← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

من أب واحد يسمى «ترك» وكانوا يسكنون شمال آسيا، وتمتد بلادهم من التبت والصين إلى المحيط المتجمد الشمالي، وغربا إلى الباكستان. ومنهم الداهية الرحالة «تموجين» الذي لقب نفسه «جنكيز خان أي ملك العالم» الذي ظهر في أوائل القرن السابع الهجري في آسيا الوسطى، فأخضع الصين الشمالية، ثم أخضع بجبروته قطب الدين بن أرميلان من السلاجقة ملك خوارزم، ثم خلفه ابنه «أقطاي» وأغار ابن أخيه «باتو» على بلاد الروس سنة ٧٢٣ هـ -ودمر بولونيا والمجر، ثم قام مقامه «جالوك» فحارب الروم، ثم خلفه ابن أخيه «منجو» فقام أخوه «كيلاي» بالاستيلاء على الصين، وأخوه «هولاكو» بالاستيلاء على البلاد الإسلامية وإسقاط بغداد مقر الخلافة العباسية في عهد الخليفة المستعصم بالله، أواسط القرن السابع الهجري ٦٥٦ هـ -. وأما السد الذي أقامه ذو القرنين، وشاهده بعض المؤرخين في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي: فهو وراء جيحون في عمالة «بلخ» واسمه «باب الحديد» قرب «ترمذ» وقد اجتازه تيمور لنك، ومرّ به «شاه رخ» مع العالم الألماني «سيلد برجر» ووصفه المؤرخ الإسباني «كلافيجو» في رحلته سنة ١٤٠٣ م الذي الذي كان رسولا من ملك «قشتالة» بالأندلس إلى تيمورلنك، وقال: إن سد «باب الحديد» على الطريق الموصل بين سمرقند والهند (١). ﴿قالَ: ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ، فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ قال ذو القرنين: ما مكنني فيه ربي، وآتاني من سعة الملك والقدرة ووفرة المال، خير من خرجكم ومما تجمعون، كما قال سليمان ﵇: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ، فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ [النمل ٣٦/ ٢٧].

стр. 4692

ولكن ساعدوني بقوة، أي بعمل الرجال وآلات البناء، أجعل بينكم وبينهم سدّا منيعا وحاجزا حصينا، ثم أوضح المراد من القوة بقوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ، حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، قالَ: اُنْفُخُوا، حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً، قالَ: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ أي قدّموا لي قطع الحديد، فلما جاؤوا بها، أخذ يبني بها بين الجبلين، فيضع بعضها على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى بالبنيان رؤوس الجبلين طولا وعرضا، قال للعمال المساعدين: انفخوا على هذه الزّبر (القطع) بالكيران، حتى صار كله نارا مشتعلة متوهجة، ثم صب النحاس المذاب على الحديد المحمّى، فصار كله كتلة متلاصقة وجبلا صلدا، وانسدت فجوات الحديد. ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ أي ما قدر يأجوج ومأجوج أن يصعدوا فوق السد، لارتفاعه وملاسته، وما استطاعوا نقبه من أسفله، لصلابته وشدّته. وأراح الله منهم الشعوب المجاورة لفسادهم وسوئهم. وقال ذو القرنين بعد إقامة السد المنيع الحصين: ﴿قالَ: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي، فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أي قال ذو القرنين لأهل تلك الديار: هذا السد نعمة وأثر من آثار رحمة ربي بهؤلاء القوم أو بالناس؛ لحيلولته بين يأجوج ومأجوج وبين الفساد في الأرض، فإذا حل أجل ربي بخروجهم من وراء السد، جعله ربي مدكوكا منهدما، مستويا ملصقا بالأرض، وكان وعد ربي بخرابه وخروج يأجوج ومأجوج وبكل ما وعد به حقا ثابتا لا يتخلف، كائنا لا محالة. وتم فعلا خروج جنكيز خان وسلالته، فعاثوا في الأرض فسادا في الشرق والغرب، ودمروا معالم الحضارة الإسلامية، وأسقطوا الخلافة العباسية سنة ٦٥٦ هـ -.

стр. 4693

أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن زينب بنت جحش زوج النبي ﵌ قالت: استيقظ النبي ﵌ من نومه، وهو محمر وجهه، وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلّق، قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث». وقد اتسعت الحلقة حتى كبرت في منتصف القرن السابع الهجري، بخروج التتر والمغول، واجتياح البلاد الإسلامية، وتدمير صرح الخلافة الإسلامية وإسقاطها في بغداد سنة ٦٥٦ هـ -، كما حكى القرآن في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ، فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ أي وتركنا بعض الناس يوم خروج يأجوج ومأجوج يضطرب ويختلط مع بعض آخر، فيكثر القتل، وتفسد الزروع، وتتلف الأموال، كما أخبر تعالى في آية أخرى: ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء ٩٦/ ٢١]. وذلك كله قبل قيام القيامة وقبل النفخ في الصور بزمن غير معلوم لنا. ويرى مفسرون آخرون أن معنى الآية: أنهم يضطربون ويختلطون كموج البحر يوم القيامة، في أول أيامها. ورجح القرطبي القول بأنه تركنا يأجوج ومأجوج وقت كمال السد يموج بعضهم في بعض. وإذا اقترب موعد القيامة نفخ في الصور، وهي النفخة الثانية، وجمعنا الناس جمعا بأن أحييناهم بعد تلاشي أبدانهم وصيرورتها ترابا، وأحضرناهم إلى المحشر والحساب جميعا، كما في آيات أخرى، منها: ﴿قُلْ: إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩/ ٥٦ - ٥٠] ومنها: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف ٤٧/ ١٨]. والصور كما جاء في الحديث الثابت: قرن ينفخ فيه، والذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇.

стр. 4694

فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: ١ - إن ذا القرنين أحد الملوك المؤمنين الذين ملكوا الدنيا وسيطروا على أهلها، فقد آتاه الله ملكا واسعا، ومنحه حكمة وهيبة وعلما نافعا، ونحن لا نقطع بمعرفته بالذات، ولا نؤمن إلا بالقدر الذي حكاه القرآن المجيد. روي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران؛ فالمؤمنان: سليمان بن داود وإسكندر، والكافران: نمروذ وبختنصّر. قال ابن إسحاق: وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتي ما لم يؤت غيره، فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها، لا يطأ أرضا إلا سلّط على أهلها، حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق. ٢ - هيّأ الله تعالى لذي القرنين الأسباب التي توصله إلى مراده، وأخبرنا عن وقائع ثلاث حدثت له في المغرب والمشرق والوسط. أما في مغرب الشمس فقد وجد قوما كافرين، فخيّره الله بين أمرين: إما التعذيب بالقتل والإبادة جزاء كفرهم وطغيانهم، وإما الاستبقاء والإرشاد إلى الحق والهدى وتوحيد الله، فاختار ذو القرنين الإمهال والدعوة إلى الله، وأقام فيهم مدة ردع فيها الظالم، ونصر المظلوم، وأقام العدل، ودعا إلى الله تعالى. وأما في المشرق فوجد قوما بدائيين يعيشون في بقعة رملية لا يستقر فيها بناء، ولا يستترون فيها بظل شجر أو سقف بيت، قال الحسن البصري: كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، وكانت لا تحمل البناء، فإذا طلعت عليهم الشمس نزلوا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا، فيتراعون كما تتراعى البهائم. وقال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، كانوا في مكان لا يستقر عليه

стр. 4695

بناء، وهم يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم رجعوا إلى معايشهم وحروثهم، يعني لا يستترون منها بكهف جبل ولا بيت يكنهم منها. والقولان يدلان على ألا مدنية هناك، وربما يكون منهم من يدخل في الماء، ومنهم من يدخل في السّرب، فلا تناقض بين قول الحسن وقتادة. وهذا تأريخ لحال جماعة بدائية تعيش على صيد الأسماك، دون ستر ولا مأوى، مما يستوجب على أهل المدينة شكر النعمة العظمى على العيش بأمان وارتياح تحت ظلال الأشجار وفي ردهات المنازل. وأما رحلة ذي القرنين إلى الشمال بين الشرق والغرب وبين السدين وهما جبلان بين أرمينية وأذربيجان، فكانت إنقاذا لشعب مقهور مستضعف يتعرض لغارات القبائل المتوحشة، فيفسدون في الأرض، فبنى لهم سدا منيعا حصينا حماهم من تلك الموجات الغازية، وأعلمهم أن بقاءه مرهون بإرادة الله. وهذا مثل فيه عبرة للدول القوية التي يجب عليها المحافظة على الشعوب الضعيفة، والإبقاء على ثرواتها دون أخذ شيء منها، منعا من الاسهام في إضعافها، وأخذا بيدها نحو الأفضل، وإغاثتها وإنقاذها من التخلف والضياع، فإن ذا القرنين ملك الدنيا أبى أن يأخذ شيئا من أموال أولئك الأقوام، بالرغم من بناء السد الحصين. ٣ - قال القرطبي: في هذه الآية (آية السد) دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدونه، ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضربا ويحبسون، أو يكفلون ويطلقون كما فعل عمر ﵁ (١). ٤ - إن أهل الصلاح والإخلاص يحرصون على إنجاز الأعمال ابتغاء وجه الله،

стр. 4696

دون انتظار مقابل أو عوض دنيوي من الناس، فإن ذا القرنين الذي أيده الله قال: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي ما بسطه الله تعالى لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان، أي بالرجال وعمل الأبدان والآلة التي أبني بها السد (الردم). وهذا بداية النجاح في العمل، فإن القوم لو جمعوا له خرجا، لم يعنه أحد، ولتركوه يبني، فكان عونهم أسرع في إنجاز العمل وإنجاح المشروع. ٥ - تدل الآية أيضا: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ على أن من واجب الملك أو الحاكم أن يقوم بحماية الخلق في حفظ ديارهم، وإصلاح ثغورهم، من أموالهم، بشروط ثلاثة هي: الأول-ألا يستأثر عليهم بشيء. الثاني-أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم. الثالث-أن يسوّي في العطاء بينهم على قدر منازلهم. فإذا احتاج الحاكم إلى دعم رعيته، بذلوا أنفسهم قبل أموالهم، ويؤخذ بقدر الحاجة من أموالهم، وتصرف بتدبير، فهذا ذو القرنين أبى أخذ شيء من أموال القوم، قائلا: إن الأموال عندي والرجال عندكم، فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى. وضابط الأمر: أنه لا يحل مال أحد إلا لضرورة تعرض، فيؤخذ ذلك المال جهرا لا سرا، وينفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالأمر (١). ٦ - إن الحديد والنحاس من مرتكزات الصناعة الثقيلة قديما وحديثا، فقد كانا أداة بناء السد المنيع على يد ذي القرنين، وهما الآن المادة الأساسية في الصناعات المختلفة الحربية والسلمية.

стр. 4697

جزاء الكفار ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاِتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦)﴾ الإعراب: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ﴾ بدل من (الكافرين). ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعل ﴿فَحَسِبَ﴾ و ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ أن وصلتها في موضع نصب، سدت مسد مفعولي ﴿فَحَسِبَ﴾. و ﴿عِبادِي﴾ مفعول أول ليتخذوا، و ﴿أَوْلِياءَ﴾ مفعول ثان. ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ تمييز منصوب، وجمع التمييز ولم يفرد: إشارة إلى أنهم خسروا في أعمال متعددة، لا في عمل واحد. ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ خبر لمحذوف، أو بدل، أو منصوب على الذم ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿جَهَنَّمُ﴾ عطف بيان للخبر.

стр. 4698

البلاغة: ﴿كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ استعارة تمثيلية، شبه إعراضهم عن الآيات الكونية وعدم النظر فيها، وبالتالي عدم الإيمان. بمن ألقى غطاء على عينيه، على سبيل التمثيل. ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ استفهام يراد به التوبيخ والتقريع. ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ جناس ناقص أو جناس التصحيف لتعير الشكل وبعض الحروف. المفردات اللغوية: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ أبرزناها وأظهرناها لهم ﴿فِي غِطاءٍ﴾ أي غشاوة محيطة بها ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ أي القرآن، أو الآيات الموصلة إلى ذكري بتوحيدي وتمجيدي وتعظيمي ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ أي لا يقدرون استماعا لذكري وكلامي، بغضا له، وصمما عن الحق، فلا يؤمنوا به؛ إذ لا استطاعة بهم للسمع. ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أظنوا، والاستفهام للإنكار ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي﴾ أي الملائكة والمسيح عيسى وعزير ﴿مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ﴾ أربابا، المعنى: أظنوا أن الاتخاذ المذكور لا يغضبني، ولا أعاقبهم عليه؟ كلا ﴿أَعْتَدْنا﴾ هيأنا ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ من هؤلاء وغيرهم ﴿نُزُلاً﴾ ما يقام للنزيل، أي هي معدة لهم كالمنزل المعد للضيف. وفيه تهكم. ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ جمع التمييز وهو: ﴿أَعْمالاً﴾ لتنوع أعمالهم ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ بطل وضاع عملهم لكفرهم وعجبهم ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ﴾ يظنون ﴿يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ عملا يجازون عليه، لعجبهم بأنفسهم واعتقادهم أنهم على الحق. ﴿كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ بالقرآن، أو بدلائله الدالة فيه على التوحيد والنبوة ﴿وَلِقائِهِ﴾ بالبعث والحساب، والثواب والعقاب، أو لقاء عذابه ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ بطلت بكفرهم، فلا يثابون عليها ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ أي لا نجعل لهم قدرا، وإنما نزدريهم. ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي الأمر الذي ذكرت من حبوط أعمالهم وغيره، هو جزاؤهم ﴿هُزُواً﴾ هزؤا، أي مهزؤا بهما. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أنه بنفخ الصور يوم القيام، يقوم الناس من قبورهم، ثم يجمعون في صعيد واحد للحساب والجزاء، ذكر أنه حينئذ يظهر

стр. 4699

النار للكافرين، وتخصيصه بالكافرين بشارة للمؤمنين، ويظن الكافرون أن اتخاذهم معبودات من دون الله ينجيهم من عذابه، ولكن حبطت أعمالهم وبطلت، وصارت عديمة النفع بسبب كفرهم. والحاصل: أن الله تعالى يخبر عما يفعله بالكفار يوم القيامة، من عرض جهنم عليهم، أي إبرازها وإظهارها لهم، ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولهم، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم، ويخبر تعالى أيضا أنه لا يقام لهم وزن أو قدر، وأن أعمالهم قد أحبطت وضاعت بسبب كفرهم. التفسير والبيان: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً﴾ أي أظهرنا جهنم وأبرزناها إبرازا واضحا للكفار بالله بعد النفخة الثانية في الصور، حتى يشاهدوا أهوالها، يوم جمعنا لهم. وأوصاف الكفار هي: ١ - التعامي وإبعاد السمع عن الحق: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي، وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ أي إن عذاب جهنم لأولئك الذين تغافلوا وتعاموا عن قبول الهدى واتباع الحق، ولم ينظروا في آيات الله ولم يتفكروا فيها، حتى يتوصلوا إلى توحيد الله وتمجيده، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ، نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً، فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف ٣٦/ ٤٣] وكانوا لا يطيقون سماع ذكر الله الذي بيّنه لهم في كتابه، ولا يعقلون عن الله أمره ونهيه. والخلاصة: إنهم تعاموا عن مشاهدة آي الله بالأبصار، وأعرضوا عن الأدلة السمعية المذكورة في كتاب الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦/ ٢٢] وقال سبحانه: ﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾ [فصلت ٥/ ٤١].

стр. 4700

٢ - عبادة معبودات من دون الله: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ﴾ أي أفطن أو اعتقد الذين كفروا بي، واتخذوا أولياء أي معبودات من دوني كالملائكة والمسيح والشياطين أن ذلك ينفعهم، أو يدفع عنهم العذاب؟ كلا، لا تنفعهم تلك المعبودات، وسيظهر لهم خطؤهم، كما قال تعالى: ﴿كَلاّ، سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم ٨٢/ ١٩] لذا أخبر تعالى عن عذابهم قائلا: ﴿إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً﴾ أي إنا أعددنا وهيأنا لهؤلاء الكافرين بالله جهنم يوم القيامة منزلا ينزلون به، كما يعدّ النزل للضيف، بسبب اتخاذهم أولياء (أي معبودين) من دوني، وهذا تهكم بهم، وتخطئة لحساباتهم. ٣ - الجهل والغباء: ﴿قُلْ: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ أي قل لهم يا محمد: هل نخبركم أيها الناس بأشد الناس خسرانا لأعمالهم وخطأ في حسابهم؟ هم الذين ضلوا في الحياة، فعملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مرضية مقبولة، وأتعبوا أنفسهم فيما لا نفع فيه، فهلكوا وضيعوا ثمار أعمالهم، وهم قوم مخدوعون بما هم عليه، يظنون أنهم محسنون في ذلك العمل، منتفعون بآثاره، مقبولون محبوبون. والآية توبيخ شديد لهم، مفادها الموجز: قل لهؤلاء الكفرة الذين عبدوا غيري: يخيب سعيهم وآمالهم غدا، فهم الأخسرون أعمالا. وسبب خسارة أعمالهم هو ما قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ، فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ أي إن أولئك الأخسرين أعمالا هم الذين جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التكوينية والتنزيلية الدالة على توحيده، وكفروا وكذبوا بالبعث والحساب ولقاء الله وما بعده من أمور الآخرة، فحبطت وبطلت أعمالهم

стр. 4701

التي عملوها مما يظنونه حسنا، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥] فلا يقام وزن لأعمالهم ولا يكون لهم عندنا قدر، ولا نعبأ بهم، ولا ثواب على تلك الأعمال؛ لأنها خالية من الخير. وحينئذ يكون جزاؤهم العادل على كفرهم ومعاصيهم جهنم؛ لقوله تعالى: ﴿ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا، وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ أي إن ذلك الوعيد والجزاء على أعمالهم الباطلة في نار جهنم إنما هو بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات الله، وسخريتهم من رسل الله ومن معجزاتهم، فإنهم استهزءوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب. والهزء: الاستخفاف والسخرية. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يلي: ١ - إثبات البعث والحشر، بجمع الجن والإنس في ساحات القيامة بالنفخة الثانية في الصور. ٢ - إبراز جهنم إبرازا ظاهرا واضحا للكفار بعد الحشر بسبب عدم النظر في دلائل الله تعالى على وجوده ووحدانيته، وعدم إطاقتهم سماع كلام الله تعالى، فهم بمنزلة العمي والصمّ. وفي هذا نوع من العقاب النفساني المؤلم بسبب ما ينتابهم حينئذ من الغم والكرب العظيم. ٣ - يخطئ الكفار حين يظنون أن اتخاذهم معبودين من دون الله، كعيسى وعزير والملائكة ينفعهم يوم القيامة، وأن الله لا يعاقبهم على ذلك، كلا، فإن الله أعد لهم جهنم منزلا ومأوى. ٤ - إن أشد الناس خسارة يوم القيامة هم الذين ضل سعيهم في الدنيا، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا في عبادة من سوى الله، فهم الأخسرون أعمالا، روى

стр. 4702

البخاري عن مصعب قال: سألت أبي: ﴿قُلْ: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ أهم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا محمدا ﵌، وأما النصارى فكفروا بالجنة، فقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية (أي الخوارج) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد يسميهم الفاسقين. والحقيقة أن الآية تشمل جميع أهل الضلال سواء من أهل الكتاب أو من المشركين. ٥ - في هذه الآية: ﴿قُلْ: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ.﴾. دلالة على أن من الناس من يعمل العمل، وهو يظن أنه محسن، وقد حبط سعيه، والذي يوجب إحباط السعي: إما فساد الاعتقاد أو المراءاة. ٦ - إن سبب خسارة أعمال أهل الضلال هو الكفر بآيات الله وبالبعث، وهذا يشمل مشركي مكة عبدة الأوثان، وأهل الكتاب أيضا؛ لأن إيمان هؤلاء بالبعث مشوّة غير صحيح. ٧ - إن عقاب هؤلاء الضالين على أعمالهم الباطلة ثلاثة أنواع: إحباط الأعمال، وإهدار الكرامة والاعتبار، والعذاب في نار جهنم، فلا ثواب على أعمالهم ولا نفع فيها، ولا يقيم الله لهم وزنا، ويصلون جهنم، قال عبيد بن عمير: يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشّروب، فلا يزن عند الله جناح بعوضة. وهذا في حكم المرفوع، وقد ثبت معناه في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﵌ أنه قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾». والمعنى: أنهم لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلة بالعذاب، فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النار.

стр. 4703

٨ - كرر الله تعالى ذكر سبب العذاب لهؤلاء الكفار للتأكيد، فأخبر بأن جزاءهم جهنم بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات الله وتكذيبهم رسل الله، وإنكارهم معجزات الأنبياء. جزاء المؤمنين وسعة معلومات الله وتوحيده ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)﴾ الإعراب: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حال. ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ ﴿حِوَلاً﴾ مفعول ﴿لا يَبْغُونَ﴾ أي لا يطلبون ولا يتمنون عنها متحولا. ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ ﴿مَدَداً﴾ تمييز. ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أن: المكفوفة بما: باقية على مصدريتها، والمعنى: يوحى إلي وحدانية الإله. المفردات اللغوية: ﴿كانَتْ لَهُمْ﴾ فيما سبق من علم الله وحكمه ووعده ﴿الْفِرْدَوْسِ﴾ أعلى درجات الجنان وأوسطها، والإضافة إليه للبيان، وأصله: البستان الذي يجمع أشجار الفاكهة ﴿نُزُلاً﴾ منزلا ﴿لا يَبْغُونَ﴾ لا يطلبون ﴿حِوَلاً﴾ تحولا إلى غيرها؛ إذ لا يجدون أطيب منها، حتى تنازعهم إليه أنفسهم ﴿لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً﴾ أي لو كان ماء البحر ما يكتب به من الحبر، وأصله: ما يمدّ به

стр. 4704

الشيء، كالحبر للدواة ﴿لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ لكلمات علمه وحكمته ومعلوماته غير المتناهية، بأن تكتب به ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ في كتابتها ﴿تَنْفَدَ﴾ تفرغ ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ﴾ أي بمثل البحر ﴿مَدَداً﴾ زيادة فيه، لنفد، ولم تفرغ هي. ﴿أَنَا بَشَرٌ﴾ آدمي ﴿يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ يأمل ويطمع حسن لقائه بالبعث والجزاء. والرجاء: تأمل شيء سارّ في المستقبل، و ﴿لِقاءَ رَبِّهِ﴾ هو البعث وتوابعه. ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً﴾ يرتضيه الله ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ﴾ أي بأن يرائي في عبادته، أو يطلب منه أجرا. سبب النزول: نزول الآية (١٠٩): ﴿قُلْ: لَوْ كانَ الْبَحْرُ﴾: أخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، فنزلت: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾. وقالت اليهود: أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة، فقد أوتي خيرا كثيرا، فنزلت: ﴿قُلْ: لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ الآية. نزول الآية (١١٠): ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا﴾: أخرج ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص عن طاوس قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه شيئا، حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً، وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ خبر مرسل، وأخرجه الحاكم في المستدرك موصولا عن طاوس عن ابن عباس، وصححه على شرط الشيخين (البخاري ومسلم). وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان رجل من المسلمين يقاتل، وهو يحب أن يرى مكانه، فأنزل الله: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآية.

стр. 4705

وأخرج أبو نعيم وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس قال: قال جندب بن زهير: إذا صلى الرجل، أو صام، أو تصدق، فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لمقالة الناس له، فنزلت في ذلك: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى ما أعد للكافرين، ذكر ما أعد للمؤمنين، ثم ختم السورة ببيان سعة علم الله واتساع معلوماته وأنها غير متناهية، والاعلام ببشرية النبي ومماثلته لبقية الناس في ذلك، وأن علمه مستمد من الوحي الإلهي، والتنبيه على الوحدانية، والحض على ما فيه النجاة في الآخرة. قال البيضاوي: والآية جامعة لخلاصة العلم والعمل، وهما التوحيد والإخلاص في الطاعة، بالبعد عن الرياء وهو الشرك الأصغر أو الخفي. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن أصداد صفات الكافرين الذين ذكروا قبل المؤمنين، فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ أي إن السعداء هم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا المرسلين فيما جاؤوا به، وعملوا صالح الأعمال من إقامة الفرائض والتطوعات، ابتغاء رضوان الله، لهم جنات الفردوس (وهي أعلى الجنة وأوسعها وأفضلها) منزلا معدّا لهم، مبالغة في إكرامهم. والفردوس في كلام العرب: الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب، وفي اللغة الرومية: البستان. جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة».

стр. 4706

﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ أي مقيمين ساكنين فيها على الدوام، لا يختارون عنها غيرها، ولا يحبون سواها، ولا يريدون تحولا عنها. أخرج أحمد والترمذي عن عبادة بن الصامت أن النبي ﵌ قال: «إن في الجنة مائة درجة، كل درجة منها ما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومن فوقها يكون العرش، ومنه تفجر أنهار الجنة الأربعة، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس». ثم يخبر الله تعالى عن عظمة شأن القرآن وسعة علم الله، فيقول: ﴿قُلْ: لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي، لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ أي قل أيها الرسول لهم: لو كتبت كلمات علم الله وحكمته، وكان ماء البحر حبرا للقلم الذي يكتب به، والقلم يكتب، لنفد البحر قبل أن يفرغ من كتابة ذلك، ولو جيء بمثل البحر آخر وآخر وهكذا لنفد أيضا، ولم تنفد كلمات الله. وهذا دليل على كثرة كلمات الله، وسعة علم الله وحكمته وأسراره، بحيث لا تضبطها الأقلام والكتب. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ، ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان ٢٧/ ٣١]. وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: ﴿قُلْ: لَوْ كانَ الْبَحْرُ..﴾. الآية، يقول: لو كانت تلك البحور مدادا لكلمات الله، والشجر كله أقلام، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كجنة من خردل في خلال الأرض كلها.

стр. 4707

وروي أن حييّ ين أخطب اليهودي قال: في كتابكم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ ثم تقرؤون: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي أنه يعترض بوجود التناقض، فنزلت هذه الآية، يعني أن ذلك خير كثير، ولكنه قطرة من بحر كلمات الله. وبعد بيان كمال كلام الله، أمر تعالى محمدا ﵌ بالتواضع فقال: ﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي قل يا محمد لهم: ما أنا إلا بشر مثلكم في البشرية، ليس لي صفة الملكية أو الألوهية، ولا علم لي إلا ما علمني الله، إلا أن الله تعالى أوحى إلي أنه لا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد، فلا شريك له في ألوهيته، فمعبودكم الذي يجب أن تعبدوه هو معبود واحد لا شريك له. ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً، وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ أي فمن آمن بلقاء الله، وطمع في ثواب الله على طاعته، فليتقرب إليه بصالح الأعمال، وليخلص له العبادة، وليجتنب الشرك بعبادة الله، أحدا من مخلوقاته، سواء أكان شركا ظاهرا كعبادة الأوثان، أم شركا خفيا كفعل شيء رياء أو سمعة وشهرة، والرياء: هو الشرك الأصغر، كما في حديث أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﵌ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟». وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي ﵌ فيما يرويه عن ربه قال: «أنا خير الشركاء، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري، فأنا بريء منه، وهو للذي أشرك».

стр. 4708

قال الرازي: أورد تعالى في آخر هذه السورة ما يدل على حصول رؤية الله في ثلاث آيات: أولها-قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ﴾. وثانيها-قوله: ﴿كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾. وثالثها-قوله: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ ولا بيان أقوى من ذلك (١). فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - للمؤمنين بالله ورسله الذين يعملون صالح الأعمال جنات الفردوس التي هي أعلى الجنان، وهم خالدون دائمون فيها، لا يطلبون تحويلا عنها إلى غيرها. ٢ - لا يستطيع أحد على الإطلاق أن يحصر كلمات الله تعالى وعلمه وحكمته وأسراره، ولو كانت البحار والمحيطات وأمثالها دون تحديد حبرا يكتب به. قال ابن عباس: قالت اليهود، لما قال لهم النبي ﵌: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ قالوا: وكيف، وقد أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا؟ فنزلت: ﴿قُلْ: لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً.﴾. الآية. ٣ - أمر الله رسوله بالتواضع، وبإعلان صفة البشرية وأنه لا امتياز له على غيره بشيء من الصفات، وأنه لا يعلم إلا ما علّمه الله تعالى، وعلم الله لا يحصى، إلا أن الله تعالى أمره بأن يبلّغ غيره بأن لا إله إلا الله. ٤ - دلت الآية: ﴿قُلْ: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ﴾ على مطلوبين:

стр. 4709

الأول-أن كلمة إنما تفيد الحصر، وهي قوله: ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾. والثاني-أن كون الإله تعالى إلها واحدا يمكن إثباته بالأدلة السمعية. ٥ - إن المؤمن بربه الذي يرجو رؤيته وثوابه ويخشى عقابه يجب عليه أن يعمل العمل الصالح المرضي لله، وألا يشرك بالله أحدا في عبادته. قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، قال: يا رسول الله، إني أعمل العمل لله تعالى، وأريد به وجه الله تعالى، إلا أنه إذا اطّلع عليه سرّني؛ فقال النبي ﵌: «إن الله طيّب، ولا يقبل إلا الطيّب، ولا يقبل ما شورك فيه» فنزلت الآية. وفي رواية مسلم عن أبي هريرة: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا..». والآية عامة في جميع الأعمال من عبادة وجهاد وصدقة وغيرها، وموضوعها إخلاص العمل لله . سئل الحسن البصري عن الإخلاص والرياء فقال: من الإخلاص أن تحب أن تكتم حسناتك، ولا تحب أن تكتم سيئاتك، فإن أظهر الله عليك حسناتك تقول: هذا من فضلك وإحسانك، وليس هذا من فعلي ولا من صنيعي، وتذكّر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً، وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ [المؤمنون ٦٠/ ٢٣]، يؤتون الإخلاص، وهم يخافون ألا يقبل منهم. وأما الرياء فطلب حظ النفس من عملها في الدنيا؛ قيل له: كيف يكون هذا؟ قال: من طلب بعمل بينه وبين الله تعالى سوى وجه الله والدار الآخرة، فهو رياء.

стр. 4710

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة مريم مكية، وهي ثمان وتسعون آية. تسميتها: سميت «سورة مريم» لاشتمالها على قصة حمل السيدة مريم، وولادتها عيسى ﵇، من غير أب، وأصداء ذلك الحمل، وما تبعه ورافق ولادة عيسى من أحداث عجيبة، من أهمها كلامه وهو طفل في المهد. مناسبتها لما قبلها: اشتملت السورتان على قصص عجيبة، فسورة الكهف اشتملت على قصة أصحاب الكهف، وطول لبثهم هذه المدة الطويلة، بلا أكل ولا شرب، وقصة موسى مع الخضر، وما فيها من المثيرات، وقصة ذي القرنين. وسورة مريم فيها أعجوبتان: قصة ولادة يحيى بن زكريا ﵇ حال كبر الوالد وعقم الوالدة أي بين شيخ فان وعجوز عاقر، وقصة ولادة عيسى ﵇ من غير أب. ما اشتملت عليه السورة: موضوع السورة كسائر السور المكية هو إثبات وجود الله ووحدانيته، وإثبات البعث والجزاء من خلال إيراد قصص جماعة من الأنبياء، على النحو التالي:

стр. 4711

١ - افتتحت السورة بقصة ولادة يحيى بن زكريا ﵉، من أب شيخ كبير وأم عاقر لا تلد، ولكن بقدرة الله القادر على كل شيء، خلافا للمعتاد، وإجابة لدعاء الوالد الصالح، وأعقبه الخبر بإيتاء يحيي النبوة في حال الصبا، الآيات [١ - ١٥]. ٢ - أردف ذلك قصة ولادة عيسى من مريم العذراء، من غير أب، لتكون دليلا آخر على القدرة الربانية. وقد أثار ذلك موجة من النقد واللوم والتعنيف، خفف منها كلام عيسى وهو طفل في المهد، تبرئة لأمه، ووصف نفسه بصفات النبوة والكمال. واقترن المخاض بحدثين غريبين: هما نداء عيسى أمه حين الولادة بألا تحزن، فقد جعل الله عندها نهرا، وأمرها بهز النخل أخذا بالأسباب لإسقاط الرطب، الآيات [١٦ - ٣٦]. وأحدثت هذه الولادة اختلافا بين النصارى في شأن عيسى، الآيات [٣٧ - ٤٠]. ٣ - انتقلت الآيات بعدئذ إلى بيان جانب من قصة إبراهيم الخليل ﵇، ومناقشته أباه في عبادة الأصنام، وإكرام الله له بهبته-وهو كبير، وامرأته سارّة عاقر-ولدا هو إسحاق ومن بعده ابنه يعقوب وجعلهما نبيين، كما حدث فعلا من ولادة إسماعيل قبل ذلك، وإبراهيم شيخ كبير بعد دخوله على زوجته هاجر، الآيات [٤١ - ٥٠]. ٤ - ثم تحدثت السورة عن قصة موسى ومناجاته ربه في الطور، وجعل أخيه هارون نبيا، الآيات [٥١ - ٥٣]. ٥ - ثم أشارت إلى قصص إسماعيل الموصوف بصدق الوعد وإقامة الصلاة

стр. 4712

وإيتاء الزكاة، وإدريس الصدّيق النبي، وما أنعم الله به على أولئك الأنبياء من ذرية آدم لإثبات وحدة الرسالة بدعوة الناس إلى التوحيد ونبذ الشرك الآيات [٥٤ - ٥٨]. وما سبق كله يشمل حوالي ثلثي السورة. ٦ - قورن الخلف بالسلف، وبان الفرق بأن الخلف أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات، وجدد الوعد بجنات عدن لمن تاب وعمل صالحا [٥٩ - ٦٣]. ٧ - ناسب ذلك الكلام عن الوحي، وأن جبريل لا ينزل بالوحي إلا بإذن ربه، الآيات [٦٤ - ٦٥]. ٨ - ناقش الله المشركين الذين أنكروا البعث، وأخبر بحشر الكافرين مع الشياطين، وإحضارهم جثيا حول جهنم، وبأن جميع الخلق ترد على النار [٦٦ - ٧٢]. ٩ - أبان الله تعالى موقف المشركين حين سماع القرآن من المؤمنين بأنهم خير منهم مجلسا ومجتمعا. وهددهم بأنه أهلك كثيرا من الأمم السابقة بسبب عتوهم واستكبارهم، وأنه يمدّ للظالمين ويمهلهم، ويزيد الهداية للمهتدين، وأن معبودات المشركين ستكون أعداء لهم [٧٣ - ٨٤] وذلك كله لتنزيه الله عن الولد والشريك. ١٠ - التمييز بين حشر وفد المتقين إلى الجنان، وسوق المجرمين إلى النيران [٨٥ - ٨٧]. ١١ - التنديد بمن ادعى الولد لله، والرضا عن المؤمنين الصالحين، وأن القرآن لتبشير المتقين وإنذار الكافرين المعاندين [٨٨ - ٩٨]. فضلها: روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة، وأحمد بن حنبل عن

стр. 4713

ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة: أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه. دعاء زكريا ﵇ طالبا الولد وبشارته بيحيى ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ الإعراب: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا، إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ ﴿ذِكْرُ﴾ إما مبتدأ محذوف الخبر، أي فيما يملى عليكم ذكر رحمة ربك، وإما خبر مبتدأ محذوف، أي هذا ذكر رحمة ربك. و ﴿ذِكْرُ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول وهو ﴿رَحْمَتِ﴾ ورحمة: مصدر مضاف إلى الفاعل، و ﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول منصوب بالمصدر المضاف وهو ﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾. و ﴿زَكَرِيّا﴾ بدل من ﴿عَبْدَهُ﴾. و ﴿إِذْ نادى﴾ ﴿إِذْ﴾ منصوب على الظرف متعلق بذكر.

стр. 4714

﴿شَيْباً﴾ تمييز منصوب، أو منصوب لأنه مصدر، والأول أظهر. ﴿بِدُعائِكَ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، أي ولم أكن بدعائي إياك. ﴿يَرِثُنِي﴾ إما مجزوم على جواب الأمر، وهو في الحقيقة جواب شرط مقدر، أي هب لي إن تهب لي يرث، وإما مرفوع على أنه صفة لقوله: ﴿وَلِيًّا﴾ أي فهب لي من لدنك وليا وارثا. والوجهان هما في قوله: ﴿رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾. ﴿عِتِيًّا﴾ منصوب ببلغت، وهو مصدر «عتا». ﴿قالَ: كَذلِكَ﴾ الكاف: خبر مبتدأ محذوف، أي قال الأمر كذلك ﴿سَوِيًّا﴾ حال من ضمير ﴿تُكَلِّمَ﴾. ﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾ إما مفسّرة بمعنى «أي» وإما مخففة من الثقيلة، أي أنه سبّحوا. البلاغة: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ كناية عن ذهاب القوة وضعف الجسم. ﴿اِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ استعارة تبعية، شبه انتشار الشيب باشتعال النار في الحطب، وأستعير الاشتعال للانتشار، وهذا من أحسن الاستعارة وأبدعها في كلام العرب. ﴿نادى﴾ ﴿نِداءً﴾ جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿كهيعص﴾ حروف مقطعة قصد بها التنبيه كحروف التنبيه التي تقع في أول الكلام مثل ألا ويا وغيرهما، كما قصد بها التحدي للعرب في الإتيان بمثل القرآن المكون من حروف اللغة العربية التي يتكلمون ويخطبون ويكتبون بها. ﴿زَكَرِيّا﴾ من ولد سليمان بن داود ﵈، وكان نجارا ﴿نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ أي دعاه سرا في جوف الليل؛ لأنه أسرع للإجابة، واختلف في سنه حينئذ فقيل ٦٠، أو ٧٠، أو ٧٥، أو ٨٥، أو ٩٩ ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي ضعف جميعه بسبب الكبر ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ أي صار الشيب منتشرا في شعره، كما تنتشر النار في الحطب ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ﴾ أي وإني أريد أن أدعوك، ولم أكن بدعائي إياك ﴿شَقِيًّا﴾ خائبا غير مستجاب الدعوة فيما مضى، فلا تخيبني فيما يأتي.

стр. 4715

﴿الْمَوالِيَ﴾ هم عصبة الرجل، الذين يلونه في النسب، كبني العم. ﴿مِنْ وَرائِي﴾ بعد موتي، وخوفي منهم على الدين أن يضيعوه، كما شاهدته في بني إسرائيل من تبديل الدين ﴿وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً﴾ أي لا تلد، يقال: رجل عاقر وامرأة عاقرة، أي عقيمان ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ من عندك ﴿وَلِيًّا﴾ ولدا من صلبي ﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ جدي في العلم والنبوة، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وكان متزوجا أخت مريم بنت عمران من ولد سليمان، وكان زكريا زوجا لخالة مريم ﴿رَضِيًّا﴾ أي مرضيا عندك. ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي مسمى بيحيى، فلم يسمّ أحد بهذا الاسم قبله ﴿أَنّى﴾ كيف ﴿عِتِيًّا﴾ من عتا: أي يبس، يبست مفاصله وعظامه، قيل: كان عمره: مائة وعشرين سنة، وبلغت امرأته ثمانية وتسعين سنة، وقرئ: عسيّا بمعنى عتيا ﴿قالَ: كَذلِكَ﴾ أي الأمر كذلك من خلق غلام منكما في هذه السن ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي لا أحتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ قبل خلقك، بل كنت معدوما صرفا. وفيه دليل على أن المعدوم ليس بشيء. ﴿آيَةً﴾ علامة أعلم بها وقوع ما بشرتني به ﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ أي بأيامها، بدليل ذكر الأيام في سورة آل عمران: ﴿ثَلاثَةَ أَيّامٍ﴾. ﴿سَوِيًّا﴾ أي سوي الخلق سليم الجوارح بلا علة، ما بك من خرس ولا بكم ﴿الْمِحْرابِ﴾ المصلّى وكانوا ينتظرون فتحه، ليصلوا فيه بأمره على العادة ﴿فَأَوْحى﴾ أشار، أو أومأ ﴿سَبِّحُوا﴾ صلوا أو نزهوا ربكم، والمتفق عليه أنه أراد بالتسبيح الصلاة ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ طرفي النهار، أوائل النهار وأواخره على العادة، أي صلاة الفجر وصلاة العصر، فعلم من امتناعه من الكلام حمل زوجته بيحيى. قصة زكريا ﵇: ذكر زكريا في القرآن الكريم ثماني مرات، في الآيتين [٣٨، ٣٧] من آل عمران، وفي الأنعام الآية [٨٥]، وفي مريم الآيتان [٧، ٢]، وفي الأنبياء الآية [٨٩]. وكان لزكريا أبي يحيى شركة في خدمة الهيكل، فهو (لاوي) وكانت مريم التي نذرتها والدتها لخدمة الهيكل من نصيب زكريا ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾. وكان زكريا زوجا لخالة مريم أو لأختها. ولما رأى زكريا إكرام الله تعالى لمريم ورزقها من حيث لا تحتسب، دعا أن يرزقه الله تعالى الولد: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قَالَ

стр. 4716

رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [آل عمران ٣٨/ ٣]، فاستجاب الله دعاءه، وبشرته الملائكة بيحيى، وقد كان في سن الشيخوخة وامرأته عاقر: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى، مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ، وَسَيِّداً، وَحَصُوراً، وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٣٩/ ٣] فتعجب زكريا من البشرى قائلا: ﴿قالَ: رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ، وَامْرَأَتِي عاقِرٌ، قالَ: كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ وفي سورة مريم: ﴿قالَ: رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. قالَ: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [٨ - ٩]. ووالده اسمه (برخيا) ويلاحظ أنه يوجد شخص آخر اسمه (زكريا بن برخيا) له كتاب قانوني عند النصارى، وكان في زمن (داريوس) قبل زمن المسيح ﵇ بما يقرب من ثلاثة قرون (١). التفسير والبيان: ﴿كهيعص﴾ تقرأ هكذا: كاف، ها، يا، عاين، صاد بإدغام نون عاين في الصاد، ويتعين في الكاف والصاد منها المدّ المطول ست حركات بثلاث ألفات، ويتعين في الهاء والياء المد الطبيعي حركة واحدة بألف واحدة، ويجوز في العين المد المطول وقصره بحركتين بمقدار ألفين. والمراد بهذه الحروف المقطعة التنبيه في أول الكلام على ما يأتي بعدها، وتحدي العرب بالإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه، ما دام الكلام القرآني مركبا من حروف الهجاء العربية التي يتركب منها الكلام العربي نثرا وخطابة وشعرا. ولا يصح القول بأن هذه الأحرف مبهمات أو تشير إلى أسرار معينة أو أنها

стр. 4717

علم (اسم) أو وصف؛ لأنه كما قال الرازي: لا يجوز من الله تعالى أن يودع كتابه ما لا تدل عليه اللغة، لا بالحقيقة ولا بالمجاز؛ لأنا إن جوزنا ذلك فتح علينا قول من يزعم أن لكل ظاهر باطنا، واللغة لا تدل على ما ذكروه، فإنه ليست دلالة الكاف أولى من دلالته على الكريم أو الكبير أو على اسم آخر من أسماء الرسول ﵌ أو الملائكة أو الجنة أو النار، فيكون حمله على بعضها دون البعض تحكما لا تدل عليه اللغة أصلا (١). ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا. إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ أي هذا المتلو ذكر رحمة ربك الذي نقصه عليك عبده زكريا، الذي كان نبيا عظيما من أنبياء بني إسرائيل، وزوجته خالة عيسى ﵇، وأنه-كما في صحيح البخاري- كان نجارا يأكل من عمل يده في النجارة، حين دعا ربّه دعاء خفيّا مستترا، إخلاصا وبعدا عن الرياء، ولئلا ينسب في طلب الولد-وهو عجوز كبير-إلى الرعونة، ويكون محل اللوم والتهكم من قومه. والمراد بذكر الرحمة: بلوغها وإصابتها وإجابة الله دعاء زكريا وهو: ﴿قالَ: رَبِّ، إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً، وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً﴾ أي قال زكريا: يا ربّ، لقد صرت فاتر العظام، ضعيف القوى، هرما كثير الشيب جدا، ولم أعهد منك إلا إجابة الدعاء، ولم تردّني قط فيما سألتك، فما كنت خائبا، بل كلما دعوتك استجبت لي، وإني خفت أقاربي العصبات من بني العم ونحوهم إهمال أمر الدين وتضييعه بعد موتي، فطلبت ولدا نبيا من بعدي يحرس بنبوته شأن الدين والوحي، وكانت امرأتي (وهي أخت حمنة أم مريم) عاقرا لا تلد. واسم امرأته: إيشاع بنت فاقوذا بن قبيل، أخت حمنة بنت فاقوذا، وعلى هذا يكون يحيى ابن خالة عيسى ﵉ على الحقيقة.

стр. 4718

ويلاحظ أنه ذكر مسوغات ثلاثة لدعائه، تستدعي العطف والرحمة والشفقة، وهي: ١ - ضعف البدن باطنا وظاهرا، أي ضعف العظام وظهور الشيب. ٢ - كونه مستجاب الدعاء، فلم يكن في وقت من الأوقات خائبا، بل كان كلما دعا ربه أجابه. ٣ - خوفه من ورثته من ضياع الدين وما يوحى إليه بعد موته، ولم يكن خوفه من إرث المال، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من الإشفاق على ماله، ولأنه لم يكن ذا مال، وإنما كان نجارا يأكل من كسب يده، ولأنه كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﵌ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» وفي رواية الترمذي: «نحن معشر الأنبياء لا نورث» ويكون ميراث الأنبياء هو وراثة النبوة أو العلم والمحافظة على الدين والدعوة إليه. ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي، وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي فامنحني وأعطني من جنابك وواسع فضلك وليا يلي أمر الدين، يكون ولدا من صلبي يرثني النبوة، وهذا ما أراده وإن لم يصرح به، ويرث ميراث آل يعقوب وهي وراثة العلم والنبوة على الراجح لا وراثة المال، كما تقدم، فيرث ما عندهم من العلم، ويقوم برعاية أمورهم في الدين، واجعله يا رب برّا تقيا مرضيا عندك في أخلاقه وأفعاله، ترضاه وتحبه أنت ويرضاه عبادك ويحبونه، ليكون أهلا لحمل رسالة الدين وتعليمه وتبليغه وإقامة شعائره. ونظير الآية: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ، قالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [آل عمران ٣٨/ ٣]، ﴿وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً، وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ﴾ [الأنبياء ٨٩/ ٢١]. ويعقوب: هو إسرائيل، وكان زكريا متزوجا بأخت مريم بنت عمران، ويرجع نسبها إلى يعقوب؛ لأنها

стр. 4719

من ولد سليمان بن داود، وهو من ولد يهوذا بن يعقوب، وزكريا من ولد هارون أخي موسى، وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب، وكانت النبوة في سبط يعقوب بن إسحاق. فأجاب الله دعاءه، كما قال تعالى: ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي فاستجاب الله دعاءه وناداه من جهة الملائكة: يا زكريا إنا نبشرك بمنحتنا لك غلاما اسمه يحيى (معرّب يوحنا، وهو يوحنا المعمدان الذي كان يعمّد الناس) لم يسمّ أحد قبله بهذا الاسم. وقال مجاهد: لم يجعل له شبيها ولا مثلا ولا نظيرا، أخذه من معنى قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥/ ١٩]، أي شبيها. وقال ابن عباس: «لم تلد العواقر قبله مثله». وهذا دليل على أن زكريا وامرأته عاقران لا يولد لهما، بخلاف إبراهيم وسارّة ﵉، فإنهما تعجبا من البشارة بإسحاق، لكبرهما، لا لعقرهما، فقد ولد لإبراهيم قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة. فتعجب زكريا من هذه البشارة سائلا: ﴿قالَ: رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ تعجب زكريا ﵇ حين أجيب دعاؤه، وفرح فرحا شديدا، وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقرا لم تلد من أول عمرها مع كبرها وكبره، فتساءل متأثرا بالأحوال المعتادة لا مستبعدا قدرة الله تعالى: كيف يكون لي ولد، وامرأتي عاقر لا تحبل ولا تلد، وقد كبرت وضعفت؟ فقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ معناه: انتهى سنه وكبر ونحل عظمه وفقد القدرة على جماع النساء. فأجابه الله تعالى بقوله:

стр. 4720

﴿قالَ: كَذلِكَ، قالَ رَبُّكَ: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ أي قال الله تعالى من جهة الملك مجيبا زكريا عما تعجب منه: الأمر كما قلت، سنهب لك ولدا بالرغم من العقم والهرم، هو علي سهل ميسور، إذا أردت شيئا قلت له: كن فيكون، وقد خلقتك ابتداء وأوجدتك من العدم المحض، ولم تك شيئا قبل ذلك، فإيجاد الولد بطريق التوالد المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه. وهذا دليل على القدرة الإلهية الفائقة، فإنه تعالى يسهل عليه كل شيء، وقد قرر هنا أن الأمر سهل يسير عليه، وذكر ما هو أعجب مما سأل عنه زكريا، بحسب تقدير الناس، والحقيقة أن الأمرين على قدرة الله سواء، فسيان خلق الإنسان من العدم أو من طريق التوالد، ومن قدر على خلق الذات، فهو قادر على تبديل الصفات، فيعيد الله إليه وإلى زوجته القدرة على الإنجاب، كما قال: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ، وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى، وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء ٩٠/ ٢١]. ثم أخبر الله تعالى عن طلب آخر لزكريا هو تعرف وقت طلوع المبشر به، فقال: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي قال زكريا: يا رب اجعل لي علامة ودليلا على وقت وجود الأمر المبشر به وهو حمل امرأتي، لتستقر نفسي، ويطمئن قلبي بما وعدتني، إذ الحمل خفي في مبدئه، ولا سيما ممن انقطع حيضها في الكبر. فأجابه الله مرة أخرى إلى مطلبه قائلا: ﴿قالَ: آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ أي قال الله بواسطة الملك: علامتك على وقوع المسؤول وحصول البشرى من الله سبحانه بحمل امرأتك بابنها يحيى أن يعتقل لسانك، ويحبس عن الكلام، فلا تقدر على تكليم الناس ومحاورتهم مدة ثلاث ليال، وأنت صحيح سوي الخلق، ليس بك آفة أو مرض أو علة تمنعك من الكلام.

стр. 4721

ونظير الآية: ﴿قالَ: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً، قالَ: آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ [آل عمران ٤١/ ٣]. فقوله تعالى ﴿سَوِيًّا﴾ صحيح الخلق سوي من غير مرض ولا علة، وقيل: متتابعات، والقول الأول عن الجمهور أصح. وهذا دليل على أنه لم يكن يكلّم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها إلا رمزا أي إشارة، ولهذا قال تعالى هنا: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ، فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي فخرج زكريا على قومه من المحراب وهو مصلاه الذي بشر فيه بالولد (وهو المسمى عند أهل الكتاب بالمذبح: وهو مقصورة في مقدّم المعبد يصعد إليها بدرج بحيث يصبح المتعبد فيها محجوبا عمن في المعبد) وقد كان الناس ينتظرونه للصلاة في الغداة والعشي، فأشار إليهم إشارة خفية سريعة، ولم يستطع أن يكلّمهم بذلك، أن يقولوا: سبحان الله (أي تنزيها لله عن الشريك والولد وعن كل نقص) في الصباح والمساء في صلاتي الفجر والعصر، شكرا لله على ما أولاه، وقد كان أخبرهم بما بشّر به قبل ذلك. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ١ - إن الله تعالى قص على نبيه قصة زكريا وما بشر به من الولد، في سن الكبر والشيخوخة وحال عقم امرأته منذ بداية عمرها، ليكون ذلك آية على قدرة الله العجيبة التي تستدعي الإيمان به إيمانا مطلقا. ٢ - الجهر والإخفاء في الدعاء عند الله سيان؛ لقوله تعالى: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف ٥٥/ ٧]، ولكن زكريا

стр. 4722

عليه السلام ناجى ربه ودعاه في محرابه في حال الخفاء وهو أولى؛ لأنه أبعد عن الرياء، وأقرب إلى الإخلاص، ولئلا يلام على طلب الولد في زمان الشيخوخة. ٣ - قدّم زكريا ﵇ على السؤال أمورا ثلاثة مثل حيثيات الحكم القضائي: أحدها-كونه ضعيفا، والثاني-أن الله تعالى ما ردّ دعاءه مطلقا، والثالث-كون المطلوب بالدعاء سببا في المنفعة الدينية. ٤ - قال العلماء: يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه، وما يليق بالخضوع؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ إظهار للخضوع. وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ إظهار لعادات تفضله في إجابته أدعيته، أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك، وعوّدتني الإجابة فيما مضى. وقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ﴾ حرص على مصلحة الدين، فإن أقاربه كانوا مهملين للدين، فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب وليا يقوم بالدين من بعده، لا أنه سأل من يرث ماله؛ لأن الأنبياء لا تورث؛ للحديث المتقدم في الصحيحين: «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة»، وفي سنن أبي داود: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم» فتكون الوراثة على لسان زكريا هي وراثة الدين، وتكون مستعارة. وقد ورث يحيى من آل يعقوب النبوة والحكمة والعلم والدين، كما أن سليمان ورث من داود الحكمة والعلم، ولم يرث منه مالا خلّفه له بعده. ٥ - قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ سؤال ودعاء، ولم يصرح بولد، لشيخوخته وعقم امرأته، قال قتادة: جرى له هذا الأمر وهو ابن بضع وسبعين سنة. وقال مقاتل: خمس وتسعين سنة، قال القرطبي: وهو أشبه، فقد كان غلب على ظنه أنه لا يولد له لكبره؛ ولذلك قال: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.

стр. 4723

٦ - يجوز الدعاء بالولد، ويجوز التضرع إلى الله في هداية الولد، اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء، وقد دعا النبي ﵌ لأنس خادمه فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته» فدعا له بالبركة تحرزا مما يؤدي إليه الإكثار من الهلكة. وكان دعاء زكريا أن يجعل الولي الوارث له مرضيا في أخلاقه وأفعاله. ٧ - دعاء زكريا ﵇ لم يكن بالواسطة، وإنما كان يخاطب ربه مباشرة قائلا: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾، ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، ﴿فَهَبْ لِي﴾، ﴿رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾. كذلك قوله تعالى: ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ..﴾. نداء من الله تعالى، وإلا لفسد النظم. ويرى جماعة أن هذا نداء الملك؛ لقوله تعالى: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ، وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ [آل عمران ٣٩/ ٣]، وقوله سبحانه: ﴿قالَ: كَذلِكَ، قالَ رَبُّكَ: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وهذا لا يجوز أن يكون كلام الله تعالى، فوجب أن يكون كلام الملك. وأجاب الرازي عن آية ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ بأنه يحتمل حصول النداءين: نداء الله ونداء الملائكة، وعن آية ﴿قالَ رَبُّكَ.﴾. بأنه يمكن أن يكون كلام الله تعالى (١). ٨ - في قوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ دليل وشاهد على أن الأسامي السّنع (الجميلة) جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية، لكونها أنبه، وأنزه عن النّبز. ٩ - قوله تعالى: ﴿قالَ: رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾؟ ليس شكا في قدرة الله تعالى على ذلك، وإلا كان كفرا، وهو غير جائز على الأنبياء ﵈،

стр. 4724

وليس إنكارا لما أخبر الله تعالى به، بل على سبيل التعجب والانبهار من قدرة الله تعالى أن يخرج ولدا من امرأة عاقر وشيخ كبير. ١٠ - قوله تعالى: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾ دليل على قدرة الله الباهرة، سواء في تغيير الصفات أو إبداع الذوات، فكما أن الله خلق الإنسان من العدم، ولم يك شيئا موجودا، فهو القادر على خلق يحيى وإيجاده. ١١ - قوله سبحانه: ﴿قالَ: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ بعد قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾ زيادة طمأنينة، كما طلب إبراهيم ﵇ آية تدل على كيفية الخلق وإحياء الموتى، والمراد: تمم النعمة بأن تجعل لي آية وعلامة أتعرف بها وجود الحمل، بعد بشارة الملائكة إياه. ١٢ - قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ﴾ وهو أرفع المواضع، وأشرف المجالس، دليل على أن ارتفاع الإمام على المأمومين كان مشروعا عندهم، وقد أجاز ذلك الإمام أحمد وغيره متمسكا بقصة المنبر. ومنع الإمام مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير، خوفا من الكبر على الإمام، وعملا بما رواه أبو داود عن ثلاثة من الصحابة (حذيفة وأبو مسعود، وعمار) من نهي النبي ﵌ عن ذلك: «إذا أمّ الرجل القوم، فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم». ١٣ - قوله سبحانه: ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ دليل على جواز العمل بالإشارة المفهمة. واتفق مالك والشافعي والكوفيون على أن الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه.

стр. 4725

إيتاء يحيى ﵇ النبوة والحكم صبيا ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ الإعراب: ﴿خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ الباء في موضع الحال، أي خذ الكتاب مجدّا مجتهدا. ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿الْحُكْمَ﴾ مفعول ثان لآتيناه، و ﴿صَبِيًّا﴾ حال من هاء ﴿آتَيْناهُ﴾ الذي هو المفعول الأول. ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا﴾ معطوف منصوب على ﴿الْحُكْمَ﴾. المفردات اللغوية: ﴿يا يَحْيى﴾ على تقدير القول، أي قلنا، ويحيى هو ابن خالة عيسى ﵉. ﴿خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ بجدّ واجتهاد. ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي أعطيناه النبوة، أو الحكمة وفهم التوراة، أو الفقه في الدين، وذلك في حال الصبا، قيل: كان ابن ثلاث سنين، وعن ابن عباس في حديث مرفوع: ابن سبع سنين. ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا﴾ رحمة وعطفا على الناس من عندنا. ﴿وَزَكاةً﴾ تطهيرا من الذنوب والآثام. ﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾ مطيعا لما أمر به، متجنبا المعاصي وكل ما نهي عنه، فلم يفعل خطيئة ولا هم بها. ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ أي كثير البرّ والإحسان إليهما. ﴿جَبّاراً﴾ متكبرا متعاليا عن الحق. ﴿عَصِيًّا﴾ عاصيا أمر ربه. ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ أي أمان من الله عليه. ﴿يَوْمَ وُلِدَ، وَيَوْمَ يَمُوتُ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي أنه آمن في هذه الأيام المخوفة من عذاب النار وهول القيامة ومكدرات الحياة الدنيوية، فهو آمن حين الولادة من مؤثرات الشيطان، وحين الموت من عذاب القبر، وفي القيامة من عذاب جهنم.

стр. 4726

قصة يحيى ﵇: ذكر يحيى خمس مرات في القرآن الكريم، في آل عمران [٣٩]، وفي الأنعام [٨٥]، وفي مريم [١٢، ٧]، وفي الأنبياء [٩٠]، وكان يحيى تقيا صالحا منذ صباه، وكان عالما بارعا في الشريعة الموسوية ومرجعا في أحكامها، وصار نبيا وهو صبي: ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ وكان يدعو الناس إلى التوبة من الذنوب، وكان يعمّدهم أي يغسلهم في نهر الأردن للتوبة من الخطايا، وقد أخذ النصارى طريقته، ويسمونه «يوحنا المعمدان». وكان لأحد حكام فلسطين «هيرودس» بنت أخ تسمى «هيروديا» بارعة الجمال، أراد عمها هذا أن يتزوجها، وكانت البنت وأمها تريدان ذلك، فلم يوافق يحيى ﵇ على هذا الزواج؛ لأنه محرم، فرقصت الفتاة أمام عمها فأعجب بها، وطلب إليها ما تتمناه ليعمله لها، فطلبت منه بمؤامرة أمها رأس يحيى بن زكريا، ففعل وقتل يحيى. ولما بلغ المسيح أن يحيى قتل، جهر بدعوته، وقام في الناس واعظا (١). التفسير والبيان: ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ في الكلام محذوف تقديره: أنه ولد لزكريا المولود، ووجد الغلام المبشر به، وهو يحيى ﵇، فخاطبه الله تعالى بعد أن بلغ المبلغ الذي يخاطب به، فقال له: يا يحيى خذ التوراة المتدارسة والتي يحكم بها النبيون، والتي هي نعمة على بني إسرائيل، بجد واجتهاد وعزيمة وحرص على العمل بها. ثم ذكر الله تعالى ما أنعم به عليه وعلى والديه، فقال ذاكرا صفاته:

стр. 4727

١ - ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي وأعطيناه الحكم والفهم للكتاب والفقه في الدين والإقبال على الخير، وهو صغير حدث دون سبع سنين. وقيل: الحكمة: النبوة؛ لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى ﵉، وهما صبيان، قال الرازي: والأقرب حمله على النبوة لوجهين: الأول-أن الله تعالى وصفه بصفات شريفة، والنبوة أشرف صفات الإنسان، فذكرها في معرض المدح أولى من ذكر غيرها. الثاني-أن الحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره، ولغيره على الإطلاق، وذلك لا يكون إلا بالنبوة. قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيي بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقنا، فلهذا أنزل الله: ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. ٢ - ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا﴾ أي رحمناه رحمة من عندنا. والحنان: الرحمة والشفقة والعطف والمحبة. قال ابن كثير: والظاهر من السياق أن قوله: ﴿وَحَناناً﴾ معطوف على قوله: ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي وآتيناه الحكم وحنانا وزكاة، أي وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان: هو المحبة في شفقة وميل (١). ٣ - ٥: ﴿وَزَكاةً، وَكانَ تَقِيًّا، وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ أي وجعلنا مباركا للناس، يهديهم إلى الخير، مطهرا من الدنس والرجس والآثام والذنوب، وكان تقيا، أي متجنبا لمعاصي الله، مطيعا له، وكثير البر والطاعة لوالديه، متجنبا عقوقهما قولا وفعلا، أمرا ونهيا، فهو مطيع لله ولأبويه.

стр. 4728

٦ - ٧: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا﴾ أي لم يكن متكبرا على الناس، بل كان متواضعا لهم، ولم يكن مخالفا عاصيا ما أمره به ربه، روى عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﵌: «ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا». وبعد ذكر هذه الأوصاف الجميلة ليحيي ذكر الله تعالى جزاءه على ذلك، فقال: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي له الأمان من الله في هذه الثلاثة أحوال: أمان عليه من الله يوم الولادة، فقد أمن أن يناله الشيطان في ذلك اليوم كما ينال سائر بني آدم، ويوم الموت، فيأمن عذاب القبر، ويوم البعث يأمن هول يوم القيامة وعذابه. قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم ولد، فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت، فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم، فأكرم الله يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. فقه الحياة أو الأحكام: ذكر الله تعالى في هذه الآيات تسع صفات ليحيي بن زكريا ﵉ وهي: ١ - الجد والصبر على القيام بأمر النبوة، فليس المراد من قوله ﴿خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ القدرة على الأخذ؛ لأن ذلك معلوم لكل أحد، فيجب حمله على معنى يفيد المدح وهو الجد والصبر على النبوة. ٢ - إيتاؤه النبوة وهو صبي؛ لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى ﵉ وهما صبيان، لا كما بعث موسى ومحمدا ﵉، وقد بلغا الأشد وهو أربعون سنة.

стр. 4729

٣ - جعله ذا حنان، أي محبة ورحمة وشفقة على الناس، كصفة النبي ﵌ بأنه الرؤوف الرحيم. ٤ - جعله ذا بركة ونفع ونماء بتقديم الخير للناس وهدايتهم، كما وصف عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مريم ٣١/ ١٩]. ٥ - كونه تقيا: يتقي نهي الله فيجتنبه، ويتقي أمر الله فلا يهمله، ولهذا لم يعمل خطيئة ولم يلّم بها. ٦ - بارا بوالديه: فلا عبادة بعد تعظيم الله تعالى مثل تعظيم الوالدين، والله تعالى جعل طاعة الوالدين بعد طاعته مباشرة، فقال: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ [الإسراء ٢٣/ ١٧]. ٧ - لم يكن جبارا متكبرا: بل كان ليّن الجانب متواضعا، وذلك من صفات المؤمنين، وقد أمر الله نبيه ﵌ بذلك فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر ٨٨/ ١٥] وقال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران ١٥٩/ ٣]. ٨ - لم يكن عصيا لربه ولا لوالديه. ٩ - سلام وأمان من الله عليه يوم مولده ويوم وفاته ويوم بعثه. وقال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف وأنبه من الأمان؛ لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهي أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله تعالى عليه، وحياة في المواطن التي يكون الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول.

стр. 4730

قصة مريم - ١ - حملها بعيسى ﵇ ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢)﴾ الإعراب: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ بدل من مريم بدل اشتمال. ﴿مَكاناً شَرْقِيًّا﴾ ﴿مَكاناً﴾ إما ظرف مكان منصوب، وعامله ﴿اِنْتَبَذَتْ﴾ وإما مفعول به، وعامله مقدر، أي وقصدت مكانا قصيا. و ﴿شَرْقِيًّا﴾ صفة له. ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ الواو: إما واو عطف على قوله ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ وإما زائدة. البلاغة: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ كناية عن المعاشرة الزوجية بالجماع. ﴿شَرْقِيًّا﴾ ﴿سَوِيًّا﴾ ﴿تَقِيًّا﴾ ﴿بَغِيًّا﴾ ﴿مَقْضِيًّا﴾ ﴿قَصِيًّا﴾ ﴿سَرِيًّا﴾ ﴿نَبِيًّا﴾ .. إلخ سجع لطيف.
следующие страницы →