← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

قومهم عبدة الأصنام، فقالوا حين دخلوا سائلين الله تعالى الرحمة واللطف بهم: ﴿رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها، وتسترنا عن قومنا ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً﴾ أي اجعل عاقبتنا رشدا، بأن توفر المصلحة لنا، وتجعلنا راشدين غير ضالين، مهتدين غير حائرين، أو اجعل أمرنا رشدا كله. ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ أي ألقينا النوم الثقيل عليهم حين دخلوا إلى الكهف، فلم يعودوا يسمعون أي صوت، وناموا سنين كثيرة معدودة. ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً﴾ أي ثم بعثناهم من رقدتهم تلك، وأيقظناهم من نومتهم ليظهر للناس معلومه سبحانه، أي الطائفتين المتنازعتين فيهم أحصى مدة لبثهم وغاية بقائهم نياما، فيظهر لهم عجزهم، ويعرفوا ما صنع الله بهم، فيتيقنوا من كمال قدرة الله على البعث وغيره. تفصيل القصة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي نحن نخبرك خبرهم على وجه الصدق، وهذا يعني أن الأخبار المتداولة عنهم بين العرب لم تكن صحيحة. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ.﴾. أي إنهم شباب صدقوا بتوحيد ربهم، وشهدوا أن لا إله إلا هو، وزدناهم توفيقا للهداية بالإصرار على العقيدة والإقبال على الله وإيثار العمل الصالح. وفي هذا إيماء إلى أن الشباب أقبل للحق وأهدى للسبل من الشيوخ الذين عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا-كما ذكر ابن كثير-كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﵌ شبابا، وأما المشايخ من قريش فبقوا على دينهم، ولم

стр. 4587

يؤمن منهم إلا القليل. أخرج الطبراني وابن المنذر عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيا إلا وهو شاب، وقرأ: ﴿قالُوا: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء ٦٠/ ٢١] ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ [الكهف ٦٠/ ١٨] ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾. واستدل بهذه الآية: ﴿وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾ على زيادة الإيمان وتفاضله بين الناس، وأنه يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد ١٧/ ٤٧] وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤/ ٩] وقال : ﴿لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ﴾ [الفتح ٤/ ٤٨]. زمنهم أو عصرهم: ذكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى ابن مريم، ورجح ابن كثير أنهم كانوا قبل النصرانية، بدليل أن أحبار اليهود كانوا يحفظون أخبارهم، ويعنون بها، كما تقدم في سبب النزول، وبدليل ما أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة يدعو الناس إلى عبادة الأوثان، فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة، فجمعهم الله تعالى على غير ميعاد، فجعل بعضهم يقول لبعض: أين تريدون؟ أين تذهبون؟ فجعل بعضهم يخفي عن بعض؛ لأنه لا يدري هذا علام خرج هذا، ولا يدري هذا علام خرج هذا، فأخذوا العهود والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضا، فإن اجتمعوا على شيء، وإلا كتم بعضهم بعضا، فاجتمعوا على كلمة واحدة، فقالوا: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿مِرْفَقاً﴾ ثم انطلقوا حتى دخلوا الكهف، فضرب الله تعالى على آذانهم، فناموا وفقدوا في أهلهم، فجعلوا يطلبونهم، فلم يظفروا بهم، فرفع أمرهم إلى الملك، فقال: ليكونن لهؤلاء القوم بعد اليوم شأن ناس خرجوا لا ندري أين ذهبوا في غير جناية

стр. 4588

ولا شيء يعرف، فدعا بلوح من رصاص، فكتب فيه أسماءهم، ثم طرح في خزانته، ثم كان من شأن قصتهم ما قصه الله (١). إصرارهم على توحيد الله: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا: رَبُّنا.﴾. أي صبرناهم على مخالفة قومهم، وثبتناهم على عقيدتهم، وألهمناهم قوة العزيمة، حتى تركوا ما كان عليه قومهم من العيش الرغيد والسعادة، وقالوا حين مثلوا أمام ملكهم الجبار الذي يدعى (دقيانوس) والذي كان يحث الناس على عبادة الأصنام والطواغيت، ويدعوهم إليها ويأمرهم بها: ربنا هو رب السموات والأرض، لن ندعو إلها من دونه مطلقا؛ إذ لا رب سواه، ولا معبود غيره، وأن الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض. وقد أعلنوا في الجملة الأولى: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ توحيد الألوهية، وذلك يقرّ به عبدة الأصنام، وفي الجملة الثانية: ﴿لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً﴾ توحيد الربوبية، وذلك ما ينفيه عبدة الأصنام، بدليل ما حكى القرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان ٢٥/ ٣١] وقوله: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ -أي الأصنام- ﴿إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر ٣/ ٣٩]. وقوله: ﴿لَنْ﴾ لنفي التأبيد، أي لا يقع منا هذا أبدا؛ لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلا، لهذا عللوا اعتقادهم بقولهم: ﴿لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً﴾ أي إذا دعونا غير الله، لقد قلنا باطلا وكذبا وبهتانا. والشطط في اللغة: مجاوزة الحد، والبعد عن الحق. والمعنى: لقد قلنا إذن قولا شططا. وهذا يدل على أنهم دعوا لعبادة الأصنام، ولامهم الملك على ترك عبادتها.

стр. 4589

تنديدهم بعبادة قومهم الأصنام: ﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً.﴾. أي قال أصحاب الكهف عن قومهم الذين كانوا في زمان (دقيانوس) يعبدون الأصنام: هلا يأتون بحجة بيّنة على صحة ما يفعلون من عبادة تلك الآلهة الباطلة المزعومة؟! وهلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلا واضحا صحيحا؟! وهذا يدل على أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول طريقة صحيحة عقلا ومنطقا. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي لا أحد أشد ظلما من افتراء الكذب على الله، ونسبة الشريك إليه، فهم قوم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك. وكان من لطف الله بهم أن ملكهم بعد أن هددهم وتوعدهم، أمهلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، فوجدوها فرصة مواتية، وهربوا فرارا بدينهم من الفتنة. قال ابن كثير: وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفرّ العبد منهم خوفا على دينه، كما جاء في حديث البخاري وأبي داود عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﵌ قال: «يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنما يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن» ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس، ولا تشرع فيما عداها، لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع. العزلة بينهم وبين قومهم: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ..﴾. واذكروا يا أهل الكهف ذلك الخطاب الذي صدر من بعضكم لبعض حينما صممتم على الفرار بدينكم فاعتزلتم

стр. 4590

قومكم وفارقتموهم عزلة مادية بالمفارقة بالأبدان والمقر والمقام، وعزلة معنوية بمخالفتهم في دينكم واعتزالكم معبوديهم غير عبادة الله وحده. وقوله: ﴿إِلاَّ اللهَ﴾ إما استثناء متصل أو منقطع كما ذكرنا، ويجوز أن يكون كلاما معترضا، إخبارا من الله تعالى عن الفئة أنهم لم يعبدوا غير الله. وفارقوا قومكم جسديا، والجؤوا إلى الكهف (الغار الواسع في الجبل) بعد فراقهم روحيا، وأخلصوا العبادة لله في مكان خال بعيد عن أهل الشرك، فإن فعلتم ذلك يبسط الله عليكم رحمة يستركم بها من قومكم، ويسهل لكم من أمركم مرفقا، أي أمرا ترتفقون به وتنتفعون. حالهم في الكهف وانحسار الشمس عنهم: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ..﴾. أي وترى يا محمد أو كل واحد يصلح للخطاب الشمس حين طلوعها تميل عن كهفهم جهة اليمين، بأن تقلص شعاعها بارتفاعها، حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان، وتراها عند الغروب تبتعد عنهم وتتركهم لا تقربهم وتعدل عنهم جهة الشمال، والحال أنهم في متسع من الكهف ووسطه، فيأتيهم الهواء باردا لطيفا. وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية تحقيقا، بل الإخبار بكون الكهف في مكان لا تؤثر فيه الشمس أثناء طلوعها وغروبها، أي أنهم طوال نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع أنهم في مكان واسع منفتح معرّض لإصابة الشمس، لولا أن الله يحجبها عنهم. مكان الكهف: ذكر المؤرخون أقوالا في تعيين مكان الكهف، فقيل: هو واد قريب من أيلة في العقبة جنوب فلسطين، وقيل: عند نينوى في الموصل شمال العراق

стр. 4591

وقيل: في جنوب تركيا من بلاد الروم سابقا، وكلها أقوال يعوزها الدليل. قدرة الله تعالى وعنايته ولطفه: ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ أي إن بقاء هؤلاء الفتية في الكهف سنين عديدة، وما صنعه الله بهم من تنحية الشمس عنهم عند الطلوع والغروب، بانعكاس أشعتها وتقليص وهجها عنهم، آية من آيات الله العجيبة الكثيرة الدالة على كمال قدرته وسعة علمه، وعلى أنه تعالى يصون المخلصين من عباده، وأن التوحيد دين الحق، وأن عبادة الأصنام والأوثان ضلال وشرك وزيغ، وأن صون أهل الكهف بلطف من الله وعناية منه، لذا قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ أي من يوفقه الله تعالى للاهتداء بآياته وحججه، ويدله دلالة مؤدية إلى الحق، ويوفقه إلى ما يحبه ويرضاه، كأهل الكهف، فهو المهتدي إلى طريق الحق، الفائز بالحظ الأوفر في الدارين. والمراد من ذلك إما الثناء على أصحاب الكهف والشهادة لهم بإصابة المطلوب، أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة، ولكن السعيد من وفقه الله تعالى للتأمل بها والاستبصار بها والاهتداء بها (١). والخلاصة: أن الله هو الذي أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية. ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ أي ومن يضلل الله بأن لم يوفقه للاهتداء بآياته، لسوء اختياره واستعداده، وتوجيه رأيه إلى جادة الانحراف، فلن تجد له أبدا حليفا أو ناصرا معينا يرشده ويهديه إلى الخير وطرق الصلاح في الدنيا والآخرة، ولا هادي له، كأمثال الكفرة منكري البعث؛ لأن التوفيق والخذلان بيد الله، يوفق من يشاء ويخذل من يشاء.

стр. 4592

وتفويض الهداية والإضلال إلى الله تعالى يخفف من معاناة النبي ﵌ مع قومه، ويسرّي عنه حزنه وألمه على إعراضهم عن قبول دعوته. ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾ أي وتظنهم إذا رأيتهم أيقاظا لانفتاح أعينهم وهم نيام، لئلا يسرع إليها البلى، كأنهم ينظرون إلى من يشاهدهم. ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ أي ونقلبهم مرة في ناحية اليمين ومرة في ناحية الشمال، حتى لا تؤثر الأرض في أجسادهم، ولكي تتعرض جلودهم للهواء. واختلفوا في مدة التقليب، فقيل: يقلّبون في العام مرتين، وقيل: مرة في العام، ولا دليل لكل من القولين، ولا يرشد إليها العقل، ولم يشر إليها القرآن، ولم يرد فيه خبر صحيح، فيبقى النص على إطلاقه. قال ابن عباس: لو لم يقلّبوا لأكلتهم الأرض. ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ وكان كلبهم الذي تبعهم بإلهام الله للحراسة باسطا ذراعيه بفناء الكهف أو بباب الكهف يحرس عليهم الباب، وهذا من سجيته وطبيعته، كأنه يحرسهم، وقد أصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذه فائدة صحبة الأخيار. ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ أي لو نظرت عليهم لأدبرت عنهم فرارا وهربا، ولملئت منهم رعبا وفزعا؛ لأن الله تعالى ألقى عليهم المهابة والوقار، بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم، إلى أن انتهى أجل لبثهم راقدين، وتحققت فيهم الحكمة البالغة، والرحمة الواسعة، وأقام الله فيهم الدليل المادي الحسي على قدرته على البعث والإعادة، وعلى أن يوم القيامة آت لا ريب فيه.

стр. 4593

بعثتهم من نومهم صحاح الأبدان بعد ثلاث مائة سنة وتسع سنين: قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ..﴾. أي كما زدناهم هدى وأنمناهم، وحفظنا أجسادهم من البلى والفناء، وأبقيناهم أحياء من غير أكل ولا شرب مدة طويلة من الزمان، ونقلبهم، فكذلك بعثناهم، أي أحييناهم من تلك النومة التي تشبه الموت، لنعرّفهم مدى قدرتنا وعجيب فعلنا في الناس، وليتبصروا في أمرهم وليتساءلوا بينهم، واللام هنا لام العاقبة أو الصيرورة: فقال قائل منهم: كم لبثتم، أي كم رقدتم في نومكم؟ لإحساسهم بطول الرقاد. ﴿قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أي أجاب بعضهم قائلا: لبثنا في تقديرنا يوما كاملا أو جزءا من اليوم؛ لأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول النهار، واستيقاظهم كان في أخر النهار، لذا استدركوا فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. ﴿قالُوا: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ أجاب بعض آخر: ربكم أعلم بأمركم، وبمقدار لبثكم، وهذا استشعار منهم وتردد بكثرة نومهم، لما رأوا حالهم متغيرة، أي فالله أعلم منكم، وأنتم لا تعلمون مدة لبثكم، وهذا أدب الإيمان اليقظ في الرد على جواب البعض الأول. الوكالة في شراء الطعام: ثم تذاكروا فيما بينهم وقرروا البحث في المهم من أمرهم وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي فأرسلوا أحدكم بدراهمكم أو فضتكم هذه التي استصحبوها معهم من منازلهم، لتغطية حوائجهم، إلى المدينة وهي «طرسوس» أي مدينتكم التي خرجتم منها، كما أكد الرازي (١).

стр. 4594

﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً، فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ أي فليبصر أي الأطعمة أجود وأنفع وأطيب وأيسر سعرا، فليأتكم بمقدار مناسب منه. ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ أي وليكن لطيفا رفيقا في الطلب وفي خروجه ودخوله المدينة، وفي شرائه، ولا يخبرن أو لا يعلمن أحدا من أهل المدينة بمكانكم. ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ أي إن أصحاب دقيانوس الملك إن اطلعوا على مكانكم، يقتلوكم بالرجم بالحجارة، أو يجبروكم ويكرهوكم على العودة إلى دينهم-دين الوثنية وعبادة الأصنام. ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ أي وإن وافقتموهم على العود إلى ملتهم أو دينهم، فلا فلاح لكم أبدا في الدنيا والآخرة. اطلاع الناس عليهم: ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ.﴾. أي وكما أنمناهم ثم بعثناهم، أطلعنا الناس عليهم وعلى أحوالهم، وهم أولئك الذين كان لديهم شك في قدرة الله على إحياء الموتى، وفي البعث، وفي أمر القيامة، فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك، وليدركوا ويعلموا أن وعد الله بالبعث حق وصدق وثابت، وأن حدوث الساعة أي القيامة أمر لا شك فيه، فمن شاهد حال أهل الكهف علم صحة الخبر وصدق وعد الله بالبعث؛ لأن حالهم في نومتهم، وانتباهتهم بعدها كحال من يموت ثم يبعث. وسمى إعلام الناس بهم إعثارا؛ لأن من غفل عن شيء ثم عثر به، نظر إليه وعرفه، فكان الإعثار سببا في العلم، والمعنى: أعثرنا عليهم حين يتنازعون بينهم.

стр. 4595

﴿إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ أي أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان حين كان بعضهم يتنازع مع بعض في أمر القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، ومن مؤمن بها وكافر، فجعل اطلاعهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم، وفرح الملك وشعبه بآية الله على البعث، وزال أمر الخلاف في أمر القيامة. آراء القوم في شأنهم بعد اطلاعهم عليهم: ﴿فَقالُوا: اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً.﴾. أي انقسم القوم في شأن أهل الكهف حين توفاهم الله تعالى فريقين: فريق-قيل هم الكفار منهم-قالوا: نسدّ عليهم باب كهفهم، ونتركهم على حالهم؛ فإنهم كانوا على ديننا، فنتخذ عليهم بنيانا، أي على باب كهفهم، لئلا يدخل إليهم الناس، ضنا بتربتهم، ومحافظة عليها. وقوله: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ جملة معترضة، أي أعلم بشأنهم للرد على المتنازعين في عقيدتهم وبيان أنسابهم وأسمائهم ومدة لبثهم. وفريق آخر تغلبوا على الفريق الأول بالرأي وهم المسلمون وملكهم قالوا -وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم-: لنتخذن على باب الكهف مسجدا يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم. عددهم: ﴿سَيَقُولُونَ: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ.﴾. أي إن الناس بعدئذ اختلفوا في عددهم، وهم من خاض في قصتهم في زمن رسول الله ﵌ من أهل الكتاب والمؤمنين، إنهم سألوا رسول الله ﵌ عنهم، فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه، فنزلت الآية إخبارا ببيان عددهم وأن المصيب منهم من يقول: ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. بعضهم قال: هم ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وآخرون قالوا: هم ﴿خَمْسَةٌ

стр. 4596

سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وهم في هذا يقولون: ﴿رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾ أي قولا بلا علم، وإنما هو مجرد ظن وتخمين، لا دليل عليه، ولا يقين معه، بدليل اتباع القولين الأولين بقوله ﴿رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾. وقال جماعة آخرون: إنهم ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، ولما حكى تعالى هذا القول، وسكت عليه أو قرره، دل على صحته، وأنه هو الواقع في الأمر نفسه. قل يا محمد: ربي أعلم بعددهم، ما يعلمهم إلا قليل من الناس، وأكثر أهل الكتاب الذين ذكروا أعدادهم على ظن وتخمين. وقوله ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى؛ إذ لا داعي إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم. قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله ، كانوا سبعة، وكذا روى ابن جرير عن عطاء أنه كان يقول: عدتهم سبعة. والمهم في الأمر ليس معرفة العدد، وإنما المهم الاعتبار بالقصة، والانتفاع بما دلت عليه من إثبات قدرة الله تعالى على البعث والإعادة. وتساءل صاحب الكشاف: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ولم دخلت عليها دون الجملتين الأوليين؟ ثم أجاب: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، وفائدتها تأكيد اتصال الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، أي أن الذين قالوا: ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قالوه عن ثبات وعلم، ولم يرجموا بالظن كما فعل غيرهم. ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً﴾ أي فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدلا ظاهرا غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى

стр. 4597

الله إليك فحسب، ولا تزيد، من غير تجهيل لهم، ولا تعنيف في الرد عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥/ ١٦] وقال: ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت ٤٦/ ٢٩]. ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ أي ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال متعنت؛ لأن ذلك خلاف ما وصيت به من المداراة والمجاملة، ولا سؤال مسترشد؛ لأن الله قد أرشدك، بأن أوحى إليك قصتهم. وهذا يدل على عدم جواز الرجوع إلى أهل الكتاب في شيء من العلم. إرشاد للنبي ﵌ ولأمته بتعليق الخبر بمشيئة الله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ: إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً.﴾. أي لا تقولن أيها الرسول لأجل شيء عزمت على فعله في المستقبل: إني سأفعل ذلك غدا إلا بأن تقرنه بمشيئة الله ، فتقول: إن شاء الله، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﵌ أنه قال: «قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفهن الليلة على سبعين امرأة-وفي رواية مائة امرأة-تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله، فقيل له-وفي رواية قال له الملك-: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهن، فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، فقال رسول الله ﵌: والذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركا لحاجته». وفي رواية: «ولقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعون». وقد عرفنا سبب نزول هذه الآية في قول النبي ﵌ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف: «غدا أجيبكم» فتأخر الوحي خمسة عشر يوما. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ أي واذكر مشيئة ربك، وقل: إن شاء الله إذا فرط منك نسيان لذلك، والمعنى إذا نسيت كلمة الاستثناء، ثم تنبهت، فتداركها بالذكر، سواء طال الفصل أو قصر، عن ابن عباس ﵄: ولو بعد

стр. 4598

سنة ما لم تحنث. والاستثناء بالمشيئة عند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولا. وأوضح ابن جرير معنى قول ابن عباس: وهو أنه إذا نسي أن يقول في كلامه أو في حلفه: إن شاء الله، وتذكر ولو بعد سنة، فالسنة له أن يقول ذلك، ليكون آتيا بسنة الاستثناء، حتى ولو كان بعد الحنث. لا أن يكون رافعا لحنث اليمين ومسقطا للكفارة. ﴿وَقُلْ: عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾ أي وقل يا محمد: عسى أن يوفقني ربي لشيء آخر بدل المنسي أو أقرب خيرا ومنفعة، فإذا سئلت عن شيء لا تعلمه، فاسأل الله تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك. مدة لبثهم في الكهف: أخبر الله تعالى رسوله ﵌ عن مقدار لبث أهل الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله، فقال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ أي إنهم أقاموا في الكهف مقدار ثلاث مائة سنة وتسع سنوات هلالية، وهي ثلاث مائة سنة شمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال بعد الثلاث مائة: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾. وأكد ذلك الإخبار بقوله: ﴿قُلِ: اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا..﴾. أي إذا سئلت عن مدة لبثهم، وليس عندك علم في ذلك من الله تعالى، فقل في مثل هذا: ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا، لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي لا يعلم ذلك إلا هو، ومن أطلعه عليه من خلقه، فلا تتعجل بالأخبار ما لم يكن عندك دليل عليها، والحق ما أخبرك به، لا ما يقولونه؛ إذ له غيب السموات والأرض، وهو العالم بكل شيء، وأعلم من الذين اختلفوا في مقدار مدة لبثهم.

стр. 4599

وبما أن الله أخبر عن مدة لبثهم، فهو الحق الذي لا شك فيه. وفائدة تأخير إيراد هذه الجملة الدلالة على أنهم تنازعوا في مدة اللبث، كما تنازعوا في عددهم، وجاء هذا التذييل هنا كالتذييل المتقدم في حكاية عددهم: ﴿قُلْ: رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾. والخلاصة: إن الخبر اليقين في بيان عدد أهل الكهف ومدة لبثهم هو من عند الله تعالى؛ لأنه أعلم بالأشياء وبالحقائق، وأما أقوال الناس فهي ظنون لا دليل عليها، وتستند إلى الشائعات، ولله وحده علم ما غاب في شؤون السموات والأرض، وخفي من أحوال أهلها. ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ هذا من صيغ التعجب والمبالغة، أي إن الله تعالى لبصير بهم، سميع لهم، وذلك في معنى المبالغة في المدح والتعجب، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، أي ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء. قال قتادة في هذه الصيغة: فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع. ﴿ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ أي ما للناس من دون الله متول يلي أمورهم، وليس له وزير ولا نصير. ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ أي أن الله تعالى له الخلق والأمر، لا معقّب لحكمه، ولا يشاركه في قضائه أحد من الناس، وليس له شريك ولا مشير. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من بيان قصة أصحاب الكهف ما يأتي: ١ - ليس حال هذه القصة هي الآية العجاب من آيات الله فقط، وإنما خلق السموات والأرض وما فيهما أشد عجبا وأعظم روعة، وأدل على قدرة الله ، فلا يعظم ذلك أيها النبي بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة.

стр. 4600

٢ - كان إيواء الفتية المؤمنين إلى الكهف من أبناء أشراف مدينة «دقيانوس» الملك الكافر فرارا بدينهم من فتنة الكافرين عبدة الأصنام. وهذا دليل صريح في الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين والقرابات والأصدقاء والأوطان والأموال، خوف الفتنة وما يلقاه الإنسان من المحنة. وقد خرج النبي ﵌ فارّا بدينه، وكذلك أصحابه، كما نص الله تعالى في سورة براءة. إنهم هجروا أوطانهم، وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم وإخوانهم، رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين. وهذه الحالة المستثناة لجواز العزلة عن الناس باتفاق العلماء مقصورة على حال خشية الفتنة في الدين. وأما ما عدا ذلك فالمخالطة أفضل من العزلة، روى البغوي وأحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر عن النبي ﵌ قال: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم». ٣ - لما فر أصحاب الكهف ممن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء، ولجؤوا إلى الله تعالى قائلين: ﴿رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً﴾ أي آتنا مغفرة ورزقا، وهيّئ لنا توفيقا للرشاد والسداد والصواب. وقد اختلف الناس في زمان أصحاب الكهف في مكانهم، أما الزمان الذي كانوا فيه: فقيل: إنهم كانوا قبل موسى ﵇، وإن موسى ذكرهم في التوراة، ولهذا السبب فإن اليهود سألوا عنهم، وقيل: إنهم دخلوا الكهف قبل المسيح ثم بعثوا بعد عيسى وقبل محمد، وقيل: إنهم دخلوا الكهف بعد المسيح. وأما مكان هذا الكهف فلا يعرف على وجه اليقين، ويقال: إنه في بلاد الروم أي في جنوب تركيا اليوم في طرسوس، وهو الظاهر. ٤ - كان من تدبير الله تعالى لأهل الكهف للمكث فيه راقدين (٣٠٩) سنوات

стр. 4601

إلقاء النوم عليهم ومنعهم من السماع؛ لأن النائم إذا سمع انتبه، ثم بعثتهم من بعد نومهم، ثم اطلاع الناس على شأنهم. وكان إيقاظهم من أجل اختبار الناس لمعرفة مقدار مدة لبثهم، وقوله ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى﴾ معناه: لنعلم ذلك موجودا، وإلا فقد كان الله تعالى علم أي الفريقين أحصى الأمد. والفريقان أو الحزبان: الفتية الذين ظنوا لبثهم قليلا، وأهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم، حين كان عندهم التاريخ لأمر الفتية. ٥ - إن صفات هؤلاء الفتية أو الجماعة من الشبان: أنهم آمنوا بالله، وألهم الله قلوبهم الصبر والثبات، وزاد الله في إيمانهم بالتيسير للعمل الصالح؛ من الانقطاع إلى الله تعالى، ومباعدة الناس، والزهد في الدنيا. وكان من أثر شدة عزيمتهم وقوة صبرهم التي أعطاها الله لهم أنهم أعلنوا أمام الكفار: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً، لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً﴾. وكانوا يتذاكرون شأن إيمانهم، فقال بعضهم: هؤلاء أهل عصرنا وبلدنا، عبدوا الأصنام تقليدا من غير حجة، فهلا يأتون بحجة على عبادتهم الصنم؟! ٦ - لقد قال الله لهم أو قالوا لبعضهم: إذ اعتزلتم قومكم، فأووا إلى الكهف تغمركم رحمة الله، ويهيء الله لكم ما ترتفقون وتنتفعون به من شؤون الحياة. ٧ - كان من رحمة الله بهم ولطفه بهم بعد الرقاد أن الشمس تتنحى عنهم وتميل جهة اليمين وجهة الشمال، أي عن يمين الكهف وعن شماله، فلا تصيبهم في ابتداء النهار ولا في آخر النهار، وكان الرائي يحسبهم أيقاظا؛ لأن أعينهم كانت مفتوحة وهم نائمون، وأن كلبهم باسط ذراعيه في باب الكهف لحراستهم، وهو

стр. 4602

نائم مثلهم. ومن لطفه تعالى بهم أيضا تقليبهم ناحية اليمين وناحية الشمال لئلا تأكل الأرض لحومهم، وكان التقليب من فعل الله، ويجوز أن يكون من ملك بأمر الله، فينسب إلى الله تعالى. ٨ - يجوز اتخاذ الكلاب للحاجة والصيد والحراسة، ورد في صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبي ﵌ قال: «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان». وكلب الماشية المباح اتخاذه عند الإمام مالك: هو الذي يسرح معها، لا الذي يحفظها في الدار من السرّاق. وكلب الزرع: هو الذي يحفظها من الوحوش بالليل أو بالنهار، لا من السرّاق. وقد أجاز غير مالك اتخاذ الكلاب لسرّاق الماشية والزرع. ٩ - ينتفع الإنسان بصحبة الأخيار ومخالطة الصلحاء والأولياء، بدليل جعل كلب أهل الكهف مثلهم، إنه كلب أحب قوما، فذكره الله معهم. روى مسلم في صحيحة عن أنس بن مالك قال: بينا أنا ورسول الله ﵌ خارجان من المسجد، فلقينا رجل عند سدّة المسجد فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال رسول الله ﵌: ما أعددت لها؟ قال: فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله، ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: «فأنت مع من أحببت». وأكثر المفسرين: على أنه كلب حقيقة، وكان لصيد أحدهم أو لزرعه، أو غنمه، واسم «قطمير» كلب أنمر، والصحيح أنه زبيري. ١٠ - ألقى الله عليهم الهيبة أو المهابة والوقار، فلو شاهدهم إنسان أشرف على الهرب منهم، وامتلأ قلبه خوفا ورعبا منهم. قال ابن عطية: والصحيح في أمرهم أن الله حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها، لتكون لهم ولغيرهم فيهم

стр. 4603

آية، فلم يبل لهم ثوب ولم تغير صفة، ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهمّ. ١١ - بعد الرقاد والتقليب أيقظهم الله من نومهم على ما كانوا عليه من هيئاتهم في ثيابهم وأحوالهم، وليصيروا إلى التساؤل فيما بينهم عن مدة نومهم، فقال بعضهم: ﴿لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وقال آخرون: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾. ١٢ - دل قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً.﴾. الآية على مشروعية الوكالة، وعلى حسن السياسة والتلطف في دخول المدينة وخروجها وشراء الطعام من أهلها، حتى لا يعلم أهل المدينة بهم، فيقتلوهم بالحجارة، وهو أخبث القتل. والوكالة معروفة في الجاهلية والإسلام، وقد وكل النبي ﵌ بعض الصحابة في تزويجه من بعض النسوة، ووكل عروة البارقي في شراء أضحية، ووكل علي بن أبي طالب ﵁ أخاه عقيلا عند عثمان ﵄. والوكالة عقد نيابة أذن الله سبحانه فيه للحاجة إليه، وقيام المصلحة في ذلك؛ إذ ليس كل أحد يقدر على تناول أموره إلا بمعونة من غيره، أو بترفّه، فيستنيب من يريحه. ودل القرآن في غير هذه الآية على جواز الوكالة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْعامِلِينَ عَلَيْها﴾ [التوبة ٦٠/ ٩] وقوله: ﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا﴾ [يوسف ٩٣/ ١٢]. والوكالة جائزة عند الجمهور لمن له عدر ومن لا عذر له، وقال أبو حنيفة وسحنون: لا تجوز لمن لا عذر له. ودليل الجمهور حديث البخاري عن أبي هريرة المتضمن توكيل النبي ﵌ إعطاء بعض أنواع الإبل وفاء لدينه، وقال: «ان خيركم أحسنكم قضاء».

стр. 4604

١٣ - تضمنت هذه الآية: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ.﴾. أيضا جواز الشركة؛ لأن الورق كان لجميعهم، كما تضمنت جواز الوكالة؛ لأنهم بعثوا من وكّلوه بالشراء، وتضمنت جواز أكل الرفقاء وخلطهم طعامهم معا، وإن كان بعضهم أكثر أكلا من الآخر، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٠/ ٢]. ١٤ - أطلع الله تعالى الناس على أهل الكهف للعبرة والعظة والاسترشاد وإقامة الحجة على قدرة الله على الحشر وبعث الأجساد من القبور، والحساب. ١٥ - إن اتخاذ المساجد على القبور، والصلاة فيها، والبناء عليها، غير جائز في شرعنا، لما روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال: «لعن رسول الله ﵌ زوّارات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسّرج». ويجوز الدفن في التابوت، لا سيما إذا كانت الأرض رخوة، وقد دفن دانيال ويوسف ﵉ في تابوت، وكان تابوت دانيال من حجر، وتابوت يوسف من زجاج. لكن يكره في شرعنا. ١٦ - قوله تعالى: ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ تنبيه على أن هذا العدد هو الحق؛ لسكوت النص على التعقيب عليه، خلافا لما قال تعالى في الجملتين المتقدمتين: ﴿رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾. وقوله سبحانه ﴿قُلْ: رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ أمر دال على أن يردّ النبي ﵌ علم عدّتهم إلى الله ، ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل. وقوله ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً﴾ دليل على أن الله تعالى لم يبين لأحد عددهم، فلهذا قال: ﴿إِلاّ مِراءً ظاهِراً﴾ أي ذاهبا، ودليل على أنه لم يبح له في هذه الآية المراء والجدال إلا بالتي هي أحسن، كما جاء في آية أخرى.

стр. 4605

وفي قوله سبحانه ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم. ١٧ - السّنة والأدب الشرعيان يقتضيان تعليق الأمور المستقبلية بمشيئة الله تعالى؛ للآية ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ: إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾. والآية ليست في الأيمان، وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين، بأن يقول: إن شاء الله. ويؤمر الإنسان بالذكر بعد النسيان، أي بذكر مشيئة الله عند التذكر ولو بعد حين، سنة أو أقل، أو أكثر. ١٨ - أخبر تعالى في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ..﴾. عن مدة لبث أهل الكهف، وهي ثلاث مائة وتسع سنوات، كانوا في هذه المدة نياما، لا أمواتا. وأمر الله تعالى برد العلم بمدتهم إلى الله ، كما أمر بذلك في معرفة عددهم؛ لأن الله تعالى أعلم بكل شيء، وأعلم بغيب السموات والأرض وما فيها من أحوال المخلوقات، ولا شريك له ولا مشير، ولا نصير ولا معين ولا وزير. والظاهر أن أهل الكهف ماتوا موتا حقيقيا، وإن كان لا مانع شرعا من بقاء أجسادهم محفوظة، لم يطرأ عليها البلى والفناء؛ لأن أجساد الأنبياء والشهداء والعلماء الصالحين لا تفنى ولا تبلى. ١٩ - العبرة من القصة: دلت هذه القصة على أن الله قادر على البعث والقيامة؛ لأن إثبات البعث والقيامة يدور على أصول ثلاثة: أحدها-أنه تعالى قادر على كل الممكنات، والثاني-أنه تعالى عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات، والثالث-أن كل ما كان ممكن الحصول في بعض الأوقات كان ممكن الحصول في سائر الأوقات.

стр. 4606

وهذه القصة تدل على أن الله تعالى عالم قادر على كل شيء، فثبت القول بإمكان البعث والقيامة. توجيهات للنّبي ﵌ وللمؤمنين تلاوة القرآن والصبر على مجالسة الفقراء وإظهار كون الحق من عند الله ﴿وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١)﴾

стр. 4607

الإعراب: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ﴿الْحَقُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف، و ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حال. ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ صفة ثانية لماء أو خال من المهل. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ وصلته: اسم ﴿إِنَّ﴾، وخبرها إما ﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ وإما ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ أي لا نضيع أجرهم، فأقيم المظهر مقام المضمر، وإما أن خبرها مقدر، أي إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يجازيهم الله بأعمالهم، بدليل ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾. البلاغة: ﴿بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ و ﴿فَلْيُؤْمِنْ﴾ ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ بينهما طباق. ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ و ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مقابلة بين النار والجنة. ﴿بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ تشبيه مرسل مفصل لذكر أداة الشبه ووجه التشبيه. المفردات اللغوية: ﴿وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ﴾ من القرآن، ولا تسمع لقولهم: ﴿اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس ١٥/ ١٠]. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا مغير لأحكامه، فلا أحد يقدر على تبديلها وتغييرها غيره. ﴿مُلْتَحَداً﴾ ملجأ تعدل إليه إذا هممت به. ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ احبسها وثبّتها مع الفقراء. ﴿بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أي في طرفي النهار، وخصا بالبيان لغفلة الناس واشتغالهم بدنياهم حينئذ. ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يريدون بعبادتهم رضا الله وطاعته، لا شيئا من أعراض الدنيا. ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ أي لا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم، والمراد لا تهمل شأنهم وتهتم بالأغنياء، وعبر بقوله تعالى ﴿عَيْناكَ﴾ عن صاحبهما. ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي تقصد مجالسة الأغنياء وأصحاب النفوذ والثروة. ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ جعلناه غافلا وهو حينئذ عيينة بن حصن وأصحابه مثل أمية بن خلف. ﴿عَنْ ذِكْرِنا﴾ أي القرآن. ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ في الشرك. ﴿فُرُطاً﴾ أي تجاوزا حد الاعتدال، وتقدما على الحق، ونبذا له. وكانوا قد دعوا النبي ﵌ إلى طرد الفقراء عن مجلسه لصناديد قريش. وفيه تنبيه إلى أن الداعي لهذا الاستدعاء غفلة القلب عن المعقولات، والانهماك في المحسوسات حتى خفي عليهم أن الشرف بحلية النفس، لا بزينة الجسد.

стр. 4608

﴿وَقُلِ﴾ خطاب للنبي ولأصحابه. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الحق ومنه القرآن: ما يكون من جهة الله تعالى، لا ما يقتضيه الهوى. ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ تهديد لهم ووعيد، قال البيضاوي: وهو لا يقتضي استقلال العبد بفعله، فإنه وإن كان بمشيئته، فمشيئته ليست إلا بمشيئة الله تعالى. ﴿أَعْتَدْنا﴾ أعددنا وهيأنا. ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ الكافرين. ﴿سُرادِقُها﴾ هو الفسطاط، وهو لفظ فارسي معرب، شبّه به ما يحيط بهم من لهب النار. ﴿كَالْمُهْلِ﴾ كعكر الزيت، أو كالشيء المذاب من المعادن كالنحاس والرصاص. ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ من حره إذا قدّم أو قرّب منها للشرب. ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ المهل هو. ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ أي وساءت النار متكأ، وهو لمقابلة قوله تعالى الآتي ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار. و ﴿مُرْتَفَقاً﴾: تمييز منقول عن الفاعل، أي قبح مرتفقها. ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر، أي لا نضيع أجرهم، أي نثيبهم بما تضمنه. ويجوز أن يكون الخبر ﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ وما بينهما اعتراض. وهذا على الوجه الأول استئناف لبيان الأجر، أو خبر ثان. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ إقامة واستقرار. ﴿مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى للابتداء، والثانية للبيان، صفة لأساور، وهي جمع أسورة أو أسوار في جمع سوار، أي فهي جمع الجمع. وتنكير لفظها لتعظيم حسنها عن الإحاطة به. ﴿سُنْدُسٍ﴾ مارقّ من الديباج، وهو فارسي معرب. ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ ما غلظ منه، وهو رومي معرّب. جاء في آية من سورة الرحمن ﴿بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [٥٤] وجمع بين النوعين للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. ﴿الْأَرائِكِ﴾ السرر، جمع أريكة وهي السرير الذي عليه الحجلة (الناموسية في عرفنا). ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ الجنة ونعيمها. سبب النزول: نزول الآية (٢٨): ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾: عن سلمان الفارسي قال: جاءت المؤلفة القلوب إلى رسول الله ﵌: عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا رسول الله، إنك لو جلست في صدر المجلس، ونحّيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم، يعنون. سلمان وأبا ذرّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف، ولم يكن عليهم غيرها، جلسنا إليك، وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله

стр. 4609

تعالى: ﴿وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً. وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ حتى بلغ ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً﴾ يتهددهم بالنار، فقام النبي ﵌ يلتمسهم، حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى قال: «الحمد لله الذي لم يمتني، حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات» (١). وفي رواية أخرى: أن عيينة بن حصن الفزاري أتى النبي ﵌ قبل أن يسلم، وعنده جماعة من فقراء أصحابه، فيهم سلمان الفارسي، وعليه شملة قد عرق فيها، وبيده خوص يشقّه، ثم ينسجه، فقال له: أما يؤذيك ريح هؤلاء، ونحن سادات مضر وأشرافها، فإن أسلمنا أسلم الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء، فنحّهم حتى نتّبعك، أو اجعل لهم مجلسا، ولنا مجلسا، فنزلت الآية. وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: جاء رسول الله ﵌، ورجل يقرأ سورة الحجر، أو سورة الكهف، فسكت، فقال رسول الله ﵌: «هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم». نزول آية ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ .﴾.: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ.﴾. قال: نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وذلك أنه دعا النبي ﵌ إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه، وتقريب صناديد أهل مكة، فنزلت.

стр. 4610

المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصة أصحاب الكهف التي يجهلها كثير من الناس لكونها من المغيبات، مما يدل على أن القرآن وحي من عند الله تعالى، أمر تعالى رسوله والمؤمنين ببعض الأوامر: وهي المواظبة على تلاوة القرآن، وملازمة مجالس أصحابه الفقراء الذين يتدارسون القرآن، وإظهار أن القرآن وكلّ حق هو من عند الله تعالى. ثم ذكر تعالى جزاء الكافرين وعقابهم الأليم، وثواب المتقين ونعيمهم الدائم، جزاء كلّ بما يستحق. التفسير والبيان: ﴿وَاتْلُ ما أُوحِيَ.﴾. يأمر الله تعالى رسوله ﵌ في هذه الآية بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس، قائلا له: واتل الكتاب الموحى به إليك، واتبع ما جاء فيه من أمر ونهي، فإنه لا مغيّر لكلمات ربك من وعد الطائعين ووعيد للعصاة، ولا محرف ولا مزيل لها، فإن لم تعمل به، فوقعت في الوعيد، فلن تجد ملجأ ولا وليّا ناصرا من دون الله تعالى. هذا هو التوجيه الأول: تلاوة القرآن والعمل بمقتضاه، والتوجيه الثاني هو مجالسة الفقراء والمستضعفين فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ.﴾. أي جالس الذين يذكرون الله ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه ويدعونه في الغداة (صباحا) والعشي (مساء) أي في كل وقت، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، يريدون وجهه (أي طاعته) ورضاه. يقال كما بينا: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي ﵌ أن

стр. 4611

يجلس معهم وحده، من غير وجود أصحابه الفقراء أو الضعفاء، كبلال، وعمار، وصهيب، وخبّاب، وابن مسعود، وليفردوهم في مجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يصبر ويثبّت نفسه في الجلوس مع هؤلاء، ونظير الآية قوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام ٥٢/ ٦]. وهذا شبيه بقول قوم نوح ﵇: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ، وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء ١١١/ ٢٦]. وأكد تعالى الأمر السابق بقوله: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ.﴾. أي ولا تجاوز بصرك ونفسك إلى غيرهم، فتطلب بدلهم أصحاب الثروة والنفوذ، والمقصود النهي عن احتقارهم لسوء حالهم وفقرهم، قال رسول الله ﵌ لما نزلت هذه الآية: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معه». ثم أكد تعالى هذا النهي بقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا.﴾. أي وإياك أن تطيع من وجدناه غافلا، وشغل عن الدين وعبادة ربّه بالدنيا، وكان مسرفا مفرطا في أعماله وأفعاله غاية الإسراف والتفريط، متبعا شهواته. وهو دليل على أن سبب البعد عنهم؟؟؟؟ لهم عن اتباع أمر الله بمفاتن الدنيا وزينتها. والتوجيه الثالث: إعلان مجيء الحق واضحا ظاهرا من الله تعالى، بحيث لم يبق إلا التهديد والوعيد الشديد على كفرهم فقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ.﴾. أي قل يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، وهو النظام الأصلح للحياة، فمن شاء آمن به، ومن شاء كفر به، فأنا في غنى عنكم، ومن عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، ثم يحاسبكم ربكم على أعمالكم. وفي هذا تهديد ووعيد شديد. ثم ذكر الله تعالى نوع الوعيد على الكفر، والوعد على العمل الصالح، فقال

стр. 4612

واصفا الأول: ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ أي إنا أرصدنا وهيأنا وأعددنا للكافرين بالله ورسوله وكتابه نار جهنم، الذي أحدق وأحاط بهم سورها من كل جانب، حتى لا يجدوا مخلصا منها. أخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﵌ أنه قال: «لسرادق النار أربعة جدر، كثف (١) كل جدار مسافة أربعين سنة» والسّرادق: واحد السرادقات التي تمدّ فوق صحن الدار، أو السور. ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ، يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ أي إن يطلب هؤلاء الكافرون الظالمون الإغاثة والمدد والماء وهم في النار، لإطفاء عطشهم، بسبب حرّ جهنم، يغاثوا بماء غليظ كدردي (عكر) الزيت، أو كالدم والقيح، يشوي جلود الوجوه من شدة حره، إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه، حتى تسقط جلدة وجهه فيه، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﵌ قال: «المهل كعكر الزيت، فإذا قرّبه إلى وجهه، سقطت فروة وجهه فيه». ﴿بِئْسَ الشَّرابُ، وَساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ أي بئس هذا الشراب شرابهم، فما أقبحه، فهو لا يزيل عطشا، ولا يسكّن حرارة، بل يزيد فيها، وساءت جهنم مرتفقا، أي وساءت النار منزلا ومجتمعا وموضعا للارتفاق والانتفاع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ [الفرقان ٦٦/ ٢٥]. ثم وصف الله تعالى وعده للمؤمنين الصالحين السعداء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ أي إن الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين فيما جاؤوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلا يضيع الله أجرهم على إحسانهم العمل.

стр. 4613

والعطف بين الإيمان والعمل يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان؛ لأن العطف يوجب المغايرة. وأوصاف نعيمهم هي: ١ - ﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ أي أولئك لهم جنان إقامة دائمة، تجري فيها الأنهار من تحت غرفهم ومنازلهم. ٢ - ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ أي يلبسون فيها حلية فيها أساور من ذهب، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ﵌ قال: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». وفي آية أخرى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً، وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج ٢٣/ ٢٢]. ٣ - ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ أي ويلبسون سندسا هو رقيق الحرير، وإستبرقا هو غليظ الديباج أو الحرير، واختير الأخضر لراحة العين عند إبصاره. ٤ - ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ﴾ أي مضطجعين فيها على السرر، شأنهم شأن الملوك والعظماء، والأرائك: جمع أريكة وهي السرير. ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ أي نعمت الجنة ثوابا على أعمالهم، وحسنت منزلا ومقرا ومقاما، كما قال في آية أخرى: ﴿خالِدِينَ فِيها، حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ [الفرقان ٧٦/ ٢٥]. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات الإرشادات التالية: ١ - وجوب اتباع القرآن وما جاء به: لأنه لا مغيّر لما أوعد بكلماته أهل

стр. 4614

معاصيه والمخالفين لكتابه، ووعد أهل طاعته المتبعين ما أمر به، المبتعدين عما نهى عنه. ٢ - الإسلام دين المساواة: فلا فرق في نظامه بين شريف ووضيع، وغني وفقير، ورئيس ومرءوس، ولا تفرقة في أموره الاجتماعية بين الطبقات، الكل سواء في المجلس والمعاملة والحقوق والواجبات. وقد قضى القرآن بآية ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ.﴾. على الامتيازات في المجلس والخطاب والكلام بين أشراف قريش وساداتها وبين فقراء المسلمين وضعفائهم. بل إن الإسلام مع الضعيف التقي الذي يبتغي بعمله رضوان الله وطاعته، وينفر من الذين يؤثرون الدنيا على الآخرة، ويتبعون أهواءهم، ويبلغون في إسرافهم في المعاصي حد الإفراط ومجاوزة الحد. لهذا فلا داعي لتزيين مجلس النبي والمؤمنين من بعده بمجالسة الرؤساء الذين اقترحوا إبعاد الفقراء من مجلسه، ولم يرد النبي ﵌ أن يفعل ذلك، ولكن الله نهاه عن أن يفعله. وكان القوم قالوا: نحن أشراف مضر إن أسلمنا أسلم الناس؛ وكان هذا من التكبر والإفراط في القول. ٣ - الحق من الله ربّ الناس، فإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، يهدي من يشاء فيؤمن، ويضل من يشاء فيكفر، ليس إلى أحد ولو النبي ﵌ من ذلك شيء، فالله يؤتي الحق من يشاء، وإن كان ضعيفا، ويحرمه من يشاء، وإن كان قويا غنيا، وليس للنبي ﵌ أن يطرد المؤمنين من مجلسه لهوى السادة الزعماء من قريش. فإن شئتم أيها السادة فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا، وليس هذا بترخيص وتخيير بين الإيمان والكفر، وإنما هو وعيد وتهديد، أي إن كفرتم فقد أعدّ لكم النار، وإن آمنتم فلكم الجنة.

стр. 4615

والدليل على كون ذلك تهديدا قوله تعالى بعدئذ مباشرة: ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ أي إنا أعددنا للكافرين الجاحدين نارا شديد اللهب، أحاط بهم سرادقها، أي سورها، أو ما يعلو الكفار من دخان أو نار. وشراب أهل النار: هو المهل، وهو ماء غليظ مثل درديّ الزيت (وهو ما يبقى في أسفل الوعاء)، أو النحاس المذاب، أو كالقيح والدم، كما في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم ١٦/ ١٤ - ١٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً، فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥/ ٤٧]. وما أسوأ وأقبح العذاب في نار جهنم، لذا قال تعالى: ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ أي مجتمعا ومنزلا ومقرا. ٤ - بعد أن ذكر تعالى ما أعد للكافرين من الهوان، ذكر أيضا ما للمؤمنين من الثواب، فإن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن من المؤمنين عملا، مما يدل على أن أساس النجاة: الإيمان مع العمل الصالح. أما من أحسن عملا من غير المؤمنين، فعمله محبط. وثواب المؤمنين: جنات عدن أي وسطها وسائر الجنات محدقة بها، باللؤلؤ وأساور الذهب، ويلبسون الثياب الخضر من الرقيق الرقيق والغليظ الكثيف، ويتكئون على الأرائك وهي السرر في الحجال (١). فما أجمل وأحسن ذلك الثواب، لذا قال تعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ أي نعمت الجنة ثوابا للمؤمنين الصالحين، وحسنت مقرا ومقاما ومجلسا ومجتمعا.

стр. 4616

صاحب الجنتين مثل الغني المغتر بماله والفقير المعتز بعقيدته ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤)﴾

стр. 4617

الإعراب: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ ﴿لكِنَّا﴾: أصله: لكن أنا، فحذفت الهمزة، وأدغمت النونان ببعضهما أو نقلت حركة الهمزة إلى النون. ومن قرأ لكن بحذف الألف فعلى الأصل في حالة الوصل. ولكن هنا هي الخفيفة التي لا يراد بها الاستدراك. وأنا: مبتدأ، وهو: مبتدأ ثان، والله: خبر المبتدأ الثاني، وربي: صفته، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره: خبر المبتدأ الأول. والعائد إليه: الياء المجرور بالإضافة في ﴿رَبِّي﴾. ﴿ما شاءَ اللهُ﴾ ﴿ما﴾: إما اسم موصول، و ﴿شاءَ اللهُ﴾: صلته، وهو في موضع مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف، أي الذي شاءه الله كائن، فحذف الهاء التي هي العائد تخفيفا، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر ما شاء الله، وحذف العائد تخفيفا؛ وإما أن تكون شرطية في موضع نصب بشاء، وجوابها محذوف، أي ما شاء الله كان. ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ﴾ ﴿إِنْ﴾: شرطية، وجوابها: ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ و ﴿أَنَا﴾: ضمير فصل، لا موضع له من الإعراب؛ لأنه وقع بين معرفة ونكرة تقارب المعرفة، فالمعرفة ياء ﴿تَرَنِ﴾ والنكرة التي تقارب المعرفة: ﴿أَقَلَّ مِنْكَ﴾ قرب من المعرفة لتعلق ﴿مِنْكَ﴾ به، وهو مفعول ثان، وياء ﴿تَرَنِ﴾: مفعول أول. ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً﴾ ﴿غَوْراً﴾: إما بمعنى غائر، أو فيه مضاف محذوف، أي ذا غور، مثل ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ﴾ أي مثل رجلين. و ﴿غَوْراً﴾: خبر أصبح المنصوب. ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ثمره: اسم جنس كخشبة وخشب، وشجرة وشجر. وقرئ بثمره بضمتين، وهو إما جمع ثمار، وثمار جمع ثمرة، فيكون جمع الجمع، كإزار وأزر، وإما أن يكون كخشبة وخشب. وقرئ بضمة واحدة ثمره مخففا من ثمر، مثل: خشب وخشب. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ قرئ تكن بالتاء؛ لأن الفئة مؤنثة، وقرئ بالياء لوجود الفصل. ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ﴾ ﴿هُنالِكَ﴾: يجوز أن يكون ظرف زمان وظرف مكان، والأصل فيه أن يكون للمكان، واللام للبعد، ويتعلق بقوله: ﴿مُنْتَصِراً﴾ وتكون ﴿الْوَلايَةُ لِلّهِ﴾ مبتدأ وخبر. و ﴿الْحَقِّ﴾: بالرفع صفة للولاية، وجعله خبرا أولى من جعله صفة، لما فيه من الفصل بين الصفة والموصوف. وعلى قراءة الجر: صفة لله، فلا فصل فيه. ويجوز أن يتعلق بخبر المبتدأ الذي هو ﴿لِلّهِ﴾. ويجوز جعل ﴿هُنالِكَ﴾ خبر المبتدأ الذي هو ﴿الْوَلايَةُ﴾ وعامله: استقر، الذي قام ﴿هُنالِكَ﴾ مقامه، و ﴿لِلّهِ﴾: حال. ﴿خَيْرٌ ثَواباً﴾ ﴿خَيْرٌ عُقْباً﴾: نصبهما على التمييز.

стр. 4618

البلاغة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً﴾ ﴿غَوْراً﴾: مبالغة بإطلاق المصدر على اسم الفاعل، أي غائرا. ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها﴾ كناية عن التحسر والندم؛ لأن النادم يضرب بيمينه على شماله. المفردات اللغوية: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً﴾ اجعل للكفار مع المؤمنين مثلا. ﴿رَجُلَيْنِ﴾ بدل، وهو وما بعده تفسير للمثل. ﴿جَعَلْنا لِأَحَدِهِما﴾ للكافر. ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ بستانين، وسميت الجنة بذلك لا جنتان أرضها واستتارها بظل الشجر. ﴿أَعْنابٍ﴾ كروم العنب. ﴿حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ جعلنا النخل محيطة بهما. ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿كِلْتَا﴾: مفرد يدل على التثنية. ﴿أُكُلَها﴾ ثمرها. ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ تنقص. ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما﴾ شققنا وسطهما. ﴿نَهَراً﴾ أو بتسكين العين: مجرى الماء العذب. ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أنواع من المال سوى الجنتين من ثمر ماله. ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ المؤمن. ﴿يُحاوِرُهُ﴾ يجادله ويراجعه في الكلام، من حاور: إذا راجع. ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ النفر هنا: الخدم والحشم والولد والأعوان. ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أي دخل مع صاحبه بستانه يطوف به فيه، ويريه أثماره ويفاخره. وأفرد الجنة ولم يقل جنتيه، للتنبيه على أنه ما له جنة غيرها، فلا نصيب له في جنة الخلد في الآخرة التي وعد بها المؤمنون، فما ملكه في الدنيا: هو جنته لا غير، أو لاتصال كل واحدة من جنتيه بالأخرى، أو لأن الدخول يكون عادة في واحدة ثم الأخرى. ﴿وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ معجب بما أوتي، مفتخر به، كافر لنعمة ربه، معرّض بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم. ﴿تَبِيدَ﴾ تنعدم أو تفنى وتهلك. ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي﴾ بالبعث في الآخرة كما زعمت. ﴿خَيْراً مِنْها﴾ من جنته. ﴿مُنْقَلَباً﴾ مرجعا وعاقبة؛ لأنها فانية وتلك باقية. وإنما أقسم هذا الخاسر على ذلك لاعتقاده أنه تعالى إنما أولاه هذه النعم، لاستحقاقه إياها لذاته. ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ يجاوبه، ﴿خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ﴾ أي خلق أصلك من تراب، وهو آدم ﵇. ﴿نُطْفَةٍ﴾ مني. ﴿سَوّاكَ رَجُلاً﴾ عدلك وصيّرك إنسانا كامل الرجولة. وجعل كفره بالبعث كفرا بالله تعالى؛ لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على بدء خلقه منه، قدر على أن يعيده منه.

стр. 4619

﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ ﴿هُوَ﴾: ضمير الشأن، تفسره الجملة بعده، والمعنى: أنا أقول: الله ربي. ﴿وَلَوْلا﴾ هلا. ﴿قُلْتَ﴾ عند إعجابك بها، أو عند دخولك. ﴿ما شاءَ اللهُ.﴾. الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله كائن، على أن ما موصولة، أو أي شيء شاء الله كان، على أنها شرطيه، يعني إقرارا بأن الجنة وما فيها بمشيئة الله، إن شاء أبقاها، وإن شاء أبادها. ﴿لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ فهلا قلت: لا قوة إلا بالله، اعترافا بالعجز على نفسك والقدرة لله، وإن ما تيسر من عمارتها، فبمعونته وإقداره. جاء في الحديث الذي رواه ابن السني عن أنس، وهو ضعيف. «من رأى شيئا فأعجبه، فقال: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، لم تضره العين». وفي رواية أخرى: «من أعطي خيرا من أهل أو مال، فيقول عند ذلك: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، لم ير فيه مكروها». ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا﴾ ضمير فصل بين المفعولين أو تأكيد للمفعول الأول. ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ﴾ أي في الدنيا أو في الآخرة لإيماني، وهو جواب الشرط. ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾ على جنتك لكفرك. ﴿حُسْباناً مِنَ السَّماءِ﴾ جمع حسبانة، وهي الصواعق. ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضا ملساء لا يثبت عليها قدم. ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً﴾ غائرا، ويصبح: عطف على ﴿يُرْسِلَ﴾ لا على: ﴿فَتُصْبِحَ﴾ لأن غور الماء لا يتسبب عن الصواعق. ﴿طَلَباً﴾ للماء، أي عملا أو حيلة لرده. ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أهلكت أمواله، بما فيها جنته، حسبما توقع صاحبه وأنذره منه. ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ هذا كناية في اللغة عن التحسر والندم. ﴿عَلى ما أَنْفَقَ فِيها﴾ في عمارة جنته. ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ ساقطة. ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ دعائمها التي كانت منصوبة للكرم، بأن سقطت عروشها على الأرض، ثم سقطت الكروم. ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ ﴿يا﴾: للتنبيه، وكأنه تذكر موعظة أخيه. ﴿فِئَةٌ﴾ جماعة. ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ عند هلاكها، بدفع الإهلاك فإن الله هو القادر على نصره وحده. ﴿وَما كانَ مُنْتَصِراً﴾ بنفسه عند هلاكها، ممتنعا بقوته عن انتقام الله منه. ﴿هُنالِكَ﴾ في ذلك المقام أو تلك الحال أو يوم القيامة. ﴿الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ بفتح الواو: النصرة له وحده لا يقدر عليها غيره، وبكسر الواو: الملك والسلطان. ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَواباً﴾ من ثواب غيره لو كان يثيب. ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ عاقبة للمؤمنين. سبب النزول: قيل: نزلت في أخوين من بني مخزوم: الأسود بن عبد الأسود بن عبد ياليل، وكان كافرا، وأبي سلمة عبد الله بن الأسود، كان مؤمنا، وهو زوج أم سلمة قبل زواج الرسول ﵌ بها.

стр. 4620

وقيل في قول ابن عباس: أخوان من بني إسرائيل، أحدهما كافر، اسمه فرطوس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا أو قطفير، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطرا، فاشترى الكافر بها ضياعا وعقارا، وصرفها المؤمن في وجوه الخير، وآل أمرهما إلى ما حكاه الله تعالى ولم تثبت صحة هذه الأقوال. وعن مقاتل: هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ: إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [٥١]. وهما من بني إسرائيل، كما ذكر ابن عباس. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى نبيه بملازمة مجالس أصحابه الفقراء، وعدم الاستجابة لمطالب المشركين المتجبرين بطرد الضعفاء المؤمنين، حتى لا يتساووا معهم، ولا يؤذوا بمناظرهم وروائحهم، فيمتهن كبرياؤهم وتتدنى عزتهم، أردف ذلك بمثل للغني الكافر، والفقير المؤمن؛ لأن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، فأبان تعالى أن المال ليس سبيل الافتخار، لاحتمال أن يصير الفقير غنيا، والغني فقيرا، وإنما المفاخرة تكون بطاعة الله وعبادته، وهي حاصلة لفقراء المؤمنين. التفسير والبيان: هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين وأمثالهم المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا بأموالهم وأحسابهم. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ..﴾. المعنى: اضرب مثلا أيها الرسول لهؤلاء المشركين بالله الذين طلبوا منك طرد المؤمنين الدعاة المخلصين لله صباح مساء وفي كل وقت. ذلك المثل هو حال رجلين، جعل الله لأحدهما جنتين، أي بستانين من أعناب، محاطين بنخيل، وفي وسطهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع

стр. 4621

مثمر مقبل في غاية الجودة، فجمع بين القوت والفاكهة. فقوله: ﴿وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أي وجعلنا النخل محيطا بالجنتين. والرجلان أخوان أو صديقان أو شريكان من بني إسرائيل، أحدهما: كافر مغتر بدنياه، والثاني: مؤمن موحد بالله. والقصد من هذا المثل العظة والعبرة، فقد آل حال الكافر المغرور إلى الدمار والإفلاس، لكفران النعم وعصيان الله، وظل المؤمن الفقير على طاعة الله، بالرغم من معاناته الشدائد والمتاعب، فآتاه الله الخلود في الجنة. ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أي أخرجت الجنتان ثمرهما. ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ ولم تنقص منه شيئا في كل عام. ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً﴾ أي وشققنا وأجرينا وسط الجنتين نهرا، تتفرع عنه عدة جداول، لسقي جميع الجوانب. ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أي وكان لصاحب البستانين أنواع أخرى من المال من النقدين (الذهب والفضة) بسبب التجارة وتنمية ثمار الأرض. وأدى به هذا الغنى إلى الزهو والكبرياء والاغترار بالمال، شأن كل غني مغرور. ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أي فقال صاحب هاتين الجنتين لصاحبه المؤمن الفقير، وهو يجادله ويخاصمه ويحاوره الحديث، ويفتخر عليه: أنا أكثر منك ثروة، وأعز نفرا، أي أكثر خدما وحشما وولدا، وأقوى عشيرة ورهطا يدافعون عني. وازداد به الغرور ظنه استمرار تلك الثروة وعدم فنائها لقلة عقله وضعف يقينه بالله، وهذا ما حكاه القرآن عنه: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ..﴾. أي ودخل هذا الثري المترف بستانه ذا

стр. 4622

الجناحين مع صاحبه المؤمن الفقير الصالح، فقال اغترارا منه، وهو ظالم لنفسه بكفره وتمرده وتجبره وإنكاره المعاد حين عاين الثمار والزروع والأنهار المتدفقة في مزرعته: ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبدا، وما أظن أن يوم القيامة آت، كما تقول يا صاحبي، فقوله: ﴿السّاعَةَ قائِمَةً﴾، أي القيامة كائنة. وكان في الحالين مخطئا ظالما لنفسه بوضعه الشيء في غير محله؛ إذ كان يجب عليه شكر تلك النعمة، وتفكره في عالم الآخرة، وذلك لطول أمله، وشدة حرصه، وتمام غفلته، وشدة اغتراره بالدنيا. ثم أقسم على فرض لقاء ربه بقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ أي إن رجعت إلى ربي، على سبيل الفرض والتقدير، وكما يزعم صاحبي، لألفين في الآخرة عند ربي خيرا وأحسن من هذا الحظ في الدنيا، تمنيا على الله، وادعاء لكرامتي عنده ومكانتي لديه، وأنه لولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا، ولولا استحقاقي واستئهالي ما أغناني في الدنيا، كما جاء في آية أخرى على لسان الكافر: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت ٥٠/ ٤١]. فأجابه المؤمن بقوله: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ أي أجابه صاحبه المؤمن واعظا له، وزاجرا عما هو فيه من الكفر والاغترار: أكفرت بمن خلقك من تراب؟ أي خلق أصلك من تراب، وخلق أصله سبب في خلقه، فكان خلقه خلقا له، وكذلك غذاؤك وغذاء الحيوان من النبات، وغذاء النبات من الماء والتراب، ثم يتحول هذا الغذاء دما، يتحول بعضه إلى نطفة تكون وسيلة للخلق، ثم خلقك بشرا سويا تام الخلق والأعضاء، فقوله: ﴿سَوّاكَ﴾ معناه عدّلك وكمّلك إنسانا تاما، بالغا مبلغ الرجال.

стр. 4623

وقد وصفه صاحبه بأنه كافر بالله، جاحد لأنعمه؛ لشكه في البعث. ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ أي لكن أنا لا أقول بمقالتك، بل أقرّ لله بالوحدانية والربوبية، ولا أشرك به أحدا، بل هو الله المعبود وحده لا شريك له. ثم قال له مذكرا بوجوب الإيمان بالله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ، قُلْتَ:﴾ ﴿ما شاءَ اللهُ، لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ أي هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها، حمدت الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعط غيرك، وقلت: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، أي الأمر ما شاء الله، والكائن ما قدره الله، ليكون ذلك دليلا على عبوديتك والاعتراف بالعجز. ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده، فليقل: ﴿ما شاءَ اللهُ، لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾، عملا بهذه الآية، وبما روي من الحديث المرفوع الذي أخرجه الحافظ أبو يعلى عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: ﴿ما شاءَ اللهُ، لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾، فيرى فيه آفة دون الموت». وثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى أن رسول الله ﵌ قال له: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله». ثم أجابه عن قضية الافتخار بالمال والولد: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً، فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ.﴾. أي إنك إذ تنظر إلي بأني أفقر منك في المال، وأقل منك أولادا وعشيرة في هذه الدنيا الفانية، فإني أتوقع انقلاب الحال في الآخرة، وأرجو أن يعطيني الله خيرا من جنتك في الدار الآخرة، ويرسل على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى عذابا من السماء، كمطر شديد يقلع زرعها وأشجارها

стр. 4624

أو صواعق، فيسلبك نعمته ويخرّب بستانك، وتصبح أرضا بيضاء لا نبات فيها، وترابا أملس، لا يثبت فيه قدم، وينزلق عليها لملاستها انزلاقا. وقوله: ﴿فَعَسى رَبِّي﴾ أي فلعل ربي. أو يصبح ماؤها غائرا في الأرض، فلن تتمكن من إدراكه بعد غوره، ولن تستطيع ردّ الماء الغائر بأية حيلة. وتحقق ما توقعه المؤمن فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها..﴾. أي ونزل الإهلاك والجائحة بالأموال والثمار بإرسال الحسبان على جنته التي اغتر بها، وألهته عن الله ، ودمرت أمواله وثماره، فأصبح نادما متحسرا على ضياع نفقته التي أنفقها عليها، فتقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر، وتمنى متذكرا موعظة صاحبه أن لم يكن أشرك بربه أحدا، والخاوية على عروشها: هي التي سقطت عرائشها على الأرض، قيل: أرسل الله عليها نارا فأكلتها، وسقط بعضها على بعض. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَما كانَ مُنْتَصِراً﴾ أي ولم تنصره وتفيده عشيرة أو ولد، كما افتخر بهم واعتز، وما كان منتصرا أي ممتنعا بقوته عن انتقام الله تعالى. ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ هذا تأكيد للجملة السابقة، أي أنه في هذه الحال من الشدة والمحنة تكون النصرة لله وحده، ويؤمن فيها البرّ والفاجر، ويرجع كل أحد مؤمن أو كافر إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب. والولاية: السلطان والملك والنصرة والحكم. ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي أن الله خير جزاء، وأفضل عاقبة لأوليائه المؤمنين، فينصرهم ويعوضهم عما فقدوه في دار الدنيا، ويكون ثواب الأعمال التي

стр. 4625

تكون لله خيرا، وعاقبتها حميدة رشيدة، كلها خير؛ لأن الله هو خير ثوابا لمن آمن به، وخير عاقبة لمن رجاه وآمن به. ونظير الآية: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا: آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤/ ٤٠]. فقه الحياة أو الأحكام: في هذه القصة عبر وعظات وهي: ١ - هذا مثل واضح للمؤمنين والكافرين، مثل رجل مؤمن موحد بالله، فقير صالح آثر الآخرة على الدنيا، فآتاه الله الجنة وثوابه العظيم، ومثل رجل كافر مغتر بدنياه مستنكف عن مجالسة المؤمنين، وهما-كما ذكر الكلبي-أخوان مخزوميان من أهل مكة، أو أخوان من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، كما ذكر ابن عباس ومقاتل، كان للكافر بستانان فيهما الأشجار والزروع والثمار والأنهار، وأموال أخرى، فكفر بأنعم الله، وتفاخر على صاحبه بالمال والأولاد، وشك في البعث، فدمّر الله ثروته، وأتلف البستانين بحسبان من السماء، وهو السحابة ذات المطر الغزير جدا، أو الصاعقة، أو العذاب، فندم وتحسر على ما أنفق، وقال: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ أي يا ليتني عرفت نعم الله علي، وعرفت أنها كانت بقدرة الله ولم أكفر به، وهذا ندم منه حيث لا ينفعه الندم. ٢ - لا يمنع فضل الله عن الكافر، فقد آتى الله صاحب الجنتين ثروة ومالا وولدا وأتباعا. ٣ - شأن الغني دائما إلا من رحم الله المفاخرة بأمواله والاغترار بالدنيا، والترفع على الآخرين بالثروة، مع أنها مال زائل، وعرض متحول، فيمكن أن ينقلب صفر اليدين بين عشية وضحاها.
следующие страницы →