← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ ﴿كَيْفَ﴾: في موضع نصب على الظرف، وعامله ﴿تَصْبِرُ﴾ و ﴿خُبْراً﴾: منصوب على المصدر بفعل دل عليه. ﴿ما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وتقديره: ما لم تخبره خبرا. البلاغة: ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا﴾ تنكير. ﴿عَبْداً﴾ للتفخيم، والإضافة في ﴿عِبادِنا﴾ للتشريف. ﴿حُقُباً﴾ ﴿سَرَباً﴾ ﴿نَصَباً﴾ ﴿عَجَباً﴾ سجع يناسب أواخر الآيات. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ واذكر حين قال موسى بن عمران نبي بني إسرائيل لفتاه يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف ﵈ الذي كان يتبعه ويخدمه ويتعلم منه. ﴿لا أَبْرَحُ﴾ لا أزال سائرا. ﴿حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ حتى أصل ملتقى بحري فارس والروم (ملتقى المحيط الهندي والبحر الأحمر عند مصيق باب المندب) مما يلي المشرق. وقيل: إنه ملتقى بحر الروم والمحيط الأطلسي عند طنجة (ملتقى البحر الأبيض المتوسط عند مضيق جبل طارق أمام طنجة). ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ دهرا طويلا في بلوغه إن بعد، والحقب: جمع حقبة وهو زمان من الدهر غير محدود، قيل: ثمانون سنة، وقيل: سبعون. ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ مكان الاجتماع بين البحرين. ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ نسي يوشع حمله عند الرحيل، ونسي موسى تذكيره. ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكا، مثل السرب: وهو الشق الطويل لا نفاد له، فصار الماء عليه كالقنطرة، قيل: أمسك الله جرية الماء على الحوت، فصار كالطافي عليه. ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ ذلك المكان بالسير إلى وقت الغداء من اليوم الثاني. ﴿قالَ﴾ موسى. ﴿لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا﴾ الغداء: هو ما يؤكل أول النهار، والمراد به هنا: الحوت. ﴿نَصَباً﴾ تعبا وإعياء. ﴿قالَ: أَرَأَيْتَ﴾ أي تنبّه. ﴿إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ أي أرأيت ما دهاني، إذ لجأنا إلى الصخرة بذلك المكان، التي رقد عندها موسى. ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ فقدته أو نسيت ذكره. ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان، وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه. ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ أي اتخذ الحوت طريقا عجبا أي يتعجب منه موسى وفتاه.

стр. 4657

﴿قالَ: ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ قال موسى: ذلك أي فقد الحوت هو الذي كنا نطلبه، فإنه علامة لنا على وجود من نطلبه. ﴿فَارْتَدّا﴾ رجعا. ﴿عَلى آثارِهِما﴾ أي على طريقهما الذي جاءا منه. ﴿قَصَصاً﴾ أي يقصان الطريق قصصا، أي يتبعان آثارهما اتباعا، أو مقتصين، حتى أتيا الصخرة. ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا﴾ هو في رأي الجمهور الخضر، واسمه بليا بن ملكان. ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي ولاية، في رأي أكثر العلماء، وقيل: وحيا ونبوة. ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ من قبلنا معلوما من المغيبات. ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ على شرط أن تعلّمني. ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ أي تعلمني بعض ما علمت علما ذا رشد، أو صوابا أرشد به، والرشد: إصابة الخير. ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه، فيما بعث به من أصول الدين وفروعه، لا مطلقا. وقد راعى موسى في ذلك الطلب للتعلم غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه، واستأذن أن يكون تابعا للعبد الصالح، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه؛ لأن الزيادة في العلم مطلوبة. ﴿ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ علما بالشيء ومعرفة، ومنه الخبير: العالم بدقائق العلم، والمعنى: ما لم تخبر حقيقته. ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ أي وغير عاص لك أمرا تأمرني به، وقيد الوعد على الصبر بالمشيئة؛ لأنه لم يكن على ثقة من نفسه فيما التزم، وهي عادة الأنبياء ألا يثقوا بأنفسهم طرفة عين. وفيه دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى. ﴿فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ تنكره مني في علمك، أي فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني، ولم تعلم وجه صحته. ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ بيانا، أي حتى أبتدئك ببيانه، وأذكره لك بعلته، فقبل موسى شرطه، رعاية لأدب المتعلم مع العالم. ﴿فَانْطَلَقا﴾ يمشيان على ساحل البحر. ﴿رَكِبا فِي السَّفِينَةِ﴾ التي مرت بهما. ﴿خَرَقَها﴾ ثقبها الخضر، بأن اقتلع لوحا أو لوحين منها من جهة البحر بفأس، حينما سارت في ثبج البحر ولججه. ﴿قالَ: أَخَرَقْتَها﴾ قال له موسى: ﴿أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها؟﴾ فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها، المفضي إلى غرق أهلها. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ أتيت أمرا عظيما منكرا، من أمر الأمر، أي عظم وكثر، روي أن الماء لم يدخلها. ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ بالذي نسيته أو بشيء نسيته، يعني وصيته بأن لا يعترض عليه، وهو اعتذار بالنسيان، أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها. ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ لا تكلفني عسرا ومشقة، في صحبتي إياك، أي عاملني بالعفو واليسر.

стр. 4658

﴿فَانْطَلَقا﴾ بعد خروجهما من السفينة يمشيان ﴿حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً﴾ لم يبلغ الحنث، يلعب مع الصبيان، وكان أحسنهم وجها ﴿فَقَتَلَهُ﴾ الخضر، إما بالذبح بالسكين، أو باقتلاع رأسه بيده بفتل عنقه، أو الضرب برأسه الحائط، أقوال مروية. وأتى بالفاء العاطفة هنا للدلالة على أنه لما لقيه قتله من غير تروّ واستكشاف حال ﴿قالَ: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؟ أي قال موسى مستنكرا-وهو جواب إذا-كيف تقتل نفسا طاهرة من الذنوب، لم تبلغ حد التكليف، وقرئ ﴿زَكِيَّةً، بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي بغير حق من قصاص لك عليها ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ أي لقد ارتكبت شيئا منكرا، والمنكر: الذي تنكره العقول والنفوس. المناسبة: بعد أن ذكر الله قصة أصحاب الكهف لإثبات قدرته على البعث، وذكر أمثلة ثلاثة لتقرير حقيقة أن الحق والعزة والعلو لا ترتبط بكثرة المال والسلطان، وإنما بالعقيدة والإيمان، ليدرك تلك الحقيقة المشركون الذين افتخروا على فقراء المؤمنين، وأبوا مجالستهم، بعد هذا أردف الله تعالى بقصة ثانية هي قصة موسى مع الخضر، ليتعلم منه العلم، وذلك ليفهم المشركون أن موسى النبي كليم الله مع كثرة علمه وعمله، أمر أن يتعلم من العبد الصالح الخضر، مما يدل على أن التواضع خير من الكبر. قصة موسى والخضر في السنة النبوية: روى البخاري ومسلم عن أبي بن كعب ﵁ عن رسول الله ﵌ أنه قال: «إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل، أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه، إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى: يا ربّ، فكيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا، فتجعله في مكتل (قفة) فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ، فانطلق موسى، ومعه فتاه-يوشع بن نون-حتى إذا أتيا الصخرة، وضعا رؤوسهما، فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه، فسقط في البحر ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾.

стр. 4659

وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ، نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: ﴿آتِنا غَداءَنا، لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ -قال: ولم يجد موسى النّصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به-فقال فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾. قال: فكان للحوت سربا، ولموسى وفتاه عجبا، فقال موسى: ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ، فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً﴾ قال: رجعا يقصان آثارهما، حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا هو مسجّى بثوب، فسلّم عليه موسى، فقال الخضر، وأنى بأرضك السلام (١)! من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علّمت رشدا ﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾. يا موسى، إني على علم من علم الله، لا تعلمه، علّمنيه، وأنت على علم من علم الله علّمكه، لا أعلمه، فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ فقال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾. فانطلقا يمشيان على الساحل، فمرت سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نول-أي أجر-فلما ركبا السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدّوم، فقال له موسى: قوم قد حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَها، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾. وقال رسول الله ﵌: وكانت الأولى من موسى نسيانا، وجاء عصفور، فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك

стр. 4660

من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ قال سفيان: وهذه أشدّ من الأولى. ﴿قالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها، فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فقال الخضر بيده هكذا-أي أشار بيده-فأقامه، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ قال الخضر: ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾. قال رسول الله ﵌: «يرحم الله موسى، لوددت أنه كان صبر، حتى يقص الله علينا من أخبارهما». التفسير والبيان: هذه هي القصة الثالثة التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة بعد قصة أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين والأموال، وهي تلتقي أيضا مع ما ذكره الله تعالى من تشبيه الحياة الدنيا بماء السماء، وتفاخر الناس بالمال والبنين، كما تلتقي معهما في نبذ الافتخار والتكبر والتعالي على الآخرين، ليكون ذلك درسا بليغا وعظة لرؤساء قريش الذين طلبوا تخصيص مجلس لهم، وطرد الفقراء والمستضعفين من الجلوس معهم في مجلس النبي ﵌ أنفة وكبرياء واستعلاء، فقال تعالى:

стр. 4661

﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ..﴾. أي واذكر أيها النبي حين قال موسى لفتاه لا أزال سائرا حتى أصل إلى المكان الذي فيه مجمع البحرين، ولو أني أسير حقبا أي دهرا من الزمان. والحقب: ثمانون أو سبعون سنة، والمراد: زمان غير محدود من الدهر. والمقصود بموسى في رأي أكثر العلماء هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة. وفتاه: هو يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف ﵇، وقد كان خادما لموسى، ويسمى الخادم فتى في لغة العرب. و ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: هو مكان اجتماع البحرين وصيرورتهما بحرا واحدا، وهما في رأي الأكثرين بحر فارس والروم، أي ملتقى البحر الأحمر بالمحيط الهندي عند باب المندب، وقيل: إنه ملتقى بحر الروم والمحيط الأطلنطي، أي ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي عند مضيق جبل طارق عند طنجة. وهو المكان الذي وعد فيه موسى بلقاء الخضر. ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ أي فلما وصلا مجمع البحرين مكان اللقاء مع العبد الصالح، نسيا حوتهما، فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكا، وغطاه الماء، حتى صار كالقنطرة عليه، وكان ذلك للحوت سربا، ولموسى وفتاه عجبا. ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا، لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ أي فلما تجاوز موسى وفتاه يوشع مجمع البحرين حيث نسيا الحوت فيه، وسارا بقية اليوم والليلة، وفي اليوم التالي في ضحوة الغد أحس موسى بالجوع، فقال لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا تعبا من ذلك السفر.

стр. 4662

وذلك أن موسى كان قد أمر بحمل حوت مملّح معه، وذكر له أن عبدا من عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الرحيل إليه، وقيل له: متى فقدت الحوت فهو ثمة، وسار هو وفتاه، حتى بلغا مجمع البحرين، وكان الحوت في مكتل (قفة) مع يوشع ﵇، فسقط في البحر، وجعل يسير في الماء. وعودة الحياة للحوت بعد موته كانت معجزة لموسى ﵇، علامة على مكان وجود الخضر. والخضر: هو لقب العبد الصالح الذي أمر موسى بالتعلم منه، واسمه بليا بن ملكان، والأصح أنه لم يكن نبيا. ﴿قالَ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾. أي قال له فتاه: أرأيت (١) أي أخبرني ما وقع لي حين لجأنا إلى الصخرة في مجمع البحرين؟ فإني نسيت أن أخبرك بما حدث من أمر الحوت، فإنه قد اضطرب وعاد حيا ووقع في البحر، وما أنساني ذكر ذلك إلا الشيطان، واتخذ الحوت مسلكه في البحر عجبا. والمراد بالنسيان: اشتغال قلب الإنسان بوساوس الشيطان التي هي من فعله. ﴿قالَ: ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أي قال موسى: هذا هو الذي نطلب؛ لأنه أمارة الفوز بما نقصد. ﴿فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً﴾ أي رجعا على طريقهما يقصان آثار مشيهما،

стр. 4663

ويقفوان آثرهما. قال البقاعي: إن هذا يدل على أن الأرض كانت رملا لا علامة عليها. ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً، قالَ لَهُ مُوسى: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ أي وجد موسى وفتاه عند الصخرة في مجمع البحرين حين عادا إليها عبدا صالحا من عباد الله، قال الأكثرون: إن ذلك العبد هو الخضر، وكان مسجى بثوب أبيض، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنّى بأرضك السلام؟! وقوله: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ يدل على أن تلك العلوم حصلت له من عند الله من غير وساطة. فقال: أنا موسى، قال: موسى بن إسرائيل؟ قال: نعم، قال: هل أصحبك وأرافقك لتعلمني مما علمك الله شيئا أسترشد به في أمري من علم نافع وعمل صالح؟ وهذا سؤال تلطف وأدب، لا إلزام فيه ولا إجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم. فأجابه الخضر: ﴿قالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي قال الخضر لموسى: إنك لن تقدر على مصاحبتي، ولن تطيق صبرا ما تراه مني؛ لأني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله، علمكه لا أعلمه، وكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، فلا تقدر على صحبتي. ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ أي وأؤكد لك أنك لن تصبر على شيء تراه مني، ولم تطلع على حكمته ومصلحته الباطنة وحقيقة أمره التي اطلعت أنا عليها دونك. فقوله: ﴿خُبْراً﴾ أي لم يحط به خبرك، ولم تلمّ بوجه الحكمة فيه وطريق الصواب. ﴿قالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ أي قال موسى: ستجدني بمشيئة الله صابرا على ما أرى من أمورك، ولا أخالفك في شيء.

стр. 4664

﴿قالَ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أي قال الخضر شارطا على موسى بقوله: إن سرت معي، فلا تسألني عن أمر يحدث، حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني. قصة السفينة: ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ أي فانطلق موسى وصاحبه مع الخضر، انطلقا يمشيان على ساحل البحر، يطلبان سفينة، فمرت بهما سفينة، فكلّما أصحابها أن يركبا فيها معهم، فعرفوا الخضر، فحملوهما بغير أجر، تكرمة للخضر، فلما ركبوا وسارت بهم السفينة في وسط البحر، قام الخضر بخرقها بفأس، مستخرجا لوحا من ألواحها، ثم رقعها. ﴿قالَ: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ أي لم يتمالك موسى ﵇ نفسه وقال منكرا عليه: أخرقتها لتغرق (١) أهلها، أي ليصير الخرق سببا في إغراق أهلها، لقد جئت شيئا عظيما منكرا. ﴿قالَ: أَلَمْ أَقُلْ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي قال الخضر لموسى: ألم أقل سابقا لك يا موسى: إنك لن تتمكن من الصبر معي على ما ترى مني من أفعال. ﴿قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ، وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي اعتذر موسى للخضر قائلا: لا تؤاخذني بنسياني، أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة، ولا تكلفني أمرا شاقا عسيرا علي، أي لا تعسر علي متابعتك، ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة.

стр. 4665

قصة الغلام: ﴿فَانْطَلَقا، حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ﴾ أي ثم خرجا من السفينة، وسارا يمشيان على الساحل، فأبصر الخضر غلاما-وهذا يشمل الشاب البالغ-يلعب مع الغلمان، فقتله بفتل عنقه أو بضرب رأسه بالحائط، أو بغير ذلك، فقال موسى: أتقتل نفسا طاهرة من الذنوب، طيبة لم تخطئ، بغير قتل نفس أي بغير قصاص؟ وخص موسى هذه الحالة من مبيحات القتل؛ لأنها أكثر وقوعا. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ أي لقد أتيت شيئا منكرا. والنكر في حال القتل أعظم قبحا من الإمر في حال خرق السفينة؛ لأن قتل النفس أعظم جرما من خرق السفينة؛ إذ قد لا يحصل الغرق. فقه الحياة أو الأحكام: هذه رحلة موسى بن عمران نبي بني إسرائيل مع فتاه يوشع ﵉ للقاء العبد الصالح وهو الخضر ﵇، لتعليمه التواضع في العلم، وأنه وإن كان نبيا مرسلا، فقد يكون بعض العباد أعلم منه. وفي هذا من الفقه: رحلة العالم لطلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء، وإن بعدت أقطارهم، كما كان دأب السلف الصالح. ونفع هذه القصة بوجه خاص في الرد على الكفار الذين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار: هو أن موسى ﵇، مع كثرة علمه وعمله وعلو منصبه، ذهب إلى الخضر، لطلب العلم مع التواضع له، وذلك يدل على أن التواضع خير من التكبر. ونفع هذه القصة مع قصة أصحاب الكهف: هو أن اليهود قالوا لكفار

стр. 4666

مكة: إن أخبركم محمّد ﵌ عن هذه القصة فهو نبي، وإلا فلا، مع أنه لا يلزم من كونه نبيا من عند الله تعالى أن يكون عالما بجميع القصص والوقائع، كذلك لم يمنع كون موسى ﵇ نبيا صادقا من عند الله أن يأمره الله بالذهاب إلى الخضر، ليتعلم منه. ودل قوله: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾ على تعليم الناس اتخاذ الزاد في الأسفار، ولا يتنافى ذلك مع التوكل على الله تعالى، فهذا موسى نبي الله وكليمه قد اتخذ الزاد، مع معرفته بربه، وتوكله على رب العباد. وكان انقلاب الحوت حيا معجزة لموسى ﵇، وعلامة على مكان وجود العبد الصالح، لذا قال موسى فرحا لما أخبره فتاه بالأمر: ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أي قال موسى لفتاه: أمر الحوت وفقده هو الذي كنا نطلب، فإن الرجل الذي جئنا إليه موجود هناك. والعبد الصالح على الصحيح هو الخضر، وهو نبي في رأي جماعة كثيرين بدليل ما يأتي (١): ١ - أنه تعالى قال: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ والرحمة هي النبوة؛ لقوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف ٣٢/ ٤٣] وقوله: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص ٨٦/ ٢٨]. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ وهذا يقتضي أنه تعالى علمه لا بواسطة معلم، ولا إرشاد مرشد، وكل من علمه الله لا بواسطة البشر، وجب أن يكون نبيا يعلم الأمور بالوحي من الله تعالى.

стр. 4667

٣ - قال موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ والنبي لا يتبع غير النبي في التعليم. والراجح أن الخضر لم يكن نبيا وإنما هو عبد صالح كما قرر علماء الكلام (التوحيد). والاستدلال بهذه الأدلة ضعيف، أما الدليل الأول: فلا يلزم أن يكون كل رحمة نبوة، فرحمة الله تعالى وسعت كل شيء. وأما الدليل الثاني: إن العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله، وذلك لا يدل على النبوة. وأما الدليل الثالث: فلا مانع يمنع النبي من اتباع غير النبي في العلوم التي لا تتعلق بالنبوة. ودل قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ على أن المتعلم تبع للعالم، وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل منه؛ لأن الفضل لمن فضله الله، فإن كان الخضر وليا فموسى أفضل منه، وإن كان نبيا فموسى فضله الله بالرسالة. ولقد كان موسى ﵇ محقا في إنكاره على العبد الصالح؛ لأن الأنبياء لا يقرّون على منكر، ولا يجوز لهم التقرير، لذا علّق صبره على ما يحدث من أمر في المستقبل على مشيئة الله، وأنه لا يدري كيف يكون حاله، لا أنه عزم الصبر على المعصية. وقد ذكر الرازي في قول موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ أنواعا كثيرة من الأدب واللطف عند ما أراد أن يتعلم من الخضر، ذكر منها اثني عشر نوعا، منها: أنه جعل نفسه تبعا له، واستأذن في هذه التبعية، وأقر على نفسي بالجهل بقوله ﴿تُعَلِّمَنِ﴾ وعلى أستاذه بالعلم، وصرح بأنه يطلب الإرشاد والهداية. وكان قول الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أي حتى أكون أنا الذي أفسره لك، تأديبا وإرشادا لما يقتضي دوام

стр. 4668

الصحبة، فلو صبر ودأب لرأى العجب، لكنه أكثر الاعتراض، فتعين الفراق. وفي خرق السفينة دليل على أن للولي أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صلاحا، كأن يخاف ظالما على ما يملكه، فيخرّب بعضه. وقال أبو يوسف: يجوز للولي أن يصانع السلطان ببعض مال اليتيم عن البعض. وفي قول موسى ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ ما يدل على أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف، ولا يتعلق به حكم طلاق ولا غيره، ولو نسي مرة ثانية له أن يعتذر أيضا. وقتل النفس أشد من خرق السفينة، لذا قال موسى في القتل: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ وقال في الخرق ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ والنكر أعظم قبحا من الإمر، كما تقدم. وكان عتاب الخضر في المرة الثانية أشد، لقوله ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ وزيادة ﴿لَكَ﴾ لزيادة التأنيب والتقريع على عدم الصبر في المرة الثانية. ويأتي تمام القصة وما يستنبط منها في الجزء التالي بمشيئة الله. تم هذا الجزء ولله الحمد

стр. 4669

تتمة قصة موسى مع الخضر ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢)﴾ الإعراب: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ قرئ ﴿لاتَّخَذْتَ﴾ بالتشديد، وبالتخفيف. ﴿لاتَّخَذْتَ﴾. وأدخل اللام على الفعل الذي هو جواب ﴿لَوْ﴾. ﴿مِنْ لَدُنِّي﴾ بالتشديد والتخفيف. وكذا ﴿أَنْ يُبْدِلَهُما﴾ بالتشديد والتخفيف.

стр. 4670

﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ إضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع. والإضافة في ﴿بَيْنِكَ﴾ إضافة بين إلى غير متعدد: سوغها تكراره بالعطف بالواو. ﴿غَصْباً﴾ منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ ﴿زَكاةً﴾ ﴿رُحْماً﴾ منصوبان على التمييز. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ مفعول لأجله. البلاغة: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ﴾ ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ﴾ لف ونشر مرتب بعد ذكر ركوب السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار. ﴿كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي صالحة، لدلالة ﴿أَعِيبَها﴾ عليه، وكذا ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ﴾ حذف منه لفظ الكافر، لدلالة قوله تعالى: ﴿فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾. ﴿أَبَواهُ﴾ أي أبوه وأمه، بطريق التغليب. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ استعارة؛ لأن الإرادة من صفات العقلاء، وإسنادها إلى الجدار استعارة ومجاز. ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ و ﴿فَأَرَدْنا﴾ و ﴿فَأَرادَ رَبُّكَ﴾: أسند ما ظاهره شر لنفسه، وأسند الخير إلى الله تعالى، على سبيل الأدب مع الله تعالى. المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ.﴾. زاد ﴿لَكَ﴾ هنا على ما تقدم لعدم العذر بعد التنبيه، ووسما له بقلة الثبات والصبر، مع سبق التذكير أول مرة، فاحتاج إلى الإنكار عليه بما هو أشد مرة ثانية ﴿عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أي إن سألت صحبتك بعد هذه المرة ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾، أي لا تجعلني صاحبا ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ أي قد وجدت عذرا من قبلي، لما خالفتك ثلاث مرات، في مفارقتك لي. ﴿أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ هي أنطاكية، كما روي عن ابن عباس، أو الأبلّة: أبلة بصرة، أو الناصرة، والواقع لا دليل يوثق به على صحة تعيين القرية. ﴿اِسْتَطْعَما أَهْلَها﴾ طلبا منهم الطعام بضيافة ﴿أَنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أي ينزلوهما أضيافا، مأخوذ من ضيّفه وقرئ: ﴿يُضَيِّفُوهُما﴾ مأخوذ من أضافه، أي أنزله ضيفا. ﴿جِداراً﴾ حائطا ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ يداني أو يقرب أن يسقط لميلانه، فاستعيرت

стр. 4671

الإرادة للمشارفة، كما أستعير لها الهم والعزم ﴿فَأَقامَهُ﴾ الخضر بعمارته، أو بعمود عمده به، وقيل: مسحه بيده فقام كما روي عن ابن عباس، وقيل: نقضه وبناه، وهو الشائع. ﴿لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ جعلا، حيث لم يضيفونا، مع حاجتنا إلى الطعام، وهو تحريض على أخذ الجعل للارتفاق والانتعاش به، وتعريض بأنه فضول واشتغال بما لا يعنيه. ﴿قالَ: هذا فِراقُ﴾ أي قال له الخضر: هذا وقت الفراق بيني وبينك ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ قبل فراقي لك ﴿لِمَساكِينَ﴾ عشرة ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ يعملون بها مؤاجرة لها، طلبا للكسب ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أمامهم الآن، أو خلفهم إذا رجعوا عليه، وكان رجوعهم عليه، واسمه: جلندي بن كركر، أو منوار بن جلندي الأزدي، وهو ملك كافر ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صالحة ﴿غَصْباً﴾ من أصحابها، منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ. ﴿أَنْ يُرْهِقَهُما﴾ أن يغشاهما ﴿طُغْياناً وَكُفْراً﴾ لنعمتهما بعقوقه، فيلحقهما شرا، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر، أو يصيبهما بالعدوى فيرتدا بإضلاله، جاء في حديث مسلم: «طبع كافرا، ولو عاش لأرهقهما ذلك، لمحبتهما له، يتبعانه في ذلك» قيل: اسم المقتول: خيسور. ﴿خَيْراً مِنْهُ زَكاةً﴾ أي صلاحا وتقى ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ أقرب منه رحمة، وهي البر بوالديه، فأبدلهما تعالى فتاة تزوجت نبيا، فولدت نبيا، فهدى الله تعالى به أمة. ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ الكنز: المال المدفون من ذهب وفضة ﴿وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً﴾ كان أبو الغلامين تقيا صالحا، فأكرمهما الله بصلاحه في أنفسهما ومالهما. قيل: كان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، واسمه كاشح ﴿أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما﴾ أي إيناس الرشد، وكمال الرأي، قيل: اسمهما: أصرم وصريم ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي مرحومين من ربك، وهو مفعول لأجله، عامله: أراد ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي ما فعلت ما ذكر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، باختياري، بل بأمر إلهام من الله ﴿ما لَمْ تَسْطِعْ﴾، أي تستطع، يقال: اسطاع واستطاع بمعنى أطاق، فجمع بين اللغتين. المناسبة: الكلام واضح الصلة بما قبله، فهو في قصة موسى ﵇ مع الخضر الذي خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى النبي، كما أنه تعالى أعطى موسى بن العلم ما لم يعلّمه الخضر. وهذا أي قتل الغلام هو الحادث الثاني بعد خرق السفينة الذي

стр. 4672

اختبر فيه الخضر صبر موسى، ولم يصبر؛ لمخالفته ظاهر شريعته؛ لأن القتل لا يكون إلا لأجل القصاص بالنفس، مع أنه قد يكون لسبب آخر. التفسير والبيان: ﴿قالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي قال الخضر لموسى الذي خالف الشرط: ألم أخبرك أنك لا تتمكن من احتمال ما أفعله، ولن تسكت على ما أقوم به. ويلاحظ أنه زاد هنا لفظ ﴿لَكَ﴾ على ما سبق؛ لأن سبب العتاب أوضح وأقوى بعد التذكير المتقدم، وتكرر المخالفة من موسى للعهد أو الشرط الذي التزمه، وإن كان قتل الغلام الوضيء الجميل الحسن الذي كان يلعب مع الغلمان في قرية أعظم جرما وأقبح من خرق السفينة، لذا قال موسى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ والنكر أعظم من (الإمر) في القبح. وهذا إشارة إلى أن قتل الغلام أقبح من خرق السفينة؛ لأن إتلاف النفس أخطر من إتلاف المال. فاعتذر موسى ﵇ بقوله: ﴿قالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ أي قال موسى للخضر: إن اعترضت على شيء يحدث بعد هذا الفعل، أو هذه المرة، فلا تجعلني صاحبا لك، قد أعذرت إلي مرة بعد مرة، حيث أكون قد خالفتك إلى الآن مرتين. وهذا كلام نادم شديد الندامة. روى ابن جرير عن أبيّ بن كعب قال: كان النبي ﵌ إذا ذكر أحدا، فدعا له، بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب، ولكنه قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها، فَلا تُصاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾».

стр. 4673

والحادث الثالث هو: ﴿فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أي فانطلق الخضر وموسى يمشيان بعد المرتين الأوليين، حتى إذا وصلا إلى قرية، طلبا من أهلها إطعامهما وسد جوعتهما، فرفضوا ذلك وأبوا أن يعطوهما ما هو حق واجب عليهم من الضيافة. وهذا إخلال بالمروءة، واتصاف بالبخل والشح، وتلك القرية هي أنطاكية. ﴿فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ﴾ أي وجد الخضر وموسى في تلك القرية حائطا آيلا إلى السقوط، فردّه الخضر كما كان، جاء في الحديث الصحيح: أنه مسحه بيده فإذا هو قد استقام. وهذا من كراماته. وإسناد الإرادة هنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة كما تقدم، فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل، والانقضاض: هو السقوط، والأول من أفعال العقلاء والثاني من خواص الجمادات ونحوها. فعند ذلك قال موسى للخضر: ﴿قالَ: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ أي قال موسى للخضر: ليتك تطلب أجرة على إقامة الجدار وإصلاحه، فإنه نظرا لأنهم لم يضيفونا، كان ينبغي ألا تعمل لهم مجانا، فأجابه الخضر: ﴿قالَ: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ أي قال الخضر لموسى ﵉: هذا الإنكار أو الاعتراض المتكرر سبب الفراق بيننا أو المفرّق بيننا، بحسب الشرط الذي قبلته على نفسك، فقد قلت بعد قتل الغلام: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها، فَلا تُصاحِبْنِي﴾. وسأخبرك بتفسير وبيان وجه الأفعال التي أنكرتها، ولم تطق صبرا عليها، وهي خرق السفينة،

стр. 4674

وقتل الغلام، وإقامة الجدار. وهذا عتاب ولوم على عدم الصبر. ثم ذكر الخضر سبب ما أقدم عليه من الأمور الثلاثة: ١ - ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها، وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ أي إن السفينة التي خرقتها لأعيبها، فكانت مملوكة لضعفاء أيتام ليس لهم شيء ينتفعون به غيرها، ولا يقدرون على دفع من أراد ظلمهم، وكانوا يكرون تلك السفينة لركاب البحر، ويأخذون الأجرة، فأردت بخرقها ونزع لوح منها أن أعيبها؛ لأنه كان أمامهم ملك جبار ظالم يستولي على كل سفينة صالحة غير معيبة، ويغتصبها ظلما وعدوانا دون وجه حق، فكان عملي حماية لهذه السفينة لأصحابها الضعفاء، فأنا لم أعمل سوءا، وإنما ارتكبت أخف الضررين لدفع أعظمهما. روى ابن جريج عن شعيب الجبائي: «أن اسم ذلك الملك هدد بن بدد» وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق. ويلاحظ أن المراد بقوله ﴿وَراءَهُمْ﴾ أمامهم، كقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية ١٠/ ٤٥] وقوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الدهر ٢٧/ ٧٦]. ٢ - ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ، فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ أي وأما الولد الغلام الذي قتلته، وكان اسمه شمعون أو حيثور أو حيسون، فإنه كان كافرا، وقد أطلعني الله على مستقبله، وكان أبواه مؤمنين، فخشينا إذا صار كبيرا أن يحملهما حبه على متابعته في الكفر والوقوع في الظلم والعصيان والمنكرات؛ لأن حب الولد غريزة. وهذا من قبيل سد الذرائع وفتحها، فإن كل ما كان وسيلة إلى المصلحة فهو مصلحة. قال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي

стр. 4675

لكان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. وصح في الحديث: «لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له» وقال تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦/ ٢]. ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ أي قال الخضر العالم: فأردنا أن يرزقهما الله بدل هذا الولد ولدا خيرا منه دينا وصلاحا وطهارة من الذنوب، وأقرب رحمة لوالديه، وعطفا عليهما، وبرا بهما وشفقة عليهما. ويلاحظ أن الغلام يشمل البالغ والصغير، ويرى الجمهور أن هذا الغلام لم يكن بالغا، لذا قال موسى: نفسا زكية أي لم تذنب. وقال الكلبي: كان بالغا. ٣ - ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ، وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً، فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي وأما الحائط الذي أصلحته، فكان لولدين صغيرين يتيمين في قرية هي أنطاكية، وكان تحته كنز، أي مال جسيم مدفون، وكان أبوهما وهو الأب السابع رجلا صالحا، فأراد الله إبقاء ذلك الكنز (وكان مالا) مدفونا حفظا لمالهما، ولصلاح أبيهما، فأمرني ربي بإصلاح ذلك الحائط، إذ لو سقط لاكتشف وأخذ، وأراد الله أن يبلغ الغلامان كمالهما وتمام نموهما، ويستخرجا الكنز من ذلك الموضع الذي عليه الجدار، رحمة لهما، بصلاح أبيهما. والمراد بالمدينة هي القرية المذكورة سابقا: ﴿حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وهو دليل على إطلاق القرية على المدينة. والظاهر أن الغلامين كانا صغيرين بقرينة وصفهما باليتم، وقد قال ﵊ فيما رواه أبو داود عن علي: «لا يتم بعد احتلام». ويلاحظ أنه هنا أسند الإرادة إلى الله تعالى؛ لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله. وأما في السفينة، فأسند الفعل إلى الخضر العالم، فقال تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ كما أن الأدب يقضي إسناد الخير إلى الله، والشر إلى العباد.

стр. 4676

﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ أي إن ما فعلته من الأمور الثلاثة لم يكن باجتهادي ورأيي، ولكنه بأمر الله وإلهامه ووحيه، فالإقدام على ذلك كله من الاعتداء على المال والنفس وإصلاح الجدار، وهو لا يكون إلا بالوحي والنص القاطع. وذلك المذكور هو تفسير ما ضاق صبرك عنه، ولم تطق السكوت عنه، ولم تصبر حتى أبيّن لك السبب والحكمة فيه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن الأحداث الثلاثة التي فعلها الخضر كانت من قبيل اختيار أهون الشرين، وأخف الضررين، وتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، وهو معنى قوله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، فهي وإن كانت مستنكرة في الظاهر، وحقّ لموسى ﵇ إنكارها والاعتراض عليها، فهي خير في الحقيقة والواقع، وذلك لا يتسنى لأحد ادعاؤه بغير وحي صريح، وأحكام العالم والنبي في غير حال الوحي تنبني على ظواهر الأمور، وفي حال الوحي تنبني على الأسباب الحقيقية الواقعية. والوحي لا يحصل إلا لنبي أو رسول، والجمهور كما تقدم على أن الخضر كان نبيا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا﴾ يدل على نبوته؛ لأن بواطن الأفعال لا تكون إلا بوحي؛ ولأن الإنسان لا يتعلم ولا يتّبع إلا من فوقه، وليس فوق النبي من ليس بنبي. ويرى آخرون أن الخضر لم يكن نبيا، وقد يوجد في المفضول ما ليس في الفاضل. قال بعض العلماء: ولا يجوز أن يقال: كان نبيا؛ لأن إثبات النبوة

стр. 4677

لا يجوز بأخبار الآحاد، وهذا هو المحقق في كتب العقائد، والمراد بقوله: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ الإلهام وليس الوحي. ٢ - إن ترك الضيافة المندوبة شرعا من المستقبح عرفا وعقلا وشرعا، وقد تصبح أمرا واجبا في حال تعرض الجائع للهلاك، ولعل موسى والخضر ﵉ كانا في حالة جوع شديد، وإن لم يبلغا حد الهلاك، مما سوغ الغضب الشديد لدى موسى. ٣ - قوله تعالى: ﴿اِسْتَطْعَما أَهْلَها﴾ دليل على جواز سؤال القوت، وأن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يسد جوعه، والاستطعام: سؤال الطعام، والمراد به هنا سؤال الضيافة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ فاستحق أهل القرية لذلك أن يذمّوا، وينسبوا إلى اللوم والبخل، كما وصفهم بذلك نبينا ﵊. قال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقه. ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت عليهم واجبة، وأن الخضر وموسى إنما سألا ما وجب لهما من الضيافة. وهذا هو الأليق بحال الأنبياء، ومنصب الفضلاء والأولياء. ٤ - إن ضرر المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على إقامة جدار أقل من سقوطه؛ لأنه لو سقط لضاع مال تلك الأيتام، وفيه ضرر شديد. وتسوية الجدار تمت بإعادة بنائه، ذكر ابن الأنباري عن ابن عباس عن أبي بكر عن رسول الله ﵌ أنه «قرأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِداراً، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ثم قال: فهدمه ثم قعد يبنيه» وهذا الحديث صحيح السند؛ جار مجرى التفسير للقرآن. وقال سعيد بن جبير: مسحه بيده وأقامه، فقام. قال القرطبي: وهذا القول هو الصحيح، وهو الأشبه بفعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل والأولياء.

стр. 4678

٥ - واجب على الإنسان ألا يتعرض للجلوس تحت جدار مائل يخاف سقوطه، بل يسرع في المشي إذا كان مارّا عليه؛ لقوله ﵊: «إذا مرّ أحدكم بطربال (١) مائل، فليسرع المشي» ذكره ابن الأثير في النهاية. ٦ - كرامات الأولياء ثابتة، بدليل الأخبار الثابتة والآيات المتواترة، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد أو الفاسق الحائد، فالآيات: مثل ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف، والصيفية في الشتاء، وما ظهر على يدها حيث أمرت النخلة وكانت يابسة فأثمرت، وهي ليست بنبية، ومثل ما ظهر على يد الخضر ﵇ من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، وهذا على رأي من قال: إنه ليس نبيا. ٧ - هل يجوز أن يعلم الوليّ أنه ولي أو لا؟ قولان للعلماء: أحدهما-أنه لا يجوز، وأن ما يظهر على يديه يجب أن يلاحظه بحذر وحيطة، لأنه لا يأمن أن يكون استدراجا له، ولأنه لو علم أنه وليّ، لزال عنه الخوف من الله، وحصل له الأمن من عذابه، ومن شرط الولي أن يستديم الخوف إلى أن تتنزل عليه الملائكة، كما قال : ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصّلت ٣٠/ ٤١] ولأن الولي: من كان مختوما له بالسعادة، والعواقب مستورة، ولا يدري أحد ما يختم له به؛ ولهذا قال ﵊ فيما رواه الأصبهاني عن ابن عباس: «وإنما الأعمال بخواتيمها». القول الثاني-أنه يجوز أن يعلم أنه ولي؛ إذ لا خلاف أنه يجوز لغيره أن يعلم أنه وليّ الله تعالى، فجاز له أن يعلم ذلك، وقد أخبر النبي ﵌ عن حال العشرة المبشرين بالجنة من أصحابه: أنهم من أهل الجنة، ولم يكن في ذلك زوال خوفهم، بل كانوا أكثر تعظيما لله تعالى، وأشد خوفا وهيبة، فغيرهم مثلهم.

стр. 4679

٨ - لا ينكر أن يكون للولي مال وضيعة (عقارات) يصون بها وجهه وعياله، وحسبك بالصحابة وأموالهم، مع ولايتهم وفضلهم، وهم الحجة على غيرهم. وأما حديث الترمذي عن ابن مسعود: «لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا» فمحمول على من اتخذها مستكثرا أو متنعما ومتمتعا بزهرتها، وأما من اتخذها معاشا يصون بها دينه وعياله، فاتخاذها بهذه النية من أفضل الأعمال، وهي من أفضل الأموال؛ قال ﵊ فيما رواه أحمد وابن منيع عن عمرو بن العاص: «نعم المال الصالح للرجل الصالح». ٩ - تمّ خرق السفينة وتعييبها لحفظها لأصحابها المساكين (المحتاجين المتعيشين بها في البحر) من اغتصاب ملك ظالم عات لكل سفينة صالحة، وقد احتج الشافعي بهذه الآية على أن حال الفقير في الضر والحاجة أشد من حال المسكين؛ لأنه تعالى سمّاهم مساكين، مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة. ١٠ - حدث قتل الغلام بسبب كفره حتى لا يتأثر به أبواه، ويميلا إلى دينه، بسبب محبتهما الفطرية له، وقد أبدلهما الله خيرا منه زكاة، أي دينا وصلاحا، وأقرب رحما، أي أقرب رحمة وعطفا وشفقة عليهما. ١١ - إن صلاح الآباء يفيد الأبناء حتى الجيل السابع؛ لأن أب الغلامين كان هو الأب السابع، كما قال جعفر بن محمد. وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذريته، وعلى هذا يدل قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ، وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ [الأعراف ١٩٦/ ٧]. ١٢ - قوله تعالى: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ يقتضي أن الخضر نبي، وقال جماعة: لم يكن نبيا، وهو الأصح. واسم الخضر: إيليا بن ملكان بن قالغ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكنيته أبو العباس، وكان أبوه ملكا. وأمه كانت بنت فارس، واسمها ألمى، ولدته في مغارة.

стр. 4680

وذهب الجمهور إلى أن الخضر مات؛ لقوله ﵊: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» (١). وقالت فرقة: إنه حي؛ لأنه شرب من عين الحياة، وأنه باق في الأرض، وأنه يحج البيت. قيل: إن الخضر لما ذهب يفارق موسى قال له موسى: أوصني، قال: كن بسّاما ولا تكن ضحّاكا، ودع اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تعب على الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك يا ابن عمران. ١٣ - لا تثبت الأحكام الشرعية إلا بالوحي أو برؤيا الأنبياء، ولا يصح القول بأن الأحكام تثبت للأولياء بالإلهام في قلوبهم، وما يغلب عليهم من خواطر، لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، وفتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم، واستدلوا بحديث رواه البخاري في التاريخ عن وابصة: «استفت نفسك وإن أفتاك المفتون». قال أبو العباس المالكي: وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع؛ فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته، بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم لمبلغون عنه رسالته وكلامه، المبيّنون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك، وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ، إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج ٧٥/ ٢٢] وقال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦]

стр. 4681

وقال تعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣/ ٢] إلى غير ذلك من الآيات. وقال القرطبي: وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي، واليقين الضروري، وإجماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل، فمن قال: إن هناك طريقا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يستغني عن الرسل فهو كافر، يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب. ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا ﵊؛ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول. وبيان ذلك: أن من قال: يأخذ عن قلبه، وأن ما يقع فيه هو حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، فإن هذا نحو مما قاله رسول الله ﵊: «إن روح القدس نفث في روعي» (١). ١٤ - لهذه القصة فوائد أدبية رفيعة مجملها: أن يكون المرء متواضعا غير معجب بعلمه، وأن يلتزم بعهده، فلا ينقضه ويعترض على ما لم يعرف سره، وألا يتعجل النبي ﵌ بطلب إنزال العقوبة بالمشركين الذين كذبوه وأنكروا رسالته واستهزءوا به وبكتابه، فهم معاقبون هالكون في الدنيا والآخرة. وتتكرر حوادث القصة مع مرور الزمان، فلا يعترض الإنسان على موت غلام صغير، فقد يكون موته خيرا له ولوالديه، كما أن وقائع الموت المتكررة رحمة بالمجتمع، فلو لم يمت كبار السن وغيرهم لضاقت الأرض بالمواليد المتجددة يوميا. وخرق السفينة يذكرنا بتسلط الظلمة على أموال الضعفاء، وهدم الجدار وإقامته لون من ألوان توفير الثروة المنتظرة ليتيم أو ضعيف من الإله الرحيم

стр. 4682

بعباده الضعفاء، وفيه مقابلة الإساءة بالإحسان، فإن أهل القرية الذين أبوا الضيافة قابلهم الخضر بحسن الصنيع، وهذه سمة الأنبياء والأولياء المقربين من ربهم. وكل هذه الوقائع من فعل الله تعالى، وما الخضر وأمثاله إلا وسطاء بين الناس لتنفيذ أمر الله تعالى. قصة ذي القرنين ويأجوج ومأجوج ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ اُنْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اِسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩)﴾

стр. 4683

الإعراب: ﴿مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي كيف شاء، فحذف المفعول به. ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾: ﴿تَغْرُبُ﴾ جملة فعلية، حال من هاء ﴿وَجَدَها﴾ ووجدها: بمعنى أصابها. وليست هنا بمعنى علم، فلو كانت كذلك، لكانت الجملة مفعولا ثانيا لوجد؛ لأن (وجد) بمعنى (علم) تتعدى إلى مفعولين. ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ..﴾. أن وصلتها: إما في موضع نصب بفعل مقدر، كقوله تعالى: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ [محمد ٤/ ٤٧] وإما على تقدير مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: إما العذاب واقع منك فيهم، وإما اتخاذ أمر ذي حسن واقع فيهم، فحذف الخبر لطول الكلام بالصلة. ﴿فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى﴾ ﴿جَزاءً﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال، والعامل فيه: له، أي ثبتت الحسنى له جزاء. وقيل: تمييز منصوب. ومن قرأ بالرفع: (جزاء) جعله مبتدأ، وله: خبره، أي فله جزاء الخصال الحسنى، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. و ﴿الْحُسْنى﴾ مضاف إليه مجرور. ويجوز جعله بدلا مرفوعا من ﴿جَزاءً﴾ والأصل فيه التنوين، وحذفه لالتقاء الساكنين، كما حذف التنوين من ﴿أَحَدٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص ١/ ١١٢ - ٢] وقرئ: (جزاء) بالنصب من غير تنوين. ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ ﴿قَوْلاً﴾ مفعول به. وقرئ يفقهون أي يفقهون الناس قولا، فحذف المفعول الأول، وبقي ﴿قَوْلاً﴾ المفعول الثاني، ويجوز حذف أحد المفعولين؛ لأن هذا فعل متعد.

стр. 4684

﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ منصوب بأفرغ عند البصريين لا ب ﴿آتُونِي﴾ لأن ﴿أُفْرِغْ﴾ أقرب من ﴿آتُونِي﴾ فكان إعماله أولى؛ لأن القرب له أثر في قوة العمل. وذهب الكوفيون إلى أن العامل فيه ﴿آتُونِي﴾. ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ بمعنى استطاعوا. ﴿قالَ: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ إنما قال: هذا، ولم يقل: هذه؛ لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي، والتأنيث غير الحقيقي يجوز فيه التذكير، ولأن الرحمة بمعنى الغفران، فذكّره حملا على المعنى، والتذكير بالحمل على المعنى كثير في كلام العرب. البلاغة: ﴿مَطْلِعَ﴾ و ﴿مَغْرِبَ﴾ بينهما طباق. ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً﴾ تشبيه بليغ، أي كالنار في الحرارة وشدة الاحمرار، حذفت أداة الشبه ووجه التشبيه. ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ استعارة تبعية في الفعل ﴿يَمُوجُ﴾ شبههم لكثرتهم وتداخل بعضهم في بعض، بموج البحر المتلاطم. ﴿أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى﴾ بينهما مقابلة. المفردات اللغوية: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ أي اليهود أو مشركو مكة. ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ قيل في رأي ضعيف: هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني، وقيل: الرومي، ملك فارس والروم، وقيل: ملك المشرق والمغرب، لكن الإسكندر كافر، والأصح أنه رجل صالح حكم الدنيا غير الإسكندر، وهو على التحقيق الملك الفارسي الصالح «قورش» ولذلك سمي ذا القرنين، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها، وقيل: كان له قرنان، أي ضفيرتان، وقيل: كان لتاجه قرنان، ويحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته، ومع الاتفاق على إيمانه وصلاحه، لم يكن على الأصح نبيا. ﴿سَأَتْلُوا﴾ سأقص. ﴿عَلَيْكُمْ مِنْهُ﴾ من حاله. ﴿ذِكْراً﴾ خبرا مذكورا، وهو القرآن. قيل: ملك الدنيا. مؤمنان: سليمان وذو القرنين، وكافران: نمروذ وبختنصر. ﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ سهلنا له السير فيها وجعلناه قادرا على التصرف فيها كيف شاء. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه. ﴿سَبَباً﴾ طريقا يوصله إلى مراده من علم أو قدرة أو إرادة. ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ طريقا نحو الغرب، أي فأراد بلوغ المغرب، فاتبع سببا يوصله إليه. ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ موضع غروبها. ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي ذات حمأة، وهي الطين الأسود، وغروبها في

стр. 4685

العين الحمئة هو في مجرد رأي العين، وإلا فهي أعظم من الدنيا وأكبر، كما هو معروف. ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها﴾ عند تلك العين الحمئة. ﴿قَوْماً﴾ كافرين. ﴿قُلْنا: يا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ أي ألهمناه بين أن يعذبهم أو يدعوهم إلى الإيمان. ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ القوم بالقتل على كفرهم. ﴿وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ أي أمرا ذا حسن بالإرشاد وتعليم الشرائع، وقيل: خيّر بين القتل والأسر. ﴿قالَ﴾ أي ذو القرنين مختارا الدعوة. ﴿أَمّا مَنْ ظَلَمَ﴾ بالشرك والإصرار على الكفر. ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ نقتله. ﴿نُكْراً﴾ أي منكرا فظيعا، أو شديدا في النار. ﴿فَلَهُ﴾ في الدارين. ﴿الْحُسْنى﴾ أي الجنة، أو المثوبة وهو مبتدأ، خبره ﴿فَلَهُ﴾ وجزاء: حال أي مجزيا بها، ومن قرأ: فله جزاء الحسنى، فالإضافة للبيان أي المثوبة الحسنى. ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً﴾ اليسر: السهل الميسر غير الشاق، أي نأمره بما يسهل عليه. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ نحو المشرق. ﴿مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ موضع طلوعها. ﴿تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ﴾ هم الزنج. ﴿مِنْ دُونِها﴾ من دون الشمس. ﴿سِتْراً﴾ من اللباس أو البناء أو السقف؛ لأن أرضهم لا تتحمل الأبنية، ولهم سروب يغيبون فيها عند طلوع الشمس، ويظهرون عند ارتفاعها. ﴿كَذلِكَ﴾ أي إن أمر ذي القرنين كما وصفنا من بلوغه المشرق والمغرب. ﴿وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً﴾ أي وقد اطلعنا علما على ما عند ذي القرنين من الآيات والجند وغيرهما، مما يتعلق بظواهره وخفاياه، والمراد أن كثرة ذلك بلغت مبلغا لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير. ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب، آخذا من الجنوب إلى الشمال. ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بين الجبلين المبني بينهما سدة، وهما جبلا أرمينية وأذربيجان، وقيل: جبلان منيفان في أواخر الشمال في منقطع بلاد الترك، من ورائهما يأجوج ومأجوج. ﴿مِنْ دُونِهِما﴾ أمامهما. ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ يفهمون قولا إلا بعد بط ء، أي لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لتلعثمهم. ﴿قالُوا﴾ أي مترجموهم. ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ هما اسمان أعجميان لقبيلتين، فهما ممنوعان من الصرف، وهما قبيلتان من ولد يافث بن نوح. يأجوج: هم التتر، ومأجوج: هم المغول، وأصلهما من أب واحد يسمى ترك وكانوا يسكنون الجزء الشمالي من آسيا، وتمتد بلادهم من التبت والصين إلى المحيط المتجمد الشمالي، وتنتهي غربا ببلاد التركستان. ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي في أرضنا بالنهب والبغي والقتل والتخريب عند خروجهم إلينا، قيل: كانوا يخرجون في الربيع، فلا يتركون أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه. وقيل: كانوا يأكلون الناس، والأصح أن يأجوج ومأجوج قوم جبارون أشداء، يمر أوائلهم على بحيرة طبرية، يبعثهم الله في عهد نزول عيسى، كما جاء في صحيح مسلم وشرحه للنووي ٦٨/ ١٨. ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ جعلا من المال نتبرع به من أموالنا، وقرئ: (خراجا) والخراج: ما لزم أداؤه. ﴿سَدًّا﴾ حاجزا، فلا يصلون إلينا. ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ من المال

стр. 4686

وغيره. ﴿خَيْرٌ﴾ من الخرج الذي تجعلونه لي، فلا حاجة بي إليه، وأجعل لكم السد تبرعا. ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي بما يتقوى به على المقصود من الآلات والناس التي أطلبها منكم. ﴿رَدْماً﴾ أي حاجزا حصينا، وهو أكبر من السد وأوثق. ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ قطعه، جمع زبرة كغرفة، وهي القطعة العظيمة أو الكبيرة التي يبنى بها، فبنى بها وجعل بينها الحطب والفحم. ﴿حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي حتى إذا جعل ما بين جانبي الجبلين من البنيان مساويا لهما في العلو، والصدفان: واحدها صدف وهو جانب الجبل. ﴿قالَ﴾ للعمال. ﴿اُنْفُخُوا﴾ بالكيران في زبر الحديد التي وضعت بين الصدفين، فنفخوا. ﴿حَتّى إِذا جَعَلَهُ﴾ أي الحديد. ﴿ناراً﴾ كالنار اشتغالا وتوهجا. ﴿قالَ: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ نحاسا مذابا، أي صبّ النحاس المذاب على الحديد المحمي، فالتصق بعضه ببعض، وسد فجوات الحديد، وصار جبلا صلدا وشيئا واحدا. ﴿فَمَا اسْطاعُوا﴾ أي يأجوج ومأجوج. ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أن يعلوه بالصعود لارتفاعه وملاسته. ﴿وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ خرقا لصلابته وسمكه. ﴿قالَ: هذا﴾ قال ذو القرنين: هذا السد، أي بناؤه وتسويته. ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي أثر رحمة أو نعمة على عباده؛ لأنه مانع من خروجهم. ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ وقت وعده بقيام الساعة، أو وقت خروج يأجوج ومأجوج من وراء السد. ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ أو دكا مدكوكا مبسوطا مسوى بالأرض. أطلق المصدر وأريد اسم المفعول، ودكه: بهدمه منهم أو من غيرهم. ﴿وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أي وكان وعد ربي بخروجهم وغيره كائنا لا محالة. ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الضمير عائد إلى يأجوج ومأجوج. ﴿يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ أي وجعلنا بعض يأجوج ومأجوج حين يخرجون مما وراء السد، يموجون، بعضهم في بعض، ويختلطون مع بعضهم لكثرتهم، مزدحمين في البلاد. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ أي القرن لقيام الساعة أو البعث. ﴿فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ أي جمعنا الخلائق في مكان واحد يوم القيامة للحساب والجزاء. المناسبة: سبق لدينا عند بيان سبب نزول قصة أصحاب الكهف، أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله ﵌ عن قصة أصحاب الكهف، وعن قصة ذي القرنين، وعن الروح، والمشهور أن السائلين قريش. وذو القرنين: هو الإسكندر اليوناني، كما ذكر ابن إسحاق، وقال وهب: هو رومي، وهو خطأ.

стр. 4687

وهذه هي القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، وردت بعد قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحبي الجنة، وقصة أمر الملائكة بالسجود لآدم وإباء إبليس. التفسير والبيان: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، قُلْ: سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أي ويسألك اليهود وقريش يا محمد عن خبر ذي القرنين، سؤال اختبار وتعنت، فقل لهم: سأخبركم عنه خبرا مذكورا في القرآن بطريق الوحي المتلو المنزّل علي من ربي. وقد تقدم أن كفار مكة بعثوا إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي ﵌، فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية ما يدرى ما صنعوا، وعن الروح، فنزلت سورة الكهف. وذو القرنين: قيل: هو إسكندر بن فيلبس المقدوني اليوناني (١) الذي ملك الدنيا بأسرها قبل الميلاد بنحو ٣٣٠ سنة باني الإسكندرية، وتلميذ أرسطو الفيلسوف المعلّم الأول، حارب الفرس، واستولى على ملك دارا وتزوج ابنته، ثم سافر إلى الهند وحارب هناك، ثم حكم مصر، وإنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرن الشمس من مطلعها، وقرن الشمس من مغربها، فغلب على أكثر البلاد شرقا وغربا، قال الشوكاني: «وهذا مشكل؛ لأنه كان كافرا وتلميذ أرسطو» والظاهر أنه عبد صالح أعطاه الله ملكا واسعا، وهذا ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ أي إنا أعطيناه ملكا عظيما، ومكّناه فيه من جميع ما يؤتى الملوك من السلطة المطلقة المدعمة بالجنود

стр. 4688

وآلات الحرب والعلم، وأقدرناه على التصرف بحيث يصل إلى جميع أنحاء المملكة، ومهّدنا له من الأسباب والوسائل التي تمكّنه من السيطرة وبسط النفوذ أين شاء وكيف شاء، فملك مشارق الأرض ومغاربها، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العرب والعجم. فقوله: ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ معناه أعطيناه من كل ما يتعلق بمطلوبه طريقا يتوصل بها إلى ما يريده، وهذه الطرق هي: ١ - ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً، حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي فاتّبع طريقا من الطرق التي تؤديه إلى مراده، حتى إذا وصل نهاية الأرض من جهة المغرب التي ليس بعدها إلا البحر المحيط، وهو بحر الظلمات أو المحيط الأطلسي، سائرا في بلاد المغرب: تونس والجزائر ومرّاكش، فوجد الشمس تغرب في عين كثيرة الحمأة، أي الطين الأسود، وهذا ما يلاحظ من غياب قرص الشمس على ساحل المحيط المختلط بالرمال والطينة السوداء. قال الرازي: إنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة، وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضا قال تعالى: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً﴾ ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود، وأيضا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ إذا ثبت هذا، فنقول: تأويل قوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب، ولم يبق بعده شيء من العمارات، وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلمة، وإن لم تكن كذلك في الحقيقة، كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر، إذا لم ير الشط، وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر، وهذا هو التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره (١). ثم ذكر تأويلات أخرى بعيدة القبول.

стр. 4689

﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، قُلْنا: يا ذَا الْقَرْنَيْنِ: إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ أي وجد في أقصى المغرب عند تلك العين الحمئة قوما كفّارا وأمة عظيمة من بني آدم، فقلنا له بالإلهام: أنت مخير فيهم بين أمرين: إما أن تعذبهم بالقتل إن أصروا على الكفر، وإما أن تحسن إليهم وتصبر عليهم، بدعوتهم إلى الحق والهدى والرشاد، وتعليمهم الشرائع والأحكام. ﴿قالَ: أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً﴾ أي قال ذو القرنين لبعض حاشيته: أما من ظلم نفسه بالإصرار على الشرك، ولم يقبل دعوتي، فسنعذبه بالقتل في الدنيا، ثم يرجع إلى ربه في الآخرة، فيعذبه عذابا منكرا شنيعا في نار جهنم. ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً﴾ أي وأما من آمن بالله ووحدانيته وصدّق دعوتي، وعمل عملا صالحا مما يقتضيه الإيمان، فجزاؤه الجنة، وسنطلب منه أمرا ذا يسر غير صعب ولا شاقّ، ليرغب في دين الله، ويحب فعل أوامر الله من صلاة وصيام وزكاة وخراج ونحوها، فلا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل الميسر. ٢ - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ، وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً﴾ أي ثم سلك طريقا آخر متجها من مغرب الشمس إلى مشرقها، حتى إذا وصل الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولا من معمور الأرض، وجدها تطلع على قوم حفاة عراة، لا شيء يسترهم من حر الشمس، لا من اللباس، ولا من البيوت والمباني والأشجار، وإنما يعيشون في مفازة لا مأوى فيها، ولا شجر، وأكثر معيشتهم من السمك. ﴿كَذلِكَ، وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً﴾ أي إن أمر ذي القرنين كما وصفنا من قبل من اتباع الأسباب، حتى بلغ المشرق والمغرب، وقد علمنا حين ملكناه

стр. 4690

ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به، ونحن مطلعون على جميع أحواله، لا يخفى علينا منها شيء، كما في آية أخرى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ [آل عمران ٥/ ٣] أي فهو كما وصف، مما لا يعلمه إلا عالم الغيب والشهادة. ٣ - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ أي ثم سلك طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب متجها من الشرق إلى الشمال، حتى إذا وصل بين الجبلين بين أرمينية وأذربيجان، وجد من ورائهما قوما من الناس لا يكادون يفهمون كلام غيرهم، لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم ونباهتهم. هؤلاء القوم من الصقالبة (السلاف) الذين يسكنون شرقي البحر الأسود، في سد منيع بين جبلين قرب مدينة «باب الأبواب» أو «دربت» بجبل قوقاف، اكتشفه السياح في القرن الحاضر. ﴿قالُوا: يا ذَا الْقَرْنَيْنِ، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي قال سكان السد بين الجبلين، وقد فهم كلامهم ذو القرنين بتيسير الله الأسباب التي أعطاها له: أو بواسطة الترجمان: إن يأجوج ومأجوج-وهما قبيلتان من الناس-يفسدون في أرضنا بالقتل والتخريب والظلم والغشم وسائر وجوه الإفساد. ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ أي فهل توافق على أن نعطيك جعلا أو ضريبة من أموالنا، على أن تجعل بيننا وبينهم حاجزا منيعا يمنعهم من الوصول إلينا؟ ويرى المراغي-وليس صحيحا-أنهم التتر، ومأجوج: هم المغول، وأصلهما

стр. 4691

من أب واحد يسمى «ترك» وكانوا يسكنون شمال آسيا، وتمتد بلادهم من التبت والصين إلى المحيط المتجمد الشمالي، وغربا إلى الباكستان. ومنهم الداهية الرحالة «تموجين» الذي لقب نفسه «جنكيز خان أي ملك العالم» الذي ظهر في أوائل القرن السابع الهجري في آسيا الوسطى، فأخضع الصين الشمالية، ثم أخضع بجبروته قطب الدين بن أرميلان من السلاجقة ملك خوارزم، ثم خلفه ابنه «أقطاي» وأغار ابن أخيه «باتو» على بلاد الروس سنة ٧٢٣ هـ -ودمر بولونيا والمجر، ثم قام مقامه «جالوك» فحارب الروم، ثم خلفه ابن أخيه «منجو» فقام أخوه «كيلاي» بالاستيلاء على الصين، وأخوه «هولاكو» بالاستيلاء على البلاد الإسلامية وإسقاط بغداد مقر الخلافة العباسية في عهد الخليفة المستعصم بالله، أواسط القرن السابع الهجري ٦٥٦ هـ -. وأما السد الذي أقامه ذو القرنين، وشاهده بعض المؤرخين في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي: فهو وراء جيحون في عمالة «بلخ» واسمه «باب الحديد» قرب «ترمذ» وقد اجتازه تيمور لنك، ومرّ به «شاه رخ» مع العالم الألماني «سيلد برجر» ووصفه المؤرخ الإسباني «كلافيجو» في رحلته سنة ١٤٠٣ م الذي الذي كان رسولا من ملك «قشتالة» بالأندلس إلى تيمورلنك، وقال: إن سد «باب الحديد» على الطريق الموصل بين سمرقند والهند (١). ﴿قالَ: ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ، فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ قال ذو القرنين: ما مكنني فيه ربي، وآتاني من سعة الملك والقدرة ووفرة المال، خير من خرجكم ومما تجمعون، كما قال سليمان ﵇: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ، فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ [النمل ٣٦/ ٢٧].

стр. 4692

ولكن ساعدوني بقوة، أي بعمل الرجال وآلات البناء، أجعل بينكم وبينهم سدّا منيعا وحاجزا حصينا، ثم أوضح المراد من القوة بقوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ، حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، قالَ: اُنْفُخُوا، حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً، قالَ: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ أي قدّموا لي قطع الحديد، فلما جاؤوا بها، أخذ يبني بها بين الجبلين، فيضع بعضها على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى بالبنيان رؤوس الجبلين طولا وعرضا، قال للعمال المساعدين: انفخوا على هذه الزّبر (القطع) بالكيران، حتى صار كله نارا مشتعلة متوهجة، ثم صب النحاس المذاب على الحديد المحمّى، فصار كله كتلة متلاصقة وجبلا صلدا، وانسدت فجوات الحديد. ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ أي ما قدر يأجوج ومأجوج أن يصعدوا فوق السد، لارتفاعه وملاسته، وما استطاعوا نقبه من أسفله، لصلابته وشدّته. وأراح الله منهم الشعوب المجاورة لفسادهم وسوئهم. وقال ذو القرنين بعد إقامة السد المنيع الحصين: ﴿قالَ: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي، فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أي قال ذو القرنين لأهل تلك الديار: هذا السد نعمة وأثر من آثار رحمة ربي بهؤلاء القوم أو بالناس؛ لحيلولته بين يأجوج ومأجوج وبين الفساد في الأرض، فإذا حل أجل ربي بخروجهم من وراء السد، جعله ربي مدكوكا منهدما، مستويا ملصقا بالأرض، وكان وعد ربي بخرابه وخروج يأجوج ومأجوج وبكل ما وعد به حقا ثابتا لا يتخلف، كائنا لا محالة. وتم فعلا خروج جنكيز خان وسلالته، فعاثوا في الأرض فسادا في الشرق والغرب، ودمروا معالم الحضارة الإسلامية، وأسقطوا الخلافة العباسية سنة ٦٥٦ هـ -.

стр. 4693

أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن زينب بنت جحش زوج النبي ﵌ قالت: استيقظ النبي ﵌ من نومه، وهو محمر وجهه، وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلّق، قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث». وقد اتسعت الحلقة حتى كبرت في منتصف القرن السابع الهجري، بخروج التتر والمغول، واجتياح البلاد الإسلامية، وتدمير صرح الخلافة الإسلامية وإسقاطها في بغداد سنة ٦٥٦ هـ -، كما حكى القرآن في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ، فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ أي وتركنا بعض الناس يوم خروج يأجوج ومأجوج يضطرب ويختلط مع بعض آخر، فيكثر القتل، وتفسد الزروع، وتتلف الأموال، كما أخبر تعالى في آية أخرى: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء ٩٦/ ٢١]. وذلك كله قبل قيام القيامة وقبل النفخ في الصور بزمن غير معلوم لنا. ويرى مفسرون آخرون أن معنى الآية: أنهم يضطربون ويختلطون كموج البحر يوم القيامة، في أول أيامها. ورجح القرطبي القول بأنه تركنا يأجوج ومأجوج وقت كمال السد يموج بعضهم في بعض. وإذا اقترب موعد القيامة نفخ في الصور، وهي النفخة الثانية، وجمعنا الناس جمعا بأن أحييناهم بعد تلاشي أبدانهم وصيرورتها ترابا، وأحضرناهم إلى المحشر والحساب جميعا، كما في آيات أخرى، منها: ﴿قُلْ: إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩/ ٥٦ - ٥٠] ومنها: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف ٤٧/ ١٨]. والصور كما جاء في الحديث الثابت: قرن ينفخ فيه، والذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇.

стр. 4694

فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: ١ - إن ذا القرنين أحد الملوك المؤمنين الذين ملكوا الدنيا وسيطروا على أهلها، فقد آتاه الله ملكا واسعا، ومنحه حكمة وهيبة وعلما نافعا، ونحن لا نقطع بمعرفته بالذات، ولا نؤمن إلا بالقدر الذي حكاه القرآن المجيد. روي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران؛ فالمؤمنان: سليمان بن داود وإسكندر، والكافران: نمروذ وبختنصّر. قال ابن إسحاق: وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتي ما لم يؤت غيره، فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها، لا يطأ أرضا إلا سلّط على أهلها، حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق. ٢ - هيّأ الله تعالى لذي القرنين الأسباب التي توصله إلى مراده، وأخبرنا عن وقائع ثلاث حدثت له في المغرب والمشرق والوسط. أما في مغرب الشمس فقد وجد قوما كافرين، فخيّره الله بين أمرين: إما التعذيب بالقتل والإبادة جزاء كفرهم وطغيانهم، وإما الاستبقاء والإرشاد إلى الحق والهدى وتوحيد الله، فاختار ذو القرنين الإمهال والدعوة إلى الله، وأقام فيهم مدة ردع فيها الظالم، ونصر المظلوم، وأقام العدل، ودعا إلى الله تعالى. وأما في المشرق فوجد قوما بدائيين يعيشون في بقعة رملية لا يستقر فيها بناء، ولا يستترون فيها بظل شجر أو سقف بيت، قال الحسن البصري: كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، وكانت لا تحمل البناء، فإذا طلعت عليهم الشمس نزلوا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا، فيتراعون كما تتراعى البهائم. وقال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، كانوا في مكان لا يستقر عليه

стр. 4695

بناء، وهم يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم رجعوا إلى معايشهم وحروثهم، يعني لا يستترون منها بكهف جبل ولا بيت يكنهم منها. والقولان يدلان على ألا مدنية هناك، وربما يكون منهم من يدخل في الماء، ومنهم من يدخل في السّرب، فلا تناقض بين قول الحسن وقتادة. وهذا تأريخ لحال جماعة بدائية تعيش على صيد الأسماك، دون ستر ولا مأوى، مما يستوجب على أهل المدينة شكر النعمة العظمى على العيش بأمان وارتياح تحت ظلال الأشجار وفي ردهات المنازل. وأما رحلة ذي القرنين إلى الشمال بين الشرق والغرب وبين السدين وهما جبلان بين أرمينية وأذربيجان، فكانت إنقاذا لشعب مقهور مستضعف يتعرض لغارات القبائل المتوحشة، فيفسدون في الأرض، فبنى لهم سدا منيعا حصينا حماهم من تلك الموجات الغازية، وأعلمهم أن بقاءه مرهون بإرادة الله. وهذا مثل فيه عبرة للدول القوية التي يجب عليها المحافظة على الشعوب الضعيفة، والإبقاء على ثرواتها دون أخذ شيء منها، منعا من الاسهام في إضعافها، وأخذا بيدها نحو الأفضل، وإغاثتها وإنقاذها من التخلف والضياع، فإن ذا القرنين ملك الدنيا أبى أن يأخذ شيئا من أموال أولئك الأقوام، بالرغم من بناء السد الحصين. ٣ - قال القرطبي: في هذه الآية (آية السد) دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدونه، ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضربا ويحبسون، أو يكفلون ويطلقون كما فعل عمر ﵁ (١). ٤ - إن أهل الصلاح والإخلاص يحرصون على إنجاز الأعمال ابتغاء وجه الله،
следующие страницы →