﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف ١٥٠/ ٧].
ثم كلم موسى كبير الفتنة وهو السامري قائلا:
﴿قالَ: فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾؟ أي قال موسى للسامري: ما شأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ سأله ليتخذ من جوابه وإقراره حجة للناس ببطلان فعله وقوله.
﴿قالَ: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، فَنَبَذْتُها﴾ أي قال السامري: رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون على فرس، فأخذت قبضة من أثر فرسه-والقبضة: ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع، وذلك الأثر لا يقع على جماد إلا صار حيا-فطرحتها في الحلي المذابة المسبوكة على صورة العجل، فصنعت لهم تمثال إله، حينما رأيتهم يطلبون منك أن تجعل لهم إلها كآلهة المصريين عبدة الأصنام.
قال مجاهد: نبذ السامري، أي ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلا جسدا له خوار: وهو حفيف الريح فيه.
﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أي كما زينت لي نفسي السوء، زينت لي أيضا وحسنت هذا الفعل بمحض الهوى، أو حدثتني نفسي، لا بإلهام إلهي أو ببرهان نقلي أو عقلي.
فأخبره موسى بجزائه في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿قالَ: فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ: لا مِساسَ، وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أي قال موسى للسامري: فعقوبتك في الدنيا أن تذهب من بيننا وتخرج عنا، وأن تقول ما دمت حيا: لا يمسك أحد، ولا تمس أحدا، وأمر موسى بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له، وهذه هي عقوبة النبذ من المجتمع أو العزل المدني.
стр. 4937
وعقوبتك في الآخرة: أن لك موعدا فيها للعذاب لا يخلفه الله، بل سينجزه، وهو يوم القيامة، وهو آت لا ريب فيه ولا مفر منه.
وأما إلهك المزعوم فمصيره كما قال تعالى:
﴿وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ، ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي وانظر إلى معبودك الذي أقمت على عبادته، يعني العجل لنحرقنه تحريقا بالنار، ثم لنذرينه في البحر لتذهب به الريح. قال قتادة: فحرقه بالنار، ثم ألقى رماده في البحر. وهذا موقف حازم من موسى ﵇ أحد الأنبياء أولي العزم؛ لأن مثل هذا المعبود في زعم السامري ومن اتبعه يجب استئصال آثاره، حفاظا على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، لذا أتبعه بقوله:
﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أي قال موسى:
إن هذا العجل الذي فتنكم به السامري ليس بإله، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو، أي فهو المستحق للعبادة، ولا تنبغي العبادة إلا له، فكل شيء فقير إليه، عبد له. وهو عالم بكل شيء، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين.
وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين.
وهكذا بدأت قصة موسى بالتوحيد الخالص: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي.﴾. وختمت به: ﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ.﴾. شأن رسالة كل نبي.
стр. 4938
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - أنكر هارون ﵇ على السامري وتابعيه عبادة العجل إنكارا شديدا قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم، فعصوه وكادوا أن يقتلوه، وسوفوا وما طلوا حتى يرجع موسى ﵇، لينظروا هل يقرهم على ما فعلوا أم لا.
٢ - لقد توهموا أن موسى يعبد العجل، فاعتزلهم هارون مع اثني عشر ألفا لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى سمع الصياح والضجيج، وكانوا يرقصون حول العجل، فقال للسبعين الذين معه: هذا صوت الفتنة.
٣ - قوله تعالى: ﴿قالَ: يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنِ، أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ دليل على أن السكوت على المنكر ضلال، والمعنى: حين رأيتهم أخطئوا الطريق وكفروا، ما منعك عن اتباعي والإنكار عليهم، إن مقامك بينهم-وقد عبدوا غير الله-عصيان منك لي.
قال القرطبي: وهذا كله أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغييره ومفارقة أهله، وأن المقيم بينهم لا سيما إذا كان راضيا حكمه كحكمهم.
وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀:
ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وهم جماعة يجتمعون، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد ﵌، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه، هل الحضور معهم جائز أم لا؟ فأجاب: يرحمك الله، مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب
стр. 4939
السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار، قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون؛ فهو دين الكفار وعباد العجل؛ وأما القضيب: فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى؛ وإنما كان يجلس النبي ﵌ مع أصحابه، كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها؛ ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم؛ هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين، وبالله التوفيق (١).
٤ - أجاب هارون معتذرا مبينا وجهة اجتهاده: وهي أنه خشي إذا خرج وتركهم-وقد أمره موسى بالبقاء معهم-أن تقع الفرقة بين بني إسرائيل، وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء، وخشي إن زجرهم أن يقع قتال، فيلومه موسى عليه، وقد أوضح ذلك هنا بقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ: فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وفي الأعراف قال: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي، فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ﴾ لأنك أمرتني أن أكون معهم.
٥ - بعد عتاب هارون اتجه موسى للسامري سائلا: ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ؟﴾ أي ما أمرك وما شأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ وقصده من سؤاله: انتزاع اعتراف منه بباطله.
قال قتادة: كان السامري عظيما في بني إسرائيل من قبيلة يقال لها «سامرة» ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع موسى، فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة، وهم يعكفون على أصنام لهم ﴿قالُوا: يا مُوسَى، اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فاغتنمها السامري، وعلم أنهم يميلون إلى عبادة العجل، فاتخذ العجل.
стр. 4940
فقال السامري مجيبا لموسى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ يعني رأيت ما لم يروا؛ رأيت جبريل ﵇ على فرس الحياة، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضته، فما ألقيته على شيء، إلا صار له روح ولحم ودم؛ فلما سألوك أن تجعل لهم إلها، زينت لي نفسي ذلك.
٦ - عاقب موسى ﵇ ذلك السامري الذي اعترف بأنه صنع العجل لهوى في نفسه، فنفاه عن قومه، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له. قال الحسن البصري: جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه، عقوبة له ولما كان منه إلى يوم القيامة؛ وكأن الله شدد عليه المحنة، بأن جعله لا يماس أحدا، ولا يمكن من أن يمسه أحد، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا.
ويقال: لما قال له موسى: فاذهب، فإن لك في الحياة أن تقول:
﴿لا مِساسَ﴾ خاف فهرب، فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش، لا يجد أحدا من الناس يمسه، حتى صار كالقائل: لا مساس؛ لبعده عن الناس وبعد الناس عنه.
٧ - قال القرطبي: هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا، وقد فعل النبي ﵌ ذلك بكعب بن مالك وصاحبيه الذين خلفوا.
ومن التجأ إلى الحرم وعليه قتل لا يقتل عند بعض الفقهاء، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا يشارى، ليضطر إلى الخروج. ومن هذا القبيل: التغريب في حد الزنى.
٨ - وهناك عقاب آخر للسامري يوم القيامة، وموعد لعذابه لا بد من مجيئه، والصيرورة إليه، ولا خلف فيه.
٩ - حرق موسى ﵇ بالنار العجل الذي اتخذه السامري. ثم ألقى
стр. 4941
رماده في البحر، وهذا هو الواجب المتعين في استئصال المنكر وتصفية جميع آثاره.
١٠ - طوى موسى ﵇ من تاريخ بني إسرائيل واقعة عبادة العجل التي طرأت في فترة زمنية قصيرة الأمد، وقرر إلى الأبد مبدأ التوحيد، وأوجب عبادة الله الذي لا إله إلا هو، العليم بكل شيء، وسع كل شيء علمه، الخبير بأحوال المخلوقات الظاهرة والباطنة، وهذه هي صفات الإله الحق المستحق للعبادة دون سواه.
١١ - لم يكن أخذ موسى برأس أخيه وبلحيته معصية قادحة بعصمة الأنبياء ﵈، كما زعم بعض الطاغين، وإنما كان هذا تعبيرا قويا عن إنكاره، وغضبا لله لا لنفسه، وهكذا كان رسول الله ﵌ لا يغضب لنفسه، وإنما يغضب إذا انتهكت محارم الله. والغضب في هذا الموضع محمود غير مذموم، ولا يستنكر ولا يستغرب ظهور أمارات الغضب على النفس، وقد أجرى موسى ﵇ أخاه هارون مجرى نفسه؛ لأنه كان أخاه وشريكه، فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب، فإن الغضبان المتفكر قد يعض على شفتيه، ويفتل أصابعه، ويقبض لحيته (١).
والدليل على ذلك أن هارون ﵇ عذر أخاه موسى ﵇ فيما فعل، وكل ما في الأمر أنه استمهله وهدأ أعصابه، ليبين له وجهة نظره، ووجه اجتهاده.
стр. 4942
العبرة من القصص القرآني وجزاء المعرض عن القرآن
﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْراً (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْماً (١٠٤)﴾
الإعراب:
﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً، خالِدِينَ فِيهِ﴾ أفرد ضمير ﴿أَعْرَضَ﴾ حملا على لفظ ﴿مَنْ﴾، وجمع الضمير في قوله ﴿خالِدِينَ﴾ حملا على معناه. و ﴿خالِدِينَ﴾ حال من ضمير ﴿يَحْمِلُ﴾.
﴿وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً﴾ تمييز مفسر للضمير في ﴿ساءَ﴾، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: وزرهم.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: بدل من يوم القيامة السابق.
البلاغة:
﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ تشبيه مرسل مجمل.
﴿وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً﴾ استعارة تصريحية، شبه الوزر بالحمل الثقيل، مصرحا بلفظ المشبه به.
المفردات اللغوية:
﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ أي مثل ذلك الاقتصاص-اقتصاص موسى والسامري-نقص عليك يا محمد من أخبار الأمم الماضية. ﴿وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً﴾ وقد أعطيناك من عندنا قرآنا، فالذكر: القرآن، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ وسمي بذلك؛ لأن فيه ذكر كل ما يحتاج إليه الناس في الدين والدنيا، والقصص والأخبار، والتنكير فيه للتعظيم.
стр. 4943
﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن الذكر الذي هو القرآن الجامع لأسباب السعادة والنجاة، فلم يؤمن به. ﴿وِزْراً﴾ حملا ثقيلا من الإثم، والمراد به: العقوبة الشديدة التي تثقل صاحبها. ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ في عذاب الوزر. ﴿وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً﴾ أي ساء أو بئس وزرهم، واللام للبيان، كما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يوم ينفخ في القرن النفخة الثانية. ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ﴾ نجمع الكافرين. ﴿زُرْقاً﴾ أي زرق الأبدان والعيون، مع سواد وجوههم، لاشتماله على الشدائد والأهوال. ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي يتسارون ويخفضون أصواتهم، لشدة الرعب والهول. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْراً﴾ أي ما لبثتم في الدنيا إلا عشرا من الليالي بأيامها، يستقصرون مدة لبثهم فيها لزوالها.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ في ذلك أي في مدة لبثهم. ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أعدلهم رأيا أو عملا. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْماً﴾ أي يستقلون لبثهم في الدنيا جدا، لما يشاهدونه من أهوال الآخرة.
وحكاية اختلافهم في مدة اللبث: ﴿عَشْراً﴾ أو ﴿يَوْماً﴾ أو (ساعة) ليس على سبيل الحقيقة أو الشك في التعيين، بل المراد تقرير سرعة زواله.
المناسبة:
بعد بيان قصص موسى والسامري، أبان الله تعالى لنبيه إيناسا له أن إعلامك بأخبار الأمم الماضية وأحوالهم كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة، هو زيادة في معجزاتك، وحث على الاعتبار والاتعاظ من قبل المكلفين في الدين.
وناسب بعده أن يذكر جزاء المعرضين عن أحكام القرآن، ذلك الجزاء الرهيب الذي تشيب منه الولدان.
التفسير والبيان:
﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ أي كما قصصنا عليك أيها الرسول خبر موسى مع فرعون وجنوده وخبره مع بني إسرائيل في الحقيقة والواقع، كذلك نقص عليك أخبار الحوادث التي جرت مع الأمم الماضية، كما وقعت من
стр. 4944
غير زيادة ولا نقص، لتكون سلوة لك عما تكره، وبيانا لسيرة الأنبياء السابقين في مكابدتهم الشدائد مع أقوامهم لتتأس بهم، ودلالة على صدقك ونبوتك، مما يجعل في القصص عبرة وعظة، ودرسا وفائدة.
﴿وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً﴾ أي هذا.. وقد أعطيناك من عندنا ذكرا، وهو القرآن العظيم، للتذكر به على الدوام؛ لأنه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ولأنه لم يعط نبي من الأنبياء قبلك مثله، ولا أكمل منه ولا أجمع لخبر ما سبق، وخبر ما هو كائن، وفيه حكم الفصل بين الناس، وكل ما هو صلاح للبشر في الدين والدنيا والآخرة، وجميع مكارم الأخلاق، ومناهج الحياة الفاضلة.
﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً﴾ أي كل من كذب به، وأعرض عن اتباعه، فلم يؤمن به، ولا عمل بما فيه، وابتغى الهدى في غيره، يحمل إثما عظيما، وعقوبة ثقيلة يوم القيامة بسبب إعراضه، كما قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ، فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود ١٧/ ١١].
وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى في بيان مهمة رسوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩/ ٦]، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له، وداع للإيمان به، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه، ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة.
﴿خالِدِينَ فِيهِ، وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً﴾ أي ماكثين مقيمين على الدوام في جزائه ووزره، وهو النار، لا محيد لهم عنه ولا انفكاك، وبئس الحمل حملهم الذي حملوه من الأوزار، جزاء إعراضهم.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ أي إن يوم القيامة هو اليوم الذي ينفخ فيه في الصور النفخة الثانية، نفخة البعث التي يحشر الناس
стр. 4945
بعدها للحساب، وفي هذا اليوم بالذات يحشر المجرمون أيضا وهم المشركون والعصاة المأخوذون بذنوبهم التي لم يغفرها الله لهم، زرق العيون والوجوه من شدة ما هم فيه من الأهوال، والغيظ والندامة.
﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ، إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْراً﴾ أي يتسارون بينهم، فيقول بعضهم لبعض سرا: ما لبثتم في الدنيا إلا قليلا بمقدار عشرة أيام أو نحوها أو عشر ليال، يستقصرون مدة مقامهم في الدنيا أو في القبور، بمقارنتها بأيام الآخرة الطويلة الأمد وبأعمار الآخرة.
وإنما خص العشرة واليوم الواحد بالذكر؛ لأن القليل في أمثال هذه المواضع لا يعبر عنه إلا بالعشرة والواحد.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ، إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْماً﴾ أي نحن أعلم بما يتناجون وبما يقولون في مدة لبثهم، حين يقول أعدلهم قولا، وأكملهم رأيا وعقلا، وأعلمهم عند نفسه: ما لبثتم إلا يوما واحدا؛ لأن دار الدنيا كلها، وإن طالت في أنظار الناس، كأنها يوم واحد، وغرضهم من ذلك درء قيام الحجة عليهم لقصر المدة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ، يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم ٥٥/ ٣٠] وقال سبحانه: ﴿قالَ: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ [المؤمنون ١١٢/ ٢٣ - ١١٣].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن في قصص القرآن من أخبار الأمم وأحوالهم عبرة وعظة، يستعبر بها أو يتعظ العقلاء المكلفون، وسلوة للنبي، ودليلا على صدقه، وزيادة في معجزاته.
стр. 4946
٢ - والقرآن العظيم كله تذكير ومواعظ للأمم والشعوب والأفراد، وشرف وفخر للإنسانية وللعرب خاصة، ونعمة عظمي لكل إنسان.
٣ - وكما أن القرآن نعمة، ففيه أيضا وعيد شديد لمن أعرض عنه، ولم يؤمن به، ولم يعمل بما فيه، فهو-أي المعرض-يتحمل الإثم العظيم والحمل الثقيل يوم القيامة، حيث يقيم في جزائه، وجزاؤه جهنم، وبئس الحمل الذي حملوه يوم القيامة.
والوزر: هو العقوبة الثقيلة، سميت وزرا، تشبيها في ثقلها على المعاقب بثقل حمل الحامل، أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم.
وصفة ذلك الوزر كما تبين شيئان: أحدهما-أنه مخلد مؤبد، وثانيهما-أنه ما أسوأ هذا الوزر حملا، أي محمولا.
٤ - إن يوم القيامة هو اليوم الذي ينفخ في الصور النفخة الثانية للبعث والحشر والحساب. والصور: قرن ينفخ فيه يدعى به الناس إلى الحشر.
٥ - يكون النفخ في الصور سببا لحشر المجرمين، أي المشركين، زرق العيون والأبدان من شدة العطش وشدة الأهوال التي يكابدونها.
٦ - يتسار المجرمون يوم القيامة قائلين: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال، يستقصرون مدة مقامهم في الدنيا لشدة ما يرون من أهوال يوم القيامة، ويخيل إلى أمثلهم أي أعدلهم قولا، وأعقلهم وأعلمهم عند نفسه: أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا يوما واحدا أي مثل يوم أو أقل.
стр. 4947
أحوال الأرض والجبال والناس يوم القيامة
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢)﴾
البلاغة:
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ كناية عن أمر الدنيا والآخرة.
﴿عِلْماً﴾ ﴿ظُلْماً﴾ ﴿هَضْماً﴾ سجع مؤثر غير متكلف.
المفردات اللغوية:
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ﴾ عن حال أمرها وكيف تكون يوم القيامة، وقد سأل عنها رجل من ثقيف. ﴿فَقُلْ﴾ لهم. ﴿يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً﴾ يفتتها ذرأت ويجعلها كالرمل السائل، ثم يطيرها كالريح. ﴿فَيَذَرُها﴾ فيتركها ويذر مقارها أو يذر الأرض. ﴿قاعاً﴾ أرضا منبسطة لا بناء ولا نبات. ﴿صَفْصَفاً﴾ أرضا ملساء مستوية. ﴿عِوَجاً﴾ انخفاضا. ﴿وَلا أَمْتاً﴾ ارتفاعا.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم نسف الجبال، على إضافة اليوم إلى وقت النسف، ويجوز أن يكون بدلا ثانيا من يوم القيامة. ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ يتبع الناس بعد القيام من القبور. ﴿الدّاعِيَ﴾ داعي الله إلى المحشر، بصوته، وهو إسرافيل يقول: هلموا إلى عرض الرحمن. ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه، أي لا يقدر ألا يتبع، أو لا عوج لدعائه، فلا يميل إلى ناس دون ناس.
стр. 4948
﴿وَخَشَعَتِ﴾ سكنت وذلت. ﴿إِلاّ هَمْساً﴾ الهمس: الصوت الخفي، أو صوت وط ء الأقدام في نقلها إلى المحشر.
﴿إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ الاستثناء من الشفاعة، أي إلا شفاعة من أذن له، فمن: مرفوع على البدلية بتقدير حذف المضاف إليه، أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن، وهذا هو المتبادر إلى الذهن، أو أن الاستثناء من أعم المفاعيل، أي إلا من أذن في أن يشفع له، فإن الشفاعة تنفعه، فتكون ﴿مَنْ﴾: منصوبا على المفعولية، ورجح الرازي الاحتمال الثاني، أي لا تنفع الشفاعة أحدا إلا شخصا مرضيا. ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي ورضي لمكانه عند الله قوله في الشفاعة، أو رضي لأجله قول الشافع في شأنه. والخلاصة: أن الإذن إما أن يكون للشافع دون تعيين، وإما أن يكون للشافع من أجل المشفوع له، ورضي قوله لأجله، أي رضي للمشفوع له قولا.
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ يعلم كل أمر من أمور الآخرة والدنيا، أو يعلم كل شؤون عباده في الدنيا والآخرة. فالمراد من قوله: ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ إما أمور الدنيا على رأي، وإما أمور الآخرة وما يستقبلونه، على رأي الأكثرين. ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ أي لا يحيط علمهم بمعلوماته.
﴿وَعَنَتِ﴾ خضعت وانقادت، ومنه العاني: الأسير. ﴿الْقَيُّومِ﴾ القائم بتدبير عباده ومجازاتهم. ﴿خابَ﴾ خسر. ﴿مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ شركا. ﴿الصّالِحاتِ﴾ الطاعات. ﴿فَلا يَخافُ ظُلْماً﴾ منع الثواب عن المستحق بالوعد. ﴿وَلا هَضْماً﴾ ولا نقصا من حسناته.
سبب النزول:
نزول الآية (١٠٥):
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ﴾: أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قالت قريش: يا محمد، كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة؟ فنزلت:
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى أهوال يوم القيامة، حكى سؤال من لم يؤمن بالحشر عن مصير الجبال، ثم ضم إليه بيان حالة الأرض حينئذ، وحالة الناس الذين
стр. 4949
يسرعون إلى إجابة الداعي إلى المحشر مع خشوع وخضوع، دون أن تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن ورضي للشافع قولا لمكانه عند الله، أو رضي للمشفوع له قولا.
التفسير والبيان:
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ: يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً﴾ أي ويسألك المشركون أيها الرسول عن حال الجبال يوم القيامة، هل تبقى أو تزول؟ فقل: يزيلها الله ويذهبها عن أماكنها، ويدكها دكا، ويجعلها هباء منثورا.
﴿فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً، لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ أي فيترك مواضعها بعد نسفها أرضا ملساء مستوية، بلا نبات ولا بناء، ولا انخفاض ولا ارتفاع، فلا تجد مكانا منخفضا ولا مرتفعا، ولا واديا ولا تلة أو رابية.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ أي حينئذ يتبع الناس داعي الله إلى المحشر، مسارعين إلى الداعي، حيثما أمروا بادروا إليه، لا معدل لهم عن دعائه، فلا يقدرون أن يميلوا عنه أو ينحرفوا منه، بل يسرعون إليه، كما قال تعالى:
﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ﴾ [القمر ٨/ ٥٤].
﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً﴾ أي سكتت الأصوات رهبة وخشية وإنصاتا لسماع قول الله تعالى، فلا تسمع إلا همسا، أي صوتا خفيا.
﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ، إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي في ذلك اليوم لا تنفع شفاعة أحد إلا من أذن له الرحمن أن يشفع، ورضي قوله في الشفاعة؛ لأن الله تعالى هو المالك المتصرف في الخلق جميعا في الدنيا والآخرة.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾
стр. 4950
[البقرة ٢٥٥/ ٢]، وقوله سبحانه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ [النجم ٢٦/ ٥٣]، وقوله : ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى، وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء ٢٨/ ٢١]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا، لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً﴾ [النبأ ٣٨/ ٧٨].
وعلة تقييد الشفاعة بالإذن والرضا هي:
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ، وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ أي يعلم ما بين أيدي عباده من أمر القيامة وأحوالها، وما خلفهم من أمور الدنيا، وقيل بالعكس: يعلم ما بين أيديهم من أمر الدنيا والأعمال، وما خلفهم من أمر الآخرة والثواب والعقاب، والمراد أنه تعالى يحيط علما بالخلائق كلهم، ولا تحيط علوم الخلائق بذاته ولا بصفاته ولا بمعلوماته.
ورجح الرازي معنى أن العباد لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علما؛ لأن الضمير يعود إلى أقرب المذكورات وهو ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ ولأنه تعالى أورد ذلك مورد الزجر ليعلم أن سائر ما يقدمون عليه وما يستحقون به المجازاة معلوم لله تعالى (١).
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ، وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ أي ذلت وخضعت واستسلمت جميع النفوس والخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء يدبره ويحفظه، أي قائم بتدبير شؤون خلقه وتصريف أمورهم، وقد خسر من حمل شيئا من الظلم والشرك. وخص الوجوه بالذكر؛ لأن الخضوع بها يبين وفيها يظهر.
جاء في الحديث الصحيح: «إياكم
стр. 4951
والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، والخيبة كل الخيبة من لقي الله، وهو به مشرك، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣/ ٣١]».
وبعد ذكر الظالمين ووعيدهم ثنى بالمتقين وحكمهم، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ أي ومن يعمل الأعمال الصالحة (أي الفرائض) مقرونا عمله بالإيمان بربه ورسله وكتبه واليوم الآخر، فلا يظلم ولا يهضم حقه، أي لا يزاد في سيئاته بأن يعاقب بغير ذنب، ولا ينقص من ثواب حسناته.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - تتبدد الجبال يوم القيامة بأمر الله تعالى، فتقلع قلعا من أصولها، ثم تصير كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا، ويذر مواضعها أرضا ملساء بلا نبات ولا بناء، لا ترى في الأرض يومئذ واديا ولا رابية ولا مكانا منخفضا ولا مرتفعا، وعليه فإنه تعالى وصف الأرض بصفات ثلاث: كونها قاعا أي مستوية ملساء، وصفصفا أي لا نبات عليها، ولا عوج فيها ولا أمتا، أي لا منخفض ولا مرتفع.
٢ - يسير الناس يوم القيامة وراء قائد المحشر، ويتبعون إسرافيل ﵇ إذا نفخ في الصور، لا معدل لهم عن دعائه، لا يزيغون ولا ينحرفون، بل يسرعون إليه ولا يحيدون عنه.
وتذل الأصوات وتسكن من أجل الرحمن، فلا تسمع إلا صوتا خفيا، أو حسا خفيا.
٣ - لا تنفع الشفاعة أحدا إلا شفاعة من أذن له الرحمن، ورضي قوله في الشفاعة.
стр. 4952
٤ - يعلم الله جميع أمور الخلائق وما يتعرضون له من أمر الساعة (القيامة) ومن أمر الدنيا، ولا أحد يحيط علما بذات الله وصفاته ومعلوماته.
والخلاصة: وصف الله تعالى يوم القيامة بست صفات هي:
نسف الجبال نسفا تاما، واتباع الناس داعي الله إلى المحشر وهو إسرافيل الذي ينفخ في الصور، وخشوع الأصوات من شدة الفزع وخضوعها فلا تسمع إلا الصوت الخفي، وعدم قبول الشفاعة من الملائكة والأنبياء وغيرهم عند الله إلا شفاعة من أذن له الرحمن ورضي قوله في الشفاعة، وإحاطة علم الله بجميع أحوال الخلائق وأمورهم في الدنيا والآخرة، فيعلم تعالى ما بين أيدي العباد وما خلفهم، ولا يحيطون بالله علما، وتذل الوجوه أي النفوس ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره.
عربية القرآن ووعيده وعدم التعجل بقراءته قبل إتمام الوحي
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤)﴾
المفردات اللغوية:
﴿وَكَذلِكَ﴾ معطوف على ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ﴾ أي مثل إنزال ما ذكر، أو مثل إنزال هذه الآيات المتضمنة للوعيد. ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ أي القرآن. ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ كله على هذه الوتيرة.
﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ كررنا وفصلنا فيه آيات الوعيد ويشمل بيان الفرائض والمحارم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي ومنها الشرك، فتصير التقوى لهم ملكة. والتقوى: اتقاء المحارم وترك الواجبات. ﴿أَوْ يُحْدِثُ﴾ القرآن ﴿لَهُمْ ذِكْراً﴾ عظة وعبرة حين يسمعونها، فيثبطهم عنها، ولهذا أسند التقوى إليهم، والإحداث إلى القرآن.
﴿فَتَعالَى اللهُ﴾ تعاظم وتنزه وتقدس في ذاته وصفاته عن مماثلة المخلوقين، فلا يماثل كلامه كلامهم، كما لا يماثل ذاته ذاتهم. ﴿الْمَلِكُ﴾ النافذ أمره ونهيه. ﴿الْحَقُّ﴾ الثابت في ذاته وصفاته.
стр. 4953
﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ أي لا تستعجل في قراءة القرآن حتى يتم وحيه. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ أي حتى يفرغ جبريل من إبلاغه لك. ﴿وَقُلْ: رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال، فإن ما أوحى إليك يثبت في قلبك لا محالة.
سبب النزول:
نزول الآية (١١٤):
﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان النبي ﵌ إذا نزل عليه جبريل بالقرآن، أتعب نفسه في حفظه، حتى يشق على نفسه، فيخاف أن يصعد جبريل، ولم يحفظه، فأنزل الله: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ الآية. وثبت في الصحيح عن ابن عباس: أن رسول الله ﵌ كان يعالج من الوحي شدة، فكان مما يحرك به لسانه، فأنزل الله هذه الآية. يعني أنه ﵌ كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية قالها معه من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه لئلا يشق عليه.
المناسبة:
كما أنزل الله آيات الوعيد من أهوال يوم القيامة، أنزل القرآن كله بلغة عربية مبينة، ليفهمه العرب، ثم أبان تعالى نفع هذا القرآن للناس بالتحصن بالتقوى والاتعاظ والاعتبار بهلاك الأمم المتقدمة، وأنه سبحانه متصف بصفات الكمال ومنزه عن صفات النقصان، وأنه ضامن غرس القرآن في صدر نبيه، وصونه عن النسيان والسهو.
التفسير والبيان:
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ أي ومثل ذلك الإنزال لآيات الوعد
стр. 4954
والوعيد وأحوال يوم القيامة، أنزلنا القرآن كله بلغة العرب ليفهموه، فهو بلسان عربي مبين فصيح، لا ليس فيه ولا عي.
﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ أي وبينا فيه أنواع الوعيد تخويفا وتهديدا، كي يخافوا الله، فيتجنبوا معاصيه، ويحذروا عقابه، أو يحدث لهم في قلوبهم عبرة وعظة يعتبرون بها ويتعظون، ويقبلون على فعل الطاعات.
وبعد تعظيم القرآن عظم تعالى نفسه، فقال:
﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي تقدس وتنزه الله الملك المتصرف بالأمر والنهي، الثابت الذي لا يزول ولا يتغير عن إلحاد الملحدين، وعما يقول المشركون، فإنه الملك حقا الذي بيده الثواب والعقاب، وحقه وعدله: ألا يعذب أحدا قبل الإنذار وبعثة الرسل والإعذار إلى خلقه، لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.
﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ أي ولا تتعجل أو تبادر إلى قراءة القرآن قبل أن يفرغ جبريل من الوحي، حرصا منه على ما كان ينزل عليه منه، بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده.
ومثله قوله ﵎ في سورة القيامة: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [١٦ - ١٩] أي أن نجمعه في صدرك ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئا.
﴿وَقُلْ: رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي سل ربك زيادة العلم، روى الترمذي
وابن ماجه والبزار عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علما، والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار».
стр. 4955
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
١ - نزل القرآن بلغة العرب، فهو فخر وشرف لهم إلى الأبد، كما قال تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤/ ٤٣].
٢ - اشتمل القرآن على ما فيه كفاية لجميع مستويات البشر، الأخيار والأشرار، من التخويف والتهديد، والثواب والعقاب، والعبرة والعظة، حتى يخاف الناس ربهم، فيجتنبوا معاصيه، ويحذروا عقابه.
٣ - عظم الله القرآن وعظم ذاته، فلما عرف تعالى العباد عظيم نعمه، وإنزال القرآن، نزه نفسه عن الأولاد والأنداد، جل الله عن ذلك، فهو الملك المتصرف في الأكوان، الحق، أي ذو الحق، وتقدس لأنه هو حق ثابت دائم لا يتغير، ووعده حق، ووعيده حق، ورسله حق، والجنة حق، وكل شيء منه حق.
٤ - علم الله نبيه كيف يتلقى القرآن، قال ابن عباس: كان ﵌ يبادر جبريل، فيقرأ قبر أن يفرغ جبريل من الوحي، حرصا على الحفظ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان، فنهاه الله عن ذلك، وأنزل: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾. وهذا كقوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة ١٦/ ٧٥].
٥ - أمر الله نبيه بأن يدعو بقوله: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي فهما. قال الحسن البصري: نزلت في رجل لطم وجه امرأته، فجاءت إلى النبي ﵌ تطلب القصاص، فجعل النبي ﵌ لها القصاص، فنزل ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ [النساء ٣٤/ ٤] ولهذا قال: ﴿وَقُلْ: رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي فهما ومعرفة؛ لأنه ﵌ حكم بالقصاص وأبى الله ذلك، لكن قال الرازي: وهذا
стр. 4956
بعيد، أما قوله تعالى: ﴿وَقُلْ: رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ فالمعنى أنه أمره بالفزع إلى الله سبحانه في زيادة العلم التي تظهر بتمام القرآن أو بيان ما نزل عليه.
وفي الآية: الترغيب في تحصيل العلم والترقي فيه إلى ما شاء الله؛ لأن رتبة العلم أعلى الرتب، وبحره واسع لا يحيط به إنسان.
قصة آدم في الجنة وإخراجه منها وإلزامه بالهداية الربانية
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)﴾
стр. 4957
الإعراب:
﴿أَلاّ تَجُوعَ فِيها﴾ الجملة في موضع نصب؛ لأنها اسم إن. ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها﴾ إما موضعها النصب بالعطف على ﴿أَلاّ تَجُوعَ﴾ أي: إن لك عدم الجوع وعدم الظمأ في الجنة، وإما موضعها الرفع بالعطف على الموضع، مثل: إن زيدا قائم، وعمرو، بالعطف على موضع إن.
ومن كسر وإنك فعلى الابتداء والاستئناف، مثل إن الأولى.
البلاغة:
﴿أَعْمى﴾ و ﴿بَصِيراً﴾ بينهما طباق.
﴿فَتَشْقى﴾، ﴿تَعْرى﴾، ﴿تَضْحى﴾ سجع حسن غير متكلف.
﴿أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ فيه ما يسمى قطع النظير عن النظير، ففصل بين الظمأ والجوع، وبين الضحو والكسوة بقصد تحقيق تعداد هذه النعم، ومراعاة فواصل الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ﴾ أي وصيناه وأمرناه ألا يأكل من هذه الشجرة، يقال: عهد إليه:
إذا أمره وأوصاه به، ولام ﴿وَلَقَدْ﴾ جواب قسم محذوف، وإنما عطف قصة آدم على قوله:
﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ للدلالة على أن أساس بني آدم على العصيان، وأنهم متأصلون في النسيان. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل هذا الزمان وقبل أكله من الشجرة وقبل وجود هؤلاء المخالفين.
﴿فَنَسِيَ﴾ العهد وتركه ولم يعن به حتى غفل عنه. ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ ولم نعلم له تصميما على الذنب؛ لأنه أخطأ ولم يتعمده. ونجد من الوجود بمعنى العلم، له مفعولان، والعزم: التصميم على الشيء والثبات عليه.
﴿وَإِذْ قُلْنا﴾ أي اذكر حاله في مثل ذلك الوقت، ليتبين لك أنه نسي ولم يكن من أولي العزيمة والثبات. ﴿إِبْلِيسَ﴾ هو أبو الجن، كان يصحب الملائكة، ويعبد الله معهم. ﴿أَبى﴾ امتنع عن السجود لآدم، قائلا: أنا خير منه، وهي جملة مستأنفة لبيان ما منعه من السجود، وهو الاستكبار.
стр. 4958
﴿فَتَشْقى﴾ تتعب بمتاعب الدنيا الكثيرة. واقتصر على نسبة الشقاء لآدم؛ لأن الرجل هو المسؤول عن كفاية زوجته، وهو الذي يسعى. ﴿تَظْمَؤُا﴾ تعطش. ﴿تَضْحى﴾ تصيبك الشمس، يقال: ضحا وضحي: إذا أصابته الشمس بحرها، والمراد: لا يحصل لك شمس الضحى لانتفاء الشمس في الجنة. والمقصود من الآية: ﴿أَلاّ تَجُوعَ.﴾. بيان وتذكير لما في الجنة من أسباب الكفاية، وأساسيات الكفاية هي الشبع والري والكسوة والسكنى.
﴿شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أي التي يخلد من يأكل منها، فلا يموت أصلا. ﴿لا يَبْلى﴾ لا يفنى ولا يضعف، وهو لازم الخلد. ﴿فَأَكَلا مِنْها﴾ أي آدم وحواء. ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ ظهرت لهما عوراتهما من القبل والدبر، وسمي كل منهما سوأة لأن انكشافه يسوء صاحبه. ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ أي شرعا وأخذا يلزقان ورق التين على سوآتهما ليستترا به. ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ بالأكل من الشجرة. ﴿فَغَوى﴾ فضل عن الرشد حيث اغتر بقول عدوه. ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ﴾ اصطفاه وقربه إليه بالتوفيق للتوبة. ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ فقبل توبته لما تاب. ﴿وَهَدى﴾ إلى الثبات على التوبة والأخذ بأسباب العصمة.
﴿اِهْبِطا مِنْها﴾ أي آدم وحواء من الجنة. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ أي بعض الذرية عدو للبعض الآخر بالظلم والتحارب والتنافس الشديد على أمر المعاش. ﴿فَإِمّا﴾ فيه إدغام نون (إن) الشرطية في (ما) المزيدة. ﴿هَدى﴾ كتاب ورسول. ﴿هُدايَ﴾ هدى الوحي الإلهي.
﴿فَلا يَضِلُّ﴾ في الدنيا. ﴿وَلا يَشْقى﴾ في الآخرة.
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ الهداية بكتبي السماوية المذكرة بي والداعية إلى عبادتي.
وأعرض: أي امتنع فلم يؤمن بالذكر. ﴿ضَنْكاً﴾ مصدر وهو الضيق الشديد، والمعنى هنا: ضيقة.
﴿وَنَحْشُرُهُ﴾ أي المعرض عن الذكر الإلهي ومنه القرآن. ﴿أَعْمى﴾ أي أعمى البصر أو القلب فلم ينظر في البراهين الإلهية، ويؤيد الأول: ﴿قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ أي في الدنيا وعند البعث. ﴿قالَ﴾ أي الأمر ﴿كَذلِكَ﴾ مثل ذلك فعلت، ثم فسره بقوله: ﴿أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾ تركتها ولم تؤمن بها. ﴿وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ أي ومثل تركك إياها-أي الآيات-تترك اليوم في العمى والعذاب. والآيات: الأدلة والبراهين الإلهية.
﴿وَكَذلِكَ﴾ أي ومثل جزائنا من أعرض عن الذكر. ﴿نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ نعاقب من أشرك وأسرف في الانهماك في الشهوات، والإعراض عن الآيات. ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ بل كذبها وخالفها. ﴿أَشَدُّ﴾ من عذاب الدنيا وعذاب القبر وضنك العيش والعمى. ﴿وَأَبْقى﴾ أدوم.
وذلك كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ، وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ [الرعد ٣٤/ ١٣].
стр. 4959
المناسبة:
هذه هي المرة السادسة لذكر قصة آدم في القرآن، بعد البقرة، والأعراف، والحجر، والإسراء، والكهف.
ومناسبة هذه الآيات لما قبلها أنه بعد أن عظم أمر القرآن، وأبان ما فيه من الوعيد لتربية التقوى والعظة والعبرة، أردفه بقصة آدم، للدلالة على أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم، وأنهم ينسون الأوامر الإلهية، كما نسي أبوهم آدم. ثم ذكر إباء إبليس السجود لآدم للتحذير من هذا العدو الذي أخرج بوساوسه آدم من الجنة، ثم بين جزاء المطيع للهدي الإلهي، وجزاء المعرض عنه، وأنه سيحشر أعمى عن الحجة التي تنقذه من العذاب، بسبب إعراضه في الدنيا عن الآيات البينات التي تهديه إلى سبيل الرشاد.
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ، فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ أي وو الله لقد وصينا آدم بألا يأكل من الشجرة، فنسي ما عهد الله به إليه، وترك العمل بمقتضى العهد، فأكل من تلك الشجرة، ولم يكن عنده قبل ذلك عزم وتصميم على ذلك؛ إذ كان قد صمم على ترك الأكل، ثم فتر عزمه، عند ما وسوس إليه إبليس بالأكل، فلم يصبر عن أكل الشجرة.
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما سمي الإنسان؛ لأنه عهد إليه، فنسي. والمراد بالعهد: أمر من الله تعالى أو نهي منه، والمراد هنا: عهدنا إليه ألا يأكل من الشجرة ولا يقربها. والآية دليل على أن النسيان وعدم العزم هما سبب العصيان، وأن التذكر وقوة العزم هما سبب الخير والرشد.
ثم ذكر الله تعالى خلق آدم وتكريمه وتشريفه، فقال:
стр. 4960
﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى﴾ أي واذكر أيها النبي لقومك حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تشريف وتكريم وتفضيل على كثير من خلق الله، فسجدوا إلا إبليس امتنع واستكبر ورفض المشاركة في السجود؛ لأنه كان حسودا، فلما رأى آثار نعم الله تعالى في حق آدم ﵇ حسده، فصار عدوا له، كما قال تعالى:
﴿فَقُلْنا: يا آدَمُ، إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ، فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ، فَتَشْقى﴾ أي فقلنا له عقب إبائه السجود: يا آدم، إن إبليس عدو لك ولزوجك، فلم يسجد لك وعصاني، فلا تطيعاه، ولا يكوننّ سببا لإخراجكما من الجنة، فتتعب في حياتك الدنيا في الأرض في تحصيل وسائل المعاش كالحرث والزرع، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء، بلا كلفة ولا مشقة، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ أي إن لك في الجنة تمتعا بأنواع المعايش، وتنعما بأصناف النعم من المآكل الشهية والملابس البهية، فلا تجوع ولا تعرى، ولا تعطش في الجنة، ولا يؤذيك الحرّ، كما يكون لسكان الأرض، فإن أصول المتاعب في الدنيا: هي تحصيل الشبع (ضد الجوع) والكسوة (ضد العري) والريّ (ضد الظمأ) والسكن (ضد العيش في العراء أو تحت حرّ الشمس).
ويلاحظ أن نعم الجنة كما جاء في الآية لا عناء فيها في هذه الأصول الأربعة، فلا جوع فيها ولا عري ولا ظمأ ولا إصابة بحرّ الشمس. فأيهما يفضل العقلاء: ما فيه تعب وعناء أو ما ليس فيه تعب؟! وبعد بيان مدى تكريم آدم وتعظيمه وتحذيره من عدوه، أبان تعالى تورطه في وسوسة الشيطان، فقال:
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ، قالَ: يا آدَمُ، هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ
стр. 4961
وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ أي قال الشيطان لآدم بنوع من الخفية: ألا أرشدك إلى شجرة الخلد: وهي الشجرة التي من أكل منها لم يمت أصلا، وإلى ملك دائم لا يزول ولا ينقضي. وكان ذلك كذبا من إبليس ليستدرجهما إلى معصية الله تعالى: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ٢١/ ٧] ﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف ٢٢/ ٧].
جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، أخرج الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، ما يقطعها، وهي شجرة الخلد».
﴿فَأَكَلا مِنْها، فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما، وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ أي فأكل آدم وحواء من الشجرة التي منعا من الأكل منها، فانكشفت عورتهما وسقط عنهما لباسهما، فشرعا يلصقان عليهما ويلزقان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما، وعصى آدم ربه أو خالف أمر ربه بالأكل من الشجرة المنهي عن الآكل منها، فضلّ عن الصواب، وفسد عليه عيشه.
ولا شك بأن مخالفة الأمر الواجب معصية، وأن الجزاء حق وعدل بسبب المعصية، لكنها معصية من نوع خاص بترتيب وتدبير وإرادة الله ، وفي حال نسيان آدم عهد الله إليه بألا يأكل من الشجرة،
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «حاجّ موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله عليّ، قبل أن يخلقني، أو قدره الله علي قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله ﵌: فحجّ آدم موسى».
стр. 4962
لهذا تاب الله تعالى على آدم من معصيته، فقال:
﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ، فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ أي ثم اصطفاه ربه وقرّبه إليه، بعد أن تاب من المعصية واستغفر ربه منها، وأنه قد ظلم نفسه، فتاب الله عليه من معصيته، وهداه إلى التوبة وإلى سواء السبيل، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ، فَتابَ عَلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٣٧/ ٢] وقال هو وزوجه: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا، لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣/ ٧].
﴿قالَ: اِهْبِطا مِنْها جَمِيعاً، بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ أي قال الله تعالى لآدم وحواء: انزلا من الجنة إلى الأرض معا، بعضكم يا معشر البشر في الدنيا عدو لبعض في أمر المعاش ونحوه، مما يؤدي ذلك إلى وقوع الخصام والنزاع والاقتتال.
﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ، فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى﴾ أي فإن يأتكم أيها البشر مني هدى بواسطة الأنبياء والرسل وإنزال الكتب، فمن اتبع الهدى، فلا يضل عن الصواب في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. قال ابن عباس: «ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن، وعمل بما فيه، ألا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وتلا الآية». وقال أيضا: «من قرأ القرآن، واتّبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، ثم تلا الآية».
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ أي ومن أدبر عن ديني وتلاوة كتابي والعمل بما فيه، فإن له في هذه الدنيا عيشا ضيقا، ومعيشة شديدة منغصة، إما بشح المادة وإما بالقلق والهموم والأمراض.
﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ أي ونحشره ونبعثه في الآخرة مسلوب البصر، أو أعمى عن الجنة وطريق النجاة، أو أعمى البصر والبصيرة، كما قال
стр. 4963
تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا، مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء ٩٧/ ١٧].
﴿قالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾؟ أي قال المعرض عن دين الله: يا ربّ، لم حشرتني أعمى، وقد كنت مبصرا في دار الدنيا؟ فأجابه الله تعالى:
﴿كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا، فَنَسِيتَها، وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ أي مثل ذلك فعلت أنت، فكما تركت آياتنا وأعرضت عنها ولم تنظر فيها، تترك في العمى والعذاب في النار، ونعاملك معاملة المنسي، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾ [الأعراف ٥١/ ٧] فإن الجزاء من جنس العمل.
قال ابن كثير: فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعدا عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك.
أخرج الإمام أحمد عن سعد بن عبادة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «ما من رجل قرأ القرآن، فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه، وهو أجذم» (١).
﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى﴾ أي وهكذا نجازي ونعاقب المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة، ولعذاب الآخرة في النار أشد ألما من عذاب الدنيا، وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه. قال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ، وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ [الرعد ٣٤/ ١٣].
стр. 4964
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت قصة آدم ﵇ على ما يلي:
١ - قد يرتكب الإنسان معصية مخالفا أمر الله في حال النسيان والسهو عن عهد الله بطاعته، والنسيان مرفوع عنا الحرج والإثم فيه. قال ابن زيد: نسي آدم ما عهد الله إليه في ذلك اليوم، ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس.
٢ - أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية وتشريف وتكريم، لا سجود عبادة، وأبى إبليس السجود مع الملائكة تكبرا واستعلاء وحسدا.
٣ - لا شك بأن الجنة ذات نعيم مطلق، فلا تعب ولا عناء في الحصول على الملذات والرغبات، ومن أهمها الشبع والكساء والري والسكن أو المأوى، على عكس حال الدنيا التي ترتبط أصول المعايش هذه فيها بالجهد والمشقة.
٤ - كانت وسوسة الشيطان لآدم بالأكل من الشجرة سببا في المخالفة والإخراج من الجنة والهبوط إلى الأرض.
٥ - لا يجوز الحديث عن ذنوب الأنبياء إلا بالقدر المذكور في القرآن الكريم أو السنة النبوية الثابتة، قال بعض العلماء من المالكية: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم (أي بعض الأنبياء) ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بذلك عن نفوسهم، وتنصّلوا منها، واستغفروا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها، وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزرى بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات، وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم، وعلو أقدارهم؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة.
стр. 4965
ولقد أحسن الجنيد حين قال: «حسنات الأبرار سيئات المقربين» فهم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم، وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، فلم يخل ذلك بمناصبهم، ولا قدح في رتبتهم، بل قد تلافاهم، واجتباهم وهداهم، ومدحهم وزكّاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله على نبينا وعليهم وسلامه (١).
٦ - أما من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة، فإن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم، فيقول: تلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت، وقد قدّر الله علي ذلك. والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه، ولوم المسيء على إساءته، وتعديد ذنوبه عليه (٢).
٧ - لقد اجتبى الله تعالى آدم وهداه بعد العصيان، فإن وقع هذا قبل النبوة فجائز عليهم الذنوب؛ لأن قبل النبوة لا شرع علينا في تصديقهم، وإذا بعثهم الله تعالى إلى خلقه، لم يضر ما سلف منهم من الذنوب.
٨ - أمر الله تعالى آدم وزوجه حواء بالهبوط إلى دار الدنيا، والدنيا دار تكليف وتنافس وتزاحم ومعاداة، وسبيل التقويم والتميز: الالتزام بهداية الله، فمن اهتدى بهداية الرسل والكتب الإلهية فقد رشد، ولا يضل عن الصواب، ولا يشقى في الآخرة.
ومن أعرض عن دين الله، وتلاوة كتابه، والعمل بما فيه، كان له عيش ضيق مشحون بالعذاب النفسي والجسدي والعقلي، ويحشر يوم القيامة أعمى البصر والبصيرة، لا يدرك طريق النجاة، ويزج به في عذاب جهنم.
стр. 4966
٩ - لا عذر للكافر يوم القيامة بعد أن أتته الآيات والدلائل على إثبات وحدانية الله وقدرته ووجوب العمل بشرعه، فإذا ما تركها ولم ينظر فيها، ترك في العذاب في جهنم.
وهكذا يعاقب كل من أعرض عن القرآن، وعن النظر في مصنوعات الله، والتفكر فيها، وجاوز الحد في المعصية، ولم يصدق بآيات ربه، علما بأن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا حال الحياة أو في القبر، وأدوم وأثبت؛ لأنه لا ينقطع ولا ينقضي.
الاعتبار بهلاك الأمم الماضية والصبر على أذى المشركين وعدم
الالتفات إلى متعهم وأمر الأهل بالصلاة
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)﴾
الإعراب:
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ فاعل ﴿يَهْدِ﴾ مقدر، وهو المصدر، أي: أفلم يهد لهم الهدى أو الأمر.
و ﴿كَمْ﴾ في موضع نصب ب ﴿أَهْلَكْنا﴾ وهو مفعول مقدم، أي كم قرية. و ﴿كَمْ﴾ خبرية. و ﴿يَمْشُونَ﴾ جملة حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾
стр. 4967
﴿وَأَجَلٌ﴾ معطوف بالرفع على ﴿كَلِمَةٌ﴾ أي: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى، لكان العذاب لزاما، أي لازما لهم، ففصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب لولا: وهو كان واسمها وخبرها.
﴿وَأَطْرافَ النَّهارِ﴾ معطوف على محل ﴿مِنْ آناءِ﴾.
﴿زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ منصوب لثلاثة أوجه: الأول-بتقدير فعل دل عليه ﴿مَتَّعْنا﴾ الذي هو بمنزلة جعلنا فكأنه قال: وجعلنا لهم زهرة الحياة الدنيا. والثاني-النصب على الحال، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، مثل ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص ١/ ١١٢ - ٢] و ﴿الْحَياةِ﴾ بدل من ﴿ما﴾ في قوله ﴿إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ أي: ولا تمدن عينيك إلى الحياة الدنيا زهرة، أي في حال زهرتها. والثالث-النصب على البدل من هاء ﴿بِهِ﴾ على الموضع، كما يقال: مررت به أباك.
البلاغة:
﴿زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ تشبيه تمثيلي، شبه متاع الحياة الدنيا ونعيمها بالزهر الجميل الذي يذبل وييبس.
المفردات اللغوية:
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ أي أفلم يتبين لهم-لكفار مكة-العبر. ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ أي كثيرا إهلاكنا. ﴿الْقُرُونِ﴾ الأمم الماضية، لتكذيب الرسل. ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ﴾ يسيرون فيها، ويشاهدون آثار إهلاكهم أثناء سفرهم إلى الشام وغيرها، فيعتبروا ﴿لَآياتٍ﴾ لعبرا. ﴿لِأُولِي النُّهى﴾ لذوي العقول.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي هي العدة بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الآخرة.
﴿لَكانَ لِزاماً﴾ لكان الإهلاك لازما لهم في الدنيا، لا يتأخر عنهم. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ معطوف على ﴿كَلِمَةٌ﴾ أي ولولا الوعد بتأخير العذاب وأجل مسمى لأعمارهم أو لعذابهم، وهو يوم القيامة، أو يوم القتل في المعركة في الدنيا كبدر، لكان العذاب لازما. ويجوز عطف ﴿وَأَجَلٌ﴾ على ضمير ﴿لَكانَ﴾ المستتر، أي لكان الأخذ العاجل والأجل المسمى لازمين لهم.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ اشتغل بتنزيه الله وتعظيمه مقترنا بحمده، أو: صلّ وأنت حامد لربك على هدايته وتوفيقه. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صلاة الصبح. ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ صلاة الظهر والعصر أو العصر وحده. ﴿وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ﴾ ساعاته، جمع إنى وإنو. ﴿فَسَبِّحْ﴾ صل المغرب والعشاء. ﴿وَأَطْرافَ النَّهارِ﴾ أي صل الظهر؛ لأن وقتها يدخل بزوال الشمس، فهو طرف
стр. 4968
النصف الأول وطرف النصف الثاني. ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ متعلق بسبح، أي سبّح في هذه الأوقات، طمعا أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك.
﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أي لا تطيلن نظر عينيك رغبة واستحسانا إلى ما في أيدي الآخرين من متع الدنيا، وتتمنى أن يكون لك مثله. ﴿أَزْواجاً﴾ أصنافا وأشكالا. ﴿زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ زينتها وبهجتها. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنبتليهم ونختبرهم فيه. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ أي ما ادّخره لك في الآخرة، أو ما رزقك من الهدى والنبوة. ﴿خَيْرٌ﴾ مما منحهم في الدنيا. ﴿وَأَبْقى﴾ أدوم لا ينقطع. ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ اصبر وداوم عليه. ﴿لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً﴾ لا نكلفك أن ترزق نفسك ولا أهلك. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ وإياهم، ففرغ بالك لأمر الآخرة. ﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ المحمودة وهي الجنة.
﴿لِلتَّقْوى﴾ لأهل التقوى أو لذويها.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى حال من أعرض عن ذكر الله، في الآخرة، أتبعه بما هو عبرة للناس من أحوال المكذبين بالرسل في الدنيا، كقوم عاد وثمود، ثم أبان فضله تعالى بتأخير العذاب عن الكافرين والعصاة إلى الآخرة، ثم أمر الله نبيه بالصبر على أذى المشركين، وبمداومة الصلاة والتسبيح ليلا نهارا، ونهاه عن تمني ما عند الكفار من متع الدنيا، ثم أمره بأن يأمر أهل بيته أو التابعين له من أمته بالصلاة،
روي أنه ﵌ كان إذا أصاب أهله ضر، أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية.
التفسير والبيان:
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ، كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ أي أفلم يتبين لهؤلاء المكذبين أهل مكة بما جئتهم به يا محمد إهلاكنا كثيرا من الأمم الماضية المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا ولم يبق لهم أثر، كعاد وثمود وأصحاب الحجر وقرى قوم لوط الذين يتقلبون في ديارهم أو يمشون في مساكنهم، ويشاهدون آثارهم المدمرة، فإن في ذلك لعبرا وعظات
стр. 4969
توجب الاعتبار لذوي العقول الصحيحة التي تنهى أصحابها عن القبيح، وتدرك احتمال أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦/ ٢٢] وقوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة ٢٦/ ٣٢].
ثم بيّن الله تعالى سبب تأخير العذاب عنهم، فقال: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً، وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي ولولا الكلمة السابقة النافذة من الله في الأزل، وهي وعد الله سبحانه بتأخير عذاب أمة النبي ﵌ إلى الدار الآخرة، لكان عقاب ذنوبهم لازما لهم، لا ينفك عنهم بحال، ولا يتأخر، ولولا الأجل المسمى عندنا لكان الأخذ العاجل.
لهذا قال الله لنبيه مسليا له وآمرا له بالصبر:
﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها، وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ أي فاصبر أيها الرسول على ما يقول هؤلاء المكذبون بآيات الله، من أنك ساحر كذاب، أو مجنون، أو شاعر، ونحو ذلك من أباطيلهم ومطاعنهم، لا تأبه بهم، فإن لعذابهم وقتا معينا لا يتقدم، واشتغل بتنزيه ربك وحمده وشكره وأداء الصلوات الخمس المفروضة قبل طلوع الشمس، أي صلاة الفجر، وقبل غروبها، أي صلاة العصر والظهر، ومن ساعات الليل أي صلاة العشاء والمغرب والتهجد أواخر الليل، وفي أطراف النهار، أي صلاة الفجر والمغرب تأكيدا لهاتين الصلاتين الواقعتين في طرفي النهار، كالتأكيد على (الصلاة الوسطى) وهي العصر، سبّحه رجاء أن
стр. 4970
تنال عند الله سبحانه ما ترضى به نفسك من الثواب، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى ٥/ ٩٣].
أخرج الإمام أحمد ومسلم عن عمارة بن رؤيبة، قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها».
وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا، وقرأ هذه الآية».
وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﵌ قال: «يقول الله تعالى: يا أهل الجنة فيقولون: لبّيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربّنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأى شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا».
دلت الآية على أن سبيل التغلب على تكذيب المكذبين الكافرين المعاندين هو الصبر لما فيه من قوة الإرادة، ثم التسبيح والتحميد والصلاة والتكبير باعتبارها مقوية للروح والصلة بالله تعالى، فنزول عن النفس والجسد المتاعب والآلام والهموم.
والاستعلاء بالروح يستتبع الانصراف عن متع الحياة الدنيا، لذا قال تعالى:
﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ، وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي ولا تنظر أو لا تطل النظر إلى ما عند هؤلاء المترفين من النعيم ومتع الدنيا من زينة وبهجة من مال وبناء ورياش ومراكب، فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، ونتعرف على من يؤدي
стр. 4971
واجب شكر النعمة، واجعل همتك فيما عند الله، فقد آتاك ربك خيرا مما آتاهم، فقد يسر لك رزقك في الدنيا، وثواب الله وما ادخر لك في الآخرة خير مما رزقهم في الدنيا على كل حال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر ٨٧/ ١٥ - ٨٨] وليس المقصود بالآيتين التكاسل عن طلب الرزق، ولكن النهي عن تمني مثل ما في يد الكفار والعصاة من حطام الدنيا، والانشغال بها، وترك العمل للآخرة، بل إننا نعمل للآخرة والدنيا معا.
ثم أمره الله بأن يأمر أهله بالصلاة، فقال:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها، لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً، نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ أي وأمر أيها الرسول أهل بيتك واستنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصبر أنت على فعلها وحافظ عليها، لا نطلب منك رزقا ترزق نفسك وأهلك ولا نكلفك الطلب، بل تفرغ للعبادة والتقوى، فنحن نرزقك ونرزقهم: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥٨/ ٥١]، والعاقبة المحمودة، وهي الجنة لأهل التقوى والطاعة.
فإذا أقمت الصلاة مع أهلك، أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢/ ٦٥ - ٣]. وأمر النبي ﵌ وأهله بالصلاة أمر للأمة قاطبة.
أخرج مالك والبيهقي عن أسلم قال: كان عمر بن الخطاب يصلي من الليل ما شاء الله تعالى أن يصلي حتى إذا كان آخر الليل، أيقظ أهله للصلاة ويقول لهم: الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وأبو نعيم في الحلية عن
стр. 4972
عبد الله بن سلام قال: كان النبي ﵌ إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق، أمرهم بالصلاة وتلا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾.
وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «يقول الله تعالى: يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسدّ فقرك».
وروى ابن ماجه عن ابن مسعود، سمعت نبيكم ﵌ يقول: «من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك».
وروى أيضا عن زيد بن ثابت، سمعت رسول الله ﵌ يقول: «من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - يعظ الله تعالى الكفار بأن يعتبروا بأحوال الأمم الماضية الذين أهلكهم لتكذيبهم الرسل، فلربما حل بهم من العذاب مثلما حل بالكفار قبلهم.
٢ - لولا الحكم السابق من الله في الأزل بتأخير عذاب أمة محمد ﵌ إلى يوم القيامة، لكان العذاب لازما في الحال لمن كفر وأعرض عن آيات الله تعالى.
٣ - الصبر علاج حاسم على أذى الكفار المناوئين دعوة الرسول ﵌، لذا أمر الله تعالى نبيه بالصبر على أقوالهم: إنه ساحر، إنه كاهن، إنه كذاب، ونحو ذلك، وألا يحفل بهم؛ فإن لعذابهم وقتا محددا معينا لا يتقدم ولا يتأخر.
стр. 4973
٤ - قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ..﴾. يراد به في رأي الأكثرين الصلوات الخمس المفروضة، فصلاة الصبح قبل طلوع الشمس، وصلاة العصر قبل الغروب، ومعها الظهر لأنها تجمع معها، وصلاة العشاء في ساعات الليل، وكذا صلاة المغرب. ويرى آخرون أن قوله تعالى: ﴿وَأَطْرافَ النَّهارِ﴾ إشارة إلى المغرب والظهر؛ لأن الظهر في آخر طرف النهار الأول، وأول طرف النهار الآخر، فهي في طرفين منه، والطرف الثالث: غروب الشمس وهو وقت المغرب.
٥ - إن أداء الصلوات في أوقاتها من رضوان الله، وسبب للثواب العظيم، وقد جعل تعالى الثواب واسعا غير محدود على فعل الصلوات، فقال مخاطبا نبيه، وأمته مثله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به.
٦ - إن همّ المؤمن أصالة هو العمل للآخرة، وأما الدنيا فهي تبع لهذا المقصد الأصلي، على عكس الحال بالنسبة للكفار، فلا همّ لهم إلا الدنيا، لذا نهى الله نبيه عن تمني مثل ما لدى الكفار من زهرة الحياة الدنيا من المال والمباني والأثاث والمراكب وغيرها، فهذا ابتلاء واختبار لهم، ليكون جحودهم ونكرانهم نعم الله سببا لعذابهم في الآخرة.
ويلاحظ التسلسل المنطقي في هذه الأحكام والآيات الدالة عليها، فقد وبخ الله تعالى الكفار على ترك الاعتبار بالأمم السابقة، ثم توعدهم بالعذاب المؤجل، ثم أمر نبيه باحتقار شأنهم، والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا، إذ ذلك زائل عنهم، صائر إلى خزي.
وختم ذلك بتسلية النبي ﵌ بقوله تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي ثواب الله على الصبر وقلة المبالاة بالدنيا أولى؛ لأنه يبقى والدنيا تفنى.
٧ - أمر الله نبيه بأن يأمر أهله بالصلاة وبالمحافظة عليها وملازمتها،
стр. 4974
ويدخل في عموم خطاب النبي ﵌ جميع أمته وأهل بيته على التخصيص.
وكان ﵌ بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة وعلي رضوان الله عليهما فيقول: «الصلاة». وكان عروة بن الزبير إذا رأى شيئا من أحوال السلاطين بادر إلى منزله فدخله، وهو يقرأ: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ.﴾. الآية، ثم ينادي بالصلاة: الصلاة يرحمكم الله.
٨ - نهى الله تعالى نبيه أن يشتغل عن الصلاة بسبب الرزق، بل تكفل له برزقه ورزق أهله، فكان ﵊ إذا نزل بأهله ضيق، أمرهم بالصلاة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ، ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ، وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥٦/ ٥١ - ٥٨].
٩ - إن العاقبة الجميلة المحمودة وهي الجنة لأهل التقوى. وأما عاقبة غيرهم فهي مذمومة كالمعدومة.
اقتراح المشركين الإتيان بمعجزة أو إرسال رسول
وتهديدهم بمآل المستقبل
﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى (١٣٥)﴾
الإعراب:
﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ﴾ بغير تنوين مضاف إلى ﴿ما﴾. ومن قرأ بتنوين، جعل ﴿ما﴾ في موضع نصب بدلا من ﴿بَيِّنَةُ﴾.
стр. 4975
﴿مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ﴾ ﴿مَنْ﴾ استفهامية مبتدأ، و ﴿أَصْحابُ الصِّراطِ﴾ خبره. ولا يجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا بمعنى الذي؛ لأنه ليس في الكلام الذي بعدها عائد يعود إليه، والجملة في موضع نصب ب ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾.
البلاغة:
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ وعيد وتهديد.
﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً﴾ جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿وَقالُوا﴾ أي المشركون. ﴿لَوْلا﴾ هلا. ﴿يَأْتِينا﴾ محمد ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ بمعجزة يقترحونها تدل على صدقه في ادعاء النبوة، كناقة صالح، وعصا موسى، وإبراء عيسى الأكمه والأبرص، فألزمهم بإتيانه بالقرآن الذي هو أم المعجزات وأعظمها وأتقنها؛ لأن حقيقة المعجزة:
اختصاص مدّعي النبوة بنوع من العلم أو العمل، على وجه خارق للعادة، ولا شك أن العلم أصل العمل وأعلى منه قدرا، وأبقى أثرا، والقرآن محقق لذلك.
ونبههم أيضا على وجه أبين من وجوه إعجاز القرآن: وهو الإخبار عن الأمم السابقة، فقال:
﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ من التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية، فإن اشتماله على خلاصة ما فيها من العقائد والأحكام الكلية، مع أن الآتي بها أمي، لم يرها ولم يتعلم من علمائها، إعجاز بين؛ وفيه إشعار بأنه كما يدل على نبوته، برهان لما تقدمه من الكتب، من حيث إنه معجز، وهي ليست كذلك، بل هي مفتقرة إلى ما يشهد بصحتها.
فقوله: ﴿بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ أي بيان ما اشتملت عليه، وأخبار الأمم الماضية التي أهلكت بتكذيب الرسل، في القرآن.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ قبل محمد الرسول. ﴿لَقالُوا﴾ يوم القيامة. ﴿لَوْلا﴾ هلا. ﴿آياتِكَ﴾ المرسل بها. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾ نهان في الدنيا بالقتل والسبي. أو في القيامة. ﴿وَنَخْزى﴾ نفتضح بدخول النار جهنم يوم القيامة.
﴿قُلْ: كُلٌّ﴾ قل لهم: كل واحد منا ومنكم. ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾ منتظر ما يؤول إليه الأمر.
﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ في القيامة. ﴿الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾ الطريق المستقيم. ﴿وَمَنِ اهْتَدى﴾ من الضلالة، أنحن أم أنتم؟!