قصة يحيى ﵇:
ذكر يحيى خمس مرات في القرآن الكريم، في آل عمران [٣٩]، وفي الأنعام [٨٥]، وفي مريم [١٢، ٧]، وفي الأنبياء [٩٠]، وكان يحيى تقيا صالحا منذ صباه، وكان عالما بارعا في الشريعة الموسوية ومرجعا في أحكامها، وصار نبيا وهو صبي: ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ وكان يدعو الناس إلى التوبة من الذنوب، وكان يعمّدهم أي يغسلهم في نهر الأردن للتوبة من الخطايا، وقد أخذ النصارى طريقته، ويسمونه «يوحنا المعمدان».
وكان لأحد حكام فلسطين «هيرودس» بنت أخ تسمى «هيروديا» بارعة الجمال، أراد عمها هذا أن يتزوجها، وكانت البنت وأمها تريدان ذلك، فلم يوافق يحيى ﵇ على هذا الزواج؛ لأنه محرم، فرقصت الفتاة أمام عمها فأعجب بها، وطلب إليها ما تتمناه ليعمله لها، فطلبت منه بمؤامرة أمها رأس يحيى بن زكريا، ففعل وقتل يحيى. ولما بلغ المسيح أن يحيى قتل، جهر بدعوته، وقام في الناس واعظا (١).
التفسير والبيان:
﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ في الكلام محذوف تقديره: أنه ولد لزكريا المولود، ووجد الغلام المبشر به، وهو يحيى ﵇، فخاطبه الله تعالى بعد أن بلغ المبلغ الذي يخاطب به، فقال له: يا يحيى خذ التوراة المتدارسة والتي يحكم بها النبيون، والتي هي نعمة على بني إسرائيل، بجد واجتهاد وعزيمة وحرص على العمل بها.
ثم ذكر الله تعالى ما أنعم به عليه وعلى والديه، فقال ذاكرا صفاته:
стр. 4727
١ - ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي وأعطيناه الحكم والفهم للكتاب والفقه في الدين والإقبال على الخير، وهو صغير حدث دون سبع سنين. وقيل: الحكمة:
النبوة؛ لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى ﵉، وهما صبيان، قال الرازي: والأقرب حمله على النبوة لوجهين:
الأول-أن الله تعالى وصفه بصفات شريفة، والنبوة أشرف صفات الإنسان، فذكرها في معرض المدح أولى من ذكر غيرها.
الثاني-أن الحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره، ولغيره على الإطلاق، وذلك لا يكون إلا بالنبوة.
قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيي بن زكريا:
اذهب بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقنا، فلهذا أنزل الله: ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
٢ - ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنّا﴾ أي رحمناه رحمة من عندنا. والحنان: الرحمة والشفقة والعطف والمحبة. قال ابن كثير: والظاهر من السياق أن قوله:
﴿وَحَناناً﴾ معطوف على قوله: ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي وآتيناه الحكم وحنانا وزكاة، أي وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان: هو المحبة في شفقة وميل (١).
٣ - ٥: ﴿وَزَكاةً، وَكانَ تَقِيًّا، وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ أي وجعلنا مباركا للناس، يهديهم إلى الخير، مطهرا من الدنس والرجس والآثام والذنوب، وكان تقيا، أي متجنبا لمعاصي الله، مطيعا له، وكثير البر والطاعة لوالديه، متجنبا عقوقهما قولا وفعلا، أمرا ونهيا، فهو مطيع لله ولأبويه.
стр. 4728
٦ - ٧: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا﴾ أي لم يكن متكبرا على الناس، بل كان متواضعا لهم، ولم يكن مخالفا عاصيا ما أمره به ربه،
روى عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﵌: «ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا».
وبعد ذكر هذه الأوصاف الجميلة ليحيي ذكر الله تعالى جزاءه على ذلك، فقال: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي له الأمان من الله في هذه الثلاثة أحوال: أمان عليه من الله يوم الولادة، فقد أمن أن يناله الشيطان في ذلك اليوم كما ينال سائر بني آدم، ويوم الموت، فيأمن عذاب القبر، ويوم البعث يأمن هول يوم القيامة وعذابه.
قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم ولد، فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت، فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم، فأكرم الله يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.
فقه الحياة أو الأحكام:
ذكر الله تعالى في هذه الآيات تسع صفات ليحيي بن زكريا ﵉ وهي:
١ - الجد والصبر على القيام بأمر النبوة، فليس المراد من قوله ﴿خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ القدرة على الأخذ؛ لأن ذلك معلوم لكل أحد، فيجب حمله على معنى يفيد المدح وهو الجد والصبر على النبوة.
٢ - إيتاؤه النبوة وهو صبي؛ لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى ﵉ وهما صبيان، لا كما بعث موسى ومحمدا ﵉، وقد بلغا الأشد وهو أربعون سنة.
стр. 4729
٣ - جعله ذا حنان، أي محبة ورحمة وشفقة على الناس، كصفة النبي ﵌ بأنه الرؤوف الرحيم.
٤ - جعله ذا بركة ونفع ونماء بتقديم الخير للناس وهدايتهم، كما وصف عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مريم ٣١/ ١٩].
٥ - كونه تقيا: يتقي نهي الله فيجتنبه، ويتقي أمر الله فلا يهمله، ولهذا لم يعمل خطيئة ولم يلّم بها.
٦ - بارا بوالديه: فلا عبادة بعد تعظيم الله تعالى مثل تعظيم الوالدين، والله تعالى جعل طاعة الوالدين بعد طاعته مباشرة، فقال: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ [الإسراء ٢٣/ ١٧].
٧ - لم يكن جبارا متكبرا: بل كان ليّن الجانب متواضعا، وذلك من صفات المؤمنين، وقد أمر الله نبيه ﵌ بذلك فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر ٨٨/ ١٥] وقال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران ١٥٩/ ٣].
٨ - لم يكن عصيا لربه ولا لوالديه.
٩ - سلام وأمان من الله عليه يوم مولده ويوم وفاته ويوم بعثه. وقال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف وأنبه من الأمان؛ لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهي أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله تعالى عليه، وحياة في المواطن التي يكون الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول.
المفردات اللغوية:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ﴾ واذكر في القرآن خبر مريم. ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ حين اعتزلت.
﴿مَكاناً شَرْقِيًّا﴾ أي اعتزلت في مكان نحو الشرق من الدار. ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً﴾ أرسلت سترا تستتر به للاغتسال من الحيض، وكانت في العادة تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت، وتعود إليه إذا طهرت، فبينا هي في مغتسلها أتاها جبريل متمثلا بصورة شاب أمرد، سوي الخلق، لتستأنس بكلامه. ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا﴾ جبريل. ﴿فَتَمَثَّلَ لَها﴾ بعد لبسها ثيابها. ﴿بَشَراً سَوِيًّا﴾ تام الخلق. ﴿قالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ﴾ من غاية عفافها. ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تتقي الله، وتحتفل بالاستعاذة، فتنتهي عني بتعوذي. وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي فإني عائذة منك، أو فاتعظ بتعويذي، أو فلا تتعرض لي. ويجوز أن يكون للمبالغة، أي إن كنت تقيا متورعا، فإني أعوذ منك، فكيف إذا لم تكن كذلك.
﴿قالَ: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ الذي استعذت به. ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾ أي لأكون سببا في هبته بالنفخ في القميص (الدرع). و ﴿زَكِيًّا﴾ طاهرا من الذنوب، أو ناميا على الخير والصلاح. ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ولم يباشرني رجل بالحلال من طريق الزواج. ﴿بَغِيًّا﴾ زانية.
﴿قالَ: كَذلِكِ﴾ أي الأمر هكذا من خلق غلام منك من غير أب، أو كذلك الأمر حكم ربّك، بمجيء الغلام منك، وإن لم يكن لك زوج. ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي فإن الأمر على الله يسير سهل. ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ على قدرتنا، وهذا معطوف على جملة. ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ التي هي في معنى العلة. ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ أي ورحمة لهم ببعثته نبيا يهتدون بإرشاده، لمن آمن به.
﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ أي وكان خلقه أمرا مقضيا به في الأزل وفي علم الله، فنفخ جبريل في جيب قميصها، فأحست بالحمل في بطنها مصورا، إذ دخلت النفخة في جوفها، وكانت مدة حملها سبعة أشهر، وقيل: ثمانية، أو تسعة، وقيل: ساعة، كما حملته نبذته، وسنها ثلاث عشرة سنة، وقيل:
عشر سنين، وقد حاضت حيضتين، والأولى أن يكون حملها في المدة المعتادة وهي تسعة أشهر، إذ لا دليل على تلك الأقوال.
﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا﴾ اعتزلت، وهو في بطنها، مكانا بعيدا من أهلها وراء الجبل.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة زكريا ﵇، وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدا زكيا طاهرا مباركا، أردفه بذكر قصة مريم في إنجاب ولدها عيسى ﵇ من غير أب، وبين القصتين تناسب وتشابه واضح
стр. 4732
ظاهر، ولذا ذكرا معا في آل عمران وهنا وفي الأنبياء، لتقاربهما في المعنى، ليدل تعالى عباده على قدرته وعظمة سلطانه وأنه على ما يشاء قادر.
وعملا بمبدإ الانتقال في البيان والتعليم من الأسهل إلى الأصعب، بدأ تعالى بقصة يحيى ﵇؛ لأن خلقه من أبوين كبيرين أقرب إلى العادة والتصديق من خلق الولد بلا أب، ثم ذكر قصة عيسى؛ لأنها أغرب من تلك.
التفسير والبيان:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا﴾ أي واذكر يا محمد الرسول للناس في هذه السورة قصة مريم البتول بنت عمران من سلالة داود ﵇، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، حين تنحّت، واعتزلت من أهلها، وتباعدت عنهم إلى مكان شرقي بيت المقدس أو المسجد المقدس؛ لتنقطع إلى العبادة.
روى ابن جرير عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبله؛ لقول الله تعالى: ﴿اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا﴾ واتخذوا ميلاد عيسى قبلة.
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً، فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا، فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ أي استترت منهم وتوارت بساتر أو حاجز يسترها عنهم لئلا يروها حال العبادة، فأرسلنا إليها جبريل ﵇، متمثلا بصورة إنسان تام كامل، لتأنس بكلامه، ولئلا تنفر من محاورته في صورته الملكية، فظنت أنه يريدها بسوء.
وقوله: ﴿رُوحَنا﴾ هو جبريل، كما جاء في آية أخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩٣/ ٢٦ - ١٩٤].
стр. 4733
فكان موقفها منه كما قال تعالى:
﴿قالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي قالت السيدة مريم لعذراء البتول: إني أستعيذ (أو أستجير) بالرحمن منك أن تنالني بسوء إن كنت تخاف الله، فاخرج من وراء الحجاب. وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولا بالله ، والاستعاذة والتخويف لا يؤثران إلا في التقي، وهو كقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٧٨/ ٢] أي إن الإيمان يقتضي ذلك ويوجبه، لا أن الله تعالى يخشى في حال دون حال، وهذا دليل عفتها وورعها.
فأجابها جبريل ﵇:
﴿قالَ: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾ أي قال الملك جبريل مهدئا روعها ومزيلا خوفها: لست أريد بك سوءا، ولكن أنا رسول إليك من ربك الذي استعذت به، ولست ممن يتوقع منه السوء أو مما تظنين، بعثني الله إليك لأهب لك غلاما طاهرا من الذنوب، ينمو على النزاهة والعفة. وقد نسب الهبة لنفسه لجريانها على يده بأمر الله تعالى.
فتعجبت مريم مما سمعت، وقالت:
﴿قالَتْ: أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ أي قالت لجبريل: كيف يكون لي غلام؟ وعلى أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، أو لم يقربني زوج، ولا يتصور مني الفجور، فلم أك يوما ما بغيا، أي زانية، تبغي الرجال بالأجر. وجوابها هذا لم يكن عن استبعاد لقدرة الله، وإنما عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل، والعادات عند أهل المعرفة معتبرة في الأمور، وإن حدث خلاف هذا في القدرة الإلهية، فإنها عرفت أنه
стр. 4734
تعالى خلق أبا البشر من غير أب ولا أم، فهل سيكون هذا الولد مخلوقا بخلق الله ابتداء كآدم، أم عن طريق زوج تتزوجه في المستقبل؟ فأجابها بقوله:
﴿قالَ: كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ، وَرَحْمَةً مِنّا، وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ أي فقال لها الملك مجيبا لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلاما، وإن لم يكن لك زوج (بعل) ولا من طريق الفاحشة، فإنه على ما يشاء قادر، وليجعل خلقه برهانا للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوّع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى فقط، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى.
ويجعل هذا الغلام أيضا رحمة من الله لعباده، يبعثه نبيا من الأنبياء، يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، وكان هذا الأمر مقدرا قد قدره الله في سابق علمه، وجف به القلم، فلا يغير ولا يبدّل.
ونظير آخر الآية: ﴿كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ، إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٤٧/ ٣] ونظير القسم السابق له وهو: ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ قوله سبحانه: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤٥/ ٣ - ٤٦].
ونظير قوله: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ قوله سبحانه: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها، فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ [التحريم ١٢/ ٦٦].
وحدث مراد الله تعالى:
стр. 4735
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا﴾ أي لما قال جبريل لها عن الله تعالى ما قال، استسلمت لقضاء الله تعالى، فنفخ جبريل في جيب درعها (فتحة قميصها) فنزلت النفخة في جوفها، حتى ولجت فرجها، فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فاعتزلت إلى مكان بعيد. والفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه.
ولم يعيّن القرآن الكريم مدة الحمل، إذ لا حاجة لمعرفتها، لذا نرى أن حملها كان بحسب المعتاد بين النساء، وهو تسعة أشهر قمرية. وإنما اتخذت المكان البعيد لا من أجل الوضع، وإنما حياء من قومها، وبعدا عن اتهامها بالريبة.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه بداية قصة السيدة مريم العذراء، حكى فيها الحق سبحانه كيفية حملها بعيسى ﵇، مبينا مقدمات ضرورية لإبراز عفتها وصونها.
فهي قد اعتزلت أهلها شرقي البيت المقدس للانقطاع للعبادة وللخلوة مع الله ومناجاة ربها، فأرسل الله إليها جبريل ﵇ بصورة بشر تام الخلقة؛ لأنها لم تكن لتطيق أو تنظر جبريل في صورته الحقيقية الملكية، ولما رأت رجلا حسن الصورة في صورة البشر، قد خرق عليها الحجاب، ظنت أنه يريدها بسوء، فتعوذت بالله منه إن كان ممن يتقي الله.
فأخبرها جبريل بأنه رسول من عند الله بعثه إليها ليهبها غلاما طاهرا نقيا من الذنوب والمعاصي، وجعل الهبة من قبله؛ لأنه الواسطة ورسول الاعلام بالهبة من قبله. روي أن جبريل ﵇ حين قال لها هذه المقالة نفخ في جيب درعها وكمّها.
فتساءلت مريم عن وسيلة إيجاد الغلام، لا استبعادا لقدرة الله تعالى، ولكن أرادت معرفة كيفية تكوّن هذا الولد، من قبل الزوج الذي تتزوجه في
стр. 4736
المستقبل، أم يخلقه الله ابتداء؟ وهي الآن ليست ذات زوج، ولم تكن في أي وقت زانية، وذكرت هذا تأكيدا؛ لأن قولها: ﴿لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ يشمل الحلال والحرام.
فأجابها جبريل: هذا أمر قدره الله وقضى به من الأزل، فهو في سابق علمه الأزلي القديم، وهو أمر هيّن يسير على قدرة الله، فهو القادر على كل شيء، وقد خلق عيسى ﵇ من أم بلا أب، ليكون ذلك دليلا وعلامة على قدرته العجيبة في تنوع الخلق والإبداع، ويكون عيسى بنبوته رحمة لمن آمن به، وكان أمرا مقدرا في اللوح مسطورا.
فاستسلمت مريم لقضاء الله وقدره، واعتزلت بالحمل إلى مكان بعيد، حياء من قومها، وبعدا عن اتهامها بالريبة وتعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج.
قال ابن عباس: إلى أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم بينه وبين إيلياء أربعة أميال. وقال ابن عباس أيضا: ما هو إلا أن حملت فوضعت في الحال. قال القرطبي: وهذا هو الظاهر؛ لأن الله تعالى ذكر الانتباذ عقب الحمل (١).
وقال آخرون: كان الحمل بحسب المعتاد بين النساء؛ لأن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً.﴾. [المؤمنون ١٢/ ٢٣ - ١٤]. وقد ثبت في الصحيحين أن بين كل صفتين أربعين يوما، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣/ ٢٢] قال ابن كثير: فالمشهور الظاهر-والله على كل شيء قدير-أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن (٢).
стр. 4737
وقال محمد بن إسحاق: فلما حملت به، وملأت قلّتها، ورجعت، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب (المرض والضعف) والتوحم وتغير اللون، حتى فطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: إنما صاحبها يوسف النجار (وهو رجل صالح من قراباتها، كان معها في المسجد يخدم معها البيت المقدس) ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس، واتخذت من دونهم حجابا، فلا يراها أحد ولا تراه.
ويحسن أن نذكر مقطعا من حوار بين يوسف النجار ومريم، ذكره الثعلبي في العرائس عن وهب، قال: أخبريني يا مريم، هل ينبت زرع بغير بذر، وهل تنبت شجرة من غير غيث، وهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته من غير بذر، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث، وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر، بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة، أو تقول: إن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها؟ فقال يوسف: لا أقول هذا، ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، فيقول له: كن فيكون.
فقالت له مريم: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟ فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه (١).
стр. 4738
- ٢ -
ولادة عيسى وما اقترن بها
﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاِشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾
الإعراب:
﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ﴾ الباء: زائدة، أي وهزي إليك جذع النخلة. و ﴿تُساقِطْ﴾ جواب الأمر، و ﴿رُطَباً جَنِيًّا﴾ مفعول ﴿تُساقِطْ﴾ أي تساقط النخلة رطبا. وقرئ ﴿تُساقِطْ﴾ وأصله: تتساقط، فحذف إحدى التاءين تخفيفا، وقرئ تساقط وأصله:
تتساقط أيضا، فأبدل من إحدى التاءين سينا، وأدغم السين في السين. ورطبا في هاتين القراءتين:
تمييز أو حال، ويجوز النصب بهزّي، أي وهزي إليك رطبا جنيا متمسكة بجذع النخلة، والباء في موضع الحال، لا زائدة، وقرئ يساقط و ﴿رُطَباً﴾ مفعول به، أي يساقط جذع النخلة رطبا.
﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ تمييز أي من عين، مثل: طاب به نفسا، أي من نفس.
﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ﴾ أصله «ترأيين» فحذفت الهمزة منه، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فبقي ﴿تَرَيِنَّ﴾ وحذفت النون لأنها نون إعراب، لطروء البناء بدخول نون التوكيد الثقيلة (المشددة) وكسرت الياء لسكونها وسكون النون المشددة أي لالتقاء الساكنين. وإما: أدغمت فيه نون إن الشرطية في ما الزائدة.
المفردات اللغوية:
﴿فَأَجاءَهَا﴾ جاء بها وألجأها واضطرها. ﴿الْمَخاضُ﴾ وجع الولادة والطّلق حين تحرك الولد للخروج من البطن. ﴿إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة، فولدت
стр. 4739
﴿يا﴾ للتنبيه. ﴿قَبْلَ هذا﴾ الأمر، استحياء من الناس ومخافة لومهم. ﴿نَسْياً﴾ ما من شأنه أن ينسى ولا يطلب، ككل شيء حقير من وتد وحبل. ﴿مَنْسِيًّا﴾ منسي الذكر، وهو ما لا يخطر بالبال لتفاهته، والمراد من الكلمتين: شيئا متروكا لا يعرف ولا يذكر.
﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها﴾ أي عيسى، وقيل: جبريل وكان أسفل منها أي من مكانها. وقيل:
ضمير ﴿تَحْتِها﴾ عائد للنخلة. ﴿أَلاّ تَحْزَنِي﴾ أي لا تحزني أو بألا تحزني. ﴿سَرِيًّا﴾ جدولا أو نهر ماء، هكذا روي مرفوعا، وقيل: السري: السيد الشريف، أي سيدا شريفا وهو عيسى.
﴿وَهُزِّي﴾ الهز: تحريك الشيء بعنف أو بدونه، أو أميليه إليك أو افعلي الهز والإمالة به.
﴿بِجِذْعِ﴾ الباء مزيدة للتأكيد. ﴿تُساقِطْ﴾ تسقط. ﴿رُطَباً﴾ تمرا طازجا ناضجا.
﴿جَنِيًّا﴾ صالحا للاجتناء.
﴿فَكُلِي﴾ من الرطب. ﴿وَاشْرَبِي﴾ من السري-النهر. ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ أي لتقر عينك به، أي تسكن، فلا تطمح إلى غيره. ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ أي إن تري آدميا، فيسألك عن الولد. ﴿فَقُولِي﴾ أشيري إليهم، قال الفراء: العرب تسمي كل ما أفهم الإنسان شيئا كلاما بأي طريق كان. ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾ أي صمتا أو إمساكا عن الكلام في شأنه وشأن غيره من الناس، بدليل: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي أحدا من الناس بعد ذلك، أي بعد أن أخبرتكم عن نذري.
التفسير والبيان:
﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا﴾ أي فاضطرها وألجأها وجع الولادة وألم الطلق إلى الاستناد إلى جذع النخلة والتعلق به، لتسهيل الولادة، فتمنت الموت قبل ذلك الحال، استحياء من الناس، وخوفا أن يظن بها السوء في دينها، أو أن تكون شيئا لا يبالي به، ولا يعتد به أحد من الناس كالوتد والحبل، أو لم تخلق ولم تك شيئا. قال ابن كثير: فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية. قال الزمخشري: أجاء منقول من جاء إلى معنى الإلجاء.
стр. 4740
﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ أي فناداها جبريل من تحت الأكمة أو من تحت النخلة، وقيل: المنادي هو عيسى، وقد أنطقه الله بعد وضعه تطييبا لقلبها وإيناسا لها، قائلا: لا تحزني، فقد جعل ربك تحتك جدولا أو نهرا صغيرا، أجراه الله لها لتشرب منه. وقيل: المراد بالسريّ هنا عيسى، والسريّ: السيد العظيم الخصال من الرجال. قال ابن عباس: المراد ب ﴿مِنْ تَحْتِها﴾ جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها.
ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله تعالى فيها مراد عظيم، وهذا هو الأصح.
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾ أي حرّكي جذع النخلة، تسقط عليك رطبا طريا طيبا، صالحا للاجتناء والأكل من غير حاجة إلى تخمير وصناعة. وهذه آية أخرى، قال الزمخشري، كان جذع نخلة يابسة في الصحراء، ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة، وكان الوقت شتاء. وقيل: كانت النخلة مثمرة. والمهم في الأمر: وجوب اتخاذ الأسباب لتحصيل الرزق، والاعتقاد بأن الفاعل الحقيقي في تيسير الرزق هو الله تعالى، وأنه على كل شيء قدير. وأما التفاصيل فلا يجب علينا أن نعتقد إلا بما أخبر به القرآن صراحة، وأما الروايات فتحتاج إلى تثبت ودليل وسند صحيح. وما أحسن قول الشاعر:
ألم تر أن الله أوحى لمريم... وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أدنى الجذع من غير هزه... إليها ولكن كل شيء له سبب
﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ أي فكلي من ذلك الرطب، واشربي من ذلك الماء، وطيبي نفسا ولا تحزني وقرّي عينا برؤية الولد النبي، فإن الله قدير على صون سمعتك، والإرشاد إلى حقيقة أمرك. قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة.
وروى ابن أبي حاتم
стр. 4741
عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﵌: «أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، وليس من الشجر شيء يلقّح غيرها».
﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً، فَقُولِي: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً، فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي إن رأيت إنسانا يسألك عن أمرك وأمر ولدك، فأشيري له بأنك نذرت لله صوما عن الكلام، أي صمتا، بألا أكلم أحدا من الإنس، بل أكلم الملائكة، وأناجي الخالق.
والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم، يحرم عليهم الطعام والكلام، قال ابن زيد والسدّي: كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الكلام.
وليس الصوم عن الكلام مشروعا في الإسلام، روى ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان، فسلم أحدهما، ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف ألا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله بن مسعود: كلّم الناس، وسلّم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج، يعني بذلك مريم ﵍، ليكون عذرا لها إذا سئلت.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن ألم المخاض ووجع الطلق أمر معتاد في أثناء الولادة، أشبه بالموت، فتحتاج المرأة حينئذ إلى عون ورعاية، ولم تجد السيدة مريم معينا لها غير جذع النخلة، فاستندت إليه وتعلقت به، كما تتعلق الحامل لشدة وجع الطلق.
٢ - يكون تمني الموت جائزا في مثل حال السيدة مريم، فإنها تمنت الموت من جهة الدّين لسببين:
стр. 4742
أحدهما-أنها خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير، فيفتنها ذلك.
الثاني-لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنى، وذلك مهلك.
فخافت صونا لسمعتها الدينية، وحماية لتدين الآخرين حتى لا يقعوا في الذنب.
٣ - تظاهرت الروايات بأن السيدة مريم ولدت عيسى ﵇ لثمانية أشهر، وقد عاش، وتلك خاصة له، وقيل: ولدته لتسعة، أو لستة. ويرى ابن عباس كما تقدم أنها حملت فوضعت في الحال؛ لأن الله تعالى ذكر الانتباذ عقب الحمل.
٤ - لقد اقترنت ولادة السيدة مريم بأنواع من الألطاف الإلهية، فقد ناداها جبريل ﵇ بأن الله جعل من تحتها نهرا صغيرا لتشرب منه، وأسقط لها رطب النخلة، ويقال: إنها أثمرت لها، وصار رطبها قابلا للأكل والاجتناء بقدرة الله، وطيب الله نفسها وأقر عينها، فأزال عن قلبها الكآبة والحزن، وأمرها على لسان جبريل بالإمساك عن كلام البشر حتى لا تتعب نفسها بالحوار والنقاش وردّ التّهم، وأحالت الأمر على ابنها الذي أنطقه الله في المهد مدافعا عنها، ليرتفع عنها خجلها، وتتبين الآية، فيظهر عذرها. وكل هذه آيات خارقة للعادة أظهرها الله بمناسبة ميلاد عيسى ﵇.
٥ - استدل العلماء بهذه الآية على أن الرزق، وإن كان محتوما، فإن الله تعالى ربطه بالسعي، ووكل ابن آدم إلى سعي ما فيه؛ لأنه سبحانه أمر مريم بهز النخلة لترى آية، وكانت الآية ألا تهتز النخلة؛ لأن جذعها صلب قوي ثخين يصعب تحركه.
٦ - الأمر بتكليف الكسب في الرزق سنة الله تعالى في عباده، وأن ذلك لا يتعارض مع التوكل، فإن التوكل على الله يكون بعد اتخاذ الأسباب. وقد كانت مريم قبل الولادة يأتيها رزقها من غير تكسب، تكريما خاصا لها، كما قال
стр. 4743
تعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً.﴾. الآية [آل عمران ٣٧/ ٣] فلما ولدت أمرت بهز الجذع؛ لأن قلبها قبل الولادة كان مشغولا بالعبادة متفرغا لها، فلم تشغل أعضاؤها بتعب التكسب، فلما ولدت عيسى وتعلق قلبها بحبه، واشتغل سرها بحديثه وأمره، أمرت بالكسب، وردت إلى العادة بالتعلق بالأسباب، كسائر العباد.
٧ - الرطب خير شيء للنفساء، وكذلك التحنيك به للمولود، فإذا عسرت الولادة لم يكن للمرأة خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل.
٨ - في أمر مريم بالسكوت عن الكلام دليل على أن السكوت عن السفيه واجب، ومن أذلّ الناس سفيه لم يجد مسافها.
٩ - من التزم بالنذر بألا يكلم أحدا من الآدميين، أو نذر الصمت، فذلك كان مشروعا في شريعة موسى وعيسى ﵉، وليس في شريعتنا، فلا يجوز نذر الصمت في شرعنا؛ لما فيه من التضييق وتعذيب النفس، كنذر القيام في الشمس ونحوه، مما لم يجزه النبي ﵌، وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك بالنطق بالكلام، كما تقدم. وهذا هو الصحيح
لحديث أبي إسرائيل: الذي نذر الصوم في الشمس، فأمره النبي ﵌ بأن يتكلم ويتم صومه في الظل، والحديث خرّجه البخاري عن ابن عباس. قال ابن زيد والسدّي كما تقدم: كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام.
ومن سنتنا نحن في الصيام الإمساك عن الكلام القبيح،
قال ﵊ في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا: «إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم»
وقال أيضا فيما رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
стр. 4744
- ٣ -
نبوة عيسى ونطقه وهو طفل في المهد
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾
الإعراب:
﴿تَحْمِلُهُ﴾ جملة حالية.
﴿يا أُخْتَ﴾ التاء هنا بدل عن واو، وليست للتأنيث؛ لأنها تكتب بالتاء لا بالهاء نحو قائمة وذاهبة، مثل تاء: بنت.
﴿بَغِيًّا﴾ على وزن فعول لا فعيل؛ لأنه هنا بمعنى فاعل، وأتى بغير تاء. وهو صفة للمؤنث. كقولهم: امرأة صبور وشكور. وقد يأتي فعول بغير هاء إذا كان بمعنى مفعول، مثل ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ﴾ [يس ٧٢/ ٣٦].
﴿مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ﴾ كان: إما بمعنى (حدث ووقع) فيكون ﴿صَبِيًّا﴾ حال من ضمير ﴿كانَ﴾، وإما بمعنى (صار) فيكون ﴿صَبِيًّا﴾ خبر (صار) وإما ﴿كانَ﴾ زائدة.
و ﴿صَبِيًّا﴾ حال، وعامله ﴿فِي الْمَهْدِ﴾. ولا يجوز جعل ﴿كانَ﴾ هنا ناقصة: لأنه لا اختصاص لعيسى بكونه في المهد، فهذا وصف لكل صبي، وإنما تعجبوا من كلام من صار في حال الصّبا في المهد.
стр. 4745
﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿ما﴾ مصدرية ظرفية زمانية، أي مدة دوامي حيا، و ﴿حَيًّا﴾ خبر ﴿ما دُمْتُ﴾، والجملة منصوبة على الظرف، وعامله ﴿أَوْصانِي﴾.
﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ معطوف على قوله ﴿مُبارَكاً﴾ و ﴿مُبارَكاً﴾ مفعول ثان لجعل. ومن قرأ وبر عطفه على (الصلاة) أي أوصاني بالصلاة وببرّ بوالدتي.
المفردات اللغوية:
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ أتت مع ولدها قومها راجعة إليهم بعد ما طهرت من النفاس حاملة إياه. ﴿فَرِيًّا﴾ عظيما منكرا خارقا للعادة، حيث أتيت بولد من غير أب. ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ هو أخو موسى ﵇، وكان بينهما ألف سنة، أو رجل صالح من بني إسرائيل، أي يا شبيهته في العفة، وشبهوها به تهكما. ﴿اِمْرَأَ سَوْءٍ﴾ أي زانيا. ﴿وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أي زانية، فمن أين لك هذا الولد؟! وفيه تنبيه على أن الفواحش من أولاد الصالحين أفحش.
﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ أشارت لهم إلى عيسى أن كلموه ليجيبكم. ﴿قالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ﴾ أي وجد ﴿فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي لم نعهد صبيا في المهد كلمه عاقل. و ﴿الْمَهْدِ﴾ فراش الصبي الرضيع الموطّأ له، جمع مهود.
﴿آتانِيَ الْكِتابَ﴾ أي الإنجيل ﴿مُبارَكاً﴾ نفّاعا للناس، معلما للخير. والتعبير بالماضي:
إما باعتبار ما سبق في قضاء الله، فهو إخبار ما كتب له، أو بجعل المحقق وقوعه كالواقع.
﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ﴾ أمرني بهما أو كلفني. ﴿جَبّاراً﴾ متعاظما لا يرى لأحد حقا عليه.
﴿شَقِيًّا﴾ عاصيا لربه. ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ﴾ أي والأمان علي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث حيا، كما هو على يحيى ﵇، والتعريف هنا في السلام على الأظهر للجنس.
التفسير والبيان:
لما اطمأنت مريم ﵍ بما رأت من الآيات، وسلمت لأمر الله ، واستسلمت لقضائه أتت بعيسى تحمله إلى أهل بيتها، كما قال تعالى:
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا﴾ أي لما برئت مريم من نفاسها، جاءت به قومها تحمله من المكان القصي، فلما رأوا الولد معها، حزنوا وأعظموا الأمر واستنكروه جدا، وقالوا منكرين: يا مريم، لقد فعلت أمرا عجيبا عظيما منكرا خارجا عن المألوف وهو الولادة بلا أب، وكانوا
стр. 4746
أهل بيت صالحين: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران ٣٣/ ٣ - ٣٤].
﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ، وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أي يا شبيهة هارون في العبادة، أو يا من أنت من نسل هارون أخي موسى، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وقيل: هارون هذا رجل صالح في ذلك الوقت، أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة، فكيف تأتين بمثل هذا؟ ما كان أبوك بالفاجر، وما كانت أمك بالزانية البغي، فمن أين يأتيك السوء، ومن أين لك هذا الولد؟!!
أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال:
«بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرؤون:
يا أخت هرون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم». وهذا يرشد إلى أن هارون هو رجل صالح في زمان مريم وعيسى ﵉. ويستفاد من هذا جواز التسمية بأسماء الأنبياء.
﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ، قالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي فأشارت مريم إلى عيسى أن يكلمهم، وقد اكتفت بالإشارة ولم تأمره بالنطق، لأنها نذرت للرحمن صوما عن الكلام، فقالوا لها متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم تهزأ:
كيف نكلم طفلا ما يزال في المهد، أي فراش الرضيع؟ وهنا ظهرت المعجزة الكبرى بنطق الرضيع ووصف نفسه بتسع صفات هي:
١ - ﴿قالَ: إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ قال عيسى: إني عبد تام العبودية لله الكامل الصفات، الذي لا أعبد غيره، فكان أول ما نطق به الاعتراف بالعبودية لربه،
стр. 4747
وتبرئته عن الولد، تنبيها للنصارى على خطئهم فيما ادعوه له من الربوبية.
٢ - ﴿آتانِيَ الْكِتابَ﴾ سينزل علي الإنجيل، وقدّر لي وحكم في الأزل أن أكون نبيا ذا كتاب، وقضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى، وإن لم يكن الكتاب منزّلا في الحال.
٣ - ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ أي قدّر لي أن أكون نبيا، وفي هذا تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة، لأن الله تعالى لا يجعل الأنبياء أولاد زنى، وإنما هم نخبة عالية من الطهر وصفاء السلالة والمعدن.
٤ - ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ﴾ أي صيرني الله نفّاعا للعباد، معلما للخير، هاديا إلى الرشاد في أي مكان وجدت. وعبر تعالى عن هذه الصفات بصيغة الماضي إشارة إلى تحققها وحدوثها فعلا في المستقبل.
٥ - ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ وأمرني ربي بالصلاة التي تربط العبد بربه وتطهر النفس، وتمنعه عن اقتراف الفاحشة، وأمرني أيضا بزكاة المال التي هي طهرة للمال، وعون للفقير والمسكين، ما دمت على قيد الحياة في الدنيا.
٦ - ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ أي وجعلني بارا بوالدتي مريم، وأمرني ببرها وطاعتها والإحسان إليها بعد طاعة ربي، لأن الله كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين. وهذا أيضا دليل على نفي الزنى عنها، إذ لو كانت زانية، لما كان الرسول المعصوم مأمورا بتعظيمها.
٧ - ٨: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا﴾ أي ولم يجعلني متعظما عاصيا مستكبرا عن عبادة ربي وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك.
٩ - ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي
стр. 4748
والسلامة علي من كل سوء يوم الميلاد، فلم يضرني الشيطان في ذلك الوقت، ولا أغواني عند الموت، ولا عند البعث، فأنا في أمان لا يقدر أحد على ضري في هذه الأوقات الثلاثة. وهذا إثبات منه لعبوديته لله ، وأنه مخلوق من خلق الله الذي يحيى ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - جاءت مريم المؤمنة الواثقة بتأييد الله لها قومها مع ولدها، لما اطمأنت بما رأت من الآيات، وعلمت أن الله تعالى سيبين عذرها.
٢ - يتأثر الناس عادة بظواهر الأمور ويتعجلون بالحكم عليها، فاتهموا مريم بأنها جاءت شيئا فريا، أي أمرا عظيما كالآتي بالشيء يفتريه، وأنكروا عليها بما عرفوا عنها من سيرة حميدة قضت شبابها في التبتل والعبادة، وبما علموا من استقامة أبويها.
فقالوا لها: يا أخت هارون، بمعنى: يا من كنا نظنّها مثل هارون في العبادة تأتي بمثل هذا؟ فهي كانت من ولد أو سلالة هارون أخي موسى، وإن كان بين موسى وهارون وبين عيسى زمان مديد قدّر بألف سنة فأكثر، فنسبت إليه بالأخوة، لأنها من ولده، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللعربي: يا أخا العرب.
وقيل: هارون هذا رجل صالح في ذلك الزمان، تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا، كلهم اسمه هارون. ويؤيد ذلك الحديث الثابت المتقدم.
٣ - من معجزات عيسى ﵇ نطقه وهو صغير في المهد، ونحن
стр. 4749
المسلمون نعتقد بهذا اعتقادا جازما، لإثباته بنص القرآن القاطع، وأما اليهود والنصارى فينكرون أنه تكلم في المهد. وكان نطقه إظهارا لبراءة أمه، ثم انقطع كلامه في المهد حتى بلغ مبلغ الغلمان.
٤ - وصف عيسى ﵇ نفسه في كلامه المبين وهو طفل رضيع بصفات تسع، جمعت بين إثبات النبوة وإنزال الإنجيل عليه في المستقبل، وتبرئة أمه من تهمة الزنى، وإثبات عبوديته لله ، فهو عبد لله لا ربّ ولا إله، كما يعتقد النصارى، واتصافه بالبركات ومنافع الدين والدعوة إليه، واستقامة سلوكه وأخلاقه، فهو برّ بوالدته، ليس متعظما متكبرا، ولا عاصيا خائبا من الخير، ملتزما تشريع الله في العبادة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بعد بلوغه من التكليف.
٥ - قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ أي جعلني برا بوالدتي يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، لأن الآية تدل على أن كونه برا، إنما حصل بجعل الله وخلقه.
٦ - قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر (١)! أخبر عيسى ﵇ بما قضي من أمره، وبما هو كائن إلى أن يموت.
٧ - الإشارة بمنزلة الكلام وتدل على ما يدل عليه ويحدث بها الإفهام والفهم، كيف لا، وقد أخبر الله تعالى عن مريم، فقال: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ وفهم منها القوم مقصودها وغرضها فقالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ﴾. وقد تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام، مثل قوله ﵊: فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس «بعثت أنا والساعة كهاتين». وإجماع العقلاء على أن العيان أقوى من الخبر، دليل على أن الإشارة
стр. 4750
قد تكون في بعض المواضع أقوى من الكلام.
لذا قرر المالكية والشافعية جواز الاعتماد على الإشارة في المعاملات والعقوبات، وقد نص الإمام مالك على أن شهادة الأخرس مقبولة إذا فهمت إشارته، وأنها تقوم مقام اللفظ بالشهادة، وأما إذا كان الشخص قادرا على اللفظ، فلا بد من الكلام.
وذهب الحنفية وأحمد والأوزاعي وإسحاق إلى أنه لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه، وإنما يصح القذف عندهم بصريح الزنى دون معناه، وهذا لا يصح من الأخرس ضرورة، فلم يكن قاذفا، ولا يتميز بالإشارة بالزنى من الوط ء الحلال والشبهة، قالوا: واللعان عندنا شهادات، وشهادة الأخرس لا تقبل بالإجماع.
٨ - حظي عيسى بالسلامة من الله تعالى يوم ولادته في الدنيا من همز الشيطان، ويوم الموت في القبر، ويوم البعث في الآخرة، وهذه الأحوال الثلاثة مراحل مصيرية حاسمة فاصلة، وأشق شيء على الناس.
- ٤ -
اختلاف النصارى في شأن عيسى
﴿ذلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾
стр. 4751
الإعراب:
﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ منصوب على المصدر، أي أقول قول الحق، وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ذلك قول الحق، أو هذا قول. وقيل: إن الإشارة إلى عيسى، لأن الله تعالى سماه كلمة، إذ كان بالكلمة، على ما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بالرفع بتقدير هو، وبالنصب بتقدير: أن.
﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي﴾ من قرأها بالكسرة جعلها مبتدأ، ومن قرأ بالفتح، جعلها معطوفة، وتقديره: وأوصاني بالصلاة والزكاة وأن الله ربي.
﴿مِنْ وَلَدٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة، أي: ما كان لله أن يتخذ ولدا. وزيدت هنا في المفعول، وزيادتها في الفاعل أكثر، مثل: ما جاءني من أحد، أي ما جاءني أحد.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أي ما أسمعهم وأبصرهم، والجار والمجرور في موضع رفع فاعل ﴿أَسْمِعْ﴾. والأصل أن يقول: وأبصر بهم، لكنه حذف ﴿بِهِمْ﴾ اكتفاء بذكره مع ﴿أَسْمِعْ﴾.
وهي صيغة تعجب، وليس بأمر، بدليل وروده بلفظ واحد في المذكر والمؤنث والتثنية والجمع.
﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ منصوب على الظرف، متعلق بفعل التعجب.
﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ ﴿إِذْ﴾ بدل من اليوم أو ظرف للحسرة. ﴿إِنّا نَحْنُ﴾ تأكيد.
البلاغة:
﴿لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ﴾ ﴿الظّالِمُونَ﴾ واقع موقع الضمير، فهو من قبيل إقامة الظاهر مقام المضمر، للدلالة على ظلم أنفسهم.
المفردات اللغوية:
﴿ذلِكَ عِيسَى..﴾. أي الذي تقدم نعته هو عيسى ابن مريم، لا ما يصفه النصارى، وهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ أي هو قول الحق الذي لا ريب فيه، أو أقول قول الحق، والإضافة للبيان، والضمير للكلام السابق، أو لتمام القصة ﴿يَمْتَرُونَ﴾ يشكون ويتنازعون ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ، سُبْحانَهُ﴾ تكذيب للنصارى، وتنزيه لله تعالى عما بهتوه، والمعنى: ما ينبغي ولا يصح أن يجعل له ولدا. ﴿إِذا قَضى أَمْراً﴾ أراد أن يحدث أمرا
стр. 4752
﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ تبكيت لهم بأن الله إذا أراد شيئا أوجده بكلمة ﴿كُنْ﴾: كان تعالى منزها عن شبه الخلق والحاجة في اتخاذ الولد، بإحبال الإناث. وبعبارة أخرى: القادر على الخلق بالأمر الفوري، قادر على خلق عيسى من غير أب.
﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ بتقدير: قل، بدليل: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٧/ ٥] وعلى الفتح بتقدير: اذكر ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هذا المذكور طريق مستقيم مؤد إلى الجنة. ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي اختلف النصارى في عيسى، أهو ابن الله، أم إله معه، أم ثالث ثلاثة؟ فالأحزاب: فرق النصارى الثلاث أو اختلف اليهود والنصارى. ﴿فَوَيْلٌ﴾ كلمة عذاب أي فشدة عذاب، أو واد في جهنم ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي ويل لهم بما ذكر وغيره ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ من شهود أو حضور يوم عظيم هوله وحسابه وجزاؤه، وهو يوم القيامة.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أي بهم، صيغة تعجب، بمعنى: ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا في الآخرة، أو يوم القيامة، بعد ما كانوا صما عميا في الدنيا ﴿لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي لكن الكافرون في الدنيا في خطأ بيّن، به صموا عن سماع الحق، وعموا عن إبصاره، أي أعجب منهم يا مخاطب في سمعهم وإبصارهم في الآخرة، بعد أن كانوا في الدنيا صميا عميا. وذكر كلمة ﴿الظّالِمُونَ﴾ من إقامة الظاهر مقام المضمر، إشعارا بأنهم ظلموا أنفسهم، حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم.
﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ خوّف يا محمد كفار مكة ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ هو يوم القيامة، يوم يتحسر فيه المسيء على ترك الإحسان في الدنيا، والمحسن على قلة إحسانه ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فرغ من الحساب، وسيق الفريقان إلى الجنة والنار. ﴿وَهُمْ﴾ في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ عنه ﴿وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ به ﴿نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها﴾ العقلاء وغيرهم بإهلاكهم ﴿وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ فيه للجزاء.
إيضاح آية ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ بحديث صحيح:
روى الشيخان والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ :
«يؤتى بالموت بهيئة كبش أملح (١)، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون (٢) وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد
стр. 4753
رأوه، ثم ينادي مناد: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رأوه، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾».
أضواء على قصة عيسى ﵇:
عيسى: هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، ذكر اسمه في القرآن بلفظ المسيح وهو لقب له، وبلفظ عيسى وهو اسمه، وهو بالعبرية «يشوع» أي المخلّص، أي يخلص النصارى-في زعمهم-من الخطيئة، وذكر بلفظ ابن مريم.
ذكر عيسى في القرآن في ثلاث عشرة سورة في ثلاث وثلاثين آية منه: في البقرة [٢٥٣، ١٣٦، ٨٧]، وآل عمران [٨٤، ٥٩، ٥٥، ٥٢، ٤٥]، والنساء [١٧٢، ١٧١، ١٦٣، ١٥٧]، والمائدة [١١٠، ٧٨، ٧٥، ٧٢، ٤٦، ١٧، ١١٦، ١١٤، ١١٢]، والأنعام [٨٥]، والتوبة [٣١، ٣٠]، ومريم [٣٤]، والمؤمنون [٥٠]، والأحزاب [٧]، والشورى [١٣]، والزخرف [٥٧، ٦٣]، والحديد [٢٧]، والصف [١٤، ٦] ونشأ عيسى المسيح في رأي النصارى وهو ابن يوسف النجار الذي هو شاب صالح من شبان اليهود، من قوم مريم، والمسيح في العبرية: النبي والملك.
وأمه مريم بنت عمران الذي كان رجلا عظيما من علماء بني إسرائيل، وقد حملت زوجه، فنذرت أن تجعل الحمل محررا لخدمة الهيكل. وتوفي عمران، وابنته صغيرة تحتاج إلى كافل يقوم بشأنها، فألقى رعاة الهيكل قرعة، فكان كافلها
стр. 4754
زكريا أبو يحيى ﵉. وكان زكريا زوجا لخالة مريم أو لأختها، فنشأت مريم على الطهارة والعبادة والبعد عن الدنس.
ولما بلغت مبلغ النساء جاءها جبريل، فتعوذت منه، فأعلمها أنه مرسل من عند الله، ليهب لها غلاما زكيا، وتم حملها بنفخة منه في جيب قميصها، فدخلت في جوفها، ومرت بجميع أدوار الحمل إلى أن ولدته في بيت لحم، والراجح أن مدة حملها تسعة أشهر، بحسب الغالب. وهذا الحمل استثناء مما هو حادث عادة، ليكون دليلا على قدرة الله تعالى، بخلق إنسان بلا أب، خلافا للمعتاد، لأن الخالق الحقيقي هو الله ، سواء مع اتخاذ الأسباب أم لا.
وقد ختن المسيح بعد ثمانية أيام من ولادته، كما تقرّر الشريعة اليهودية، وقد أمر الله إبراهيم بالختان.
ولما أمر هيرودس حاكم فلسطين بقتل كل طفل في بيت لحم، أمر يوسف النجار في منامه بأن يذهب بالطفل وأمه إلى مصر، فقام من فوره، وأخذ الطفل وأمه، وذهب بهما إلى مصر، وأقاموا بها، إلى أن مات هيرودس.
ثم عادوا إلى فلسطين، وكان الطفل قد بلغ سبع سنين من العمر، فتربى في الناصرة، ولما بلغ اثني عشر عاما، جاء مع أمه ويوسف إلى أورشليم، للصلاة بحسب شريعة موسى، وفي اليوم الثالث بعد ضياعه، وجد عيسى يحاج علماء اليهود، ثم عاد مع أمه ويوسف إلى الناصرة.
ولما بلغ يسوع ثلاثين سنة من العمر، صعد إلى جبل الزيتون مع أمه ليجني زيتونا، وبينما كان يصلي في الظهيرة، تلقى الإنجيل من الملاك جبريل ﵇، وهذا كنبوة يحيى خلافا للغالب في أن النبوة تكون بعد الأربعين.
стр. 4755
الأناجيل:
ومعنى الإنجيل: البشارة، وهو كتاب تضمن هدى ونورا، لكن هذا الإنجيل الذي أتى به المسيح وسلمه إلى تلاميذه وأمرهم أن يبشروا به لا يوجد الآن، وإنما توجد قصص تاريخية تسرد سيرة المسيح، ألّفها التلاميذ، وفيها مواعظ وأمثال ونصائح مأخوذة عن المسيح، وهي كثيرة بلغت مائة ونيفا، تعترف الكنيسة المسيحية بأربعة منها: هي إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا. ولم يكتب شيء من هذه الأناجيل في زمان المسيح.
وإنجيل متى هو أول الأناجيل وأقدمها، لكنه ليس من تصنيفه يقينا، بل ضيعوه بعد ما حرفوه، باعتراف قدماء المسيحية كافة، وقد كتب بالعبرانية، ثم ترجم إلى اليونانية، ولا يعرف إسناد هذه الترجمة.
وكان متّى قد كتب إنجيله سنة ٣٩ بعد المسيح، على ما ذهب إليه القديس «إيرونيموس».
ومرقس كان يهوديا لاويا أي من خدم الهيكل، وهو تلميذ بطرس، وكان ينكر ألوهية المسيح، وكتب إنجيله سنة ٦١ م ومات مقتولا في سجن الإسكندرية سنة ٦٨ م.
ولوقا: كان طبيبا من أهل أنطاكية ولم ير المسيح أصلا، وقد لقن النصرانية عن بولس، وبولس هذا كان يهوديا متعصبا على المسيحية، ولم ير المسيح في حياته، وكان يسيء إلى النصارى باستمرار، ولما رأى أن اضطهاده للنصرانية لا يجدي، احتال بالدخول فيها، وأظهر الاعتقاد بالمسيح، ثم استطاع أن يجعل النصارى يتحللون من واجبات الناموس (التوراة) الذي ما جاء المسيح لإبطال أحكامه.
стр. 4756
وكتب لوقا إنجيله بعد كتابة مرقس، وبعد موت بطرس وبولس.
ويوحنا أحد تلاميذ المسيح الاثني عشر، وهو من صيدا في الجليل، وكان عيسى يحبه جدا، وقد كتب إنجيله في سنة ٩٦ أو سنة ٩٨، وكان يرى أن المسيح ليس إلا إنسانا، وقد أنكر كثير من علماء النصرانية أن يكون هذا الإنجيل من تأليف يوحنا التلميذ، وإنما صنفه أحد تلاميذه في القرن الثاني، ونسبه إلى يوحنا ليغتر به الناس. وقد كتب لغرض خاص هو إثبات ألوهية المسيح، والقضاء على التعاليم التي كانت تؤكد أنه إنسان.
والخلاصة: إن هذه الأناجيل منقطعة السند إلى المسيح، وليست هي الإنجيل الصحيح الذي نزل على المسيح باعتراف النصارى أنفسهم.
إنجيل برنابا:
هو أحد الأناجيل التي ألفت في قصة المسيح، وبرنابا أحد أتباع المسيح المواظبين على نشر دعوته، ويختلف عن الأناجيل الأخرى في أمرين جوهريين:
الأول-التصريح بأن عيسى إنسان وليس بإله. والثاني-التصريح والتبشير باقتراب ملكوت السموات وباسم محمد في كثير من المواضع.
رسالة عيسى:
تتلخص رسالة عيسى ﵇ فيما يأتي:
١ - التخفيف من تنطع اليهود، والتزامهم بالشكليات المؤدية إلى تعطيل الخير في يوم السبت، وتوجيههم إلى جوهر الدين وحقيقته، وإبعادهم عن المادية الطاغية وتهالكهم على المال وحبه وجمعه، بتحريض الناس على النذر للهيكل، لأخذ ذلك المال.
стр. 4757
٢ - رد اليهود الذين يسمون بالصدوقيين إلى عقيدة الإيمان باليوم الآخر التي أنكروها، وتثبيت الإيمان في قلوبهم.
٣ - تصحيح مسيرة اليهود الذين يسمون بالفريسيين وهم في الأصل قوم تجردوا لطاعة الله تعالى، وتفردوا للعبادة، وزهدوا في حطام الدنيا، وأقبلوا على الآخرة، ولكنهم أصبحوا في زمن المسيح يظهرون بمظهر الزهد فقط، ويتخذونه ستارا لجمع المال.
وكان هناك جماعة الكتبة الذين يكتبون الشريعة لمن يطلبها، وهم كالفريسيين في اقتناص أموال الناس.
وكذلك الكهنة وخدمة الهيكل صاروا متهالكين على جمع المال، يحرفون كلام الله لأغراض دنيوية.
فكانت هذه العيوب كلها موجبة لصيحة المسيح المدوية بالزهد في الدنيا، وإصلاح النفوس من أمراضها، وتوجيه الناس إلى مرضاة الرب .
٤ - البشارة باقتراب ملكوت السموات، أي الشريعة الإلهية التي يرسل الله تعالى بها النبي الأمي المذكور في آية [١٥] وما بعدها من الإصحاح ١٨ - سفر التثنية، الذي وعد الله بني إسرائيل على لسان موسى أن يرسله من بين إخوتهم، كما بشر به أنبياء كثيرون، منهم داود في المزمور (٤٥) والمزمور (١٤٩) و (١١٠) وأشعيا في الإصحاحات (٥١، ٥٠، ٤٣، ٤٢، ٣٥، ٢٦، ٩، ٨، ٦٥، ٦٠، ٥٥، ٥٤، ٥٢) ودانيال في ص (٧، ٢) وزكريا في ص (٣) وغيرهم. والمسيحيون يحملون البشارة على الدين المسيحي.
لكن لم يجئ المسيح بغير طائفة من العظات والنصائح والحكم والأمثال، لإخلاص العبادة لله تعالى، والتخفيف من ماديات الجماهير التي غرقوا بها إلى الآذان، وترك الرياء والنفاق، والاهتمام بروح الدين الذي ورثوه عن موسى.
стр. 4758
وليس في الإنجيل سوى أحكام قليلة، مثل عدم تزوج من طلق امرأة بامرأة سواها، وعدم تزوج المطلقة بآخر، وعدم جواز الطلاق إلا بعلة الزنى، والأمر بالعفة. وفيه نهي عن الأخلاق المرذولة كالمكر والخداع وأكل الأموال بالباطل، والرياء والنفاق.
الحواريون:
هم أصحاب المسيح عيسى ابن مريم وخاصته الذين بادروا إلى الإيمان به وتتلمذوا له وتعلموا منه، وكانوا اثني عشر رجلا. وتعبر عنهم الأناجيل بلفظ (التلاميذ). وقد أرسلهم المسيح في القرى اليهودية ليدعوا الكفار بدعوة المسيح الحقيقية.
معجزات عيسى:
صدرت عن عيسى كغيره من الأنبياء معجزات تؤيد دعواه النبوة، والمعجزة: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي يجريه الله تعالى على يد أحد الأنبياء مع انتفاء المعارض، منها خلق هيئة الطير من الطين والنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، والإخبار بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، وقد ذكرت في سورة آل عمران [الآيات:
٤٩ - ٥١].
وفاة المسيح:
كان افتضاح أمر الكهنة والفريسيين على يد المسيح ﵇ سببا في كيدهم له، وشكايتهم إلى الوالي، مدّعين عنده أن عيسى يقول: إنه ملك اليهود، وهم لا يقرون بملك سوى قيصر رومية، فأرسل الوالي جندا للقبض على المسيح، فحينما جاؤوا يبحثون عنه ألقى الله شبهه على شخص آخر، هو (يهوذا
стр. 4759
الأسخريوطي) فألقوا القبض عليه وصلب وقتل، وهو الذي واطأ الكهنة على الدلالة عليه بأجر.
وأنجى الله عيسى من اليهود، فلم يقبضوا عليه، ولم يقتل ولم يصلب، لقوله تعالى: ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء ٥٧/ ٤]. ثم توفاه الله، ورفعه إليه إلى السماء حيا بجسده وروحه، أو بروحه فقط على قولين، والأول رأي جمهور المسلمين، لقوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ اللهُ: يا عِيسى، إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران ٥٥/ ٣].
الثالوث عند النصارى:
يعتقد النصارى بوجود ثلاثة أقانيم في اللاهوت هي (الأب والابن وروح القدس) وفقا لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية، والشرقية، وعموم البروتستانت إلا القليل منهم، مع أن لفظة الثالوث لا توجد في الكتاب المقدس، وإنما تقرر ذلك في المجمع النيقاوي سنة (٣٢٥ م) ومجمع القسطنطينية سنة ٣٨١ م، وحكما بأن (الابن والروح القدس) مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن (الابن) ولد منذ الأزل من الأب، وأن (الروح القدس) منبثق من الأب. ومجمع طليطلة سنة ٥٨٩ م حكم بأن (الروح القدس) منبثق من الابن أيضا.
التفسير والبيان:
﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي ذلك المتصف بالأوصاف السابقة الذي قصصناه عليك هو عيسى ابن مريم، وهذا الكلام المذكور هو قول الحق والصدق الذي لا مرية فيه ولا شك، وهو حقيقة عيسى، لا ما يقوله اليهود: إنه ساحر، ولا ما يقوله النصارى: إنه ابن الله أو هو الله كما يذكر في مقدمة الإنجيل الحالي: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي الشاكّين [آل عمران ٥٩/ ٣ - ٦٠]. وهؤلاء الضالون والمغضوب عليهم يشكون
стр. 4760
ويتنازعون ويختلفون في عيسى ﵇: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً﴾ [النساء ١٥٦/ ٤].
ثم نفى الله تعالى عنه أنه ولد له، فقال:
﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ، إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي ما صح ولا استقام ولا ينبغي ولا يليق بالله أن يتخذ ولدا؛ إذ لا حاجة له به، وهو حيّ أبدا لا يموت، تنزه وتقدس الله عن مقالتهم هذه، وعن كل نقص من اتخاذ الولد وغيره، إنه إذا أراد شيئا أوجده فورا، فإنه يأمر به فيصير كما يشاء، فمن كان هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد؟ لأن ذلك من أمارات النقص والحاجة: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ..﴾. [النساء ١٧١/ ٤].
﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي ومما أمر به عيسى قومه وهو في مهده أن أخبرهم بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾.
ثم أمرهم بعبادة الله قائلا:
﴿فَاعْبُدُوهُ، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي فاعبدوا الله وحده لا شريك له، وهذا الذي جئتكم به عن الله هو الطريق القويم الذي لا اعوجاج فيه، ولا يضلّ سالكه، من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضلّ وغوى.
جاء في الآية (١٠) من الإصحاح الرابع في إنجيل متى: «قال له يسوع:
اذهب يا شيطان؛ لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد».
وبما أنه لا يصحّ أن يقول الله: ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ فلا بدّ وأن يكون قائل هذا غير الله تعالى؟ قال أبو مسلم الأصفهاني: الواو في ﴿وَإِنَّ اللهَ﴾ عطف على قول عيسى ﵇: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ﴾ كأنه قال: إني عبد الله، وإنه ربي وربكم فاعبدوه.
стр. 4761
وبالرغم من وضوح أمر عيسى وأنه عبد الله ورسوله، اختلفوا فيه، كما قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي اختلف قول أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله وأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فاليهود قالوا: إنه ولد زنى، وإنه ساحر، وكلامه هذا سحر، وإنه ابن يوسف النجار، واختلفت فرق النصارى فيه، فقالت النسطورية منهم: هو ابن الله، وقالت الملكية: هو ثالث ثلاثة، وقالت اليعقوبية (١): هو الله تعالى.
فعذاب شديد لهؤلاء الكافرين المختلفين في أمره، من شهود يوم القيامة، وما فيه من الحساب والعقاب، حيث يشهدون حينئذ ذلك اليوم العظيم الهول.
وهذا تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله، وافترى وزعم أن له ولدا، ولكن الله تعالى أنظرهم إلى يوم القيامة، وأجّلهم حلما وثقة بقدرته عليهم، فإنه الذي لا يعجل على من عصاه، كما
جاء في الصحيحين: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ رسول الله ﵌: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى، وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢/ ١١].
وفي الصحيحين أيضا عن رسول الله ﵌ أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم» وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها، وَهِيَ ظالِمَةٌ، ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج ٤٨/ ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ، إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم ٤٢/ ١٤].
стр. 4762
والخلاصة في صحة الاعتقاد بعيسى ﵇ هو
ما جاء في الحديث الصحيح عند الشيخين عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».
ثم أخبر الله تعالى عن قوة سمع الكفار وحدة بصرهم يوم القيامة على الضدّ في الدنيا، فقال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ما أقوى سمع الكفار وأشد بصرهم يوم يأتوننا للحساب والجزاء، إنهم يكونون أسمع شيء وأبصره، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا.﴾. [السجدة ١٢/ ٣٢] أي يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئا.
لكن هؤلاء الظالمون الكافرون يعرفون الحق في الآخرة، وفي الدنيا صم بكم عمي عن الحق، لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا تقصيرهم.
ثم أمر الله بإنذارهم، فقال لنبيه محمد ﵌:
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ، إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي وأنذر أيها الرسول الخلائق من المشركين وغيرهم يوم يتحسرون جميعا، فالمسيء يتحسر على إساءته، والمحسن على عدم استكثاره من الخير، حين فرغ من الحساب، وطويت الصحف، وفصل بين أهل الجنة، وأهل النار، وصار الأولون في الجنة، والآخرون في النار، وهم الآن في الدنيا غافلون عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة، غافلون عما يعمل بهم في ذلك اليوم وعما يلاقونه من أهوال، وهم لا يصدقون بالقيامة والحساب والجزاء.
стр. 4763
روى الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح (أبيض وأسود) فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، فيؤمر به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار، خلود ولا موت، ثم قرأ رسول الله ﵌: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وأشار بيده وقال: أهل الدنيا في غفلة الدنيا».
﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها، وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أي وأعلمهم أيها الرسول بأن الله يرث الأرض ومن عليها، فلا يبقى بها أحد من أهلها يرث الأموات ما خلّفوه من الديار والمتاع، ثم إلى الله يردون يوم القيامة، فيجازي كلا بعمله، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الكريمات ما يأتي:
١ - إن ما أخبر به القرآن عن كيفية خلق عيسى هو الحق القاطع الذي لا شك فيه، وكل ما عداه من تقولات ومزاعم اليهود والنصارى باطل ساقط لا يليق بالأنبياء والرسل، وكيف يتقبل النصارى الزعم بأن عيسى ربّ وإله، وهم يتهمونه بأنه ابن زانية بغي؟! وإن الاختلاف في شأن عيسى وانقسام أهل الكتاب فيه أحزابا لا داعي له.
٢ - ليس عيسى ابنا لله كما يزعم النصارى، فما ينبغي لله ولا يجوز أن يتخذ ولدا، لعدم حاجته إليه، فهو منزه عن الشريك والولد وكل نقص، وإن الله تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ فهو القادر على كل
стр. 4764
شيء، وقول الله وكلامه قديم غير محدث، فلو كان قوله: ﴿كُنْ﴾ محدثا لافتقر حدوثه إلى قول آخر، ولزم التسلسل، وهو محال.
٣ - لقد أمر عيسى ﵇ قومه بوحدانية الله وعبادته، فالله ربه وربهم ورب كل شيء، وهو المستحق العبادة، لا أحد سواه، وهذا هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه.
وقد دلّ قوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ على أن مدبر الناس ومصلح أمورهم هو الله تعالى، على خلاف قول المنجمين: إن مدبر الناس ومصلح أمورهم في السعادة والشقاوة هي الكواكب.
ودلّ أيضا على أن الإله واحد؛ لأن لفظ الله اسم علم له سبحانه، فلما قال: ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ أي لا رب للمخلوقات سوى الله تعالى، دلّ ذلك على التوحيد.
٤ - اختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى ﵇، فاليهود اتهموه بالسحر وقدحوا في نسبه، والنصارى فرق ثلاث، قالت النسطورية منهم: هو ابن الله، والملكانية: ثالث ثلاثة، وقالت اليعقوبية: هو الله، فأفرطت النصارى وغلت، وفرطت اليهود وقصّرت.
٥ - العذاب الشديد والهلاك لأولئك الكفار المختلفين في شأن عيسى ﵇ عند شهود (أي حضور) يوم القيامة.
٦ - عرّف الله حال القوم الذين يأتونه ليعتبروا وينزجروا، فما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة، وما أصمهم وأعماهم في الدنيا، فهم في ضلال مبين في عالم الدنيا، وفي الآخرة يعرفون الحق، ففي الدنيا يكون الكافر أصم وأعمى، ولكنه سيبصر ويسمع في الآخرة إذا رأى العذاب، ولكنه لا ينفعه ذلك.
стр. 4765
٧ - لقد أعذر من أنذر، وقد أنذر النبي ﵌ قومه والمشركين جميعا ما سيلقونه من الحسرة والندامة يوم القيامة، ويوم الفصل في القضاء بين أهل الجنة وأهل النار، فيدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.
٨ - إنه تعالى الخالق المالك المتصرف، وإن الخلق كلهم يهلكون، ويبقى هو تعالى، ولا أحد يدعي ملكا ولا تصرفا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، فلا تظلم نفس شيئا ولا مثقال ذرة، ويرجع الخلائق كلهم إلى ربهم، فيجازي كلاّ بعمله.
قصة إبراهيم ﵇
أو مناقشته لأبيه في عبادة الأصنام
﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾