لدعائه إذ قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء ٨٤/ ٢٦].
٩ - وإنه في الآخرة لمن الصالحين أي في زمرتهم، تحقيقا لدعائه ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء ٨٣/ ٢٦] وكونه مع الصالحين لا ينفي أن يكون من أعلى مقامات الصالحين؛ لقوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ [الأنعام ٨٣/ ٦].
وبعد تعداد هذه الصفات العالية لإبراهيم ﵇، أمر الله نبيه باتباعه، فقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ.﴾. وبناء على كماله وصحة توحيده
стр. 4363
وطريقته، أوحينا إليك أيها الرسول أن اتبع ملة إبراهيم الحنيف المائل عن كل الأديان والشرك والباطل إلى دين التوحيد، وما كان مشركا، وذكر ذلك لزيادة التأكيد، وهو يدل على أن اتباع ملة إبراهيم إنما هو في الأصول أي الدعوة إلى التوحيد وفضائل الأخلاق والأعمال. أما الفروع فقد تختلف؛ لقوله تعالى:
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥] وذلك حسب تطور الأزمنة واكتمال العقل والنضج الإنساني، ومراعاة أحوال الأمم والشعوب. وذكر ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ يدل على تعظيم منزلة رسول الله ﷺ ، والدلالة على أن أشرف كرامة وأجل نعمة لإبراهيم الخليل اتباع الرسول ﷺ ملته.
ومتابعة إبراهيم تقتضي كونه اختار يوم الجمعة للعبادة، كما اختاره النبي محمد ﷺ ؛ لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة وتمت النعمة فيه على عباده، أما تعظيم السبت عند اليهود فأجاب تعالى عنه بقوله: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وقد اختاروه لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئا من المخلوقات التي كمل خلقها يوم الجمعة، فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة.
أي إنما جعل تعظيم السبت مفروضا على اليهود الذين اختلفوا على نبيهم موسى في شأن تعظيمه، حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، فكان اختلافهم في السبت اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم، أي لأجله، وليس اختلافهم فيه في أن منهم من قال بالسبت، ومنهم من لم يقل به؛ لأن اليهود اتفقوا على ذلك، كما صحح الرازي (١).
وقال الزمخشري: المعنى إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على اليهود المختلفين فيه، وهو أنهم أحلوا الصيد فيه تارة، وحرّموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة، بعد أن حتم الله عليهم الصبر عن
стр. 4364
الصيد فيه وتعظيمه. والمقصود هو الإنذار من سخط الله على العصاة والمخالفين لأوامره، والخالعين ربقة طاعته، فالله يجازيهم جزاء اختلاف فعلهم في كونهم محلّين تارة، ومحرّمين أخرى (١).
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ.﴾. أي وإن الله ليفصل بين الفريقين فيما اختلفوا فيه، ويجازي كل فريق بما يستحق من ثواب وعقاب.
والظاهر لدي هو التأويل الأول، قال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ.﴾.: اتبعوه وتركوا الجمعة. والمراد بقوله: ﴿اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يوم الجمعة، اختلفوا على نبيهم موسى وعيسى.
وظل اليهود متمسكين بتعظيم السبت حتى بعث الله عيسى ابن مريم فيقال:
إنه حوّلهم إلى يوم الأحد. ويقال: إنه ظل معظما السبت، ولكن النصارى بعده في زمن قسطنطين هم الذين تحولوا إلى يوم الأحد، مخالفة لليهود، كما تحولوا إلى الصلاة شرقا عن الصخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - إن وصف إبراهيم ﵇ بتسع صفات عالية وشريفة، يقتضي الاقتداء به، والقصد من ذلك دعوة مشركي العرب إلى ملة إبراهيم الذي دعا الناس إلى التوحيد وإبطال الشرك وإلى الشرائع الإلهية؛ إذ كان إبراهيم أباهم الذي يفتخرون به، ويعترفون بحسن طريقته، ويقرون بوجوب الاقتداء به، وهو باني البيت الذي به عزهم.
٢ - أمر النبي ﷺ باتباع ملة إبراهيم في عقائد الشرع وأصوله من الدعوة إلى
стр. 4365
توحيد الله والتحلي بفضائل الأخلاق، لا اتباعه في الفروع؛ لقوله تعالى:
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة ٤٨/ ٥].
٣ - الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول؛ لأن النبي ﷺ أفضل الأنبياء ﵈، وقد أمر بالاقتداء بهم، فقال: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠/ ٦] وقال هنا: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾.
٤ - لم يكن في شرع إبراهيم ولا من دينه تعظيم السبت، وإنما كان السبت تغليظا على اليهود في رفض الأعمال، وترك التبسط في المعاش، بسبب اختلافهم فيه.
٥ - إن الله تعالى لم يعين يوما للتفرغ فيه للعبادة، وإنما أمر بتعظيم يوم في الأسبوع، فعينت اليهود السبت؛ لأن الله تعالى فرغ فيه من الخلق، وعينت النصارى يوم الأحد؛ لأن الله تعالى بدأ فيه الخلق، فألزم كل منهم ما أداه إليه اجتهاده. وعيّن الله لهذه الأمة يوم الجمعة، من غير تفويض إلى اجتهادهم، فضلا منه ونعمة، فكانت خير الأمم أمة محمد ﷺ .
ثبت في الصحيحين، واللفظ للبخاري، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «نحن الآخرون، السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد».
ولفظ مسلم عن أبي هريرة وحذيفة ﵄: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، والمقضي بينهم يوم القيامة».
стр. 4366
٦ - إن المقصود من آية السبت أن النبي ﷺ أمر باتباع الحق، وحذر الله الأمة من الاختلاف فيه، فيشدّد عليهم كما شدّد على اليهود.
أسس الدعوة إلى الدين وجعل العقاب بالمثل والصبر على المصاب
﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ (١٢٦) وَاِصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾
الإعراب:
﴿فِي ضَيْقٍ﴾ قرئ بفتح الضاد وكسرها، والضّيق بالفتح: المصدر، والضّيق بالكسر:
الاسم.
المفردات اللغوية:
﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ ادع يا محمد الناس إلى دين الله ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ بالمقالة المحكمة وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ المواعظ والعبر النافعة والقول الرقيق. قال البيضاوي: والأولى-أي الحكمة-لدعوة خواص الأمة الطالبين للحقائق، والثانية-أي الموعظة- لدعوة عوامهم ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ جادل معانديهم بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين وإيثار أيسر الوجوه وأقوم الأدلة وأشهر المقدمات، فإن ذلك أنفع في تسكين ثورتهم وتبيين شغبهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ.﴾. أي إنما عليك البلاغ والدعوة، وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما، فليس إليك، بل الله عالم بالضالين والمهتدين، وهو المجازي لهم.
﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ فيه دليل على أن للمقتص أن يماثل الجاني، وليس له أن يجاوزه، وفيه أيضا الحث على العفو تعريضا بقوله: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ﴾ وتصريحا على الوجه الآكد بقوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ لهو، أي الصبر خير كله من الانتقام.
﴿وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ﴾ أي واصبر يا محمد وما صبرك إلا بتوفيق الله، وتثبيته، وهذا
стр. 4367
تصريح بالأمر به لرسول الله ﷺ ؛ لأنه أولى الناس به، لزيادة علمه بالله، ووثوقه عليه ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ على الكافرين إن لم يؤمنوا، لحرصك على إيمانهم، أو على المؤمنين وما فعل بهم يوم أحد ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ لا تك في ضيق صدر من مكرهم، أي لا تهتم بمكرهم، فأنا ناصرك عليهم ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكفر والمعاصي ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ في أعمالهم من طاعة وصبر، بالعون والنصر، والولاية والفضل.
سبب النزول:
نزول الآية (١٢٦):
﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ﴾:
أخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل والبزار عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة، حين استشهد، وقد مثّل به فقال: لأمثّلنّ بسبعين منهم مكانك، فنزل جبريل، والنبي ﷺ واقف، بخواتيم سورة النحل:
﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة، فكفّ رسول الله ﷺ ، وأمسك عما أراد.
وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم عن أبي بن كعب قال: لما كان أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة، ومنهم حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم، فما كان فتح مكة، أنزل الله: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية. قال السيوطي: وظاهر هذا تأخير نزولها-أي السورة-إلى الفتح، وفي الحديث الذي قبله نزولها بأحد، وجمع ابن الحصار بأنها نزلت أولا بمكة، ثم ثانيا بأحد، وثالثا يوم الفتح، تذكيرا من الله لعباده.
والخلاصة: إن هذه الآية مدنية في رأي جمهور المفسرين، نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري وفي كتاب السّير.
стр. 4368
فضيلة هذه الآيات:
قيل لهرم بن حبّان حين احتضر: أوص، فقال: إنما الوصية من المال، ولا مال لي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ.﴾ ..
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى محمدا ﷺ باتباع إبراهيم ﵇، بيّن الشيء الذي أمره بمتابعته، وهو دعوة الناس إلى الدين بأحد طرق ثلاث: وهي الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالطريق الأحسن. والدعوة إلى دين الله وشرعه تكون بتلطف، وهو أن يسمع المدعو الحكمة: وهو الكلام الصواب القريب، الواقع من النفس أجمل موقع.
فالآية متصلة بما قبلها اتصالا حسنا، لتدرج الآيات من الذي يدعى ويوعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله.
ثم أمر الله تعالى برعاية العدل والإنصاف، وجعل القصاص بالمثل، ثم صرح تعالى بالأمر بالصبر على المشاق والمصائب، والصبر بتوفيق الله ومعونته، هو مفتاح الفرج.
التفسير والبيان:
الدعوة إلى دين الله وتوحيده أو الاعلام بها أمر ضروري للعلم بها، لذا كانت هي المهمة الأساسية للرسل ﵈، فأمر الله رسوله ﷺ أن يدعو الناس إلى الله بالحكمة قائلا: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ.﴾. أي ادع أيها الرسول الناس إلى شريعة ربك، وهي الإسلام بالحكمة، أي بالقول المحكم، والموعظة الحسنة، أي بالعبر والزواجر التي تؤثر بها في قلوبهم، ذكّرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى.
﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من
стр. 4369
غيرها، ومن احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، واصفح عمن أساء في القول، وترفّق بهم في الخطاب، وقابل السوء بالحسنى، واقصد من الجدال الوصول إلى الحق، دون رفع الصوت، وسب الخصم أو الأذى، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ الآية [العنكبوت ٤٦/ ٢٩].
فهذا أمر للنبي ﷺ بلين الجانب ولطف الخطاب، كما أمر به موسى وهارون ﵉ حين بعثهما إلى فرعون في قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً، لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ [طه ٤٤/ ٢٠] فعلى كل داعية امتثال هذا الأمر الإلهي في دعوته.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي قد علم الله الشقيّ منهم والسعيد، ومن حاد عن منهج الحق، ومن اهتدى إليه، وهو مجازيهم على ضلالهم واهتدائهم حين لقاء ربهم، فله الجزاء، لا إليك يا محمد ولا إلى غيرك، وليس عليك هداهم، إنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص ٥٦/ ٢٨] وقال:
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢/ ٢]. والآية مشتملة على وعد ووعيد.
ومن رفق النبي ﷺ في الدعوة
ما رواه أبو أمامة: أن غلاما شابا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله، أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به، فقال النبي ﷺ : قربوه إذن، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي ﷺ : أتحبه لأمك؟ قال: لا، جعلني الله فداك. قال: وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبّه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداك، قال: وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبّه لأختك؟ قال: لا، جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبّونه لأخواتهم.
стр. 4370
فوضع رسول الله ﷺ يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصّن فرجه، فلم يكن شيء أبغض إليه منه.
وبعد أن أمر بالرفق في الدعوة والخطاب، أمر بالعدل والإنصاف في العقاب، والمماثلة في استيفاء الحق؛ إذ قد تكون الدعوة سببا في إغاظة الآخرين، وإقدامهم على القتل أو الضرب أو الشتم، فقال سبحانه:
﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا.﴾ ..
أي وإن عاقبتم المسيء أيها المؤمنون، فعاقبوه بمثل جرمه، بلا زيادة ولا تجاوز للحدود. وإن أخذ رجل منكم شيئا، فخذوا مثله، فإن الزيادة ظلم، والظلم لا يحبه الله ولا يرضى به.
وقوله: ﴿عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إنما سماه الله عقابا على سبيل المشاكلة؛ لأن أصل العقاب المجازاة على الفعل، فالفعل في ابتداء الأمر ليس عقابا.
ثم دعا تعالى إلى الترفع عن العقاب والتسامي عن المقابلة والجزاء بالمثل، فقال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾.
أي ولئن صبرتم عن المقابلة بالمثل، وتجاوزتم عن الإساءة، وصفحتم، واحتسبتم الثواب والأجر على ما نالكم من ظلم، فالله يتولى عقابه، والصبر خير للصابرين من الانتقام؛ لأن انتقام الله أشد. فقوله ﴿لَهُوَ﴾ يعود الضمير إلى المصدر في قوله: ﴿صَبَرْتُمْ﴾. والمراد بالمصدر: إما الجنس أي جنس الصبر خير، وإما صبركم، أي لصبركم خير لكم، فوضع ﴿لِلصّابِرِينَ﴾ موضع لكم ثناء عليهم.
ثم أمر الله نبيه صراحة بالصبر بصفة عامة بعد أن ذكر حسن عاقبته، فقال: ﴿وَاصْبِرْ، وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ﴾ أي واصبر على ما أصابك من أذى في
стр. 4371
سبيل الدعوة، وما صبرك إلا بعون الله وحسن توفيقه ومشيئته، أي لما كان الصبر شاقا، ذكر ما يعين عليه، فالجأ إلى الله في طلب الصبر، والتثبيت في الأمر.
وقوله: ﴿وَاصْبِرْ.﴾. تأكيد للأمر بالصبر، وإخبار بأن ذلك لا ينال إلا بمشيئة الله وإعانته. وهو تسلية للنبي ﷺ عما ناله من أذى قومه، وتثبيت له.
﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي ولا تجزع على إعراض المشركين وكل من خالفك، فإن الله قدّر ذلك، أو لا تحزن على قتلى أحد، فترك الحزن مما يستعان به على الصبر.
﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أي لا تكن في غم وضيق صدر من مكرهم وتدبيرهم الكيد لك، وإجهاد أنفسهم في عداوتك، وإيصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك ومؤيدك، كما قال تعالى: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ، لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف ٢/ ٧] وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ، وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ، أَنْ يَقُولُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ، أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود ١٢/ ١١].
﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا.﴾. أي إن الله مع المتقين الذين تركوا محارمه، المجتنبين معاصيه بالنصر والمعونة والتأييد، ومع المحسنين أعمالهم برعاية الفرائض، والتزام الطاعة، وأداء الحقوق. والصبر: من التقوى والإحسان.
فقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي تركوا محارمه، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي فعلوا الطاعات.
وهذه معيّة خاصة، يراد بها الإعانة والتأييد والهداية، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ، فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال ١٢/ ٨] وقوله لموسى وهرون: ﴿لا تَخافا، إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ [طه ٤٦/ ٢٠] وقول النبي ﷺ للصديق، وهما في الغار: ﴿لا تَحْزَنْ، إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ [التوبة ٤٠/ ٩].
стр. 4372
وهناك معيّة عامة بالسمع والبصر والعلم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤/ ٥٧] وقوله: ﴿وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة ٧/ ٥٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الأحكام التالية:
١ - على من يدعو الناس إلى دين الله اتباع أحد هذه الطرق الثلاث: وهي الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالطريق الأحسن.
وعلى الداعية أيضا أن يكون شجاعا في الحق، فلا يهن، صارما في الصدق، فلا يضعف، مخلصا متفانيا في مبدئه، فلا يبيعه بزخارف الدنيا وزينتها، ولا يتطلع إلى ما في أيدي الناس. وأن يصبر في دعوته؛ جاءت قريش إلى أبي طالب عم النبي ﷺ ، وعرضوا عليه أن يأخذ محمد ﷺ ما شاء من مال، ويترك ما يدعو إليه، فذكر أبو طالب للنبي ﷺ ذلك،
فبكى وقال:
«يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه».
٢ - لا يتعلق حصول الهداية بالداعية، فهو تعالى أعلم بالضالين، وأعلم بالمهتدين.
٣ - العقاب يكون بالمثل دون زيادة، فالمظلوم منهي عن استيفاء الزيادة من الظالم.
واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في أخذ مال، ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال، هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه، فقالت فرقة: له ذلك، محتجين بهذه الآية وعموم لفظها: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.
стр. 4373
وقال مالك وجماعة معه: لا يجوز له ذلك؛
لقول رسول الله ﷺ -فيما رواه الدارقطني - «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
ووقع في مسند ابن إسحاق أن هذا الحديث إنما ورد في رجل زنى بامرأة آخر، ثم تمكّن الآخر من زوجة الثاني، بأن تركها عنده وسافر؛ فاستشار ذلك الرجل رسول الله ﷺ في الأمر، فقال له: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
٤ - دلت آية: ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ على جواز التماثل في القصاص، فمن قتل بحديدة قتل بها، ومن قتل بحجر قتل به، ولا يتعدى قدر الواجب.
٥ - سمّى الله تعالى الأذى في هذه الآية عقوبة، والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية، وإنما فعل ذلك من طريق المشاكلة، ليستوي اللفظان، وتتجانس ديباجة القول، فالأول مجاز والثاني حقيقة.
هذا بعكس قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران ٥٤/ ٣] وقوله: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة ١٥/ ٢] فإن الفعل الثاني أي من الله هو المجاز هنا، والأول هو الحقيقة، كما قال ابن عطية.
٦ - التحلي بالصبر فضيلة أمر الله بها. قال ابن زيد عن آية: ﴿وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ﴾: هي منسوخة بآية القتال. ولكن جمهور الناس على أنها محكمة، أي اصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عوقبوا به من المثلة.
٧ - إن الله نصير المتقين الذين تركوا الفواحش والمعاصي ومؤيدهم ومعينهم، وهو أيضا نصير المحسنين الذين فعلوا الطاعات.
تم هذا الجزء ولله الحمد
стр. 4374
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الإسراء
مكية، وهي مائة وإحدى عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الإسراء لافتتاحها بمعجزة الإسراء للنبي ﷺ من مكة إلى المدينة ليلا، كما سميت أيضا سورة بني إسرائيل، لإيرادها قصة تشردهم في الأرض مرتين بسبب فسادهم: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [٤ - ٨].
فضلها:
أخرج أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزّمر».
وأخرج البخاري وابن مردويه عن ابن مسعود «أنه قال في بني إسرائيل-أي هذه السورة-والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: هن من العتاق الأوّل، وهن من تلادي» أي فهي مشتركة في قدم النزول، وكونها مكيات، واشتمالها على القصص.
مناسبتها لما قبلها:
يظهر وجه ارتباطها بسورة النحل من عدة نواح:
١ - إنه تعالى بعد أن قال في آخر سورة النحل: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى
стр. 4375
الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ فسّر في هذه السورة شريعة أهل السبت وشأنهم، وذكر جميع ما شرعه لهم في التوراة، فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل».
٢ - بعد أن أمر الله نبيه ﷺ بالصبر على أذى المشركين في ختام سورة النحل بنسبته إلى الكذب والسحر والشعر، سلاّه هنا، وأبان شرفه وسمو منزلته عند ربه بالإسراء، وافتتح السورة بذكره تشريفا له، وتعظيما للمسجد الأقصى الذي أشير إلى قصة تخريبه.
٣ - في السورتين بيان نعم الله الكثيرة على الإنسان، حتى سميت سورة النحل «سورة النعم» وفصلت هنا أنواع النعم العامة والخاصة، كما في الآيات [٩ - ١٢] و [٧٠].
٤ - في سورة النحل أبان تعالى أن القرآن العظيم من عنده، لا من عند بشر، وفي هذه السورة ذكر الهدف الجوهري من ذلك القرآن.
٥ - في سورة النحل ذكر تعالى قواعد الاستفادة من المخلوقات الأرضية، وفي هذه السورة ذكر قواعد الحياة الاجتماعية من بر الأبوين، وإيتاء ذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل حقوقهم من غير تقتير ولا إسراف، وتحريم القتل والزنى وأكل مال اليتيم، وإيفاء الكيل والميزان بالقسط، وإبطال التقليد من غير علم.
ما اشتملت عليه السورة:
١ - تضمنت السورة الإخبار عن حدث عظيم ومعجزة لخاتم الأنبياء والمرسلين وهي معجزة الإسراء من مكة إلى المسجد الأقصى في جزء من الليل، والتي هي دليل باهر على قدرة الله ، وتكريم إلهي لهذا النبي ﷺ .
٢ - وأخبرت عن قصة بني إسرائيل في حالي الصلاح والفساد، بإعزازهم حال
стр. 4376
الاستقامة وإمدادهم بالأموال والبنين، وتشردهم في الأرض مرتين بسبب عصيانهم وإفسادهم، وتخريب مسجدهم. ثم عودهم إلى الإفساد باستفزازهم النبي ﷺ ، وإرادتهم إخراجه من المدينة: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ [٧٦].
٣ - وأبانت بعض الأدلة الكونية على قدرة الله وعظمته ووحدانيته، مثل آية ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ.﴾. [١٢].
٤ - وضعت هذه السورة أصول الحياة الاجتماعية القائمة على التحلي بالأخلاق الكريمة والآداب الرفيعة، وذلك في الآيات: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ..﴾. [٢٣ - ٣٩].
٥ - نددت السورة بنسبة المشركين البنات إلى الله زاعمين أن البنات من الملائكة: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً، إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ [٤٠] ثم أنكرت عليهم وجود آلهة مع الله [٤١ - ٤٤] ثم فندت مزاعمهم بإنكار البعث والنشور [٤٩ - ٥٢] [٩٨ - ٩٩] وحذرت النبي ﷺ من موافقته المشركين في بعض معتقداتهم [٧٣ - ٧٦].
٦ - أوضحت السورة سبب عدم إنزال الأدلة الحسية الدالة على صدق النبي ﷺ [الآية ٥٩]، ومدى تعنت المشركين في إنزال آيات اقترحوها غير القرآن من تفجير الأنهار، وجعل مكة حدائق وبساتين، وإسقاط قطع من السماء، والإتيان بوفود الملائكة، وإيجاد بيت من ذهب، والصعود في السماء [الآيات ٨٩ - ٩٧].
٧ - أنبأت السورة عن قدسية مهمة القرآن وسمو غاياته: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [٩] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [٨٢] وعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله [٨٨] مما يدل على إعجازه.
стр. 4377
٨ - أعلنت السورة مبدأ تكريم الإنسان بأمر الملائكة بالسجود له وامتناع إبليس [٦١ - ٦٥] وتكريم بني آدم ورزقهم من الطيبات [٧٠].
٩ - عددت أنواعا جليلة من نعم الله على عباده: [١٢ - ١٧] ثم لوم الإنسان على عدم الشكر: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ.﴾. [٨٣] ومن أخص النعم: هبة الروح والحياة [٨٥].
١٠ - عقدت مقارنة بين من أراد العاجلة ومن أراد الباقية [١٨ - ٢١].
١١ - ذكرت أمر النبي ﷺ بإقامة الصلاة والتهجد في الليل [٧٨ - ٧٩] ودخوله المدينة وخروجه من مكة [٨٠].
١٢ - أشارت إلى جزء من قصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل [١٠١ - ١٠٤].
١٣ - أبانت حكمة نزول القرآن منجمّا (مفرقا بحسب الوقائع والحوادث والمناسبات) [١٠٥ - ١٠٦].
١٤ - ختمت السورة بتنزيه الله عن الشريك والولد، والناصر والمعين، واتصاف الله بالأسماء الحسنى التي أرشدنا إلى الدعاء بها [١١٠ - ١١١].
والخلاصة: إن السورة اهتمت بترسيخ أصول العقيدة والدين كسائر السور المكية، من إثبات التوحيد، والرسالة والبعث، وإبراز شخصية الرسول ﷺ ، وتأييده بالمعجزات الكافية للدلالة على صدقه، وتفنيد شبهات كثيرة للمشركين.
стр. 4378
الإسراء وإنزال التوراة على موسى
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣)﴾
الإعراب:
﴿سُبْحانَ﴾ منصوب بفعل مضمر متروك إظهاره، تقديره: أسبح الله سبحان، ثم نزل ﴿سُبْحانَ﴾ منزلة الفعل، فسدّ مسدّه.
﴿لَيْلاً﴾ منصوب على الظرف.
﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾ أي قلنا لهم: لا تتخذوا، وحذف القول كثير في كلامهم، وتكون «أن» على هذا زائدة، ويجوز أن تجعل «أن» بمعنى «أي» فيكون تقديره: وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا، أي لا تتخذوا، فيكون ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾ تفسيرا لهدى. ولا يمتنع أن يكون التقدير:
وجعلناه هدى لبني إسرائيل بألا تتخذوا. وقرئ بالياء، ويكون المعنى: جعلناه لهم هدى، لئلا يتخذوا وكيلا من دوني.
﴿ذُرِّيَّةَ﴾ بالنصب إما بدل من ﴿وَكِيلاً﴾ أو منصوب على النداء، أو منصوب على أنه مفعول أول لتتخذوا، و ﴿وَكِيلاً﴾: المفعول الثاني، أو منصوب بتقدير: أعني، أو على الاختصاص. ومن قرأ بالرفع فهو بدل من واو ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾.
البلاغة:
﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى﴾ براعة استهلال؛ لأنه لما كان الإسراء أمرا خارقا للعادة، بدأ السورة بما يشير إلى كمال القدرة وتنزهه تعالى عن صفات النقص.
﴿بِعَبْدِهِ﴾ إضافة تشريف وتكريم.
стр. 4379
﴿لِنُرِيَهُ﴾ فيه التفات عن الغيبة إلى التكلم، لتعظيم تلك البركات الدينية والدنيوية والآيات.
﴿وَآتَيْنا مُوسَى﴾ التفات أيضا عن الغيبة إلى الحضور.
المفردات اللغوية:
﴿سُبْحانَ﴾ اسم علم كعثمان للرجل بمعنى التسبيح (المصدر) الذي هو التنزيه عن كل صفات العجز والنقص، مما لا يليق بجلال الله وكماله ﴿أَسْرى﴾ وسرى: سار بالليل خاصة، وكان ذلك قبل الهجرة بسنة، وحكمة الإسراء لبيت المقدس: أنه مجمع أرواح الأنبياء، وموطن نزول الوحي على الرسل والأنبياء، فشرفه الله بزيارته، وصلى بالأنبياء إماما. ﴿بِعَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ ، والعبد يشمل الروح والجسد معا، وقد وصفه الله هنا بالعبودية؛ لأنه أشرف المقامات، كما وصفه في مقام الوحي بالوصف نفسه: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ [النجم ١٠/ ٥٣] وكذلك وصفه بالوصف ذاته في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن ١٩/ ٧٢].
﴿لَيْلاً﴾ فائدة ذكره: الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدته ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي مسجد مكة بعينه؛ لما
روي أنه ﵊ قال: «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان، إذ أتاني جبريل بالبراق». أو المراد به الحرم المكي كله أي مكة، وسماه المسجد الحرام؛ لأن كله مسجد، لما
روي أنه ﷺ كان نائما في بيت أم هانئ، بعد صلاة العشاء، فأسري به ورجع من ليلته، وقص القصة عليها، وقال: «مثل لي النبيون، فصليت بهم».
﴿الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ بيت المقدس، ووصف بالأقصى، لبعده بالنظر لمن هو في الحجاز ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ ببركات الدين والدنيا؛ لأنه مهبط الوحي، ومتعبد الأنبياء من لدن موسى ﵇، ومحفوف بالأنهار والأشجار والثمار ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا﴾ عجائب قدرتنا، كذهابه في برهة من الليل، مسيرة شهر، ومشاهدته بيت المقدس، وتمثل الأنبياء ﵈ له، ووقوفه على مقاماتهم ﴿السَّمِيعُ﴾ لأقوال النبي ﷺ ﴿الْبَصِيرُ﴾ بأفعاله، فيكرمه ويقربه على حسب ذلك، فاجتمع بالأنبياء، وعرج إلى السماء، ورأى عجائب الملكوت، وناجى ربه تعالى.
وقال ابن عطية: هذا وعيد من الله للكفار على تكذيبهم محمدا ﷺ في أمر الإسراء، أي هو السميع لما تقولون، البصير بأفعالكم.
﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾ أي لئلا تتخذوا، أو بألا تتخذوا، أو على ألا تتخذوا، ومن قرأ بالياء فهو بمعنى: لئلا يتخذوا ﴿وَكِيلاً﴾ ربا أو كفيلا يفوضون إليه أمرهم، دون غيره ﴿مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ في السفينة ﴿إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ كثير الشكر، يحمد الله تعالى في جميع أحواله.
стр. 4380
سبب نزول آية الإسراء:
ذكر رسول الله ﷺ لقريش الإسراء به وتكذيبهم له، فأنزل الله ذلك تصديقا له.
فبعد أن عاد النبي ﷺ من الإسراء والمعراج، خرج إلى المسجد الحرام، وأخبر به قريشا، فتعجبوا منه لاستحالة ذلك في نظرهم، وارتد ناس ممن آمن به، وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: إن كان قال، لقد صدق، فقالوا: تصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك، فسمي «الصديق». واستنعته طائفة سافروا إلى بيت المقدس، فجلّي له، فطفق ينظر إليه، وينعته لهم، فقالوا: أما النعت فقد أصاب، فقالوا: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها، وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق (١)، فخرجوا ينشدون العير إلى الثنية، فصادفوا العير، كما أخبر، ثم لم يؤمنوا، وقالوا: ما هذا إلا سحر مبين.
رأي العلماء في الحادث:
الأكثر على أنه أسري بجسده إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السموات، حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، ولذلك تعجبت قريش واستحالوه.
قال أبو حيان: والظاهر أن هذا الإسراء كان بشخصه، ولذلك كذبت قريش، وشنعت عليه، وحين قص ذلك على أم هانئ قالت: لا تحدّث الناس بها، فيكذبوك، ولو كان مناما، ما استنكر ذلك، وهو قول جمهور أهل العلم، وهو الذي ينبغي أن يعتقد. وحديث الإسراء مروي في المسانيد عن الصحابة في كل أقطار الإسلام، وذكر أنه رواه عشرون من الصحابة (٢).