ولا صاحبة. قال ابن عباس وكعب: فزعت السموات والأرض والجبال، وجميع المخلوقات إلا الثقلين (الإنس والجن)، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكة فاستعرت جهنم، وشاك الشجر، واكفهرت الأرض وجدبت حين قالوا: اتخذ الله ولدا. وقال محمد بن كعب: لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة؛ لقوله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾.
وهذا تهويل عظيم، وأنه موجب غضب الله وسخطه، ولكن لولا حكمة الله وحلمه وأنه لا يبالي بكفر الكافر، لقامت القيامة، واستؤصل الكفار.
وسبب ذلك:
﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً، وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ أي لأجل أنهم نسبوا الولد إلى الله، ولا يصلح له ولا يليق به اتخاذ الولد، لجلاله وعظمته، فإن هذا نقص، يتعالى الله ويتنزه عنه؛ لأن جميع الخلائق عبيد له.
لهذا قال مؤكدا إنكار هذه الفرية:
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ أي كل واحد من الخلق من الملائكة والإنس والجن لا بدّ له أن يأتي إلى الله يوم القيامة مقرّا بالعبودية، خاضعا ذليلا، معلنا أنه مملوك لله، فكيف يكون أحد المخلوقات ولدا له؟! ﴿لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ أي قد علم الله عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، وعدّ أشخاصهم وأحوالهم كلها، فهم تحت سلطانه وأمره وتدبيره، وكل شيء عنده بمقدار، وكل واحد منهم يأتيه يوم القيامة، لا ناصر له ولا مال معه، ولا مجير له إلا الله وحده لا شريك له،
стр. 4832
فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون. وقوله؛ ﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ تأكيد لما سبق.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع هذه الآيات: تقرير التوحيد، وإثبات العبودية الخالصة لله، وإنكار اتخاذ الله ولدا: ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١/ ١١٢ - ٤].
ومع هذا زعم اليهود والنصارى وبعض العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله: أن لله ولدا، وحاشا لله أن يتخذ ولدا، إذ لا حاجة به إليه، وهو منزه عن النقص والشريك والنظير والولد، وتعدّ هذه المقالة منكرا عظيما، وأمرا فظيعا، وجرما شنيعا.
حتى لتكاد تزول الأكوان، فتنشق السموات، وتتصدع الأرض، وتسقط الجبال بصوت شديد، رفضا لهذا القول، وإنكارا له، وغضبا لله ؛ لأنها خلقت وأسست على الإقرار بتوحيد الله؛ ولأن الولد يقتضي الحدوث، ولا ولد إلا من والد، والله سبحانه تعالى تنزه عن ذلك وتقدس.
وما كل من في السموات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرّا لله بالعبودية، خاضعا ذليلا، كما قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل ٨٧/ ٢٧] أي ذليلين صاغرين؛ لأن الخلق كلهم عبيده، فكيف يكون واحد منهم ولدا له ؟ تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا.
وهذه الآية: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ دليل على أنه لا يجوز أن يكون الولد مملوكا للوالد، فإن الله تعالى أبان المنافاة بين الأولاد والملك، فإذا ملك الوالد ولده بنوع من التصرفات، عتق عليه
стр. 4833
فورا.
أخرج مسلم في صحيحة: «لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا، فيشتريه، فيعتقه».
ولا يخفى على الله أحد من خلقه، فإنه تعالى علم عددهم، وعدهم عدا دقيقا، وكل واحد يأتيه يوم القيامة واحدا منفردا لا ناصر له، ولا مال معه لينفعه؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٨/ ٢٦ - ٨٩] فلا ينفعه إلا ما قدّم من عمل صالح.
وفي قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ إشارة إلى أنكم أيها المشركون لا ترضون لأنفسكم باستعباد أولادكم، والكل عبيده، فكيف رضيتم له ما لا ترضون لأنفسكم؟! وإذا كنتم أيضا لا ترضون لأنفسكم البنات، فكيف تنسبون البنات إلى الله؟ في قولكم: الملائكة بنات الله، والأصنام بنات الله.
والخلاصة: إن هذه الآيات المقررة لنفي اتخاذ الإله ولدا، تلتقي مع موضوع سورة الإخلاص المتقدمة: ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ومع الحديث المتقدم الذي
أخرجه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «يقول الله ﵎: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن لي كفوا أحد».
محبة المؤمنين وتيسير الذكر المبين وإهلاك المجرمين
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨)﴾
стр. 4834
المفردات اللغوية:
﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ الودّ: المودة والمحبة، والمعنى: سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تودد منهم، يحبهم الناس، ويتحابون فيما بينهم، ويحبهم الله تعالى، أي يرضى عنهم.
﴿يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ أنزلناه بلغتك العربية، والباء بمعنى على، أو على أصله لتضمن «يسرنا» معنى (أنزلنا). ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ الصائرين إلى التقوى بالإيمان والعمل الصالح. ﴿وَتُنْذِرَ﴾ تخوف ﴿لُدًّا﴾ جمع ألدّ: وهو الشديد الخصومة، المجادل بالباطل، واللد: هم كفار مكة. ﴿وَكَمْ﴾ أي كثيرا. ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ أي أمة من الأمم الماضية، وهو تخويف للكفرة وتجسير للرسول ﵌ على إنذارهم. ﴿هَلْ تُحِسُّ﴾ تجد. ﴿رِكْزاً﴾ صوتا خفيا؟ لا، والمعنى: فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء.
سبب النزول:
أخرج ابن مردويه والديلمي عن البراء قال: قال رسول الله ﵌ لعلي كرم الله وجهه: «اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي في صدر المؤمنين ودّا، فأنزل الله سبحانه هذه الآية».
المناسبة:
بعد أن رد الله تعالى على أصناف الكفار، وأبان أحوالهم في الدنيا والآخرة، ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين، وأوضح أنه سيغرس محبتهم في قلوب العباد، من غير تودد منهم، ولا تعرض لأسباب الوداد من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك.
ثم استأنف تعالى بيان تيسير القرآن بلسان النبي ﵌، لما تضمنه في هذه السورة من دلائل التوحيد والنبوة والحشر والنشر، وليبشر به وينذر.
ثم ختم السورة بموعظة بليغة وإنذار بإهلاك المشركين كما أهلك من قبلهم من الأمم، فإنهم إذا علموا أنه لا بدّ من زوال الدنيا، والموت، خافوا ذلك، وخافوا أيضا سوء العاقبة في الآخرة، فكانوا إلى الحذر من المعاصي أقرب.
стр. 4835
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ أي إن الذين صدقوا بالله ورسله، وعملوا صالح الأعمال من المفروضات والتطوعات، وأحلوا الحلال وحرموا الحرام، وفعلوا ما يرضي الله، سيغرس الله محبتهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة. والصالحات: هي الأعمال التي ترضي الله ، لمتابعتها الشريعة المحمدية.
أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «إذا أحبّ الله عبدا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانا فأحبّه، فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض. وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل: إني قد أبغضت فلانا، فينادي في السماء، ثم ينزل له البغضاء في الأرض» فاتفق الحديث مع الآية في إنزال المحبة في الأرض للعباد الصالحين، وأن هذه المحبة والمودة في القلوب تكون بإحداث الله دون تعرض للأسباب المؤدية إلى إيجاد المودات من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك.
ثم استأنف الله تعالى كلامه لبيان موقع هذه السورة، لما فيها من التوحيد والنبوة والحشر والنشر، والرد على الفرق الضالة المضلة، فقال: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ أي يسرنا القرآن لك بإنزالنا له على لغتك، وفصلناه وسهلناه، لتبشر به المتصفين بالتقوى، المستجيبين لله، المصدقين لرسوله، بأن لهم الجنة بالطاعة، وتنذر به القوم الألداء، الشديدي الخصومة والجدل، العوج عن الحق، المائلين إلى الباطل، بان لهم النار بالكفر والعصيان.
ثم ختم تعالى السورة بموعظة بليغة قائلا:
стр. 4836
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ، هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ، أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ أي كثيرا ما أهلكنا قبل العرب المشركين من الأمم والجماعات من الناس، لكفرهم بآيات الله وتكذيب رسله، فهل ترى منهم أحدا، أو تسمع لهم صوتا؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات ما يأتي:
١ - إذا أحب الله عبدا لتقواه، ورضاه عنه باتباعه شرع الله ودينه، كتب له المحبة والمودة في قلوب عباده الصالحين، وعند الملائكة المقربين، وإن كان مكروها عند الظلمة والكفار والفساق.
قال هرم بن حيّان: ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودّتهم ورحمتهم.
والنموذج الأول لذاك هو رسول الله ﵌، والنماذج التي بعده هم كبار صحابته، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن عوف؛ جعل الله تعالى له في قلوب العباد مودة، لا يلقاه مؤمن إلا وقّره، ولا مشرك ولا منافق إلا عظّمه.
ومن كان محبوبا في الدنيا فهو كذلك في الآخرة؛ فإن الله تعالى لا يحب إلا مؤمنا تقيا، ولا يرضى إلا خالصا نقيا، جعلنا الله تعالى منهم بمنّه وكرمه.
٢ - نزل القرآن الكريم بلسان العرب ولغتهم، ليسهل عليهم فهمه.
٣ - عذب الله كثيرا من الأمم والجماعات عذاب الاستئصال؛ لكفرهم بالله، وتكذيبهم رسله الكرام، وأكرم الله الأمم بالنبي محمد ﵌، فرفع عنهم عذاب الإبادة والاستئصال.
стр. 4837
٤ - في الآيتين الأخيرتين وعد لرسول الله ﵌ بالنصر والغلبة على المشركين العرب من قومه، ووعيد لأولئك الكافرين وأمثالهم بالعقاب والعذاب والذل والهوان.
٥ - تنحصر مهمة النبي ﵌ في التبشير والإنذار، وفي الآية حث له عليهما، أي تبشير من أطاعه بالجنة، وإنذار من عصاه بالنار.
стр. 4838
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة طه
مكية، وهي مائة وخمس وثلاثون آية.
التسمية:
سميت (سورة طه) لابتداء السورة بالنداء بها ﴿طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ وهو اسم من أسماء النبي ﵌، وفي ذلك تكريم له، وتسلية عما يلقاه من إعراض قومه.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه هي:
أولا-أن طه نزلت بعد سورة مريم، كما روي عن ابن عباس.
ثانيا-أنه ذكر في سورة مريم قصص عدد من الأنبياء والمرسلين (عشرة) مثل زكريا ويحيى وعيسى وإبراهيم، وموسى الذي ذكرت قصته موجزة مجملة، فذكرت في هذه السورة موضحة مفصلة، كما وضحت قصة آدم ﵇ الذي لم يذكر في سورة مريم إلا مجرد اسمه فقط.
ثالثا-أنه ذكر في آخر سورة مريم تيسير القرآن باللسان العربي، لسان محمد ﵌ للتبشير والإنذار، وابتدئ ذكر هذه السورة بتأكيد هذا المعنى.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كموضوعات سائر السور المكية وهو إثبات أصول الدين
стр. 4839
من التوحيد والنبوة والبعث. وكانت بداية السورة ذات إيحاء وتأثير عجيب، من خلال الحديث عن سلطان الله وعظمته وقدرته وشمول علمه، وقد أدرك هذا عمر بن الخطاب ﵁ حين تلاوتها في بداية إسلامه، كما هو معروف في قصة إسلامه.
وتضمنت السورة ما يأتي:
١ - القرآن الكريم تذكرة لمن يخشى رب الأرض والسموات العلى، وتثبيت لشخصية النبي ﵌ في قيامه بواجب الدعوة والتبليغ، والإنذار والتبشير، وعدم الالتفات لمكائد المشركين [الآيات: ١ - ٨].
٢ - البيان الجلي لقصة موسى وتكليم الله له، وإلقائه صغيرا في اليم في صندوق، وإرساله مع أخيه هارون إلى فرعون الطاغية الجبار، وجداله بالحسنى لإثبات ربوبية الله وحده، ومبارزته السحرة، وتأييد الله له وانتصاره المؤزر، وإيمان السحرة بدعوته، ومعجزة انفلاق البحر وعبور بني إسرائيل فيه، وإهلاك فرعون وجنوده، وكفران بني إسرائيل بنعم الله الكثيرة عليهم، وحديث السامري وإضلاله بني إسرائيل باتخاذ العجل إلها لهم، وغضب موسى من أخيه هارون، الآيات [٩ - ٩٨].
٣ - الإشارة لفائدة القصص القرآني، وتوضيح جزاء من أعرض عن القرآن [٩٩ - ١٠١].
٤ - بيان حالة الحشر الرهيبة، وإبادة الجبال، وأوصاف المجرمين يوم القيامة، والحساب العادل [١٠٢ - ١١٢].
٥ - عربية القرآن ووعيده وعصمة رسوله من نسيانه [١١٣ - ١١٤].
٦ - إيراد قصة آدم ﵇ مع إبليس في الجنة [١١٥ - ١٢٢].
стр. 4840
٧ - تأكيد بيان الجزاء في الدنيا والآخرة لمن أعرض عن القرآن، بالعيشة الضنك في الدنيا، والعمى في الآخرة عن الحجة المنقذة من العذاب [١٢٤ - ١٢٧].
٨ - العظة والاعتبار بهلاك الأمم السابقة وتأخير عذاب المشركين إلى يوم القيامة [١٢٨ - ١٢٩].
٩ - توجيهات ربانية للنبي ﵌ وأمته في الصبر على الأذى، وتنزيه الله تعالى في الليل والنهار، وعدم الافتتان بزهرة الحياة الدنيا لدى الآخرين، وأمر الأهل بإقامة الصلاة ومتابعة التنفيذ [١٣٠ - ١٣٢].
١٠ - طلب المشركين إنزال آيات مادية من الله، وإعذارهم بعد إرسال الرسول وإنزال القرآن، ثم وعيدهم بالعذاب المنتظر يوم القيامة [١٣٣ - ١٣٥].
القرآن سبب السعادة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)﴾
الإعراب:
﴿طه، ما أَنْزَلْنا.﴾. ﴿إِلاّ تَذْكِرَةً﴾ ما أنزلنا: إما جواب القسم؛ لأن قوله تعالى: ﴿طه﴾ جار مجرى القسم، وإما أن يكون ﴿طه﴾ بمعنى: يا رجل، أي يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن
стр. 4841
لتشقى، ولام ﴿لِتَشْقى﴾ لام النفي، أو لام الجحود. و ﴿تَذْكِرَةً﴾ منصوب على الاستثناء المنقطع.
﴿تَنْزِيلاً﴾ منصوب على المصدر. ﴿الرَّحْمنُ﴾ مبتدأ، أو مرفوع على المدح أي هو الرحمن. و ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ خبران للمبتدأ.
﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ أي وأخفى من السر، كقولهم: الله أكبر، أي أكبر من كل شيء.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ..﴾. ﴿اللهُ﴾ مبتدأ مرفوع، أو بدل من ضمير ﴿يَعْلَمُ﴾ وخبر المبتدأ:
جملة: ﴿لَهُ الْأَسْماءُ﴾.
البلاغة:
﴿مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ التفات من ضمير التكلم إلى الغيبة، تفننا في الكلام، وتفخيما للمنزل من وجهين: إسناد إنزاله إلى ضمير الواحد العظيم الشأن، والتنبيه على أنه واجب الإيمان به.
المفردات اللغوية:
﴿طه﴾ هذه الحروف المقطعة نزلت للتنبيه والتحدي بإعجاز القرآن البياني، ما دام مركبا من الحروف التي تتكون منها لغة العرب نفسها. أو هو اسم من أسماء النبي ﵌، أو معناه:
يا رجل، كما روي عن ابن عباس وكبار جماعة التابعين.
﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ يا محمد ﴿لِتَشْقى﴾ لتتعب بما فعلت بعد نزوله من طول قيامك بصلاة الليل، أي خفف عن نفسك. ﴿إِلاّ تَذْكِرَةً﴾ لكن أنزلناه للتذكير والعظة لمن يخشى؟ لمن يخاف الله. ﴿الْعُلى﴾ جمع عليا، مؤنث الأعلى، كالكبرى مؤنث الأكبر.
﴿الْعَرْشِ﴾ في اللغة: سرير الملك، وهو هنا كناية عن الملك، أو هو مخلوق الله أعلم به، وهذا هو الأصح. ﴿اِسْتَوى﴾ استولى عليه، بدليل قول الشاعر:
استوى بشر على العراق... من غير سيف ودم مهراق
والأصح أن الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، كما قال الإمام مالك، فهو استواء يليق بجلال الله تعالى. ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ من المخلوقات. ﴿وَما تَحْتَ الثَّرى﴾ التراب الندي، وهنا يراد مطلق التراب، والمراد: الأرضون السبع؛ لأنها تحت التراب.
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ في ذكر أو دعاء، فالله غني عن الجهر به. ﴿وَأَخْفى﴾ من السر، وهو حديث النفس والخاطر الذي يدور في الذهن، دون التفوه به، فلا تجهد نفسك بالجهر. ﴿لَهُ الْأَسْماءُ﴾ الصفات والأسماء التسعة والتسعون الوارد بها الحديث. والحسنى: مؤنث الأحسن. والذي
стр. 4842
فضلت به أسماؤه في الحسن على سائر الأسماء: دلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية والأفعال التي هي النهاية في الحسن، كما قال الزمخشري.
سبب النزول:
قال مقاتل: قال أبو جهل، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، ومطعم بن عدي للنبي ﵌: إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك، فقال ﵌: «بل بعثت رحمة للعالمين» قالوا: بل أنت تشقى، فأنزل الله الآية ردا عليهم، وتعريفا لمحمد ﵌ بأن دين الإسلام هو سبب كل سعادة، وما فيه المشركون هو الشقاء بعينه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي ﵌ كان أول ما أنزل الله عليه الوحي يقوم على صدور قديمه إذا صلى، فأنزل الله: ﴿طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾.
التفسير والبيان:
﴿طه﴾ هذه الحروف المقطعة التي يبتدأ بها في أوائل السورة لتنبيه المخاطب إلى ما يلقى بعدها، ولتحدي العرب بالإتيان بمثل القرآن، ما دام مركبا من حروف اللغة التي ينطقون بها ويكتبون. وقيل: هو اسم للنبي ﵌، ومعناه: طأ الأرض يا محمد، قال ابن الأنباري: وذلك أن النبي ﵌ كان يتحمل مشقة الصلاة، حتى كادت قدماه تتورمان، ويحتاج إلى التروح، فقيل له: طأ الأرض، أي لا تتعب نفسك في الصلاة جدا، حتى تحتاج إلى المراوحة بين قدميك.
﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى، إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ أي لم ننزل القرآن عليك لتتعب نفسك بسبب تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وفرط تحسرك على أن يؤمنوا، فإن إيمانهم ليس إليك، بل أنزلناه لتبلغ وتذكر، فحسبك التبليغ
стр. 4843
والتذكير، ولا تلتفت بعدئذ لإعراض المعاندين، ولا ترهق نفسك وتتعبها بحملهم على قبول دعوتك.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف ٦/ ١٨]. فقوله: ﴿لِتَشْقى﴾ لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا.
روى جويبر عن الضحاك قال، ومعه مقاتل: لما أنزل الله القرآن على رسوله ﵌، قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى: ﴿طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى، إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم، فقد أراد به خيرا، كما
ثبت في الصحيحين عن معاوية قال: قال رسول الله ﵌: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».
وما أنزلناه إلا تذكرة لتذكر به من يخاف عذاب الله، وينتفع بما سمع من كتاب الله الذي جعلناه رحمة ونورا ودليلا إلى الجنة، وليس عليك جبرهم على الإيمان، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ [الشورى ٤٨/ ٤٢]، و ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢/ ٨٨].
وفي هذا إيناس للنبي ﵌ على إعراض قومه عن دعوته، وضيق نفسه من تصميمهم على الكفر.
روى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله ﵌: «يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة، إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي».
وكلمة ﴿إِلاّ﴾ في الآية: إما استثناء منقطع بمعنى: لكن، أو متصل
стр. 4844
والتقدير: ما أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة.
وإنما خص ﴿لِمَنْ يَخْشى﴾ بالتذكرة؛ لأنهم المنتفعون بها، وإن كان القرآن عاما في الجميع، وهو كقوله: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢/ ٢]. ودليل العموم قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان ١/ ٢٥].
ووجه التذكير بالقرآن: أن النبي ﵌ كان يعظهم به وببيانه.
﴿تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى﴾ أي هذا القرآن الذي جاءك يا محمد نزل عليك تنزيلا من خالق الأرض والسموات العليا، والمراد بهما جهة السفل والعلو، الأرض بانخفاضها وكثافتها، والسموات في ارتفاعها ولطافتها.
والمراد بالآية: إخبار العباد عن كمال عظمة منزل القرآن، ليقدروا القرآن حق قدره.
﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ أي ومنزل القرآن هو الرحمن المنعم بجلائل النعم ودقائقها، وهو الذي علا وارتفع على العرش، ولا يعلم البشر كيف ذلك، بل نؤمن به على طريقة السلف الصالح الذين يؤمنون بالصفات من دون تحريف ولا تأويل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، فهو استواء يليق بجلال الله وعظمته، بلا كيف ولا انحصار، كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح ١٠/ ٤٨] لأن الله تعالى ليس بجسم ولا يشبه شيئا من الحوادث، والعرش:
شيء مخلوق، لا ندري حقيقته.
ويرى الخلف تأويل الصفات، فيراد بالاستواء: الاستيلاء والقهر والتصرف الكامل، والعرش: هو الملك، واليد: القدرة.
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى﴾ أي إن الله
стр. 4845
منزل القرآن هو أيضا مالك السموات والأرض وما بينهما من الموجودات، ومالك كل سيء ومدبره، ومتصرف فيه، ومالك ما تحت التراب من شيء. فله الكون كله ملكا وتدبيرا وتصرفا.
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ أي إن تجهر بدعاء الله وذكره، فالله تعالى عالم بالجهر والسر، وما هو أخفى منه مما يخطر بالبال، أو يجري في حديث النفس، فالعلم بكل ذلك سواء بالنسبة لله . والمعنى:
إن تجهر بذكر الله ودعائه، فاعلم أنه غني عن ذلك، فإنه يعلم السر وما هو أخفى من السر.
وأما إجراء الأدعية والأذكار على اللسان، فلمساعدة القلب على ذلك، ولتصور المعنى، وشغل الحواس بالمطلوب وصرفها عن التفكر في غير ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً، وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف ٢٠٥/ ٧].
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ إن صفات الكمال المتقدمة هي لله المعبود الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وله أحسن الأسماء والصفات الدالة على كل الكمال والتقديس والتمجيد، وهي التسعة والتسعون التي ورد بها الحديث الصحيح، والتي تقدم ذكرها في سورة الأعراف [الآية: ١١٠] وله أيضا الأفعال الصادرة عن كمال الحكمة والصواب.
وبه يتبين أن هذه الآيات وصفت منزل القرآن على الرسول ﵌ بأنه خالق الأرض والسماء، وأنه الرحمن صاحب النعم، وأنه الذي استوى على العرش وصاحب التصريف في الكون، وأن له الكون كله ملكا وتدبيرا وتصرفا، وأنه العالم بكل شيء، سواء عنده السر والجهر، وأنه الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والصفات العليا والأفعال السديدة.
стр. 4846
فهل بعد إيراد هذه الصفات من يدعي أن القرآن من عند غير الله، وهل يصح اتخاذ صنم من حجر أو خشب أو معدن شريكا لله؟ لذلك كله بادر عمر بن الخطاب في جاهليته بعقل متفتح إلى الإسلام والإيمان، لما قرأت عليه أخته هذه الآيات.
وقد نزلت سورة طه قبل إسلام عمر ﵁.
إسلام عمر:
روى ابن إسحاق في سيرته: أن عمر قبل إسلامه كان شديد العداوة للإسلام، وقد خرج في يوم متوشحا سيفه، يريد النبي ﵌، فلقيه نعيم بن عبد الله. فقال: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا هذا الصابئ، الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم:
والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟! فقال: وأي أهل بيني؟ قال: ختنك (زوج أختك) وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما.
قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت، معه صحيفة فيها أول سورة يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر، تغيب خباب في مخدع لهما، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر قراءة خباب، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة (الكلام الخفي الذي لا يفهم) الذي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا، قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على
стр. 4847
دينه. وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها.
فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك.
ولما رأى عمر ما صنع، ندم وارعوى، وقال لأخته: أعطني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤونها آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد.
فقالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال لها: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخي، إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر.
فقام عمر واغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فلما قرأ منها صدرا، قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع خباب خرج إليه، فقال له:
يا عمر، والله، إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس، وهو
يقول: «اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب» فالله الله يا عمر، فقال عمر: دلني يا خباب على محمد حتى آتيه. فأسلم ورضي الله عنه.
هذا ما ذكره ابن إسحاق مطولا، وروى القصة بإيجاز الدارقطني في سننه عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرج عمر متقلدا بسيف؛ فقيل له: إن ختنك وأختك قد صبوا (١)، فأتاهما عمر وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب، وكانوا يقرءون طه فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرؤه -وكان عمر ﵁ يقرأ الكتب-فقالت له أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا
стр. 4848
المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام عمر ﵁ وتوضأ وأخذ الكتاب فقرأ طه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - ليس إنزال القرآن العظيم لإتعاب النفوس وإضناء الأجسام، وإنما هو كتاب تذكرة ينتفع به الذين يخشون ربهم. وفي هذا رد على كفار قريش-كما تقدم في سبب النزول-الذين قالوا: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى طه.
ويوضح ذلك ما قاله الكلبي: لما نزل على النبي ﵌ الوحي بمكة، اجتهد في العبادة، واشتدت عبادته، فجعل يصلي الليل كله زمانا حتى نزلت هذه الآية، فأمره الله تعالى أن يخفف عن نفسه، فيصلي وينام، فنسخت هذه الآية قيام الليل، فكان بعد هذه الآية يصلي وينام.
وهكذا لم يكن إنزال القرآن لإتعاب النفس في العبادة، وإذاقتها المشقة الفادحة، وإنما القرآن كتاب يسر، وما بعث النبي ﵌ إلا بالحنيفية السمحة.
٢ - الله تعالى منزل القرآن هو خالق الأرض والسموات العليا، وهو الرحمن المنعم بجلائل النعم ودقائقها الذي اعتلى عرشه، فكان مطلق التصرف في الخلق والكون، وله جميع ما في السموات وما في الأرض وما بينهما من الموجودات وما تحت الأرض من معادن وذخائر وأموال وغير ذلك، والأرضون سبع والسموات سبع أيضا، وهو العالم بكل شيء، يستوي عنده السر والجهر وما هو أخفى من السر، قال ابن عباس: السر: ما حدث به الإنسان غيره في خفاء، وأخفى منه:
ما أضمر في نفسه مما لم يحدث به غيره.
стр. 4849
وهو سبحانه الإله الوحيد في هذا الكون، لا إله غيره، ولا رب سواه، له الأسماء الحسنى التسع والتسعون، والصفات العليا، والأفعال الحميدة الحكيمة السديدة.
وقد وحد الله نفسه سبحانه؛ وذلك أن رسول الله ﵌ دعا المشركين إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فكبر ذلك عليهم، فلما سمعه أبو جهل يذكر الرحمن، قال للوليد بن المغيرة: محمد ينهانا أن ندعو مع الله إلها آخر، وهو يدعو الله والرحمن؛ فأنزل الله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ وأنزل:
﴿قُلِ: اُدْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ، أَيًّا ما تَدْعُوا، فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [الإسراء ١١٠/ ١٧] وهو واحد وأسماؤه كثيرة؛ ثم قال ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾.
قصة موسى ﵇
- ١ -
تكليم ربه إياه (أو مناجاة موسى) وابتداء الوحي إليه في
الوادي المقدس
﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً (١٠) فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦)﴾
стр. 4850
الإعراب:
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ ﴿إِنِّي﴾ بالكسر على الابتداء؛ لأن النداء في معنى القول، وإن: تكسر بعد القول؛ لأنها في تقدير الابتداء. وتقرأ بالفتح أني لوقوع ﴿نُودِيَ﴾ عليها، أي نودي يا موسى بأني، فحذف الياء تخفيفا. و ﴿أَنَا﴾ تأكيد لياء المتكلم.
﴿طُوىً﴾ من قرأ بتنوين، جعله منصرفا اسما للمكان غير معدول، كجعل وصرد، ومن لم ينون جعله ممنوعا من الصرف إما للتأنيث والتعريف، أو للتعريف والعدل عن طاو كعدول عمر عن عامر. وإعرابه: بدل من الوادي في كلا الوجهين.
﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ﴾ بدل مما يوحى.
﴿لِذِكْرِي﴾ إما مضاف إلى المفعول، أي لتذكرني، وإما مضاف إلى الفاعل، أي لأذكرك.
﴿أَكادُ أُخْفِيها﴾ ﴿أُخْفِيها﴾ إما أن الهمزة فيه همزة السلب، أي أريد إخفاءها، مثل:
أشكيت الرجل، إذا أزلت شكايته، وإما أن المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف أظهرها لكم.
ولام ﴿لِتُجْزى﴾ متعلقة ب ﴿أُخْفِيها﴾.
﴿فَتَرْدى﴾ إما منصوب جوابا للنهي بالفاء، بتقدير (أن) مثل: ﴿لا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ.﴾. [طه ٨١/ ٢٠] وإما مرفوع على تقدير: فإذا أنت تردى، مثل ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ [النساء ٧٣/ ٤].
البلاغة:
﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾؟ للتشويق والحث على الإصغاء، وهو استفهام تقرير.
﴿لِتَشْقى﴾ ﴿يَخْشى﴾ ﴿أَخْفى﴾ ﴿تَسْعى﴾ سجع حسن.
المفردات اللغوية:
﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ﴾ تشويق لسماع قصته بقصد التأسي به، والحديث: ما يبلغ الإنسان من الكلام، سواء بالسمع أو بالوحي. وهو استفهام تقرير.
﴿إِذْ رَأى﴾ ظرف للحديث؛ لأنه حدث، أو مفعول لفعل مقدر وهو اذكر. ﴿لِأَهْلِهِ﴾ لامرأته. ﴿اُمْكُثُوا﴾ هنا، والمكث: الإقامة، قال ذلك في أثناء مسيره من مدين إلى مصر.
﴿آنَسْتُ﴾ أبصرت. ﴿آتِيكُمْ﴾ أجيئكم. ﴿بِقَبَسٍ﴾ بشعلة من النار مقتبسة على رأس فتيلة أو عود وقال: ﴿لَعَلِّي﴾ لعدم الجزم بوفاء الوعد. ﴿هُدىً﴾ هاديا يدلني على الطريق، وكان أخطأها لظلمة الليل.
стр. 4851
﴿فَلَمّا أَتاها﴾ أتى النار، وجد نارا بيضاء تتقد في شجرة خضراء. ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ أي للتواضع والأدب. ﴿الْمُقَدَّسِ﴾ المطهر أو المبارك، وهو تعليل للأمر باحترام البقعة.
﴿اِخْتَرْتُكَ﴾ اصطفيتك للنبوة من قومك. ﴿لِما يُوحى﴾ إليك مني، أو للوحي، واللام تحتمل التعلق بكل من الفعلين. ﴿أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ دال على أن الأمر مقصور على تقرير التوحيد الذي هو منتهى العلم، والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل. ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ لتكون ذاكرا لي، خصها بالذكر، لما فيها من تذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، وقيل:
لذكر صلاتي، لما
روي أنه ﵌ قال فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس: «من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها»، إن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾.
﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ كائنة لا محالة. ﴿أَكادُ أُخْفِيها﴾ أبالغ في إخفائها ولا أظهرها بأن أقول: إنها آتية، أو أريد إخفاء وقتها عن الناس، ويظهر لهم قربها بعلاماتها. ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ أي لتجزى فيها كل نفس بما تسعى من خير أو شر. ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ لا يصرفنك عن الإيمان بها. ﴿هَواهُ﴾ ما تهواه نفسه في إنكارها. ﴿فَتَرْدى﴾ فتهلك إن صددت عنها.
المناسبة:
لما عظم الله تعالى حال القرآن وحال الرسول فيما كلفه به من التبليغ، أتبع ذلك بما يقوي قلب رسوله ﵌ في الإبلاغ من ذكر أحوال الأنبياء ﵈ كما قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود ١٢٠/ ١١]. وبدأ بقصة موسى ليأتم به في تحمل أعباء النبوة، وتبليغ الرسالة، والصبر على مقاساة الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل، وكان موسى أشد الناس صبرا على تحمل مكاره قومه. وفي سياق هذه القصة تسلية للنبي ﵌ لما يلاقيه من مشاق أحكام النبوة.
التفسير والبيان:
﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ أي وهل بلغك خبر موسى وقصته مع فرعون وملئه، وكيف كان ابتداء الوحي إليه، وتكليمه إياه؟ وبدئ بالاستفهام لتثبيت الخبر، وتقريره في نفس المخاطب، فذلك أسلوب مؤثر في إلقاء الكلام العربي.
стр. 4852
قال المفسرون: استأذن موسى ﵇ شعيبا في الرجوع إلى والدته، فأذن له، فخرج، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد حاد عن الطريق، فقدح موسى ﵇ النار، فلم تور المقدحة شيئا، فبينا هو يزاول ذلك، إذ نظر نارا من بعيد عن يسار الطريق، فظن أنها نار من نيران الرعاة، من جانب جبل الطور الواقع عن يمينه (١)، كما قال تعالى:
﴿إِذْ رَأى ناراً، فَقالَ لِأَهْلِهِ: اُمْكُثُوا، إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ أي هل أتاك خبر موسى حين رأى نارا، وكانت رؤيته للنار في ليلة مظلمة لما خرج مسافرا من مدين إلى مصر، والصحيح كما قال الرازي أنه رأى نارا، لا تخيل نارا، ليكون صادقا في خبره؛ إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء.
فقال لزوجه وولده وخادمه مبشرا لهم: أقيموا مكانكم، إني رأيت نارا من بعيد، لعلني أوافيكم منها بشعلة مضيئة أو بشهاب، أو جذوة كما في آية أخرى، لعلكم تستدفئون (أو تصطلون) بها، مما يدل على وجود البرد، أو أجد عند النار من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها، كما قال تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ، لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص ٢٩/ ٢٨]. والهدى: ما يهتدى به، وهو اسم مصدر، فكأنه قال: أجد على النار ما أهتدي به من دليل أو علامة.
ومعنى الاستعلاء على النار: أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها، ولأن المصطلين بها إذا أحاطوا بها كانوا مشرفين عليها.
﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ: يا مُوسى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ، فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ أي فلما أتى النار التي آنسها، واقترب منها نودي من قبل الرب ﵎، كما قال: ﴿نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ﴾
стр. 4853
﴿الشَّجَرَةِ: أَنْ يا مُوسى: إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [القصص ٣٠/ ٢٨]. وقال هاهنا:
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ أي نودي: يا موسى، إن الذي يكلمك ويخاطبك هو ربك، فاخلع حذاءك؛ لأن ذلك أبلغ في التواضع، وأقرب إلى التشريف والتكريم، وحسن التأدب، إنك بالوادي المطهر المسمى ﴿طُوىً﴾ من أرض سيناء.
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ أي وأنا الله الذي اخترتك للرسالة والنبوة، فاستمع سماع قبول واستعداد ووعي لما ينزل عليك من الوحي، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف ١٤٤/ ٧] أي على جميع الناس الموجودين في زمانك.
ثم ذكر الموحى به فقال تعالى:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا، فَاعْبُدْنِي، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ أي إن الذي يناديك هو الله، وهو تأكيد لما سبق، وهذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ووحدني وقم بعبادتي من غير شريك؛ لأن اختصاص الألوهية به سبحانه موجب لتخصيصه بالعبادة، والمعنى: أنا الإله الحق الواحد، المستحق للعبادة دون سواي.
وأد الصلاة المفروضة على النحو الذي آمرك به، مستكملة الأركان والشروط لتذكرني فيها وتدعوني دعاء خالصا إلي. وخص الصلاة بالذكر، لكونها أشرف طاعة وأفضل عبادة. أو المعنى: أقم الصلاة عند تذكرك بالواجب وذكرك لي؛ لما
رواه الإمام أحمد عن أنس عن رسول الله ﵌ قال: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾»
وفي الصحيحين عن أنس أيضا قال: قال رسول الله ﵌: «من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك».
وأخرج الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
стр. 4854
صلى الله عليه وآله وسلم: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾».
واقتصر الحديث على حالتي النوم أو النسيان؛ لأن شأن المؤمن ألا يقصر في واجبه بأداء الصلاة، فإذا تركها عمدا كان قضاؤها ألزم وأوجب؛ إذ لا كفارة لها إلا أداؤها أو قضاؤها.
ثم أخبر عن الساعة أو مجيء يوم القيامة ومصير الخلائق بعد توحيد الله وعبادته، باعتبارها مقر الحساب على الأعمال، فقال:
﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ أي إن الساعة قائمة لا محالة، وكائنة لا بد منها، أكاد أخفيها من نفسي، فكيف يعلمها غيري، فاعمل لها الخير من عبادة الله والصلاة، ولأن مجيء الساعة أمر حتم لازم لأجزي كل عامل بعمله، ولتجزى كل نفس بما تسعى فيه من أعمالها، كما قال تعالى:
﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٦/ ٥٢] وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨].
والله أخفى الساعة أي القيامة، وأجل الإنسان، ليعمل الإنسان بجد ونشاط، ولا يؤخر التوبة، ويترقب الموت كل لحظة. وكلمة ﴿أَكادُ﴾ أي أقارب، وهي زائدة، أي إن الساعة آتية أخفيها.
﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها، وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ أي فلا يصرفنك يا موسى عن الإيمان بالساعة (القيامة) والتصديق بها، والاستعداد لها من لا يصدق بها من الكفرة، واتبع أهواءه وتصوراته المغلوطة، بالانهماك في الملذات المحرمة الفانية، فإنك إن تفعل ذلك تهلك.
والخطاب ليس مقصورا على موسى الرسول ﵇، وإنما بدئ به لتعليم غيره، فهو شامل جميع الناس البالغين العقلاء.
стр. 4855
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
١ - ضرورة تعلم قصص الأنبياء والاطلاع عليها للعبرة والعظة، وقد حث القرآن على ذلك في مطلع الإخبار عن قصة موسى ﵇، بصيغة الاستفهام الذي هو استفهام إثبات وإيجاب. ولفظ الاستفهام ﴿وَهَلْ أَتاكَ﴾ وإن كان لا يجوز على الله تعالى، لأنه ليس بحاجة إليه، لكن المقصود به كما تقدم تقرير الجواب في قلب النبي ﵌، وهذه الصيغة أبلغ في ذلك، كما يقول المرء لصاحبه على سبيل التشويق ولفت النظر والانتباه: هل بلغك خبر كذا؟ فيتطلع السامع إلى معرفة الخبر.
٢ - على الزوج واجب الإنفاق على الأهل (المرأة) من غذاء وكساء ومسكن ووسائل تدفئة وقت البرد، لذا بادر موسى ﵇ إلى الذهاب في الليلة المظلمة الشاتية لإحضار شعلة نار أو جذوة (جمر من النار) للدفء، وللحاجة الشديدة إليه، وبخاصة حالة النفساء.
٣ - كان ذهاب موسى ﵇ من أجل استحضار النار سببا في تكليم الله له، وابتداء الوحي عليه، وإيتائه النبوة والرسالة.
٤ - اقتضى أدب الخطاب الإلهي تكليفه بخلع نعليه، ففعل فورا. جاء في الخبر: أن موسى ﵇ خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي.
لذا وجب خلع النعال في أثناء الصلاة أو عند دخول المسجد إذا كان فيها نجاسة أو قذر، فإن كانت طاهرة جازت الصلاة فيها، حتى لقد قال بعض العلماء: إن الصلاة في النعلين أفضل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف ٣١/ ٧].
стр. 4856
وكيفية تطهير النعلين من النجاسة على التفصيل الآتي: إن تحقق فيهما نجاسة مجمعا على تنجيسها كالدم والعذرة (الغائط) من بول بني آدم لم يطهرها إلا الغسل بالماء عند مالك والشافعي وأكثر العلماء، وإن كانت النجاسة مختلفا فيها كبول الدواب وأرواثها الرطبة، فيطهرها المسح بالتراب عند الأوزاعي وأبي ثور، وقال أبو حنيفة: يزيل النجاسة اليابسة الحك والفرك، ولا يزيل الرطبة إلا الغسل، أما البول فلا يجزئ فيه إلا الغسل. وعند المالكية قولان، أرجحهما أن المسح يطهر، وقال الشافعي: لا يطهر شيئا من ذلك كله إلا الماء.
٥ - حسن الاستماع واجب مطلوب في الأمور المهمة، وأهمها الوحي المنزل من عند الله. وقد مدح الله من يحسن استماع كلام الله، فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ، فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ﴾ [الزمر ١٨/ ٣٩] وذم من يعرض عن الاستماع فقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ الآية [الإسراء ٤٧/ ١٧] فمدح المنصت لاستماع كلام الله مع حضور العقل، وأمر عباده بذلك أدبا لهم، فقال: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ، فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٤/ ٧] وقال هاهنا: ﴿فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ لأن بذلك ينال الفهم عن الله تعالى.
قال وهب بن منبه: من أدب الاستماع: سكون الجوارح وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه، ولا يشغلها، فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه، فلا يلهو قلبه بما يرى، ويحصر عقله، فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم.
٦ - اشتمل أول الوحي على موسى على أصلين في العقيدة وهما الإقرار بتوحيد الله، والإيمان بالساعة (القيامة) وعلى أهم فريضة بعد الإيمان وهي الصلاة.
стр. 4857
وكان إخفاء الساعة للتهويل والتخويف، وترك المماطلة والتسويف في الإقبال على التوبة والعمل الصالح، فإن الإنسان إذا جهل وقت الساعة كان منها على حذر وخوف. وهذا أيضا سبب إخفاء الله وقت الموت.
وإقامة الصلاة واجب في الوقت المخصص لها، ويجب قضاؤها كما دلت الأحاديث النبوية المتقدمة في حالتي النوم والنسيان. وأما من ترك الصلاة متعمدا، فالجمهور أيضا على وجوب القضاء عليه، وإن كان عاصيا آثما بتأخيرها عن وقتها، فالمتعمد آثم، والناسي والنائم غير آثمين. وحجة الجمهور قوله تعالى:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة ٤٣/ ٢] ولم يفرق بين أن يكون في وقتها أو بعده، وهو أمر يقتضي الوجوب. وأيضا فقد ثبت الأمر بقضاء النائم والناسي، مع أنهما غير آثمين، فالعامد أولى. ثم إن النسيان هو الترك، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧/ ٩] و ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر ١٩/ ٥٩] سواء كان مع ذهول أو لم يكن؛ لأن الله تعالى لا ينسى، وإنما معناه تركهم. وكذلك الذكر يكون بعد نسيان وبعد غيره، قال الله تعالى لا ينسى، وإنما معناه تركهم. وكذلك الذكر يكون بعد نسيان وبعد غيره، قال الله تعالى في
الحديث القدسي المتفق عليه عن أبي هريرة: «إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي» وهو تعالى لا ينسى، فيكون ذكره بعد نسيان، وإنما معناه: علمت، فكذلك يكون معنى
قوله ﵌: «إذا ذكرها» أي علمها.
وأيضا فإن ديون الآدميين إذا كانت متعلقة بوقت، ثم جاء الوقت، لم يسقط قضاؤها بعد وجوبها، وهي مما يسقطها الإبراء، فإذا شغلت الذمة بدين وجب إبراء الذمة منه، أداء أو قضاء، وديون الله أحق بالوفاء.
ثم إن ترك يوم من رمضان متعمدا بغير عذر يوجب القضاء، فكذلك الصلاة (١).
стр. 4858
ومذهب المالكية: أن من ذكر صلاة وقد حضر وقت صلاة أخرى، بدأ بالتي نسي إذا كان خمس صلوات فأدنى، وإن فات وقت هذه. وإن كان أكثر من ذلك بدأ بالتي حضر وقتها.
وهذا هو مذهب الحنفية إلا أنهم قالوا: الترتيب عندنا واجب في اليوم والليلة إذا كان في الوقت سعة للفائتة ولصلاة الوقت. فإن خشي فوات الوقت بدأ بها، فإن زاد على صلاة يوم وليلة لم يجب الترتيب عندهم.
وقال الشافعي: الاختيار أن يبدأ بالفائتة ما لم يخف فوات هذه، فإن لم يفعل وبدأ بصلاة الوقت أجزأه.
وذكر الأثرم أن الترتيب عند أحمد واجب في صلاة ستين سنة فأكثر، وقال: لا ينبغي لأحد أن يصلي صلاة، وهو ذاكر لما قبلها؛ لأنها تفسد عليه.
ودليل تقديم الفائتة قبل الحاضرة:
ما روي في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﵌ فاتته العصر يوم الخندق، حتى غربت الشمس، فصلى العصر بعد غروب الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.
وروى الترمذي عن ابن مسعود: أن المشركين شغلوا رسول الله ﵌ عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله تعالى، فأمر بالأذان بلالا فقام فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.
واختلف العلماء إذا ذكر فائتة في مضيق وقت حاضرة على ثلاثة أقوال:
-فذهب مالك والليث والزهري: إلى أنه يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة.
وذهب الحسن البصري والشافعي وفقهاء الحديث والمحاسبي وابن وهب من المالكية: إلى أنه يبدأ بالحاضرة.
-وقال أشهب: يتخير فيقدم أيتهما شاء.
стр. 4859
وأما من ذكر صلاة وهو في صلاة: فإن كان وراء الإمام، فكل من قال بوجوب الترتيب ومن لم يقل به يقول: يتمادى مع الإمام حتى يكمل صلاته. ثم اختلفوا فقال أبو حنيفة وأحمد: يصلي التي ذكر، ثم يصلي التي صلى مع الإمام، إلا أن يكون بينهما أكثر من خمس صلوات.
وقال مالك: من ذكر صلاة وهو في صلاة قد صلى منها ركعتين، سلم من ركعتين، فإن كان إماما انهدمت عليه وعلى من خلفه وبطلت. ولو ذكرها في صلاة قد صلى منها ثلاث ركعات، أضاف إليها رابعة وسلم، وصارت نافلة غير فاسدة.
والفائتة بسبب النوم يبدأ عقب الصحو بصلاتها،
لحديث مسلم والدارقطني عن أبي قتادة: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين يتنبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها» والصحيح ترك العمل بإعادة الصلاة في الجملة الأخيرة؛
لحديث الدارقطني عن عمران بن حصين: «أينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم».
- ٢ -
انقلاب عصا موسى حية (المعجزة الأولى)
﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١)﴾
стр. 4860
الإعراب:
﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ ﴿ما﴾: مبتدأ، و ﴿تِلْكَ﴾: خبره، و ﴿بِيَمِينِكَ﴾: في موضع نصب على الحال، أي ما تلك كائنة بيمينك، مثل: ﴿وَسارَ بِأَهْلِهِ﴾ أي سار غير منفرد.
﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى﴾ ﴿سِيرَتَهَا﴾ منصوب ب ﴿سَنُعِيدُها﴾ بتقدير حذف حرف جر، أي: سنعيدها إلى سيرتها، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به فنصبه، أي منصوب بنزع الخافض.
البلاغة:
﴿قالَ: هِيَ عَصايَ، أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها، وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ إطناب، وكان مقتضى الجواب:
هي عصاي، ولكنه استرسل في الجواب، تلذذا بالخطاب.
المفردات اللغوية:
﴿وَما تِلْكَ﴾؟ استفهام يتضمن تنبيها لما يريه فيها من العجائب ﴿يا مُوسى﴾ تكرار لزيادة الاستئناس والتنبيه ﴿أَتَوَكَّؤُا﴾ أعتمد عليها في المشي إذا عييت، أو عند الوقوف على رأس القطيع ونحو ذلك ﴿وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ وأخبط ورق الشجر بها على رؤوس غنمي، ليسقط، فتأكله ﴿مَآرِبُ﴾ منافع وحاجات أخر، جمع مأربه، كحمل الزاد والسقاء وطرد الهوام.
﴿حَيَّةٌ﴾ ثعبان عظيم لآية أخرى، والحية في الأصل: تطلق على الصغير والكبير والذكر والأنثى. والثعبان: العظيم من الحيات، والجان: الصغير منها ﴿تَسْعى﴾ تمشي على بطنها سريعا ﴿خُذْها﴾ بأن يدخل يده في فمها فتعود عصا ﴿وَلا تَخَفْ﴾ لما رآها حية تسرع وتبتلع الحجر والشجر، خاف وهرب منها ﴿سِيرَتَهَا الْأُولى﴾ أي إلى حالتها الأولى وهي كونها عصا.
المناسبة:
بعد مناجاة الله لموسى، بدأ تعالى بذكر براهين نبوته، لتصديق رسالته، وأولها انقلاب العصا حية، أي انقلاب الجماد حيوانا، وبالعكس، وتلك آيات باهرات ومعجزات قاهرات أحدثها الله فيها لأجله، وليست من خواصها.
التفسير والبيان:
معجزة العصا لموسى هي البرهان الأول الخارق للعادة الدال على أنه لا يقدر
стр. 4861
على مثل هذا إلا الله ، وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل، قال تعالى:
﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى؟﴾ هذا السؤال عن العصا سؤال تقرير، سأله الله تعالى لموسى ﵇ وهو العليم به، للتنبيه على كمال قدرة الله، والتأمل بما يحدثه من خوارق العادات، والتأكد من أنها هي عصاه الحقيقية التي يعرفها، وأنها هي التي ستتحول حية تسعى، وإلا فقد علم الله ما هي. والمعنى: أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها، فسترى ما نصنع بها الآن؟! فأجابه موسى بالمطلوب وزاد عليه؛ لأنه استمتع بخطاب الله تعالى، فقال:
﴿قالَ: هِيَ عَصايَ﴾ قال موسى: هي عصاي، وبه تم المراد، ولكن موسى ﵇ ذكر فائدتين لها، وأجمل الكلام في الجملة الثالثة، ليسأله ربه: وما هذه المآرب.
﴿أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها، وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي، وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ هذه عصاي أعتمد عليها في حال المشي، وأخبط بها الشجر وأهزه ليسقط منه الورق لتأكله الغنم، ولي فيها مصالح ومنافع وحوائج أخرى غير ذلك، كحمل الزاد والسقي وطرد السباع عن الغنم، وغير ذلك، فمنافع العصا كثيرة معروفة.
فأمره الله بإلقائها لتظهر المعجزة:
﴿قالَ: أَلْقِها يا مُوسى﴾ قال تعالى لموسى ﵇: ألق هذه العصا التي في يدك يا موسى.
﴿فَأَلْقاها، فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ فألقاها موسى على الأرض، فإذا هي قد صارت في الحال حية عظيمة، ثعبانا طويلا، يتحرك حركة سريعة، وفي آية أخرى: فإذا هي تهتز كأنها جان، وهو أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير، قال تعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ، وَلّى مُدْبِراً، وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل ١٠/ ٢٧] لما ظهر لها من سرعة الحركة والقوة، لا لصغرها، فتبين أن هذه الحية في غاية الكبر وفي غاية سرعة الحركة. وقوله ﴿تَسْعى﴾ تمشي وتضطرب.
стр. 4862
ثم أمره تعالى بالعودة إلى مكانه، فرجع موسى وهو شديد الخوف، فقال:
﴿قالَ: خُذْها وَلا تَخَفْ، سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى﴾ قال له ربه: خذها بيمينك، ولا تخف منها، سنعيدها بعد أخذك لها إلى حالتها الأولى التي تعرفها قبل ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ خطاب من الله تعالى لموسى وحيا؛ لأنه قال: ﴿فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾. ولا بد للنبي في نفسه من معجزة يعلم بها صحة نبوة نفسه، فأراه في العصا وفي نفسه ما أراه لذلك.
٢ - في جواب موسى في هذه الآية دليل على جواز كون الجواب على السؤال بأكثر مما سئل.
جاء في الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن الأربعة وابن أبي شيبة عن أبي هريرة: سئل النبي ﵌ عن ماء البحر للتوضؤ به، فقال:
«هو الطهور ماؤه، الحل ميتته».
وسألته ﵌ امرأة عن الصغير حين رفعته إليه، فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر» أخرجه مسلم عن ابن عباس.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ.﴾. خطاب من الله تعالى لموسى بلا واسطة، لا يلزم منه أن يكون موسى أفضل من محمد؛ لأن الله تعالى خاطب أيضا محمدا ﵊ ليلة المعراج في قوله: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ [النجم ١٠/ ٥٣] إلا أن الفرق بينهما أن الذي ذكره مع موسى ﵇ أفشاه الله إلى الخلق، والذي ذكره مع محمد ﵌ كان سرا لم يطلع عليه أحدا من الخلق.
стр. 4863
٤ - قال ابن عباس: إمساك العصا سنة للأنبياء وعلامة للمؤمن. وقال الحسن البصري: فيها ست خصال: سنة للأنبياء، وزينة الصلحاء، وسلاح على الأعداء، وعون للضعفاء، وغم للمنافقين، وزيادة في الطاعات.
ومنافع العصا كثيرة، منها اتخاذها قبلة في الصحراء،
وقد كان للنبي ﵌ عنزة (١) تركز له فيصلي إليها، وكان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها، وذلك ثابت في الصحيح.
وفي الصحيحين: أنه ﵌ كان له مخصرة (٢).
والإجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكئا على سيف أو عصا. وكان ابن مسعود صاحب عصا النبي ﵌ وعنزته؛ وكان يخطب بالقضيب، وعلى ذلك الخلفاء وكبراء الخطباء؛ وعادة العرب العرباء الفصحاء اللسن البلغاء: أخذ المخصرة والعصا والاعتماد عليها عند الكلام، وفي المحافل والخطب.
٥ - لقد تحولت العصا الملقاة من يد موسى حية كبيرة سريعة الحركة بفعل الله القادر على خرق العوائد، فقلب الله أوصافها وأعراضها، كذلك عادت الحية عصا إلى حالتها الأولى بفعل الله تعالى، وكل ذلك كان معجزة لموسى ﵇ وبرهانا حسيا قطعيا على نبوته.
وإنما أظهر الله هذه الآية لموسى، لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون.
وكان خوف موسى عند انقلابها لأول مرة حية-بعد أن علم أنه مبعوث من عند الله إلى الخلق-بمقتضى الطبع الإنساني الذي يخاف من الحيات لسميتها
стр. 4864
وخطرها؛ لأنه ﵇ ما شاهد مثل ذلك قط. وعند الفزع الشديد قد يذهل الإنسان عن بعض خواصه. قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري رحمه الله تعالى: وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة؛ لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه، فلا يخافه البتة.
- ٣ -
اليد البيضاء (المعجزة الثانية)
﴿وَاُضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥)﴾
الإعراب:
﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ بيضاء: حال من ضمير ﴿تَخْرُجْ﴾ و ﴿آيَةً﴾ إما منصوبة على الحال بدلا من ﴿بَيْضاءَ﴾ أي تخرج مبينة عن قدرة الله تعالى، وإما منصوبة بتقدير فعل، أي آتيناك آية أخرى.
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً﴾ ﴿لِي﴾ في موضع نصب ظرف ل - ﴿اِجْعَلْ﴾ أو صفة ل ﴿وَزِيراً﴾ فلما تقدم صار منصوبا على الحال.
﴿هارُونَ أَخِي﴾ ﴿هارُونَ﴾ منصوب على البدل من قوله: ﴿وَزِيراً﴾ وهو ممنوع من الصرف للعلمية (التعريف) والعجمة، و ﴿أَخِي﴾ عطف بيان، أو بدل.
стр. 4865
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ ﴿كَثِيراً﴾ منصوب لأنه صفة لمصدر محذوف، أي نسبحك تسبيحا كثيرا.
﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ يقرأ بوصل الهمزة وقطعها، فالوصل دعاء وطلب وهو كالأمر، والقطع فعل مضارع مجزوم؛ لأنه جواب ﴿اِجْعَلْ﴾ على تقدير شرط مقدر، فهو مجزوم بجواب الطلب.
البلاغة:
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ﴾ استعارة، استعار جناح الطير بجنب الإنسان.
﴿بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فيه احتراس: وهو أن يؤتى بشيء يرفع توهم غير المراد، فلو اقتصر على ﴿بَيْضاءَ﴾ لأوهم أن ذلك من برص أو بهق، فاحترس بقوله ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿وَاضْمُمْ﴾ الضم: الجمع ﴿يَدَكَ﴾ اليمنى بمعنى الكف ﴿إِلى جَناحِكَ﴾ إلى جنبك الأيسر تحت العضد، علما بأن أصل الجناح للطائر، ثم أطلق على اليد والعضد والجنب، وهذا هو المراد هنا ﴿تَخْرُجْ﴾ خلاف ما كانت عليه من الأدمة ﴿بَيْضاءَ﴾ مشعة كشعاع الشمس تعشي البصر ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير عاهة أو قبح كالبرص الذي تنفر الطباع منه ﴿آيَةً أُخْرى﴾ معجزة ثانية غير العصا.
﴿لِنُرِيَكَ﴾ أي فعلنا ذلك لنريك بها ﴿مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ هي صفة: ﴿آياتِنَا﴾ أي من آياتنا العظمى الدالة على قدرتنا وعلى رسالتك. وإذا أراد عودها إلى حالتها الأولى، ضمها إلى جناحه كما تقدم، ثم أخرجها ﴿اِذْهَبْ﴾ رسولا ﴿إِلى فِرْعَوْنَ﴾ ومن معه بهاتين الآيتين وادعه إلى العبادة ﴿إِنَّهُ طَغى﴾ جاوز الحد في كفره، وعتوه وتجبره، حتى ادعى الألوهية ﴿اِشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ أي وسعه لتحمل أعباء الرسالة والصبر على مشاقها ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ سهل لي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ أزل تلك العقدة التي في لساني، حدثت في احتراقه بجمرة وضعها بفيه وهو صغير، لئلا ينفر مني الناس ويستخفوا بي ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ يفهموا قولي عند تبليغ الرسالة.
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً﴾ معينا، والأزر: القوة أو الظهر، يقال: آزره: أي قواه وأعانه ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي اجعله شريكا معي في النبوة والرسالة ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ أي تسبيحا كثيرا ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ أي ونذكرك ذكرا كثيرا ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً﴾ عالما بأحوالنا، فأنعمت بالرسالة، ولا نريد بالطاعة إلا رضاك.
стр. 4866
المناسبة:
بعد أن ذكر تعالى معجزة العصا الدالة على صدق رسالة موسى ﵇، وهي المعجزة الأولى، ذكر المعجزة الثانية وهي معجزة اليد البيضاء التي تنقلب مشعة كشعاع الشمس، تعشي البصر.
وبعد هاتين الآيتين أمره الله بالذهاب إلى فرعون، لتبليغ رسالة ربه ودعوته إلى عبادة الله، فدعا موسى ﵇ ربه بأربعة أمور: شرح صدره، وتيسير أمره، وحل عقدة لسانه، وجعل أخيه هارون نبيا وزيرا له، لتقويته، وتعاونه معه في أداء مهمة التبليغ، وذكر الله وعبادته، فصار مطلوب موسى ثمانية أمور، أربع منها وسائل، وأربع أخرى هي غايات.
التفسير والبيان:
هذا برهان ثان لموسى ﵇ على نبوته، وهو أن الله أمره أن يدخل يده في جيبه أو في جناحه (جنبه) معبرا عن الجنب بالجناح، فقال:
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ أي واضمم يا موسى يدك اليمنى أو كفك إلى جناحك (وهو جنبك تحت العضد) واجعلها تحت الإبط الأيسر، تخرج بيضاء لامعة ذات نور ساطع يضيء بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر، من غير عيب كبرص أو أذى أو شين-علما بأن جلد موسى كان أسمر-معجزة أخرى غير العصا، ثم ردها فعادت كما كانت بلونها. وإذا حاول السحرة إبطال معجزة العصا، فإنه لم يحاول أحد إبطال معجزة اليد.
وذلك أن موسى ﵇ كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، تخرج تتلألأ، كأنها فلقة قمر. قال الحسن البصري: أخرجها والله كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه .
стр. 4867
قال الله تعالى في مكان آخر: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ، فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ [القصص ٣٢/ ٢٨]، وعبر تعالى عن الجناح أيضا بالجيب، فقال: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ، تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل ١٢/ ٢٧]، ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [القصص ٣٢/ ٢٨].
﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ فعلنا هذا لنريك بهاتين الآيتين بعض دلائل قدرتنا على كل شيء في السموات والأرض والمخلوقات الموجودات.
وبعد أن أظهر تعالى له هذه الآية أمره بالذهاب إلى فرعون، وبين العلة في ذلك، وهي أنه طغى، فقال:
﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ أي اذهب رسولا إلى فرعون ملك مصر الذي خرجت فارا منه، ومعك ما رأيته من آياتنا الكبرى، وادعه إلى توحيد الله وعبادته، ومره بأن يحسن إلى بني إسرائيل، فإنه كفر وتجاوز قدره والحدود كلها، فآثر الحياة الدنيا وادعى أنه الرب الأعلى.
ولما أمر الله تعالى موسى ﵇ بالذهاب إلى فرعون، وكان ذلك تكليفا شاقا، سأل ربه أمورا ثمانية، ثم ختمها بعلة سؤال تلك الأشياء، فقال:
١ - ﴿قالَ: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قال موسى: رب وسع لي صدري وأزل عنه الضيق فيما بعثتني به، فإنه أمر عظيم وخطب جسيم، وسبب هذا السؤال قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ [الشعراء ١٣/ ٢٦]، فسأل الله تعالى أن يبدل ذلك الضيق بالسعة، ليحتمل أذى الناس وأعباء الرسالة.
٢ - ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ أي سهل علي القيام بما كلفتني به من تبليغ الرسالة، وقوني على مهمتي، فإن لم تكن أنت عوني ونصيري وإلا فلا طاقة لي بذلك.
стр. 4868
٣ - ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ أي وأطلق لساني بالنطق، وأزل ما فيه من العقدة والعي ليفهموا قولي وكلامي بتبليغ الرسالة. وقد كان في لسانه رتة (حبسة) أو لثغة حين عرض عليه وهو صغير التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فكان فيه لكنة، وذلك حين نتف شعرة من ذقن فرعون وهو صغير، فغضب، وتوجس منه شرا، فقالت امرأته: إنه صغير لا يدري شيئا، فأتت له بجمرة وبلحة، فوضع الجمرة على لسانه.
وروي أن الحسين ﵁ كان في لسانه رتة، فقال النبي ﵌: «إن هذه ورثها من عمه موسى».
٤ - ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي﴾ أي واجعل لي عونا ومساعدا لي في بعض أموري، من أهل بيتي هارون أخي، اجعله رسولا، ليتحمل معي أعباء الرسالة. ودعم الأنبياء تقتضيه حاجة نشر الدين، لذا قال عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ، قالَ الْحَوارِيُّونَ: نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ [آل عمران ٥٢/ ٣].
٥ - ٦: ﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي يا رب أحكم به قوتي، واجعله شريكي في أمر الرسالة، حتى نؤدي المطلوب على الوجه الأكمل ونحقق أفضل الغايات. والحاصل أنه شفع له كي يكون نبيا مثله ليعينه، ويشد به أزره (قوته) ويجعله ناصرا له؛ لأنه لا اعتماد على القرابة.
٧ - ٨: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ أي لكي نزهك كثيرا عما لا يليق بك من الصفات والأفعال، ونذكرك كثيرا وحدك دون أن نشرك معك غيرك. قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا.
﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً﴾ أي إنك يا رب كنت عليما بأحوالنا وأحوال
стр. 4869
غيرنا، في اصطفائك لنا، وإعطائك إيانا النبوة، وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون الطاغية الجبار الذي ادعى الألوهية، فنمتثل أمرك، ولك الحمد على ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن إخراج موسى ﵇ يده من جيبه أو جناحه بيضاء لامعة تضيء كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءا: هي المعجزة الثانية بعد معجزة العصا.
٢ - أرسل الله موسى رسولا إلى فرعون الطاغية الذي ادعى الألوهية، وآزرته فئته الباغية في ذلك الادعاء، وأيد الله موسى بالعصا واليد، وأراه ما يدل على أنه رسول.
٣ - دعا موسى ربه، والدعاء نوع من العبادة، لتيسير القيام بمهمته وتحقيقه أحسن الغايات، وقد أجابه ربه لكل ما طلب لقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾، فشرح صدره وأزال عنه الضيق والغم، ويسر أمره وقواه، وانحل أكثر العقد من لسانه، وإن بقي منها شيء قليل، لقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢/ ٤٣] وجعل له أخاه هارون نبيا ليعاونه في أداء الرسالة، والتعاون ضروري لإنجاح المقصود، وآزره وأحكم قوته به، وشاركه في مهمته، وكانا كثيرا ما يسبحان الله وينزهانه عما لا يليق به من نقص كادعاء ولد أو شريك معه، ويذكرانه وحده لا شريك له، عملا بما دعا به موسى ﵇.
٤ - إن الله تعالى عالم بخفيات الأمور، عالم بموسى وأخيه وبأحوال فرعون وغير ذلك، مدرك ما تعرض له موسى في الصغر، فأحسن إليه، ونصره على فرعون وملئه.
стр. 4870
- ٤ -
نعم الله الثمان على موسى قبل النبوة
﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾
الإعراب:
﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ .. ﴿فَاقْذِفِيهِ﴾ ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ في موضع نصب على البدل من ﴿ما﴾. وهاء ﴿اِقْذِفِيهِ﴾ لموسى، وهاء ﴿فَاقْذِفِيهِ﴾ للتابوت.
﴿وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ ﴿فُتُوناً﴾ إما منصوب على المصدر (مفعول مطلق) مثل: ضربت ضربا، وإما منصوب بحذف حرف الجر، أي فتناك بفتون، ومعناه: وفتناك بأنواع من الفتن.
البلاغة:
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ استعارة تبعية، شبه اختياره للمحبة والرسالة والتكريم والتكليم بمن يختاره الملك للمهام الجليلة، لما يرى فيه من المقومات والخصال الحميدة، لئلا يكون أحد أقرب منزلة منه إليه.