← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

الاستقامة وإمدادهم بالأموال والبنين، وتشردهم في الأرض مرتين بسبب عصيانهم وإفسادهم، وتخريب مسجدهم. ثم عودهم إلى الإفساد باستفزازهم النبي ﷺ ، وإرادتهم إخراجه من المدينة: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ [٧٦]. ٣ - وأبانت بعض الأدلة الكونية على قدرة الله وعظمته ووحدانيته، مثل آية ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ.﴾. [١٢]. ٤ - وضعت هذه السورة أصول الحياة الاجتماعية القائمة على التحلي بالأخلاق الكريمة والآداب الرفيعة، وذلك في الآيات: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ..﴾. [٢٣ - ٣٩]. ٥ - نددت السورة بنسبة المشركين البنات إلى الله زاعمين أن البنات من الملائكة: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً، إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ [٤٠] ثم أنكرت عليهم وجود آلهة مع الله [٤١ - ٤٤] ثم فندت مزاعمهم بإنكار البعث والنشور [٤٩ - ٥٢] [٩٨ - ٩٩] وحذرت النبي ﷺ من موافقته المشركين في بعض معتقداتهم [٧٣ - ٧٦]. ٦ - أوضحت السورة سبب عدم إنزال الأدلة الحسية الدالة على صدق النبي ﷺ [الآية ٥٩]، ومدى تعنت المشركين في إنزال آيات اقترحوها غير القرآن من تفجير الأنهار، وجعل مكة حدائق وبساتين، وإسقاط قطع من السماء، والإتيان بوفود الملائكة، وإيجاد بيت من ذهب، والصعود في السماء [الآيات ٨٩ - ٩٧]. ٧ - أنبأت السورة عن قدسية مهمة القرآن وسمو غاياته: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [٩] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [٨٢] وعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله [٨٨] مما يدل على إعجازه.

стр. 4377

٨ - أعلنت السورة مبدأ تكريم الإنسان بأمر الملائكة بالسجود له وامتناع إبليس [٦١ - ٦٥] وتكريم بني آدم ورزقهم من الطيبات [٧٠]. ٩ - عددت أنواعا جليلة من نعم الله على عباده: [١٢ - ١٧] ثم لوم الإنسان على عدم الشكر: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ.﴾. [٨٣] ومن أخص النعم: هبة الروح والحياة [٨٥]. ١٠ - عقدت مقارنة بين من أراد العاجلة ومن أراد الباقية [١٨ - ٢١]. ١١ - ذكرت أمر النبي ﷺ بإقامة الصلاة والتهجد في الليل [٧٨ - ٧٩] ودخوله المدينة وخروجه من مكة [٨٠]. ١٢ - أشارت إلى جزء من قصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل [١٠١ - ١٠٤]. ١٣ - أبانت حكمة نزول القرآن منجمّا (مفرقا بحسب الوقائع والحوادث والمناسبات) [١٠٥ - ١٠٦]. ١٤ - ختمت السورة بتنزيه الله عن الشريك والولد، والناصر والمعين، واتصاف الله بالأسماء الحسنى التي أرشدنا إلى الدعاء بها [١١٠ - ١١١]. والخلاصة: إن السورة اهتمت بترسيخ أصول العقيدة والدين كسائر السور المكية، من إثبات التوحيد، والرسالة والبعث، وإبراز شخصية الرسول ﷺ ، وتأييده بالمعجزات الكافية للدلالة على صدقه، وتفنيد شبهات كثيرة للمشركين.

стр. 4378

الإسراء وإنزال التوراة على موسى ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣)﴾ الإعراب: ﴿سُبْحانَ﴾ منصوب بفعل مضمر متروك إظهاره، تقديره: أسبح الله سبحان، ثم نزل ﴿سُبْحانَ﴾ منزلة الفعل، فسدّ مسدّه. ﴿لَيْلاً﴾ منصوب على الظرف. ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾ أي قلنا لهم: لا تتخذوا، وحذف القول كثير في كلامهم، وتكون «أن» على هذا زائدة، ويجوز أن تجعل «أن» بمعنى «أي» فيكون تقديره: وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا، أي لا تتخذوا، فيكون ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾ تفسيرا لهدى. ولا يمتنع أن يكون التقدير: وجعلناه هدى لبني إسرائيل بألا تتخذوا. وقرئ بالياء، ويكون المعنى: جعلناه لهم هدى، لئلا يتخذوا وكيلا من دوني. ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ بالنصب إما بدل من ﴿وَكِيلاً﴾ أو منصوب على النداء، أو منصوب على أنه مفعول أول لتتخذوا، و ﴿وَكِيلاً﴾: المفعول الثاني، أو منصوب بتقدير: أعني، أو على الاختصاص. ومن قرأ بالرفع فهو بدل من واو ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾. البلاغة: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى﴾ براعة استهلال؛ لأنه لما كان الإسراء أمرا خارقا للعادة، بدأ السورة بما يشير إلى كمال القدرة وتنزهه تعالى عن صفات النقص. ﴿بِعَبْدِهِ﴾ إضافة تشريف وتكريم.

стр. 4379

﴿لِنُرِيَهُ﴾ فيه التفات عن الغيبة إلى التكلم، لتعظيم تلك البركات الدينية والدنيوية والآيات. ﴿وَآتَيْنا مُوسَى﴾ التفات أيضا عن الغيبة إلى الحضور. المفردات اللغوية: ﴿سُبْحانَ﴾ اسم علم كعثمان للرجل بمعنى التسبيح (المصدر) الذي هو التنزيه عن كل صفات العجز والنقص، مما لا يليق بجلال الله وكماله ﴿أَسْرى﴾ وسرى: سار بالليل خاصة، وكان ذلك قبل الهجرة بسنة، وحكمة الإسراء لبيت المقدس: أنه مجمع أرواح الأنبياء، وموطن نزول الوحي على الرسل والأنبياء، فشرفه الله بزيارته، وصلى بالأنبياء إماما. ﴿بِعَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ ، والعبد يشمل الروح والجسد معا، وقد وصفه الله هنا بالعبودية؛ لأنه أشرف المقامات، كما وصفه في مقام الوحي بالوصف نفسه: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ [النجم ١٠/ ٥٣] وكذلك وصفه بالوصف ذاته في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن ١٩/ ٧٢]. ﴿لَيْلاً﴾ فائدة ذكره: الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدته ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي مسجد مكة بعينه؛ لما روي أنه ﵊ قال: «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان، إذ أتاني جبريل بالبراق». أو المراد به الحرم المكي كله أي مكة، وسماه المسجد الحرام؛ لأن كله مسجد، لما روي أنه ﷺ كان نائما في بيت أم هانئ، بعد صلاة العشاء، فأسري به ورجع من ليلته، وقص القصة عليها، وقال: «مثل لي النبيون، فصليت بهم». ﴿الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ بيت المقدس، ووصف بالأقصى، لبعده بالنظر لمن هو في الحجاز ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ ببركات الدين والدنيا؛ لأنه مهبط الوحي، ومتعبد الأنبياء من لدن موسى ﵇، ومحفوف بالأنهار والأشجار والثمار ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا﴾ عجائب قدرتنا، كذهابه في برهة من الليل، مسيرة شهر، ومشاهدته بيت المقدس، وتمثل الأنبياء ﵈ له، ووقوفه على مقاماتهم ﴿السَّمِيعُ﴾ لأقوال النبي ﷺ ﴿الْبَصِيرُ﴾ بأفعاله، فيكرمه ويقربه على حسب ذلك، فاجتمع بالأنبياء، وعرج إلى السماء، ورأى عجائب الملكوت، وناجى ربه تعالى. وقال ابن عطية: هذا وعيد من الله للكفار على تكذيبهم محمدا ﷺ في أمر الإسراء، أي هو السميع لما تقولون، البصير بأفعالكم. ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿أَلاّ تَتَّخِذُوا﴾ أي لئلا تتخذوا، أو بألا تتخذوا، أو على ألا تتخذوا، ومن قرأ بالياء فهو بمعنى: لئلا يتخذوا ﴿وَكِيلاً﴾ ربا أو كفيلا يفوضون إليه أمرهم، دون غيره ﴿مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ في السفينة ﴿إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ كثير الشكر، يحمد الله تعالى في جميع أحواله.

стр. 4380

سبب نزول آية الإسراء: ذكر رسول الله ﷺ لقريش الإسراء به وتكذيبهم له، فأنزل الله ذلك تصديقا له. فبعد أن عاد النبي ﷺ من الإسراء والمعراج، خرج إلى المسجد الحرام، وأخبر به قريشا، فتعجبوا منه لاستحالة ذلك في نظرهم، وارتد ناس ممن آمن به، وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: إن كان قال، لقد صدق، فقالوا: تصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك، فسمي «الصديق». واستنعته طائفة سافروا إلى بيت المقدس، فجلّي له، فطفق ينظر إليه، وينعته لهم، فقالوا: أما النعت فقد أصاب، فقالوا: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها، وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق (١)، فخرجوا ينشدون العير إلى الثنية، فصادفوا العير، كما أخبر، ثم لم يؤمنوا، وقالوا: ما هذا إلا سحر مبين. رأي العلماء في الحادث: الأكثر على أنه أسري بجسده إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السموات، حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، ولذلك تعجبت قريش واستحالوه. قال أبو حيان: والظاهر أن هذا الإسراء كان بشخصه، ولذلك كذبت قريش، وشنعت عليه، وحين قص ذلك على أم هانئ قالت: لا تحدّث الناس بها، فيكذبوك، ولو كان مناما، ما استنكر ذلك، وهو قول جمهور أهل العلم، وهو الذي ينبغي أن يعتقد. وحديث الإسراء مروي في المسانيد عن الصحابة في كل أقطار الإسلام، وذكر أنه رواه عشرون من الصحابة (٢).

стр. 4381

وما روي عن عائشة ومعاوية: أنه كان مناما فلم تثبت صحته، ولو صح لم يكن في قولهما حجة؛ لأنهما لم يشاهدا الحادث، لصغر عائشة، وكفر معاوية إذ ذاك، ولأنهما لم يسندا ذلك إلى الرسول ﷺ ، ولا حدثا به عنه. ومناسبة آية ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ لما قبلها: أنه لما ذكر تشريف النبي ﷺ وإكرامه بالإسراء، وإراءته الآيات، ذكر تشريف موسى وإكرامه بإيتائه التوراة من قبله. التفسير والبيان: أنزّه الله تنزيها من كل سوء، الذي أسرى بعبده محمد ﷺ في جزء من الليل، من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، وعاد إلى بلده في ليلته، وأبرئه تبرئة تامة عن كل صفات العجز والنقص وعما يقوله المشركون من وجود شريك أو ولد له، وأثبت له القدرة الكاملة الفائقة، فهو القادر على تحقيق ما هو أغرب من الخيال والتصور، فلا غرابة إن أسرى بعبده تلك المسافة البعيدة في جزء من الزمن غير طويل، تشريفا لنبيه، ورفعا لقدره وإعلاء لمجده، ليكون معجزة دائمة له مع مرور الزمان. والمراد ﴿بِعَبْدِهِ﴾ بإجماع المفسرين محمد ﵊، وأتى بقوله ﴿لَيْلاً﴾ بلفظ التنكير لتقليل مدة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل؛ لأن التنكير يدل على معنى البعضية، والمسافة من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة بحسب وسائط النقل القديمة، وذلك قبل الهجرة بسنة، كما قال مقاتل (١)، وذكر الحربي: أنه أسري به ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخرة قبل الهجرة بسنة.

стр. 4382

وروى ابن سعد في طبقاته أن الإسراء كان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا. والمكان الذي أسري به منه: هو المسجد الحرام بعينه، كما يدل عليه ظاهر لفظ القرآن، وما روي عنه ﷺ أنه قال: «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت، بين النائم واليقظان، إذ أتاني جبريل بالبراق». وقال الأكثرون: المراد بالمسجد الحرام: الحرم؛ لإحاطته بالمسجد، والحرم كله مسجد، كما قال ابن عباس، وقد أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب سنة ٦٢١ م. والمسجد الأقصى بالاتفاق: هو بيت المقدس، وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظم بالزيارة. والأكثرون من المسلمين اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله ﵌. وفي رأي ضعيف: أنه ما أسري إلا بروحه، وذلك محكي عن حذيفة وعائشة ومعاوية. والأصح هو الرأي الأول وأنه تعالى أسرى بروح محمد ﵌ وجسده، من مكة إلى بيت المقدس، لأن كلمة العبد في قوله: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ اسم للجسد والروح، فوجب أن يكون الإسراء حاصلا لمجموع الجسد والروح، ولأن الخبر المروي عن أنس بن مالك وهو الحديث المشهور المروي في الصحاح عن المعراج والإسراء يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه إلى السموات العلا. والخلاصة: أن الآية هنا دالة قطعا على إثبات الإسراء، وآية سورة النجم دالة على المعراج: وهو العروج والصعود إلى السموات، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام، بعد وصوله إلى بيت المقدس. وقد وصف الله المسجد الأقصى بأنه مبارك ما حوله، والبركة تشمل بركات

стр. 4383

الدين والدنيا، أما الأولى فهو أنه مهبط الأنبياء، وأما الثانية فهو إحاطته بخيرات الدنيا، لما اشتمل عليه من أنهار وأشجار وأثمار تكون سببا في توفير المعايش والأقوات. والهدف من الإسراء: أن يري الله عبده آياته الكبرى، وأدلته العظمى على وجوده ووحدانيته وعظم قدرته، فكانت فائدة الإسراء مختصة بالله تعالى وعائدة إليه على سبيل التعيين. ولا عجب في ذلك كله، فالله سبحانه هو السميع لكل قول، البصير بكل نفس، الذي يضع الأمور في مواضعها على وفق الحكمة، وبمقتضى الحق والعدل. ومن ذلك: سماعه أقوال المشركين وتعليقاتهم على حادث الإسراء واستهجانهم لوقوعه، واستهزاؤهم بالنبي ﵌ في إسرائه من مكة إلى القدس. وبصره بما يفعل أولئك المشركون، وبما يكيدون لنبي الله ورسالته (١). ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ.﴾. بعد أن ذكر الله إكرام محمد ﵌ من نسل إسماعيل بالإسراء وإمامة الأنبياء في المسجد الأقصى، ذكر في هذه الآية إكرام موسى ﵇ قبل محمد ﵌ بالكتاب الذي آتاه وأعطاه إياه، وهو التوراة، الذي جعله الله هدى وهداية، ليخرج بني إسرائيل بواسطة ذلك الكتاب من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين الحق، وقلنا: لا تتخذوا من دوني وكيلا، أي لا تتخذوا من دون الله وكيلا تفوضون إليه أموركم، فقوله: ﴿وَكِيلاً﴾ معناه: ربا تكلون إليه أموركم.

стр. 4384

وبين الإسراء بمحمد ﵌ إلى بيت المقدس، وإيتاء موسى التوراة بمسيره إلى الطور تناسب واضح. ثم أبان الله تعالى تشريفه لبني إسرائيل وإتمام نعمته عليهم، لحملهم على اتباع الرسل، فقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ.﴾. أي يا ذرية أو نسل وحفدة أولئك الذين نجاهم الله من الغرق مع نوح، وهداهم إلى طريق التوحيد والحق والخير، تشبّهوا بأصولكم، فأنتم أولى الناس بالتوحيد واتباع سيرة الأنبياء والمرسلين، وفي مقدمتهم أبوكم نوح ﵇ الذي كان عبدا مبالغا في الشكر لنعم الله وعرفان قدره وعظمته، وإنما يكون العبد شكورا إذا كان موحدا لا يرى حصول شيء من النعم إلا من فضل الله، فاقتفوا أثره، واتبعوا منهجه وسنته، واقتدوا به كما أن آباءكم اقتدوا به. ووصف نوح بكونه ﴿عَبْداً﴾ ووصف نبينا محمد بأنه «عبد» دليل واضح على مرتبة الأنبياء، وهي مرتبة العبودية الخالصة لله، فإن معجزة الإسراء والمعراج الخارقة لا يصح وصفها بغير حقيقتها، ولا وضع النبي ﵌ في منزلة تتجاوز موضعه الحقيقي وهو كونه عبدا لله، أي خاضعا لعزة الله وسلطانه، خلافا لما وصفت به النصارى المسيح، ووضعوه في غير موضعه الصحيح. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - ثبوت حادثة الإسراء بنص القرآن الكريم بدلالة قطعية، وثبت الإسراء أيضا في جميع مصنفات الحديث، وروي عن عشرين صحابيا، فهو من المتواتر. روى مسلم في صحيحة عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «أتيت بالبراق-وهو دابة، أبيض طويل فوق الحمار، ودون البغل،

стр. 4385

يضع حافره عند منتهى طرفه-قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء..» الحديث. وروى مسلم أيضا حديثا آخر عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ صلى بالأنبياء ﵈ وفيه: «.. فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة، قال لي قائل: يا محمد، هذا مالك صاحب النار، فسلّم عليه، فالتفت إليه، فبدأني بالسلام». ٢ - كان الإسراء بالروح والجسد يقظة راكبا البراق، لا في الرؤيا والمنام، بدليل نص الآية ﴿بِعَبْدِهِ﴾ وهو مجموع الروح والجسد، ولو كان مناما لقال: «بروح عبده» ولم يقل: ﴿بِعَبْدِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ [النجم ١٧/ ٥٣] يدل على ذلك، ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة، ولما قالت له أم هانئ: لا تحدّث الناس فيكذبوك، ولا فضّل أبو بكر بالتصديق، ولما أمكن قريشا التشنيع والتكذيب، وقد كذبته قريش فيما أخبر به، حتى ارتدّ أقوام كانوا آمنوا، فلو كان بالرؤيا لم يستنكر (١). وأما المعراج أو العروج إلى السموات وإلى ما فوق العرش، فلا تدل هذه الآية عليه، وإنما تدل عليه أوائل سورة النجم (٢). والخلاصة: إن تلك الرؤيا لمحمد ﵌ كانت رؤيا عيان، لا رؤيا منام.

стр. 4386

وتاريخ الإسراء مختلف فيه، والظاهر أنه كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة. ولا خلاف بين العلماء وأهل السير أن الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الإسراء حين عرج بالنبي ﵌ إلى السماء، وذلك منصوص عليه في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما (١). وإنما اختلفوا في هيئتها حين فرضت، فروى البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والنسائي عن عائشة ﵂ قالت: «فرض الله الصلاة -حين فرضها-ركعتين، ثم أتمها في الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى». وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة». ٣ - إن المقصود من الإسراء والمعراج أن يري الله نبيه الآيات العظمى الدالة على وجوده ووحدانيته وقدرته، ومن تلك الآيات: الجنة والنار وأحوال السموات والكرسي والعرش، فيصبح العالم في عينه حقيرا أمام عظمة الكون، وتقوى نفسه على احتمال المكاره والجهاد في سبيل الله. ومن تلك الآيات التي أراه الله العجائب التي أخبر بها النبي الناس، وإسراؤه في ليلة، وعروجه إلى السماء، ووصفه الأنبياء واحدا واحدا، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره. كما أن في الإسراء من مكة إلى بيت المقدس الإشارة إلى وحدة الأنبياء في الرسالة والهدف والتوجه إلى الله تعالى وحده، وإن اختلفت القبلتان، وتمايزت الشرائع، وتمادى الزمان في فترات إرسال الأنبياء ﵈، فهم من أولهم آدم ﵇ إلى خاتمهم محمد ﵌ دعاة إلى توحيد الله وعبادته وإلى إصلاح

стр. 4387

الإنسان والمجتمع، وإسعاد الفرد والجماعة، وتصحيح مسيرة الناس قاطبة على أساس من الحق والعدل والاستقامة والأخلاق السوية. ٤ - كرّم الله محمدا ﵌ بالإسراء والمعراج، وكرم موسى ﵇ بالكتاب وهو التوراة الذي جعله الله هدى وهداية لبني إسرائيل من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان بالله تعالى وحده، وتحريم اتخاذ ربّ سواه يتوكلون عليه في أمورهم. والوكيل: من يوكل إليه الأمر. ٥ - ثم نادى الله سبحانه البشرية قاطبة بأن ينضموا جميعا تحت راية واحدة هي راية الإيمان بالله تعالى وحده، قائلا: يا ذرية من حملنا مع نوح، وهم جميع من على الأرض، ومنهم موسى وقومه من بني إسرائيل: لا تشركوا مع الله إلها آخر. وذكر الله تعالى نوحا لتذكير البشرية بنعمة الإنجاء من الغرق على آبائهم.. ومقصود الآية: إنكم أيها البشر من ذرية نوح، وقد كان عبدا شكورا موحدا الله تعالى، مقرا بآلائه ونعمه عليه، ولا يرى الخير إلا من عنده، فأنتم أحق بالاقتداء به، دون آبائكم الجهال. ويمكن مما ذكر تلخيص العظات والحقائق التالية: أولا-أدى حادث الإسراء والمعراج في ليلة واحدة إلى تمحيص المؤمنين، وتبيان صادق الإيمان، ومريض القلب منهم. ثانيا-كان اطلاع الله رسوله ﵌ على آيات الكون الأرضية والسماوية ذات العجائب درسا واقعيا لتعليم الرسول بالمشاهدة والنظر، ومن المعلوم أن التعليم المحسوس أوقع في النفس، وأرسخ في الذهن. ثالثا-إن بشرية النبي ﵌ واحتياجه إلى الهواء في طبقات الجو والسموات

стр. 4388

العليا والملأ الأعلى لم تمنع من إتمام تلك الرحلة، لأن قدرة الله تعالى كفيلة بتوفير حاجياته ومتطلباته، كما يزود الآن رواد الفضاء بالأكسجين. وإن في غزو الفضاء الآن لدليلا مؤكدا على صحة الإسراء والمعراج، وأن محمدا ﵌ هو أول رواد الفضاء، وأنه تجاوز أسرع ما توصلت إليه محطات الفضاء. رابعا-إن جمع الأنبياء في المسجد الأقصى وإمامة نبينا بهم دليل واضح على وحدة رسالاتهم وختمها برسالة النبي ﵌، وبلورتها وانصبابها في شريعته التي ختمت الشرائع السالفة. أحوال بني إسرائيل في التاريخ ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨)﴾ الإعراب: ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ ظرف مكان منصوب، وعامله ﴿فَجاسُوا﴾ وقرئ: جاسوا وداسوا وهما بمعنى واحد، وحاسوا.

стр. 4389

﴿وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي المرة الآخرة، فحذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا﴾ ﴿كَما﴾: مصدرية ظرفية زمانية، أي وليتبّروا مدّة علوهم، فحذف المضاف، كقولك: أتيتك مقدم الحاج، أي زمن مقدم الحاج، فحذف المضاف. البلاغة: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا﴾ جناس اشتقاق. ﴿أَحْسَنْتُمْ﴾ ﴿أَسَأْتُمْ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَقَضَيْنا﴾ أعلمناهم وأخبرناهم بذلك من طريق الوحي. ﴿فِي الْكِتابِ﴾ التوراة. ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض الشّام بالمعاصي، وهو جواب قسم محذوف. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ من الإفساد، أولاهما-مخالفة أحكام التوراة وقتل أشعيا، وثانيتهما-قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى. ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ لتستكبرنّ عن طاعة الله تعالى، وتبغون بغيا عظيما، وتظلمون الناس. ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾ أولى مرّتي الفساد، ووعد عقاب أولاهما. ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أصحاب قوة في الحرب والبطش، وهم بختنصّر وجنوده، وقيل: جالوت الخزري، وقيل: سنحاريب ملك بابل وجنوده. ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ تردّدوا وسط دياركم لطلبكم وقتلكم وسببكم، فقتلوا الكبار، وسبوا الصغار، وأحرقوا التوراة، وخرّبوا المسجد الأقصى وبيت المقدس. ﴿وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ وكان وعد عقابكم نافذا، لا بدّ منه. ﴿الْكَرَّةَ﴾ الدّولة والغلبة. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بعد مائة سنة بقتل جالوت. ﴿نَفِيراً﴾ عشيرة. ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾ بالطاعة. ﴿أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ لأن ثوابه لها. ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ بالفساد. ﴿فَلَها﴾ إساءتكم، ووبالها عليها. ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي جاء وعد المرة الآخرة. ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾ أي بعثناهم ليسوؤا وجوهكم، أي ليجعلوها بادية آثار السوء فيها، بأن يحزنوكم بالقتل والسّبي حزنا يظهر في وجوهكم وحذف بعثناهم لدلالة ما ذكر أولا عليه. ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ بيت المقدس فيخربوه، وهو متعلّق بمحذوف هو: بعثناهم. ﴿كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كما خربوه أول مرة. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ يهلكوا. ﴿ما عَلَوْا﴾ ما غلبوا عليه أو استولوا عليه من بلادكم، أو مدة علوهم. ﴿تَتْبِيراً﴾ هلاكا، وذلك بأن سلّط الله عليهم الفرس، مرة أخرى، فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف، اسمه: جوذرز أو خردوس، وقتل منهم ألوفا، وسبى ذريّتهم، وخرّب بيت المقدس. ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ أي وقلنا في الكتاب: عسى ربّكم، بعد المرة الثانية، إن تبتم.

стр. 4390

﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ إلى الفساد. ﴿عُدْنا﴾ إلى العقوبة، وقد عادوا بتكذيب محمد ﵌، فسلّط عليهم بقتل قريظة، ونفي بني النضير، وفرض الجزية عليهم. ﴿حَصِيراً﴾ محبسا وسجنا، لا يقدرون على الخروج منها أبدا، وقيل: بساطا، كما يبسط الحصير. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى إنعامه على بني إسرائيل بإنزال التوراة عليهم، لتكون لهم هدى يهتدون بها، ذكر أنهم ما اتبعوا هداها، بل أفسدوا في الأرض بقتل الأنبياء وسفك الدّماء، فسلّط الله عليهم البابليين بقيادة بختنصّر، فقتلوهم ونهبوا أموالهم، وخربوا بيت المقدس، وسبوا أولادهم ونساءهم، وذلك أول الفسادين وعقابه. ثم لما تابوا، أعاد الله لهم الدولة والغلبة، وأمدّهم بالأموال والبنين، ثم عادوا إلى فسادهم وعصيانهم، فقتلوا زكريا ويحيى ﵉، فسلّط الله عليهم الفرس، فقتلوهم، وسلبوهم، وخربوا بيت المقدس مرة أخرى، ثم وعدهم الله بالنصر إن أطاعوا، وبالعقاب بنار جهنم إن عصوا وأفسدوا. التفسير والبيان: هذه الآيات بيان لتأريخ بني إسرائيل وإخبار عما يرتكبون من وقائع وأحداث دامغة، ومفاسد عظيمة، والمعنى: وأعلمنا بني إسرائيل وأخبرناهم وأوحينا إليهم وحيا مقضيّا مقطوعا بحصوله فيما أنزلناه في التوراة على موسى أنهم سيفسدون في الأرض: أرض الشام وبيت المقدس أو أرض مصر، أو في كلّ أرض يحلّون فيها مرتين، ويعصون الله، ويخالفون شرع ربّهم في التوراة مخالفتين لا مخالفة واحدة، وهما: الأولى-مخالفة التوراة وتغييرها، وقتل بعض الأنبياء، مثل شعيا ﵇، وحبس إرميا حين أنذرهم سخط الله تعالى.

стр. 4391

والثانية-قتل زكريا ويحيى ومحاولة قتل عيسى ﵈. ثم إنهم يتجبّرون ويطغون ويفجرون ويستعلون على الناس بغير الحق استعلاء عظيما، ويظلمونهم ظلما شديدا، فقوله تعالى: ﴿عُلُوًّا كَبِيراً﴾ أراد به التّكبر والبغي والطغيان. ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما.﴾. أي فإذا حان موعد أولى المرتين من الإفساد، وجاء وعد الفساق ووقت العقاب الموعود به على المرة الأولى، سلّطنا عليكم جندا من خلقنا أولي بأس شديد، أي قوة وشدّة وأصحاب عدّة في الحروب وعدد، وهم أهل بابل بقيادة بختنصّر، حين كذبوا إرمياء وجرحوه وحبسوه، كما قال ابن عباس وغيره. وقال قتادة: أرسل عليهم جالوت فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد. وقال مجاهد: هم جند من فارس، والظاهر الرأي الأول، والمهم العبرة والعظة من تسلّط فئة على فئة باغية، ولا يهم بيان الأشخاص والجماعات. ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ.﴾.، أي أوغلوا في البلاد وتملكوها، وتردّدوا فيها وفي أوساطها ذهابا وإيابا، لا يخافون أحدا، يقتلون ويسلبون وينهبون، ويقتلون العلماء والكبراء، وكان من آثارهم إحراق التوراة، وتخريب بيت المقدس، وسبي عدد كثير من بني إسرائيل، وكان ذلك وعدا منجزا نافذا، وقضاء كائنا لا خلف فيه، أو قضاء حتما جزما لا يقبل النقض والنسخ؛ لأنهم تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء. وكان هذا الدّرس القاسي البليغ محقّقا الثّمرة والغاية، فاتّعظ بنو إسرائيل مما حدث، وثابوا لرشدهم، وعدلوا عن غيّهم وضلالهم، وتمسّكوا بمبادئ كتابهم ودينهم، فكان ذلك مؤذنا بنصر جديد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ.﴾. أي ثم أعدنا لكم الدولة والغلبة عليهم،

стр. 4392

ورددنا لكم القوة، وأهلكنا أعداءكم، وجعلناكم أكثر نفيرا، أي عددا من الرجال، وأمددناكم بالأموال والأولاد والسّلاح بفضل طاعة الله والاستقامة على أمره: ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠/ ٣] ولذا قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ.﴾. أي إن أحسنتم العمل، فأطعتم الله واتّبعتم أوامره واجتنبتم نواهيه، أو إن أحسنتم بفعل الطاعات، فقد أحسنتم إلى أنفسكم؛ لأنكم بالطاعة تنفعونها، فيفتح الله عليكم أبواب الخيرات والبركات، ويدفع عنكم أذى أهل السوء في الدّنيا، ويثيبكم في الآخرة، وإن أسأتم بفعل المحرّمات أسأتم إلى أنفسكم؛ لأنكم بالمعصية تضرّونها، فبشؤم تلك المعاصي يعاقبكم الله بالعقوبات المختلفة، من تسليط الأعداء في الدّنيا، وإيقاع العذاب المهين في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿فَلَها﴾ أي فعليها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت ٤٦/ ٤١]. وهذه سنّة الله في خلقه، إن عصوا سلّط الله عليهم القتل والنّهب والسّبي، وإن تابوا أزال عنهم تلك المحنة، وأعاد لهم الدولة، ﴿جَزاءً وِفاقاً﴾ [النبأ ٧٨\ ٢٦]، ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤١\ ٤٦]. ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ..﴾. أي فإذا حان موعد المرة الأخيرة، وجاء وقت العقاب على الكرة الثانية من الإفساد والإقدام على قتل زكريا ويحيى ﵉، أرسلنا أعداءكم ليسوؤا وجوهكم، أي ليظهروا المساءة في وجوهكم بالإهانة والقهر، وليدخلوا المسجد، أي بيت المقدس قاهرين، كما دخلوه في أول مرة للتخريب والتدمير وإحراق التوراة، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾، أي يدمّروا ويخرّبوا، ﴿ما عَلَوْا﴾، أي ظهروا عليه، ﴿تَتْبِيراً﴾، أي تخريبا وهلاكا شديدا، فلا يبقون شيئا من آثار الحضارة والعمران، ويبيدون الأرض ومن عليها، ويهلكون الحرث والزرع والثمر، وقد سلّط الله عليهم في هذه المرة

стр. 4393

الفرس، فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف المسمى بيردوس أو خردوس، كما ذكر البيضاوي. والخلاصة: إن بختنصّر هو الذي أغار على بني إسرائيل أولا فخرّب بيت المقدس، وكان ذلك في زمن إرميا ﵇، وهذا موافق لتأريخ اليهود، أما في المرة الثانية فإن المغير هو بيردوس ملك بابل، كما ذكر البيضاوي، وهو أسبيانوس، قيصر الروم كما ذكر اليهود في تاريخهم، وكان بين الإغارتين نحو من خمس مائة سنة. ثم فتح الله تعالى باب الأمل أمامهم مرة أخرى، فقال: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ أي لعل ربّكم أن يرحمكم يا بني إسرائيل، ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم في المرة الثانية من تسليط الأعداء عليكم، إن تبتم وأقلعتم عن المعاصي، فيصرفهم عنكم، وقد وفى الله بوعده، فأعزّهم بعد الذّلة، وأعاد لهم الملك، وجعل منهم الأنبياء. ثم أنذرهم الله بقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾، أي وإن عدتم إلى الإفساد والمعاصي في المرة الثالثة، عدنا إلى إذلالكم، وتسليط الأعداء عليكم وعقوبتكم بأشدّ مما مضى في الدّنيا، مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنّكال، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً﴾، أي مستقرّا وسجنا لا محيد عنه، كما قال ابن عباس، وقال الحسن البصري: فراشا ومهادا وبساطا، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف ٤١/ ٧] ولأن العرب تسمّي البساط الصغير حصيرا. والخلاصة: إن لبني إسرائيل بسبب عصيانهم ذلّ الدّنيا وعذاب جهنّم في الآخرة. وهذا عبرة لكلّ مخالف أوامر الله تعالى.

стр. 4394

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات الكريمة إلى ما يأتي: ١ - صدق إخبار الله لبني إسرائيل أنهم سيقدمون على الفساد والمعاصي، لما علم الله منهم في علمه السابق الأزلي أنهم أرباب انحراف وفساد وتخريب، والمراد بالفساد: مخالفة أحكام التوراة. ٢ - تكرر العقاب مرتين والإنقاذ من العذاب والذّل مرتين أيضا فيه رحمة من الله بعباده؛ لأن العقاب قد يكون سبيلا للإصلاح والتّربية والتّهذيب، ولأن التّغلّب على الأزمات والتّخلّص من المهانة والإذلال فيه تجديد للنّفس، وعون على فتح باب الأمل، وطرد اليأس من النّفوس. وقد عوقب اليهود أولا على يد بختنصّر، وثانيا على يد ملك بابل: بيردوس الفارسي، أو قيصر الروم؛ لأنهم في المرة الأولى قتلوا إرميا أو شعيا نبي الله ﵇ وجرحوه وحبسوه، وفي المرة الثانية قتلوا يحيى وزكريا ﵉ قتلهما هيردوس أو لاخت أحد ملوك بني إسرائيل، وعزموا على قتل عيسى ﵇، وكان العقاب شديدا في الحالتين، ومن أهم صنوفه إحراق التوراة وهدم بيت المقدس. وكانت النّجاة بإعادة العزّة والدّولة لبني إسرائيل كما كانت بالإمداد بالأموال والبنين، وجعلهم أكثر عددا ورجالا من عدوّهم؛ لأنهم صاروا بعد الهزيمة الأولى أكثر التزاما للطاعة وأصلح أحوالا، جزاء من الله تعالى لهم على عودهم إلى الطاعة. ٣ - إن نفع الإحسان والاستقامة على الطاعة لله عائد للإنسان نفسه، وكذلك سوء الإساءة ومخالفة أوامر الله مردود للإنسان ذاته: ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ

стр. 4395

ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ [غافر ٣١/ ٤٠]، ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران ١٠٨/ ٣]. ٤ - تشير آية ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى أن رحمة الله تعالى غالبة على غضبه؛ لأنه تعالى لما حكى عنهم الإحسان أعاده مرتين فقال: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ولما حكى عنهم الإساءة اقتصر على ذكرها مرة واحدة فقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾ ولو لم يكن جانب الرّحمة غالبا، لما فرق بين التعبيرين (١). أكّد تعالى ذلك بقوله: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ فهو وعد من الله بكشف العذاب عنهم إن تابوا وأنابوا إليه. ٥ - إن عدل الله يقضي بأن من عاد إلى العصيان عاد الله إلى عقابه: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ ومن عاد إلى التوبة والرّشد والهداية والاستقامة عادت رحمة الله إليه: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾. ٦ - ليس عذاب العصاة مقصورا على الدّنيا بالإذلال والإهانة والقتل والنّهب والسّبي، وإنما هناك عذاب آخر ادّخره الله لهم في جهنّم، بإحاطة نارها بهم، وجعلها مقرّا ومحبسا وسجنا لهم، أو مهادا وفراشا وبساطا. ٧ - إن ذكر ما قضي إلى بني إسرائيل دليل على نبوة محمد ﵌، لمطابقة ما أخبر به القرآن الواقع الحادث.

стр. 4396

أهداف القرآن الكريم ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١)﴾ الإعراب: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ فيه حذف، أي ويدعو الإنسان بالشّر دعاء مثل دعائه بالخير، ثم حذف المصدر وصفته، وأقيم ما أضيفت الصفة إليه مقامه. المفردات اللغوية: ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ يهدي إلى الطريقة التي هي أعدل وأصوب. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ..﴾. عطفا على ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ أي يبشّر المؤمنين ببشارتين: ثوابهم وعقاب أعدائهم، أو عطفا على ﴿يُبَشِّرُ﴾ بإضمار: ويخبر أن ﴿أَعْتَدْنا﴾ أعددنا. ﴿أَلِيماً﴾ مؤلما هو النار. ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ أي يدعو عند غضبه بالشّر على نفسه وأهله وماله. ﴿دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ أي كدعائه له. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ﴾ جنس الإنسان. ﴿عَجُولاً﴾ بالدعاء على نفسه، وعدم النّظر في عاقبته. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى ما أكرم به محمدا ﵌ وهو الإسراء وأكرم موسى ﵇ بالتوراة، وأنها هدى لبني إسرائيل، وما سلط عليهم بذنوبهم من عذاب الدّنيا والآخرة، مما يستدعي ردع العقلاء عن معاصي الله، ذكر ما شرّف الله به رسوله أيضا من القرآن الناسخ لحكم التوراة وكل كتاب إلهي، وأبان أهدافه من الهداية للطريقة أو الحالة التي هي أقوم، والتّبشير بالثواب العظيم لمن أطاعه، وإنذار الكافرين بالعذاب الأليم.

стр. 4397

التفسير والبيان: لم لا تؤمنون بالقرآن يا بني إسرائيل، والقرآن كالتوراة أنزله الله على رسوله محمد ﵌، وهو متّصف بثلاث صفات: الصفة الأولى: أنه يرشد للسبيل التي هي أقوم، فهو يهدي لأقوم الطرق وأوضح السّبل، وإلى الطريقة المثلى التي هي الدّين القيّم، والملّة الحنيفية السمحة التي تقوم على أساس التوحيد الخالص لله، وأنه الفرد الصمد، صاحب الملك، والعزّة والجبروت، المعزّ المذلّ الّذي يحيى ويميت، وتدعو إلى فضائل الأعمال، وإلى خيري الدّنيا والآخرة. فقوله تعالى: ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ معناه: الطريقة التي هي أسدّ وأعدل وأصوب. الصفة الثانية: أنه يبشّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا يوم القيامة، جزاء عملهم. الصفة الثالثة: أنه ينذر الذين لا يصدقون بوجود الله ووحدانيته، ولا بالمعاد والثواب والعقاب، ولا يعملون الخير بأن لهم عذاب جهنم، جزاء ما قدمت أنفسهم. والمعنى أنه تعالى بشّر المؤمنين بنوعين من البشارة بثوابهم وبعقاب أعدائهم، وإطلاق البشارة على البشارة بالعذاب من قبيل التهكّم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [ال عمران: ٢١/ ٣]، أو من إطلاق اسم الشيء على ضدّه، كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠/ ٤٢].

стр. 4398

وبعد أن بيّن الله تعالى لبني إسرائيل وغيرهم صفات الهادي وهو القرآن، بيّن حال المهدي وهو الإنسان، ليقوي الترابط بينهما، ويدل على وحدة المهديين بالكتب السماوية، فقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ.﴾. أي إن صفة الإنسان العجلة، فيدعو في بعض الأحيان حين الغضب على نفسه أو ولده أو ماله بالشّر، أي بالموت أو الهلاك والدّمار واللعنة، كما يدعو ربّه بالخير، أي بالعافية والسّلامة والرزق، ولو استجيب دعاؤه لهلك، ولكن الله بفضله ورحمته لا يستجيب دعاءه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ، لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس ١١/ ١٠]، و روى أبو داود عن جابر أن النّبي ﵌ قال: «لا تدعوا على أنفسهكم، ولا أموالكم أن توافقوا من الله ساعة إجابة، يستجيب فيها». والذي يحمل الإنسان على ذلك قلقه وعجلته، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً﴾ أي يتعجل تحصيل المطلوب دون تفكير في عواقبه. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - إن القرآن الكريم أنزله الله تعالى على محمد ﵌ سبب اهتداء للبشرية قاطبة، يرشدها لأقوم الطرق، وأصح المناهج، وأعدل المسالك، وهي توحيد الله والإيمان برسله، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، وأفضل مناهج الحياة. ٢ - وللقرآن هدف آخر وهو التّبشير والإنذار، تبشير المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحة بالجنّة، وإنذار أعدائهم الكفار بالعقاب في نار جهنم، والقرآن معظمة وعد ووعيد. ٣ - إن طبع الإنسان القلق والعجلة، فيعجل بسؤال الشرّ كما يعجل بسؤال

стр. 4399

الخير، فيدعو على نفسه وولده وماله عند الضجر بما لا ينبغي، قائلا: اللهم أهلكه ونحوه، كما يدعو ربّه أن يهب له العافية ويوسّع له في الرّزق، فلو استجاب الله تعالى دعاءه على نفسه بالشّرّ، هلك، لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك. ونظير الآية آية: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ كما تقدّم، نزلت في النّضر بن الحارث، كان يدعو ويقول: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]. التذكير بنعم الله في الدنيا ودلائل القدرة الإلهية ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥) وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧)﴾ الإعراب: ﴿مَنْشُوراً﴾ حال. ﴿بِذُنُوبِ﴾ متعلق بقوله: ﴿خَبِيراً بَصِيراً﴾.

стр. 4400

البلاغة: ﴿آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ مجاز عقلي؛ لأن النهار لا يبصر، بل يرى فيه، فهو مجاز من إسناد الشيء إلى زمانه. ﴿طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ أستعير الطائر لعمل الإنسان؛ لأن العرب الذين كانوا يتفاءلون ويتشاءمون بالطير، سموا نفس الخير والشر بالطائر بطريق الاستعارة. ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي يقال له يوم القيامة: اقرأ كتابك، وكذلك ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي أمرناهم بطاعة الله فعصوا. ﴿اِهْتَدى﴾ ﴿ضَلَّ﴾ بينهما طباق. ﴿تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿آيَتَيْنِ﴾ علامتين دالتين على قدرة الله تعالى، بتعاقبهما على نسق واحد. ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أي جعلنا الآية التي هي الليل ممحوّة لا نور فيها، والإضافة فيها للتبيين، كإضافة العدد إلى المعدود. ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ مضيئة أو مبصرة للناس. ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم، وتتوصلوا به إلى استبانة أعمالكم. ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ أي ولتعلموا باختلافهما أو بحركتهما عدد السنوات وجنس الحساب. والفرق بين العدد والحساب: أن العدد إحصاء أمثال الشيء المكونة له، والحساب: إحصاء طائفة معينة يتكون منها الشيء، فالسنة بالنظر إلى أنها أيام (٣٦٥ يوما) فقط فذلك العدد، وبالنظر إلى تكونها من اثني عشر شهرا، وكل شهر ثلاثون يوما، وكل يوم ٢٤ ساعة، فذلك هو الحساب، كما ذكر الشوكاني في فتح القدير ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ أي وكل شيء تحتاجون إليه من أمور الدين والدنيا، بيّناه بيانا غير ملتبس. ﴿طائِرَهُ﴾ عمله من خير أو شر. ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ لزوم الطوق في عنقه؛ إذ اعتادوا التفاؤل بالطير، ويسمونه زجرا، فإن مرّ بهم من اليسار إلى اليمين، تيمنوا به، وسموه سانحا، وإن مرّ من اليمين إلى اليسار تشاءموا منه، وسموه بارحا، وسموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه. هو صحيفة عمله. ﴿مَنْشُوراً﴾ أي غير مطوي. ﴿حَسِيباً﴾ محاسبا عادّا يعد عليه أعماله. ﴿مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي أن ثواب اهتدائه له. ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أي أن إثمه عليها. ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ أي لا تحمل نفس آثمة وزر نفس أخرى، والوزر:

стр. 4401

الإثم. ﴿مُعَذِّبِينَ﴾ أحدا ﴿حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ يبين له ما يجب عليه. ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ وإذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم، لإنفاذنا قضاءنا السابق. ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ منعميها أي رؤساءها، بالطاعة على لسان رسلنا. ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ فخرجوا عن أمرنا. ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ بالعذاب. ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ أي أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريبها. ﴿وَكَمْ﴾ أي كثيرا. ﴿الْقُرُونِ﴾ الأمم. ﴿خَبِيراً بَصِيراً﴾ عالما ببواطنها وظواهرها. سبب النزول: نزول الآية (١٥): ﴿مَنِ اهْتَدى﴾ قالت فرقة: نزلت الإشارة في الهدى إلى أبي سلمة بن عبد الأسود، وفي الضلال إلى الوليد بن المغيرة. وقيل: نزلت في الوليد هذا قال: يا أهل مكة، اكفروا بمحمد، وإثمكم علي. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى ما أنعم به من نعم الدين على الناس وهو القرآن، أتبعه ببيان ما أنعم عليهم من نعم الدنيا، وهو في ذاته استدلال بالدلائل الواضحة على قدرة الله وحكمته. وبعد أن أبان تعالى دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، وأوضح أحوال الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، ذكر مبدأ رفيعا ومهما جدا، وهو مبدأ المسؤولية الفردية أو الشخصية عن أعمال الإنسان؛ وأن ذلك المبدأ قد تقرر بعد إرسال الرسل وبيان معالم الهدى، فلا تكليف قبل الشرع، ولا عقاب ولا عذاب قبل البيان والإنذار؛ وأن العقاب العام للقرى والأمم لا يكون إلا بعد الأمر بالطاعات والخيرات، ومخالفة ذلك الأمر، والفسق. التفسير والبيان: وجعلنا الليل والنهار علامتين دالتين على قدرتنا وبديع صنعنا، وفي

стр. 4402

تعاقبهما واختلافهما تحقيق لمصالح الإنسان، ففي الليل سكنه وهدوءه وراحته، وفي النهار حركته وشغله وتقلبه في أنحاء الدنيا للمعيشة والكسب، والصناعة والعمل. وجعلنا ظرف كل من الليل والنهار مناسبا للهدف المنشود والغاية المقصودة، ففي الليل ظلام دامس ومحو للضوء يتلاءم مع راحة النفس والعين والسمع، وفي النهار ضوء ونور يناسب الحركة والعمل وإبصار الأشياء. فهذا امتنان من الله تعالى على خلقه بجعل الليل ممحو الضوء مطموسا مظلما لا يستبان فيه شيء، وجعل النهار مبصرا، أي تبصر فيه الأشياء وتستبان. ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي جعلنا تعاقب الليل والنهار لتتمكنوا كيف تتصرفون في أعمالكم، وتطلبون الرزق من الله ربكم الذي يربيكم ويمدكم من فضله وإحسانه شيئا فشيئا، وعلى وفق الزمان الدائر بكم صيفا وشتاء. ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ أي ولتعرفوا بتعاقب الليل والنهار عدد الأيام والشهور والأعوام، وتعلموا بحساب الأشهر والليالي والأيام أوقات مصالحكم من الدورات الزراعية، وآجال الديون والإجارات والمعاملات، وأزمان العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة، فلو لم يتغاير الليل والنهار، لما تمكن الإنسان من الراحة التامة ليلا واكتساب المعايش والأرزاق نهارا، ولو كان الزمان كله نسقا واحدا لما عرف الحساب على نحو صحيح يسير. ونظير الآية قول الله تعالى: ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ؟ أَفَلا تَسْمَعُونَ؟ قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ؟ أَفَلا تُبْصِرُونَ؟ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ؟!﴾ [القصص ٧٠/ ٢٨ - ٧٣]

стр. 4403

وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ، أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان ٦٢/ ٢٥] وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ، ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ، يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس ٥/ ١٠]. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ أي وكل شيء لكم به حاجة في مصالح دينكم ودنياكم قد بيناه وشرحناه بيانا نافعا، وشرحا كاملا وافيا، كما قال تعالى: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨/ ٦] وقال: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩/ ١٦]. وبعد ذكر الزمان وما يقع فيه من أعمال الناس، ذكر تعالى مبدأ التبعية أي المسؤولية عن الأعمال من خير أو شر فقال: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ أي وجعلنا عمل كل إنسان ملازما له لزوم القلادة للعنق إن كان خبيرا، ولزوم الغلّ للعنق لا يفك عنه إن كان شرّا. فالمراد بالطائر: العمل الصادر من الإنسان. والعرب تعبر عن تلازم الشيء بالشيء بما يوضع في العنق، يقال: جعلت هذا في عنقك، أي قلدتك هذا العمل، وألزمتك الاحتفاظ به. وجعل العمل ملازما للإنسان أمر محتوم وقضاء معلوم، على وفق علم الله الأزلي السابق بالأشياء وبما يصدر عن الناس، وهذا لا يعني الإجبار ونفي الاختيار الذي هو مناط الثواب والعقاب، فكل إنسان مخير في اختيار ما هو خير يقتضي ثوابا حسنا وما هو شرّ يقتضي عقابا سيئا. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً..﴾. أي سنخرج لكل إنسان يوم القيامة كتابا يراه ويستقبله منشورا أمامه، فيه جميع أعماله خيرها وشرها. ذكر الحسن البصري حديثا قدسيا: «قال الله: يا بن آدم، بسطنا لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان: أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك، فأما الذي عن يمينك

стр. 4404

فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج لك يوم القيامة». ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ، كَفى بِنَفْسِكَ..﴾. ويقال لك حين تلقى كتابك: اقرأ كتابك أي كتاب عملك في الدنيا، كفى بنفسك حاسبا تحسب أعمالك وتحصيها. كان الحسن إذا قرأها قال: يا بن آدم، أنصفك-والله-من جعلك حسيب نفسك. والقائل: هو الله تعالى على ألسنة الملائكة. ﴿مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ..﴾. أي إذا كان كل واحد مختصا بعمل نفسه، فمن اهتدى إلى الحق والصواب واتبع شرع الله وهدي النبوة، فإنما ينفع نفسه، ومن ضلّ في عمله وحاد عن شرع الله وكفر به وبرسله، فإنما يضرّ نفسه؛ لأن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله، لا يتجاوزه إلى غيره، وعقاب العمل السيء ملازم صاحبه، لا يفارقه. ثم أكد تعالى معنى الشق الثاني بقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي لا تتحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، بل على كل نفس إثمها دون إثم غيرها، أو لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه. وهذا ردّ واضح على الذين يحرضون غيرهم على ارتكاب المنكر، واقتراف الكفر، ويزعمون أنهم يتحملون عاقبة ذلك. روي عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة حين قال: اكفروا بمحمد وعليّ أوزاركم. وهو ردّ أيضا على الجاهليين الذين كانوا يقولون: نحن لا نعذب في شيء، وإن كان هناك عقاب فهو على آبائنا، إذ نحن مقلدوهم فقط، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ: لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا، وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥/ ٣٤]. وتقرير مبدأ المسؤولية الشخصية من مفاخر الإسلام ومبادئه التي صححت

стр. 4405

مفهوم العقاب عند الرومان والعرب وغيرهم، إذ كانوا يعاقبون غير المجرم. ويتضاعف العقاب والإثم على دعاة الضلال بسبب تأثيرهم في الآخرين، دون إعفاء من يتبعونهم في ضلالهم من الوزر والعقاب، لقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل ٢٥/ ١٦] وقوله سبحانه: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣/ ٢٩] فعلى الدعاة إثم ضلالتهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب إضلالهم غيرهم. ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ أي لكن مقتضى العدل والحكمة والرحمة أننا لا نعذب أحدا في الدنيا أو الآخرة على فعل شيء أو تركه إلا بعد إنذار، ولا نعاقب الناس إلا بعد إعذار وبعث الرسل إليهم، لإقامة الحجة عليهم بالآيات المبينة للأحكام والحلال والحرام والثواب والعقاب، كما قال تعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ؟ قالُوا: بَلى، قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ، فَكَذَّبْنا وَقُلْنا: ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ.﴾. [الملك ٨/ ٦٧ - ٩] وقال : ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا، قالُوا: بَلى، وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الزمر ٧١/ ٣٩] ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه، ودعوته إلى الخير، وتحذيره من الشرّ. وأما كيفية وقوع العذاب بعد إرسال الرسل فهي كما أخبر تعالى: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً..﴾. أي إذا دنا وقت إهلاك قوم بعذاب الاستئصال أمرنا مترفيها بالطاعات والخيرات، أي الأمر بالفعل، فإذا خالفوا ذلك الأمر وفسقوا وخرجوا عن الطاعة وتمردوا، حق أو وجب عليهم العذاب جزاء وفاقا لعصيانهم، فدمرناهم تدميرا وأبدناهم إبادة تامة، شملت جميع أهل

стр. 4406

تلك البلدة. والمترف: هو المتنعم، وهو أولى بالشكر من غيره وأوجب عليه. ودمرناها: استأصلناها بالهلاك. والإبادة الشاملة بسبب الأمر العام لجميع المكلفين، أغنياء كانوا أو فقراء، مترفين كانوا أو غير مترفين، لكن خصّ الأمر بالمترفين؛ لأنهم القادة وغيرهم تبع لهم، وشأن العامة والأتباع تقليد الكبراء والزعماء دائما. قال ابن عباس في قوله: ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها، فَفَسَقُوا فِيها﴾ أي سلطنا أشرارها، فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب، وهو كقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ [الأنعام ١٢٣/ ٦]. ثم أنذر الله تعالى كفار قريش وأمثالهم في تكذيبهم رسوله محمدا ﵌ بأن كثيرا من الأمم وجب عليهم العذاب بذنوبهم، فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ..﴾. أي وكثيرا ما أهلكنا أمما من بعد نوح ﵇ إلى زمانكم لما بغوا وعصوا، وجحدوا آيات الله، وكذبوا رسله، كما أنتم الآن، وأنتم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم، وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وأحرى. وهذا وعيد وتهديد لمكذبي الرسول ﵌ في كل زمان بشديد العقاب، وفيه دلالة على أن القرون التي مضت بين آدم ونوح كانت على الإسلام، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ أي وكفى بالله خبيرا بذنوب خلقه مطلعا عليها، يحصي عليهم أعمالهم ومعاصيهم، فلا يخفى عليه شيء من أفعال المشركين وغيرهم، وهو عالم بجميع أعمالهم خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها خافية. والخبير: العليم بهم، والبصير: الذي يبصر أعمالهم. وفي هذا تنبيه

стр. 4407

على أن الذنوب هي أسباب الدمار والهلاك لا غير، وأن الله عالم بها، ومعاقب عليها. وكل ما ذكر حثّ للعقلاء على العمل الصالح النافع في الدنيا والآخرة، ودفع إلى الجد وعدم الكسل. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إن اختلاف الليل والنهار بالزيادة والنقص، وتعاقبهما، وضوء النهار وظلمة الليل، دليل على وحدانية الله تعالى ووجوده وكمال علمه وقدرته. ٢ - ودورة الليل والنهار تعرفنا بعدد السنوات والأشهر والأيام المتماثلة، وتعلمنا حساب المدة المكونة من طوائف ومجموعات، كالسنة المكونة من اثني عشر شهرا، والشهر من ثلاثين يوما، واليوم من أربع وعشرين ساعة. ٣ - النهار وقت مناسب للعمل والحركة والتقلب في الأرض لكسب المعايش وتحصيل الأرزاق. ٤ - كل إنسان معلّق بعمله، وعمله مختص به ولازم له، خيرا أو شرا. ٥ - إن كتاب الإنسان وسجله الذي يلقاه أمامه يوم القيامة حافل بكل ما قدم وما أخر. وكفى بالإنسان محاسبا لنفسه. قال الحسن البصري: يقرأ الإنسان كتابه أمّيا كان أو غير أمّي. ٦ - كل أحد إنما يحاسب عن نفسه لا عن غيره، فمن اهتدى فثواب اهتدائه له، ومن ضلّ فعقاب كفره عليه. ٧ - إقرار مبدأ المسؤولية الشخصية عدلا من الله ورحمة بعباده، فلا يحمل

стр. 4408

أحد ذنب أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه. قال ابن عباس عن آية: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾: نزلت في الوليد بن المغيرة قال لأهل مكة: اتبعوني، واكفروا بمحمد، وعليّ أوزاركم، فنزلت هذه الآية. ومعناها: أن الوليد لا يحمل آثامكم، وإنما إثم كل واحد عليه. أما ما روي عن عائشة ﵂ في الرد على ابن عمر حيث قال النبي في حديث رواه الشيخان: «إن الميت ليعذّب ببكاء أهله» فلا وجه لإنكارها وتخطئتها؛ إذ لا معارضة بين الآية والحديث؛ فإن الحديث محمول على ما إذا كان النّوح من وصية الميت وسنته وبسببه، كما كانت الجاهلية تفعله، حتى قال طرفة: إذا متّ فانعيني بما أنا أهله... وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد وقال: إلى الحول، ثم اسم السلام عليكما... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ٨ - لم يترك الله الخلق سدىّ، بل أرسل الرسل، وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، وهذا في رأي الجمهور، في حكم الدنيا، بمعنى أن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار، ولا يهلك الله القرى قبل ابتعاث الرسل. وقالت المعتزلة بأن العقل يقبّح ويحسّن ويبيح ويحظر. ٩ - تدل آية ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ على أن أهل الفترة (فترة انقطاع الرسل) الذين لم تصلهم رسالة، وماتوا ولم تبلغهم الدعوة وهم أهل الجاهلية وأمثالهم في الجزر النائية الذين لم يسمعوا بالإسلام في زماننا هم ناجون، من أهل الجنة. ومثلهم أولاد المشركين والكفار الذين ماتوا وهم صغار قبل التكليف، وآباؤهم كفار، وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف.

стр. 4409

أما الناس بعد البعثة-بعثة الرسول ﵌-فهم كما أبان الغزالي ﵀ أصناف ثلاثة: الأول-من لم تبلغهم دعوته، ولم يسمعوا به أصلا، فهؤلاء في الجنة. الثاني-من بلغتهم دعوته ومعجزاته ولم يؤمنوا به كالكفار في زماننا، فهؤلاء في النار. الثالث-من بلغتهم دعوته ﵌ بأخبار مكذوبة أو بنحو مشوه، فهؤلاء يرجى لهم الجنة. ١٠ - إن عذاب الاستئصال لا يكون إلا بشيوع المعاصي والذنوب والمنكرات، فإذا أراد الله إهلاك قرية أمر مترفيها وغيرهم بالطاعة والرجوع عن المعاصي، ففسقوا وظلموا وبغوا، أي آثروا الفسوق على الطاعة، خلافا للأمر، فحق عليها القول بالتدمير والهلاك. وعلى قراءة أمرنا بالتشديد يكون المعنى: سلطنا شرارها، فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم. وذكر قتادة والحسن أن معنى ﴿أَمَرْنا﴾ بكسر الميم: أكثرنا، يقال: أمر القوم -بكسر الميم-: إذا كثروا، ومنه الحديث الذي رواه أحمد والطبراني عن سويد بن هبيرة: «خير مال المرء: مهرة مأمورة، أو سكّة مأبورة (١)» أي مهرة كثيرة النتاج والنّسل، وصف من النخل مأبورة. وفي حديث هرقل-الحديث الصحيح: «لقد أمر أمر ابن أبي كبشة (٢)، ليخافه ملك بني الأصفر» أي كثر.

стр. 4410

١١ - كم من قوم كثيرين كفروا، فحلّ بهم الهلاك أو البوار، وهذا إنذار ووعيد وتهديد بالعقاب الشديد لكل من كفر بالله وبرسوله محمد ﵌. ١٢ - إن المعاصي إذا ظهرت، ولم تغيّر، كانت سببا لهلاك الجميع. ١٣ - دلّ قوله تعالى: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، راء لجميع المرئيات، فلا يخفى عليه شيء من أحوال الخلق. وثبت أنه تعالى قادر على كل الممكنات، فكان قادرا على إيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه، وأيضا أنه منزه عن العبث والظلم، وهذه الصفات الثلاث (العلم التام، والقدرة الكاملة، والبراءة عن الظلم) أمان لأهل الطاعة، وخوف لأهل الكفر والمعصية. جزاء من أراد الدنيا ومن أراد الآخرة ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠) اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١)﴾ الإعراب: ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ بدل من ﴿الْعاجِلَةَ﴾ بدل البعض من الكل بإعادة حرف الجر، مثل قوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا، لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف ٧٥/ ٧] فقوله: ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من قوله ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حال

стр. 4411

﴿كُلاًّ نُمِدُّ﴾ كلا: مفعول به ل ﴿نُمِدُّ﴾ و ﴿هؤُلاءِ﴾ بدل من كل ومعناه: إنا نرزق المؤمنين والكافرين. ﴿كَيْفَ فَضَّلْنا﴾ ﴿كَيْفَ﴾: منصوب بفضلنا، وليس العامل فيه ﴿اُنْظُرْ﴾ لأن ﴿كَيْفَ﴾ معناها الاستفهام، والاستفهام له صدر الكلام، فلا يعمل فيه ما قبله. ﴿دَرَجاتٍ﴾ تمييز منصوب، وكذلك ﴿تَفْضِيلاً﴾. المفردات اللغوية: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ﴾ بعمله. ﴿الْعاجِلَةَ﴾ أي الدنيا، مقصورا عليها همه، والمراد الدار العاجلة، فعبر بالنعت عن المنعوت. ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ قيد المعجّل والمعجّل له بالمشيئة والإرادة؛ لأنه لا يجد كل متمنّ ما يتمناه؛ ولا كل واحد جميع ما يهواه. ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ﴾ في الآخرة. ﴿يَصْلاها﴾ يدخلها. ﴿مَذْمُوماً﴾ ملوما. ﴿مَدْحُوراً﴾ مطرودا من رحمة الله تعالى. ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها﴾ أي عمل عملها اللائق بها، وهو الإتيان بما أمر به والانتهاء عما نهى عنه، لا التقرب بما يخترعون بآرائهم. وفائدة لام ﴿لَها﴾ اعتبار النية والخلوص. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إيمانا صحيحا لا شرك فيه ولا تكذيب. ﴿فَأُولئِكَ﴾ الجامعون للشروط الثلاثة: إرادة الآخرة، والسعي لها بحق، والإيمان. ﴿كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ عند الله تعالى، أي مقبولا عنده، مثابا عليه، فإن شكر الله: الثواب على الطاعة. ﴿كُلاًّ﴾ من الفريقين. ﴿نُمِدُّ﴾ نعطي مرة بعد أخرى. ﴿مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ﴾ من معطاه في الدنيا. ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ﴾ فيها. ﴿مَحْظُوراً﴾ ممنوعا عن أحد، لا يمنعه في الدنيا من مؤمن ولا كافر، تفضلا. ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ في الرزق والجاه. ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ﴾ أعظم. ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ من الدنيا، أي إن التفاوت في الآخرة أكبر: لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها، والنار ودركاتها، فينبغي الاعتناء بالآخرة دون الدنيا. المناسبة: الآيات مرتبطة بما قبلها بنحو واضح، فبعد أن بيّن الله تعالى ارتباط كل إنسان بعمله، قسم العباد قسمين: قسم يريد الدنيا ويعمل لها، وعاقبته النار، وقسم يريد الآخرة، ومآله إلى الجنان.

стр. 4412

وكل من الفريقين يرزقهم ربهم في الدنيا؛ لأن عطاءه ليس ممنوعا عن أحد، ولكنهم متفاضلون في الرزق، ومراتب التفاوت في الآخرة أكثر من مراتب تفاوت الدنيا. التفسير والبيان: هذه الآيات تصنيف عام لأحوال الناس في الدنيا، فهم فريقان: فريق يعمل للدنيا، وفريق يعمل للآخرة. أما الفريق الأول فهو: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ..﴾. أي من كان طلبه الدنيا العاجلة، وكانت الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، فخصها بكل جهده وعمله، ونسي الآخرة، عجل الله فيها تحقيق أمله حسبما يشاء ويريد، من سعة الرزق وترف الحياة، فليس كل من طلب الدنيا ونعمها يحصل له مراده، بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء، فالعطاء الدنيوي مقيد بالإرادة والمشيئة الإلهية، والقيد يشمل أمرين: ما يشاؤه الله لا ما يحبه العبد، ولمن يشاء الله، لا لكل من أراد الدنيا، فهؤلاء الماديون لا يعطون كل ما يريدون، وإنما يعطون بعض أمانيهم، والكثير من الماديين لا يعطون شيئا أبدا، فيجمعون بين فقر الدنيا وفقر الآخرة، وبين الحرمان من الدنيا والدين. ولكل من هؤلاء الماديين، سواء أعطوا مرادهم أم لا جهنم يصلونها أي يقاسون حرها بصفة دائمة، مذمومين من الله والملائكة والناس أجمعين على قلة الشكر وسوء العمل والتصرف، مطرودين من رحمة الله تعالى. فهذا العقاب ذو أوصاف ثلاثة في الآية: الدوام والخلود، والإذلال والإهانة، والطرد من رحمة الله. وهذا تهديد للماديين الكفرة وزجر شديد، فإنهم يحصرون همهم في الدنيا، وربما لم ينلهم شيء منها. روى أحمد عن عائشة مرفوعا: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له».

стр. 4413

وأما الفريق الثاني وهم المؤمنون الأتقياء فهم الذين أخبر الله تعالى عنهم: ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها..﴾. أي ومن طلب الآخرة، وكانت هي همّه ومقصده، فعمل لها ما استطاع من القرب والطاعات، وهو مؤمن مصدق بالله وبكتبه ورسله واليوم الآخر، فأولئك أهل الكمال المشكورون على طاعاتهم، المثابون على أعمالهم من قبل الله تعالى. فلا يثاب هؤلاء ولا ينالون هذا الجزاء الحسن إلا بشروط ثلاثة: الأول-إرادة ثواب الآخرة وما فيها من النعيم والسرور، جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عمر: «إنما الأعمال بالنيات». الثاني-أن يكون العمل من القرب والطاعات ومتابعة الرسول ﵌، لا من الأعمال الباطلة، فإن الكفار يتقربون إلى الله تعالى بعبادة الأوثان، والكواكب والملائكة وبعض البشر من الأنبياء، فقوله: ﴿وَسَعى لَها سَعْيَها﴾ أي أعطاها حقها من السعي بالأعمال الصالحة. الثالث-أن يكون العمل في دائرة الإيمان والتصديق بالثواب والجزاء، فلا ينفع العمل بغير الإيمان الصحيح. وهذه هي الشرائط الثلاثة في كون السعي مشكورا. قال بعض السلف: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب، وتلا هذه الآية. هؤلاء المؤمنون الصلحاء الذين اختاروا غنى الآخرة لا يبالون بشيء بعدها، فإن أوتوا حظا من الدنيا شكروا ربهم، وإن حرموا منه صبروا، ورضوا؛ لأن ما عند الله خير وأبقى. ثم أبان الله تعالى أن الرزق في الدنيا مضمون مكفول لكلا الفريقين، فقال:

стр. 4414

﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ..﴾. أي إنه تعالى يمد الفريقين: مريدي الدنيا ومريدي الآخرة بالأموال والأرزاق والأولاد وغيرها من مظاهر العز والزينة في الدنيا، فإن عطاءه لا يمنع عن أحد، مؤمنا كان أو كافرا؛ لأن الكل مخلوقون في دار العمل، فاقتضى عدل الله ورحمته ألا يترك لأحد مجالا للعذر، وأبان أن عطاءه ليس بمحظور، أي غير ممنوع، لتوفير متطلبات الحياة ومقوماتها. ثم أوضح الله تعالى أن عطاءه لكلا الفريقين متفاوت فقال: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ.﴾. أي انظر بعين الاعتبار كيف جعلنا الفريقين متفاوتين في عطاء الدنيا، وكيف فضلنا بعضهم على بعض في الرزق ومتاع الدنيا، فمنحناه مؤمنا، وحجبناه عن مؤمن آخر، وأعطيناه كافرا، ومنعناه عن كافر آخر، وذلك لحكمة بالغة نحن أعلم بها، كما قال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف ٣٢/ ٤٣] وفي آية أخرى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام ١٦٥/ ٦] وقال سبحانه أيضا: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى ٢٧/ ٤٢]. ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ..﴾. أي والتفاوت في الآخرة أكبر وأعظم، والتفاضل في درجات منافع الآخرة أكبر من التفاضل في درجات منافع الدنيا، فالدرجات أكبر، والتفاضل أعظم؛ لأن الآخرة ثواب وأعواض وتفضل وكلها متفاوتة، فأهل النار في دركات سفلى متفاوتة، وأهل الجنة في درجات عليا متفاضلة، فإن الجنّة مائة درجة، ما بين كل درجتين، كما بين السماء والأرض، جاء في الصحيحين: «إن أهل الدرجات العلا ليرون أهل عليين، كما ترون

стр. 4415

الكوكب الغابر في أفق السماء» وقال بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة، وهي أكبر وأفضل». وهذه واقعة طريفة معبرة مناسبة للآية، رواها ابن عبد البر عن الحسن البصري قال: حضر جماعة من الناس فيهم الأشراف ومن دونهم من العامة باب عمر ﵁، وفيهم سهيل بن عمرو القرشي (أحد أشراف مكة) وأبو سفيان بن حرب، ومشايخ من قريش، فأذن لصهيب وبلال وأهل بدر، وكان يحبهم، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط، إنه ليؤذّن لهؤلاء العبيد، ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فقال سهيل وكان أعقلهم: أيها القوم، إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم، إنهم دعوا ودعينا-يعني إلى الإسلام-فأسرعوا وأبطأنا، وهذا باب عمر، فكيف التفاوت في الآخرة؟ ولئن حسدتموهم على باب عمر، لما أعد الله لهم في الجنة أكبر. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - الناس في مجال العمل في الدنيا صنفان: صنف يريد الدنيا، وصنف يريد الآخرة، أما الصنف الأول: فلا يعطيه الله من الدنيا إلا ما يشاء، ولمن يشاء، ثم يؤاخذه بعمله، وعاقبته دخول النار حال كونه مذموما على سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي، مدحورا مطرودا مبعدا من رحمة الله. قال القرطبي: وهذه صفة المنافقين الفاسقين، والمرائين المداجين، يلبسون الإسلام والطاعة لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها، فلا يقبل ذلك العمل منهم في الآخرة، ولا يعطون في الدنيا إلا ما قسم لهم (١).
следующие страницы →