← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

والمراد بإضاعة الصلاة في الأظهر تركها بالكلام، وعدم فعلها أصلا، وجحود وجوبها. ويرى بعضهم كالشوكاني أن من أخر الصلاة عن وقتها، أو ترك فرضا من فروضها، أو شرطا من شروطها، أو ركنا من أركانها، فقد أضاعها. لذا ذهب جماعة من السلف والخلف والأئمة، كما الذي رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي وهو المشهور عن الإمام أحمد وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة؛ للحديث: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» والحديث الآخر الذي رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن بريدة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». ثم استثنى الله تعالى من الجزاء المتقدم التائبين، فقال: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ أي لكن من تاب مما فرط منه من ترك الصلوات، واتباع الشهوات، فرجع إلى طاعة الله وآمن به وعمل عملا صالحا، فأولئك يدخلهم ربهم الجنة، ويغفر لهم ذنوبهم؛ لأن «التوبة تجب ما قبلها» في حديث ذكره الفقهاء، وفي الحديث الآخر الذي رواه ابن ماجه عن ابن مسعود: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» وأولئك أيضا لا ينقص من أجورهم شيء، وإن كان العمل قليلا؛ لأن أعمالهم السابقة ذهبت هدرا، وصارت منسية، تفضلا ورحمة من الله الكريم اللطيف الحليم. وهذا الاستثناء كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ، وَلا يَزْنُونَ.﴾. ثم قال تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً، فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان ٦٨/ ٢٥ - ٧٠].

стр. 4797

ثم وصف الله تعالى الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم وهي أوصاف ثلاثة: ١ - ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ، إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ أي هي جنات إقامة دائمة، وعد الرحمن بها عباده الأبرار بظهر الغيب، فآمنوا بها ولم يروها؛ لقوة إيمانهم، ولأن وعد الله آت لا يخلف، ومنها الجنة، يأتيها أهلها لا محالة. وقوله: ﴿إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ أي آتيا: تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره، فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: ﴿كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ [المزمل ١٨/ ٧٣] أي كائنا لا محالة. ٢ - ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً﴾ أي لا يسمع الأبرار أهل الجنة فيها كلاما ساقطا، أو تافها لا معنى له، أو هذرا لا طائل تحته، كما قد يوجد في الدنيا، ولكن يسمعون سلام بعضهم على بعض، أو سلام الملائكة عليهم، بما يشعرهم بالأمان والطمأنينة، وهما منتهى الراحة والسعادة. وقوله: ﴿إِلاّ سَلاماً﴾ استثناء منقطع كقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلاّ قِيلاً: سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة ٢٥/ ٥٦ - ٢٦]. ٣ - ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي يأتيهم ما يشتهون من الطعام والشراب قدر وقت البكرة والعشي، أي وقت الغداء صباحا، والعشاء مساء إذ ليس هناك ليل ولا نهار، وإنما بمقدار طرفي النهار في الدنيا، وفي أوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنهار، كما أخرج الإمام أحمد والشيخان في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «أول زمرة تلج الجنة، صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يتمخّطون فيها، ولا يتغوّطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوّة (١)، ورشحهم

стр. 4798

المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا». وهذا وقت طعام أهل الاعتدال، أما النهم فيأكل متى شاء. وأسباب استحقاق الجنان هي: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا﴾ أي هذه الجنة التي وصفناها بتلك الأوصاف الرائعة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله في السرّاء والضرّاء، أي نجعلها حقا خالصا لهم كملك الميراث، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ، هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون ١/ ٢٣ - ١١]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - جاء بعد الأنبياء وأتباعهم الأتقياء خلف سوء وأولاد شر. أ-تركوا أداء الصلوات المفروضة، وهذا دليل على أن إضاعة الصلاة من الكبائر التي يعذب بها صاحبها. روى الترمذي وأبو داود عن أنس بن حكيم الضّبّي أنه أتى المدينة، فلقي أبا هريرة، فقال له: يا فتى، ألا أحدثك حديثا لعل الله تعالى أن ينفعك به؛ قلت: بلى، قال: «إن أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، فيقول الله ﵎ لملائكته-وهو أعلم-: انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة، كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع قال: أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك».

стр. 4799

وأخرجه النسائي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة بصلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر..» الحديث. ب-واتبعوا شهواتهم وهي عبارة عما يوافق الإنسان ويشتهيه ويلائمه ولا يتقيه. جاء في الصحيح: الذي رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أنس «حفّت الجنة بالمكاره، وحفّت النار بالشهوات». ٢ - إن جزاء خلف السوء الغي، أي الهلاك والضلال في جهنم، أو أن الغي: واد في جهنم أبعدها قعرا، وأشدها حرا، فيه بئر يسمى البهيم، كلما خبت فتح الله تعالى تلك البئر، فتسعّر بها جهنم. قال ابن عباس: «غيّ: واد في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره، أعد الله تعالى ذلك الوادي للزاني المصرّ على الزنى، ولشارب الخمر المدمن عليه، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور، ولا مرأة أدخلت على زوجها ولدا ليس منه» أي كانت زانية به. ٣ - يقبل الله توبة من تاب من عباده، من تضييع الصلوات واتباع الشهوات، فرجع إلى طاعة الله، وآمن به، وعمل صالح الأعمال، فهؤلاء يدخلون الجنة مع الأبرار، ولا ينقص من أعمالهم الصالحة شيء بسبب تقصيرهم الماضي، لكن يكتب لهم بكل حسنة عشر إلى سبع مائة. ٤ - تلك هي جنات عدن، أي إقامة دائمة، وهي التي وعد بها الرحمن عباده، فآمنوا بها غيبيا، وإن لم يشاهدوها، ووعد الله آت لا ريب فيه، وإن الله لا يخلف الميعاد. ٥ - خصائص الجنة وأوصافها: هي: أولا-أن الوعد بها آت لا محالة، كما ذكر.

стр. 4800

وثانيا-لا لغو فيها: وهو المنكر من القول، والباطل من الكلام، والفحش منه، والفضول الساقط الذي لا ينتفع به: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية ١١/ ٨٨]. وثالثا-لكن يسمعون فيها سلام بعضهم على بعض، وسلام الملائكة عليهم، والسلام: اسم جامع للخير، والمعنى: أنهم لا يسمعون فيها إلا ما يحبون. ورابعا-لهم ما يشتهون فيها من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا، أي قدر هذين الوقتين، إذ لا بكرة ثم ولا عشيا. وخامسا-هذه الجنة حق خالص يرثه ويتملكه العباد الأتقياء، وهم من اتقى الله وعمل بطاعته، فقام بالأوامر، واجتنب النواهي. تنزل الوحي بأمر الله تعالى ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاِصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ الإعراب: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ على حذف: قل، أي قل: ما نتنزل إلا بأمر ربك، فحذف قل، والخطاب لجبريل، وحذف القول كثير في كلام العرب وفي القرآن. و ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ دليل على أن الأزمنة ثلاثة: ماض وحاضر ومستقبل. وعطف كلام غير الله ﴿وَما نَتَنَزَّلُ﴾ على كلام الله ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ﴾ من غير فصل أمر جائز إذا كانت القرينة ظاهرة، مثل: ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة ١١٧/ ٢ وآل عمران ٤٧/ ٣] الذي هو كلام الله، وقوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ [مريم ٣٦/ ١٩] الذي هو كلام غير الله.

стр. 4801

﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا. رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ﴾ إما مرفوع بدل من ﴿رَبِّكَ﴾ اسم ﴿كانَ﴾، أو خبر مبتدأ مقدر، أي هو ربّ السموات، أو مبتدأ، وخبره ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ عند أبي الحسن الأخفش؛ لأنه يجوز أن تزاد الفاء في خبر المبتدأ، وإن لم يكن المبتدأ اسما موصولا، أو نكرة موصوفة، مثل: «زيد فمنطلق» والأكثرون على أن الفاء عاطفة، لا زائدة، أي هذا زيد فهو منطلق، فكل واحد منهما خبر مبتدأ محذوف. البلاغة: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿نَتَنَزَّلُ﴾ التنزل: النزول على مهل وقتا بعد وقت، وهو حكاية قول جبريل حين استبطأه رسول الله ﵌ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما ﴿إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ المعنى: وما ننزل وقتا بعد وقت إلا بأمر الله ومشيئته على ما تقتضيه حكمته. وقرئ: وما يتنزل، والضمير للوحي ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ له ما أمامنا في الزمان المستقبل، وما وراءنا من الزمان الماضي، وما بينهما من الزمان الحاضر ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أي ناسيا تاركا لك، بتأخير الوحي عنك، والمعنى: ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك، وتوديعه إياك، كما زعمت الكفرة، وإنما كان لحكمة رآها فيه. ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ بيان لامتناع النسيان عليه ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ خطاب للرسول ﵌ مرتب على ما سبق، أي لما عرفت ربّك بأنه لا ينبغي له أن ينساك، فأقبل على عبادته واصطبر عليها، أي اصبر على مشاقها وشدائدها، ولا تتشوش بإبطاء الوحي وهزء الكفرة. وإنما عدّي باللام ﴿لِعِبادَتِهِ﴾ لتضمنه معنى الثبات للعبادة، كما تقول للمحارب: اصطبر لقرنك، أي اثبت له في حملاته ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي مثلا ونظيرا مسمى بذلك، أي الله؟ فإن المشركين لم يسموا الصنم الإله: (الله) قط. وإذا صح ألا أحد مثله ولا يستحق العبادة غيره، لم يكن بد من التسليم لآمره والاشتغال بعبادته والاصطبار على مشاقها. سبب النزول: أخرج أحمد والبخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وآله وسلّم لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فنزلت: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾.

стр. 4802

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: أبطأ جبريل في النزول أربعين يوما، فذكر نحوه. وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس: أن قريشا لما سألوه عن أصحاب الكهف، مكث خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله له في ذلك وحيا، فلما نزل جبريل، قال له: أبطأت، فذكره. وروي عن ابن عباس «أن جبريل ﵇ احتبس عنه ﵌ أياما، حين سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، ولم يدر ﵊ كيف يجيب؟ فحزن واشتد عليه ذلك، وقال المشركون: إن ربّه ودّعه وقلاه، فلما نزل، قال له ﵊: يا جبريل، احتسبت عني، حتى ساء ظني، واشتقت إليك، فقال: إني إليك لأشوق، ولكني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست، وأنزل الله هذه الآية» (١). ولا مانع من تعدد الوقائع وأسباب النزول. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصص الأنبياء كزكريا وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس، تثبيتا للنبي ﵌، وذكر ما أنعم الله عليهم وما أحدثه الخلف بعدهم، وجزاء الفريقين، ذكر الله سبب تأخر الوحي على النبي ﵌، تنبيها على قصة قريش واليهود، من أولئك الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وختما لقصص أولئك المنعم عليهم بمخاطبة أشرفهم محمد ﵌ الذي هو من ذرية إبراهيم. التفسير والبيان: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ، لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ عطف الله هذه الآية التي هي كلام غير الله على آية: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ.﴾.

стр. 4803

التي هي كلام الله من غير فصل، وهو جائز إذا كانت القرينة ظاهرة، مثل عطف آية ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ [مريم ٣٦/ ١٩] التي هي كلام غير الله، على قوله: ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة ١١٧/ ٢ وآل عمران ٤٧/ ٣] الذي هو كلام الله. ومعنى الآية: بعد أن استبطأ رسول الله ﵌ نزول جبريل عليه، أمر الله جبريل أن يقول: وما نتنزل نحن الملائكة بالوحي على الأنبياء والرسل إلا بأمر الله بالتنزيل على وفق الحكمة والمصلحة وخير العباد في الدنيا والآخرة. إن لله تعالى التدبير والتصرف وأمر الدنيا والآخرة وما بين ذلك من الجهات والأماكن والأزمنة الماضية والحاضرة والمستقبلة، فلا نقدم على أمر إلا بإذنه. وقوله: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول. والتنزل هنا: النزول على مهل، أي أن نزول الملائكة وقتا بعد وقت لا يكون إلا بأمر الله تعالى. وما نسيك ربك يا محمد، وإن تأخر عنك الوحي، ولا ينسى شيئا، ولا يغفل عن شيء، وإنما يقدّم ويؤخّر لما يراه من الحكمة، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ [الضحى ١/ ٩٣ - ٣]. روى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني عن أبي الدرداء مرفوعا قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرّمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا» ثم تلا هذه الآية: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. والدليل على ذلك قوله سبحانه: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ

стр. 4804

سَمِيًّا﴾ أي إن الله خالق السموات والأرض ومالكهما وما بينهما، وهو المدبر والحاكم والمتصرف الذي لا معقب لحكمه، فاثبت على عبادة ربك، واصطبر على العبادة والطاعة وما فيها من المتاعب والشدائد، ولا تنصرف عنها بسبب إبطاء الوحي، هل تعلم للرب مثلا أو شبيها، يكون أهلا للعبادة؟ فهو الخالق والمدبر والرازق والمنعم بأصول النعم وفروعها من خلق الأجسام والحياة والعقل وما يحتاجه الإنسان وغيره، فإنه لا يقدر على ذلك أحد سواه سبحانه. والمراد بنفي العلم نفي الشريك على أي وجه، والاستفهام للإنكار، وهل بمعنى لا، أي لا تعلم. قال ابن عباس: ليس أحد يسمى الرحمن غيره ﵎ وتقدس اسمه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيتان على أمرين: الأول-إن الملائكة رسل الله بالوحي لا تنزل على أحد من الأنبياء والرسل من البشر إلا بأمر الله مدبر الكائنات في كل زمان ومكان، والذي لا يغفل عن شيء ولا ينساه، إذا شاء أن يرسل الملك أرسله. الثاني-إن الله هو رب السموات والأرض وخالقهما وخالق ما بينهما، ومالكهما ومالك ما بينهما، فكما إليه تدبير الأزمان، كذلك إليه تدبير الأعيان، وبما أنه المالك على الإطلاق فهو الذي وجبت عبادته، ولا يستحقها أحد سوى المالك المعبود، الذي ليس له ولد ولا نظير أو مثيل أو شبيه يستحق مثل اسمه الذي هو الله وهو الرحمن. والعبادة: الطاعة بغاية الخضوع لله تعالى، وما على الرسول وغيره من المؤمنين إلا الاشتغال بما أمر به والاستمرار عليه، دون استبطاء شيء آخر.

стр. 4805

شبهة المشركين في إنكار البعث ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)﴾ الإعراب: ﴿جِثِيًّا﴾ حال إن كان جمع (جاث)، ومنصوب على المصدر إن كان مصدرا، لا جمعا، أي (جثوا) وأصله (جثوو) فأبدلوا منعا للاستثقال من الضمة كسرة، وقلبوا الواو الأخيرة ياء. ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ بالرفع، على رأي أكثر البصريين: في موضع نصب ب ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ والضمة ضمة بناء. وعلى رأي الكوفيين: مبتدأ مرفوع، و ﴿أَشَدُّ﴾ خبره، والضمة ضمة إعراب، و ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ ملغى لم يعمل. ومن قرأ بالنصب أيهم نصبها ب ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ وجعلها معربة، وهي لغة بعض العرب. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾: إن: بمعنى (ما) أي ما أحد منكم، وأحد: مبتدأ، و ﴿مِنْكُمْ﴾ صفته، و ﴿وارِدُها﴾ خبره. ولا يجوز إعمال ﴿إِنْ﴾ هنا لدخول حرف الاستثناء الذي يبطل عمل (ما). البلاغة: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ﴾ أي الكافر؛ لأنه المنكر للبعث، فهو عام أريد به الخاص. ﴿مِتُّ﴾ و ﴿حَيًّا﴾ بينهما طباق.

стр. 4806

﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ﴾ الاستفهام للإنكار والتوبيخ. المفردات اللغوية: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ﴾ المنكر للبعث: أبيّ بن خلف أو الوليد بن المغيرة النازل فيه الآية. فإن الأول أخذ عظاما بالية، ففتّها، وقال: يزعم محمد أنّا نبعث بعد الموت. أو المراد بالإنسان: بعض الناس المعهود وهم الكفرة، أو المراد به الجنس، فإن المقول مقول فيما بينهم، وإن لم يقل كلهم، كقولك: بنو فلان قتلوا فلانا، والقاتل واحد منهم. ﴿أَإِذا ما مِتُّ، لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ من الأرض، أو من حال الموت. وتقديم الظرف؛ لأن المنكر وقت الحياة لأمر بعد الموت، وهو منصوب بفعل دل عليه ﴿أُخْرَجُ﴾ لا به، فإن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها، والاستفهام بمعنى النفي، أي لا أحيا بعد الموت. و ﴿ما﴾ زائدة للتأكيد، وكذا اللام في ﴿لَسَوْفَ﴾ للتأكيد. ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ﴾ عطف على ﴿يَقُولُ﴾ وهو رد على مقاله السابق. ويذكر أصله: يتذكر أي يتفكر ﴿أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ فيستدل بابتداء الخلق على الإعادة. ﴿فَوَ رَبِّكَ﴾ قسم باسمه تعالى مضاف إلى نبيه، تحقيقا للأمر، وتفخيما لشأن رسول الله ﵌ ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ لنجمعنهم أي الكفار المنكرين للبعث ﴿وَالشَّياطِينَ﴾ عطف أو مفعول معه. لما روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم، كل مع شيطانه في سلسلة. وهذا وإن كان مخصوصا بالكفار، ساغ نسبته إلى الجنس البشري بأسره، فإنهم إذا حشروا، وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين، فقد حشروا جميعا معهم ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ من خارجها ﴿جِثِيًّا﴾ على الركب، جمع جاث: وهو البارك على ركبتيه. ﴿شِيعَةٍ﴾ أمة أو جماعة أو فرقة منهم شايعت دينا وتعاونت على الباطل ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ أي تكبرا وجرأة وعصيانا ومجاوزة للحد، أي من كان أعصى وأعتى منهم، فنطرحهم في جهنم. وفي ذكر الأشد تنبيه على أنه تعالى يعفو عن كثير من أهل العصيان. ولو خص ذلك بالكفرة، فالمراد أنه يميز طوائفهم أعتاهم فأعتاهم، ويطرحهم في النار، على الترتيب، أو يدخل كلا طبقتها التي تليق بهم. ﴿أَوْلى بِها﴾ أحق بجهنم، الأشد وغيره منهم ﴿صِلِيًّا﴾ أي أحق بالصلي، وهو الدخول فيها والاحتراق، من صلي بالنار: إذا قاس حرها. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ وما منكم أحد، التفات إلى الإنسان ﴿وارِدُها﴾ مارّ بها وهي خامدة، على الصراط الممدود عليها. وأما قوله: ﴿أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ أي عن عذابها ﴿حَتْماً﴾ واجبا ﴿مَقْضِيًّا﴾ قضي بوقوعه، فلا ينقص وعده مطلقا.

стр. 4807

سبب النزول: نزول: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ﴾: قال الكلبي: نزلت في أبي بن خلف حين أخذ عظاما بالية، يفتّها بيده، ويقول: زعم لكم محمد أنّا نبعث بعد ما نموت. وقال ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. المناسبة: بعد أن أمر سبحانه بالعبادة والمصابرة عليها، ذكر أنها تنجيهم يوم الحشر الذي لا ريب فيه، فإن إعادة الإنسان أهون من بدء خلقه. وكذلك لما كان هدف السورة إثبات قدرة الله على الإحياء والإماتة، وإثبات يوم القيامة، ذكر هنا بعض شبهات الكفار المكذبين للبعث، ورد عليها بالأدلة القاطعة. وذكر أيضا ما يلقاه الكفار من الذل والعذاب، وأردف ذلك ببيان أن جميع البشر يردون على النار، فلا ينجو منها إلا من آمن واتقى وعمل صالحا. التفسير والبيان: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ: أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ أي ويقول الكافر المشرك منكر البعث متعجبا مستبعدا إعادته بعد موته: هل إذا مت وأصبحت ترابا، سوف أخرج حيا من القبر، وأبعث للحساب؟! وأسند الكلام لكل مشرك كافر، وإن لم يقله إلا بعضهم، لرضاهم بمقالته. ونظير الآية: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ: أَإِذا كُنّا تُراباً، أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد ٥/ ١٣] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ، فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً، وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قالَ: مَنْ يُحْيِ

стр. 4808

الْعِظامَ، وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٣٦/ ٧٧ - ٧٩]. والدليل على إمكان الإعادة: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ أي ألا يتفكر هذا الجاحد في أول خلقه، فقد خلقناه من العدم، دون أن يكون شيئا موجودا، فيستدل بالابتداء على الإعادة، والابتداء أعجب وأغرب من الإعادة. والمعنى: أنه تعالى قد خلق الإنسان، ولم يكن شيئا قبل خلقه، بل كان معدوما بالكلية، أفلا يعيده، وقد صار شيئا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ، ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧/ ٣٠]. وجاء في الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى: كذّبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من آخره، وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن لي كفوا أحد». ثم هدد تعالى منكري البعث تهديدا من وجوه قائلا. ١ - ٢: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ، ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ أي أقسم الرب ﵎ بذاته الكريمة أنه لا بد أن يحشرهم جميعا وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله، بأن يخرجهم من قبورهم أحياء ويجمعهم إلى المحشر مع شياطينهم الذين أغووهم وأضلوهم. ثم ليحضرنهم حول جهنم بعد طول الوقوف، جاثين قاعدين على ركبهم، لما يصيبهم من هول الموقف وروعة الحساب، كما قال تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ [الجاثية ٢٨/ ٤٥]. وهذا الإحضار يكون قبل إدخالهم جهنم، ويكون على أذل صورة لقوله: ﴿جِثِيًّا﴾.

стр. 4809

٣ - ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ أي لننتزعن ونأخذن من كل فرقة دينية أو طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم وأعتاهم وأكثرهم تكبرا وتجاوزا لحدود الله، وهم قادتهم ورؤساؤهم في الشر. فهذه وجوه التهديد: أولها-الحشر مع الشياطين، وثانيها-الإحضار قعودا حول جهنم في صورة الذليل العاجز، وثالثها-تمييز البعض من البعض، فمن كان أشدهم تمردا في كفره، خص بعذاب أعظم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل ٨٨/ ١٦] وقال: ﴿وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣/ ٢٩]. ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا﴾ أي أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى نار جهنم، ويخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب، كما قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ، وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٨/ ٧]. ثم أخبر الله تعالى عن ورود الناس جميعا نار جهنم، فقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها، كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾ أي ما منكم من أحد من الناس إلا سوف يرد إلى النار، والورود: هو المرور على الصراط، كان ذلك المرور أمرا محتوما، قد قضى سبحانه أنه لا بد من وقوعه لا محالة. وقيل: الورود: الدنو من جهنم وأن يصيروا حولها، وهو موضع المحاسبة، وقيل: الورود: الدخول، لحديث: «الورود الدخول، لا يبقى برّ ولا فاجر، إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم». والأصح أن الورود: المرور، للحديث التالي: روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: يرد الناس جميعا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل

стр. 4810

البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مرا رجل نوره على موضع إبهامي قدميه، يمر فيتكفّأ به الصراط، والصراط دحض مزلّة (١)، عليه حسك كحسك القتاد (٢)، حافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس. وهذا المروي عن ابن مسعود سمعه عن النبي ﵌. وروى ابن جرير عن ابن مسعود أيضا قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون، والملائكة يقولون: اللهم سلّم سلّم. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا، وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ أي بعد أن مر الخلائق كلهم على الصراط والنار، ننجي الذين اتقوا ما يوجب النار، وهو الكفر بالله ومعاصيه، ننجيهم من الوقوع في النار، فيمرون على الصراط بإيمانهم وأعمالهم. ونبقي الكافرين والعصاة في النار، جاثين على ركبهم، لا يستطيعون الخروج، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، أما العصاة من المؤمنين فيخرجون بعد العذاب على معاصيهم، فيخرج الله من النار من قال يوما من الدهر: لا إله إلا الله، ولم يعمل خيرا قط. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات الكريمات ما يأتي: ١ - يتعجب الكافر منكر البعث ويستبعد إعادته بعد موته، ولكن لا داعي لتعجبه، فإن الله قادر على كل شيء، ولو تأمل قليلا لأدرك أن من خلق

стр. 4811

الإنسان من العدم، قادر على إعادته مرة أخرى، والإعادة أهون من ابتداء الخلق في ميزان عقل الإنسان، أما بالنسبة لله فهما سواء عليه. ٢ - الحشر وجمع الخلائق للحساب أمر ثابت أيضا بعد البعث من القبور، ويحشر كل كافر مقرونا مع شيطان في سلسلة. ٣ - يحضر الله الكفار جاثين على ركبهم حول جهنم، فهم لشدة ما هم فيه من الأهوال لا يقدرون على القيام. ٤ - يستخرج الله من كل أمة وأهل دين باطل أعتى الناس وأعصاهم، وهم القادة والرؤساء، لمضاعفة العذاب عليهم. ٥ - الله تعالى أعلم بمن هو أحق بدخول النار، من الإنس والجن، وبمن يخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب. ٦ - إن ورود جميع الخلائق على النار، أي المرور على الصراط، لا الدخول في النار، أمر واقع لا محالة. وقد فسر ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار والسّدّي والحسن البصري الورود بالمرور على الصراط. قال الحسن: ليس الورود الدخول، إنما تقول: وردت البصرة ولم أدخلها، فالورود: أن يمروا على الصراط؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١/ ٢١] قالوا: فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده منها. وقوله سبحانه بعد هذه الآية: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها، وقوله : ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل ٨٩/ ٢٧]. وقال ﵌ فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، تمسّه النار إلا تحلّة القسم» أي لكن تحلة القسم لا بد منها في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ وهو الجواز على الصراط أو الرؤية أو الدخول دخول سلامة، فلا يكون في ذلك شيء من مسيس النار.

стр. 4812

٧ - بنجي الله المتقين، ويخلصهم من نار جهنم، ويترك الكافرين فيها قعودا مخلدين على الدوام. والمذهب المقبول: أن صاحب الكبيرة وإن دخلها، فإنه يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو. وقالت المرجئة: لا يدخل، وقالت الخوارج: يخلد. والقائلون بأن الورود الدخول، احتجوا بهذه الآية: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا.﴾. لأنه لم يقل: وندخل الظالمين، وإنما قال: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ﴾. قال خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ألم يقل ربنا: إنا نزد النار؟ فيقال: لقد وردتموها فألفيتموها رمادا. وعقب القرطبي عليه قائلا: وهذا القول يجمع شتات الأقوال، فإن من وردها ولم تؤذه بلهبها وحرها، فقد أبعد عنها، ونجّي منها. نجانا الله تعالى منها بفضله وكرمه، وجعلنا ممن وردها، فدخلها سالما، وخرج منها غانما (١). شبهة أخرى للمشركين بحسن الحال في الدنيا ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾

стр. 4813

الإعراب: ﴿بَيِّناتٍ﴾ حال. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا.﴾. ﴿وَرِءْياً﴾ ﴿كَمْ﴾ منصوب بأهلكنا، أي وكم قرن أهلكنا، فحذف ﴿قَرْنٍ﴾ لدلالة الكلام عليه. ورئيا يقرأ بالهمز وترك الهمز، ويقرأ: وريئا على وزن «وريعا» بتقديم الياء على الهمزة. فمن قرأ بالهمز أتى به على الأصل لأنه من «رأيت» ومن قرأ وريا بغير همز، أبدل من الهمزة ياء؛ لانكسار ما قبلها، وجاز انقلاب كل همزة ساكنة ياء إذا كان قبلها كسرة. ومن قرأ وريئا قلب اللام إلى موضع العين، واللام ياء، والعين همزة، كقولهم: قسيّ. وقرئ: وزيا، والزي معروف، وأصله: زويّ، إلا أنه قلبت منه الواو ياء، لسكونها وانكسار ما قبلها. ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ لفظه الأمر، ومعناه الخبر، كما يأتي لفظ الخبر ومعناه الأمر، مثل ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ.﴾. أي ليرضعن. وجواب ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا.﴾. قوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ و ﴿إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ﴾ انتصب كل منهما على البدل من ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿رَأَوْا ما يُوعَدُونَ﴾. البلاغة: ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ لف ونشر مرتب، حيث رجع الأول إلى ﴿خَيْرٌ مَقاماً﴾ والثاني إلى ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. ﴿خَيْرٌ مَقاماً﴾ و ﴿شَرٌّ مَكاناً﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أي على المؤمنين والكافرين ﴿آياتُنا﴾ من القرآن ﴿بَيِّناتٍ﴾ واضحات المعاني والإعجاز ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ نحن وأنتم ﴿خَيْرٌ مَقاماً﴾ مكانا ومنزلا ﴿نَدِيًّا﴾ أي ناديا، أي مجتمعا ومجلسا وهو مجتمع القوم يتحدثون فيه، ومنه دار الندوة لتشاور المشركين. وهم يعنون: نحن، فنكون خيرا منكم. والمعنى: أنهم لما سمعوا الآيات الواضحات، وعجزوا عن معارضتها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا، والاستدلال بذلك على فضلهم وحسن مكانهم عند الله، لقصور نظرهم على الحال، وعلمهم بظاهر من الحياة الدنيا. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي كثيرا ما أهلكنا من القرون أي الأمم الماضية، والقرن: أهل كل عصر، وهذا رد مع التهديد ﴿أَثاثاً﴾ هو متاع البيت من الفرش والثياب وغيرها.

стр. 4814

﴿وَرِءْياً﴾ منظرا، والمراد نضارة وحسنا، مشتق من الرؤية، والمعنى: فكما أهلكناهم لكفرهم، نهلك هؤلاء. ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ معناه الإخبار، أي يمد، أي يمهله بطول العمر والتمتع به، والتمكن من التصرف في الحياة، وهو جواب شرط: ﴿مَنْ كانَ﴾. ﴿مَدًّا﴾ أي يستدرجه في الدنيا. ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ﴾ هو غاية المد ﴿إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ﴾ تفصيل للموعود، فإنه إما العذاب في الدنيا كالقتل والأسر وغلبة المسلمين عليهم، وإما يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والنكال ودخول جهنم ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً﴾ من الفريقين، بأن عاينوا الأمر على عكس ما قدّروه وهو جواب الشرط ﴿وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ أنصارا أو أعوانا، أهم وجندهم الشياطين أم المؤمنون وجندهم الملائكة؟. ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ يزيد المهتدين بالإيمان بما ينزل عليهم من الآيات. وهي عطف على الجملة الشرطية المحكية بعد القول: ﴿قُلْ: مَنْ كانَ.﴾. كأنه لما بيّن أن إمهال الكافر وتمتيعه بالحياة الدنيا ليس لفضله، أراد أن يبيّن أن قصور حظ المؤمن منها، ليس لنقصه، بل لأن الله أراد به ما هو خير، وعوضه منه. ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ الطاعات التي تبقى آثارها، ومنها الصلوات الخمس، وقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً﴾ فائدة مما متّع به الكفرة من النعم الفانية التي يفتخرون بها ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ مرجعا وعاقبة، بخلاف أعمال الكفار. والخيرية هنا في مقابلة قولهم: أي الفريقين خير مقاما. المناسبة: بعد أن أقام الله تعالى الحجة على مشركي قريش المنكرين للبعث، أتبعه مع الوعيد والتهديد بذكر شبهة أخرى لهم: هي أنهم قالوا: لو كنتم أنتم على الحق، ونحن على الباطل، لكان حالكم في الدنيا أحسن وأطيب من حالنا؛ لأن الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في العذاب والذل، وأعداءه المعرضين عن طاعته في العز والراحة، ولما كان الأمر بالعكس، فإنا نحن المتمتعين بالنعمة ورفاهية العيش على الحق، وأنتم الواقعون في الخوف والذل والفقر على الباطل!! فرد الله عليهم بأن الكفار السابقين كانوا أحسن منكم حالا، وأكثر مالا،

стр. 4815

وقد أهلكهم الله بعذاب الاستئصال، فليس نعيم الدنيا قرينة على محبة الله، ولا سوء الدنيا علامة على غضب الله. ثم رد عليهم ردا ثانيا بقوله: ﴿قُلْ: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ.﴾. ومضمونه: لا بد أن يأتيهم عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، وحينئذ سيعلمون أن نعم الدنيا لا تنقذهم من ذلك العذاب. روي أن قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث وأشباهه من قريش، حينما رأوا أصحاب النبي ﵌ في خشونة عيش ورثاثة ثياب، وهم في غضارة العيش ورفعة الثياب. التفسير والبيان: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ إذا تليت على الكفار آيات الله القرآنية واضحات الدلالة والبرهان، مبينات المقاصد، صدوا عن ذلك وأعرضوا وقالوا مفتخرين على المؤمنين ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل: أي الفريقين (المؤمنين والكافرين) خير منزلا ومسكنا، وأكبر جاها، وأكثر أنصارا؟ والندي: النادي والمجلس، وهو مجتمع الرجال للحديث ومجلسهم، والعرب تسمي المجلس النادي، فكيف نكون على الباطل، وأولئك الضعفاء الفقراء المختفون المستترون في دار الأرقم على الحق؟ كما أخبر تعالى عنهم في آية أخرى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ.﴾. [الأحقاف ١١/ ٤٦]. وهذا اغترار بظاهر الحال في الدنيا، متوهمين أن من كان غنيا ثريا كان على الحق والصواب، ومن كان فقيرا كان على الباطل. فرد الله تعالى عليهم شبهتهم بقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً﴾ هذا هو الجواب الأول

стр. 4816

عن شبهتهم، أي وكثيرا ما أهلكنا قبلهم من الأمم السابقة المكذبين رسلهم بكفرهم، وكانوا أحسن من هؤلاء متاعا ومنظرا. والأثاث: المال أجمع، من الإبل والغنم والبقر والمتاع، أو متاع البيت خاصة من الفرش واللباس والستائر والبسط والأرائك والسرر (الأسرّة). والرئي: المنظر في تقدير الناس من جهة حسن اللباس أو حسن الأبدان وتنعمها. والمعنى: أن مظاهر الثراء والنفوذ والكرامة لا تدل على حسن الحال عند الله، فقد أهلك الله المترفين، ونجى الفقراء الصالحين. وهذا تهديد ووعيد لكل من يتوهم من العوام وجهلة الأغنياء من المسلمين أن حسن حالهم في الدنيا دليل على رضا الله عنهم وحسن حالهم في الآخرة. ثم أكد الله تعالى التهديد والوعيد وبالغ فيه، فقال: ﴿قُلْ: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ وهذا هو الجواب الثاني عن شبهة الكفار، أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين أنهم على الحق وأنكم على الباطل: من كان في الضلالة منّا ومنكم، ومن كان يخبط في الدنيا على هواه، فإن الله تعالى جعل جزاءه أن يتركه في ضلالته، ويدعه في طغيانه، ويمهله فيما هو، ويمدّه ويستدرجه ليزداد إثما، حتى يلقى ربه، وينقضي أجله. وهذه سنة الله في استدراج الظالمين والعصاة، يتركهم الله في ضلالهم، بل ويزيدهم من نعم الدنيا وملذات الحياة، إمعانا في إبقائهم على سوء حالهم الذي اتخذوه منهجا لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ [آل عمران ١٧٨/ ٣] وقال سبحانه: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠/ ٦]. ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً﴾ أي حتى إذا شاهدوا رأي العين ما يوعدون به، إما العذاب في الدنيا الذي يصيبهم بالقتل والأسر، كما حصل يوم بدر، وإما مجيء يوم

стр. 4817

القيامة بغتة وما يشتمل عليه من العذاب الأخروي، فحينئذ يعلمون من هو شر مكانا وأضعف جنودا، على عكس ما كانوا يظنون في الدنيا من خيرية المقام وحسن الندي (المجلس)، ويتبين لهم حقيقة الأمر، أنهم هم شر مكانا، لا خير مكانا، وأضعف جندا، لا أقوى ولا أحسن من فريق المؤمنين. وهذا رد على قولهم السابق: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. ونظير الآية: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَما كانَ مُنْتَصِراً﴾ [الكهف ٤٣/ ١٨]. ولما ذكر الله تعالى إمداد أهل الضلالة في ضلالهم، أخبر عن زيادة الهدى للمهتدين، فقال: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً، وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ أي إن الله يزيد المهتدين إلى الإيمان توفيقا وهدى للخير؛ لأن الخير يدعو إلى الخير. وهذه مقابلة أو مقارنة واضحة بين المؤمنين والكافرين، فالله يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقينا، كما يجعل جزاء الكافرين أن يمدهم في ضلالتهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً، وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ، وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤/ ٩ - ١٢٥]. وإن الطاعات المؤدية إلى السعادة الأبدية، لا الأموال والأمتعة والأندية، خير جزاء، وخير مرجعا وعاقبة، وأجدى نفعا لصاحبها. فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: ١ - إن معايير الدين ومفاهيمه الصحيحة تختلف عن تصورات الجهلة والعوام

стр. 4818

من الكفار والعصاة، فهؤلاء يرون أن الغنى وحسن الحال وكثرة أهل المجلس أو النادي دليل على خيريتهم وأفضليتهم على المؤمنين. وغرضهم إدخال الشبهة على المستضعفين وإيهامهم أن من كثر ماله فهو المحق في دينه، وكأنهم لم يروا في الكفار فقيرا ولا في المسلمين غنيا، ولم يعلموا أن الله تعالى نحّى أولياءه عن الاغترار بالدنيا، وفرط الميل إليها. ٢ - لقد أهلك الله تعالى كثيرا من الأمم والجماعات هم أكثر متاعا وأموالا، وأحسن منظرا لحسن لباسهم وظهور آثار النعمة على وجوههم وأجسامهم. ٣ - من كان والغا في الضلالة، متأصلا في الكفر، يتركه الله في طغيان جهله وكفره، حتى يطول اغتراره، فيكون ذلك أشد لعقابه، فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر، فمصيره إلى الموت والعقاب، وهذا غاية في التهديد والوعيد. ٤ - ستتكشف الحقائق والأحوال يوم القيامة، فيظهر أن الكفار شر مكانا وأسوأ منزلا، وأضعف جندا من المؤمنين، وهذا رد لقولهم الذي حكاه القرآن: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. ٥ - يثبّت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم توفيقا ونصرة، وينزل من الآيات ما يكون سبب زيادة اليقين مجازاة لهم. ٦ - الباقيات الصالحات أي أعمال الخير والطاعة المالية والبدنية أفضل عند الله ثوابا وجزاء وأكثر منفعة لأهلها، وخير مرجعا، فكل أحد يرد إلى عمله الذي عمله.

стр. 4819

مقالة المشركين في البعث والحشر استهزاء وطعنا ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠)﴾ الإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ رأيت هنا بمعنى علمت، يتعدى إلى مفعولين، والذي مع صلته: في موضع المفعول الأول. ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ في موضع المفعول الثاني. ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ أي نرث منه ما يقول، فحذف حرف الجر، فصار ﴿نَرِثُهُ﴾. البلاغة: ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ مجاز عقلي من إسناد الشيء إلى سببه، أي نأمر الملائكة بالكتابة. ﴿عَهْداً﴾ ﴿مَدًّا﴾ ﴿فَرْداً﴾ ﴿ضِدًّا﴾ ﴿عَدًّا﴾ ﴿وَفْداً﴾ ﴿وَلَداً﴾ ﴿إِدًّا﴾ سجع رصين. المفردات اللغوية: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ أي أخبر عن العاص بن وائل، والفاء جاءت لإفادة معناها وهو التعقيب، كأنه قال: أخبر أيضا بقصة هذا الكافر، وأذكر حديثه عقيب حديث أولئك الذي قال فيه لخباب بن الأرت: لأوتين.. حينما قال له: تبعث بعد الموت، في أثناء مطالبته له بمال ﴿لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾ أي فإذا بعثت جئتني فأعطيك أو أقضيك مالا وولدا ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ أي أعلمه وأن يؤتى ما قاله، واستغني بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل، فحذفت. من قولهم: اطلع الجبل: إذا ارتقى إلى أعلاه، والمعنى: أظهر له علم الغيب ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ بأن يؤتى

стр. 4820

ما قاله، وقيل: عهدا: عملا صالحا، فإن وعد الله بالثواب عليه كالعهد عليه. والمعنى: أن ما ادّعى أن يؤتاه وتألى عليه، لا يتوصل إليه بأحد هذين الطريقين: إما علم الغيب، وإما عهد من عالم الغيب، فبأيهما توصل إلى ذلك؟ ﴿كَلاّ﴾ كلمة زجر أو ردع وتنبيه على أنه مخطئ فيما تصوّره لنفسه، أي لا يؤتى ذلك ﴿سَنَكْتُبُ﴾ نأمر بكتب، أو سنظهر له أنا كتبنا قوله. ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا﴾ سنطيل له العذاب الذي يستحقه، أو نزيد عذابه ونضاعفه له، لكفره وافترائه واستهزائه على الله، ولذلك أكده بالمصدر ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ نرث منه ما يقول من المال والولد، أي نسلبه منه بموته، ونأخذه أخذ الوارث، والمراد بما يقول: مدلوله ومصداقه: وهو ما أوتيه من المال والولد ﴿وَيَأْتِينا فَرْداً﴾ ويأتينا يوم القيامة لا يصحبه مال ولا ولد، كان له في الدنيا، فضلا عن أن يؤتى. سبب النزول: أخرج الأئمة منهم أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) والترمذي والطبراني وابن حبّان عن خبّاب بن الأرتّ قال: كنت رجلا قينا-حدادا-وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا، والله، لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ﵌، فقلت: لا، والله، لا أكفر بمحمد ﵌ حتى تموت ثم تبعث، قال: فإني إذا متّ ثم بعثت جئتني، ولي ثمّ مال وولد، فأعطيك، فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا.﴾. الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى الدلائل على صحة البعث، ثم أورد شبهة المنكرين وأجاب عنها، أورد هنا ما قالوه على سبيل الاستهزاء، طعنا في القول بالحشر والبعث. التفسير والبيان: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا، وَقالَ: لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾ أي ألا أخبرك بقصة هذا الكافر الذي تجرأ على الله وقال: لأعطينّ في الآخرة مالا وولدا. وإيراد هذه القصة على سبيل التعجب للبشر.

стр. 4821

ثم فنّد الله تعالى قوله بعدم اعتماده على دليل غيبي أو عهد من الله، فقال: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ أي إن دعواه تلك تعتمد على أحد أمرين: إما علم الغيب وإما عهد من الله، فهل اطلع على الغيب حتى يعلم أنه في الجنة، أو أخذ العهد الموثق من الله بذلك؟ والعهد عند الله للرحمة: أن يدخل المؤمن الجنة إذا قال: لا إله إلا الله، وعمل الصالحات. وقوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ إشارة إلى أن الحصول على علم الغيب أمر صعب شاق؛ لأن الله لا يطلع على غيبه إلا من ارتضى من رسول. ثم هدده تعالى بقوله: ﴿كَلاّ، سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ، وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا، وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً﴾ ﴿كَلاّ﴾ كلمة ردع وزجر لما قبلها، وتأكيد لما بعدها، ولم ترد في النصف الأول من القرآن. والإتيان بسين التسويف في قوله: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ مع أنه يكتب من غير تأخير لمحض التهديد من المتوعد. أي ليس الأمر على ما قال، بل سنحفظ ما يقول، فنجازيه به في الآخرة، ونزيده عذابا فوق عذابه، ونمده بالعذاب مدا في الدار الآخرة على قوله ذلك وكفره بالله في الدنيا، مكان ما يطلبه من المدد بالمال والولد، جزاء عمله، ونميته فنرثه المال والولد الذي يقول: إنه يؤتاه، ونسلبه إياه، ويأتينا يوم القيامة فردا لا مال له ولا ولد مما كان معه في الدنيا، لأنّا نسلبه منه، فكيف يطمع أن نعطيه؟! وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام ٩٤/ ٦]. فقه الحياة أو الأحكام: هذه قصة رجل آخر هو العاص بن وائل، وهي من أعاجيب القصص التي

стр. 4822

تدل على سخف الكافر، وسذاجة تفكيره، وتمنيه الأماني المعسولة، وهو سيجد نقيضها تماما في عالم الآخرة. إنه بالرغم من كفره الشديد بآيات الله، وإنكاره البعث واستهزائه به، يتأمل أن يعطى في الآخرة المال الوفير والولد الكثير، وليس لديه برهان أو وثيقة على ما يقول. ومثل هذا القول يحتاج إلى أحد أمرين: إما الاطلاع على الغيب أو اتخاذ عهد موثق عند الله. فهل علم الغيب حتى يعلم أنه في الجنة أم لا، أم عاهد الله تعالى بالتوحيد والعمل الصالح والوعد أن يدخله الجنة؟!! لم يكن كل ذلك، لم يطلع على الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهدا، وسيحفظ الله عليه قوله، فيجازيه به في الآخرة، وسيزيده عذابا فوق عذاب، ويسلبه ما أعطاه في الدنيا من مال وولد، ويأتي منفردا لا مال له ولا ولد ولا عشيرة تنصره، ثم يزج به في نار جهنم جزاء عمله المنكر وكفره الظاهر. الرد على عبّاد الأصنام بصيرورتهم لهم أعداء واتخاذهم الشياطين أولياء ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧)﴾

стр. 4823

الإعراب: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ عبادة: مصدر إما مضاف إلى الفاعل، أي سيكفر المشركون بعبادتهم الأصنام، كقوله تعالى: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣/ ٦] وإما مضاف إلى المفعول، أي ستكفر الأصنام بعبادة المشركين. ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرف، وعامله إما: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ وإما ﴿نَعُدُّ﴾. و ﴿وَفْداً﴾ حال، أي وافدين، ووفد: واحدهم وافد كصحب وصاحب، وركب وراكب، وهو اسم جمع وليس بتكسير. ﴿إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ ﴿مَنِ﴾ إما مرفوع على البدل من واو ﴿يَمْلِكُونَ﴾ وإما منصوب على الاستثناء المنقطع. البلاغة: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً.. وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾: بين المتقين الأبرار والمجرمين الأشرار مقابلة. ﴿وَفْداً﴾ ﴿وِرْداً﴾: جناس غير تام، لتغير الحرف الثاني. المفردات اللغوية: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي كفار مكة ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الأوثان ﴿آلِهَةً﴾ يعبدونهم ﴿عِزًّا﴾ منعة وقوة، أي ليتعززوا بهم حيث يجعلونهم شفعاء عند الله بألا يعذبوا ﴿كَلاّ﴾ ردع وإنكار لتعززهم بالأصنام ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ سيجحد الآلهة عبادتهم، ويقولون: ما عبدتمونا، أي ينفون عبادتهم، كما في آية أخرى: ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص ٦٣/ ٢٨] ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦/ ٢]. ﴿ضِدًّا﴾ أعداء وأعوانا عليهم. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ سلطانهم عليهم، أو قيضنا لهم قرناء ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾ تهيجهم إلى المعاصي وتغريهم بالتسويلات وتحبيب الشهوات. والأزّ والهز والاستفزاز: شدة الإزعاج والإغراء على المعاصي. والمراد: تعجيب رسول الله ﵌ من أقاويل الكفر وتماديهم في الغي، وتصميمهم على الكفر بعد وضوح الحق، على ما نطقت به الآيات المتقدمة. ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ لا تطلب العجلة بهلاكهم أو تعذيبهم ﴿إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أيام آجالهم عدا. والمعنى: لا تعجل بهلاكهم فإنه لم يبق لهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة. ﴿نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾

стр. 4824

بإيمانهم ﴿إِلَى الرَّحْمنِ﴾ أي إلى دار كرامته وهي الجنة ﴿وَفْداً﴾ جمع وافد، أي هم كما يفد الوافدون إلى الملوك لطلب الحوائج، مكرّمين مبجّلين ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ بكفرهم ﴿وِرْداً﴾ جمع وارد أي مشاة عطاشى مهانين، يساقون باحتقار وإذلال كما تساق البهائم. ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ أي الناس ﴿عَهْداً﴾ هو شهادة أن لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أي التبري من الحول والقوة وعدم رجاء أحد إلا الله. المناسبة: بعد الكلام عن الحشر والنشر والبعث، ردّ الله تعالى على عبّاد الأصنام الذين اتخذوا أصنامهم آلهة، ليعتزوا بها يوم القيامة، ويكونوا لهم شفعاء وأنصارا ينقذونهم من الهلاك، فأبان تعالى أنهم سيكونون لهم أعداء. ثم بيّن سبب الضلال وهو وسوسة الشياطين، وطلب إلى رسوله ألا يستعجل بطلب عذاب المشركين، فما هي إلا آجال أو أنفاس معدودة ثم يهلكون. ثم قارن تعالى بين وفد المتقين القادمين إلى الجنة، وورد المشركين المشاة بإهانة إلى النار. التفسير والبيان: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ أي عجبا لهؤلاء الكفار بآيات الله، يتمنون على الله الأماني، ويتألون على الله تعالى، مع أنهم كفروا وأشركوا بالله، واتخذوا من دون الله آلهة، ليكونوا لهم أنصارا وأعوانا، وشفعاء عند ربهم يقربونهم إليه. ولكن ليس الأمر كما زعموا ولا كما طمعوا، فقال تعالى: ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ أي ليس الأمر كما ظنوا وتأملوا في أنها تنقذهم من عذاب الله، بل ستجحد يوم القيامة هذه الأصنام المتخذة آلهة عبادة الكفار لها، يوم ينطقها الله سبحانه؛ لأن الأصنام جمادات

стр. 4825

لا تعلم العبادة، ويكونون أعداء لهم، وأعوانا عليهم، بخلاف ما ظنوا فيهم، فيقولون: ما عبدتمونا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا: رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ، فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ، إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [النحل ٨٦/ ١٦]، وقال سبحانه: ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص ٦٣/ ٢٨]، وقال : ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، وَرَأَوُا الْعَذابَ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ [البقرة ١٦٦/ ٢]. وبعد بيان حال هؤلاء الكفار مع الأصنام في الآخرة، ذكر تعالى حالهم مع الشياطين في الدنيا، فإنهم يسألونهم وينقادون لهم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ أي ألم تعلم أننا سلطنا الشياطين على الكفار، وخلينا بينهم وبينهم، ومكناهم من إضلالهم، فهم يحركونهم إلى فعل المعاصي، ويهيجونهم ويغرونهم ويغوونهم، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ، وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الإسراء ٦٤/ ١٧]. وهذا إثارة لعجب الرسول ﵌ من حال الكفار وإصرارهم على الكفر، وتسلية له عن صدودهم وإعراضهم، وتهوين الأمر على نفسه. ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ، إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي فلا تعجل يا محمد على هؤلاء بأن تطلب من الله إيقاع العذاب بهم وإهلاكهم وإبادتهم بسبب تصميمهم على الكفر وعنادهم، إنما نعد لهم أوقاتا معدودة، ونؤخرهم لأجل معدود مضبوط هو انتهاء آجالهم، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله، أي فليس بينك وبين عذابهم إلا أوقات محصورة معدودة، وكل آت قريب، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم ٤٢/ ١٤] الآية، وقال

стр. 4826

سبحانه: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق ١٧/ ٨٦]، وقال : ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان ٢٤/ ٣١]. ثم أبان سبحانه ما سيظهر في يوم القيامة من الفصل بين المتقين وبين المجرمين في كيفية الحشر، فقال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾ أي واذكر أيها الرسول لقومك، يوم نحشر جماعة المتقين وافدين ركبانا إلى جنة الله ودار كرامته، والوفد: هم القادمون ركبانا، مراكبهم من نور من مراكب الدار الآخرة، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «والذي نفسي بيده إن المتقين إذا خرجوا من قبورهم، استقبلوا بنوق بيض، لها أجنحة، عليها رحال الذهب» ثم تلا هذه الآية. ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ أي ونحث المجرمين المكذبين على السير طردا إلى جهنم، مشاة عطاشا، كالإبل ترد الماء. ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ أي لا يملك أحد عند الله الشفاعة لغيره، ﴿إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً﴾ [النبأ ٣٨/ ٧٨]، و ﴿مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾: وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها، بأن كان صالح الاعتقاد والقول والعمل، وكان في الدنيا هاديا مصلحا. أما شفاعة الآلهة المزعومة فهي أمان زائفة، وأوهام فارغة، فهي لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا. روى ابن أبي حاتم عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله بن مسعود هذه الآية: ﴿إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ ثم قال: اتخذوا عند الله عهدا، فإن الله يقول يوم القيامة: من كان له عند الله عهد فليقم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، فعلّمنا، قال: قولوا: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب

стр. 4827

والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا ألا تكلني إلى عمل يقربني من الشر، ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا نؤديه إليّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. وهذا مأخوذ من معنى حديث (١) تبين منه أن المراد بالعهد كلمة الشهادة. ودلت الآية على ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - اتخذ المشركون بالله آلهة عبدوها من دون الله، ليكونوا لهم أعوانا وأنصارا وشفعاء، يقربونهم من الله، ويمنعونهم من عذاب الله تعالى. ٢ - ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا، فستجحد هذه الأصنام عبادة المشركين لها، أو ينكرون هم أنفسهم أنهم عبدوا الأصنام، وستكون هذه الأصنام أعوانا في خصومتهم وتكذيبهم، ويكونون لهم أعداء، فتقول بإنطاق الله لهم: يا ربّ عذب هؤلاء الذين عبدونا من دونك. ٣ - سلط الله الشياطين على الكافرين بالإغواء والإغراء بالشر، والإخراج من الطاعة إلى المعصية. ٤ - لا داعي أيها الرسول أن تطلب العذاب لقومك المشركين، فما بينهم وبين العذاب إلا أوقات قصيرة معدودة. ٥ - يحشر الله المتقين من قبورهم ركبانا معززين مكرّمين، ويساق المجرمون الكفار المكذبون سوقا مشاة حفاة أفرادا عطاشا كالإبل التي ترد الماء، وفي هذا

стр. 4828

مهانة وذلّ، ودليل على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين؛ لأن المتقين من الابتداء يحشرون في حال من التكريم، فهم آمنون من الخوف، فكيف يجوز أن تنالهم الأهوال؟! ٦ - لا يملك أحد عند الله الشفاعة لغيره، إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا فهو يملك الشفاعة (١)، والعهد: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، والقيام بحقها، فقد تظاهرت الأخبار بأن أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون، فيشفّعون، قال ابن مسعود: سمعت رسول الله ﵌ يقول لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا؟ قيل: يا رسول الله، وما ذاك؟ قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي، فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير، وتقرّبني من الشر، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعا، ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيقوم فيدخل الجنة».

стр. 4829

الرد على من نسب الولد إلى الله تعالى ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥)﴾ الإعراب: ﴿إِدًّا﴾، ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ .. ﴿هَدًّا، أَنْ دَعَوْا ٩﴾: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾: كاد واسمها وخبرها وصف منصوب لقوله تعالى: ﴿إِدًّا﴾. و ﴿هَدًّا﴾: منصوب على المصدر، و ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾: في موضع نصب على المفعول لأجله، أي: وتخر الجبال هدّا لأن دعوا للرحمن ولدا. ويصح جعله مرفوعا بأنه فاعل: ﴿هَدًّا﴾ أو مجرورا بدلا من هاء ﴿مِنْهُ﴾. ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ..﴾. ﴿كُلُّ﴾: مبتدأ، و ﴿آتِي﴾: خبره، ووحّده حملا على لفظ كل. وقد يحمل على المعنى مثل: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل ٨٧/ ٢٧]. و ﴿عَبْداً﴾: حال من ضمير ﴿آتِي﴾ وهو عامله، وهو اسم فاعل من ﴿آتِي﴾ يقال: أتى فهو آت. البلاغة: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا﴾ التفات إلى الخطاب للمبالغة في الذم، وتسجيل الجرأة على الله عليهم. المفردات اللغوية: ﴿وَقالُوا﴾ أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله. ﴿جِئْتُمْ﴾ فعلتم.

стр. 4830

﴿إِدًّا﴾ منكرا عظيما. والإدّة: الشدة. يقال: أدّني الأمر وآدني: أثقلني وعظم علي. ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ يتشققن مرة بعد أخرى، التفطر: التشقق. ﴿وَتَخِرُّ﴾ تسقط وتنهدم. ﴿هَدًّا﴾ أي تهدّ هدّا أو مهدودة. والمعنى: أن هول هذه الكلمة وعظمها بحيث لو تصوّر بصورة محسوسة، لم تتحملها هذه الأجرام العظام، وتفتّت من شدتها. ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أي ما يليق به ذلك. ﴿إِنْ كُلُّ..﴾. ما كل. ﴿عَبْداً﴾ منقادا خاضعا ذليلا يوم القيامة. ﴿لَقَدْ أَحْصاهُمْ﴾ حصرهم وأحاط بهم، فلا يخرجون عن علمه وقدرته. ﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ عدّ أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم، فإن كل شيء عنده بمقدار. ﴿فَرْداً﴾ منفردا بلا مال ولا نصير. المناسبة: بعد أن ردّ الله تعالى على عبدة الأوثان، عاد إلى الرد على من أثبت له ولدا كاليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وَقالَتِ النَّصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة ٣٠/ ٩]، وبعض مشركي العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، وكل ذلك إفك مفترى. التفسير والبيان: ﴿وَقالُوا: اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا﴾ أي وقال الكفار (اليهود والنصارى والمشركون من العرب الذين يزعمون أن الملائكة بنات الله): إن الله اتخذ ولدا، فردّ الله تعالى عليهم: لقد جئتم بهذا القول شيئا منكرا، وقلتم قولا عظيم الجرم والإثم. والإدّ: الداهية والأمر المنكر الشنيع الفظيع. ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾ أي تقارب السموات أن تتشقق منه، وأن تتصدع وتخسف الأرض، وتسقط بصوت شديد، وتنهدم الجبال هدما شديدا تتضعضع منه، لشدة نكرانه، إعظاما للربّ وإجلالا، لأنهن مخلوقات على توحيده، وأنه لا شريك له ولا نظير ولا ولد

стр. 4831

ولا صاحبة. قال ابن عباس وكعب: فزعت السموات والأرض والجبال، وجميع المخلوقات إلا الثقلين (الإنس والجن)، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكة فاستعرت جهنم، وشاك الشجر، واكفهرت الأرض وجدبت حين قالوا: اتخذ الله ولدا. وقال محمد بن كعب: لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة؛ لقوله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾. وهذا تهويل عظيم، وأنه موجب غضب الله وسخطه، ولكن لولا حكمة الله وحلمه وأنه لا يبالي بكفر الكافر، لقامت القيامة، واستؤصل الكفار. وسبب ذلك: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً، وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أي لأجل أنهم نسبوا الولد إلى الله، ولا يصلح له ولا يليق به اتخاذ الولد، لجلاله وعظمته، فإن هذا نقص، يتعالى الله ويتنزه عنه؛ لأن جميع الخلائق عبيد له. لهذا قال مؤكدا إنكار هذه الفرية: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ أي كل واحد من الخلق من الملائكة والإنس والجن لا بدّ له أن يأتي إلى الله يوم القيامة مقرّا بالعبودية، خاضعا ذليلا، معلنا أنه مملوك لله، فكيف يكون أحد المخلوقات ولدا له؟! ﴿لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ أي قد علم الله عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، وعدّ أشخاصهم وأحوالهم كلها، فهم تحت سلطانه وأمره وتدبيره، وكل شيء عنده بمقدار، وكل واحد منهم يأتيه يوم القيامة، لا ناصر له ولا مال معه، ولا مجير له إلا الله وحده لا شريك له،

стр. 4832

فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون. وقوله؛ ﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ تأكيد لما سبق. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع هذه الآيات: تقرير التوحيد، وإثبات العبودية الخالصة لله، وإنكار اتخاذ الله ولدا: ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١/ ١١٢ - ٤]. ومع هذا زعم اليهود والنصارى وبعض العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله: أن لله ولدا، وحاشا لله أن يتخذ ولدا، إذ لا حاجة به إليه، وهو منزه عن النقص والشريك والنظير والولد، وتعدّ هذه المقالة منكرا عظيما، وأمرا فظيعا، وجرما شنيعا. حتى لتكاد تزول الأكوان، فتنشق السموات، وتتصدع الأرض، وتسقط الجبال بصوت شديد، رفضا لهذا القول، وإنكارا له، وغضبا لله ؛ لأنها خلقت وأسست على الإقرار بتوحيد الله؛ ولأن الولد يقتضي الحدوث، ولا ولد إلا من والد، والله سبحانه تعالى تنزه عن ذلك وتقدس. وما كل من في السموات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرّا لله بالعبودية، خاضعا ذليلا، كما قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل ٨٧/ ٢٧] أي ذليلين صاغرين؛ لأن الخلق كلهم عبيده، فكيف يكون واحد منهم ولدا له ؟ تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. وهذه الآية: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ دليل على أنه لا يجوز أن يكون الولد مملوكا للوالد، فإن الله تعالى أبان المنافاة بين الأولاد والملك، فإذا ملك الوالد ولده بنوع من التصرفات، عتق عليه

стр. 4833

فورا. أخرج مسلم في صحيحة: «لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا، فيشتريه، فيعتقه». ولا يخفى على الله أحد من خلقه، فإنه تعالى علم عددهم، وعدهم عدا دقيقا، وكل واحد يأتيه يوم القيامة واحدا منفردا لا ناصر له، ولا مال معه لينفعه؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٨/ ٢٦ - ٨٩] فلا ينفعه إلا ما قدّم من عمل صالح. وفي قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ إشارة إلى أنكم أيها المشركون لا ترضون لأنفسكم باستعباد أولادكم، والكل عبيده، فكيف رضيتم له ما لا ترضون لأنفسكم؟! وإذا كنتم أيضا لا ترضون لأنفسكم البنات، فكيف تنسبون البنات إلى الله؟ في قولكم: الملائكة بنات الله، والأصنام بنات الله. والخلاصة: إن هذه الآيات المقررة لنفي اتخاذ الإله ولدا، تلتقي مع موضوع سورة الإخلاص المتقدمة: ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ومع الحديث المتقدم الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «يقول الله ﵎: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن لي كفوا أحد». محبة المؤمنين وتيسير الذكر المبين وإهلاك المجرمين ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨)﴾

стр. 4834

المفردات اللغوية: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ الودّ: المودة والمحبة، والمعنى: سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تودد منهم، يحبهم الناس، ويتحابون فيما بينهم، ويحبهم الله تعالى، أي يرضى عنهم. ﴿يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ أنزلناه بلغتك العربية، والباء بمعنى على، أو على أصله لتضمن «يسرنا» معنى (أنزلنا). ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ الصائرين إلى التقوى بالإيمان والعمل الصالح. ﴿وَتُنْذِرَ﴾ تخوف ﴿لُدًّا﴾ جمع ألدّ: وهو الشديد الخصومة، المجادل بالباطل، واللد: هم كفار مكة. ﴿وَكَمْ﴾ أي كثيرا. ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ أي أمة من الأمم الماضية، وهو تخويف للكفرة وتجسير للرسول ﵌ على إنذارهم. ﴿هَلْ تُحِسُّ﴾ تجد. ﴿رِكْزاً﴾ صوتا خفيا؟ لا، والمعنى: فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء. سبب النزول: أخرج ابن مردويه والديلمي عن البراء قال: قال رسول الله ﵌ لعلي كرم الله وجهه: «اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي في صدر المؤمنين ودّا، فأنزل الله سبحانه هذه الآية». المناسبة: بعد أن رد الله تعالى على أصناف الكفار، وأبان أحوالهم في الدنيا والآخرة، ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين، وأوضح أنه سيغرس محبتهم في قلوب العباد، من غير تودد منهم، ولا تعرض لأسباب الوداد من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك. ثم استأنف تعالى بيان تيسير القرآن بلسان النبي ﵌، لما تضمنه في هذه السورة من دلائل التوحيد والنبوة والحشر والنشر، وليبشر به وينذر. ثم ختم السورة بموعظة بليغة وإنذار بإهلاك المشركين كما أهلك من قبلهم من الأمم، فإنهم إذا علموا أنه لا بدّ من زوال الدنيا، والموت، خافوا ذلك، وخافوا أيضا سوء العاقبة في الآخرة، فكانوا إلى الحذر من المعاصي أقرب.

стр. 4835

التفسير والبيان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ أي إن الذين صدقوا بالله ورسله، وعملوا صالح الأعمال من المفروضات والتطوعات، وأحلوا الحلال وحرموا الحرام، وفعلوا ما يرضي الله، سيغرس الله محبتهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة. والصالحات: هي الأعمال التي ترضي الله ، لمتابعتها الشريعة المحمدية. أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «إذا أحبّ الله عبدا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانا فأحبّه، فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض. وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل: إني قد أبغضت فلانا، فينادي في السماء، ثم ينزل له البغضاء في الأرض» فاتفق الحديث مع الآية في إنزال المحبة في الأرض للعباد الصالحين، وأن هذه المحبة والمودة في القلوب تكون بإحداث الله دون تعرض للأسباب المؤدية إلى إيجاد المودات من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك. ثم استأنف الله تعالى كلامه لبيان موقع هذه السورة، لما فيها من التوحيد والنبوة والحشر والنشر، والرد على الفرق الضالة المضلة، فقال: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ أي يسرنا القرآن لك بإنزالنا له على لغتك، وفصلناه وسهلناه، لتبشر به المتصفين بالتقوى، المستجيبين لله، المصدقين لرسوله، بأن لهم الجنة بالطاعة، وتنذر به القوم الألداء، الشديدي الخصومة والجدل، العوج عن الحق، المائلين إلى الباطل، بان لهم النار بالكفر والعصيان. ثم ختم تعالى السورة بموعظة بليغة قائلا:
следующие страницы →