← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

مثمر مقبل في غاية الجودة، فجمع بين القوت والفاكهة. فقوله: ﴿وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أي وجعلنا النخل محيطا بالجنتين. والرجلان أخوان أو صديقان أو شريكان من بني إسرائيل، أحدهما: كافر مغتر بدنياه، والثاني: مؤمن موحد بالله. والقصد من هذا المثل العظة والعبرة، فقد آل حال الكافر المغرور إلى الدمار والإفلاس، لكفران النعم وعصيان الله، وظل المؤمن الفقير على طاعة الله، بالرغم من معاناته الشدائد والمتاعب، فآتاه الله الخلود في الجنة. ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أي أخرجت الجنتان ثمرهما. ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ ولم تنقص منه شيئا في كل عام. ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً﴾ أي وشققنا وأجرينا وسط الجنتين نهرا، تتفرع عنه عدة جداول، لسقي جميع الجوانب. ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أي وكان لصاحب البستانين أنواع أخرى من المال من النقدين (الذهب والفضة) بسبب التجارة وتنمية ثمار الأرض. وأدى به هذا الغنى إلى الزهو والكبرياء والاغترار بالمال، شأن كل غني مغرور. ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أي فقال صاحب هاتين الجنتين لصاحبه المؤمن الفقير، وهو يجادله ويخاصمه ويحاوره الحديث، ويفتخر عليه: أنا أكثر منك ثروة، وأعز نفرا، أي أكثر خدما وحشما وولدا، وأقوى عشيرة ورهطا يدافعون عني. وازداد به الغرور ظنه استمرار تلك الثروة وعدم فنائها لقلة عقله وضعف يقينه بالله، وهذا ما حكاه القرآن عنه: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ..﴾. أي ودخل هذا الثري المترف بستانه ذا

стр. 4622

الجناحين مع صاحبه المؤمن الفقير الصالح، فقال اغترارا منه، وهو ظالم لنفسه بكفره وتمرده وتجبره وإنكاره المعاد حين عاين الثمار والزروع والأنهار المتدفقة في مزرعته: ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبدا، وما أظن أن يوم القيامة آت، كما تقول يا صاحبي، فقوله: ﴿السّاعَةَ قائِمَةً﴾، أي القيامة كائنة. وكان في الحالين مخطئا ظالما لنفسه بوضعه الشيء في غير محله؛ إذ كان يجب عليه شكر تلك النعمة، وتفكره في عالم الآخرة، وذلك لطول أمله، وشدة حرصه، وتمام غفلته، وشدة اغتراره بالدنيا. ثم أقسم على فرض لقاء ربه بقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ أي إن رجعت إلى ربي، على سبيل الفرض والتقدير، وكما يزعم صاحبي، لألفين في الآخرة عند ربي خيرا وأحسن من هذا الحظ في الدنيا، تمنيا على الله، وادعاء لكرامتي عنده ومكانتي لديه، وأنه لولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا، ولولا استحقاقي واستئهالي ما أغناني في الدنيا، كما جاء في آية أخرى على لسان الكافر: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت ٥٠/ ٤١]. فأجابه المؤمن بقوله: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ أي أجابه صاحبه المؤمن واعظا له، وزاجرا عما هو فيه من الكفر والاغترار: أكفرت بمن خلقك من تراب؟ أي خلق أصلك من تراب، وخلق أصله سبب في خلقه، فكان خلقه خلقا له، وكذلك غذاؤك وغذاء الحيوان من النبات، وغذاء النبات من الماء والتراب، ثم يتحول هذا الغذاء دما، يتحول بعضه إلى نطفة تكون وسيلة للخلق، ثم خلقك بشرا سويا تام الخلق والأعضاء، فقوله: ﴿سَوّاكَ﴾ معناه عدّلك وكمّلك إنسانا تاما، بالغا مبلغ الرجال.

стр. 4623

وقد وصفه صاحبه بأنه كافر بالله، جاحد لأنعمه؛ لشكه في البعث. ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ أي لكن أنا لا أقول بمقالتك، بل أقرّ لله بالوحدانية والربوبية، ولا أشرك به أحدا، بل هو الله المعبود وحده لا شريك له. ثم قال له مذكرا بوجوب الإيمان بالله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ، قُلْتَ:﴾ ﴿ما شاءَ اللهُ، لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ أي هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها، حمدت الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعط غيرك، وقلت: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، أي الأمر ما شاء الله، والكائن ما قدره الله، ليكون ذلك دليلا على عبوديتك والاعتراف بالعجز. ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده، فليقل: ﴿ما شاءَ اللهُ، لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾، عملا بهذه الآية، وبما روي من الحديث المرفوع الذي أخرجه الحافظ أبو يعلى عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: ﴿ما شاءَ اللهُ، لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾، فيرى فيه آفة دون الموت». وثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى أن رسول الله ﵌ قال له: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله». ثم أجابه عن قضية الافتخار بالمال والولد: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً، فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ.﴾. أي إنك إذ تنظر إلي بأني أفقر منك في المال، وأقل منك أولادا وعشيرة في هذه الدنيا الفانية، فإني أتوقع انقلاب الحال في الآخرة، وأرجو أن يعطيني الله خيرا من جنتك في الدار الآخرة، ويرسل على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى عذابا من السماء، كمطر شديد يقلع زرعها وأشجارها

стр. 4624

أو صواعق، فيسلبك نعمته ويخرّب بستانك، وتصبح أرضا بيضاء لا نبات فيها، وترابا أملس، لا يثبت فيه قدم، وينزلق عليها لملاستها انزلاقا. وقوله: ﴿فَعَسى رَبِّي﴾ أي فلعل ربي. أو يصبح ماؤها غائرا في الأرض، فلن تتمكن من إدراكه بعد غوره، ولن تستطيع ردّ الماء الغائر بأية حيلة. وتحقق ما توقعه المؤمن فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها..﴾. أي ونزل الإهلاك والجائحة بالأموال والثمار بإرسال الحسبان على جنته التي اغتر بها، وألهته عن الله ، ودمرت أمواله وثماره، فأصبح نادما متحسرا على ضياع نفقته التي أنفقها عليها، فتقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر، وتمنى متذكرا موعظة صاحبه أن لم يكن أشرك بربه أحدا، والخاوية على عروشها: هي التي سقطت عرائشها على الأرض، قيل: أرسل الله عليها نارا فأكلتها، وسقط بعضها على بعض. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَما كانَ مُنْتَصِراً﴾ أي ولم تنصره وتفيده عشيرة أو ولد، كما افتخر بهم واعتز، وما كان منتصرا أي ممتنعا بقوته عن انتقام الله تعالى. ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ هذا تأكيد للجملة السابقة، أي أنه في هذه الحال من الشدة والمحنة تكون النصرة لله وحده، ويؤمن فيها البرّ والفاجر، ويرجع كل أحد مؤمن أو كافر إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب. والولاية: السلطان والملك والنصرة والحكم. ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي أن الله خير جزاء، وأفضل عاقبة لأوليائه المؤمنين، فينصرهم ويعوضهم عما فقدوه في دار الدنيا، ويكون ثواب الأعمال التي

стр. 4625

تكون لله خيرا، وعاقبتها حميدة رشيدة، كلها خير؛ لأن الله هو خير ثوابا لمن آمن به، وخير عاقبة لمن رجاه وآمن به. ونظير الآية: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا: آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤/ ٤٠]. فقه الحياة أو الأحكام: في هذه القصة عبر وعظات وهي: ١ - هذا مثل واضح للمؤمنين والكافرين، مثل رجل مؤمن موحد بالله، فقير صالح آثر الآخرة على الدنيا، فآتاه الله الجنة وثوابه العظيم، ومثل رجل كافر مغتر بدنياه مستنكف عن مجالسة المؤمنين، وهما-كما ذكر الكلبي-أخوان مخزوميان من أهل مكة، أو أخوان من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، كما ذكر ابن عباس ومقاتل، كان للكافر بستانان فيهما الأشجار والزروع والثمار والأنهار، وأموال أخرى، فكفر بأنعم الله، وتفاخر على صاحبه بالمال والأولاد، وشك في البعث، فدمّر الله ثروته، وأتلف البستانين بحسبان من السماء، وهو السحابة ذات المطر الغزير جدا، أو الصاعقة، أو العذاب، فندم وتحسر على ما أنفق، وقال: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ أي يا ليتني عرفت نعم الله علي، وعرفت أنها كانت بقدرة الله ولم أكفر به، وهذا ندم منه حيث لا ينفعه الندم. ٢ - لا يمنع فضل الله عن الكافر، فقد آتى الله صاحب الجنتين ثروة ومالا وولدا وأتباعا. ٣ - شأن الغني دائما إلا من رحم الله المفاخرة بأمواله والاغترار بالدنيا، والترفع على الآخرين بالثروة، مع أنها مال زائل، وعرض متحول، فيمكن أن ينقلب صفر اليدين بين عشية وضحاها.

стр. 4626

٤ - على المؤمن ألا يستكين أمام عزة الغني الكافر، وعليه نصحه وإرشاده إلى الإيمان بالله، والإقرار بوحدانيته، وشكر نعمه وأفضاله عليه. ٥ - قد يكون الاغترار بالمال سببا لإنكار البعث والقيامة والحشر والنشر؛ لأن الغني الظالم يرى في المادة كل شيء، وقد يستبد به الغرور لغفلة منه وضعف عقل، فيزعم أن عطاء الدنيا له لاستحقاقه واستئهاله، ويقول: إن كان بعث، فكما أعطاني الله هذه النعم في الدنيا، فسيعطيني أفضل منه في الآخرة، لكرامتي عليه. ٦ - قال الإمام مالك: ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول: ﴿ما شاءَ اللهُ، لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾. وهذه الكلمة كما روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﵌ كنز من كنوز الجنة، وقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا قالها العبد، قال الله : أسلم عبدي واستسلم». وقد وردت هذه الكلمة في القصة في وصية المؤمن للكافر وردّه عليه، حينما ظن عدم فناء جنته، وتفاخر بثروته على صاحبه. ٧ - إذا نزل البلاء فلا تستطيع فئة في الدنيا منعه أو رفعه، أو الالتجاء إليها لإزالته، ولن يكون المبتلى الخاسر منتصرا أي ممتنعا عن إصابة العذاب له، فلا ينصر ولا ينتصر، لمّا أصابه العذاب. ٨ - إن الولاية، أي السلطان والقدرة، والملك والحكم الحق لله ، فلا يردّ أمره إلى أحد، والملك في كل وقت لله: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ [الانفطار ١٩/ ٨٢].

стр. 4627

مثل الحياة الدنيا ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦)﴾ الإعراب: ﴿مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ﴾ ﴿مَثَلَ﴾: مفعول أول، و ﴿كَماءٍ﴾: مفعول ثان، وقيل: ﴿كَماءٍ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي هي كماء، أي الحياة الدنيا كماء. ﴿ثَواباً﴾ و ﴿أَمَلاً﴾ منصوبان على التمييز. المفردات اللغوية: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ اذكر لهم ما تشبهه الحياة الدنيا في زهرتها وسرعة زوالها وصفتها الغريبة. ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ﴾ امتزج الماء بسبب نزول المطر بالنبات، حتى روي وحسن. ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ فصار النبات يابسا مهشوما متفرقة أجزاؤه. ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ تفرّقه وتنثره وتطيره وتذهب به. المعنى: شبّه الدنيا بنبات حسن، فيبس فتكسر، ففرقته الرياح. ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ أي كان الله على كل شيء من الإنشاء والإفناء قادرا: كامل القدرة. ﴿زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ يتجمل بهما فيها. ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ هي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، زاد بعضهم «ولا حول ولا قوة إلا بالله» أو هي الأعمال الصالحة كلها، ومنها الصلوات الخمس وأعمال الحج، وصيام رمضان، وسبحان الله.. إلخ، والكلام الطيب. ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً﴾ أي جزاء وعائدا. ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ أي ما يأمله الإنسان ويرجوه عند الله تعالى؛ لأن صاحبها ينال بها في الآخرة ما كان يأمل بها في الدنيا.

стр. 4628

المناسبة: هذا مثل آخر يدل على حقارة الدنيا وقلة بقائها، والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين، فلما بيّن الله تعالى في المثل الأول حال الكافر والمؤمن وما آل إليه افتخار الكافر من الهلاك، بيّن في هذا المثل حال الحياة الدنيا واضمحلالها ومصير ما فيها من النعيم والترفه إلى الهلاك. ولما بيّن تعالى أن الدنيا سريعة الانقراض والزوال، بيّن أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا في عرف الناس، وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقضاء والانقراض، فيقبح بالعاقل الافتخار به أو الفرح بسببه، مما يدل على فساد قول المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال والأولاد. ثم ذكر الله تعالى ما يرجح أولئك المؤمنين الفقراء على أولئك الأغنياء الكفار بما يقدمونه من أعمال صالحة، فهي زاد الآخرة الدائم الباقي، والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي. وقد ورد في السنة ما يفسر الباقيات الصالحات، روى الترمذي أن رسول الله ﵌ قال: «لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». وروى سعيد بن منصور وأحمد وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﵌ قال: «استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله». وروى الطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﵌:

стр. 4629

«سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول وإلا قوة إلا بالله، هن الباقيات الصالحات، وهن يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها، وهن من كنوز الجنة». وروى النسائي والطبراني والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا: «خذوا جنتكم، قيل: يا رسول الله، من أي عدو قد حضر، قال: بل جنّتكم من النار: قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدّمات معقّبات ومجنّبات، وهن الباقيات الصالحات». التفسير والبيان: اضرب مثلا آخر يا محمد للناس من مشركي مكة وغيرهم الذين افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، مثلا يبين حقارة الدنيا وقلة بقائها، وزوالها وفناءها، فهي بعد الخضرة والنضارة والبهجة تصبح بمراد الله عابسة قاتمة لا جمال فيها ولا روعة، إنها في نضرتها ثم صيرورتها إلى الزوال تشبه حال نبات أخضر فيه زهر ونضرة وحبّ، نبت وتكوّن بماء السماء، ثم بعد هذا كله أصبح هشيما، أي يابسا، تذروه الرياح، أي تفرقه وتنثره ذات اليمين وذات الشمال. ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ أي والله قادر على الإنشاء والإفناء، وعلى كل الأحوال، حال الخضرة والنضرة، وحال اليبس والهلاك والفناء، فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بإقبال الدنيا أو يفخر بها أو يتكبر بسببها. وكثيرا ما يشبّه الله الحياة الدنيا بهذا المثل، كما قال تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ﴾ [٢٤] وفي سورة الحديد: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [٢٠].

стр. 4630

﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي إن الأموال والبنين هي من زينة الحياة الدنيا، وليست من زينة الآخرة الدائمة، فهي سريعة الفناء والانقراض، فلا ينبغي للعاقل الاغترار بها والتفاخر بها. والمقصود إدخال هذا الجزء تحت ذلك الكل في المثل السابق الذي أبان سرعة انقضاء الدنيا وإشرافها على الزوال والفناء. والسبب في ذكر المال والبنين فقط؛ لأن في المال جمالا ونفعا، وفي البنين قوة ودفعا، فصارا زينة الحياة الدنيا. وتقديم المال على البنين مع كونهم أعز منه؛ لأنه أهم وأخطر، وأكثر تحقيقا للحاجة والرغبة والهوى، فقد يكون البنون دون المال، ويكون البؤس والشقاء. ونظير الآية: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ، وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.﴾. الآية [آل عمران ١٤/ ٣]. قال الإمام علي كرم الله وجهه: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد جمعهما الله لأقوام. ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ أي إن أعمال الخير وأفعال الطاعات، كالصلوات والصدقات، والجهاد في سبيل الله، ومساعدة الفقراء، والأذكار أفضل ثوابا، وأعظم قربة عند الله، وأبقى أثرا؛ إذ ثوابها عائد على صاحبها، وخير أملا حيث ينال صاحبها في الآخرة كل ما كان يؤمله في الدنيا. وقال ابن عباس: ﴿الْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وكذلك قال عثمان بن عفان: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 4631

فقه الحياة أو الأحكام: ينبغي أن يعرف الناس ولا سيما المتكبرون الذين طلبوا طرد فقراء المؤمنين مثل الحياة الدنيا، أي شبهها، فهي في عدم استقرارها وعدم استمرارها على حال واحدة كالماء لا يستقر في موضع، ولا يستقيم على حالة واحدة، وهي مثله أيضا في أنها تفنى، وهو يذهب ولا يبقى، وهي كذلك لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها، كما أن من دخل الماء لا بد أن يبتلّ منه، والكفاف من الدنيا ينفع وفضولها يضر، كما أن الماء إذا جاوز المقدار كان ضارّا مهلكا. ورد في صحيح مسلم عن النبي ﵌: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه». والخلاصة: أن هذا المثل يدل على سرعة زوال الدنيا وفنائها. والله وحده هو الباقي المقتدر على كل شيء من الإنشاء والإفناء والإحياء. وكذلك زينة الحياة الدنيا من المال والبنين سريعة الانقضاء والانقراض، والباقيات الصالحات مما يأتي به فقراء المسلمين كسلمان وصهيب من الطاعات أفضل ثوابا عند الله، وأفضل أملا من ذي المال والبنين دون عمل صالح، وليس في زينة الدنيا خير، ولكنه مثل قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان ٢٤/ ٢٥]. واختلف العلماء في الباقيات الصالحات: فقال ابن عباس وآخرون: هي الصلوات الخمس، وروي عنه كما بينا أنها: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» وقال الجمهور: هي الكلمات المأثور فضلها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وذلك مأخوذ من حديث رواه النسائي عن أبي سعيد الخدري. وعن ابن عباس أيضا: أنها كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة، ورجّحه الطبري، وقال القرطبي: وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأن كل ما بقي ثوابه، جاز أن يقال له هذا.

стр. 4632

تسيير الجبال والحشر وعرض صحائف الأعمال يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩)﴾ الإعراب: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: منصوب بفعل مقدر، تقديره: اذكر يوم. ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ ﴿صَفًّا﴾: حال منصوب من واو ﴿عُرِضُوا﴾ وهو عامله، وتقديره: عرضوا مصطفين. ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ﴾ أن: مخففة من الثقيلة، أي أنه. المفردات اللغوية: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾ واذكر يوم نقلع الجبال ونذهب بها عن وجه الأرض، فنجعلها هباء منبثا. ﴿بارِزَةً﴾ ظاهرة، ليس عليها شيء من جبل ولا غيره. ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾ جمعنا المؤمنين والكافرين إلى الموقف، والحشر: الجمع لأجل الحساب، والبعث: إحياؤهم من القبور للحشر. ومجيء هذا الفعل ماضيا بعد المضارع ﴿نُسَيِّرُ﴾ لتحقيق الحشر، أو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير ليعاينوا ويشاهدوا ما وعدوا، وعلى هذا تكون الواو للحال بإضمار: قد ﴿فَلَمْ نُغادِرْ﴾ نترك، يقال: غادره وأغدره: إذا تركه، ومنه الغدر: وهو ترك الوفاء، والغدير: ما غادره السيل.

стр. 4633

﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ تشبيه حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان، لا ليعرفهم، بل ليأمر فيهم. ﴿صَفًّا﴾ مصطفين، كل أمة صف، لا يحجب أحد أحدا. ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ على إضمار القول على وجه يكون حالا، أي قائلا أو عاملا في ﴿يَوْمَ نُسَيِّرُ﴾. ﴿كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي فرادى حفاة عراة، لا شيء معكم من المال والولد، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦]. ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ أي ويقال لمنكري البعث ذلك، و ﴿بَلْ﴾: للخروج من قصة إلى أخرى. ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾ وقتا للبعث والنشور، لا نجاوز الوعد. ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ أي جعل كتاب كل إنسان في يده حين الحساب، في يمينه للمؤمنين وفي شماله للكافرين. ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عند معاينتهم ما فيه من السيئات. ﴿يا وَيْلَتَنا﴾ ﴿يا﴾: للتنبيه، و ﴿وَيْلَتَنا﴾: هلاكنا، وهو مصدر لا فعل له من لفظه، أي يا هلاك أقبل، فهذا أوانك. ﴿صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ من ذنوبنا. ﴿إِلاّ أَحْصاها﴾ عدّها وأثبتها، وهو تعجب منه في ذلك. ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً﴾ مثبتا في كتابهم، أو مسطورا في كتاب كل واحد منهم. ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ لا يتجاوز ما حدّه من الثواب والعقاب، فلا يعاقب أحدا بغير جرم، ولا ينقص من ثواب مؤمن. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى خساسة الدنيا وزوالها، وشرف القيامة ودوامها، وأن التفاخر ليس بالأموال، بل بالعمل الصالح، أردفه بأحوال القيامة، وما فيها من أخطار وأهوال، وتغير معالم الأرض والحشر، والعدل المطلق في رصيد أعمال الناس جميعا بكتب وصحائف شاملة، يتبين منها أن أساس النجاة: هو اتباع ما أمر به الدين، وترك ما نهى عنه. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن أهوال القيامة وما فيها من الأمور العظام وهي: ١ - ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ.﴾. أي واذكر يا محمد حين نذهب بالجبال من أماكنها، ونزيلها، ونبددها كالسحاب هباء منثورا، كما قال تعالى:

стр. 4634

﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ، فَقُلْ: يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠] وقال: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة ٥/ ٥٦ - ٦] وقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾. [المعارج ٨/ ٧٠ - ٩] أي كالصوف المندوف المنفوش. وهذا يدل على تبدل الحال، وتغير الوضع الذي كان في الدنيا، وإزاحة الجبال من مواضعها، وجعلها هباء منتشرا كالسحاب. ٢ - ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ أي وتنظر أيها الإنسان جميع الأرض ظاهرة بادية، ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحدا، بل الخلق كلهم في صعيد واحد، صافون أمام ربهم، لا تخفى عليه خافية. وهذا معنى قوله تعالى في آية نسف الجبال السابقة: ﴿فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً، لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه ١٠٦/ ٢٠ - ١٠٧] أي تصبح الأرض سطحا مستويا، لا ارتفاع فيها ولا انخفاض، ولا جبل ولا وادي. هذان الأمران تسيير الجبال وتسوية الأرض متعلقان بشأن الدنيا. ٣ - ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ أي وجمعنا الأولين والآخرين للحساب وجمعناكم إلى الموقف، فلم نترك منهم أحدا، لا صغيرا ولا كبيرا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩/ ٥٦ - ٥٠] وقال: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣/ ١١]. أخرج الإمام مسلم وغيره عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا (١)، فقلت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض».

стр. 4635

وفي رواية للنسائي: «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه» وهذا الأمر يدل على إثبات الحشر. ٤ - ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا، لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي ويعرض البشر قاطبة أمام الله صفا واحدا، كما قال سبحانه: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢/ ٨٩]. لقد أتيتم إلينا أيها الناس جميعا أحياء، كهيئتكم حين خلقناكم أول مرة في الدنيا، حفاة عراة، لا شيء معكم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى، كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦]. وهذا تقريع لمنكري المعاد، وتوبيخ لهم أمام الناس، وهو إثبات لمبدأ العرض للحساب على الله تعالى، ولهذا قال تعالى مخاطبا لهم: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾ أي بل ظننتم أنه لا لقاء لكم مع الله، وما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أنه كائن. ٥ - ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أي ووضع كتاب الأعمال: أعمال الناس من خير أو شر، صغير أو كبير، فترى العصاة المجرمين خائفين مما فيه من أعمالهم السيئة، وأفعالهم القبيحة. والمراد بالكتاب: الجنس، وهو صحف الأعمال. ﴿وَيَقُولُونَ: يا وَيْلَتَنا، مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ أي ويقول أولئك المجرمون: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمالنا، وما لهذا الكتاب لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا، ولا شاردة ولا واردة إلا أحصاها، أي ضبطها وحفظها، فهو شامل لكل شيء، كما قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ. عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ

стр. 4636

عَتِيدٌ﴾ [ق ١٧/ ٥٠ - ١٨]. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ١٠/ ٨٢ - ١٢]. والآية تدل على إثبات صغائر وكبائر في الذنوب، وهذا متفق عليه بين المسلمين. ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً﴾ أي ووجد الناس ما عملوا مثبتا في كتابهم، من خير أو شر، وقيل: جزاء ما عملوا، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران ٣٠/ ٣] وقال سبحانه: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة ١٣/ ٧٥]. ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ليس في حكم الله أي ظلم لخلقه؛ إذ مبدأ الثواب والعقاب مما يقتضيه العدل الإلهي المطلق، حتى يكافأ المحسن، ويجازى المسيء، بل إنه تعالى بمقتضى رحمته يعفو ويصفح، ويغفر ويرحم، ويعذب من يشاء من خلقه بقدرته وحكمته وعدله، فيخلّد الكفار في نار جهنم، ويعذب العصاة فيها، ثم ينجّيهم منها، وحكمه في كل حال العدل، وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم، فلا يكتب على إنسان ما لم يعمل، ولا يزيد في عقاب المستحق، أو يعذبه بغير جرم. ونحو الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء ٤٠/ ٤]، ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١]. وهذه الآية تبين خاتمة مراحل الحساب بين يدي الله، القائم على مبدأ: أن الجزاء من جنس العمل، وأن صحائف أعمال الناس تشمل الحسنات والسيئات.

стр. 4637

فقه الحياة أو الأحكام: الآيات تبين بداية القيامة ونهاية الحساب، فتبدأ في بيان تغيير معالم الدنيا من تسيير الجبال، أي إزالتها من أماكنها على وجه الأرض، وتسييرها كما يسيّر السحاب، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل ٨٨/ ٢٧] ثم تكسر فتعود إلى الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ وتصبح الأرض بارزة ظاهرة، ليس عليها ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان؛ لاجتثاث ثمارها، وقلع جبالها، وهدم بنيانها. ثم تأتي مرحلة الحشر أي الجمع إلى الموقف، فلا يترك أحد ويجمع جميع المخلوقات في صعيد واحد، للحساب أمام الربّ ﵎. إنهم يعرضون صفا بعد صف، كالصفوف في الصلاة، كل أمة وزمرة صفّ، لا أنهم صف واحد. أخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل أن النبي ﵌ قال: «إن الله ﵎ ينادي يوم القيامة وبصوت رفيع غير فظيع: يا عبادي، أنا الله، لا إله إلا أنا، أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين. يا عبادي، لا خوف عليكم اليوم، ولا أنتم تحزنون، أحضروا حجتكم، ويسّروا جوابا، فإنكم مسئولون محاسبون. يا ملائكتي، أقيموا عبادي صفوفا، على أطراف أنامل أقدامهم للحساب». ويأتي الخلائق من قبورهم لموقف الحساب حفاة عراة، لا مال معهم ولا ولد، كما جاؤوا من بطون أمهاتهم أثناء ولادتهم في الدنيا. وتعرض كتب أعمال العباد وصحائفهم، بما فيها من صغائر وكبائر، قال الأسدي: الصغيرة: ما دون الشرك، والكبيرة: الشرك.

стр. 4638

قال عمر ﵁ لكعب الأحبار: ويحك يا كعب! حدّثنا من حديث الآخرة؛ قال: نعم يا أمير المؤمنين! إذا كان يوم القيامة، رفع اللوح المحفوظ، فلم يبق أحد من الخلائق إلا وهو ينظر إلى عمله، ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال الناس، فتنثر حول العرش، وذلك قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ، فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ.﴾. الآية. ثم يدعى المؤمن، فيعطى كتابه بيمينه، فينظر فيه، فإذا حسناته باديات للناس، وهو يقرأ سيئاته لكيلا يقول: كانت لي حسنات، فلم تذكر، فأحب الله أن يريه عمله كلّه، حتى إذا استنقص ما في الكتاب وجد في آخره ذلك كله أنه مغفور، وأنك من أهل الجنة؛ فعند ذلك يقبل إلى أصحابه ثم يقول: ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة ١٩/ ٦٩ - ٢٠]. ثم يدعى بالكافر، فيعطى كتابه بشماله، ثم يلف، فيجعل من وراء ظهره، ويلوى عنقه؛ فذلك قوله: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق ١٠/ ٨٤] فينظر في كتابه، فإذا سيئاته باديات للناس، وينظر في حسناته، لكيلا يقول: أفأثاب على السيئات؟! (١). قصة السجود لآدم ﵇ ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣)﴾

стр. 4639

الإعراب: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ حال بإضمار قد، واستئناف للتعليل كأنه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن. ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ فاعل ﴿بِئْسَ﴾: مضمر فيها، و ﴿بَدَلاً﴾ تمييز مفسّر لذلك المضمر، أي بئس البدل للظالمين ذرّية إبليس. و ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ فصل بين ﴿بِئْسَ﴾ وما انتصب به، واستدل به المبرّد على جواز الفصل بين فعل التعجب وما انتصب به في نحو قولهم: ما أحسن اليوم زيدا. والمقصود بالذم: ذرية إبليس، وحذف لدلالة الحال عليه. البلاغة: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾؟ الهمزة للإنكار والتعجيب. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ أي اذكر. ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ سجود انحناء، تحية وإكراما له، اعترافا بفضله. وقد تكرر الأمر بالسجود لآدم في مواضع، لكونه مقدمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحال، وهنا لما شنع الله تعالى على المفتخرين بأموالهم واستقبح صنيعهم، قرر أن ذلك من سنن إبليس ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ إذا اعتبر الجن نوعا من الملائكة فالاستثناء متصل، وإلا فهو استثناء منقطع، وإبليس: أبو الجن، فله ذرية، والملائكة لا ذرية لهم. ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ خرج عن طاعة ربه أو عما أمره به ربه، بترك السجود. ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ الخطاب لآدم وذريته، والهاء في الموضعين لإبليس، والذرية: الأولاد أو الأتباع، وسماهم ذرية مجازا. ﴿أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي﴾ تطيعونهم. ﴿عَدُوٌّ﴾ أعداء، والعدو: يطلق على الواحد والجمع. ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ إبليس وذريته في إطاعتهم، بدل إطاعة الله. ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ﴾ أي إبليس وذريته. ﴿وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي لم أحضر بعضهم خلق بعض.

стр. 4640

﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ الشياطين. ﴿عَضُداً﴾ أعوانا، والعضد في الأصل: ما بين المرفق إلى الكتف، ويستعمل بمعنى المعين، كاليد ونحوها، وهو المراد هنا. أي لم أستعن بالشياطين في الخلق، فكيف تطيعونهم؟ وهو رد لاتخاذهم أولياء من دون الله، شركاء له في العبادة، فإن استحقاق العبادة من توابع الخالقية. ووضع ﴿الْمُضِلِّينَ﴾ موضع الضمير ذمّا لهم، واستبعادا للاعتضاد بهم. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ اذكر. ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ الأوثان وغيرها. ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم شركائي أو شفعاؤكم ليمنعوكم من عذابي. وإضافة الشركاء على زعمهم للتوبيخ. ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ فنادوهم للاستغاثة. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ فلم يغيثوهم أو لم يجيبوهم. ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ بين الأوثان وعابديها، أو بين الكفار وآلهتهم. ﴿مَوْبِقاً﴾ مهلكا يشتركون فيه، وهو النار، أو واد من أودية جهنم، يهلكون فيه جميعا، أو حاجزا بينهم. ﴿فَظَنُّوا﴾ فأيقنوا. ﴿أَنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ أي واقعون فيها، وداخلوها. ﴿مَصْرِفاً﴾ معدلا أو مكانا ينصرفون إليه. المناسبة: هناك تشابه بين فعل المشركين سابقا، وافتخارهم بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين، وبين فعل إبليس الذي تكبر على آدم؛ لأنه افتخر بأصله ونسبه، وقال: خلقتني من نار، وخلقته من طين، فأنا أشرف منه في الأصل والنسب، فكيف أسجد وأتواضع له؟ والمشركون قالوا: كيف نجلس مع هؤلاء الفقراء، مع أنّا من أنساب شريفة، وهم من أنساب نازلة، ونحن أغنياء وهم فقراء. وهذه هي طريقة إبليس، فذكرت قصته هنا تنبيها على وجود التشابه، والله تعالى حذر من هذه الطريقة ومن الاقتداء بها. وتكرار قصة إبليس في مواضع من القرآن: إنما هو لما يناسب المقصود، ولما يحقق الفائدة، ففي كل موضع تساق لفائدة مغايرة لما ذكرت في مواضع أخرى. التفسير والبيان: هذا تنبيه لبني آدم على عداوة إبليس لهم، ولأبيهم من قبلهم، وتقريع لمن اتبعه منهم، وخالف خالقه ومولاه، فقال:

стр. 4641

﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ.﴾. أي واذكر لهم يا محمد إذ أمرنا جميع الملائكة بالإلهام أن يسجدوا لآدم سجود تحية وإكرام، تكريما للنوع الإنساني، كما ذكر مرارا في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها: في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ: اُسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ، وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ [٣٤]، ومنها في سورة الحجر: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [٢٨ - ٢٩]، ومنها في سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ: اُسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [٥٠]. وسبب إباء إبليس السجود لآدم: اغتراره بأصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، وخلق آدم من تراب، كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة مرفوعا: «خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم»، وبان من الآية السابقة أن إبليس من الجن، كما بان من آية أخرى أنه خلق من نار، وخلق آدم من طين، كما قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ، وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧٦/ ٣٨]. قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر. ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي أن سبب عصيانه أنه كان من عنصر الجن، فلم يعمل مثل ما عملوا، لذا قال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي فخرج عن طاعة الله، فإن الفسق هو الخروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من أكمامها أو قشرها، ودل هذا على أن فسقه بسبب كونه من الجن أي الشياطين، وشأن الجن التمرد والعصيان، لخبث ذواتهم. والخلاصة: أن قوله تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ كلام مستأنف

стр. 4642

جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين. وقوله: ﴿فَفَسَقَ.﴾. الفاء للتسبيب أيضا، جعل كونه من الجن سببا في فسقه؛ لأنه لو كان ملكا لم يفسق عن أمر ربه؛ لأن الملائكة معصومون، على عكس الجن والإنس. وأما ما ذكر في آية أخرى أنه من الملائكة، فلا يعارض هذه الآية؛ لأنه قد يطلق على الملائكة أنهم جن لاستتارهم عن أعين الناس. ثم عقب الله تعالى على القصة بقوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ؟﴾ أي أنه تعالى يعجب ممن يطيع إبليس وجنده في الكفر والمعاصي، ويحذر من اتباعه بعد ما عرف موقفه من أبيهم آدم، ويوبخ ويقرع من اتّبعه وأطاعه، متخذا له ولجنده ونسله نصراء من دون الله، وبدلا عنه، لذا قال: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ أي بئس البدل للكافرين الظالمين أنفسهم وهو اتخاذ إبليس وذريته أولياء من دون الله، وهو المنعم عليهم. ومما يدل على أن إبليس ليس من الملائكة أنه تعالى أثبت له ذرية ونسلا في هذه الآية، والملائكة ليس لهم ذرية ولا نسل، فوجب ألا يكون إبليس من الملائكة. ثم سلب الله تعالى الولاية عمن دونه من الشركاء والأبالسة، فقال: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ الذي ذهب إليه الأكثرون أن المعنى: ما أشهدت الذين اتخذتموهم أولياء من الشركاء خلق السموات والأرض، ولا أشهدت بعضهم خلق بعض، فهم عبيد أمثالكم لا يملكون شيئا، ولا كانوا موجودين عند خلق السموات والأرض. وهؤلاء الشركاء هم الذين وسوس لكم إبليس في شأنهم، حتى اتخذتموهم شركاء لي.

стр. 4643

ورجح الرازي أن الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للرسول ﵌: إن لم تطرد من مجلسك هؤلاء الفقراء، لم نؤمن بك، فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين اقترحوا هذا الاقتراح الفاسد، ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم (١). ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ أي وما كنت متخذ الضالين المضلين أعوانا وأنصارا، والخطاب للرسول ﵌، والمعنى: وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم، فإنهم إذا لم يكونوا عضدا لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء لي في العبادة؟ ثم يخبر الله تعالى عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رؤوس الأشهاد تقريعا لهم وتوبيخا، فيقول: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ، فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أي واذكر لهم أيها الرسول ما يحدث وقت الاجتماع في يوم الجمع في القيامة، حيث يقول الله للكافرين تأنيبا وتوبيخا: نادوا لنصرتكم من زعمتم أنهم شركائي، لينقذوكم مما أنتم فيه، فدعوهم، فلم يجيبوهم بشيء، ولم ينفعوهم في شيء، كما قال تعالى: ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ، لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ، وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦]. ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً﴾ أي وجعلنا بين المشركين وآلهتهم المزعومة مكانا سحيقا ومهلكا، أي موضعا للهلاك، وهو نار جهنم أو واد في جهنم، وقال ابن عباس: الموبق: الحاجز، وقال ابن الأعرابي: كل شيء حاجز بين شيئين فهو موبق. والمعنى أن الله تعالى بيّن أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين، ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة، بل بينهما مهلك وهول عظيم وأمر كبير.

стр. 4644

﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ، فَظَنُّوا﴾ -والظن هنا بمعنى العلم واليقين- ﴿أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً﴾ أي إذا عاين المشركون النار، تحققوا لا محالة أنهم واقعون فيها، ومخالطوها وداخلون فيها حتما لا محالة، ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً﴾ أي معدلا، والمعنى ليس لهم طريق ولا مكان يعدل بهم عنها، ولا بدّ لهم منها؛ لإحاطتها بهم من كل جانب. ذكر ابن جرير عن أبي سعيد، عن رسول الله ﵌ أنه قال: «إن الكافر ليرى جهنم، فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - كرم الله تعالى أبانا آدم ﵇ والجنس البشري بأجمعه بأمره الملائكة أن تسجد له في بدء الخليقة سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة وتقديس. ٢ - أذعن الملائكة كلهم جميعا لأمر السجود فسجدوا إلا إبليس الذي كان من عنصر الجن أبي السجود وفسق عن أمر ربه وخرج عن طاعة الله تعالى. ٣ - تضمن رفض إبليس السجود عداوته للإنسان، لذا وبخ تعالى كل من اتخذ الشيطان وأتباعه أولياء: أعوانا ونصراء؛ لأنهم أعداء، والعدو لا ينصر من عاداه ولا يؤتمن على نصرته. وكذلك تضمن الرفض التكبر على آدم والترفع عليه، لمّا ادعى أن أصله أشرف من أصل آدم، إذ هو من نار، وآدم من طين، فوجب أن يكون هو أشرف من آدم، فكأنه تعالى قال لأولئك الكافرين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بشرف نسبهم وعلو منصبهم: إنكم في هذا القول اقتديتم بإبليس في تكبره على آدم. لكل ما ذكر بئس عبادة الشيطان بدلا عن عبادة الله، أو بئس إبليس بدلا عن عبادة الله تعالى.

стр. 4645

٤ - قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ يدل على إثبات ذرية إبليس، وهو دليل على أن لإبليس زوجة؛ لأن الذرية لا تكون إلا من زوجة. وقال قوم: ليس له أولاد ولا ذرية، وذرّيته: أعوانه من الشياطين. قال القشيري أبو نصر: والجملة أن الله تعالى أخبر أن لإبليس أتباعا وذرّية، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم، وهم أعداؤهم، ولا يثبت عندنا كيفية في كيفية التوالد منهم، وحدوث الذرية عن إبليس، فيتوقف الأمر فيه على نقل صحيح. والذي ثبت في هذا الموضوع ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن سلمان قال: قال رسول الله ﵌: «لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فبها باض الشيطان وفرّخ» قال القرطبي: وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه، والله أعلم. ٥ - لم يستعن الله تعالى بأحد في خلق السموات والأرض، ولم يكن أحد موجودا عند الخلق، ولم يشهد المشركين وإبليس وذريته الخلق، أي لم يشاورهم في خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم، بل خلقهم على ما أراد، ولا يصلح المخلوقون اتخاذهم أولياء من دون الله تعالى. وهذا رد على طوائف من المنجّمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء وسواهم وكل من يخوض في هذه الأشياء. كذلك لم يتخذ الله تعالى المضلين عضدا، أي لم يتخذ الشياطين والكفار أعوانا؛ لأنه تعالى لا يحتاج إلى عون أحد. وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ. ٦ - هناك حاجز بين المؤمنين والكافرين، وبين المشركين وآلهتهم المزعومة من الأوثان وغيرها يوم القيامة، فلا ينتفع الكفار بمن أشركوا، ولا يتمكنون من منع العذاب عنهم، والكل هالكون في جهنم.

стр. 4646

٧ - إذا عاين المشركون النار ظنوا أي تيقنوا أنهم مجتمعون فيها وواقعون فيها، ولا يجدون عنها مصرفا، أي مهربا؛ لإحاطتها بهم من كل جانب. ورجح الرازي في تفسير الظن: أن هؤلاء الكفار يرون النار من مكان بعيد، فيظنون أنهم مواقعوها في تلك الساعة من غير تأخير ومهلة؛ لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها، كما قال تعالى: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان ١٢/ ٢٥] بيان القرآن ومهمة الرسل وظلم المعرض عن الإيمان وسبب تأخير العذاب لموعد معين ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤) وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩)﴾

стр. 4647

الإعراب: ﴿جَدَلاً﴾ تمييز منقول من اسم ﴿كانَ﴾، والمعنى: وكان جدل الإنسان أكثر شيء فيه. ﴿قُبُلاً﴾ جمع قبيل، حال، أي ويأتيهم العذاب قبيلا قبيلا. وقيل: معناه مقابلة، وهو معنى قراءة ﴿قُبُلاً﴾ -بكسر القاف. ﴿وَما أُنْذِرُوا﴾ ﴿ما﴾: مصدرية بمعنى إنذارهم في موضع نصب عطفا على ﴿آياتِي﴾، أي: واتخذوا آياتي وإنذاري إياهم هزوا. و ﴿هُزُواً﴾: مفعول ثان لاتخذوا. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ موصولة وعائد الصلة محذوف. ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ﴾ ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ، و ﴿الْقُرى﴾: صفة لتلك، و ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾ وقرئ: مهلك، ومهلك، ومهلك، الأول مصدر أهلك مثل مكرم، والثاني مصدر هلك مثل مضرب، والثالث اسم زمان، أي لوقت مهلكهم. البلاغة: ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿صَرَّفْنا﴾ بينا مع الترداد والتكرار. ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ صفة لمحذوف، أي مثلا من جنس كل مثل، ليتعظوا، والمثل: الصفة الغريبة. ﴿الْإِنْسانُ﴾ جنس الإنسان، وخاصة الكافر ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ خصومة بالباطل، وشيء هنا مفرد معناه الجمع، أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدال. ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ﴾ أي كفار مكة ونحوهم. ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ مفعول ثان لمنع. ﴿إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى﴾ القرآن. ﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ فاعل تأتيهم، أي سنتنا فيهم، وهي الإهلاك المقدر عليهم، وهو عذاب الاستئصال، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿قُبُلاً﴾ جمع قبيل، أي أنواعا وألوانا، وقرئ قبلا أي مقابلة وعيانا، كالقتل يوم بدر. ﴿إِلاّ مُبَشِّرِينَ﴾ للمؤمنين. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ مخوفين للكافرين. ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ﴾ بقولهم: أبعث الله بشرا رسولا ونحوه من اقتراح الآيات. ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ليبطلوه ويزيلوه، مأخوذ من إدحاض القدم أي إزلاقها وإزالتها عن مكانها، ويقال: دحضت حجته: بطلت ﴿وَاتَّخَذُوا آياتِي﴾ يعني القرآن. ﴿وَما أُنْذِرُوا﴾ أي وإنذارهم أو والذي أنذروا به من العقاب. ﴿هُزُواً﴾ استهزاء وسخرية، وأصله: هزؤا. ﴿فَأَعْرَضَ عَنْها﴾ فلم يتدبرها ولم يتذكر بها. ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ ما عمل من الكفر

стр. 4648

والمعاصي ولم يتفكر في عاقبتها. ﴿أَكِنَّةً﴾ أغطية، جمع كنان، وهو تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أن يفهموه، أي كراهة أن يفقهوه، أو من أن يفهموا القرآن، أي فلا يفهمونه. وتذكير الضمير وإفراده مراعاة للمعنى. ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً﴾ أي ثقلا في السمع، يمنعهم أن يستمعوه حق استماعه، أو فلا يسمعونه. ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً﴾ أي بالجعل المذكور صار ميئوسا من اهتدائهم؛ لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون، ولشدة تصميمهم، و ﴿إِذاً﴾: جزاء وجواب للرسول ﵌، فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول ﵌، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سببا في انتفائه، و ﴿أَبَداً﴾ مدة التكليف كلها. ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ﴾ في الدنيا. ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ﴾ فيها. ﴿مَوْعِدٌ﴾ هو يوم القيامة. ﴿مَوْئِلاً﴾ ملجأ ومنجى. ﴿وَتِلْكَ الْقُرى﴾ أي أهلها وهي قرى عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم. ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ كفروا كقريش بالتكذيب والمراء وأنواع المعاصي. ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾ هلاكهم، ومن قرأ بضم الميم وفتح اللام فمعناه لإهلاكهم. ﴿مَوْعِداً﴾ وقتا معلوما، لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فليعتبروا بهم، ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى الجواب على شبهات الكفار المبطلين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم، أردف ذلك ببيان كثرة الأمثال في القرآن لمن تدبر فيها، ومع تلك الأمثلة الواقعية والإجابات الشافية، هؤلاء الكفار لا يتركون المجادلة الباطلة؛ لأن الإنسان أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدال، ثم هددهم تعالى على عدم الإيمان متسائلا: هل هناك مانع يمنعهم من الإيمان إلا نزول عذاب الاستئصال، أو مجيئه عيانا؟ وأبان أن مهمة الرسل هي الجدال في الدين من طريق تبشير المؤمنين بالجنان وإنذار العصاة بالنار، وأوضح أن أشد الناس ظلما هو المعرض عن هداية القرآن، ولله الفضل العظيم في تأخير العقاب عن الناس، وتخصيصه بموعد، لا يتجاوزه، لعلهم يثوبون إلى رشدهم. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا.﴾. أي ولقد بينا للناس في هذا القرآن، ووضحنا لهم كل

стр. 4649

ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، كي يعرفوا طريق الحق والهدى، ولا يضلوا عنه. وتصريف الأمثال يقتضي التكرار لمختلف وجوه البيان. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ أي ومع هذا البيان الشافي والتوضيح الكافي، فإن الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هدى الله وبصره لطريق النجاة. وهذا دليل على كثرة الجدال في الإنسان وحبه له، لسعة حيلته، وقوة ذكائه، واختلاف نزعاته وأهوائه. وبالرغم من بيان القرآن، وكثرة ما يشاهده الكفار من الآيات والدلالات الواضحات، فإنهم قوم متمردون منذ القديم، فقال تعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا.﴾. أي وما منع المشركين من أهل مكة من الإيمان بالله، حين شاهدوا البينات والأدلة الواضحة على وجود الله وتوحيده، واستغفار ربهم والتوبة إليه من ذنوبهم إلا طلبهم أحد أمرين: إما أن تأتيهم سنة الأولين القدماء من إحاطة العذاب بهم وإبادتهم وهو عذاب الاستئصال، كما قال جماعة لنبيهم: ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت ٢٩/ ٢٩] وقالت قريش: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]. وإما أن يروا العذاب عيانا مواجهة ومقابلة. والمعنى أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا عند نزول عذاب الاستئصال فيهلكوا، أو أن يتواصل أنواع العذاب والبلاء حال بقائهم في الحياة الدنيا (١).

стр. 4650

وقال في الكشاف: وما منع الناس الإيمان والاستغفار إلا انتظار أن تأتيهم سنة الأولين وهي الإهلاك، أو انتظار أن يأتيهم عذاب الآخرة قبلا أي عيانا (١). ومجيء العذاب بيد الله لا من قبل الرسول، لذا قال تعالى: ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي إن مهمة الرسل إما تبشير من آمن بهم بالثواب على الطاعة، وإما إنذار من كذبهم وخالفهم بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعا. ومع هذه الأحوال يوجد الجدال بالباطل من الكفار لدحض الحق، فقال تعالى مخبرا عنهم: ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي ويجادل الكفار جدالا بالباطل لا بالحق، ليضعفوا بجدالهم الحق، الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم، فهم يقترحون الآيات بعد ظهور المعجزات، ويقولون للرسل: ﴿ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤمنون ٢٤/ ٢٣]. ﴿وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً﴾ أي اتخذوا آيات الله وهي القرآن والحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل، وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب هزوا أي استهزاء وسخرية، وهو أشد التكذيب، وكل ذلك يدل على استيلاء الجهل والقسوة. وبعد أن حكى الله تعالى عن الكفار جدالهم بالباطل، وصفهم بعده بالصفات الموجبة للخزي والخذلان، فقال:

стр. 4651

الصفة الأولى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْها، وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أي لا أحد أظلم ممن أعرض عن آيات الله، ونسي ما قدم من الكفر والمعصية، أو لا ظلم أعظم من كفر من يشاهد الآيات والبينات الدالة على الحق والإيمان، ثم يعرض عنها، ومع إعراضه عن التأمل في الدلائل والبينات يتناسى ما قدمت يده من الأعمال المنكرة والمذاهب الباطلة، وعلى رأسها الكفر بالله، والمراد من النسيان التشاغل والتغافل عن كفره المتقدم. الصفة الثانية: ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ، وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً﴾ أي وعلة إعراضهم ونسيانهم بسبب جعل أغطية وغشاوة على قلوب هؤلاء، لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان، وجعل صمم معنوي في آذانهم عن الرشاد وسماع الحق وتدبره. ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً﴾ أي وإن دعوت يا محمد هؤلاء إلى دعوة الحق والهداية والاستقامة، فلن تجد منهم استجابة، ولن يهتدوا بهديك هدي القرآن أبدا مهما قدمت من الدلائل وتأملت الخير منهم. وذلك كله لفقدهم الاستعداد لقبول الإيمان والرشاد، بما أصروا عليه من الكفر والعصيان، كما جاء في آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿كَلاّ، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤/ ٨٣] وقوله: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة ٧/ ٢]. وهذه الآيات هي في قوم علم الله أنهم سيموتون على الكفر من مشركي مكة. ثم ذكر الله تعالى ما يتصف به من رحمة وحلم وإرجاء للعقاب عن العصاة، وأنه لا يعجل لهم العذاب، تاركا الفرصة لهم ليتوبوا، فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ﴾ أي

стр. 4652

وربك يا محمد غفور ستّار، ذو رحمة واسعة، لو يؤاخذ الناس فورا بما كسبوا من السيئات واقترفوا من الخطيئات، لعجل لهم العذاب في الدنيا، على وفق أعمالهم. والغفور: البليغ المغفرة، فهي صيغة مبالغة، وذو الرحمة: الموصوف بالرحمة. ونظير الآية قوله: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا، ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥/ ٣٥] وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [الرعد ٦/ ١٣]. ثم استشهد تعالى بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلا من غير إمهال، مع إفراطهم في عداوة رسول الله ﵌، فقال: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ أي إن الله أراد غير ذلك من تعجيل العذاب، وجعل للعذاب موعدا حدده وهو إما يوم القيامة، وإما في الدنيا وهو يوم بدر وسائر أيام الفتح، لن يجدوا عنه ملجأ ومنجى، وليس له محيد ولا معدل عنه، والخلاصة: أن تأخير العقاب أو العذاب إمهال لا إهمال. وشاهد آخر: ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا..﴾. أي وتلك القرى، أي أهلها من الأمم الغابرة، كعاد وثمود ومدين وقوم لوط، أهلكناهم لما ظلموا بسبب كفرهم وعنادهم، وجعلنا لهلاكهم موعدا لا محيد عنه، ومدة معلومة لا تزيد ولا تنقص، أي وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم رسولكم، ولستم بأعز علينا منهم. والمهلك: الإهلاك أو وقته، والموعد: وقت أو مصدر. والمراد: إنا عجلنا هلاكهم، ومع ذلك حددنا له وقتا، رجاء أن يتوبوا.

стр. 4653

فقه الحياة أو الأحكام: أوضحت الآيات المبادئ التالية: ١ - بيان القرآن من دلائل الربوبية والوحدانية ومن العبر والقرون الخالية بيان ضاف واف محقق لغاية الاهتداء به على أكمل وجه. ٢ - الإنسان وبخاصة الكافر كثير الجدال والمجادلة لطمس معالم الحق، والإبقاء على ما ارتضاه لنفسه من اتباع الأهواء، وتقليد الأسلاف والآباء، واحتضان الكفر، والاحتفاظ بالزعامة الدنيوية والمكاسب المادية. ٣ - الإنسان قاصر النظر غالبا، فما منع الناس بعد مجيء القرآن والإسلام ومحمد ﵊ عن الإيمان واستغفار ربهم والإنابة إليه إلا معاينة أحد الأمرين: الإتيان بما هو عادة الأولين في عذاب الاستئصال، ومعاينة العذاب، كما طلب المشركون فعلا، وقالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]. أو مجيء العذاب عيانا مواجهة. ٤ - إن مجيء العذاب بيد الله وحده على وفق ما يرى من الحكمة والعدل، وأما الأنبياء المرسلون فمهمتهم التبشير بالجنة لمن آمن، والتخويف بالعذاب لمن كفر، ومع كل هذه الدلائل الهادية إلى الرشاد يجادل الكفار بالباطل لدحض الحق وهو الإيمان بالله وبقرآنه، والإبقاء على مهازل الكفر وأباطيله، واتخاذ القرآن وما أنذروا به من الوعيد هزوا أي لعبا وباطلا. ٥ - لا أحد أظلم ممن وعظ بآيات ربه، فتهاون بها وأعرض عن قبولها، وترك كفره ومعاصيه، فلم يتب منها، فالنسيان بمعنى الترك. ٦ - علم الله من قوم معينين من أهل مكة ونحوهم أنهم لم يؤمنوا، فأخبر

стр. 4654

تعالى عنهم أنه منعهم من دخول الإيمان في قلوبهم وأسماعهم، فلن تفلح معهم بعدئذ دعوة النبي ﵌ إلى الإيمان، ولن يهتدوا أبدا إليه، لإصرارهم على الكفر، وفقدهم الاستعداد لقبول الهداية. ٧ - من صفات الله تعالى أنه الغفور لذنوب عباده، الرحيم بهم إن آمنوا وتابوا وأنابوا إليه، بدليل قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤]. ومن رحمته ألا يعجل المؤاخذة أو العقاب على الكفر والمعاصي، ولكنه يمهل ويؤخر، رجاء أن يتوب العباد، ويجعل للعذاب موعدا أي أجلا مقدرا يؤخرون إليه، كما قال: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام ٦٧/ ٦] وقال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد ٣٨/ ١٣] أي إذا حلّ لم يتأخر عنهم، إما في الدنيا وإما في الآخرة، ولا ملجأ ولا منجى للناس حينئذ من ذلك العذاب. ٨ - أهلك الله تعالى جماعة من أهل القرى الغابرة للعبرة والزجر نحو قرى عاد وثمود ومدين وقوم لوط، لما ظلموا وكفروا، وجعل لهلاكهم وقتا معلوما وأجلا محددا لا يتجاوزوه. قصة موسى ﵇ مع الخضر ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً (٦٥) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠) فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤)﴾

стр. 4655

الإعراب: ﴿سَرَباً﴾ مفعول ثان (لاتخذ) ومفعوله الأول ﴿سَبِيلَهُ﴾. ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أن وصلتها في موضع نصب على البدل من هاء ﴿أَنْسانِيهُ﴾ أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان، وهو بدل اشتمال. ﴿عَجَباً﴾ مفعول ثان لاتخذ. ﴿قَصَصاً﴾ منصوب على المصدر بفعل مقدّر، دل عليه ﴿فَارْتَدّا﴾ أي فارتدا يقصان الأثر قصصا. ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ مفعول ثان. ﴿عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ حال من كاف ﴿أَتَّبِعُكَ﴾. ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ ما: اسم موصول بمعنى الذي، و ﴿عُلِّمْتَ﴾: جملة فعليه صلة «ما» والعائد محذوف تقديره: من الذي علّمته رشدا، فحذف الهاء وهي المفعول الثاني لعلّمت تخفيفا، و ﴿رُشْداً﴾: المفعول الثاني لتعلّمني.

стр. 4656

﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ ﴿كَيْفَ﴾: في موضع نصب على الظرف، وعامله ﴿تَصْبِرُ﴾ و ﴿خُبْراً﴾: منصوب على المصدر بفعل دل عليه. ﴿ما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وتقديره: ما لم تخبره خبرا. البلاغة: ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا﴾ تنكير. ﴿عَبْداً﴾ للتفخيم، والإضافة في ﴿عِبادِنا﴾ للتشريف. ﴿حُقُباً﴾ ﴿سَرَباً﴾ ﴿نَصَباً﴾ ﴿عَجَباً﴾ سجع يناسب أواخر الآيات. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ واذكر حين قال موسى بن عمران نبي بني إسرائيل لفتاه يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف ﵈ الذي كان يتبعه ويخدمه ويتعلم منه. ﴿لا أَبْرَحُ﴾ لا أزال سائرا. ﴿حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ حتى أصل ملتقى بحري فارس والروم (ملتقى المحيط الهندي والبحر الأحمر عند مصيق باب المندب) مما يلي المشرق. وقيل: إنه ملتقى بحر الروم والمحيط الأطلسي عند طنجة (ملتقى البحر الأبيض المتوسط عند مضيق جبل طارق أمام طنجة). ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ دهرا طويلا في بلوغه إن بعد، والحقب: جمع حقبة وهو زمان من الدهر غير محدود، قيل: ثمانون سنة، وقيل: سبعون. ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ مكان الاجتماع بين البحرين. ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ نسي يوشع حمله عند الرحيل، ونسي موسى تذكيره. ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكا، مثل السرب: وهو الشق الطويل لا نفاد له، فصار الماء عليه كالقنطرة، قيل: أمسك الله جرية الماء على الحوت، فصار كالطافي عليه. ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ ذلك المكان بالسير إلى وقت الغداء من اليوم الثاني. ﴿قالَ﴾ موسى. ﴿لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا﴾ الغداء: هو ما يؤكل أول النهار، والمراد به هنا: الحوت. ﴿نَصَباً﴾ تعبا وإعياء. ﴿قالَ: أَرَأَيْتَ﴾ أي تنبّه. ﴿إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ أي أرأيت ما دهاني، إذ لجأنا إلى الصخرة بذلك المكان، التي رقد عندها موسى. ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ فقدته أو نسيت ذكره. ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان، وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه. ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ أي اتخذ الحوت طريقا عجبا أي يتعجب منه موسى وفتاه.

стр. 4657

﴿قالَ: ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ قال موسى: ذلك أي فقد الحوت هو الذي كنا نطلبه، فإنه علامة لنا على وجود من نطلبه. ﴿فَارْتَدّا﴾ رجعا. ﴿عَلى آثارِهِما﴾ أي على طريقهما الذي جاءا منه. ﴿قَصَصاً﴾ أي يقصان الطريق قصصا، أي يتبعان آثارهما اتباعا، أو مقتصين، حتى أتيا الصخرة. ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا﴾ هو في رأي الجمهور الخضر، واسمه بليا بن ملكان. ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي ولاية، في رأي أكثر العلماء، وقيل: وحيا ونبوة. ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ من قبلنا معلوما من المغيبات. ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ على شرط أن تعلّمني. ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ أي تعلمني بعض ما علمت علما ذا رشد، أو صوابا أرشد به، والرشد: إصابة الخير. ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه، فيما بعث به من أصول الدين وفروعه، لا مطلقا. وقد راعى موسى في ذلك الطلب للتعلم غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه، واستأذن أن يكون تابعا للعبد الصالح، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه؛ لأن الزيادة في العلم مطلوبة. ﴿ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ علما بالشيء ومعرفة، ومنه الخبير: العالم بدقائق العلم، والمعنى: ما لم تخبر حقيقته. ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ أي وغير عاص لك أمرا تأمرني به، وقيد الوعد على الصبر بالمشيئة؛ لأنه لم يكن على ثقة من نفسه فيما التزم، وهي عادة الأنبياء ألا يثقوا بأنفسهم طرفة عين. وفيه دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى. ﴿فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ تنكره مني في علمك، أي فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني، ولم تعلم وجه صحته. ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ بيانا، أي حتى أبتدئك ببيانه، وأذكره لك بعلته، فقبل موسى شرطه، رعاية لأدب المتعلم مع العالم. ﴿فَانْطَلَقا﴾ يمشيان على ساحل البحر. ﴿رَكِبا فِي السَّفِينَةِ﴾ التي مرت بهما. ﴿خَرَقَها﴾ ثقبها الخضر، بأن اقتلع لوحا أو لوحين منها من جهة البحر بفأس، حينما سارت في ثبج البحر ولججه. ﴿قالَ: أَخَرَقْتَها﴾ قال له موسى: ﴿أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها؟﴾ فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها، المفضي إلى غرق أهلها. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ أتيت أمرا عظيما منكرا، من أمر الأمر، أي عظم وكثر، روي أن الماء لم يدخلها. ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ بالذي نسيته أو بشيء نسيته، يعني وصيته بأن لا يعترض عليه، وهو اعتذار بالنسيان، أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها. ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ لا تكلفني عسرا ومشقة، في صحبتي إياك، أي عاملني بالعفو واليسر.

стр. 4658

﴿فَانْطَلَقا﴾ بعد خروجهما من السفينة يمشيان ﴿حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً﴾ لم يبلغ الحنث، يلعب مع الصبيان، وكان أحسنهم وجها ﴿فَقَتَلَهُ﴾ الخضر، إما بالذبح بالسكين، أو باقتلاع رأسه بيده بفتل عنقه، أو الضرب برأسه الحائط، أقوال مروية. وأتى بالفاء العاطفة هنا للدلالة على أنه لما لقيه قتله من غير تروّ واستكشاف حال ﴿قالَ: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؟ أي قال موسى مستنكرا-وهو جواب إذا-كيف تقتل نفسا طاهرة من الذنوب، لم تبلغ حد التكليف، وقرئ ﴿زَكِيَّةً، بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي بغير حق من قصاص لك عليها ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ أي لقد ارتكبت شيئا منكرا، والمنكر: الذي تنكره العقول والنفوس. المناسبة: بعد أن ذكر الله قصة أصحاب الكهف لإثبات قدرته على البعث، وذكر أمثلة ثلاثة لتقرير حقيقة أن الحق والعزة والعلو لا ترتبط بكثرة المال والسلطان، وإنما بالعقيدة والإيمان، ليدرك تلك الحقيقة المشركون الذين افتخروا على فقراء المؤمنين، وأبوا مجالستهم، بعد هذا أردف الله تعالى بقصة ثانية هي قصة موسى مع الخضر، ليتعلم منه العلم، وذلك ليفهم المشركون أن موسى النبي كليم الله مع كثرة علمه وعمله، أمر أن يتعلم من العبد الصالح الخضر، مما يدل على أن التواضع خير من الكبر. قصة موسى والخضر في السنة النبوية: روى البخاري ومسلم عن أبي بن كعب ﵁ عن رسول الله ﵌ أنه قال: «إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل، أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه، إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى: يا ربّ، فكيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا، فتجعله في مكتل (قفة) فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ، فانطلق موسى، ومعه فتاه-يوشع بن نون-حتى إذا أتيا الصخرة، وضعا رؤوسهما، فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه، فسقط في البحر ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾.

стр. 4659

وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ، نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: ﴿آتِنا غَداءَنا، لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ -قال: ولم يجد موسى النّصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به-فقال فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾. قال: فكان للحوت سربا، ولموسى وفتاه عجبا، فقال موسى: ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ، فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً﴾ قال: رجعا يقصان آثارهما، حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا هو مسجّى بثوب، فسلّم عليه موسى، فقال الخضر، وأنى بأرضك السلام (١)! من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علّمت رشدا ﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾. يا موسى، إني على علم من علم الله، لا تعلمه، علّمنيه، وأنت على علم من علم الله علّمكه، لا أعلمه، فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ فقال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾. فانطلقا يمشيان على الساحل، فمرت سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نول-أي أجر-فلما ركبا السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدّوم، فقال له موسى: قوم قد حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَها، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾. وقال رسول الله ﵌: وكانت الأولى من موسى نسيانا، وجاء عصفور، فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك

стр. 4660

من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ قال سفيان: وهذه أشدّ من الأولى. ﴿قالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها، فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فقال الخضر بيده هكذا-أي أشار بيده-فأقامه، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ قال الخضر: ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾. قال رسول الله ﵌: «يرحم الله موسى، لوددت أنه كان صبر، حتى يقص الله علينا من أخبارهما». التفسير والبيان: هذه هي القصة الثالثة التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة بعد قصة أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين والأموال، وهي تلتقي أيضا مع ما ذكره الله تعالى من تشبيه الحياة الدنيا بماء السماء، وتفاخر الناس بالمال والبنين، كما تلتقي معهما في نبذ الافتخار والتكبر والتعالي على الآخرين، ليكون ذلك درسا بليغا وعظة لرؤساء قريش الذين طلبوا تخصيص مجلس لهم، وطرد الفقراء والمستضعفين من الجلوس معهم في مجلس النبي ﵌ أنفة وكبرياء واستعلاء، فقال تعالى:
следующие страницы →