المناسبة:
بعد أن ذكر تعالى معجزة العصا الدالة على صدق رسالة موسى ﵇، وهي المعجزة الأولى، ذكر المعجزة الثانية وهي معجزة اليد البيضاء التي تنقلب مشعة كشعاع الشمس، تعشي البصر.
وبعد هاتين الآيتين أمره الله بالذهاب إلى فرعون، لتبليغ رسالة ربه ودعوته إلى عبادة الله، فدعا موسى ﵇ ربه بأربعة أمور: شرح صدره، وتيسير أمره، وحل عقدة لسانه، وجعل أخيه هارون نبيا وزيرا له، لتقويته، وتعاونه معه في أداء مهمة التبليغ، وذكر الله وعبادته، فصار مطلوب موسى ثمانية أمور، أربع منها وسائل، وأربع أخرى هي غايات.
التفسير والبيان:
هذا برهان ثان لموسى ﵇ على نبوته، وهو أن الله أمره أن يدخل يده في جيبه أو في جناحه (جنبه) معبرا عن الجنب بالجناح، فقال:
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ أي واضمم يا موسى يدك اليمنى أو كفك إلى جناحك (وهو جنبك تحت العضد) واجعلها تحت الإبط الأيسر، تخرج بيضاء لامعة ذات نور ساطع يضيء بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر، من غير عيب كبرص أو أذى أو شين-علما بأن جلد موسى كان أسمر-معجزة أخرى غير العصا، ثم ردها فعادت كما كانت بلونها. وإذا حاول السحرة إبطال معجزة العصا، فإنه لم يحاول أحد إبطال معجزة اليد.
وذلك أن موسى ﵇ كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، تخرج تتلألأ، كأنها فلقة قمر. قال الحسن البصري: أخرجها والله كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه .
стр. 4867
قال الله تعالى في مكان آخر: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ، فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ [القصص ٣٢/ ٢٨]، وعبر تعالى عن الجناح أيضا بالجيب، فقال: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ، تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل ١٢/ ٢٧]، ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [القصص ٣٢/ ٢٨].
﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ فعلنا هذا لنريك بهاتين الآيتين بعض دلائل قدرتنا على كل شيء في السموات والأرض والمخلوقات الموجودات.
وبعد أن أظهر تعالى له هذه الآية أمره بالذهاب إلى فرعون، وبين العلة في ذلك، وهي أنه طغى، فقال:
﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ أي اذهب رسولا إلى فرعون ملك مصر الذي خرجت فارا منه، ومعك ما رأيته من آياتنا الكبرى، وادعه إلى توحيد الله وعبادته، ومره بأن يحسن إلى بني إسرائيل، فإنه كفر وتجاوز قدره والحدود كلها، فآثر الحياة الدنيا وادعى أنه الرب الأعلى.
ولما أمر الله تعالى موسى ﵇ بالذهاب إلى فرعون، وكان ذلك تكليفا شاقا، سأل ربه أمورا ثمانية، ثم ختمها بعلة سؤال تلك الأشياء، فقال:
١ - ﴿قالَ: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قال موسى: رب وسع لي صدري وأزل عنه الضيق فيما بعثتني به، فإنه أمر عظيم وخطب جسيم، وسبب هذا السؤال قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ [الشعراء ١٣/ ٢٦]، فسأل الله تعالى أن يبدل ذلك الضيق بالسعة، ليحتمل أذى الناس وأعباء الرسالة.
٢ - ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ أي سهل علي القيام بما كلفتني به من تبليغ الرسالة، وقوني على مهمتي، فإن لم تكن أنت عوني ونصيري وإلا فلا طاقة لي بذلك.
стр. 4868
٣ - ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ أي وأطلق لساني بالنطق، وأزل ما فيه من العقدة والعي ليفهموا قولي وكلامي بتبليغ الرسالة. وقد كان في لسانه رتة (حبسة) أو لثغة حين عرض عليه وهو صغير التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فكان فيه لكنة، وذلك حين نتف شعرة من ذقن فرعون وهو صغير، فغضب، وتوجس منه شرا، فقالت امرأته: إنه صغير لا يدري شيئا، فأتت له بجمرة وبلحة، فوضع الجمرة على لسانه.
وروي أن الحسين ﵁ كان في لسانه رتة، فقال النبي ﵌: «إن هذه ورثها من عمه موسى».
٤ - ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي﴾ أي واجعل لي عونا ومساعدا لي في بعض أموري، من أهل بيتي هارون أخي، اجعله رسولا، ليتحمل معي أعباء الرسالة. ودعم الأنبياء تقتضيه حاجة نشر الدين، لذا قال عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ، قالَ الْحَوارِيُّونَ: نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ [آل عمران ٥٢/ ٣].
٥ - ٦: ﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي يا رب أحكم به قوتي، واجعله شريكي في أمر الرسالة، حتى نؤدي المطلوب على الوجه الأكمل ونحقق أفضل الغايات. والحاصل أنه شفع له كي يكون نبيا مثله ليعينه، ويشد به أزره (قوته) ويجعله ناصرا له؛ لأنه لا اعتماد على القرابة.
٧ - ٨: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ أي لكي نزهك كثيرا عما لا يليق بك من الصفات والأفعال، ونذكرك كثيرا وحدك دون أن نشرك معك غيرك. قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا.
﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً﴾ أي إنك يا رب كنت عليما بأحوالنا وأحوال
стр. 4869
غيرنا، في اصطفائك لنا، وإعطائك إيانا النبوة، وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون الطاغية الجبار الذي ادعى الألوهية، فنمتثل أمرك، ولك الحمد على ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن إخراج موسى ﵇ يده من جيبه أو جناحه بيضاء لامعة تضيء كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءا: هي المعجزة الثانية بعد معجزة العصا.
٢ - أرسل الله موسى رسولا إلى فرعون الطاغية الذي ادعى الألوهية، وآزرته فئته الباغية في ذلك الادعاء، وأيد الله موسى بالعصا واليد، وأراه ما يدل على أنه رسول.
٣ - دعا موسى ربه، والدعاء نوع من العبادة، لتيسير القيام بمهمته وتحقيقه أحسن الغايات، وقد أجابه ربه لكل ما طلب لقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾، فشرح صدره وأزال عنه الضيق والغم، ويسر أمره وقواه، وانحل أكثر العقد من لسانه، وإن بقي منها شيء قليل، لقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢/ ٤٣] وجعل له أخاه هارون نبيا ليعاونه في أداء الرسالة، والتعاون ضروري لإنجاح المقصود، وآزره وأحكم قوته به، وشاركه في مهمته، وكانا كثيرا ما يسبحان الله وينزهانه عما لا يليق به من نقص كادعاء ولد أو شريك معه، ويذكرانه وحده لا شريك له، عملا بما دعا به موسى ﵇.
٤ - إن الله تعالى عالم بخفيات الأمور، عالم بموسى وأخيه وبأحوال فرعون وغير ذلك، مدرك ما تعرض له موسى في الصغر، فأحسن إليه، ونصره على فرعون وملئه.
стр. 4870
- ٤ -
نعم الله الثمان على موسى قبل النبوة
﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾
الإعراب:
﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ .. ﴿فَاقْذِفِيهِ﴾ ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ في موضع نصب على البدل من ﴿ما﴾. وهاء ﴿اِقْذِفِيهِ﴾ لموسى، وهاء ﴿فَاقْذِفِيهِ﴾ للتابوت.
﴿وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ ﴿فُتُوناً﴾ إما منصوب على المصدر (مفعول مطلق) مثل: ضربت ضربا، وإما منصوب بحذف حرف الجر، أي فتناك بفتون، ومعناه: وفتناك بأنواع من الفتن.
البلاغة:
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ استعارة تبعية، شبه اختياره للمحبة والرسالة والتكريم والتكليم بمن يختاره الملك للمهام الجليلة، لما يرى فيه من المقومات والخصال الحميدة، لئلا يكون أحد أقرب منزلة منه إليه.
стр. 4871
المفردات اللغوية:
﴿سُؤْلَكَ﴾ مسئولك، أي مطلوبك ﴿مَنَنّا﴾ أنعمنا ﴿إِذْ﴾ للتعليل ﴿أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ﴾ ألهمنا أو في المنام، لما ولدتك وخافت أن يقتلك فرعون في جملة من يولد، كما أوحى إلى مريم، وإلى النحل، وإلى الحواريين وليس وحيا على جهة النبوة ﴿ما يُوحى﴾ في أمرك ﴿اِقْذِفِيهِ﴾ ألقيه واطرحيه أي ألقي موسى الصغير في التابوت ﴿فَاقْذِفِيهِ﴾ فألقي التابوت ﴿فِي الْيَمِّ﴾ البحر، والمراد هنا نهر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ الشاطئ، والأمر هنا بمعنى الخبر ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ وهو فرعون ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ أي محبة كائنة مني، لتصبح محبوبا بين الناس، فأحبك فرعون وكل من رآك ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ وتربى على رعايتي وحفظي لك بمرأى مني.
﴿إِذْ تَمْشِي﴾ إذ للتعليل ﴿أُخْتُكَ﴾ مريم، لتتعرف على خبرك، وقد أحضروا مراضع وأنت لا تقبل ثدي واحدة منهن ﴿يَكْفُلُهُ﴾ يضمه إلى نفسه ويصبح كافلا له، فأجيبت، فجاءت بأمه، فقبل ثديها ﴿تَقَرَّ عَيْنُها﴾ تسر بلقائك ﴿وَلا تَحْزَنَ﴾ بفراقك وأنت بفراقها وفقد شفقتها ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً﴾ هو القبطي بمصر الذي استغاثه عليه الإسرائيلي، فاغتممت لقتله خوفا من فرعون ﴿الْغَمِّ﴾ غم قتله، خوفا من عقاب الله تعالى، والغم: الكدر الحادث من خوف شيء أو فوات مقصود ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ اختبرناك بأنواع من الابتلاء، فخلصناك مرة بعد أخرى. والفتون:
الابتلاء والاختبار بالمحن، ثم تخليصه منها. وهو إجمال لما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن، وترك الأصحاب، والمشي راجلا على حذر، وفقد الزاد، وأجر نفسه، وغير ذلك أثناء مسيره من مصر إلى مدين، ومدين: على ثماني مراحل من مصر، وهي جنوب فلسطين (١).
﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ أقمت في أهل مدين عشر سنين، بعد مجيئك إليها من مصر عند شعيب النبي وتزوجك بابنته ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قدرته في علمي لأن أكلمك وأكلفك بالرسالة، وهو أربعون سنة ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ اخترتك بالرسالة والمحبة. وكرر: ﴿يا مُوسى﴾ للتنبيه على غاية القصة وهي التكليم.
المناسبة:
بعد أن سأل موسى ربه أمورا ثمانية، ذكر تعالى هنا أنه أجابه إليها، ليتمكن
стр. 4872
من تبليغ رسالته، ثم ذكره بنعمه السالفة عليه قبل النبوة، وعد له ثماني نعم عظام وهي: إلهام أمه صنع صندوق وإلقاؤه وهو رضيع في النيل: ﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ﴾. وإلقاء محبة الله عليه بحيث لا يراه أحد إلا أحبه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾. وحفظ الله له ورعايته:
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾. وعودته إلى أمه للرضاع والحضانة: ﴿فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾. ونجاته من القصاص بقتل القبطي: ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ﴾. وابتلاؤه بالفتن: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾. ومقاساته الفقر والغربة مع أهل مدين: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾. وتكليم الله له واختياره للنبوة والرسالة والهداية: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى، وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
التفسير والبيان:
أجاب الله تعالى في هذه الآيات دعاء موسى ﵇، وذكره بنعمه السالفة عليه، فقال:
﴿قالَ: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ أي قال الله لموسى: قد أعطيتك ما سألته من الأمور الثمانية، من شرح الصدر، وتيسير الأمر، وحل العقدة، ونبوة هارون، وشد أزره به، وإشراكه في أمر الرسالة، والتمكين من التسبيح الكثير، والتذكر الكثير لله .
﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ أي ولقد أحسنا وتفضلنا عليك بنعم سابقة كثيرة قبل النبوة وهي:
١ - ﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ، فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ، يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ أي مننا عليك حين ألهمنا أمك لإنقاذك من فرعون، أن تضعك في تابوت (صندوق من خشب أو غيره) ثم تطرح هذا التابوت في البحر (اليم) وهو هنا نهر النيل، وأمرنا النيل
стр. 4873
بإلقائك على الشط قبالة منزل فرعون، فأخذك فرعون عدو الله وسيصير عدوا لك في المستقبل. فبينا فرعون جالس على رأس بركة بالساحل إذ بالصندوق، فأمر به، فأخرج، ففتح، فإذا صبي جميل صبيح الوجه، فأحبه حبا شديدا هو وزوجته، كما قال تعالى:
٢ - ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ أي ألقيت عليك محبة كائنة مني في قلوب العباد، لا يراك أحد إلا أحبك، فأحبك فرعون وزوجه التي قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ [القصص ٩/ ٢٨].
٣ - ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ أي ولتتربى بمرأى مني وفي ظل رعايتي.
٤ - ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ، فَتَقُولُ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ؟ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ﴾ أي خرجت أختك تمشي على الشاطئ، تسير بسير التابوت، تتابعه بنظراتها لترى في أي مكان يستقر، فوجدت فرعون وامرأته يطلبان له مرضعة، فقالت: هل أدلكم على من يربيه ويحفظه؟ فجاءت بالأم، فقبل ثديها، وكان لا يقبل ثدي مرضعة أخرى غيرها، فرددناك إلى أمك بألطافنا، ليحصل لها السرور برجوع ولدها إليها، بعد أن طرحته في البحر، وعظم عليها فراقه.
٥ - ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً، فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي قتلت القبطي الذي وكزته حين استغاث بك الإسرائيلي، وكان قتلا خطأ، فنجيناك من الغم الحاصل عندك من قتله خوفا من العقوبة، بالفرار إلى مدين، فنجوت من الحبس والقتل والتعذيب.
٦ - ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ أي اختبرناك مرة بعد مرة بما أوقعناك فيه من المحن المذكورة، قبل أن يصطفيك الله لرسالته، حتى صلحت للقيام بالرسالة لفرعون ولبني إسرائيل.
стр. 4874
٧ - ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ أي فأقمت ومكثت سنين مع أهل مدين بأرض العرب على ثماني مراحل من مصر، عانيت فيها من الفقر والغربة الشيء الكثير، حتى آجرت نفسك لشعيب لترعى غنمه مدة عشر سنين كانت مهر امرأتك.
﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ أي أتيت في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأجعلك نبيا.
٨ - ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أي اخترتك برسالاتي وبكلامي لإقامة حجتي، وجعلتك رسولا بيني وبين خلقي لتبليغ الدين، والهداية إلى التوحيد والشرع القويم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - لما سأل موسى ﵇ ربه الأمور الثمانية، أجاب سؤله، وحقق مطلوبه ومرغوبه، فضلا من الله ونعمة، ورحمة ومنة.
٢ - وبعد إجابة دعائه، ذكره الله بما أنعم عليه من النعم الثماني التي أنعم بها عليه، قبل سؤاله، وتتلخص في حفظه سبحانه له من شر الأعداء والقتل من ابتداء حياته، وحين شبابه.
٣ - كان الإيحاء من الله لأم موسى بصنع الصندوق وقذفه في البحر إلهاما أو رؤيا رأتها في المنام، فقد اتفق الأكثرون على أن أم موسى ﵇ ما كانت من الأنبياء والرسل، فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء ٧/ ٢١].
стр. 4875
وأيضا جاء في القرآن الوحي لا بمعنى النبوة، قال تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل ٦٨/ ١٦] وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة ١١١/ ٥].
٤ - من عجائب فعل الله وتدبيره وصنعه أن ينجي الله موسى الرضيع من قتل فرعون، وأن يتربى في بيت فرعون على مائدته، وأن يكون سببا في هلاك فرعون وإغراقه في البحر مع ملئه وقومه.
٥ - معنى محبة الله تعالى لموسى: إيصال النفع إلى عباده، بتهيئته للرسالة منذ الصغر، واستمرار ذلك حال الكبر إلى آخر عمره.
٦ - ومن تدبير الله الخفي أن موسى الرضيع لم يقبل ثدي أحد من المراضع، حتى أقبلت أخته المتجاهلة أمره، فأخذته ووضعته في حجرها وناولته ثديها، فمصه وفرح به، فقالوا لها: تقيمين عندنا؟ فقالت: إنه لا لبن لي، ولكن أدلكم على من يكفله وهم له ناصحون، قالوا: ومن هي؟ قالت: أمي، فقالوا: لها لبن؟ قالت: لبن أخي هارون، وكان هارون أكبر من موسى بسنة، وقيل:
بثلاث، وقيل: بأربع. وذلك أن فرعون رحم بني إسرائيل فرفع عنهم القتل أربع سنين، فولد هارون فيها، كما قال ابن عباس. فجاءت الأم فقبل ثديها.
٧ - ليس هناك في الدنيا بعد النبي أشد عاطفة من عاطفة الأم على ولدها، بخلق الله وتقديره بإفرازها الحنان على ولدها من خلايا خاصة بها، لذا حزنت أم موسى وقلقت على ابنها بعد إلقائه في البحر، ولكن الله الرحيم بعباده رد إليها ابنها، وأقر عينها، وأزال حزنها وغمها.
٨ - لم يكن قتل موسى قبطيا كافرا عمدا، وإنما كان خطأ، وقبل النبوة حال الصغر، قال كعب كما روى مسلم في صحيحة: وكان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة.
стр. 4876
٩ - آمن الله موسى من الخوف والقتل والحبس، واختبره اختبارا عسيرا شاقا في مراحل حياته أثناء الشباب، حتى صلح للرسالة.
١٠ - أتم موسى ﵇ عشر سنوات في رعي غنم شعيب الرجل الصالح مهرا لامرأته، وهو أتم الأجلين. وقال وهب: لبث موسى عند شعيب ثماني وعشرين سنة، منها عشر مهر امرأته «صفورا» ابنة شعيب، وثماني عشرة إقامة عنده حتى ولد له عنده.
١١ - بعد مرور موسى بمحن كثيرة حان وقت نبوته، فجاء في وقت مقدر سابقا في علم الله وقضائه، موافقا للنبوة والرسالة؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة.
فاصطفاه الله واختاره لوحيه ورسالته، وأرسله إلى فرعون وملئه. وتتمة القصة في الآيات التالية.
أخرج البخاري ومسلم في تفسير الاصطفاء عن أبي هريرة عن رسول الله ﵌ قال: «التقى آدم وموسى، فقال موسى: أنت الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: وأنت الذي اصطفاك الله برسالته، واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدته مكتوبا علي قبل أن يخلقني، قال: نعم، فحج آدم موسى».
стр. 4877
- ٥ -
التوجيهات لموسى وهارون في دعوة فرعون
﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (٤٨)﴾
المفردات اللغوية:
﴿بِآياتِي﴾ بمعجزاتي التسع كالعصا واليد البيضاء، فإن فرعون لما قال لموسى: فأت بآية، ألقى العصا ونزع اليد، وقال: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ﴾. ﴿وَلا تَنِيا﴾ لا تفترا ولا تقصرا ﴿فِي ذِكْرِي﴾ أي لا تنسياني حيثما تقلبتما بتسبيح وغيره، واتخذا ذكري عونا ومددا وتأييدا مني إليكما. قال الزمخشري: ويجوز أن يريد بالذكر: تبليغ الرسالة، فإن الذكر يقع على سائر العبادات، وتبليغ الرسالة من أجلها وأعظمها.
وأما وقت نبوة هارون: فروي أن الله تعالى أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى، وقيل: سمع بمقبله، وقيل: ألهم ذلك، وخوطب مع أخيه موسى لأنه كان تابعا، وموسى متبوعا.
﴿طَغى﴾ تجاوز الحد بادعائه الربوبية ﴿قَوْلاً لَيِّناً﴾ فيه تلطف وبعد عن الغلظة والشدة، نحو قوله تعالى: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات ١٨/ ٧٩ - ١٩]. ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ يتأمل ويتعظ فيؤمن. وقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ متعلق باذهبا، أو قولا، أي باشرا الأمر على رجاء وطمع منكما أنه يثمر. والفائدة في إرسالهما مع علمه تعالى بأنه-أي فرعون-لا يؤمن: إلزام الحجة وقطع المعذرة ﴿يَخْشى﴾ أي يخاف من بطش
стр. 4878
الله وعذابه. وقدم التذكر على الخشية؛ لأن التذكر للمتحقق، والخشية للمتوهم، أي إن لم يتحقق صدقكما، ولم يتذكر، فلا أقل من أن يتوهمه، فيخشى. ﴿يَفْرُطَ﴾ يعجل بالعقوبة ﴿أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ علينا، أي يتكبر ويزداد طغيانا ﴿إِنَّنِي مَعَكُما﴾ بالعون والحفظ والنصرة ﴿أَسْمَعُ﴾ ما يقول ﴿وَأَرى﴾ ما يفعل، بل أسمع وأرى ما يجزي بينكما من قول أو فعل، فأصرف شره عنكما.
﴿فَأْتِياهُ﴾ قابلاه مواجهة ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أطلقهم من الأسر، ودعهم يذهبون معنا إلى الشام ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ ولا تبقهم عندك معذبين بالتكاليف الصعبة والأشغال الشاقة كالحفر والبناء وحمل الأثقال، وقتل الولدان، وهذا دليل على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي بحجة على صدقنا بالرسالة. وهي جملة مقررة لما تضمنه الكلام السابق من دعوى الرسالة. وإنما وحد الآية وكان معه آيتان؛ لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها، فالمراد: جنس الآية، لا الإشارة إلى وحدة الحجة وتعددها.
﴿وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى﴾ أي السلامة من العذاب في الدارين، لمن صدق بآيات الله الدالة على الحق ﴿كَذَّبَ﴾ ما جئنا به ﴿وَتَوَلّى﴾ أعرض عنه. ويلاحظ أنه قدم البشارة بالسلام للترغيب وعملا بسياسة اللين المأمور بها، ثم جاء التصريح بالوعيد والتوكيد فيه؛ لأن العقاب مؤيد والتهديد مهم.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى النعم الثماني على موسى في مقابل طلباته الثمانية، ذكر هنا الأوامر والنواهي أو التوجيهات التي ينفذها هو وأخوه هارون، كالتعليمات التي تعطى للرسل والسفراء والقناصل لدى الذهاب في مهمة إلى دولة أخرى، للتوصل إلى نجاح المهمة، وأداء الرسالة على أكمل وجه، والخلاصة: أنه لما قال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ عقبه بذكر ما لأجله اصطنعه، وهو الإبلاغ والأداء.
التفسير والبيان:
هذه هي الأوامر والنواهي الصادرة من الله لموسى وأخيه، فقال تعالى:
﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ أي اذهب يا موسى مع أخيك إلى فرعون وقومه بحججي وبراهيني ومعجزاتي التي جعلتها لك آية وعلامة على
стр. 4879
النبوة، وهي التسع آيات التي أنزلت عليك، ولا تضعفا، ولا تفترا عن ذكر الله، ولا عن تبليغ الرسالة إليهم، فإن ذكر الله عون وقوة وسلطان، كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي عن عمارة بن دسكرة: «إن عبدي كل عبدي:
الذي يذكرني وهو مناجز قرنه» أي نظيره في الشجاعة والحرب. والذكر يقع على كل العبادات، وتبليغ الرسالة من أعظمها، وذلك بأن يبينا لهم أن الله أرسلهما مبشرين ومنذرين، وأنه لا يرضى منهم بالكفر، ويذكرا لهما أمر الثواب والعقاب والترغيب والترهيب.
﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ اذهبا إلى فرعون، وأبطلا دعواه الألوهية بالحجة والبرهان؛ لأنه جاوز الحد في الكفر والتمرد، وتجبر على الله وعصاه، حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ [النازعات ٢٤/ ٧٩].
وبدأ بفرعون لأنه الحاكم، فإذا آمن تبعه الرعية، ثم بين الله تعالى أسلوب الدعوة، فقال:
﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً، لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ أي فكلماه كلاما رقيقا لطيفا لا خشونة فيه، وخاطباه بالقول اللين، فذلك أدعى به وأحرى أن يفكر فيما تبلغانه، ويخشى عقاب الله الموعود به على لسانكما. والمراد تركهما التعنيف، كقولهما: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى.﴾.
[النازعات ١٨/ ٧٩ - ١٩] لأن نفس الحاكم مستعلية قاسية، لا تقبل القسر والقسوة، وتلين للمديح والاستعطاف. وكلمة «لعل» هنا لتوقع حصول ما بعدها، واحتمال تحققه، فالتوقع فيها من البشر، أي على أن تكونا راجيين لأن يتذكر أو يخشى. والخطاب وإن كان مع موسى، فإن هارون تابع له، فجعل الخطاب معه خطابا مع هارون.
وفي هذه الآية عبرة وعظة وهي أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا
стр. 4880
بالملاطفة واللين، كما قال تعالى: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥/ ١٦].
فأجاب موسى وهارون بقولهما:
﴿قالا: رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ أي قال موسى وهارون: يا ربنا، إننا نخاف من فرعون إن دعوناه إلى التوحيد وعبادتك، أن يعجل ويبادر بعقوبتنا، ويشتط في أذيتنا ويعتدي علينا، لتجبره وعتوه وقساوته.
﴿قالَ: لا تَخافا، إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ أي قال الله لموسى وهارون:
لا تخافا من فرعون، فإنني معكما بالنصر والتأييد، والحفظ والعون عليه، وإنني سميع لما يجري بينكما وبينه، ولست بغافل عنكما، وأرى كل ما يقع، فأصرف شره عنكما. والمراد أنه تعالى حثهما على التبليغ بجرأة وحكمة، وتكفل لهما بالحفظ والمعونة والنصرة والوقاية من شر فرعون وغضبه. وتدل هذه الآية على أن كونه تعالى سميعا بصيرا صفتان زائدتان على العلم؛ لأن قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُما﴾ دل على العلم، و ﴿أَسْمَعُ وَأَرى﴾ على السمع والبصر.
﴿فَأْتِياهُ فَقُولا: إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ أي فأتياه في مجلسه وقابلاه وقولا له:
إن الله أرسلنا إليك. وقوله ﴿رَبِّكَ﴾ إشارة إلى أن الرب الحقيقي هو الله، وأن دعواك الربوبية لنفسك لا معنى لها.
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ أي أطلق سراح بني إسرائيل من الأسر، وخل عنهم، ولا تعذبهم بتذبيح أبنائهم، واستحياء نسائهم، وتكليفهم مالا يطيقون من السخرة في أعمال البناء والحفر ونقل الأحجار. وإنما بدأ موسى وهارون بهذا الطلب لأنه أخف وأسهل من الدعوة المباشرة إلى الإيمان بالله تعالى.
стр. 4881
﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ، وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى﴾ أي قد أتيناك بمعجزة ودلالة وعلامة من ربك على أنا مرسلون لك، والسلامة والأمن من سخط الله ومن عذابه على من اتبع هدى ربه، فآمن برسله، واسترشد بآياته الداعية إلى الحق والخير وترك الظلم والضلال. وهذا ليس بتحية. والعبارة الأخيرة كانت تكتب في مكاتبات النبي ﵌ إلى الملوك والأمراء يدعوهم فيها إلى الإسلام.
مثل كتاب الرسول ﵌ إلى هرقل عظيم الروم، ونصه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد:
فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين».
ولما كتب مسيلمة الكذاب إلى رسول الله ﵌ كتابا صورته:
«من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد: فإني قد أشركتك في الأمر، فلك المدر، ولي الوبر، ولكن قريش قوم يعتدون».
فكتب إليه رسول الله ﵌:
«من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين».
﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ أي إننا وجهنا لك النصح والإرشاد؛ لأن الله أخبرنا فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم: أن العذاب متمحض خالص لمن كذب بآيات الله وبما ندعو إليه من توحيده، وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾ [النازعات ٣٧/ ٧٩ - ٣٩]، وقال سبحانه: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى، لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ [الليل ١٤/ ٩٢ - ١٦]، وقال
стр. 4882
عز وجل: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى، وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ [القيامة ٣١/ ٧٥ - ٣٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - ربط الله تعالى بين اصطناع موسى لنفسه، أي اختياره لوحيه ورسالته، وبين ما اختاره له، وهو إبلاغ الرسالة، وأداء الوحي إلى الناس.
٢ - أيد الله تعالى موسى وأخاه هارون ﵉ بتسع آيات أنزلت على موسى، لتكون دليلا وآية على النبوة، ومعجزة تثبت الصدق، وبرهانا لفرعون وقومه على أن موسى وأخاه هارون أرسلهما الله إليهم.
٣ - أمر الله تعالى موسى وهارون بالذهاب إلى دعوة فرعون إلى عبادة الله والإقرار بربوبيته وألوهيته وحده لا شريك له، وقد خاطب أولا موسى وحده تشريفا له، ثم كرر الخطاب له مع أخيه للتأكيد.
٤ - قوله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ دليل على جواز الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة، وضمنت له العصمة، فنحن أولى بذلك، وحينئذ يحصل الآمر أو الناهي على مرغوبه، ويظفر بمطلوبه.
والقول اللين: هو القول الذي لا خشونة فيه.
٥ - الخوف من عدوان الظلمة العتاة الجبابرة كفرعون من طبيعة البشر، لذا لم يكن مستغربا أن يقول موسى وهارون: ﴿إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ أي أن يشطط في أذيتنا أو يعتدي علينا.
٦ - قال العلماء: لما لحقهما-أي موسى وهارون-ما يلحق البشر من الخوف
стр. 4883
على أنفسهما، عرفهما الله سبحانه أن فرعون لا يصل إليهما ولا قومه. وهذه الآية رد على من قال: إنه لا يخاف؛ والخوف من الأعداء سنة الله في أنبيائه وأوليائه مع معرفتهم به وثقتهم.
لذا حكى القرآن عن موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص ٢١/ ٢٨]، وقال: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص ١٨/ ٢٨]، وقال حين ألقى السحرة حبالهم وعصيهم: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى، قُلْنا: لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ [طه ٦٧/ ٢٠ - ٦٨]، وقال في الآيات المتقدمة في هذه السورة: ﴿خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى﴾.
ومنه حفر النبي ﵌ الخندق حول المدينة تحصينا للمسلمين وأموالهم، مع كونه من التوكل والثقة بربه بمحل لم يبلغه أحد. ثم كان من أصحابه ما لا يجهله أحد من تحولهم عن منازلهم، مرة إلى الحبشة، ومرة إلى المدينة، تخوفا على أنفسهم من مشركي مكة، وهربا بدينهم أن يفتنوهم عنه بتعذيبهم.
قال العلماء: فالمخبر عن نفسه بخلاف ما طبع الله نفوس بني آدم عليه كاذب، وقد طبعهم على الهرب مما يضرها ويؤلمها أو يتلفها.
٧ - العصمة للأنبياء من الله تعالى وحده، لذا قال لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ أي إنه معهما بالنصر والمعونة والقدرة على فرعون. والسماع والبصر: عبارة عن الإدراك الذي لا تخفى معه خافية.
والآية دليل كما تقدم على العلم الإلهي، وعلى كونه تعالى سميعا وبصيرا.
٨ - كان أول مطلب موسى وهارون من فرعون إطلاق سراح بني إسرائيل من الأسر، وإنقاذهم من السخرة والتعب في العمل؛ لأن بني إسرائيل كانوا عند فرعون في عذاب شديد، يذبح أبناءهم، ويستخدم نساءهم، ويكلفهم من العمل في الطين واللبن وبناء المدائن ما لا يطيقونه.
стр. 4884
٩ - كان خطاب موسى وهارون في غاية اللطف واستعمال المنطق، فقالا له: قد جئناك بآية دالة على نبوتنا ورسالتنا إليك، ومن اتبع الهدى سلم من سخط الله وعذابه، وليس هذا بتحية، بدليل أنه ليس بابتداء لقاء ولا خطاب.
وأضافا أيضا في كلامهما: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب أي الهلاك والدمار في الدنيا، والخلود في جهنم في الآخرة على من كذب أنبياء الله، وتولى، أي أعرض عن الإيمان. قال ابن عباس: هذه أرجى آية للموحدين؛ لأنهم لم يكذبوا ولم يتولوا.
- ٦ -
الحوار بين فرعون وموسى حول الربوبية
﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى (٥٣) كُلُوا وَاِرْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥)﴾
الإعراب:
﴿قالَ: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾: ﴿عِلْمُها﴾: مبتدأ، و ﴿فِي كِتابٍ﴾: خبره، و ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾: ظرف يتعلق بالخبر، وتقديره: علمها كائن في كتاب عند ربي. ويحتمل أن يكون ﴿عِنْدَ
стр. 4885
رَبِّي﴾ في موضع نصب على الحال: لأنه في الأصل صفة لكتاب وهو نكرة، فلما تقدمت صفة النكرة عليها، وجب النصب على الحال. ويحتمل أن يكون ﴿فِي كِتابٍ﴾ بدلا من قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ ويكون ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ خبر المبتدأ.
و ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾ أي لا يضل ربي عنه، فحذف الجار والمجرور، كما حذفا في آية ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ [النازعات ٤١/ ٧٩] أي المأوى له.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أو صفة لربي، أو منصوب على المدح.
﴿كُلُوا وَارْعَوْا﴾ حال من ضمير أخرجنا، أي مبيحين لكم الأكل ورعي الأغنام.
البلاغة:
﴿نُعِيدُكُمْ﴾ و ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ بينهما طباق.
﴿فَأَخْرَجْنا﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم.
﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ مقابلة، قابل بين ﴿مِنْها﴾ و ﴿فِيها﴾ وبين الخلق والإعادة.
المفردات اللغوية:
﴿قالَ﴾: فرعون. ﴿فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى﴾؟ إنما خاطب الاثنين، وخص موسى بالنداء؛ لأنه الأصل، وهارون وزيره وتابعه. ﴿أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي منح كل نوع من المخلوقات صورته وشكله الذي يطابق كماله، ويناسب خواصه ومنافعه، ومميزاته التي يتميز بها من غيره. ﴿ثُمَّ هَدى﴾ ثم عرفه كيف يرتفق بما أعطي له.
﴿قالَ﴾ فرعون. ﴿فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة.
والبال في الأصل: الفكر، يقال: خطر ببالي كذا، ثم أطلق هنا على الحال المعني بها.
و ﴿الْقُرُونِ﴾ الأمم، مثل قوم نوح وهود ولوط وصالح في عبادتهم الأوثان.
﴿قالَ﴾ موسى. ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ﴾ أي علم حالهم محفوظ عند ربي في اللوح المحفوظ، يجازيهم عليها يوم القيامة. والمراد أن حالهم غيب لا يعلمه إلا الله، وقصد بذلك كما علم الله الذي لا يضيع منه شيء. ﴿لا يَضِلُّ﴾ لا يخطئ مكان الشيء، والضلال: أن تخطئ الشيء في مكانه، فلم تهتد إليه. ﴿وَلا يَنْسى﴾ ربي شيئا، والنسيان: عدم تذكر الشيء بحيث لا يخطر ببالك. وهما محالان على الله العالم بالذات.
стр. 4886
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ أي هو الذي جعل للناس في جملة الخلق. ﴿مَهْداً﴾ وقرئ: مهادا، أي فراشا، أي جعل الأرض كالمهد تتمهدونها. والمهد: مصدر سمي به، والمهاد: اسم ما يمهد كالفراش، أو جمع مهد.
﴿وَسَلَكَ﴾ سهل. ﴿سُبُلاً﴾ طرقا، أي جعل لكم فيها طرقا بين الجبال والأودية والبراري، تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها. ﴿السَّماءِ﴾ مطرا. ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً﴾ أصنافا وفيه التفات من لفظ الغيبة إلى صيغة المتكلم، على الحكاية لكلام الله تعالى، للتنبيه على ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، وللإشعار بأنه تعالى مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته. ﴿مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ شتى صفة. ﴿أَزْواجاً﴾ أي مختلفة الألوان والطعوم، و ﴿شَتّى﴾ جمع شتيت، كمريض ومرضى، من شت الأمر: تفرق.
﴿كُلُوا﴾ منها. ﴿وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ﴾ فيها، والأنعام جمع نعم: وهي الإبل والبقر والغنم.
والأمر للإباحة وتذكير النعمة. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور هنا. ﴿لَآياتٍ﴾ لدلالات. ﴿لِأُولِي النُّهى﴾ أصحاب العقول، جمع نهية، كغرفة وغرف، سمي به العقل؛ لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح.
﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ﴾ من الأرض، فإن التراب أصل خلقة أول آبائكم وأول مواد أبدانكم.
﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ بالموت، وتفكيك الأجزاء. ﴿وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ﴾ عند البعث. ﴿تارَةً أُخْرى﴾ مرة أخرى، كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم.
المناسبة:
بعد مبادرة موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون امتثالا لأمر الله، ووصولهما إلى قصر فرعون، والإذن لهما بالدخول بعد انتظار طويل، وصف الله تعالى الحوار الذي دار بينه وبينهما، فسألهما سؤال إنكار للرب تكبرا وتجبرا، بعد أن أثبت نفسه ربا في قوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾. فاستدل موسى على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات.
التفسير والبيان:
﴿قالَ: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى﴾ أي إذا كنتما رسولي ربكما إلي، فأخبراني:
من ربكما الذي أرسلكما؟ ويلاحظ أنه أضاف الرب إليهما، ولم يضفه إلى نفسه
стр. 4887
لعدم تصديقه لهما، ولجحده للربوبية الحقة، ثم إنه خص موسى بالنداء بعد خطابهما مراعاة لرؤوس الآي، ولما ظهر له أنه الأصل المتبوع، وهارون وزيره وأخوه وأراد أن يقول: من هذا الرب الذي بعثك يا موسى وأرسلك؟ فإني لا أعرفه، وما علمت لكم من إله غيري.
فأجابه موسى:
﴿قالَ: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ أي قال موسى: ربنا هو الذي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يليق به، ويطابق المنفعة المنوطة به، كاليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع.
ثم أرشدهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم، فانتفعوا بكل شيء فيما خلق له، إما اختيارا كالإنسان والحيوان، وإما طبعا كالنبات والجماد، كقوله تعالى:
﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى ٣/ ٨٧] أي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، أي كتب الأعمال والآجال والأرزاق، ثم مشى الخلائق على ذلك، لا يحيدون عنه، ولا يقدر أحد على الخروج منه. والآية لإثبات الصانع بأحوال المخلوقات.
﴿قالَ: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ بعد أن أخبر موسى فرعون بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق، وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، قائلا:
إذا كان الأمر كذلك، فما حال وما شأن الأمم الماضية، لم يعبدوا ربك، بل عبدوا غيره من الأوثان وغيرها من المخلوقات؟ فأجاب موسى:
﴿قالَ: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ، لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ قال موسى:
إن كل أعمالهم محفوظة عند الله، مثبتة عنده في اللوح المحفوظ، يجازي بها، لا يخطئ في علم شيء من الأشياء، ولا ينسى ما علمه منها، فعلم الله محيط بكل
стр. 4888
شيء. أما علم المخلوق فيعتريه الأمران: عدم الإحاطة بالشيء، ونسيانه بعد علمه، والله منزه عن ذلك.
وقصد فرعون بالسؤال عن الأمم الماضية أن يصرف موسى عن البراهين القوية، فيتبين للناس صدقه، ويشغله بالتواريخ والحكايات، لكن موسى تنبه لهذا، فأجاب عن إثبات الإله بأوجز عبارة وأحسن معنى، وفوض أمر الماضي إلى علام الغيوب.
وبعد أن ذكر موسى الدليل الأول العام الذي يتناول جميع المخلوقات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النبات والجمادات، ذكر بعدئذ أدلة خاصة وهي ثلاثة:
أولها-قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً﴾ أي ربي الذي جعل الأرض ممهدة كالفراش، تعيشون فيها بيسر وسهولة، وقرارا تستقرون عليها وتقومون وتنامون عليها وتسافرون على ظهرها.
ثانيها- ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً﴾ أي جعل لكم فيها طرقا تسلكونها وسهلها لكم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء ٣١/ ٢١]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً، وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ١٠/ ٤٣]، وقال : ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً، لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً﴾ [نوح ١٩/ ٧١ - ٢٠].
ثالثها- ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ أي وأنزل من السحاب مطرا، أخرجنا به أنواعا من أصناف النبات المختلفة، من زروع وثمار حامضة وحلوة ومرة، وذات ألوان وروائح وأشكال مختلفة، بعضها صالح للإنسان، وبعضها للحيوان، لذا قال:
стр. 4889
﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ أي خلقنا أصناف النبات، بعضه للإنسان، وبعضه لطعام الحيوان، فكلوا وتفكهوا مما يناسبكم، وارعوا أنعامكم (الإبل والبقر والغنم) في الأخضر واليابس، إن فيما ذكرت لكم لدلالات وحججا وبراهين لذوي العقول السليمة المستقيمة، على أن الخالق لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
وبعد أن ذكر الله تعالى منافع الأرض والسماء، بين أنها غير مطلوبة لذاتها، بل هي وسائل إلى منافع الآخرة، فقال:
﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ، وَفِيها نُعِيدُكُمْ، وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ أي من الأرض مبدؤكم، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب، والنطفة المتولدة من الغذاء مرجعها إلى الأرض، لأن الغذاء الحيواني من النبات، والنبات من امتزاج الماء والتراب.
وإلى الأرض مصيركم بعد موتكم، فتدفنون فيها، وتتفرق أجزاؤكم حتى تصير من جنس الأرض ترابا.
وسوف نخرجكم من قبوركم في الأرض مرة أخرى بالبعث والنشور، والمعنى:
من الأرض أخرجناكم، ونخرجكم بعد الموت من الأرض تارة أخرى. والغرض من الآية هنا تنزيه الرب نفسه وتذكير فرعون بأصله وأنه من تراب عائد إليه، فلا يغتر بدنياه وملكه، وليعلم أن أمامه يوما شديد الأهوال، يسأل فيه عن كل شيء، ويحاسب على أعماله.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ، وَفِيها تَمُوتُونَ، وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف ٢٥/ ٧]، وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ، فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء ٥٢/ ١٧].
стр. 4890
وجاء في الحديث المروي عند أصحاب السنن: أن رسول الله ﵌ حضر جنازة، فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب، فألقاها في القبر، وقال: منها خلقناكم، ثم أخذ أخرى وقال: وفيها نعيدكم؟ ثم أخرى وقال: ومنها نخرجكم تارة أخرى.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - لم يؤمن فرعون بدعوة موسى وهارون، وظل على كفره، وتساءل تكبرا وتجبرا وزورا وبهتانا، مع كونه عارفا بالله تعالى، وقال: ﴿فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى﴾؟ ٢ - تدل الآية المذكورة على أنه يجوز حكاية كلام المبطل؛ لأنه تعالى حكى كلام فرعون في إنكاره الإله، وحكى شبهات منكري النبوة، وشبهات منكري الحشر، لكن يجب قرن الجواب بالسؤال، لئلا يبقى الشك.
٣ - وتدل الآية أيضا على أن المحق يجب عليه استماع كلام المبطل، والجواب عنه من غير إيذاء ولا إيحاش، كما فعل موسى بفرعون هنا، وكما أمر الله تعالى رسوله في قوله: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل ١٢٥/ ١٦]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ، فَأَجِرْهُ، حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ [التوبة ٦/ ٩].
٤ - كان جواب موسى لفرعون: إن الله تعالى يعرف بصفاته، فهو خالق العالم، وهو الذي خص كل مخلوق بهيئة وصورة معينة. قال مجاهد: أعطى كل شيء صورة؛ لم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا. وقال الشاعر:
وله في كل شيء خلقة... وكذاك الله ما شاء فعل
стр. 4891
أراد بالخلقة: الصورة.
٥ - الله هو المختص بعلم الغيب في الماضي والحاضر والمستقبل، فلما سأل فرعون عن حال وشأن الأمم الغابرة، أجابه موسى وأعلمه أن علمها عند الله تعالى، أي إن هذا من علم الغيب الذي سألت عنه، وهو مما استأثر الله تعالى به لا يعلمه إلا هو، وما أنا إلا عبد مثلك؛ لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون مكتوبة عند الله تعالى في اللوح المحفوظ.
٦ - هذه الآية: ﴿قالَ: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ.﴾. ونظائرها تدل على تدوين العلوم وكتبها لئلا تنسى، فإن الحفظ قد تعتريه الآفات من الغلط والنسيان. وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع، فيقيده لئلا يذهب عنه.
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه، فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي». وفي صحيح مسلم أيضا أن النبي ﵌ أمر بكتب الخطبة التي خطب بها في الحج لأبي شاه-رجل من اليمن-لما سأله كتبها.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﵌ قال: «قيدوا العلم بالكتابة».
وأسند الخطيب عن أبي هريرة أن النبي ﵌ قال لرجل من الأنصار لا يحفظ الحديث: «استعن بيمينك».
وأما النهي عن كتابة الأحاديث، فكان ذلك متقدما، فهو منسوخ بأمره ﵌ بالكتابة، وإباحتها لأبي شاه وغيره.
قال أبو بكر الخطيب: ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد، ثم الحبر خاصة، دون المداد (١)؛ لأن السواد أصبغ الألوان، والحبر أبقاها على مر الدهور، وهو آلة ذوي العلم، وعدة أهل المعرفة.
стр. 4892
٧ - دل قوله تعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ على أن الله عالم بكل المعلومات، وهو اللفظ الأول، وعلى بقاء ذلك العلم أبد الآباد، وهو إشارة إلى نفي التغير، وهو اللفظ الثاني.
٨ - من نعم الله تعالى أن جعل الأرض رغم كرويتها الكلية ممهدة كالفراش، وقرارا للاستقرار عليها، لتصلح للعيش عليها.
٩ - ظاهر آية ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ.﴾. يدل على أنه سبحانه إنما يخرج النبات من الأرض بواسطة إنزال الماء، فيكون للماء فيه أثر، وهذا التأثير على تقدير أن الله تعالى هو الذي أعطى الماء هذه الخواص والطبائع، فيكون الماء المنزل سبب خروج النبات في الظاهر.
١٠ - إن إخراج أصناف من النبات المختلفة الأنواع والألوان من الأرض دليل واضح على قدرة الله تعالى ووجود الصانع. وإن جعل بعض النبات صالحا للإنسان وآخر للحيوان: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ﴾ من أجل النعم على الإنسان، ومما يقتضي التأمل والتفكير عند ذوي العقول الصحيحة.
١١ - ما أعظم خيرات الأرض، وما أحوج الناس إليها! فالله خلقنا منها، ويعيدنا إليها بعد الموت، ويخرجنا منها للبعث والحساب. أما كيفية الإخراج من الأرض فهو أن الله تعالى خلق أصلنا وهو آدم ﵇ من التراب، فكنا تبعا له، وأما استمرار الخلق فهو أن تولد الإنسان من النطفة ودم الطمث، وهما يتولدان من الأغذية، والغذاء إما حيواني أو نباتي، والحيواني ينتهي إلى النبات، والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب.
стр. 4893
- ٧ -
اتهام موسى بالسحر
﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾
الإعراب:
﴿مَكاناً سُوىً﴾ ﴿مَكاناً﴾ بدل منصوب من ﴿مَوْعِداً﴾ ولا يجوز نصبه بقوله ﴿مَوْعِداً﴾؛ لأن ﴿مَوْعِداً﴾ قد وصف بقوله: ﴿لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ﴾ والمصدر إذا وصف لا يعمل ويجوز أن يجعل ﴿مَكاناً﴾ منصوبا بنزع الخافض: في.
سوى: يقرأ بكسر السين وبضمها، فمن قرأ بالكسر، فلأن «فعل» لم يأت في الوصف إلا نادرا نحو: قوم عدى، ولحم زيم. والضم أكثر؛ لأن «فعل» في الوصف كثير، نحو: لكع وحطم.
﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ.﴾. ﴿يَوْمُ﴾: خبر ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ على تقدير حذف مضاف، أي موعدكم وقت يوم الزينة، ولا يجوز أن يكون ﴿يَوْمُ﴾ ظرفا؛ لأن العرب لم تستعمله مع الظرف استعمال سائر المصادر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود ٨١/ ١١] بالرفع إذ يراد به هنا المصدر، ولو قلت: إن خروجكم الصبح، لم يجز فيه إلا النصب، أي وقت الصبح.
وموعد مصدر بمعنى الوعد في الأظهر.
والموعد: يكون مصدرا وزمانا ومكانا بلفظ واحد، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ﴾ معطوف بالرفع على ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ أي موعدكم وقت يوم الزينة، وموعدكم وقت حشر الناس، فحذف المضاف أيضا.
البلاغة:
﴿سُوىً﴾ ﴿ضُحًى..﴾. سجع حسن.
стр. 4894
المفردات اللغوية:
﴿أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ بصرنا فرعون آيات معهودة هي الآيات التسع المختصة بموسى.
﴿فَكَذَّبَ﴾ بها وزعم أنها سحر. ﴿وَأَبى﴾ امتنع أن يوحد الله تعالى أو أبي الإيمان والطاعة، لعتوه. ﴿لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا﴾ مصر، ليصبح لك الملك فيها. بسحر مثله يعارضه.
﴿مَوْعِداً﴾ ميعادا معينا لذلك. ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ لا نخلف ذلك الوقت في الاجتماع فيه، إذا جعل (موعد) هنا هو الزمان، وإذا جعل مصدرا أي لا نخلف ذلك الموعد. ﴿سُوىً﴾ أي وسطا، تستوي إليه مسافة الجائي من الطرفين.
﴿قالَ﴾ موسى. ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يوم عيد كان لهم، يتزينون فيه ويجتمعون، ويوم: بضم الميم، وقرأ الحسن بالنصب، فمن رفع فعلى أنه خبر المبتدأ، والمعنى: وقت موعدكم يوم الزينة، ومن نصب فعلى الظرف، معناه: موعدكم يقع يوم الزينة. والسؤال وقع عن مكان الموعد، وطابقه من حيث المعنى ذكر الزمان، وإن لم يطابق لفظا؛ لأنهم لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان معين مشهود باجتماع الناس في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم المكان.
﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾ يجمعون. ﴿ضُحًى﴾ وقت ارتفاع شمس النهار.
المناسبة:
بعد سؤال فرعون عن رب موسى، ذكر الله تعالى أنه بصره بالآيات الدالة على توحيد الله، مثل ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وقوله:
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً﴾ والدالة على نبوة موسى مثل العصا واليد البيضاء، فكذب بكل هذا، واتهم موسى بالسحر، وطلب المبارزة مع السحرة، وتحديد مكان اللقاء وموعد الاجتماع.
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى﴾ أي وتالله لقد بصرنا فرعون وعرفناه آياتنا الدالة على قدرتنا وتوحيدنا وعلى نبوة موسى، كالآيات التسع (١).
стр. 4895
وغيرها من الحجج والبراهين، فعاين ذلك وأبصره، ولكنه كذب بها، وأبى الاستجابة للإيمان والحق، كفرا وعنادا وبغيا، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤/ ٢٧] وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ، وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء ١٠٢/ ١٧].
ثم ذكر الله تعالى شبهة فرعون وصفة تكذيبه، فقال:
﴿قالَ: أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ أي قال فرعون لموسى مستنكرا معجزة العصا واليد: هل جئت يا موسى من أرض مدين لتخرجنا من أرضنا مصر بما أظهرته من السحر، وهو قلب العصا حية؟ توهم الناس بأنك نبي يجب عليهم اتباعك، حتى تتوصل بذلك إلى أن تغلب على أرضنا وتخرجنا منها. وإنما ذكر فرعون الإخراج من الأرض لتنفير قومه عن إجابة موسى، وحملهم على السخط على موسى والغضب منه، والعمل على طرده وإخراجه من مصر.
﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ أي لنعارضنك بمثل ما جئت به من السحر، فإن عندنا سحرا مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه.
﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً﴾ أي حدد لنا يوما معلوما ومكانا معلوما، نجتمع فيه نحن وأنت، فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر، لا نخلف ذلك الوعد من قبل كل منا. وقد فوض فرعون تعيين الموعد إلى موسى إظهارا لكمال اقتداره.
وليكن المكان مكانا مستويا ظاهرا لا ارتفاع فيه ولا انخفاض، ليظهر فيه الحق، أو مكانا وسطا بين الفريقين، حتى لا يكون عذر في التخلف.
﴿قالَ: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ، وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ أي قال موسى
стр. 4896
عليه السلام: موعد الاجتماع يوم العيد (عيد النيروز) الذي يتزين فيه الناس، وفي وقت الضحى، ليكون الاجتماع عاما في يوم يفرغ فيه الناس من أعمالهم، ويجتمعون جميعا، ويتحدثون بنتيجة المبارزة، فتظهر الدعوة، وتعلو كلمة الحق، ويزهق الباطل، وليكون الضوء غالبا، وفي نشاط أول النهار، فلا يشكوا في المعجزة، ويشاهدوا قدرة الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية.
واختيار هذا الوعد دليل على الثقة بالنصر، وسبيل لإيضاح الحجة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - لم يبق عذر لفرعون في كفره، بعد إرسال موسى وهارون رسولين إليه، وتأييدهما بالمعجزات الدالة على نبوة موسى، وإبدائهما البراهين والدلائل والحجج على وحدانية الله وقدرته، وهذا يدل على أنه كفر عنادا؛ لأنه رأى الآيات عيانا لا خبرا، واقتنع بها في أعماق نفسه، كما قال سبحانه: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤/ ٢٧].
٢ - حاول فرعون تأليب قومه وتحريضهم على معاداة موسى وطرده، باتهامه بأنه بحسب عقلية الحاكم يريد إخراج الناس من مصر، والاستيلاء على السلطة.
٣ - وحاول أيضا إبطال المعجزات النبوية بالسحر، ظنا منه أن ما جاء به موسى من الآيات سحر يوهم الناس به لاتباعه والإيمان به، فإذا عورض السحر بمثله، تبين للناس أن ما أتى به موسى ليس من عند الله.
٤ - طلب فرعون من موسى تعيين يوم معلوم ومكان معروف لا يخلف فيه أحد الطرفين الوعد، إيهاما للناس بمدى الثقة به، وبكمال اقتداره، وإنهاء دعاوى موسى في يوم مشهود للجميع.
стр. 4897
وكان اقتراحه أن يكون المكان مكانا سوى أي مكانا مستويا متوسطا بين الطرفين، حتى لا يكون عذر في التخلف.
٥ - اختار موسى يوم العيد (يوم الزينة) لتعلو كلمة الله، ويظهر دينه، ويكبت الكفر، ويزهق الباطل، أمام الناس قاطبة في المجمع العام، ليشيع الخبر، ويتناقل جميع أهل المدن والقرى والحضر و الأعراب قصة الأمر العجيب، ونبأ المعجزة الكبرى. ثم عين موسى ﵇ من اليوم وقتا معينا بقوله:
﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ أي في ضحوة الناس بعد طلوع الشمس، حيث تكون الرؤية واضحة، والنفوس مستعدة نشيطة، ولأنه أول النهار، فلو امتد الأمر فيما بينهم كان في النهار متسع. وكان ذلك بالصدفة مناسبا للسحرة، لتسخين الحبال والأدوات المعبأة بالزئبق.
- ٨ -
جمع فرعون السحرة وتحذير موسى لهم
﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ اِفْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ اِئْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اِسْتَعْلى (٦٤)﴾
الإعراب:
﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ ﴿إِنْ﴾ إما مخففة من الثقيلة لم تعمل، وإما بمعنى «ما» واللام بمعنى «إلا» أي ما هذان إلا ساحران. وهذان الوجهان على مذهب الكوفيين. ومن قرأ بالتشديد
стр. 4898
﴿إِنْ﴾ أتى به على لغة بني الحارث بن كعب، فإنهم يقولون: مررت برجلان، وقبض منه درهمان، وهي لغة من يأتي في المثنى بالألف في أحواله الثلاث.
وقيل: إن بمعنى «نعم» أي نعم هذان لساحران، لكن فيه ضعف، لدخول اللام في الخبر، وهو قليل في كلامهم. وقرئ «إن هذين لساحران».
﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قرئ: أجمعوا بقطع الهمزة ووصلها، ففي قراءة القطع نصب ﴿كَيْدَكُمْ﴾ ب ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ على تقدير حذف حرف الجر، أي فأجمعوا على كيدكم. فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به فنصبه، يقال: أجمع على كذا: إذا عزم عليه، فحذف الجار من الآية، كما في آية: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة ٢٣٥/ ٢] أي على عقدة النكاح.
وعلى قراءة فاجمعوا بوصلها، لم يفتقر إلى تقدير حذف حرف الجر؛ لأنه يتعدى بنفسه.
﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ مصدر في موضع الحال، أي ائتوا مصطفين، أو مفعول به، أي ائتوا إلى صف، والأول أوجه.
المفردات اللغوية:
﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ أدبر وانصرف عن المجلس. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي جمع ذوي كيده من السحرة، والكيد: ما يكاد به من السحرة وأدواتهم. ﴿ثُمَّ أَتى﴾ أي أتى بالموعد بهم. ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى﴾ وهم اثنان وسبعون مع كل واحد حبل وعصا. ﴿وَيْلَكُمْ﴾ أي هلاك لكم. ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ بأن تدعوا آياته سحرا، وتشركوا أحدا مع الله. والافتراء: الاختلاق والكذب.
﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ يهلككم. ﴿بِعَذابٍ﴾ شديد من عنده. ﴿وَقَدْ خابَ﴾ خسر. ﴿مَنِ افْتَرى﴾ كذب على الله، كما خاب فرعون، فإنه افترى واحتال ليبقى الملك معه، فلم ينفعه.
﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ فتفاوض السحرة وتشاوروا في أمر موسى، حين سمعوا كلامه.
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى﴾ بالغوا في إخفاء الكلام بينهم. ﴿قالُوا﴾ لأنفسهم. ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ المثلى: مؤنث أمثل بمعنى أشرف، أي يذهبا بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب، بإظهار مذهبه وإعلاء دينه، لقوله تعالى حكاية لقول فرعون: ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر ٢٦/ ٤٠].
﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ بهمزة القطع من أجمع أي أحكموا كيدكم الذي يكاد به، وبهمزة الوصل من جمع، أي لم ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي مصطفين؛ لأنه أهيب في صدور الرائين. ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ فاز اليوم من غلب.
стр. 4899
المناسبة:
بعد اتفاق موسى وفرعون على موعد المبارزة وهو يوم عيد لهم، ذكر الله تعالى ما قام به فرعون من تدبير أمره بجمع السحرة وآلاتهم، ثم ذكر ما حذرهم به موسى من عذاب شديد إن أقدموا على إبطال آيات الله، فأوقع الخلاف بينهم، وعقدوا المشاورات في خطتهم، فاتفقوا على وحدة الصف أمام موسى وهارون اللذين يريدان الغلبة والتفوق على دينهم الذي هو في زعمهم أفضل الأديان.
التفسير والبيان:
﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ، فَجَمَعَ كَيْدَهُ، ثُمَّ أَتى﴾ أي انصرف فرعون وشرع في جمع السحرة من مدائن مملكته، فجمع ما يكيد به من سحره وحيله وآلاته وأنصاره، وقد كان السحر شائعا عندهم، ثم أقبل في الموعد المعين، وجلس في مكان خاص به مع كبار أعوانه، كجناح العروض العسكرية المخصص اليوم لرئيس الدولة، وجاء موسى مع أخيه هارون، وجاءت السحرة ووقفوا صفوفا، وبدأ فرعون يحرضهم ويستحثهم ويعدهم، فتجرءوا أن يطلبوا منه الأجر، كما قال تعالى:
﴿قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ، قالَ: نَعَمْ، وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء ٤٢/ ٢٦] وعدهم فرعون بالجزاء المادي والأدبي ليتفانوا في إجادة عملهم، ويتغلبوا على موسى ﵇.
وشرع موسى في الإعلان عن رسالته، فقال:
﴿قالَ لَهُمْ مُوسى: وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً، فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ أي قال موسى لفرعون والسحرة: الهلاك والعذاب لكم إن اختلقتم على الله كذبا وزورا، بأن تزعموا أن الذي جئت به ليس بحق، وأنه سحر، فيستأصلكم الله بعذاب شديد من عنده، وقد خسر وهلك من افترى على الله أي كذب كان.
стр. 4900
فأعرضوا عن قوله:
﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى﴾ أي لما سمع السحرة كلام موسى تناظروا وتشاوروا وتفاوضوا فيما بينهم في ذلك، وتناجوا فيما بينهم سرا عن موسى وأخيه، وقرروا ما يأتي:
﴿قالُوا: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما، وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ أي قالت السحرة: إن موسى وهرون لساحران يريدان إخراجكم أيها المصريون من أرضكم مصر بصناعة السحر، كما يريدان التغلب للاستيلاء على جميع المناصب، ولتكون لهما الرياسة في كل شيء، ومآل ذلك أن تنقضي سنتكم في الحياة، ويعصف بمنهجكم في العيش الحر العزيز الكريم، وتسلب خيراتكم، ويزول مذهبكم الأمثل الحسن.
قالوا ذلك متأثرين بما قاله فرعون، ومرددين ما يشيعه، مستخدمين أساليب ثلاثة للتنفير منهما، وهي تكذيب نبوتهما ووصفهما بالسحرة، والكشف عن نواياهما البعيدة بطرد السكان الأصليين من أرضهم مصر، والاستيلاء على جميع المناصب والرياسات.
فيجب علينا الوقوف صفا واحدا أمام هذا الخطر، فقالوا:
﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ، ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا، وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ أي فاعزموا على تقديم جميع خبراتكم ومهاراتكم، ولا تتركوا أقصى ما تستطيعون عليه من الكيد والحيلة، وقفوا صفا واحدا، وألقوا ما لديكم دفعة واحدة، لتبهروا الأبصار، وتعظم هيبتكم، وتغلبوا هذين الرجلين، فإنه قد فاز اليوم بالمطلوب من غلب منا ومنهما.
وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض، بقصد التحريض وشد العزائم، لبذل أقصى الجهود للفوز بالمطلوب.
стр. 4901
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - بدأت استعدادات فرعون في جمع السحرة، وإعداد الحيل كما هي عادة التهيؤ للمبارزة، قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحرا، مع كل ساحر منهم حبال وعصي.
٢ - لما أتى فرعون وسحرته في الموعد المعين قال موسى لفرعون والسحرة:
الهلاك والعذاب لمن اختلق الكذب على الله، وأشرك به، ووصف المعجزات بأنها سحر، فيستأصلكم الله بعذاب شديد من عنده، وقد خسر وهلك، وخاب من الرحمة والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن به. وهذا شعار الأنبياء، وهو الصدق في الدعوة، وانتهاز الفرص المناسبة لإعلان دعوتهم.
٣ - تشاور السحرة سرا فيما بينهم، وقالوا: إن كان ما جاء به سحرا، فسنغلبه، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر. وهذا حق وصدق لا شيء فيه.
٤ - ثم أعلنوا قرارهم بأن موسى وأخاه هارون ساحران عظيمان، يريدان إخراج الناس من مصر بسحرهما، وإفساد دينهم، وإزالة مذهبهم الحسن، كما قال فرعون عن موسى: ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ، أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ [غافر ٢٦/ ٤٠]. وهذا كله من دعاية فرعون وتحريضه.
٥ - ثم حرضوا بعضهم قائلين: اعزموا وجدوا في تجميع أنواع الكيد والحيلة، وأقصى فنون السحر، وأحكموا أمركم، وقفوا صفا واحدا، ليكون أشد لهيبتكم، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة، لتبهروا الأبصار، وتغلبوا موسى وأخاه، وقد فاز اليوم من غلب. وهذا شأن كل من الفريقين المتبارزين، يحرص كل منهما على الفوز والانتصار، ويتأثران بالتأييد الشعبي وبحماس المتفرجين واللاعبين أنفسهم، كما هو معروف.
الإعراب:
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿مُوسى﴾ فاعل أوجس، وهاء ﴿نَفْسِهِ﴾ تعود إلى موسى؛ لأنه في تقدير التقديم، و ﴿نَفْسِهِ﴾ في تقدير التأخير. و ﴿خِيفَةً﴾ مفعول أوجس.
وأصل خيفة «خوفة» لأنها من الخوف، فانقلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها.
﴿تَلْقَفْ﴾ التاء إما لتأنيث ﴿ما﴾ وهي العصا، حملا على المعنى، كأنه قال: ألق العصا تلقف ما صنعوا، وإما أن تكون التاء للمخاطب، أي تلقف أنت. وهو مجزوم بجواب الأمر، بتقدير حذف حرف الشرط. ومن قرأ بالرفع، كان حالا من ﴿ما﴾ أو من ضمير ﴿فِي يَمِينِكَ﴾. وما في قوله ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ إما اسم موصول بمعنى الذي اسم إن، والعائد محذوف، أي إن الذي صنعوه، و ﴿كَيْدُ﴾ خبر إن، وإما أن تكون ﴿ما﴾ كافة، و ﴿كَيْدُ﴾ عند من قرأ بالنصب منصوب ب ﴿صَنَعُوا﴾. ومن قرأ كيد سحر أي كيد ذي سحر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
«من خلاف» حال.
﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾: إما مجرور بالعطف على ﴿ما جاءَنا﴾ أي «على الذي جاءنا وعلى الذي فطرنا» وإما مجرور بالقسم، وجوابه محذوف، لدلالة ما تقدم عليه.
وما في ﴿إِنَّما تَقْضِي﴾ إما بمعنى الذي في موضع نصب اسم «إن» والعائد محذوف، أي: إن الذي تقضيه. وهذه: خبر «إن». وإما أن تكون «ما» كافة، وهذه: في موضع نصب على الظرف، أي إنما تقضي في هذه الحياة الدنيا. والحياة الدنيا صفة ﴿هذِهِ﴾ في كلا الوجهين.
﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ ﴿ما﴾ إما في موضع نصب بالعطف على ﴿خَطايانا﴾ وإما مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف، تقديره: ما أكرهتنا عليه مغفور لنا. و ﴿مِنَ السِّحْرِ﴾ متعلق ب ﴿أَكْرَهْتَنا﴾.
﴿فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى جَنّاتُ.﴾. ﴿الدَّرَجاتُ﴾ مرفوع بالظرف؛ لأنه جرى خبرا عن المبتدأ، وهو أولئك، و ﴿جَنّاتُ﴾ بدل مرفوع من ﴿الدَّرَجاتُ﴾ أي أولئك لهم جنات عدن. و ﴿خالِدِينَ﴾ حال من الهاء والميم في ﴿لَهُمُ﴾ والعامل فيه: اللام، أي الاستقرار، أو معنى الإشارة.
البلاغة:
﴿بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي فألقوا فإذا حبالهم. ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ ثم قال: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ فيه إيجاز بالحذف، وهو: فألقى موسى عصاه، فتلقفت ما صنعوا من السحر، فألقي السحرة سجدا. وحسن الحذف في الموضعين لدلالة المعنى عليه.
стр. 4904
﴿يَمُوتُ﴾ و ﴿يَحْيى﴾ بينهما طباق.
﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ و ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ بينهما مقابلة: وهي أن يؤتى بمعينين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ فيه مؤكدات هي: إن، وأنت، وتعريف الخبر: ﴿الْأَعْلى﴾ ولفظ العلو الدال على الغلبة، وصيغة التفضيل ﴿الْأَعْلى﴾.
المفردات اللغوية:
﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى﴾ قال السحرة ذلك مراعاة للأدب، وخيروه بين أن يلقي عصاه أو يلقوا عصيهم. وأن وما بعده: منصوب بفعل مضمر، أو مرفوع بخبر محذوف، أي اختر إلقاءك أولا أو إلقاؤنا، أو الأمر إلقاؤك، أو إلقاؤنا. ﴿قالَ: بَلْ أَلْقُوا﴾ مقابلة أدب بأدب، وعدم مبالاة بسحرهم، وليستنفدوا أقصى وسعهم، ثم يظهر الله سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه.
﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ.﴾. أي فألقوا، وكلمة ﴿فَإِذا﴾ التحقيق أنها ظرفية متعلقة بفعل المفاجأة، والجملة ابتدائية، والمعنى: فألقوا ففاجأ موسى وقت تخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك بأنهم لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس، اضطربت، فخيل إليه أنها تتحرك. و ﴿أَنَّها تَسْعى﴾ بدل اشتمال، أي أنها حيات تسعى على بطونها.
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ أحس بشيء من الخوف، من جهة أن سحرهم من جنس معجزته، أن يلتبس أمره على الناس، فلا يؤمنوا به.
﴿قُلْنا: لا تَخَفْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ قلنا له: لا تخف ما توهمت فإنك أنت الأعلى عليهم بالغلبة، وهذا الأخير تعليل للنهي وتقرير لغلبته، مؤكدا بالاستئناف وحرف التحقيق: «إن» وتكرير الضمير وتعريف الخبر ولفظ العلو الدال على الغلبة الظاهرة وصيغة التفضيل.
﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ وهي العصا، ولم يقل: عصاك، تحقيرا لها، أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، أو تعظيما لها، أي لا تحتفل بكثرة هذه الأشياء وعظمها، فإن في يمينك ما هو أعظم منها أثرا، فألقه. ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع بقوة وسرعة وبقدرة الله تعالى، والخطاب على إسناد الفعل إلى السبب ﴿إِنَّما صَنَعُوا﴾ إن الذي زوروا وافتعلوا ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ أي كيد سحري لا حقيقة له، أي ذي سحر، أو إضافة قصد بها البيان مثل: علم فقه. وإنما وحد الساحر؛ لأن المراد به الجنس المطلق. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ أي هذا الجنس. ﴿حَيْثُ أَتى﴾ بسحره، أي أينما كان، وأينما أقبل.
стр. 4905
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ خروا ساجدين لله تعالى، أي فألقى فتلقفت، فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر، وإنما هو من آيات الله، ومعجزة من معجزاته، فألقاهم ذلك على وجوههم سجدا لله، توبة عما صنعوا وتعظيما لما رأوا ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى﴾ قدم هارون لكبر سنه، أو لروي الآية، روي أنهم رأوا في سجودهم الجنة ومنازلهم فيها. ﴿قالَ: آمَنْتُمْ لَهُ﴾ قال فرعون: آمنتم لموسى، واللام لتضمين الفعل معنى الاتباع. ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أنا في الإيمان له. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ إن موسى لمعلمكم أو لأستاذكم الذي علمكم السحر، وأنتم تواطأتم على ما فعلتم. ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ في موضع النصب على الحال أي لأقطعنها من حال مختلفة: اليد اليمنى والرجل اليسرى.
ومن: ابتدائية. ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي عليها، شبه تمكن المصلوب بالجذوع بتمكن المظروف بالظرف، وهو أول من صلب. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا﴾ يريد نفسه ورب موسى لقوله:
﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾. ﴿أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى﴾ أي أدوم عذابا. وهل نفذ فيهم تهديده؟ الآيات لم تذكر ذلك، لكن ذكر المفسرون أنه أنفذ فيهم وعيده، فقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم، فماتوا على الإيمان، فقال ابن عباس: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة.
﴿قالُوا: لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ قال السحرة: لن نختارك. ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ﴾ على ما جاءنا موسى به من المعجزات الواضحات الدالة على صدقه. ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾ خلقنا وأوجدنا من العدم. وهذا عطف على ما جاءنا، أو قسم ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ اصنع ما أنت قاضيه، أي صانعه، أو ما قلته أو احكم. ﴿إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه في هذه الدنيا، فالنصب على الاتساع، أي فيها، ثم تجزى عليه في الآخرة، والآخرة خير وأبقى، فهو كالتعليل لما قبله، والتمهيد لما بعده.
﴿لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ تعلما وعملا في معارضة موسى والمعجزة. ﴿وَاللهُ خَيْرٌ﴾ منك ثوابا إذا أطيع. ﴿وَأَبْقى﴾ منك عذابا إذا عصي.
﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ إن الأمر من يأت ربه كافرا، بأن يموت على كفره وعصيانه.
﴿لا يَمُوتُ فِيها﴾ فيستريح. ﴿وَلا يَحْيى﴾ حياة هنيئة فتنفعه. ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ الفرائض والنوافل. ﴿لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى﴾ المنازل الرفيعة، جمع عليا مؤنث أعلى.
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ أي جنات أعدت للإقامة. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ من تحت غرفها. ﴿جَزاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ تطهر من الذنوب والكفر.
قال البيضاوي: والآيات الثلاث-أي الأخيرة-يحتمل أن تكون من كلام السحرة، وأن تكون ابتداء كلام الله.