← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - بدأت استعدادات فرعون في جمع السحرة، وإعداد الحيل كما هي عادة التهيؤ للمبارزة، قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحرا، مع كل ساحر منهم حبال وعصي. ٢ - لما أتى فرعون وسحرته في الموعد المعين قال موسى لفرعون والسحرة: الهلاك والعذاب لمن اختلق الكذب على الله، وأشرك به، ووصف المعجزات بأنها سحر، فيستأصلكم الله بعذاب شديد من عنده، وقد خسر وهلك، وخاب من الرحمة والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن به. وهذا شعار الأنبياء، وهو الصدق في الدعوة، وانتهاز الفرص المناسبة لإعلان دعوتهم. ٣ - تشاور السحرة سرا فيما بينهم، وقالوا: إن كان ما جاء به سحرا، فسنغلبه، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر. وهذا حق وصدق لا شيء فيه. ٤ - ثم أعلنوا قرارهم بأن موسى وأخاه هارون ساحران عظيمان، يريدان إخراج الناس من مصر بسحرهما، وإفساد دينهم، وإزالة مذهبهم الحسن، كما قال فرعون عن موسى: ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ، أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ [غافر ٢٦/ ٤٠]. وهذا كله من دعاية فرعون وتحريضه. ٥ - ثم حرضوا بعضهم قائلين: اعزموا وجدوا في تجميع أنواع الكيد والحيلة، وأقصى فنون السحر، وأحكموا أمركم، وقفوا صفا واحدا، ليكون أشد لهيبتكم، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة، لتبهروا الأبصار، وتغلبوا موسى وأخاه، وقد فاز اليوم من غلب. وهذا شأن كل من الفريقين المتبارزين، يحرص كل منهما على الفوز والانتصار، ويتأثران بالتأييد الشعبي وبحماس المتفرجين واللاعبين أنفسهم، كما هو معروف.

стр. 4902

- ٩ - المبارزة بين موسى والسحرة وإعلان إيمانهم بالله تعالى ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى (٧٦)﴾

стр. 4903

الإعراب: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿مُوسى﴾ فاعل أوجس، وهاء ﴿نَفْسِهِ﴾ تعود إلى موسى؛ لأنه في تقدير التقديم، و ﴿نَفْسِهِ﴾ في تقدير التأخير. و ﴿خِيفَةً﴾ مفعول أوجس. وأصل خيفة «خوفة» لأنها من الخوف، فانقلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها. ﴿تَلْقَفْ﴾ التاء إما لتأنيث ﴿ما﴾ وهي العصا، حملا على المعنى، كأنه قال: ألق العصا تلقف ما صنعوا، وإما أن تكون التاء للمخاطب، أي تلقف أنت. وهو مجزوم بجواب الأمر، بتقدير حذف حرف الشرط. ومن قرأ بالرفع، كان حالا من ﴿ما﴾ أو من ضمير ﴿فِي يَمِينِكَ﴾. وما في قوله ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ إما اسم موصول بمعنى الذي اسم إن، والعائد محذوف، أي إن الذي صنعوه، و ﴿كَيْدُ﴾ خبر إن، وإما أن تكون ﴿ما﴾ كافة، و ﴿كَيْدُ﴾ عند من قرأ بالنصب منصوب ب ﴿صَنَعُوا﴾. ومن قرأ كيد سحر أي كيد ذي سحر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. «من خلاف» حال. ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾: إما مجرور بالعطف على ﴿ما جاءَنا﴾ أي «على الذي جاءنا وعلى الذي فطرنا» وإما مجرور بالقسم، وجوابه محذوف، لدلالة ما تقدم عليه. وما في ﴿إِنَّما تَقْضِي﴾ إما بمعنى الذي في موضع نصب اسم «إن» والعائد محذوف، أي: إن الذي تقضيه. وهذه: خبر «إن». وإما أن تكون «ما» كافة، وهذه: في موضع نصب على الظرف، أي إنما تقضي في هذه الحياة الدنيا. والحياة الدنيا صفة ﴿هذِهِ﴾ في كلا الوجهين. ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ ﴿ما﴾ إما في موضع نصب بالعطف على ﴿خَطايانا﴾ وإما مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف، تقديره: ما أكرهتنا عليه مغفور لنا. و ﴿مِنَ السِّحْرِ﴾ متعلق ب ﴿أَكْرَهْتَنا﴾. ﴿فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى جَنّاتُ.﴾. ﴿الدَّرَجاتُ﴾ مرفوع بالظرف؛ لأنه جرى خبرا عن المبتدأ، وهو أولئك، و ﴿جَنّاتُ﴾ بدل مرفوع من ﴿الدَّرَجاتُ﴾ أي أولئك لهم جنات عدن. و ﴿خالِدِينَ﴾ حال من الهاء والميم في ﴿لَهُمُ﴾ والعامل فيه: اللام، أي الاستقرار، أو معنى الإشارة. البلاغة: ﴿بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي فألقوا فإذا حبالهم. ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ ثم قال: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ فيه إيجاز بالحذف، وهو: فألقى موسى عصاه، فتلقفت ما صنعوا من السحر، فألقي السحرة سجدا. وحسن الحذف في الموضعين لدلالة المعنى عليه.

стр. 4904

﴿يَمُوتُ﴾ و ﴿يَحْيى﴾ بينهما طباق. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ و ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ بينهما مقابلة: وهي أن يؤتى بمعينين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ فيه مؤكدات هي: إن، وأنت، وتعريف الخبر: ﴿الْأَعْلى﴾ ولفظ العلو الدال على الغلبة، وصيغة التفضيل ﴿الْأَعْلى﴾. المفردات اللغوية: ﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى﴾ قال السحرة ذلك مراعاة للأدب، وخيروه بين أن يلقي عصاه أو يلقوا عصيهم. وأن وما بعده: منصوب بفعل مضمر، أو مرفوع بخبر محذوف، أي اختر إلقاءك أولا أو إلقاؤنا، أو الأمر إلقاؤك، أو إلقاؤنا. ﴿قالَ: بَلْ أَلْقُوا﴾ مقابلة أدب بأدب، وعدم مبالاة بسحرهم، وليستنفدوا أقصى وسعهم، ثم يظهر الله سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه. ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ.﴾. أي فألقوا، وكلمة ﴿فَإِذا﴾ التحقيق أنها ظرفية متعلقة بفعل المفاجأة، والجملة ابتدائية، والمعنى: فألقوا ففاجأ موسى وقت تخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك بأنهم لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس، اضطربت، فخيل إليه أنها تتحرك. و ﴿أَنَّها تَسْعى﴾ بدل اشتمال، أي أنها حيات تسعى على بطونها. ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ أحس بشيء من الخوف، من جهة أن سحرهم من جنس معجزته، أن يلتبس أمره على الناس، فلا يؤمنوا به. ﴿قُلْنا: لا تَخَفْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ قلنا له: لا تخف ما توهمت فإنك أنت الأعلى عليهم بالغلبة، وهذا الأخير تعليل للنهي وتقرير لغلبته، مؤكدا بالاستئناف وحرف التحقيق: «إن» وتكرير الضمير وتعريف الخبر ولفظ العلو الدال على الغلبة الظاهرة وصيغة التفضيل. ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ وهي العصا، ولم يقل: عصاك، تحقيرا لها، أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، أو تعظيما لها، أي لا تحتفل بكثرة هذه الأشياء وعظمها، فإن في يمينك ما هو أعظم منها أثرا، فألقه. ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع بقوة وسرعة وبقدرة الله تعالى، والخطاب على إسناد الفعل إلى السبب ﴿إِنَّما صَنَعُوا﴾ إن الذي زوروا وافتعلوا ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ أي كيد سحري لا حقيقة له، أي ذي سحر، أو إضافة قصد بها البيان مثل: علم فقه. وإنما وحد الساحر؛ لأن المراد به الجنس المطلق. ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ أي هذا الجنس. ﴿حَيْثُ أَتى﴾ بسحره، أي أينما كان، وأينما أقبل.

стр. 4905

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ خروا ساجدين لله تعالى، أي فألقى فتلقفت، فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر، وإنما هو من آيات الله، ومعجزة من معجزاته، فألقاهم ذلك على وجوههم سجدا لله، توبة عما صنعوا وتعظيما لما رأوا ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى﴾ قدم هارون لكبر سنه، أو لروي الآية، روي أنهم رأوا في سجودهم الجنة ومنازلهم فيها. ﴿قالَ: آمَنْتُمْ لَهُ﴾ قال فرعون: آمنتم لموسى، واللام لتضمين الفعل معنى الاتباع. ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أنا في الإيمان له. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ إن موسى لمعلمكم أو لأستاذكم الذي علمكم السحر، وأنتم تواطأتم على ما فعلتم. ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ في موضع النصب على الحال أي لأقطعنها من حال مختلفة: اليد اليمنى والرجل اليسرى. ومن: ابتدائية. ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي عليها، شبه تمكن المصلوب بالجذوع بتمكن المظروف بالظرف، وهو أول من صلب. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا﴾ يريد نفسه ورب موسى لقوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾. ﴿أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى﴾ أي أدوم عذابا. وهل نفذ فيهم تهديده؟ الآيات لم تذكر ذلك، لكن ذكر المفسرون أنه أنفذ فيهم وعيده، فقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم، فماتوا على الإيمان، فقال ابن عباس: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة. ﴿قالُوا: لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ قال السحرة: لن نختارك. ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ﴾ على ما جاءنا موسى به من المعجزات الواضحات الدالة على صدقه. ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾ خلقنا وأوجدنا من العدم. وهذا عطف على ما جاءنا، أو قسم ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ اصنع ما أنت قاضيه، أي صانعه، أو ما قلته أو احكم. ﴿إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه في هذه الدنيا، فالنصب على الاتساع، أي فيها، ثم تجزى عليه في الآخرة، والآخرة خير وأبقى، فهو كالتعليل لما قبله، والتمهيد لما بعده. ﴿لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ تعلما وعملا في معارضة موسى والمعجزة. ﴿وَاللهُ خَيْرٌ﴾ منك ثوابا إذا أطيع. ﴿وَأَبْقى﴾ منك عذابا إذا عصي. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ إن الأمر من يأت ربه كافرا، بأن يموت على كفره وعصيانه. ﴿لا يَمُوتُ فِيها﴾ فيستريح. ﴿وَلا يَحْيى﴾ حياة هنيئة فتنفعه. ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ الفرائض والنوافل. ﴿لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى﴾ المنازل الرفيعة، جمع عليا مؤنث أعلى. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ أي جنات أعدت للإقامة. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ من تحت غرفها. ﴿جَزاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ تطهر من الذنوب والكفر. قال البيضاوي: والآيات الثلاث-أي الأخيرة-يحتمل أن تكون من كلام السحرة، وأن تكون ابتداء كلام الله.

стр. 4906

المناسبة: بعد ذكر الموعد وهو يوم الزينة وذكر مجيئهم صفا، حدثت المبارزة بين السحرة وموسى، فخيروه بين بدئه بالإلقاء، وبدئهم به، وكان ذلك أدبا منهم وتواضعا، رزقوا الإيمان ببركته، فقابلهم موسى أدبا بأدب، وقدمهم في الإلقاء؛ لأنه الطريق إلى إزالة الشبهة، فما كان منهم إلا الإيمان، لمعرفتهم بأن فعل موسى معجزة وليس سحرا، وصمدوا على إيمانهم هازئين بتهديد فرعون بالتقطيع والصلب. التفسير والبيان: لما بدأت المبارزة، والتقى الفريقان، قالت السحرة لموسى: ﴿قالُوا: يا مُوسى، إِمّا أَنْ تُلْقِيَ، وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى﴾ أي قالت السحرة لموسى حين تقابلوا معه: اختر أحد الأمرين: إما أن تلقي أنت أولا ما تريد، وإما أن نلقي نحن ما معنا من العصي والحبال على الأرض. وهذا التخيير مع تقديمه في الكلام أدب حسن وتواضع له، ألهمهم الله به، ورزقوا الإيمان ببركته، فقابل موسى ﵇ أدبهم بأدب، فقال: ﴿قالَ: بَلْ أَلْقُوا﴾ قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولا، لنرى سحركم وتظهر حقيقة أمركم، ولتكون معجزته أظهر إذا ألقوهم ما معهم، ثم إذا ألقى عصاه فتبتلع ما ألقوه كله، وليظهر عدم المبالاة بسحرهم. ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ أي فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، فتوهم موسى ومن رآهم من الناس أنها تتحرك بسرعة كالأفاعي. ففي بدء الكلام حذف، أي فألقوا، وقوله: ﴿فَإِذا﴾ في رأي الزمخشري أنها إذا المفاجأة، وتعقبه الرازي فقال: والتحقيق فيها أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصبا لها وجملة تضاف إليها.

стр. 4907

وجاء في آية أخرى أنهم لما ألقوا ﴿وَقالُوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ، إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ [الشعراء ٤٤/ ٢٦] ونظير الآية التي هنا: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ، وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف ١١٦/ ٧]. وذلك أنهم حشوها بالزئبق الذي يتأثر بحرارة الشمس، أو بمادة أخرى تتأثر بالحرارة، فيخيل للناظر أنها تسعى باختيارها، وكأن الوادي امتلأ حيات يركب بعضها بعضا. ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ أي أحس موسى بالخوف من أن يغلب، تأثرا بالطبيعة البشرية. وابتهج فرعون وقومه، وظنوا أنهم قد نجحوا، وأن السحرة فازوا على موسى وهارون. ﴿قُلْنا: لا تَخَفْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ أي قال الله لموسى: لا تخف، فإنك أنت المستعلي عليهم بالظفر والغلبة. ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا، إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ، وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ أي وألق يا موسى العصا التي في يمينك، تبتلع بعد أن تصير حية جميع ما صنعوه من الحبال والعصي، وسحروا بها أعين الناس، إن الذي صنعوه ليس إلا سحرا خيالا لا حقيقة له ولا بقاء، ولا يفوز الساحر حيث أتى من الأرض، أو حيث احتال، وأنه لا يحصل مقصوده بالسحر، خيرا كان أو شرا. وإنما أبهم العصا تهويلا لأمرها، وأنها ليست من جنس العصي المعروفة. فقامت المعجزة، واتضح البرهان، وظهر الحق، وبطل السحر، ودهش الناس الذين ينظرون، وأدرك السحرة أن السحر لا يفعل هذا أبدا، وأن هذا خارج عن طاقة البشر، وأنه من فعل الإله خالق الكون، فآمنوا كما قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً، قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى﴾ أي فلما ألقى

стр. 4908

موسى عصاه، وابتلعت عصيهم وحبالهم، علموا أن فعل موسى ليس من قبيل السحر والحيل، بل هو عن أمر الله القادر على كل شيء، فسجدوا لله وآمنوا برسالة موسى، قائلين: آمنا برب العالمين، رب هارون وموسى، مفضلين الآخرة على الدنيا، والحق على الباطل. قال ابن عباس وعبيد بن عمير: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة. وروى عكرمة عن ابن عباس أيضا أنه قال: كانت السحرة سبعين رجلا، أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء. قال الأوزاعي: لما خر السحرة سجدا، رفعت لهم الجنة، حتى نظروا إليها. الله أكبر! ففعل الله أعجب وأدهش، والإيمان البسيط سبب للمجد العظيم، والفضل الكبير، والنعم الخالدة في جنان الله. وليس المراد بقوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ أنهم أجبروا على السجود، وإلا لما كانوا محمودين، بل إنهم من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا، قال صاحب الكشاف: ما أعجب أمرهم، قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!! وإنما قالوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى﴾ ولم يقولوا برب العالمين فقط؛ لأن فرعون ادعى الربوبية في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ [النازعات ٢٤/ ٧٩] وادعى الألوهية في قوله: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨/ ٢٨] فلو أنهم قالوا: آمنا برب العالمين فحسب، لقال فرعون إنهم آمنوا بي، لا بغيري، فاختاروا هذه العبارة لإبطال قوله، والدليل عليه: أنهم قدموا ذكر هارون على موسى؛ لأن فرعون كان يدعي ربوبيته لموسى؛ لأنه رباه في صغره كما حكى تعالى عنه: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً﴾ [الشعراء ١٨/ ٢٦]. ثم إن فرعون لما شاهد السجود والإقرار بالله تعالى، خاف متابعة الناس لهم واقتداءهم بهم في الإيمان بالله وبرسوله، فألقى شبهة أخرى في النبي ونبوته، فقال:

стр. 4909

﴿قالَ: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ، إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ أي قال فرعون الذي أصر على كفره وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل حين رأى المعجزة الباهرة، وإيمان من استنصر بهم من السحرة، وهزيمته الساحقة: هل صدقتموه أو صدقتم قوله واتبعتموه على دينه من غير إذن مني لكم بذلك؟ فلم تؤمنوا عن بصيرة وتفكير، إنما أنتم أخذتم السحر عن موسى، فهو معلمكم وأستاذكم، وأنتم تلاميذه، واتفقتم وتواطأتم أنتم وإياه علي وعلى رعيتي لتظهروه وتروجوا لدعوته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ، لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٢٣/ ٧]. أراد فرعون بهذا القول أن يدخل الشبهة على الناس، حتى لا يؤمنوا، وإلا فإنه قد علم أنهم لم يتعلموا من موسى، ولا كان رئيسا لهم، ولا بينه وبينهم صلة أو مواصلة. ثم لجأ فرعون إلى التهديد والتنفير عن الإيمان قائلا: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ، وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى﴾ أي أقسم أني لأمثلن بكم، فأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، أي بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو عكسه. قال ابن عباس: فكان أول من فعل ذلك، وهذا تعطيل للمنفعة، وأيضا لأصلبنكم على جذوع النخل، زيادة في الإيلام والتشهير، وإنما اختارها لخشونتها وأذاها، ولتعلمن هل أنا أشد عذابا لكم أو رب موسى؟ وفي هذا تحد لقدرة الله، وتحقير لشأن موسى، وإيماء إلى ماله من سلطة وقهر واقتدار. ولما صال عليهم بذلك وتوعدهم، هانت عليهم أنفسهم في الله : - ﴿قالُوا: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا﴾ أي لن

стр. 4910

نختارك على ما جاءنا به موسى من البينات الواضحة من عند الله تعالى، والمعجزات الظاهرة كاليد والعصا، وعلى ما حصل لنا من الهدى واليقين، ولن نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، فهو المستحق للعبادة والخضوع، لا أنت. - ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ، إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي فافعل ما شئت، واصنع ما أنت صانع، إنما لك تسلط ونفوذ علينا في هذه الدنيا التي هي دار الزوال، بما تريد من أنواع القتل، ولا سبيل لك علينا فيما بعدها، ونحن قد رغبنا في دار القرار. - ﴿إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا، وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ، وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي إننا صدقنا بالله ربنا المحسن إلينا، ليتجاوز ويستر ويعفو عن سيئاتنا وآثامنا وذنوبنا، خصوصا ما أجبرتنا عليه من عمل السحر، لنعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه، والله خير لنا منك جزاء وأدوم ثوابا، مما كنت وعدتنا، وأبقى منك عقابا. ذكر أن رؤساء السحرة كانوا اثنين وسبعين، اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل، فقالوا لفرعون: أرنا موسى نائما، فرأوه فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بساحر، الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه. ولم تدل الآيات على تنفيذ فرعون ما هدد به السحرة، ولكن الظاهر أنه نفذ ذلك، لقول ابن عباس المتقدم: أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء بررة. وتابع السحرة وعظ فرعون، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم، ويرغبونه في ثوابه الأبدي الخالد، فقالوا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً، فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ، لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ أي إن من يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم، فعذابه في جهنم، لا يموت فيها ميتة

стр. 4911

مريحة، ولا يحيا حياة ممتعة، فهو يألم كما يألم الحي. وهذا من قول السحرة لما آمنوا، وقيل: ابتداء كلام من الله . ونظير الآية قوله تعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها، كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر ٣٦/ ٣٥] وقوله سبحانه: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى، ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ [الأعلى ١١/ ٨٧ - ١٣] وقوله : ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ، لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، قالَ: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧/ ٤٣]. وأخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﵌ خطب، فأتى على هذه الآية، فقال: «أما أهلها الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها، فإن النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم ضبائر (١) على نهر، يقال له: نهر الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل». وفي الخبر الصحيح: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان». ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ، فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى﴾ أي ومن يلقى ربه يوم المعاد مؤمن القلب، قد صدق ضميره بقوله وعمله، فعمل الطاعات، فأولئك لهم بإيمانهم وعملهم الصالح الجنة ذات الدرجات والمنازل العالية الرفيعة، والغرف الآمنة، والمساكن الطيبة. أخرج الإمام أحمد والترمذي عن عبادة بن الصامت عن النبي ﵌ قال: «الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله تعالى، فاسألوه الفردوس».

стр. 4912

وفي الصحيحين: «إن أهل عليين ليرون من فوقهم، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء، لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» وفي السنن: «وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما». ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ أي تلك الدرجات العلى في جنات إقامة تجري من تحت غرفها الأنهار، ماكثين فيها أبدا، وذلك الفوز الذي أحرزوه جزاء من طهر نفسه من دنس الكفر والمعاصي الموجبة للنار، واتبع المرسلين فيما جاؤوا به من عند الله العلي القدير. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - الأدب الحسن يفيد في الدنيا والآخرة، فلما خير السحرة موسى بين أن يلقي أولا أو يلقوهم، أفادهم ذلك في التوفيق للإيمان. ولما قدمهم موسى في الإلقاء وهم الجمع الكثير، نصره ربه، فالتقمت عصاه التي تحولت حية جميع ما ألقوه من الحبال والعصي، وكان ظهور المعجزة أوقع وأتم وأوضح. وليس أمر موسى بالإلقاء رضى منه بما هو سحر وكفر؛ إذ لا يقصد منه ظاهر الأمر؛ فلا يكون نفس الإلقاء كفرا ومعصية، وإنما هو وسيلة لما بعده، ليظهر الفرق بين ذلك الإلقاء وبين معجزة الرسول موسى ﵇، ولأن الأمر مشروط بتقدير محذوف هو: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين. ثم إنه قدمهم في الإلقاء على نفسه، مع أن تقديم إيراد الشبهة على إيراد الحجة غير جائز؛ ليكون إظهار المعجزة سببا لإزالة الشبهة.

стр. 4913

٢ - خاف موسى ﵇ من الحيات، حسبما يعرض لطباع البشر، كما خاف لأول مرة حينما كلمه الله بإلقاء عصاه فصارت حية عظيمة. وقيل: خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي عصاه. ٣ - أزال الله الخوف عن قلب موسى بقوله له: ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ أي الغالب لهم في الدنيا، وأنت في الدرجات العلى في الجنة، للنبوة والاصطفاء الذي آتاك الله به. وبقوله أيضا: ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العصا التي بيمينك، فإنها بقدرة الله تلتهم كل ما ألقوا، وهي أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء، فإنها تبتلع بإذن الله ما معهم وتمحقه. ٤ - اختلف الرواة في عدد السحرة، والظاهر كما نقل عن ابن عباس وغيره كالكلبي: أنهم كانوا اثنين وسبعين ساحرا، اثنان منهم من القبط، وسبعون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على ذلك. هذا مع العلم بأن ظاهر القرآن لا يدل على شيء من العدد، والمهم أنه لا يفوز ولا ينجو الساحر حيث أتى من الأرض، أو حيث احتال، ولا يحصل مقصوده بالسحر خيرا كان أو شرا، وذلك يقتضي نفي السحر بالكلية. ٥ - خر السحرة ساجدين لله، لما رأوا من عظيم الأمر وخرق العادة في العصا؛ فإنها ابتلعت جميع ما احتالوا به من الحبال والعصي، وكانت حمل ثلاث مائة بعير، ثم عادت عصا، لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي إلا الله تعالى (١). وفي قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾ دلالة على أنه ألقى العصا، وصارت حية، وتلقفت ما صنعوه، وفي التلقف دلالة على أن جميع ما ألقوه تلقفته،

стр. 4914

وذلك لا يكون إلا مع عظم جسدها وشدة قوتها. وقد حكي عن السحرة أنهم عند التلقف أيقنوا بأن ما جاء به موسى ﵇ ليس من مقدور البشر من وجوه: أحدها-ظهور حركة العصا على وجه لا يمكن بالحيلة. وثانيها-زيادة عظمها على وجه لا يتم بالحيلة. وثالثها-ظهور الأعضاء عليها من العين والمنخرين والفم وغيرها، ولا يتم ذلك بالحيلة. ورابعها-تلقف جميع ما ألقوه على كثرته، وذلك لا يتم بالحيلة. وخامسها-عودها خشبة صغيرة كما كانت، ولا يتم شيء من ذلك بالحيلة (١). ٦ - قوله: ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ فيه دلالة على أن ما مع موسى معجزة إلهية، والذي معهم تمويهات باطلة. ٧ - آمن السحرة بما رأوه من المعجزة، وعرفوا أن رب موسى وهارون هو الرب الحقيقي المستحق للعبادة، وكان إيمانهم أرسخ من الجبال، فهان عليهم عذاب الدنيا، ولم يأبهوا بتهديد فرعون. ٨ - لم يملك فرعون إلا أن يعلن بأن موسى كبير السحرة ورئيسهم في التعليم، وأنه إنما غلبهم لأنه أحذق منهم؛ ليشبه على الناس، حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم فرعون أنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته. ٩ - ولجأ أخيرا إلى التهديد بالتقطيع للأيدي والأرجل من خلاف، لتعطيل المنفعة، وضم إليه التصليب للإذلال والإهانة، وزاد في غيه وكفره وعناده أنه أشد عذابا وأدوم أثرا من عذاب رب موسى. وهذا إفك شديد.

стр. 4915

١٠ - لم يتراجع السحرة عن إيمانهم بالرغم من شدة التهديد والوعيد وقالوا لفرعون: لن نختارك على ما جاءنا من اليقين والعلم، ولا على الذي فطرنا، أي خلقنا، فافعل ما شئت، إنما ينفذ أمرك في هذه الدنيا. إننا صدقنا بالله وحده لا شريك له وما جاءنا به موسى ليغفر الله لنا خطايانا، أي الشرك الذي كانوا عليه، ويغفر لنا ما أكرهتنا عليه من السحر، وثواب الله خير وأبقى. قال عكرمة وغيره: لما سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم من الجنة؛ فلهذا قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾. وكانت امرأة فرعون تسأل من غلب؟ فقيل لها: غلب موسى وهارون؛ فقالت: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة، فإن مضت على قولها فألقوها عليها؛ فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت منزلها في الجنة، فمضت على قولها فانتزعت روحها، وألقيت الصخرة على جسدها، وليس في جسدها روح. ١١ - استمر السحرة في وعظ فرعون وغيره وتحذيره من عذاب الآخرة وترغيبه في العمل للجنة، فقالوا: إن المجرم يدخل النار، والمؤمن يدخل الجنة، والمجرم: هو الكافر بدليل مقابلته بالمؤمن في الآية التالية: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً.﴾. وصفة الكافر المكذب الجاحد أنه في جهنم لا يموت فيها ولا يحيا. وإذا كان هذا كلام السحرة، فلعلهم سمعوه من موسى أو من بني إسرائيل، إذ كان فيهم بمصر أقوام، وكان فيهم أيضا المؤمن من آل فرعون. ويحتمل أن يكون ذلك إلهاما من الله لهم، أنطقهم بذلك لما آمنوا. وقد استدل المعتزلة بهذه الآية على وعيد أصحاب الكبائر، وقالوا: صاحب الكبيرة مجرم، وكل مجرم فإن له جهنم لقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ ومن

стр. 4916

الشرطية تفيد العموم. والجواب أن كلمة المجرم كما بينا يراد بها الكافر، بدليل مقابلتها بالمؤمن فيما بعد. وأما من يموت على الإيمان، ويلقى ربه مصدقا به وبرسله وبالبعث، ويعمل الصالحات، أي الطاعات وما أمر به وما نهي عنه، فله الدرجة الرفيعة التي عجز الوصف عن إدراكها والإحاطة بها. والدرجات العلى هي جنان الخلد والإقامة التي تجري من تحت غرفها وسررها الأنهار من الخمر والعسل واللبن والماء، ماكثين دائمين، وذلك جزاء من تطهر من الكفر والمعاصي. - ١٠ - إغراق فرعون وجنوده في البحر ونعم الله على بني إسرائيل ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى (٨٢)﴾ الإعراب: ﴿طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً﴾ ﴿يَبَساً﴾ صفة ﴿طَرِيقاً﴾ وهو مصدر، فهو إما أن يكون بمعنى: ذا يبس، فحذف المضاف، أو جعل الطريق اليبس نفسه.

стр. 4917

﴿لا تَخافُ دَرَكاً﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال، أي غير خائف، مثل: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر ٦/ ٧٤] أي مستكثرا. ومن قرأ لا تخف جزمه جوابا لقوله: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً﴾. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ الجار والمجرور في موضع نصب على الحال، والمفعول الثاني محذوف، أي فأتبعهم فرعون عقوبته بجنوده، أي معه جنوده. ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ أي من ماء اليم، و ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾: في موضع رفع فاعل، وكان حق الكلام: فغشيهم من ماء اليم شدته. فعدل إلى لفظه ﴿ما﴾ لما فيها من الإبهام، تهويلا للأمر، وتعظيما للشأن؛ لأنه أبلغ من التعيين، فيكون أبلغ تخويفا وتهديدا. ﴿وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ ﴿جانِبَ الطُّورِ﴾ مفعول ثان لواعدناكم، والتقدير: واعدناكم إتيان جانب الطور الأيمن، ثم حذف المضاف. و ﴿الْأَيْمَنَ﴾ صفة جانب. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ صفة لموصوف محذوف، أي: وعمل عملا صالحا، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. البلاغة: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ تهويل. ﴿وَأَضَلَّ﴾ ﴿وَما هَدى﴾ طباق بينهما. ﴿فَقَدْ هَوى﴾ استعارة، استعار لفظ الهوي: وهو السقوط من علو إلى سفل للهلاك والدمار. ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ﴾ صيغة مبالغة، أي كثير المغفرة للذنوب. المفردات اللغوية: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي﴾ ليلا من مصر، والسري والإسراء: السير ليلا ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ اجعل لهم بعصاك ﴿يَبَساً﴾ أي طريقا يابسا، لا ماء فيه، فامتثل ما أمر به، وأيبس الله الأرض في قاع البحر، فمروا فيها ﴿لا تَخافُ دَرَكاً﴾ أو دركا، أي إدراكا ولحوقا ﴿وَلا تَخْشى﴾ ولا تخاف غرقا ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ حذف المفعول الثاني، أي فأتبعهم فرعون نفسه ومعه جنوده. ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ فغمرهم وعلاهم من ماء البحر ما علاهم، فأغرقهم، والضمير: له ولهم. وفيه مبالغة وتهويل وإيجاز، أي غشيهم ما سمعت قصته ولا يعرف كنهه إلا الله ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أي أضلهم في الدين وما هداهم بدعوتهم إلى عبادته، وإيقاعهم في الهلاك، خلافا

стр. 4918

لقوله: ﴿وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر ٢٩/ ٤٠] فمعنى ﴿أَضَلَّهُمُ﴾: سلك بهم طريقا إلى الخسران في دينهم ودنياهم، إذ أغرقوا فأدخلوا نارا. ومعنى ﴿وَما هَدى﴾: وما أرشدهم طريقا يؤدي بهم إلى السعادة. ﴿أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون بإغراقه ﴿الْأَيْمَنَ﴾ أي عن يمين من يأتي من الشام إلى مصر، لإنزال التوراة، للعمل بها، وقرئ الأيمن بالجر على الجوار ﴿الْمَنَّ﴾ نوع من الحلوى يسمى الترنجبين ﴿وَالسَّلْوى﴾ طائر هو السماني، وكلاهما في التيه ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ لذائذه أو حلالاته مما أنعمنا به عليكم ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ بأن تكفروا النعمة به، وتخلوا بشكره، وتتعدوا لما حد الله لكم فيه، كالسرف والبطر والمنع عن المستحق ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ بكسر الحاء: أي فيجب ويلزمكم عذابي، وبضمها: أي ينزل ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ﴾ بكسر الحاء وضمها ﴿فَقَدْ هَوى﴾ سقط من النار وهلك. ﴿لَغَفّارٌ﴾ كثير المغفرة وستر الذنوب ﴿لِمَنْ تابَ﴾ من الشرك ﴿وَآمَنَ﴾ وحد الله وآمن بما يجب الإيمان به ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ عمل الفرائض والنوافل ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ ثم استقام على الهدى المذكور إلى موته. المناسبة: بعد بيان الانتصار الساحق لموسى ﵇ على السحرة، أبان الله تعالى طريق الخلاص بين فرعون الطاغية وقومه وبين بني إسرائيل، فأغرق الله فرعون وجنوده في البحر، حين تبعوا موسى وقومه، لما خرج من مصر إلى الطور، وذلك بمعجزة العصا التي ضرب بها موسى البحر، فأحدث فيه بقدرة الله طريقا يبسا، بالرغم من الآيات المفصلة التي حدثت على يد موسى في مدى عشرين سنة حسبما ذكر في سورة الأعراف. وأنقذ الله بني إسرائيل الذين أنعم الله عليهم بأنواع من النعم الدينية والدنيوية وأهمها إزالة المضرة، فاقتضى تذكيرهم إياها، وابتدأ بالمنفعة الدنيوية بقوله: ﴿أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ وهو إشارة إلى إزالة الضرر، ثم ثنى بذكر المنفعة الدينية بقوله: ﴿وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ وهو إنزال التوراة كتاب دينهم ومنهاج شريعتهم، ثم ثلث بذكر المنفعة الدنيوية بقوله: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ

стр. 4919

الْمَنَّ وَالسَّلْوى، كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ ثم زجرهم عن العصيان بقوله: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ، فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ ثم بيان قبول توبة العاصي بقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ﴾. التفسير والبيان: أمر الله موسى ﵇ حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل أن يسري بهم في الليل، وينقذهم من قبضة فرعون، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي، فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ، يَبَساً، لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى﴾ أي ولقد أوحينا إلى النبي موسى أن يسير ببني إسرائيل من مصر ليلا، دون أن يشعر بهم أحد، وأمرناه أن يتخذ أو يجعل لهم طريقا يابسا في وسط البحر (بحر القلزم أو البحر الأحمر) وذلك أن الله تعالى أيبس لهم تلك الطريق حتى لم يكن فيها ماء ولا طين. وأشعرناه بالأمان والنجاة، فقلنا له: أنت آمن لا تخاف أن يدركك وقومك فرعون وقومه، ولا تخشى أن يغرق البحر قومك، أو لا تخاف إدراك فرعون ولا تخشى الغرق بالماء. والتعبير عن بني إسرائيل بكلمة ﴿بِعِبادِي﴾ دليل على العناية بهم، وأنهم كانوا حينئذ قوما صالحين، وإيماء بقبح صنع فرعون بهم من الاستعباد والظلم. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ أي تبعهم فرعون ومعه جنوده، فغشيهم من البحر ما غشيهم مما هو معروف ومشهور، فغرقوا جميعا. وتكرار ﴿غَشِيَهُمْ﴾ للتعظيم والتهويل. وأما تورط فرعون الداهية الذكي في متابعة موسى فكان بسبب أنه أمر مقدمة عسكره بالدخول، فدخلوا وما غرقوا، فغلب على ظنه السلامة، فلما دخل الكل أغرقهم الله تعالى.

стр. 4920

﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾ أي أضل فرعون قومه عن سبيل الرشاد، وما هداهم إلى طريق النجاة حينما سلك بهم في الطريق الذي سلكه بنو إسرائيل في وسط البحر. ثم بدأ الله تعالى يعدد نعمه على بني إسرائيل، مقدما إزالة المضرة على جلب المنفعة، وهو ترتيب حسن معقول؛ لأن «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» فقال: ١ - ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ أي قلنا لهم بعد إنجائهم: يا بني إسرائيل، قد أنجيناكم من عدوكم: فرعون، الذي كان يذبح أبناءكم ويستحيي نساءكم، وأقررنا أعينكم منهم، حين أغرقتهم وأنتم تنظرون إليهم، فقد غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينج منهم أحد، كما في آية أخرى: ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة ٥٠/ ٢] وهو إشارة إلى إزالة الضرر. ٢ - ﴿وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ أي جعلنا لكم ميقاتا وهو موعد تكليم موسى بحضرتكم، وإنزال التوراة ذات الشريعة المفصلة، وأنتم تسمعون الكلام الذي يخاطبه به رب العزة. وكان مكان الموعد جانب جبل الطور الأيمن، وهو جبل في سيناء. قال المفسرون: ليس للجبل يمين ولا يسار، بل المراد أن طور سيناء عن يمين من انطلق من مدين إلى مصر. ٣ - ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾ أي وأنزلنا عليكم المن والسلوى وأنتم في التيه، أما المن: فهو حلوى كانت تنزل عليهم من الندى من السماء، من الفجر إلى طلوع الشمس، على الحجارة وورق الشجر. وأما السلوى: فهو طائر السماني الذي تسوقه ريح الجنوب، فيأخذ كل واحد منكم ما يكفيه. ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أي وقلنا لهم: أنعموا بالأكل من تلك الطيبات المستلذات من الأطعمة الحلال.

стр. 4921

﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ، فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي ولا تتجاوزوا ما هو جائز إلى ما لا يجوز، ولا تجحدوا نعمة الله فتكونوا طاغين، ولا تأخذوا من الرزق من غير حاجة، وتخالفوا ما أمرتكم به من البعد عن السرف والبطر وارتكاب المعاصي والاعتداء على الحقوق، فينزل بكم غضبي، وعقوبتي. ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ أي ومن ينزل به غضبي فقد شقي وهلك. ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾ أي وإني لستار وذو مغفرة شاملة لمن تاب من الذنوب، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعمل عملا صالحا مما ندب إليه الشرع وحسنه، ثم استقام على ذلك حتى يموت. وفي التعبير ب ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ دلالة على وجوب الاستمرار على تلك الطريقة؛ إذ المهتدي في الحال لا يكفيه ذلك في الفوز بالنجاة، حتى يستمر عليه في المستقبل، ويموت عليه، ويؤكده قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ، ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت ٣٠/ ٤١] وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ هنا للتراخي، وليست لتباين المرتبتين، بل لتباين الوقتين، فكأنه تعالى قال: الإتيان بالتوبة والإيمان والعمل الصالح، مما قد يحدث أحيانا لكل أحد، ولا صعوبة في ذلك، إنما الصعوبة في المداومة والاستمرار على المطلوب. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت هذه الآيات إلى ما يأتي: ١ - تفضل الله على بني إسرائيل بإنقاذهم وإنجائهم من ظلم فرعون وقومه، فأوحى الله إليه أن يتخذ لهم طريقا يابسا في البحر لا طين فيه ولا ماء، بأن ضربه بعصاه، فانشق، وجف بما هيأ الله له من الأسباب كالرياح، فأضحى لا يخاف لحاقا من فرعون وجنوده، ولا يخشى غرقا من البحر.

стр. 4922

٢ - تورط فرعون بعد أن أرسل فريقا من عسكره وراء بني إسرائيل في البحر، فلما لم يغرقوا، أمر جنوده بالمسيرة بقيادته، فتبعهم ليلحقهم مع جنوده، فأطبق عليهم البحر، ولم ينج أحد. ٣ - كان فرعون شؤما على نفسه وعلى قومه، فإنه أضلهم عن الرشد، وما هداهم إلى خير ولا نجاة؛ لأنه قدر أن موسى ﵇ ومن معه لا يفوتونه؛ لأن بين أيديهم البحر. فلما ضرب موسى البحر بعصاه انفلق منه اثنا عشر طريقا، وكان الماء بين الطرق قائما كالجبال، كما قال تعالى: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء ٦٣/ ٢٦] أي الجبل الكبير، فأخذ كل سبط من أسباط بني إسرائيل طريقا. وأوحى الله إلى أطواد الماء بالتشبك، فصارت شبكات يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض، فكان هذا من أعظم المعجزات، وأكبر الآيات. فلما أقبل فرعون، ورأى الطرق في البحر، والماء قائما، أوهمهم أن البحر فعل هذا لهيبته، فدخل هو وأصحابه، فانطبق البحر عليهم. وهذا كله يحتاج إلى الإيمان بقدرة الله. ٤ - أنعم الله على بني إسرائيل بنعم كثيرة، ذكر منها هنا ثلاثا، وهي الإنجاء من آل فرعون، والمواعدة: إتيان جانب الطور، وإنزال المن والسلوى في التيه. ٥ - إن النعم تقتضي الحفظ والشكر، فقد يسر الله لهم الأكل من طيبات الرزق الحلال ولذيذه الذي لا شبهة فيه، فما عليهم إلا حفظ النعمة، فلا يؤخذ منها أكثر من الحاجة، وشكرها، فلا تؤدي إلى السرف والبطر والمعصية، وهذا هو الطغيان، أي التجاوز إلى ما لا يجوز.

стр. 4923

٦ - إن جحود النعمة يوجب حلول غضب الله ونزوله، ومن نزل به غضب الله وعقابه ونقمته وعذابه، فقد شقي وهلك وهوى، أي صار إلى الهاوية وهي قعر النار. ٧ - الله غفور على الدوام لمن تاب من الشرك والكفر والمعصية، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعمل صالح الأعمال بأداء الفرائض والطاعات، واجتنب المعاصي، ثم أقام على إيمانه حتى مات عليه. - ١١ - تكليم الله موسى في الميقات وفتنة السامري بصناعة العجل إلها ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩)﴾

стр. 4924

الإعراب: ﴿وَما أَعْجَلَكَ..﴾. ﴿ما﴾ مبتدأ، و ﴿أَعْجَلَكَ﴾ خبره، وفيه ضمير يعود إلى ﴿ما﴾ وتقديره: أي شيء أعجلك؟. ﴿يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ ﴿وَعْداً﴾ إما منصوب على المصدر، تقول: وعدته وعدا، كضربته ضربا، وإما أن يكون الوعد بمعنى الموعود، كالخلق بمعنى المخلوق، فيكون مفعولا به ثانيا ل ﴿يَعِدْكُمْ﴾ على تقدير حذف مضاف، أي تمام وعد حسن. ﴿ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ بالفتح: هو اسم أي بإصلاح ملكنا ورعايته، ومن ضم الميم جعله مصدر «ملك» يقال: ملك بين الملك، ومن كسر الميم جعله مصدر «مالك» يقال: مالك بين الملك، والمصدر هنا مضاف إلى الفاعل. ﴿فَنَسِيَ﴾ الفاعل إما ﴿السّامِرِيُّ﴾ أي نسي طاعتنا وتركها، والنسيان بمعنى الترك، قال تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧/ ٩] أي تركوا طاعة الله فتركهم في النار، وإما الفاعل ﴿مُوسى﴾ أي ترك موسى ذلك وأعرض عنه، والأول أوجه. ﴿أَلاّ يَرْجِعُ﴾ «أن» مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف: أنه. المفردات اللغوية: ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ لمجيء ميعاد أخذ التوراة، وهو يدل على تقدم قومه في المسير إلى المكان، وهو سؤال عن سبب العجلة، يتضمن إنكارها، من حيث إنها نقيصة في نفسها، انضم إليها إغفال القوم، وإيهام التعظم عليهم، فأجاب موسى عن الأمرين، وقدم جواب الإنكار؛ لأنه أهم فقال: ﴿هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي﴾ أي ما تقدمتهم إلا بخطي يسيرة لا يعتد بها عادة، وهم قادمون ورائي، ليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة، يتقدم الرفقة بها بعضهم بعضا. ثم قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ عني، أي زيادة على رضاك، فإن المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بعهدك يوجب مرضاتك. وقبل الجواب أتى بالاعتذار بحسب ظنه. يقال: جاء على أثره: أي لحقه بلا تأخير. قال تعالى: ﴿فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أي ابتليناهم واختبرناهم بعبادة العجل، بعد فراقك لهم، وأضلهم موسى السامري: أي أوقعهم في الضلال والخسران، باتخاذ العجل والدعاء إلى عبادته. وهم الذين خلفهم مع هارون، وكانوا ست مائة ألف، ما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفا. وقرئ: وأضلهم السامري، أي أشدهم ضلالة؛ لأنه كان ضالا مضلا. والسامري: منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة.

стр. 4925

﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ﴾ بعد ما استوفى الأربعين ليلة وأخذ التوراة ﴿غَضْبانَ﴾ عليهم ﴿أَسِفاً﴾ شديد الحزن بما فعلوا ﴿وَعْداً حَسَناً﴾ أي صدقا أنه يعطيكم التوراة فيها هدى ونور ﴿أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي زمان الإنجاز، يعني زمان مفارقته لهم ﴿أَنْ يَحِلَّ﴾ يجب عليكم ﴿غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعبادتكم العجل ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ وعدكم إياي بالثبات على الإيمان بالله، والقيام بما أمرتكم به، وتركتم المجيء بعدي. ﴿بِمَلْكِنا﴾ مثلث الميم أي بقدرتنا واختيارنا وأمرنا، إذ لو خلينا وأمرنا ولم يسول علينا السامري، لما أخلفنا موعدك ﴿وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ وقرئ: وحملنا، و ﴿أَوْزاراً﴾ أثقالا، وزينة القوم أي حلي قوم فرعون، أي حملنا أحمالا من حلي القبط التي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر، باسم العروس ﴿فَقَذَفْناها﴾ طرحناها في النار بأمر السامري ﴿فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ﴾ أي كما ألقينا فكذلك ألقى السامري ما كان معه منها أي من حليهم ومن التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل. ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً﴾ أي صاغ من تلك الحلي المذابة عجلا جثة لا روح فيها ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ الخوار: صوت العجل، والمراد هنا صوت يسمع بسبب التراب الذي يكون أثره الحياة فيما يوضع فيه، وقد وضعه في فم العجل بعد صوغه. ﴿فَقالُوا﴾ أي السامري وأتباعه ﴿فَنَسِيَ﴾ أي نسي السامري وترك ما كان عليه من إظهار الإيمان، وقيل في زعم السامري: نسي موسى ربه هنا، وذهب يطلبه عند الطور. ﴿أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ ألا يرد العجل لهم جوابا ﴿وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ أي لا يقدر على دفع ضر عنهم ولا جلب نفع لهم، فكيف يتخذ إلها؟! المناسبة: بعد تعداد النعم على بني إسرائيل، أردف هذا بقصة الكلام الذي جرى بينه تعالى وبين موسى في الميقات بحسب المواعدة التي واعده بها ربه سابقا، ثم أعقبه ببيان فتنة السامري لبني إسرائيل باختراع العجل من الذهب، وجعله إلها، يصدر صوتا حينما تهب رياح معينة، فتحرك التراب الذي في فمه، فوبخهم الله بأن هذا العجل لا يجيب سائله، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا. وتجاوب بني إسرائيل في تأليه العجل وعبادته نابع من ميلهم إلى الوثنية

стр. 4926

أثناء مخالطة المصريين، بدليل أنه لما نجاهم الله من طغيان فرعون، طلبوا من موسى نفسه ﵇ أن يصنع لهم تمثالا ليعبدوه، كما قال تعالى: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ، فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ، قالُوا: يا مُوسَى، اجْعَلْ لَنا إِلهاً، كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف ١٣٨/ ٧]. التفسير والبيان: ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ أي ما حملك على أن تسبقهم، والقوم: هم بنو إسرائيل، والمراد بهم هنا النقباء السبعون، أي ما الذي حملك على العجلة حتى تركت النقباء وخرجت من بينهم. وذلك أن الله وعد موسى باللقاء في جبل الطور بعد هلاك فرعون، ليعطيه الألواح التي فيها الوصايا الدستورية لبني إسرائيل. فلما أهلك الله فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فأمره أن يصوم ثلاثين يوما، ثم زيدت إلى أربعين يوما: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ، فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ: اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي، وَأَصْلِحْ، وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف ١٤٢/ ٧]. وكانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه، فاختار موسى منهم سبعين رجلا: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف ١٥٥/ ٧] وهم النقباء السبعون الذين اختارهم، فسار موسى بهم، ثم عجل من بينهم شوقا إلى ربه، أي لما قرب من الطور سبقهم شوقا إلى سماع كلام الله، فقال الله له: ما أعجلك؟ أي ما الذي حملك على العجلة حتى تركت قومك وخرجت من بينهم؟. وهذا الإنكار إنكار للعجلة في ذاتها؛ لما فيها من عدم العناية بصحبه؛ لأن من شرط المرافقة الموافقة، وهو تعليم للأدب الحسن الرفيع في المصاحبة.

стр. 4927

﴿قالَ: هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي، وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ أي قال موسى مجيبا ربه: هم بالقرب مني، واصلون بعدي، وما تقدمتهم إلا بخطإ يسيرة، وسارعت إليك رب لتزداد عني رضا بمسارعتي إلى الوصول إلى مكان الموعد، امتثالا لأمرك، وشوقا إلى لقائك. فهو ﵇ يعتذر بالخطإ في الاجتهاد. ﴿قالَ: فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أي قال الله تعالى: إنا قد اختبرنا قومك بني إسرائيل من بعد فراقك لهم، وهم الذين تركهم مع أخيه هارون، وجعلهم موسى السامري في ضلالة عن الحق، باتخاذهم عبادة العجل من ذهب. والسامري من قبيلة السامرة، أو من قوم يعبدون البقر، والأكثرون أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة السامرة، قال لمن معه من بني إسرائيل: إنما تخلف موسى عن الميعاد الذي بينكم وبينه وهو عشر ليال، لما صار معكم من الحلي، وهي حرام عليكم، وأمرهم بإلقائها في النار، وكان منها العجل، الذي يصدر منه صوت أحيانا بفعل تأثير الرياح. ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ أي فعاد موسى إلى قومه بني إسرائيل بعد انقضاء الليالي الأربعين، شديد الغضب والحنق، والأسف والحزن والجزع. ﴿قالَ: يا قَوْمِ، أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً؟﴾ أي قال موسى: يا قوم أما وعدكم ربكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة وحسن العاقبة، من إنزال الكتاب التشريعي العظيم لتعملوا به، والنصر على عدوكم، وتملككم أرض الجبارين وديارهم، والثواب الجزيل في الآخرة بقوله المتقدم: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾.

стр. 4928

﴿أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ، فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أي هل طال عليكم الزمان في انتظار وعد الله ونسيان ما سلف من نعمه، ولم يمض على ذلك من العهد غير شهر وأيام، ﴿أَمْ﴾ (أي بل (١)) أردتم بصنيعكم هذا أن ينزل عليكم غضب ونقمة وعقوبة من ربكم؟ فأخلفتم وعدي، إذ وعدتموني أن تقيموا على طاعة الله إلى أن أرجع إليكم من الطور. يعني هل طال العهد عليكم فنسيتم أو أردتم المعصية فأخلفتم؟. ﴿قالُوا: ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ أي أجابوه قائلين: ما أخلفنا عهدك ووعدك باختيارنا وقدرتنا، بل كنا مضطرين إلى الخطأ. وهذا إقرار منهم بالمعصية والوقوع في الفتنة بتسويل السامري وغلبته على عقولهم، كما قال تعالى: ﴿وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ، فَقَذَفْناها، فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ﴾ أي ولكن حملنا أثقالا من زينة القوم أي القبط المصريين، حين خرجنا من مصر معك، وأوهمناهم أننا نجتمع في عيد لنا أو وليمة. وسميت أوزارا أي آثاما؛ لأنه لا يحل لهم أخذها. وقال السامري لهم: إنما حبس موسى عنكم بشؤم حرمتها، ثم أمرنا أن نحفر حفرة، ونملأها نارا، وأن نقذف الحلي فيها، فقذفناها، أي فطرحناها في النار طلبا للخلاص من إثمها، فمثل ذلك قذف السامري ما معه، وصاغ من الحلي عجلا، ثم ألقى عليه قبضة من أثر الرسول جبريل. ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ﴾ أي فأخرج السامري لبني إسرائيل من الذهب الملقى في النار (الأوزار) جسد عجل لا روح ولا حياة فيه، له خوار العجول؛ لأنه صنعه بطريقة معينة، عمل فيه خروقا، وألقى فيه رملا من أثر جبريل، فكان إذا دخلت الريح في جوفه خار. والخوار: صوت البقر.

стр. 4929

﴿فَقالُوا: هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى، فَنَسِيَ﴾ أي قال السامري ومن فتن به: هذا هو إلهكم وإله موسى، فاعبدوه، ولكن موسى نسي أن يخبركم أن هذا إلهكم. فرد الله تعالى عليهم مقرعا لهم ومسفها عقولهم، فقال: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً، وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ أي أفلا يعتبرون ويتفكرون في أن هذا العجل لا يرد عليهم جوابا، ولا يكلمهم إذا كلموه، ولا يقدر أن يدفع عنهم ضررا، أو يجلب لهم نفعا، فكيف يتوهمون أنه إله؟!. فقه الحياة أو الأحكام: تدل الآيات على ما يأتي: ١ - تعجل موسى ﵇ سابقا قومه النقباء السبعين شوقا للقاء ربه وسماع كلامه، باجتهاد منه، ولكنه أخطأ في ذلك الاجتهاد، فاستوجب العتاب. ثم إن العجلة وإن كانت في الجملة مذمومة، فهي ممدوحة في الدين، قال تعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران ١٣٣/ ٣]. وكنى موسى عن ذكر الشوق وصدقه بابتغاء الرضا، قائلا: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ أي عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عني. ٢ - اختبر الله بني إسرائيل في غيبة موسى ﵇، ليتبين القائمين على أمر الله ، واعتقاد توحيده، والتزام شريعته، تبين انكشاف وظهور؛ لأن الله عالم بالجميع. ٣ - لقد أضلهم السامري، أي دعاهم إلى الضلالة، أو هو سببها.

стр. 4930

٤ - حق لموسى ﵇ أن يعود إلى قومه شديد الغضب والأسى بسبب ما أحدثوا بعده من عبادة العجل. ٥ - بادر موسى إلى عتاب قومه بتذكيرهم بنعم الله عليهم، ومنها إنجاؤهم من فرعون وجنوده، ووعدهم بالجنة إذا أقاموا على طاعته، ووعدهم أنه يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى، ليعملوا بما فيها، فيستحقوا ثواب عملهم. وقوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ﴾ يدل على أنهم كانوا معترفين بالإله، لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي يذكره عبدة الأصنام. ٦ - لا عذر لهم في نقض العهد الذي لم يطل أمره، ولكنهم أرادوا العصيان وإحداث الأعمال التي تكون سبب حلول غضب الله بهم، وأخلفوا الوعد مع موسى أن يقيموا على طاعة الله إلى أن يرجع إليهم من الطور. ٧ - اعتذروا لموسى ﵇ بأنهم كانوا مضطرين إلى خلف الموعد، ونقض العهد، وذلك للتخلص من آثام الحلي التي كانوا قد أخذوها من القبط المصريين، حين أرادوا الخروج مع موسى ﵇، وأوهموهم أنهم يجتمعون في عيد لهم أو وليمة، فألقوها في النار لتذوب. ٨ - لما ذابت الحلي في النار، أخذها السامري، وصاغ لهم منها عجلا، ثم ألقى عليه قبضته من أثر فرس جبريل ﵇، فصار عجلا جسدا له خوار. ٩ - زيف السامري الحقائق، ودلس على بني إسرائيل، وقال لهم مع أتباعه الذين كانوا ميالين إلى التجسيم والتشبيه؛ إذ قالوا: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف ١٣٨/ ٧]: هذا إلهكم وإله موسى الذي نسي أن يذكر لكم أنه إلهه. ١٠ - سفه الحق تعالى أحلامهم وعاب تفكيرهم، وقال لهم: أفلا يعتبرون

стр. 4931

ويتفكرون في أن هذا العجل لا يكلمهم، ولا يملك لهم ضرا يدفعه عنهم ولا نفعا يجلبه لهم، فكيف يكون إلها؟!. أما الذي يعبده موسى ﵇ فهو يضر وينفع ويعطي ويمنع. ١١ - دل قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ.﴾. على وجوب النظر في معرفة الله تعالى، كما في آية أخرى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ [الأعراف ١٤٨/ ٧]. وهو قريب في المعنى من قوله تعالى في ذم عبدة الأصنام: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف ١٩٥/ ٧]. -١٢ - معاتبة موسى لهارون على تأليه العجل وإلقائه في البحر وتوحيد الإله الحق ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨)﴾

стр. 4932

الإعراب: ﴿يَا بْنَ أُمَّ﴾ بالفتح أراد يا بن أمي بفتح الياء، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذف الألف تخفيفا؛ لأن الفتحة تدل عليها. ومن قرأ بالكسر ﴿يَا بْنَ أُمَّ﴾ أراد يا بن أمي إلا أنه حذف الياء؛ لأن الكسرة قبلها تدل عليها، والأصل إثباتها؛ لأن الياء إنما تحذف من المنادي المضاف، نحو: يا قوم، ويا عباد، والأم ليست بمناداة هنا، وإنما المنادي هو «الابن». ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ فعل مبني للمجهول، وضمير المخاطب نائب الفاعل، وهاء ﴿تُخْلَفَهُ﴾ مفعول ثان منصوب. ومن قرأ بكسر اللام ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ كان مضارع (أخلفت الموعد) والمفعول الثاني حينئذ محذوف، أي ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أي الموعد؛ لأن أخلف: يتعدى إلى مفعولين. ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ تمييز محول عن الفاعل، أي وسع علمه كل شيء. البلاغة: ﴿أَمْرِي﴾ ﴿قَوْلِي﴾ ﴿نَفْسِي﴾ وكذا ﴿نَفْعاً﴾ ﴿نَسْفاً﴾ ﴿عِلْماً﴾ سجع حسن غير متكلف. المفردات اللغوية: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل رجوع موسى ﴿إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ إنما وقعتم في الفتنة والضلال بالعجل ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ في الثبات على الحق وعبادة الرحمن ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ في تلك العبادة ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾ لن نزال على العجل وعبادته ﴿عاكِفِينَ﴾ مقيمين ﴿قالَ: يا هارُونُ﴾ قال موسى بعد رجوعه ﴿ضَلُّوا﴾ بعبادة العجل ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ لا: زائدة، أي أن تتبعني في الغضب لله ومقاتلة من كفر بالله ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بالصلابة في الدين، والمحاماة عنه، وعصيانك بإقامتك بين قوم لا يعبدون الله تعالى. ﴿قالَ: يَا بْنَ أُمَّ﴾ أراد أمي، وخص الأم استعطافا لقلبه ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ لا تأخذ بشعر لحيتي ولا بشعر رأسي، وكان أخذ بلحيته بشماله، وبشعره بيمينه، يجره إليه، من شدة

стр. 4933

غضبه لله، ومن المعلوم أن موسى ﵇ كان حديدا خشنا متصلبا في كل شيء، فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل، ففعل ما فعل. ﴿خَشِيتُ﴾ خفت لو اتبعتك ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ولم تراع قولي فيما رأيته في ذلك. ﴿قالَ: فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ أي ثم أقبل عليه وقال منكرا: ما شأنك الداعي إلى ما صنعت، وما الذي حملك على هذا الأمر الخطير؟ ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي علمت بما لم يعلموه ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ فقبضت قبضة من تربة موطئ جبريل ﵇، فهو الرسول، وقيل: موسى ﵇، والقبضة: الأخذ بجميع الكف ﴿فَنَبَذْتُها﴾ ألقيتها وطرحتها في صورة العجل المصاغ ﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أي ومثل ذلك زينت وحسنت لي نفسي. ﴿قالَ: فَاذْهَبْ﴾ قال موسى له: ﴿فَاذْهَبْ﴾ من بيننا ﴿فِي الْحَياةِ﴾ مده حياتك ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ لمن رأيته، عقوبة على ما فعلت ﴿لا مِساسَ﴾ أي لا تقربني، ولا مخالطة، فلا يقربه ولا يخالطه أحد، ولا يخالط أحدا، فعاش وحيدا طريدا، وإذا حدث مساس مع أحد، أخذته الحمى ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً﴾ في الآخرة لعذابك ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أي سيأتيك الله به حتما، وتبعث إليه، وبكسر اللام: لن تغيب عنه ﴿ظَلْتَ﴾ أصله: ظلت، فحذفت الأولى تخفيفا، أي دمت ﴿عاكِفاً﴾ مقيما تعبده ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ أي بالنار ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ لنذرينه ﴿فِي الْيَمِّ﴾ في البحر ﴿نَسْفاً﴾ نذرا، فلا يصادف منه شيء، وقام موسى فعلا بإلقاء العجل في البحر. ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ وسع علمه كل شيء وأحاط به. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى مخالفة عبادة العجل لأبسط مبادئ العقل؛ لأنه لا يجيب سائله ولا يدفع عنه ضرا ولا يجلب له نفعا، ذكر أن بني إسرائيل أيضا عصوا الرسول الذي نبههم إلى خطأ فعلهم، ثم أوضح معاتبة موسى لأخيه هارون على سكوته على بني إسرائيل في عبادتهم العجل، ثم أردف به مناقشة موسى للسامري وعقابه من الله في الدنيا والآخرة، وإلقاء موسى العجل في البحر، وإعلان موسى صراحة: من هو الإله الحق، وهو الذي وسع علمه السموات والأرض، لا الجماد الذي لا يضر ولا ينفع.

стр. 4934

التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عما كان من نهي هارون ﵇ قومه عن عبادتهم العجل وتحذيرهم منه، وإخباره إياهم بأنه فتنة، فيقول: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ: يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ، فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ أي لقد قال هارون ﵇ لقومه عبدة العجل من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم: إنما وقعتم في الفتنة والاختبار لإيمانكم وحفظكم دينكم بسبب العجل، وضللتم عن طريق الحق لأجله، ليعرف صحيح الإيمان من عليله. وإن ربكم الله الذي خلقكم وخلق كل شيء فقدره تقديرا، لا العجل، فاتبعوني في عبادة الله، ولا تتبعوا السامري في أمره لكم بعبادة العجل، وأطيعوا أمري لا أمره، واتركوا ما أنهاكم عنه. ويلاحظ أن هارون ﵇ وعظهم بأحسن الوجوه؛ لأنه زجرهم عن الباطل أولا بقوله: ﴿إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ ثم دعاهم إلى معرفة الله تعالى ثانيا بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ﴾ ثم دعاهم ثالثا إلى معرفة النبوة بقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ثم دعاهم إلى الشرائع رابعا بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. وقوله ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ﴾ تذكير لهم بربوبية الله وقدرته التي أنجتهم من فرعون وجنوده، وتذكير برحمة الله التي تدل على أنهم متى تابوا، قبل الله توبتهم؛ لأنه هو الرحمن الرحيم، ومن رحمته تخليصهم من آفات فرعون وعذابه. ولكنهم قابلوا الوعظ والنصح بالتقليد والجحود، فقالوا: ﴿قالُوا: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى﴾ أي قالوا: لا نقبل حجتك، ولكن نقبل قول موسى، فلا نترك عبادة العجل، حتى نسمع

стр. 4935

كلام موسى فيه. وكادوا أن يقتلوا هارون ﵇. وما قصدهم إلا التسويف. ﴿قالَ: يا هارُونُ، ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنِ، أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أي قال موسى لهارون حين رجع إلى قومه بعد تكليم ربه في الميقات: ما الذي منعك من اتباعي إلى جبل الطور، واللحوق بي مع من بقي مؤمنا، فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع، حين وقعوا في هذه الضلالة ودخلوا في الفتنة؟ ففي مفارقتهم زجر لهم، ودليل على الغضب والإنكار عليهم. و ﴿أَلاّ﴾ في قوله ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ زائدة، أي أن تتبع أمري ووصيتي. أفعصيت أمري؟ أي كيف خالفت أمري لك بالقيام لله، ومنابذة من خالف دينه، وأقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها؟ ألم أقل لك: ﴿اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي، وَأَصْلِحْ، وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف ١٤٢/ ٧]. فقال هارون معتذرا عن تأخره عنه وإخباره بما حدث، مستعطفا إياه: ﴿قالَ: يَا بْنَ أُمَّ، لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ أي قال هارون لموسى: يا ابن أم، مترققا له بذكر الأم التي هي عنوان الحنو والعطف، مع أنه شقيفه لأبويه، لا تفعل هذا عقوبة منك لي، وكان موسى قد أخذ برأس أخيه يجره إليه، فإن لي عذرا هو: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ: فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ، وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي إني خشيت إن خرجت عنهم وتركتهم أن يقتتلوا ويتفرقوا، فتقول: إني فرقت جماعتهم؛ لأنه لو خرج لتبعه جماعة منهم، وتخلف مع السامري عند العجل آخرون، وربما أفضى ذلك إلى القتال بينهم، وحينئذ تقول: لم تعمل بوصيتي لك فيهم وتحفظها، وهي قوله المتقدم: ﴿اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ ولم تراع ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم، واعتذر إليه أيضا بقوله في آية أخرى:

стр. 4936

﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف ١٥٠/ ٧]. ثم كلم موسى كبير الفتنة وهو السامري قائلا: ﴿قالَ: فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾؟ أي قال موسى للسامري: ما شأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ سأله ليتخذ من جوابه وإقراره حجة للناس ببطلان فعله وقوله. ﴿قالَ: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، فَنَبَذْتُها﴾ أي قال السامري: رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون على فرس، فأخذت قبضة من أثر فرسه-والقبضة: ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع، وذلك الأثر لا يقع على جماد إلا صار حيا-فطرحتها في الحلي المذابة المسبوكة على صورة العجل، فصنعت لهم تمثال إله، حينما رأيتهم يطلبون منك أن تجعل لهم إلها كآلهة المصريين عبدة الأصنام. قال مجاهد: نبذ السامري، أي ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلا جسدا له خوار: وهو حفيف الريح فيه. ﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أي كما زينت لي نفسي السوء، زينت لي أيضا وحسنت هذا الفعل بمحض الهوى، أو حدثتني نفسي، لا بإلهام إلهي أو ببرهان نقلي أو عقلي. فأخبره موسى بجزائه في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿قالَ: فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ: لا مِساسَ، وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أي قال موسى للسامري: فعقوبتك في الدنيا أن تذهب من بيننا وتخرج عنا، وأن تقول ما دمت حيا: لا يمسك أحد، ولا تمس أحدا، وأمر موسى بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له، وهذه هي عقوبة النبذ من المجتمع أو العزل المدني.

стр. 4937

وعقوبتك في الآخرة: أن لك موعدا فيها للعذاب لا يخلفه الله، بل سينجزه، وهو يوم القيامة، وهو آت لا ريب فيه ولا مفر منه. وأما إلهك المزعوم فمصيره كما قال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ، ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي وانظر إلى معبودك الذي أقمت على عبادته، يعني العجل لنحرقنه تحريقا بالنار، ثم لنذرينه في البحر لتذهب به الريح. قال قتادة: فحرقه بالنار، ثم ألقى رماده في البحر. وهذا موقف حازم من موسى ﵇ أحد الأنبياء أولي العزم؛ لأن مثل هذا المعبود في زعم السامري ومن اتبعه يجب استئصال آثاره، حفاظا على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، لذا أتبعه بقوله: ﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أي قال موسى: إن هذا العجل الذي فتنكم به السامري ليس بإله، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو، أي فهو المستحق للعبادة، ولا تنبغي العبادة إلا له، فكل شيء فقير إليه، عبد له. وهو عالم بكل شيء، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين. وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين. وهكذا بدأت قصة موسى بالتوحيد الخالص: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي.﴾. وختمت به: ﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ.﴾. شأن رسالة كل نبي.

стр. 4938

فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - أنكر هارون ﵇ على السامري وتابعيه عبادة العجل إنكارا شديدا قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم، فعصوه وكادوا أن يقتلوه، وسوفوا وما طلوا حتى يرجع موسى ﵇، لينظروا هل يقرهم على ما فعلوا أم لا. ٢ - لقد توهموا أن موسى يعبد العجل، فاعتزلهم هارون مع اثني عشر ألفا لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى سمع الصياح والضجيج، وكانوا يرقصون حول العجل، فقال للسبعين الذين معه: هذا صوت الفتنة. ٣ - قوله تعالى: ﴿قالَ: يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنِ، أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ دليل على أن السكوت على المنكر ضلال، والمعنى: حين رأيتهم أخطئوا الطريق وكفروا، ما منعك عن اتباعي والإنكار عليهم، إن مقامك بينهم-وقد عبدوا غير الله-عصيان منك لي. قال القرطبي: وهذا كله أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغييره ومفارقة أهله، وأن المقيم بينهم لا سيما إذا كان راضيا حكمه كحكمهم. وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وهم جماعة يجتمعون، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد ﵌، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه، هل الحضور معهم جائز أم لا؟ فأجاب: يرحمك الله، مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب

стр. 4939

السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار، قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون؛ فهو دين الكفار وعباد العجل؛ وأما القضيب: فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى؛ وإنما كان يجلس النبي ﵌ مع أصحابه، كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها؛ ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم؛ هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين، وبالله التوفيق (١). ٤ - أجاب هارون معتذرا مبينا وجهة اجتهاده: وهي أنه خشي إذا خرج وتركهم-وقد أمره موسى بالبقاء معهم-أن تقع الفرقة بين بني إسرائيل، وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء، وخشي إن زجرهم أن يقع قتال، فيلومه موسى عليه، وقد أوضح ذلك هنا بقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ: فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وفي الأعراف قال: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي، فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ﴾ لأنك أمرتني أن أكون معهم. ٥ - بعد عتاب هارون اتجه موسى للسامري سائلا: ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ؟﴾ أي ما أمرك وما شأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ وقصده من سؤاله: انتزاع اعتراف منه بباطله. قال قتادة: كان السامري عظيما في بني إسرائيل من قبيلة يقال لها «سامرة» ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع موسى، فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة، وهم يعكفون على أصنام لهم ﴿قالُوا: يا مُوسَى، اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فاغتنمها السامري، وعلم أنهم يميلون إلى عبادة العجل، فاتخذ العجل.

стр. 4940

فقال السامري مجيبا لموسى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ يعني رأيت ما لم يروا؛ رأيت جبريل ﵇ على فرس الحياة، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضته، فما ألقيته على شيء، إلا صار له روح ولحم ودم؛ فلما سألوك أن تجعل لهم إلها، زينت لي نفسي ذلك. ٦ - عاقب موسى ﵇ ذلك السامري الذي اعترف بأنه صنع العجل لهوى في نفسه، فنفاه عن قومه، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له. قال الحسن البصري: جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه، عقوبة له ولما كان منه إلى يوم القيامة؛ وكأن الله شدد عليه المحنة، بأن جعله لا يماس أحدا، ولا يمكن من أن يمسه أحد، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا. ويقال: لما قال له موسى: فاذهب، فإن لك في الحياة أن تقول: ﴿لا مِساسَ﴾ خاف فهرب، فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش، لا يجد أحدا من الناس يمسه، حتى صار كالقائل: لا مساس؛ لبعده عن الناس وبعد الناس عنه. ٧ - قال القرطبي: هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا، وقد فعل النبي ﵌ ذلك بكعب بن مالك وصاحبيه الذين خلفوا. ومن التجأ إلى الحرم وعليه قتل لا يقتل عند بعض الفقهاء، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا يشارى، ليضطر إلى الخروج. ومن هذا القبيل: التغريب في حد الزنى. ٨ - وهناك عقاب آخر للسامري يوم القيامة، وموعد لعذابه لا بد من مجيئه، والصيرورة إليه، ولا خلف فيه. ٩ - حرق موسى ﵇ بالنار العجل الذي اتخذه السامري. ثم ألقى
следующие страницы →