وبالرغم من وضوح أمر عيسى وأنه عبد الله ورسوله، اختلفوا فيه، كما قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي اختلف قول أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله وأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فاليهود قالوا: إنه ولد زنى، وإنه ساحر، وكلامه هذا سحر، وإنه ابن يوسف النجار، واختلفت فرق النصارى فيه، فقالت النسطورية منهم: هو ابن الله، وقالت الملكية: هو ثالث ثلاثة، وقالت اليعقوبية (١): هو الله تعالى.
فعذاب شديد لهؤلاء الكافرين المختلفين في أمره، من شهود يوم القيامة، وما فيه من الحساب والعقاب، حيث يشهدون حينئذ ذلك اليوم العظيم الهول.
وهذا تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله، وافترى وزعم أن له ولدا، ولكن الله تعالى أنظرهم إلى يوم القيامة، وأجّلهم حلما وثقة بقدرته عليهم، فإنه الذي لا يعجل على من عصاه، كما
جاء في الصحيحين: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ رسول الله ﵌: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى، وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢/ ١١].
وفي الصحيحين أيضا عن رسول الله ﵌ أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم» وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها، وَهِيَ ظالِمَةٌ، ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج ٤٨/ ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ، إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم ٤٢/ ١٤].
стр. 4762
والخلاصة في صحة الاعتقاد بعيسى ﵇ هو
ما جاء في الحديث الصحيح عند الشيخين عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».
ثم أخبر الله تعالى عن قوة سمع الكفار وحدة بصرهم يوم القيامة على الضدّ في الدنيا، فقال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ما أقوى سمع الكفار وأشد بصرهم يوم يأتوننا للحساب والجزاء، إنهم يكونون أسمع شيء وأبصره، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا.﴾. [السجدة ١٢/ ٣٢] أي يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئا.
لكن هؤلاء الظالمون الكافرون يعرفون الحق في الآخرة، وفي الدنيا صم بكم عمي عن الحق، لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا تقصيرهم.
ثم أمر الله بإنذارهم، فقال لنبيه محمد ﵌:
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ، إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي وأنذر أيها الرسول الخلائق من المشركين وغيرهم يوم يتحسرون جميعا، فالمسيء يتحسر على إساءته، والمحسن على عدم استكثاره من الخير، حين فرغ من الحساب، وطويت الصحف، وفصل بين أهل الجنة، وأهل النار، وصار الأولون في الجنة، والآخرون في النار، وهم الآن في الدنيا غافلون عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة، غافلون عما يعمل بهم في ذلك اليوم وعما يلاقونه من أهوال، وهم لا يصدقون بالقيامة والحساب والجزاء.
стр. 4763
روى الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح (أبيض وأسود) فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، فيؤمر به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار، خلود ولا موت، ثم قرأ رسول الله ﵌: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وأشار بيده وقال: أهل الدنيا في غفلة الدنيا».
﴿إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها، وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أي وأعلمهم أيها الرسول بأن الله يرث الأرض ومن عليها، فلا يبقى بها أحد من أهلها يرث الأموات ما خلّفوه من الديار والمتاع، ثم إلى الله يردون يوم القيامة، فيجازي كلا بعمله، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الكريمات ما يأتي:
١ - إن ما أخبر به القرآن عن كيفية خلق عيسى هو الحق القاطع الذي لا شك فيه، وكل ما عداه من تقولات ومزاعم اليهود والنصارى باطل ساقط لا يليق بالأنبياء والرسل، وكيف يتقبل النصارى الزعم بأن عيسى ربّ وإله، وهم يتهمونه بأنه ابن زانية بغي؟! وإن الاختلاف في شأن عيسى وانقسام أهل الكتاب فيه أحزابا لا داعي له.
٢ - ليس عيسى ابنا لله كما يزعم النصارى، فما ينبغي لله ولا يجوز أن يتخذ ولدا، لعدم حاجته إليه، فهو منزه عن الشريك والولد وكل نقص، وإن الله تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ فهو القادر على كل
стр. 4764
شيء، وقول الله وكلامه قديم غير محدث، فلو كان قوله: ﴿كُنْ﴾ محدثا لافتقر حدوثه إلى قول آخر، ولزم التسلسل، وهو محال.
٣ - لقد أمر عيسى ﵇ قومه بوحدانية الله وعبادته، فالله ربه وربهم ورب كل شيء، وهو المستحق العبادة، لا أحد سواه، وهذا هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه.
وقد دلّ قوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ على أن مدبر الناس ومصلح أمورهم هو الله تعالى، على خلاف قول المنجمين: إن مدبر الناس ومصلح أمورهم في السعادة والشقاوة هي الكواكب.
ودلّ أيضا على أن الإله واحد؛ لأن لفظ الله اسم علم له سبحانه، فلما قال: ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ أي لا رب للمخلوقات سوى الله تعالى، دلّ ذلك على التوحيد.
٤ - اختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى ﵇، فاليهود اتهموه بالسحر وقدحوا في نسبه، والنصارى فرق ثلاث، قالت النسطورية منهم: هو ابن الله، والملكانية: ثالث ثلاثة، وقالت اليعقوبية: هو الله، فأفرطت النصارى وغلت، وفرطت اليهود وقصّرت.
٥ - العذاب الشديد والهلاك لأولئك الكفار المختلفين في شأن عيسى ﵇ عند شهود (أي حضور) يوم القيامة.
٦ - عرّف الله حال القوم الذين يأتونه ليعتبروا وينزجروا، فما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة، وما أصمهم وأعماهم في الدنيا، فهم في ضلال مبين في عالم الدنيا، وفي الآخرة يعرفون الحق، ففي الدنيا يكون الكافر أصم وأعمى، ولكنه سيبصر ويسمع في الآخرة إذا رأى العذاب، ولكنه لا ينفعه ذلك.
стр. 4765
٧ - لقد أعذر من أنذر، وقد أنذر النبي ﵌ قومه والمشركين جميعا ما سيلقونه من الحسرة والندامة يوم القيامة، ويوم الفصل في القضاء بين أهل الجنة وأهل النار، فيدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.
٨ - إنه تعالى الخالق المالك المتصرف، وإن الخلق كلهم يهلكون، ويبقى هو تعالى، ولا أحد يدعي ملكا ولا تصرفا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، فلا تظلم نفس شيئا ولا مثقال ذرة، ويرجع الخلائق كلهم إلى ربهم، فيجازي كلاّ بعمله.
قصة إبراهيم ﵇
أو مناقشته لأبيه في عبادة الأصنام
﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾
стр. 4766
الإعراب:
﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ.﴾. ﴿إِذْ﴾ في موضع نصب على البدل من قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ﴾ أي واذكر في الكتاب قصة إبراهيم، ثم بيّن ذلك، فقال: ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ﴾ أي واذكر إذ قال لأبيه.
﴿أَراغِبٌ أَنْتَ.﴾. ﴿أَراغِبٌ﴾ مبتدأ، وابتدئ بالنكرة لاعتمادها على همزة الاستفهام.
و ﴿أَنْتَ﴾ فاعل ﴿راغِبٌ﴾، لاعتماد اسم الفاعل على همزة الاستفهام، فيجري حينئذ مجرى الفعل، والفاعل هنا يسد مسد خبر المبتدأ.
﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ ﴿سَلامٌ﴾ مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة إذا كان فيها فائدة عند المخاطب، والفائدة هنا: تضمنها معنى الدعاء والمتاركة والتبرؤ.
البلاغة:
﴿صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾ الصدّيق: صيغة مبالغة، أي المبالغ في الصدق.
﴿أَراغِبٌ﴾ الهمزة للإنكار والتعجب.
﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ كناية عن الذكر الحسن والثناء الجميل باللسان؛ لأن الثناء يكون باللسان.
﴿نَبِيًّا﴾، ﴿عَلِيًّا﴾، ﴿حَفِيًّا﴾، ﴿سَوِيًّا﴾، ﴿عَصِيًّا﴾، ﴿وَلِيًّا﴾، ﴿حَفِيًّا﴾، ﴿شَقِيًّا﴾ سجع رصين.
المفردات اللغوية:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ﴾ أي اذكر لهم واتل عليهم في هذه السورة قصة إبراهيم أو خبره. ﴿صِدِّيقاً﴾ مبالغا في الصدق، لم يكذب قط. ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ﴾ آزر. ﴿يا أَبَتِ﴾ التاء: عوض عن ياء الإضافة (أبي) فلا يجمع بينهما، وكان آزر يعبد الأصنام، فناداه:
﴿يا أَبَتِ﴾ وهو تلطف واستدعاء. ﴿لا يُغْنِي﴾ لا يكفيك. ﴿شَيْئاً﴾ من نفع أو ضرّ.
﴿صِراطاً سَوِيًّا﴾ طريقا مستقيما مؤديا للسعادة. ﴿لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ إن عبادة الأصنام هي في الحقيقة عبادة للشيطان، لأنه الآمر بها، فبإطاعتك إياه في عبادة الأصنام، تكون عابدا له.
﴿عَصِيًّا﴾ كثير العصيان. والمطاوع للعاصي عاص، والعاصي جدير بأن ينتقم منه.
﴿أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ﴾ إن لم تتب. ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا﴾ ناصرا، وقرينا في اللعن، أو العذاب في النار. ﴿أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ أي أكاره لها، فتعيبها؟ ﴿لَئِنْ لَمْ
стр. 4767
تَنْتَهِ﴾ عن التعرض لها ومقالك فيها ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ أي لأشتمنك بالكلام القبيح، أو لأرجمنك بالحجارة، فاحذرني. ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ واتركني دهرا طويلا.
﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ مني، أي سلام توديع ومتاركة ومقابلة للسيئة بالحسنة، أي لا أصيبك بمكروه، ولا أقول لك بعد ما يؤذيك. ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ أي ولكن سأستغفر لك الله، لعله يوفقك للتوبة والإيمان، فإن حقيقة الاستغفار للكافر: استدعاء التوفيق لما يوجب مغفرته.
﴿حَفِيًّا﴾ مبالغا في برّي وإكرامي، فيجيب دعائي. وقد وفى بوعده المذكور، فقال في سورة الشعراء: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾.
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ﴾ وأترككم وما تعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ غيره. ﴿وَأَدْعُوا رَبِّي﴾ وأعبده وحده. ﴿بِدُعاءِ رَبِّي﴾ بعبادته. ﴿شَقِيًّا﴾ خائب المسعى، مثلكم في دعاء آلهتكم. وفي تصدير الكلام بعسى: تواضع وتنبيه على أن الإجابة والإثابة تفضل من الله غير واجب عليه.
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ بالهجرة إلى الشام، والذهاب إلى الأرض المقدسة.
﴿وَهَبْنا لَهُ﴾ ابنا وابن ابن يأنس بهما، وهما إسحاق من سارّة التي تزوج بها، ثم ولد لإسحاق يعقوب، ولعل تخصيصهما بالذكر؛ لأنهما شجرتا الأنبياء. ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ وكلاّ منهما أو منهم وهبناه النبوة. ﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ﴾ للثلاثة ﴿مِنْ رَحْمَتِنا﴾ الأموال والأولاد ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أي ثناء حسنا رفيعا في جميع أهل الأديان.
المناسبة:
هذه هي القصة الثالثة في سورة مريم، فبعد أن أبان الله تعالى ضلال النصارى، ذكر ضلال عبدة الأوثان. والفريقان، وإن اشتركا في الضلال إلا أن ضلال الفريق الفريق الثاني أعظم؛ لأن مقصد السورة إثبات التوحيد والنبوة والبعث والحشر، والمنكرون للتوحيد فريقان: فريق أثبت معبودا غير الله حيا عاقلا وهم النصارى، وفريق أثبت معبودا غير الله جمادا ليس بحي ولا عاقل، وهم عبدة الأصنام، فذكر الفريق الأول، ثم الثاني، لإبطال المذهبين.
والسبب في ذكر قصة إبراهيم هو أنه أبو العرب، وكانوا معترفين بملته ودينه: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ [الحج ٧٨/ ٢٢] فنبههم تعالى إلى منهج إبراهيم من خلال حجاجه مع أبيه آزر.
стр. 4768
وقد ذكرنا قصة إبراهيم في سورة البقرة، ويلاحظ أن إبراهيم ﵇ -كما ذكر السيوطي-عاش من العمر مائة وخمسا وسبعين سنة (١٧٥) وبينه وبين آدم ألفا سنة (٢٠٠٠) وبينه وبين نوح ألف سنة (١٠٠٠) ومنه تفرعت شجرة الأنبياء.
إسحاق ﵇:
هو ابن سارّة، ولم يذكر في القرآن من قصصه إلا بشارة الملائكة به، وأنه غلام عليم، وأنه نبي من الصالحين، وأن الله بارك عليه.
واليهود والنصارى يدّعون أنه الذبيح، مع تكذيب التوراة لهذه الدعوى، كما سأذكر في قصة إسماعيل قريبا.
وقد عاش إسحاق مائة وثمانين سنة، ودفن في حبرون، وهي مدينة الخليل اليوم، بمغارة المكفيلة.
يعقوب ﵇:
هو إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، تزوج بابنتي خاله (لابان) وهما (ليئة وراحيل) في فدان آرام، ثم تزوج بجاريتيهما: زلفا وبلها، ومنهن كان أولاده الذين ولدوا جميعا في (آرام) إلا بنيامين الذي ولد في فلسطين.
المناسبة:
هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة بعد قصتي زكريا ويحيى، وعيسى ومريم، وهي قصة إبراهيم ﵇. ومن المعلوم أن الغرض من هذه السورة بيان التوحيد والنبوة والحشر، والمنكرون للتوحيد أثبتوا معبودا سوى الله تعالى، وهؤلاء فريقان: منهم من أثبت معبودا غير الله حيا عاقلا فاهما وهم
стр. 4769
النصارى، ومنهم من أثبت معبودا غير الله جمادا، ليس بحي ولا عاقل ولا فاهم، وهم عبدة الأوثان.
والفريقان وإن اشتركا في الضلال، إلا أن ضلال الفريق الثاني أعظم، فلما بين تعالى ضلال الفريق الأول، تكلم في ضلال الفريق الثاني، وهم عبدة الأوثان.
التفسير والبيان:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا﴾ هذا عطف على قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ﴾ الذي هو عطف على قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ أي واذكر أيها الرسول إبراهيم الصدّيق النبي، خليل الرحمن، أبا الأنبياء، واتل خبره على الناس في الكتاب المنزل عليك، فهو بالحجارة، وفي ذلك إيناس للنبي ﵌ عما يلقاه من أذى قومه، وغلظة عمه أبي لهب، وفظاظة أبي جهل.
﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ، وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ اذكر إبراهيم حين قال بلطف وعقل واع وبرهان قاطع لأبيه آزر:
يا أبت، لم تعبد ما لا يسمع دعاءك إياه، ولا يبصر ما تفعله من عبادته، ولا يجلب لك نفعا، ولا يدفع عنك ضررا، وهي الأصنام الجمادات.
﴿يا أَبَتِ، إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ، فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا﴾ أي يا أبي، وإن كنت من صلبك، وتراني أصغر منك؛ لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله، على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك، فاتبعني في دعوتي أرشدك طريقا سويا مستقيما موصلا إلى نيل المطلوب، منجيا من كل مرهوب ومكروه.
стр. 4770
والمراد بالهداية: بيان الدليل وشرحه وإيضاحه، وقوله: ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾ ليس أمر إيجاب، بل أمر إرشاد، وكانت هذه المحاورة بعد أن صار إبراهيم نبيا. ويلاحظ أنه لم يصف أباه بالجهل، ولا نفسه بالعلم الكامل، لئلا ينفر منه، وإنما قال: أعطيت شيئا من العلم لم تعطه.
﴿يا أَبَتِ، لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ، إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا﴾ أي يا أبي، لا تطع الشيطان في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى عبادتها، المستن لها، الراضي بها، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٠/ ٣٦] وقال سبحانه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً، وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً﴾ [النساء ١١٧/ ٤].
لا تطع الشيطان، فإن عبادة الأصنام، هي من طاعة الشيطان، والشيطان عاص (كثير العصيان) مخالف مستكبر عن طاعة ربه، حين ترك ما أمره به من السجود لآدم، والعاصي حقيق بأن تسلب عنه النعم، وتحلّ به النقم، لذا طرده ربه وأبعده من رحمته، فلا تتبعه تصر مثله، فإن عبادة الأصنام لا يتقبلها عقل، ولكنها تنشأ من وسوسة الشيطان وإغوائه، فكانت عبادتها عبادة له، وطاعة لإغوائه، والشيطان عدو آدم وذريته، لا يريد لكم إلا الشر.
﴿يا أَبَتِ، إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا﴾ يا أبي، إني أخشى أن يصيبك عذاب الله على شركك وعصيانك لما أطلبه منك، فتكون بذلك مواليا للشيطان، وقرينا معه في النار، بسبب موالاته.
وهذا تحذير لأبيه من سوء العاقبة، وإنذار بالشر، حيث لا يكون له مولى ولا ناصر ولا مغيث إلا إبليس، وليس له ولا لغيره من الأمر شيء، بل اتباعه موجب لإحاطة العذاب به، كما قال تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ
стр. 4771
قَبْلِكَ، فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ، فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل ٦٣/ ١٦].
وبالرغم من هذا الأدب في الدعوة إلى التوحيد مع البراهين والأدلة الدالة على بطلان عبادة الأوثان، أجابه أبوه بما هو غير مأمول منه، فقال تعالى:
﴿قالَ: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ؟ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أجاب أبو إبراهيم ولده إبراهيم فيما دعاه إليه قائلا: أمعرض أنت عن تلك الأصنام ومنصرف إلى غيرها؟ وإن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها، فامتنع عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك لأرجمنك بالحجارة أو لأشتمنك، وفارقني زمنا طويلا.
ويلاحظ أن الأب قابل ابنه بالعنف، فلم يقل له: يا بني، كما قال الابن له: يا أبت، وقابل وعظه الرقيق بالتهديد والوعيد بالشتم أو بالضرب بالحجارة، وفي ذلك تسلية للنبي ﵌ عما يلقاه من أذى قومه، وغلظة عمه أبي لهب، وفظاظة أبي جهل.
ومع كل هذا أجابه إبراهيم باللطف قائلا:
﴿قالَ: سَلامٌ عَلَيْكَ، سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي، إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ أي قال إبراهيم لأبيه: سلام عليك سلام توديع وترك لا سلام تحية، فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، لحرمة الأبوة، وكما قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا: سَلاماً﴾ [الفرقان ٦٣/ ٢٥] وقال سبحانه: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقالُوا: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ، لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ [القصص ٥٥/ ٢٨].
ولكن سأطلب لك من الله أن يهديك ويغفر لك، بأن يوفقك للإيمان، ويرشدك للخير، إن ربي كان بي لطيفا كثير البرّ، يجيبني إذا دعوته. ونظير
стр. 4772
الآية: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء ٨٦/ ٢٦] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ [إبراهيم ٤١/ ١٤]. والمراد بكل ذلك طلب الهداية وترك الضلال.
وإنما استغفر له؛ لوعد سابق منه أن يؤمن، كما قال تعالى: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة ١١٤/ ٩].
ويرى ابن كثير أن الاستغفار للمشركين كان جائزا ثم نسخ في شرعنا، فقال: وقد استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام، وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ﵉ في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك، حتى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ: إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ إلى قوله:
﴿إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ.﴾.
الآية [الممتحنة ٤/ ٦٠] يعني إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به. ثم بيّن تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، واستقر التشريع بما دلّ عليه قوله تعالى:
﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة ١١٣/ ٩] (١).
والخلاصة: إن الاستغفار بمعنى طلب الهداية والتوفيق حال الحياة لا بأس به، وأما بعد الموت على الشرك أو الكفر، فهو ممنوع، فقول بعض الناس:
المرحوم فلان، وهو يعلم أنه مات كافرا، غير جائز.
стр. 4773
ثم قرر إبراهيم ﵇ الهجرة إلى بلاد الشام، فقال تعالى:
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، وَأَدْعُوا رَبِّي، عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أي وأبتعد عنكم، وأهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم، حين لم تقبلوا نصحي، وأعبد ربي وحده لا شريك له، وأجتنب عبادة غيره، لعلي لا أكون بدعاء ربي خائبا، كما خبتم أنتم بعبادة تلك الأصنام التي لا تجيب دعاءكم ولا تنفعكم ولا تضركم. و ﴿عَسى﴾ ذكر ذلك على سبيل التواضع، كقوله:
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء ٨٢/ ٢٦] ويراد بها التحقق لا محالة، فهو ﵇ أبو الأنبياء. كذلك قوله: ﴿شَقِيًّا﴾ ذكره على سبيل التواضع، وفيه تعريض بشقاوتهم في دعاء آلهتهم في قوله المتقدم لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾.
ولما أنفذ ما نواه وعزم عليه، حقق الله رجاءه ودعاءه، فقال:
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أي فلما اعتزل إبراهيم الخليل أباه وقومه، وترك أرضه ووطنه، وهجر موضع عبادتهم غير الله، وهاجر في سبيل الله إلى أرض بيت المقدس حيث يقدر على إظهار دينه، أبدله الله من هو خير منهم، ووهب له إسحاق بعد أن تزوج من سارّة، وابنه يعقوب حفيده، بدل الأهل الذين فارقهم، وجعل الله كل واحد من إسحاق ويعقوب نبيا أقرّ الله بهم عينيه، فكل الأنبياء من سلالتهما، وكل الأديان تحب إبراهيم وتحترمه مع إسحاق ويعقوب.
﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا، وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أي وأعطيناهم من فضلنا ورحمتنا النبوة والمال والأولاد والكتاب، وجعلنا لهم الثناء الحسن على ألسن العباد، كما قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء ٨٤/ ٢٦]. قال ابن جرير: وإنما قال: ﴿عَلِيًّا﴾ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
стр. 4774
وبما أن العرب من سلالة إبراهيم، وتدعي أنها على دين إبراهيم، فالله ذكر لهم قصته، ليعتبروا ويتعظوا.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي:
١ - إن أسباب إيراد قصة إبراهيم ﵇ ثلاثة:
الأول-كان إبراهيم ﵇ أب العرب، وكانوا مقرين بعلو شأنه وطهارة دينه، فقال الله لنبيه: اقرأ عليهم في القرآن أمر إبراهيم، فهم من ولده، وإنه كان حنيفا مسلما، لم يتخذ الأنداد، فإن كنتم مقلدين لآبائكم، فقلدوا إبراهيم في ترك عبادة الأوثان، وإن كنتم مستدلين فانظروا في هذه الدلائل التي ذكرها إبراهيم ﵇ لتعرفوا فساد عبادة الأوثان، وبالجملة:
فاتبعوا إبراهيم إما تقليدا وإما استدلالا، ولم تتخذون الأنداد؟! والله يقول:
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠/ ٢].
الثاني-كان كثير من الكفار في زمن الرسول ﵌ يقول: كيف نترك دين آبائنا وأجدادنا، فذكر الله قصة إبراهيم ﵇، وبيّن أنه ترك دين أبيه وأبطل قوله بالدليل، فكونوا مثله.
الثالث-كان كثير من الكفار يتمسكون بالتقليد وينكرون الاستدلال، كما حكى الله تعالى عنهم: ﴿قالُوا: إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢/ ٤٣] و ﴿قالُوا: وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ [الأنبياء ٥٣/ ٢١] فحكى الله تعالى عن إبراهيم ﵇ التمسك بطريق الاستدلال، تنبيها على فساد هذه الطريقة.
٢ - وصف تعالى إبراهيم ﵇ بأنه كان صديقا نبيا، أي مبالغا في كونه صادقا: وهو الذي يكون عادته الصدق، أو كثير التصديق بالحق حتى يصير مشهورا به.
стр. 4775
٣ - كان إبراهيم ﵇ في محاورته أباه في غاية الأدب واللطف والرفق، فكان يكرر قوله استعطافا وشفقة: يا أبت، ولما يئس من استجابته لدعوته، قال: سلام عليك، سلام متاركة وتوديع، لا سلام تحية، سأستغفر لك ربي، طالبا منه هدايتك، وكان في خطابه كله له شديد الخوف عليه من الكفر والعذاب في النار.
وكان الأب آزر مستعليا مترفعا يعتمد على التهديد والقطيعة والسب والشتم والرجم بالحجارة.
٤ - عاب إبراهيم ﵇ الوثن من ثلاثة أوجه:
أحدها-لا يسمع.
الثاني-لا يبصر.
الثالث-لا يغني عنك شيئا، كأنه قال له: بل الألوهية ليست إلا لربي، فإنه يسمع ويجيب دعوة الداعي ويبصر، كما قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ [طه ٤٦/ ٢٠] ويقضي الحوائج: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ﴾ [النمل ٦٢/ ٢٧].
٥ - ليحذر الإنسان طاعة الشيطان فيما يأمره به من الكفر، ومن أطاع شيئا في معصية فقد عبده، والشيطان دائما عاص لربه مخالف أوامره.
٦ - حذر إبراهيم ﵇ أباه آزر من الكفر وعاقبته، فقال: إني أخاف أن تموت على الكفر، فيمسّك العذاب، فتكون للشيطان قرينا في النار.
٧ - يرى جمهور العلماء أنه لا يبدأ الكافر بالسلام؛ لأن ذلك إكرام، والكافر ليس أهله،
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم فاضطروه إلى أضيقه» وربما كان هذا الحديث لواقعة معينة إثر تآمر اليهود على قتل النبي ﵌ كما أشار بعضهم.
стр. 4776
وجوز سفيان بن عيينة تحية الكافر وأن يبدأ بها، قيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال: نعم، قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ، وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة ٨/ ٦٠]؛ وقال: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ﴾ [الممتحنة ٤/ ٦٠] الآية؛ وقال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ ويؤيده حديث آخر في الصحيحين عن أسامة بن زيد: أن النبي ﵌ سلم على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أبيّ بن سلول. وقال الطبري: وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب، وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه، وقال: ولكن حق الصحبة. وكان أبو أمامة إذا انصرف إلى بيته، لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه؛ فقيل له في ذلك، فقال: أمرنا أن نفشي السلام. وسئل الأوزاعي عن مسلم مرّ بكافر فسلّم عليه، فقال: إن سلّمت فقد سلّم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك.
وأما الاستغفار للكافر فقد أوضحناه في تفسير الآيات هنا، وخلاصته: أنه ممنوع بعد الموت، جائز في الحياة بمعنى طلب الهداية والرشاد. والدليل على أن الاستغفار للكافر لا يجوز آيتان تقدمتاهما: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ١١٣/ ٩] و ﴿إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ.﴾. [الممتحنة [٤/ ٦٠] أي لا تتبعوه في ذلك.
٨ - قال الرازي: اعلم أنه ما خسر على الله أحد، فإن إبراهيم ﵇ لما اعتزل قومه في دينهم وفي بلدهم، واختار الهجرة إلى ربه إلى حيث أمره، لم يضره ذلك دينا ودنيا، بل نفعه فعوضه أولادا أنبياء، وذلك من أعظم النعم في الدنيا والآخرة. ثم إنه تعالى وهب لهم مع النبوة ما وهب من المال والجاه والأتباع والنسل الطاهر والذرية الطيبة، ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ
стр. 4777
عَلِيًّا﴾ أي ثناء حسنا؛ لأن جميع الملل تحسن الثناء عليهم (١). واللسان يذكّر ويؤنث.
قصة موسى ﵇
﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾
الإعراب:
﴿الْأَيْمَنِ﴾ صفة الطور أو الجانب، والظاهر أنها صفة الجانب لقوله في آية أخرى ﴿جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم ٥٢/ ١٩] بنصب الأيمن.
نجيا حال من أحد الضميرين في ﴿نادَيْناهُ﴾ و ﴿قَرَّبْناهُ﴾.
﴿أَخاهُ هارُونَ﴾ ﴿هارُونَ﴾: بدل أو عطف بيان، و ﴿أَخاهُ﴾ مفعول لوهبنا.
﴿نَبِيًّا﴾ حال، هي المقصودة بالهبة، إجابة لسؤاله أن يرسل أخاه معه، وكان أسنّ منه.
المفردات اللغوية:
﴿مُخْلَصاً﴾ مختارا مصطفى مخلّصا من الدنس، وقرئ بكسر اللام، أي مخلصا في عبادته عن الشرك والرياء، موحدا أسلم وجهه لله. ﴿وَنادَيْناهُ﴾ يقول: يا موسى، إني أنا الله. ﴿مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ من ناحية الجبل اليمنى، وهي التي تلي يمين موسى حين أقبل من مدين، بأن تمثل له الكلام من تلك الجهة، والطور: الجبل بين مصر ومدين. ﴿وَقَرَّبْناهُ﴾ تقريب تشريف وتكريم. ﴿نَجِيًّا﴾ مناجيا، مكلما الله بلا واسطة، بأن أسمعه الله تعالى كلامه. ﴿مِنْ رَحْمَتِنا﴾ نعمتنا، أي من أجل رحمتنا أو بعض رحمتنا. ﴿أَخاهُ﴾ معاضدة أخيه ومؤازرته، إجابة لدعوته:
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي﴾ [طه ٢٩/ ٢٠] فإنه كان أسنّ من موسى.
стр. 4778
المناسبة:
هذه هي القصة الرابعة لإخبار العرب وغيرهم أن موسى ﵇ مثل إبراهيم ﵇ أخلص العبادة لله عن الشرك والرياء، وأسلم وجهه لله تعالى. ومثله أيضا أخوه هارون. قال ابن عباس ﵄: كان هارون ﵇ أكبر من موسى ﵇، وإنما وهب الله له نبوته، لا لشخصه وأخوته، وذلك إجابة لدعائه في قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي: هارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه ٢٩/ ٢٠ - ٣١]، فأجابه الله تعالى إليه بقوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [طه ٣٦/ ٢٠]، وقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص ٣٥/ ٢٨].
التفسير والبيان:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى﴾ لما ذكر الله تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر موسى الكليم، فقال: واذكر يا محمد في الكتاب، واتل على قومك أوصاف موسى التي سأخبرك عنها وهي خمس صفات:
١ - ﴿إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً﴾ أي جعلناه مختارا مصطفى، وأخلصناه مطهرا من الآثام والذنوب، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف ١٤٤/ ٧]. وقرئ بالكسر (مخلصا) ومعناه: أخلص لله في التوحيد والعبادة، والإخلاص: هو القصد في العبادة إلى أن يعبد المعبود بها وحده. قال الثوري عن أبي لبابة قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن المخلص لله، قال: الذي يعمل لله، لا يحب أن يحمده الناس.
٢ - ﴿وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ جمع الله له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة، وهم: (نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم
стр. 4779
صلوات الله وسلامه) أرسله الله إلى عباده داعيا ومبشرا ونذيرا، فأنبأهم عن الله بشرائعه.
والرسول: هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وكان معه كتاب فيه شريعته كموسى ﵇، سواء أنزل عليه كتاب مستقل أم كتاب من سبقه.
والنبي: هو من أوحي إليه بشرع يخبر به عن الله ويخبر به قومه، وليس معه كتاب، كيوشع ﵇.
٣ - ﴿وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ أي كلمناه من جانب الطور عن يمين موسى أو عن يمين الجبل نفسه، حين جاء من مدين متجها إلى مصر، فهو كليم الله بعدئذ، وأصبح رسولا، وواعدناه إليه بعد إغراق آل فرعون، وأنزلنا عليه كتاب التوراة. والمناداة عن يمين موسى أصح، فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال.
٤ - ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ أي أدنيناه إدناء تشريف وتقريب منزلة، حتى كلمناه، أو حين مناجاته لنا. فقوله: ﴿نَجِيًّا﴾ من المناجاة في المخاطبة، أي أنه أصبح في العالم الروحي قريب المنزلة من الله تعالى.
٥ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ أي منحناه من فضلنا ونعمتنا، فجعلنا أخاه نبيا، حين سأل ربه قائلا: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه ٢٩/ ٢٠ - ٣٢] فحقق له مطلبه وأجاب دعاءه وسؤاله وشفاعته بقوله: ﴿قالَ: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [طه ٣٦/ ٢٠]، وقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص ٣٥/ ٢٨].
قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة
стр. 4780
موسى في هارون أن يكون نبيا، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى بأربع سنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
لم يبلغ رسول مرتبة أولي العزم إلا بمقومات عالية، وخصائص فريدة رفيعة، وهذه بعض خصائص موسى وصفاته، أخلصه ربه واختاره، فكان مخلصا لله في عبادته، بعيدا عن الشرك والرياء، وجعله رسولا بشرع وكتاب ونبيا من الصالحين، وكلّمه ربه من غير وحي، وناجاه من جانب الطور، في البقعة المباركة، عند الشجرة، عن يمين موسى حين أقبل من مدين إلى مصر.
وقربه إليه ربه تقريب تشريف وإجلال، حالة كونه مناجيا حضرة الله تعالى، مثل تقريب الملك لمناجاته، وأنعم عليه مجيبا سؤاله ودعاءه بجعل أخيه هارون الأكبر منه سنّا نبيا ورسولا، وتلك نعمة كبري على الأخوين، إذ آزرهما ببعضهما، وجعلهما متعاضدين متعاونين في تبليغ الرسالة الإلهية إلى فرعون وآله وإلى بني إسرائيل.
قصة إسماعيل ﵇
﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾
الإعراب:
﴿مَرْضِيًّا﴾ خبر كان، وأصله «مرضويا» فأبدلوا من الضمة كسرة، ومن الواو ياء، على لغة من ثنى «الرضا» «رضوان». ومن قال: «رضيان» كان من ذوات الياء، وأصله «مرضوي» فاجتمعت الواو والياء، والسابق منهما ساكن، فقلبوا الواو ياء، وأدغموا الياء في الياء، وكسروا ما قبل الياء مناسبة لها.
стр. 4781
المفردات اللغوية:
﴿صادِقَ الْوَعْدِ﴾ ذكره بالمشهور به، فلم يعد شيئا إلا وفي به، وانتظر من وعد ثلاثة أيام، أو حولا، حتى رجع إليه في مكانه. ﴿وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ إلى قبيلة جرهم. وهو يدل على أن الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة، فإن أولاد إبراهيم ﵇ كانوا على شريعته.
﴿وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ قومه، اشتغالا بما هو الأهم، وهو أن يعنى الإنسان بتكميل نفسه ومن هو أقرب الناس إليه أولا، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤/ ٢٦]، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه ١٣٢/ ٢٠]، ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ [التحريم ٦/ ٦٦]. ﴿وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم ٥٥/ ١٩] لاستقامة أقواله وأفعاله، والمرضي عند الله: الفائز في كل طاعاته بأعلى الدرجات.
المناسبة:
هذه هي القصة الخامسة في سورة مريم، وهي قصة إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وكان على شريعة أبيه في توحيد الله ومحاربة الوثنية وعبادة الأصنام، وإبراهيم كما عرفنا أبو العرب يمنيها ومضريها. قال الزمخشري: كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة، ليجعلهم قدوة لمن وراءهم، ولأنهم أولى من سائر الناس.
وقدم الله تعالى قصة موسى ﵇ على قصة إسماعيل ﵇، لينسجم الكلام عن يعقوب وبنيه دون فاصل بينهما.
أضواء على قصة إسماعيل الذبيح:
رأى إبراهيم ﵇ في منامه-ورؤيا الأنبياء حق-أنه يذبح ولده قربانا لله تعالى، وكان ذلك الولد على الأصح الراجح إسماعيل، فعرض الأمر على ولده، فتقبل القضاء بالرضا وقال: ﴿يا أَبَتِ، اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢/ ٣٧].
стр. 4782
فلما بدأ بتحقيق الأمر، وأهوى بالمدية إلى ذبح ولده، ناداه الله بالكفّ، وأن هذا العمل منه يكفي تصديقا للرؤيا، ورأى إبراهيم كبشا قريبا منه، فذبحه فدية عن ولده، ولم تعين الآيات اسم ذلك الولد، ولكن سياق الآيات، وتبشير إبراهيم بإسحاق بعدها، يدل على أن الذبيح إسماعيل، وذلك في الآيات من سورة الصافات [٩٩ - ١١٣]، وفيها: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [١٠١]، ثم قال: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [١٠٨]، والضمير يعود إلى الذبيح. ثم قال: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [١١٢]، فالإتيان بالبشرى بإسحاق بعد ذكر قصة الذبيح صريح في أن إسحاق غير الغلام المأمور بذبحه، وعود الضمير إلى الغلام الذبيح، وذكر اسم إسحاق معه صريحا يقتضي التغاير بين الذبيح وإسحاق.
ويرى اليهود أن إسحاق هو الذبيح ليفتخروا بأن أباهم هو الذي جاد بنفسه في طاعة ربه، وهو في حالة صغره.
والدليل على أن الذبيح إسماعيل من التوراة نفسها: أن الذبيح وصف بأنه ابن إبراهيم الوحيد، والإقدام على ذبح الولد الوحيد هو الإسلام بعينه، أي الطاعة والامتثال، ولم يكن إسحاق وحيدا لإبراهيم في يوم من الأيام؛ لأن إسحاق ولد، ولإسماعيل أربع عشرة سنة، كما هو صريح التوراة، وبقي إسماعيل إلى أن مات إبراهيم، وحضر إسماعيل وفاته ودفنه. وذبح إسحاق يناقض وعد الله لإبراهيم أن سيكون له ابن هو يعقوب. ثم إن مسألة الذبح وقعت في مكة؛ وإسماعيل هو الذي ذهب به أبوه إليها رضيعا، كما في حديث البخاري الآتي (١)،
وعند الزمخشري في الكشاف حديث: «أنا ابن الذبيحين» رواه الحاكم في المناقب.
стр. 4783
إسماعيل وأمه هاجر في مكة:
لم يبن بمكة شيء بعد البيت إلا في القرن الثاني قبل الإسلام، في عهد قصي بن كلاب، فإنه بنى دار الندوة، وتبعته قريش في البناء حول المسجد.
جاء في البخاري عن ابن عباس: أن النبي ﵌ قال: «أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة. ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضعهما هناك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب، وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها؛ فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية، حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه، فقال: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾، حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾.
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء، عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى-أو قال:
يتلبط -فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها؛ فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر، هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت، هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات».
قال ابن عباس: قال النبي ﵌: «فذلك سعي الناس بينهما». فلما
стр. 4784
أشرفت على المروة، سمعت صوتا، فقالت: صه-تريد نفسها، ثم تسمّعت، فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غوث؛ فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه-أو قال: بجناحه-حتى ظهر الماء، فجعلت تخوضه، وتقول بيدها هكذا. وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعد ما تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي ﵌: «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم-أو قال: لو لم تغرف من الماء-لكانت زمزم عينا معينا».
وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. إلخ الحديث.
بناء البيت:
كان إبراهيم ﵇ يزور ولده إسماعيل حينا بعد آخر، ففي إحدى هذه الزيارات أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت، فصدعا بالأمر وبنيا الكعبة. ولما تمّ بناؤها أمره الله تعالى أن يعلم الناس بأنه بنى بيتا لعبادة الله تعالى وأن عليهم أن يحجوه، وطلب إبراهيم وإسماعيل من الله تعالى أن يريهما المناسك التي ينسكانها. والآيات التي توضح ذلك: [البقرة ١٢٥/ ٢ - ١٢٩]، [إبراهيم ٣٥/ ١٤ - ٣٧]، [الحج ٢٦/ ٢٢ - ٣٧].
والكعبة: أول بيت وضع للناس لعبادة الله تعالى [آل عمران ٩٦/ ٣ - ٩٧].
حياة إسماعيل وأولاده:
لإسماعيل اثنا عشر ولدا رؤساء قبائل، وعاش مائة وسبعا وثلاثين سنة، مات بمكة، ودفن بالحجر بجواز البيت هو وأمه.
التفسير والبيان:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ﴾ واذكر أيها الرسول في القرآن خبر وصفات
стр. 4785
إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉، وهو والد عرب الحجاز كلهم، وهي صفات أربع:
١ - ﴿إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ﴾ مشهورا بالوفاء، مبالغا بإنجاز ما وعد، فما وعد وعدا مع الله أو مع الناس إلا وفّى به، فكان لا يخالف شيئا مما يؤمر به من طاعة ربه، وإذا وعد الناس بشيء أنجز وعده، وناهيك من صدق وعده أنه وعد أباه أن يصبر على الذبح، فوفّى بذلك، قائلا: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢/ ٣٧].
وصدق الوعد من الصفات الحميدة في كل زمان ومكان، وخلفه من الصفات الذميمة، قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٢/ ٦١ - ٣]، و
قال رسول الله ﵌ فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»، وإذا كانت هذه صفات المنافقين فضدها صفات المؤمنين، ومما يؤسف له أن خلف الوعد شائع بين المسلمين، وبخاصة التجار والعمال وأصحاب الحرف.
٢ - ﴿وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ جمع الله له بين الوصفين كأبيه وكموسى ﵈، فكان رسولا إلى جرهم في مكة، لتبليغهم شريعة إبراهيم، وإخبارهم بما أنزل الله تعالى، وهذا دليل على أنه لا يشترط إنزال كتاب مستقل على الرسول. وفي هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة،
وأخرج الترمذي أن رسول الله ﵌ قال: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل».
٣ - ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ﴾ أي وكان يأمر أمته وعشيرته وأهله بهاتين العبادتين الشرعيتين المهمتين جدا، فكان صابرا على طاعة ربه، كما
стр. 4786
قال تعالى لرسوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤/ ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه ١٣٢/ ٢٠]، وقال سبحانه:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ [التحريم ٦/ ٦٦]. و
أخرج أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء. رحم الله امرأة قامت من الليل، فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء».
وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه-واللفظ له-عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﵌ قال: «إذا استيقظ الرجل من الليل، وأيقظ امرأته، فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات».
٤ - ﴿وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ أي رضيا زاكيا صالحا، مرضي العمل غير مقصر في طاعة ربه، فعلى المؤمن الاقتداء به.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه مجموعة خصال أخرى لرسول نبي هو إسماعيل الذبيح أبو العرب ابن إبراهيم الخليل ﵉، والأظهر أن الذبيح هو وليس إسحاق كما تقدم في سورة الصافات.
خصة الله تعالى بصدق الوعد، وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء تشريفا له وإكراما، ولأنه كان مشهورا بذلك مبالغا في الوفاء بالوعد. وهو كما تقدم صفة حميد،
قال ﵌ فيما رواه الطبراني في الأوسط عن علي وابن مسعود، وهو ضعيف: «العدة دين».
وإيجاب الوفاء من محاسن المروءة وموجبات الديانة، لكن لا يلزم قضاء، فليس بواجب فرضا؛ لإجماع العلماء على ما حكاه أبو عمر بن عبد البر: أن من وعد بمال ما كان ليضرب به مع الغرماء، أي لا يقتسم مع الدائنين العاديين الآخرين ما يوجد من أموال المدين؛ لأن ما وعد به لا يصبح دينا.
стр. 4787
لكن لا خلاف أن الوفاء بالدين يستحق صاحبه الحمد والشكر، وعلى الخلف الذم، وقد أثنى الله ﵎ على من صدق وعده، ووفّى بنذره.
ويرى الإمام مالك: أن الوعد ملزم إذا دخل الموعود في التزام ما، أو وعد بقضاء دين عنه، وشهد عليه اثنان، يلزمه ذلك قضاء (١). ويرى سائر الفقهاء الآخرين: أن العدة لا يلزم منها شيء؛ لأنها منافع لم تقبض في العارية، وفي غير العارية: هي أشياء وأعيان موهوبة لم تقبض، فلصاحبها الرجوع فيها.
وكان إسماعيل ﵇ رسولا إلى جرهم في مكة ونبيا صالحا، وكان يأمر أهله جرهم وولده بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضيا مقبولا؛ وهذا في نهاية المدح؛ لأن المرضي عند الله هو الفائز بأعلى الدرجات.
وإذا قرنت الزكاة بالصلاة أريد بها الصدقات الواجبة، فهي طاعة لله لازمة، تتطلب الإخلاص في أدائها، كما أن الصلاة واجبة.
والأقرب-كما قال الرازي-في الأهل: أن المراد به من يلزمه أن يؤدي إليه الشرع، فيدخل فيه كل أمته؛ لأنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة.
قصة إدريس ﵇
﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧)﴾
المفردات اللغوية:
﴿إِدْرِيسَ﴾ هو سبط شيث، وجد نوح لأبيه، واسمه (أخنوخ) لقب إدريس بذلك لكثرة
стр. 4788
درسه؛ إذ روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وإنه أول من خط بالقلم، وخاط الثياب ولبس المخيط، وكانوا قبله يلبسون الجلود، وأول من نظر في علم النجوم والحساب، وأول من اتخذ الموازين والمكاييل والأسلحة، فقاتل بني قابيل، وأول مرسل بعد آدم. ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ يعني شرف النبوة والزلفى عند الله تعالى، وقيل: الجنة، وقيل: في السماء الرابعة أو السادسة أو السابعة، والأول أصح.
المناسبة:
هذه قصة إدريس هي القصة السادسة من سورة مريم، ذكرت للعبرة؛ لأنه دعا إلى دين الله والتوحيد وعبادة الخالق، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا، وحض على الزهد في الدنيا والعمل بالعدل، وأمر بالصلاة وبصيام أيام من كل شهر، وحث على جهاد الأعداء، وأمر بالزكاة معونة للضعفاء، وغلظ في الطهارة من الجنابة والكلب والحمار، وحرم المسكر من كل شيء.
وهو أول بني آدم أعطي النبوة بعد آدم وشيث ﵉. فهو من ذرية آدم لقربه منه؛ لأنه جد أبي نوح، وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح؛ لأنه من ولد سام بن نوح.
وجاء في صحيح مسلم في حديث الإسراء أن رسول الله ﵌ مرّ به في السماء الرابعة. وهذا هو الصحيح، وأما ما ذكر في البخاري من أنه في السماء الثانية فهو وهم.
ولد بمنف في مصر، وسموه (هرمس الهرامسة) وقيل: ولد ببابل، وأخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم، وهو جد جد أبيه. وأقام بمصر يدعو الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الله . وكان يعلّمهم كيفية تخطيط المدن.
أقام في الأرض اثنتين وثمانين سنة، وكان على فص خاتمه: «الصبر مع
стр. 4789
الإيمان بالله يورث الظفر»، وعلى المنطقة التي يلبسها: «الأعياد في حفظ الفروض، والشريعة من تمام الدين، وتمام الدين من كمال المروءة»، وعلى المنطقة التي يلبسها وقت الصلاة على الميت: «السعيد من نظر لنفسه، وشفاعته عند ربه أعماله الصالحة»، وكانت له مواعظ وآداب.
التفسير والبيان:
وصف الله تعالى إدريس جد نوح الذي هو أول من خط بالقلم، وخاط الثياب، ولبس المخيط بصفات ثلاث هي:
١ - إنه كان صدّيقا، أي كثير الصدق، قوي التصديق بآيات الله تعالى.
٢ - وكان رسولا نبيا، أي موحى إليه بشرع، مأمورا بتبليغه إلى قومه، وقد أنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة كما في حديث أبي ذرّ.
٣ - ورفعه الله مكانا عليا، أي أعلى قدره، وشرفه بالنبوة، وجعله ذا منزلة عالية، كما قال الله لنبيه: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤/ ٩٤]،
وروى مسلم في صحيحة: «أن رسول الله ﵌ مرّ به في ليلة الإسراء، وهو في السماء الرابعة». وجرت العادة ألا يرفع إلى السماء إلا من كان عظيم القدر والمنزلة.
والأولى في رأي الرازي أن المراد بالصفة الثالثة الرفعة في المكان إلى موضع عال؛ لأن الرفعة المقرونة بالمكان تكون رفعة في المكان، لا في الدرجة.
والظاهر لي أن المراد الرفعة في الدرجة، إذ لا فرق في التعبير بين المكان والمكانة، فيقال: فلان ذو مكان عال عند السلطان.
وسبب رفع مكانته: أنه كان كثير العبادة، يصوم النهار، ويتعبد في الليل. قال وهب بن منبّه: كان يرفع لإدريس ﵇ كل يوم من العبادة
стр. 4790
مثلما يرفع لأهل الأرض في زمانه. وأصحاب هذه الخصال هم قدوة يقتدي بها المؤمن، ويتحلى بها المخلص، وقد بدأ الله نبيه بالأمر بها والخطاب معه؛ لأنه قدوة أمته، والمثل الأعلى للمؤمنين على الدوام، مشيرا إلى ذلك في الآية التالية.
جملة صفات الأنبياء ﵈
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨)﴾
الإعراب:
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ﴾ مبتدأ وخبر أو الذين: صفة، والخبر: ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ.﴾.، وهو إشارة إلى من تقدم ذكره في هذه السورة من الأنبياء.
﴿خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾ منصوبان على الحال المقدرة، أي مقدّرين السجود والبكاء.
و ﴿بُكِيًّا﴾ جمع باك.
﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ الجملة الشرطية خبر، إذا جعلنا ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ.﴾. صفة لأولئك، وهي كلام مستأنف إن جعلنا ﴿الَّذِينَ﴾ خبرا، لبيان خشيتهم من الله، مع علو الدرجة وشرف النسب وكمال النفس والزلفى من الله .
البلاغة:
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ﴾ الإشارة بالبعيد لعلو الرتبة.
المفردات اللغوية:
﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس. ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ بأنواع النعم الدينية والدنيوية. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بيان للموصول؛ لأن جميع الأنبياء منعم عليهم.
﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ من هنا للتبعيض، والمراد به هنا: إدريس الذي هو من ذرية آدم ﵇، لقربه منه؛ لأنه جد نوح أي جد أبيه. ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ في السفينة، أي إبراهيم بن سام بن نوح. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ﴾ أي إسماعيل وإسحاق ويعقوب، ﴿وَإِسْرائِيلَ﴾ هو يعقوب
стр. 4791
عليه السلام، أي من ذريته وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى. ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا﴾ أي ومن جملتهم، و ﴿اِجْتَبَيْنا﴾ اصطفينا واخترنا للنبوة والكرامة. ﴿سُجَّداً﴾ جمع ساجد.
﴿وَبُكِيًّا﴾ جمع باك،
روى ابن ماجه عن النبي ﵌: «اتلو القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا». والبكا: بالقصر مثل الحزن، لا صوت معه.
المناسبة:
بعد أن أثنى الله على كل رسول من رسله العشرة بما يخصه، جمعهم آخرا بصفة واحدة: هي الإنعام عليهم بالنبوة، والهداية إلى طريق الخير، والاصطفاء من سائر خلقه. قال ابن كثير: ليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط، بل جنس الأنبياء ﵈، استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس (١).
التفسير والبيان:
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ أي أولئك المذكورون من أول السورة إلى هنا، من لدن زكريا إلى إدريس، بل وجميع الأنبياء هم الذين أنعم الله عليهم بنعمة النبوة والقرب منه، وعظم المنزلة لديه، واختارهم واجتباهم من بين عباده، وهداهم وأرشدهم ليكونوا المثل الأعلى للبشرية، والأسوة الحسنة للناس جميعا في عبادة الله وطاعته والتأسي بطريقتهم ومنهجهم وأخلاقهم.
﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ أبي البشر الأول ﵇.
﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ أي ومن ذرية من حملنا في السفينة مع نوح أبي البشر الثاني، وهم من عدا إدريس ﵇ الذي كان سابقا على نوح، على ما ثبت في الأخبار، جمعهم الله في كونهم من ذرية آدم، ثم خص بعضهم بأنه من ذرية المحمولين مع نوح، والذي يختص بأنه من ذرية آدم دون من حمل مع نوح هو إدريس ﵇.
стр. 4792
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ﴾ وهم إسحاق ويعقوب وإسماعيل ﵈.
﴿وَإِسْرائِيلَ﴾ أي ومن ذرية إسرائيل، أي يعقوب، وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم ﵈.
﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا﴾ أي ومن جملة من هدينا إلى الإسلام الذي هو الدين الحق المشترك بين جميع الأنبياء، ومن جملة من اخترنا للنبوة والكرامة والاصطفاء.
﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾ أي كانوا إذا سمعوا آيات الله المتضمنة حججه ودلائله وبراهينه وشرائعه المنزلة، سجدوا لربهم خضوعا لذاته واستكانة وانقيادا لأمره، وحمدا وشكرا على ما هم فيه من النعم العظيمة، وهم باكون خشية من الله ومن عذابه. والبكي: جمع باك.
قال ابن كثير: ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء: أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ، إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا، وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ، كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ. وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً، وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ. وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ، وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله:
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ، فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٨٣/ ٦ - ٩٠] وقال : ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨/ ٤٠] وفي صحيح البخاري عن مجاهد: أنه سأل ابن عباس أفي ص سجدة؟ فقال:
نعم، ثم تلا هذه الآية: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ، فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أي فنبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم، قال: وهو منهم يعني داود.
стр. 4793
لهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم، واتباعا لمنوالهم (١).
وعند ابن ماجه عن رسول الله ﵌: «اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» وعن صالح المرّي قال: قرأت القرآن عن رسول الله ﵌ في المنام، فقال لي: يا صالح، هذه القراءة، فأين البكاء؟ وعن ابن عباس ﵄: «إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود، حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم، فليبك قلبه» (٢).
والذي يستنبط من هذه الآية كما فهم منها: أن جميع الأنبياء هم القدوة الصالحة والأسوة الحسنة للبشرية في سلامة العقيدة، وكثرة العبادة، وصحة الدين، ونقاوة الأصل، وطهارة النسب والمعدن. واستقامة المنهج والطريق، ورفعة الشأن والخلق.
صفات خلف الأنبياء وجزاؤهم وصفات التائبين ومستحقي الجنة
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾
стр. 4794
الإعراب:
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ ﴿جَنّاتِ﴾ بدل منصوب من قوله: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ أي يدخلون جنات عدن، وهو بدل الشيء من نفسه؛ لأن الألف واللام في الجنة للجنس.
﴿إِلاّ سَلاماً﴾ إما منصوب؛ لأنه استثناء منقطع، أو منصوب على البدل من (لغو).
﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال.
﴿نُورِثُ مِنْ عِبادِنا﴾ ﴿نُورِثُ﴾ مضارع أورث، وهو يتعدى إلى مفعولين، الأول منهما محذوف، وهو الهاء عائد الموصول، أي نورثها، والمفعول الثاني ﴿مَنْ كانَ تَقِيًّا﴾. و ﴿مِنْ عِبادِنا﴾ متعلق بنورث، أي تلك الجنة التي نورثها من كان تقيا من عبادنا.
البلاغة:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ جناس ناقص لتغير الحركات والشكل.
﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَخَلَفَ﴾ بسكون اللام: عقب السوء، وبفتح اللام: عقب الخير. ﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ﴾ تركوها بتاتا، أو أخروها عن وقتها. ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ انهمكوا في المعاصي واللذات.
﴿غَيًّا﴾ أي شرا أو واديا في جهنم، والمعنى: يقعون في نار جهنم، ويلقون جزاءهم فيها. ﴿إِلاّ﴾ بمعنى لكن، وهو يدل على أن الآية في الكفرة. ﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ ينقصون. ﴿شَيْئاً﴾ من ثوابهم وجزاء أعمالهم.
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ جنات إقامة، وهذا وصف لها بالدوام ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي وهي غائبة عنهم، أو هم غائبون عنها. ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ﴾ موعوده. ﴿مَأْتِيًّا﴾ بمعنى آتيا لا محالة. أو أن موعوده الذي هو الجنة يأتيه أهله الذين وعدوا به.
﴿لَغْواً﴾ فضولا من الكلام لا يفيد. ﴿إِلاّ سَلاماً﴾ أي لكن يسمعون سلاما من الله أو من الملائكة عليهم، أو من بعضهم على بعض. ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ على عادة المتنعمين، والتوسط، وفي قدر وقتهما في الدنيا، علما بأنه ليس في الجنة نهار ولا ليل، بل ضوء ونور أبدا.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى أولئك الأنبياء وأتباعهم بصفات الثناء والمدح من
стр. 4795
اتباع أوامر الدين وترك نواهيه، ترغيبا في التأسي بطريقتهم، ذكر صفات الخلف الذين أتوا بعدهم ممن أضاعوا واجبات الدين، وانتهبوا اللذات والشهوات، ثم ذكر ما ينالهم من العقاب في الآخرة، إلا من تاب، فإن الله يقبل توبته، ويورثه جنات النعيم التي لا يرثها إلا الأتقياء.
قال الرازي: وظاهر الكلام. أن المراد من بعد هؤلاء الأنبياء خلف من أولادهم.
وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في قوم من هذه الأمة يتراكبون في الطرق، كما تراكب الأنعام، لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من الله في السماء.
أخرج أحمد وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﵌، وتلا هذه الآية، قال: «يكون خلف من بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر».
التفسير والبيان:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أي فجاء خلف سوء من بعد أولئك السعداء وهم الأنبياء ﵈ وأتباعهم القائمون بحدود الله وأوامره، المؤدون فرائض الله، التاركون لزواجره.
أولئك الخلف يدّعون الإيمان واتباع الأنبياء، ولكنهم مخالفون مقصرون كاليهود والنصارى وفسّاق المسلمين الذين تركوا الصلاة المفروضة عليهم، وآثروا شهواتهم من المحرّمات على طاعة الله، فاقترفوا الزنى، وشربوا الخمور، وشهدوا شهادة الزور، ولعبوا الميسر، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء جزاؤهم أنهم سيلقون غيا، أي شرا وخيبة وخسارا يوم القيامة، لارتكابهم المعاصي، وإهمال الواجبات.
стр. 4796
والمراد بإضاعة الصلاة في الأظهر تركها بالكلام، وعدم فعلها أصلا، وجحود وجوبها. ويرى بعضهم كالشوكاني أن من أخر الصلاة عن وقتها، أو ترك فرضا من فروضها، أو شرطا من شروطها، أو ركنا من أركانها، فقد أضاعها.
لذا ذهب جماعة من السلف والخلف والأئمة، كما الذي رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي وهو المشهور عن الإمام أحمد وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة؛
للحديث: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة»
والحديث الآخر الذي رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن بريدة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر».
ثم استثنى الله تعالى من الجزاء المتقدم التائبين، فقال:
﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ أي لكن من تاب مما فرط منه من ترك الصلوات، واتباع الشهوات، فرجع إلى طاعة الله وآمن به وعمل عملا صالحا، فأولئك يدخلهم ربهم الجنة، ويغفر لهم ذنوبهم؛ لأن
«التوبة تجب ما قبلها» في حديث ذكره الفقهاء، وفي
الحديث الآخر الذي رواه ابن ماجه عن ابن مسعود: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» وأولئك أيضا لا ينقص من أجورهم شيء، وإن كان العمل قليلا؛ لأن أعمالهم السابقة ذهبت هدرا، وصارت منسية، تفضلا ورحمة من الله الكريم اللطيف الحليم.
وهذا الاستثناء كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ، وَلا يَزْنُونَ.﴾. ثم قال تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً، فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان ٦٨/ ٢٥ - ٧٠].
стр. 4797
ثم وصف الله تعالى الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم وهي أوصاف ثلاثة:
١ - ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ، إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ أي هي جنات إقامة دائمة، وعد الرحمن بها عباده الأبرار بظهر الغيب، فآمنوا بها ولم يروها؛ لقوة إيمانهم، ولأن وعد الله آت لا يخلف، ومنها الجنة، يأتيها أهلها لا محالة. وقوله: ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ أي آتيا: تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره، فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: ﴿كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ [المزمل ١٨/ ٧٣] أي كائنا لا محالة.
٢ - ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً﴾ أي لا يسمع الأبرار أهل الجنة فيها كلاما ساقطا، أو تافها لا معنى له، أو هذرا لا طائل تحته، كما قد يوجد في الدنيا، ولكن يسمعون سلام بعضهم على بعض، أو سلام الملائكة عليهم، بما يشعرهم بالأمان والطمأنينة، وهما منتهى الراحة والسعادة.
وقوله: ﴿إِلاّ سَلاماً﴾ استثناء منقطع كقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلاّ قِيلاً: سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة ٢٥/ ٥٦ - ٢٦].
٣ - ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي يأتيهم ما يشتهون من الطعام والشراب قدر وقت البكرة والعشي، أي وقت الغداء صباحا، والعشاء مساء إذ ليس هناك ليل ولا نهار، وإنما بمقدار طرفي النهار في الدنيا، وفي أوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنهار، كما
أخرج الإمام أحمد والشيخان في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «أول زمرة تلج الجنة، صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يتمخّطون فيها، ولا يتغوّطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوّة (١)، ورشحهم
стр. 4798
المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا». وهذا وقت طعام أهل الاعتدال، أما النهم فيأكل متى شاء. وأسباب استحقاق الجنان هي:
﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا﴾ أي هذه الجنة التي وصفناها بتلك الأوصاف الرائعة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله في السرّاء والضرّاء، أي نجعلها حقا خالصا لهم كملك الميراث، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ إلى أن قال:
﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ، هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون ١/ ٢٣ - ١١].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - جاء بعد الأنبياء وأتباعهم الأتقياء خلف سوء وأولاد شر.
أ-تركوا أداء الصلوات المفروضة، وهذا دليل على أن إضاعة الصلاة من الكبائر التي يعذب بها صاحبها.
روى الترمذي وأبو داود عن أنس بن حكيم الضّبّي أنه أتى المدينة، فلقي أبا هريرة، فقال له: يا فتى، ألا أحدثك حديثا لعل الله تعالى أن ينفعك به؛ قلت: بلى، قال: «إن أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، فيقول الله ﵎ لملائكته-وهو أعلم-:
انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة، كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع قال: أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك».
стр. 4799
وأخرجه النسائي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة بصلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر..» الحديث.
ب-واتبعوا شهواتهم وهي عبارة عما يوافق الإنسان ويشتهيه ويلائمه ولا يتقيه.
جاء في الصحيح: الذي رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أنس «حفّت الجنة بالمكاره، وحفّت النار بالشهوات».
٢ - إن جزاء خلف السوء الغي، أي الهلاك والضلال في جهنم، أو أن الغي: واد في جهنم أبعدها قعرا، وأشدها حرا، فيه بئر يسمى البهيم، كلما خبت فتح الله تعالى تلك البئر، فتسعّر بها جهنم. قال ابن عباس: «غيّ: واد في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره، أعد الله تعالى ذلك الوادي للزاني المصرّ على الزنى، ولشارب الخمر المدمن عليه، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور، ولا مرأة أدخلت على زوجها ولدا ليس منه» أي كانت زانية به.
٣ - يقبل الله توبة من تاب من عباده، من تضييع الصلوات واتباع الشهوات، فرجع إلى طاعة الله، وآمن به، وعمل صالح الأعمال، فهؤلاء يدخلون الجنة مع الأبرار، ولا ينقص من أعمالهم الصالحة شيء بسبب تقصيرهم الماضي، لكن يكتب لهم بكل حسنة عشر إلى سبع مائة.
٤ - تلك هي جنات عدن، أي إقامة دائمة، وهي التي وعد بها الرحمن عباده، فآمنوا بها غيبيا، وإن لم يشاهدوها، ووعد الله آت لا ريب فيه، وإن الله لا يخلف الميعاد.
٥ - خصائص الجنة وأوصافها: هي:
أولا-أن الوعد بها آت لا محالة، كما ذكر.
стр. 4800
وثانيا-لا لغو فيها: وهو المنكر من القول، والباطل من الكلام، والفحش منه، والفضول الساقط الذي لا ينتفع به: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية ١١/ ٨٨].
وثالثا-لكن يسمعون فيها سلام بعضهم على بعض، وسلام الملائكة عليهم، والسلام: اسم جامع للخير، والمعنى: أنهم لا يسمعون فيها إلا ما يحبون.
ورابعا-لهم ما يشتهون فيها من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا، أي قدر هذين الوقتين، إذ لا بكرة ثم ولا عشيا.
وخامسا-هذه الجنة حق خالص يرثه ويتملكه العباد الأتقياء، وهم من اتقى الله وعمل بطاعته، فقام بالأوامر، واجتنب النواهي.
تنزل الوحي بأمر الله تعالى
﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاِصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾
الإعراب:
﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ على حذف: قل، أي قل: ما نتنزل إلا بأمر ربك، فحذف قل، والخطاب لجبريل، وحذف القول كثير في كلام العرب وفي القرآن. و ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ دليل على أن الأزمنة ثلاثة: ماض وحاضر ومستقبل. وعطف كلام غير الله ﴿وَما نَتَنَزَّلُ﴾ على كلام الله ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ﴾ من غير فصل أمر جائز إذا كانت القرينة ظاهرة، مثل: ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة ١١٧/ ٢ وآل عمران ٤٧/ ٣] الذي هو كلام الله، وقوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ [مريم ٣٦/ ١٩] الذي هو كلام غير الله.