واجب شكر النعمة، واجعل همتك فيما عند الله، فقد آتاك ربك خيرا مما آتاهم، فقد يسر لك رزقك في الدنيا، وثواب الله وما ادخر لك في الآخرة خير مما رزقهم في الدنيا على كل حال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر ٨٧/ ١٥ - ٨٨] وليس المقصود بالآيتين التكاسل عن طلب الرزق، ولكن النهي عن تمني مثل ما في يد الكفار والعصاة من حطام الدنيا، والانشغال بها، وترك العمل للآخرة، بل إننا نعمل للآخرة والدنيا معا.
ثم أمره الله بأن يأمر أهله بالصلاة، فقال:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها، لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً، نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ أي وأمر أيها الرسول أهل بيتك واستنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصبر أنت على فعلها وحافظ عليها، لا نطلب منك رزقا ترزق نفسك وأهلك ولا نكلفك الطلب، بل تفرغ للعبادة والتقوى، فنحن نرزقك ونرزقهم: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥٨/ ٥١]، والعاقبة المحمودة، وهي الجنة لأهل التقوى والطاعة.
فإذا أقمت الصلاة مع أهلك، أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢/ ٦٥ - ٣]. وأمر النبي ﵌ وأهله بالصلاة أمر للأمة قاطبة.
أخرج مالك والبيهقي عن أسلم قال: كان عمر بن الخطاب يصلي من الليل ما شاء الله تعالى أن يصلي حتى إذا كان آخر الليل، أيقظ أهله للصلاة ويقول لهم: الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وأبو نعيم في الحلية عن
стр. 4972
عبد الله بن سلام قال: كان النبي ﵌ إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق، أمرهم بالصلاة وتلا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾.
وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «يقول الله تعالى: يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسدّ فقرك».
وروى ابن ماجه عن ابن مسعود، سمعت نبيكم ﵌ يقول: «من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك».
وروى أيضا عن زيد بن ثابت، سمعت رسول الله ﵌ يقول: «من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - يعظ الله تعالى الكفار بأن يعتبروا بأحوال الأمم الماضية الذين أهلكهم لتكذيبهم الرسل، فلربما حل بهم من العذاب مثلما حل بالكفار قبلهم.
٢ - لولا الحكم السابق من الله في الأزل بتأخير عذاب أمة محمد ﵌ إلى يوم القيامة، لكان العذاب لازما في الحال لمن كفر وأعرض عن آيات الله تعالى.
٣ - الصبر علاج حاسم على أذى الكفار المناوئين دعوة الرسول ﵌، لذا أمر الله تعالى نبيه بالصبر على أقوالهم: إنه ساحر، إنه كاهن، إنه كذاب، ونحو ذلك، وألا يحفل بهم؛ فإن لعذابهم وقتا محددا معينا لا يتقدم ولا يتأخر.
стр. 4973
٤ - قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ..﴾. يراد به في رأي الأكثرين الصلوات الخمس المفروضة، فصلاة الصبح قبل طلوع الشمس، وصلاة العصر قبل الغروب، ومعها الظهر لأنها تجمع معها، وصلاة العشاء في ساعات الليل، وكذا صلاة المغرب. ويرى آخرون أن قوله تعالى: ﴿وَأَطْرافَ النَّهارِ﴾ إشارة إلى المغرب والظهر؛ لأن الظهر في آخر طرف النهار الأول، وأول طرف النهار الآخر، فهي في طرفين منه، والطرف الثالث: غروب الشمس وهو وقت المغرب.
٥ - إن أداء الصلوات في أوقاتها من رضوان الله، وسبب للثواب العظيم، وقد جعل تعالى الثواب واسعا غير محدود على فعل الصلوات، فقال مخاطبا نبيه، وأمته مثله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به.
٦ - إن همّ المؤمن أصالة هو العمل للآخرة، وأما الدنيا فهي تبع لهذا المقصد الأصلي، على عكس الحال بالنسبة للكفار، فلا همّ لهم إلا الدنيا، لذا نهى الله نبيه عن تمني مثل ما لدى الكفار من زهرة الحياة الدنيا من المال والمباني والأثاث والمراكب وغيرها، فهذا ابتلاء واختبار لهم، ليكون جحودهم ونكرانهم نعم الله سببا لعذابهم في الآخرة.
ويلاحظ التسلسل المنطقي في هذه الأحكام والآيات الدالة عليها، فقد وبخ الله تعالى الكفار على ترك الاعتبار بالأمم السابقة، ثم توعدهم بالعذاب المؤجل، ثم أمر نبيه باحتقار شأنهم، والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا، إذ ذلك زائل عنهم، صائر إلى خزي.
وختم ذلك بتسلية النبي ﵌ بقوله تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي ثواب الله على الصبر وقلة المبالاة بالدنيا أولى؛ لأنه يبقى والدنيا تفنى.
٧ - أمر الله نبيه بأن يأمر أهله بالصلاة وبالمحافظة عليها وملازمتها،
стр. 4974
ويدخل في عموم خطاب النبي ﵌ جميع أمته وأهل بيته على التخصيص.
وكان ﵌ بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة وعلي رضوان الله عليهما فيقول: «الصلاة». وكان عروة بن الزبير إذا رأى شيئا من أحوال السلاطين بادر إلى منزله فدخله، وهو يقرأ: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ.﴾. الآية، ثم ينادي بالصلاة: الصلاة يرحمكم الله.
٨ - نهى الله تعالى نبيه أن يشتغل عن الصلاة بسبب الرزق، بل تكفل له برزقه ورزق أهله، فكان ﵊ إذا نزل بأهله ضيق، أمرهم بالصلاة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ، ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ، وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥٦/ ٥١ - ٥٨].
٩ - إن العاقبة الجميلة المحمودة وهي الجنة لأهل التقوى. وأما عاقبة غيرهم فهي مذمومة كالمعدومة.
اقتراح المشركين الإتيان بمعجزة أو إرسال رسول
وتهديدهم بمآل المستقبل
﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى (١٣٥)﴾
الإعراب:
﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ﴾ بغير تنوين مضاف إلى ﴿ما﴾. ومن قرأ بتنوين، جعل ﴿ما﴾ في موضع نصب بدلا من ﴿بَيِّنَةُ﴾.
стр. 4975
﴿مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ﴾ ﴿مَنْ﴾ استفهامية مبتدأ، و ﴿أَصْحابُ الصِّراطِ﴾ خبره. ولا يجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا بمعنى الذي؛ لأنه ليس في الكلام الذي بعدها عائد يعود إليه، والجملة في موضع نصب ب ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾.
البلاغة:
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ وعيد وتهديد.
﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً﴾ جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿وَقالُوا﴾ أي المشركون. ﴿لَوْلا﴾ هلا. ﴿يَأْتِينا﴾ محمد ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ بمعجزة يقترحونها تدل على صدقه في ادعاء النبوة، كناقة صالح، وعصا موسى، وإبراء عيسى الأكمه والأبرص، فألزمهم بإتيانه بالقرآن الذي هو أم المعجزات وأعظمها وأتقنها؛ لأن حقيقة المعجزة:
اختصاص مدّعي النبوة بنوع من العلم أو العمل، على وجه خارق للعادة، ولا شك أن العلم أصل العمل وأعلى منه قدرا، وأبقى أثرا، والقرآن محقق لذلك.
ونبههم أيضا على وجه أبين من وجوه إعجاز القرآن: وهو الإخبار عن الأمم السابقة، فقال:
﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ من التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية، فإن اشتماله على خلاصة ما فيها من العقائد والأحكام الكلية، مع أن الآتي بها أمي، لم يرها ولم يتعلم من علمائها، إعجاز بين؛ وفيه إشعار بأنه كما يدل على نبوته، برهان لما تقدمه من الكتب، من حيث إنه معجز، وهي ليست كذلك، بل هي مفتقرة إلى ما يشهد بصحتها.
فقوله: ﴿بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ أي بيان ما اشتملت عليه، وأخبار الأمم الماضية التي أهلكت بتكذيب الرسل، في القرآن.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ قبل محمد الرسول. ﴿لَقالُوا﴾ يوم القيامة. ﴿لَوْلا﴾ هلا. ﴿آياتِكَ﴾ المرسل بها. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾ نهان في الدنيا بالقتل والسبي. أو في القيامة. ﴿وَنَخْزى﴾ نفتضح بدخول النار جهنم يوم القيامة.
﴿قُلْ: كُلٌّ﴾ قل لهم: كل واحد منا ومنكم. ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾ منتظر ما يؤول إليه الأمر.
﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ في القيامة. ﴿الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾ الطريق المستقيم. ﴿وَمَنِ اهْتَدى﴾ من الضلالة، أنحن أم أنتم؟!
стр. 4976
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى رسوله ﵌ بالصبر على ما يقوله المشركون، وأمره بأن يعدل إلى التسبيح والتحميد، وأتبع ذلك بنهيه عن مدّ عينيه إلى ما متع به القوم، ذكر هنا بعض أقاويلهم الباطلة، ومنها ادعاؤهم أن القرآن ليس بحجة ولا معجزة تدل على نبوة محمد ﵌، ثم أوضح لهم أنهم يوم القيامة سيعترفون بأنه آية بيّنة، وأنه لو أهلكناهم لطلبوا إرسال، ثم هددهم وأوعدهم بما سيؤول إليه الأمر في المستقبل، ويتميز المحق من المبطل.
التفسير والبيان:
كان المشركون يكثرون من اقتراح الآيات على النبي للتعجيز والعناد والمضايقة بسبب عدم إيمانهم، وعدم الاكتفاء بالمعجزات التي يرونها، فقال تعالى واصفا تعنتهم:
﴿وَقالُوا: لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ أي وقال الكفار المشركون: هلا يأتينا محمد بآية من ربه دالة على صدقه في أنه رسول الله، كما كان يأتي بها من قبله من الأنبياء، من الآيات التي اقترحناها عليه؟ مثل ناقة صالح وعصا موسى، وإحياء عيسى الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فأجابهم الله: ألم يأتهم القرآن المعجزة الباقية الخالدة، وهو البينة والشاهد على صحة ما في الكتب المتقدمة، كالتوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة المشتملة على العقيدة والأحكام التشريعية، وفيها التصريح بنبوته والتبشير به، فإن هذه الكتب المنزلة هم معترفون بصدقها وصحتها، وفيها ما يدفع إنكارهم لنبوته، ويبطل تعنتاتهم وتعسفاتهم؟! ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ، قُلْ:﴾
﴿إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ
стр. 4977
يُتْلى عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت ٥٠/ ٢٩ - ٥١].
وفي الصحيحين عن رسول الله ﵌ أنه قال: «ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة».
وقد ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها ﵌ وهو القرآن وإلا فله ﵌ من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر.
وسيعترف المشركون يوم القيامة بأن القرآن آية بينة كما قال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ، لَقالُوا: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ أي ولو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل بعثة هذا الرسول محمد ﵌ وإنزال هذا الكتاب العظيم، لقالوا يوم القيامة: يا ربنا هلا كنت أرسلت إلينا رسولا في الدنيا، حتى نتبع آياتك التي يأتي بها الرسول من قبل أن نذل بالعذاب في الدنيا ونخزى بدخول النار؟ والآية دليل على أن التكليف والعقاب لا يكون قبل مجيء الشرع.
والحق أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون، لا يؤمنون ولو جاءتهم الآيات تترى، كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها، قُلْ: إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١٠٩/ ٦ - ١١٠].
﴿قُلْ: كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ، فَتَرَبَّصُوا، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الذين كذبوك وخالفوك واستمروا على كفرهم وعنادهم: كل واحد منا ومنكم منتظر لما يؤول إليه الأمر، فانتظروا أنتم، فستعلمون عن قريب في عاقبة الأمر، من هو على الطريق الحق المستقيم، أنحن
стр. 4978
أم أنتم؟ وستعلمون من المهتدي من الضلالة، البعيد عن الغواية، السائر على منهج الحق والرشاد؟ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان ٤٢/ ٢٥] وقوله سبحانه: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر ٢٦/ ٥٤].
والآية التي ختمت بها السورة مشتملة على وعيد وتهديد وزجر للكفار، وهي مناسبة لبدء السورة المتضمن قيام النبي ﵌ بتبليغ رسالته حتى أتعب نفسه، وما على أهل البلاغ إلا الطاعة، فإن أطاعوا نجوا، وإن أعرضوا هلكوا، وسيتبين لهم الحق من الباطل، وقد تبين لجماعات كثيرة من الكفار في التاريخ خطؤهم وسوء حالهم وعاقبة كفرهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - تكاثرت اقتراحات الكافرين من أهل مكة بأن يأتيهم محمد بآية تدل عيانا على الإيمان، أو علامة ظاهرة حسا كالناقة والعصا، أو آيات يقترحونها هم كما أتى الأنبياء من قبله.
٢ - كان الرد القرآني الحاسم عليهم أنه يكفيهم هذا القرآن العظيم المعجزة الخالدة، وهو المهيمن على الكتب السماوية السابقة، والمعبر عما كان فيها من عقائد وحكم وأحكام وآداب. بل إن تلك الكتب الماضية تضمنت العلامة الدالة على نبوة محمد ﵌ بما وجدوه في الكتب المتقدمة من البشارة.
٣ - لو أهلك الله الكفار قبل بعثة محمد ﵌ ونزول القرآن، لقالوا يوم القيامة: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا، حتى نتبع آياتك من قبل هذا الذل
стр. 4979
بالعذاب في الدنيا والخزي بدخول النار؟! وكون القول يوم القيامة؛ لأن الهالك لا يصح أن يقول، ولذلك قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ وهو لا يليق إلا بعذاب الآخرة. والآية دليل على أنه لا عقاب قبل الشرع.
٤ - هدد الله الكفار بما ينتظرهم من العذاب وما يؤول إليه أمرهم، فإن كان كل فريق من المؤمنين والكافرين منتظرا دوائر الزمان ولمن يكون النصر، فسيعلم الكفار أن النصر سيكون لمن اهتدى إلى دين الحق.
стр. 4980
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الأنبياء
مكية، وهي مائة واثنتا عشرة آية
تسميتها:
سميت سورة الأنبياء لتضمنها الحديث عن جهاد الأنبياء المرسلين مع أقوامهم الوثنيين، بدءا من قصة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇ بإسهاب وتفصيل، ثم إسحاق، ويعقوب، ولوط، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإدريس، وذي الكفل، وذي النون: يونس، وزكريا، وعيسى، إلى خاتم النبيين محمد صلوات الله وسلامه عليهم، وذلك بإيجاز يدل على مدى ما تعرضوا له من أهوال وشدائد، فصبروا عليها، وضحوا في سبيل الله، لإسعاد البشرية.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من ناحيتين:
الأولى:
الإشارة إلى قرب الأجل المسمى للعذاب، ودنو الأمل المنتظر، فقال تعالى في آخر سورة طه: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ ثم قال: ﴿قُلْ: كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ وقال تعالى في مطلع هذه السورة:
﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾.
стр. 4981
والثانية:
التحذير من الاغترار بالدنيا، والعمل للآخرة، فقال تعالى في آخر سورة طه: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا.﴾.
فإن قرب الساعة يقتض الإعراض عن زهرة الحياة الدنيا؛ لدنوها من الزوال والفناء، وختمت سورة الأنبياء بمثل ما بدئت به السورة المتقدمة، فأبان الله تعالى أنه بالرغم من قرب الساعة والحساب، فإن الناس غافلون عنها، ولاهون عن القرآن والاستماع إليه.
فضلها ومزيتها:
ورد في فضل هذه السورة أحاديث صحاح منها:
ما رواه البخاري عن عبدالله بن مسعود قال: «بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: هن من العتاق الأول، وهن من تلادي» أي من قديم ما حفظ من القرآن، كالمال التّلاد.
ولما نزلت هذه السورة قيل لعامر بن ربيعة ﵁: هلا سألت النبي ﷺ عنها؟ فقال: «نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا».
مشتملاتها:
موضوع السورة بيان أصول العقيدة الإسلامية ومبادئها وهي التوحيد، والرسالة النبوية، والبعث والجزاء، وقد بدأت بوصف أهوال القيامة، ثم ذكرت قصص جملة من الأنبياء الكرام ﵈، كما تقدم.
كانت البداية مرهبة مرعبة، منذرة محذّرة بقرب قيام الساعة، والناس لاهون غافلون عنها وعن خطورة الحساب والعقاب، معرضون عن سماع القرآن، مفتونون بلذائذ الحياة الدنيا.
стр. 4982
ثم أوضحت السبب في إنكار المشركين في مكة نبوة محمد ﷺ وهو أنه بشر مثلهم، وعجزه عن الإتيان بآيات فذة ومعجزات باهرة مادية، كما أتى بها الأنبياء السابقون مثل موسى وعيسى، فرد القرآن عليهم بأن الأنبياء جميعا كانوا بشرا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ثم أنذرهم بالإهلاك، كما أهلك بعض الأمم المتقدمة لتكذيبهم رسلهم، ولفت أنظارهم إلى عظمة خلق السموات والأرض، وإلى أن الملائكة طائعون لله، منقادون لأمره، ينفّذون ما أمروا به من التعذيب بسرعة لا تعرف التردد والانتظار، ونعى على من ادعى أنهم بنات الله تعالى.
ثم ناقشهم القرآن في اتخاذهم آلهة من دون الله، وطالبهم بالدليل على ادعائهم، وأقام البرهان على وحدانية الله؛ إذ لو كان في السماء والأرض آلهة إلا الله لفسدتا، ووصف النشأة الأولى للسموات والأرض، وأنهما كانتا رتقا ففصلتا، وأبان أن الجبال أوتاد للأرض حتى لا تميد بأهلها، وأن الله تعالى خالق الليل والنهار والشمس والقمر، ثم تكون النهاية الموت والفناء لكل شيء، حتى للملائكة والأنبياء، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وأوضح أن استعجال الكافرين العذاب غباء وطلب في غير محله؛ فإن العذاب قريب، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنها تأتيهم بغتة فتبهتهم، وأن موازين الحساب دقيقة وفي أتم عدل، فلا يبخس أحد شيئا من حقه، ولا يظلم إنسان مثقال حبة من خردل.
وتحقيقا لهاتيك الغايات وتأكيدا عليها، جاءت الأمثال الواقعية تنذر وتذكّر، من خلال إيراد قصص بعض الأنبياء كموسى وهارون، وإبراهيم ولوط، وإسحاق ويعقوب، ونوح، وداود وسليمان، وأيوب وإسماعيل، وإدريس وذي الكفل، ويونس وزكريا ويحيى، وعيسى ﵈.
وأثبت القرآن عقب ذلك وحدة مهام الأنبياء وهي الدعوة إلى عبادة الله، وتطمين المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجزاء الحسن، وأن الأمم المعذبة في الدنيا سترجع حتما إلى الله في الدار الآخرة لعذاب آخر.
стр. 4983
ومن علائم الساعة انفتاح سد يأجوج ومأجوج.
وفي القيامة عذاب شديد، وأهوال شديدة يلقاها الكفار، وأنهم مع أصنامهم حطب جهنم، وفيها تتبدل الأرض غير الأرض وتطوى السموات كطي الكتب، ويحظى الصالحون بالنعيم الأبدي، ويرث الأرض من هو أصلح لعمارتها.
وختمت السورة ببيان كون النبي ﷺ رحمة للعالمين، وأنه أوحي إليه بأن الإله واحد لا شريك له، وأنه يجب الانقياد لحكمه، وأنه ينذر الناس بعذاب قريب وأن مجيء الساعة واقع محتم، وأن الإمهال به وتأخير العقوبة امتحان واختبار، وأن الله يحكم بين النبي ﵌ وبين أعدائه المشركين، وأنه المستعان على افتراءاتهم واتهاماتهم.
غفلة الناس عن الحساب يوم القيامة ودليل ذلك
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾
стр. 4984
الإعراب:
﴿مُحْدَثٍ﴾ صفة ﴿ذِكْرٍ﴾ وأجاز الفرّاء رفعه على النعت حملا على موضع ﴿مِنْ ذِكْرٍ﴾ و ﴿مِنْ﴾: زائدة، مثل قوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩/ ٧ وغيرها] وأجاز الكسائي نصبه على الحال.
﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ جملة اسمية في موضع حال من واو ﴿اِسْتَمَعُوهُ﴾.
﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ ﴿لاهِيَةً﴾: حال من ضمير ﴿يَلْعَبُونَ﴾ و ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: فاعله، مثل ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ [الأنعام ١٤١/ ٦] لأن اسم الفاعل إذا وقع حالا ارتفع الاسم به كالفعل.
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ إما مرفوع أو منصوب أو مجرور، والرفع إما على أنه بدل من واو ﴿أَسَرُّوا﴾ وإما أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين ظلموا، وإما أنه مبتدأ خبره محذوف أي يقولون: ما هذا إلا بشر، وإما فاعل أسروا على لغة «أكلوني البراغيث» والنصب بتقدير: أعني، والجر على أنه نعت ل «الناس».
﴿هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ، وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ الكلام كله في محل نصب بدلا من النجوى، أي وأسروا هذا الحديث، ويجوز أن يتعلق بقالوا بمعنى اعتقدوا.
البلاغة:
﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ التنكير للتعظيم والتهويل.
﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ صيغة مبالغة.
﴿بَلْ قالُوا: أَضْغاثُ أَحْلامٍ، بَلِ افْتَراهُ، بَلْ هُوَ شاعِرٌ﴾ فيه إضراب ترقي، يدل على أن قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني، وذلك كله دليل الاضطراب والتردد والتحرير في وصف القرآن، وتزييف الحقائق.
المفردات اللغوية:
﴿اِقْتَرَبَ﴾ قرب أي اقترب زمان الحساب، والمراد اقتراب الساعة، وأصله: اقترب حساب الناس، وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك.
﴿لِلنّاسِ﴾ أي جميع المكلفين من الناس. وعن ابن عباس ﵄: إن المراد بالناس:
المشركون، وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه، بدليل الوصف التالي: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
стр. 4985
مُعْرِضُونَ﴾ وصفهم بالغفلة مع الإعراض، والغفلة في الأصل: عدم تذكر الشيء، والمراد هنا: الترك إهمالا وإعراضا. والإعراض: الإضراب والتولي عن الشيء، والمراد هنا الإعراض عن التأهب للحساب بالإيمان.
﴿مِنْ ذِكْرٍ﴾ أي قرآن ينبّه من الغفلة والجهالة ﴿مُحْدَثٍ﴾ أي جديد إنزاله، منزّل شيئا فشيئا، أتى به لتكرير التنبيه لأسماعهم كي يتعظوا ﴿يَلْعَبُونَ﴾ يستهزئون ويسخرون ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ غافلة ساهية متشاغلة عن التأمل وتفهم معناه ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ أي أسروا التناجي والكلام، والمراد: أنهم أخفوا التناجي وبالغوا في الإخفاء ﴿هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي أسروا هذا الحديث، أو قالوا بمعنى اعتقدوا، والمراد: هل هذا أي محمد إلا بشر مثل الناس، وكل من ادعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة هو ساحر، ومعجزته سحر، ولذلك قالوا: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي أتتبعون السحر، وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر؟! ﴿قالَ: رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي قال لهم محمد: الله يعلم القول كائنا في السماء والأرض، جهرا كان أو سرا، فضلا عما أسرّوا به ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لما أسروه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما قالوا، فلا يخفى عليه ما تسرون، ولا ما تضمرون.
﴿بَلْ﴾ للانتقال من غرض إلى آخر، ولا تذكر في القرآن إلا على هذا النحو ﴿قالُوا:﴾
﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي إنهم قالوا: إن ما أتى به من القرآن تخاليط أحلام رآها في النوم، فهم أضربوا عن قولهم: هو سحر إلى أنه أخلاط أحلام ﴿بَلِ افْتَراهُ﴾ أي اختلقه من عنده، فهم أضربوا ثانية إلى أنه كلام افتراء ﴿بَلْ هُوَ شاعِرٌ﴾ أي ثم أضربوا إلى أنه قول شاعر، فما أتى به هو شعر، والانتقال في المواضع الثلاثة للدلالة على التردد والتحير في وصف القرآن ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ.﴾. أي كناقة صالح، وعصا موسى ويده، ومعجزات عيسى كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى.
﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ أي ما آمن أهل قرية أهلكناها بتكذيب ما أتاها من الآيات التي جاءتهم لما اقترحوها ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ لو جئتهم بها، وهم أعتى منهم؟ لا. وفيه تنبيه على أن عدم الإتيان بالمقترح للإبقاء عليهم؛ إذ لو أتى به، ولم يؤمنوا، استوجبوا عذاب الاستئصال، كمن قبلهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٦):
أخرج ابن جرير عن قتادة قال: قال أهل مكة للنبي ﷺ : إن كان ما تقول حقا، ويسرّك أن تؤمن، فحوّل لنا الصفا ذهبا، فأتاه جبريل عليه
стр. 4986
السلام، فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان، ثمّ لم يؤمنوا، لم ينظروا، وإن شئت استأنيت بقومك، قال: بل أستأني بقومي، فأنزل الله: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها، أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾.
التفسير والبيان:
ينبه الله تعالى على اقتراب الساعة ودنوها فيقول: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ.﴾. أي قرب زمان حساب الناس على أعمالهم في الدنيا، وهو اقتراب الساعة، ولكن الناس في حياتهم ساهون غافلون، لاهون معرضون عن التأهب للحساب، والتفكر بالآخرة، بالمبادرة إلى الإيمان.
والمراد بالناس في رأي ابن عباس المشركون منكرو البعث، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ وذلك للإشارة إلى أن البعث لا ريب فيه.
والظاهر أن لفظ الآية يتناول عموم الناس، وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش، بدليل ما بعد ذلك من الآيات، فتكون الآية لوقف الأطماع، والحث على الإقبال على الإيمان، فمن علم اقتراب الساعة، بادر إلى التوبة، ولم يركن إلى الدنيا، فكل آت قريب، والموت لا محالة آت، وموت كل إنسان قيام ساعته، والقيامة أيضا قريبة بالنسبة إلى ما مضى من الزمان. قال الرازي: يجب أن يكون المراد بالناس من له مدخل في الحساب وهم المكلفون، دون من لا مدخل له.
روي أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يبني جدارا، فمرّ به آخر في يوم نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدار: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
стр. 4987
مُعْرِضُونَ﴾ فنفض يده من البنيان، وقال: والله، لا بنيت أبدا وقد اقترب الحساب.
وفي الآية دليل على قرب القيامة، لذا قال ﷺ فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس: «بعثت أنا والساعة كهاتين».
ثم استدل الله تعالى على غفلة الناس، فقال:
﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ. لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ أي ما يأتي أولئك الكفار من قريش وأشباههم من قرآن جديد إنزاله، ينزل سورة سورة، وآية آية، على وفق المناسبات والوقائع، إلا استمعوه وهم لاهون ساخرون مستهزءون، متشاغلة قلوبهم عن التأمل وتفهم معناه.
وهذا ذم صريح للكفار، وزجر لأمثالهم عن تعطيل الانتفاع بما يحقق لهم السعادة في الدنيا والآخرة.
وقوله ﴿مُحْدَثٍ﴾ لا يوهم كون القرآن مخلوقا، فإن الحروف المنطوق بها، والصوت المسموع حادث بلا شك، وأما أصل القرآن الذي هو كلام الله تعالى النفسي فهو قديم بقدم الله تعالى وصفاته القدسية.
ثم وصف الله تعالى موقف الكفار عند نزول القرآن فقال:
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي وأخفوا التناجي والكلام فيما بينهم، بل وبالغوا في الإخفاء حتى لا يطلع أحد على تناجيهم، قائلين:
﴿هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؟﴾ أي هل محمد ﷺ إلا بشر كغيره من الناس، أمثالكم في تكوينه وعقله وتفكيره، فكيف يختص بالرسالة دونكم؟ وهذا ناشئ من اعتقادهم أن الرسول النبي لا يكون إلا ملكا، وأن كل من ادّعى الرسالة من
стр. 4988
البشر، وجاء بالمعجزة هو ساحر، ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار:
﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾؟ أي أفتتبعونه، فتكونون كمن يأتي السحر، وهو يعلم أنه سحر، أو أتصدقون بالسحر، وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر؟! فهم يستبعدون كون رسول الله ﷺ نبيا؛ لأنه بشر مثلهم، والرسول لا يكون إلا ملكا، وأما ما أتى به من القرآن فهو سحر.
وإنما أسروا الحديث بينهم في ذلك للتشاور في المخلص، والتوصل إلى أنجع الطرق لهدم دينه.
فأجابهم تعالى عما افتروه واختلقوه من الكذب بقوله:
﴿قالَ: رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي قال لهم الرسول بأمر من الله مفتضحا أسرارهم: لا تخفوا ما تقولون، فإن الله ربي وربكم يعلم ذلك، لا يخفى عليه خافية من أمر السماء والأرض وما يحدث فيهما من أقوال وأفعال، وهو الذي أنزل القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين، وهو السميع لأقوالكم، العليم بأحوالكم.
وفي هذا تهديد لهم ووعيد.
وإنما قال: ﴿يَعْلَمُ الْقَوْلَ﴾ ولم يقل: يعلم السر؛ لقوله المتقدم:
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ لأن القول عام يشمل السر والجهر، وعلمه بالأمرين على سواء، لا تفاوت فيه، خلافا لمعلومات الناس، فكان التعبير شاملا للعلم بالسر وزيادة، وكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: يعلم السرّ.
ثم أخبر الله تعالى عن تخبط الكفار، وتعنتهم وإلحادهم، وحيرتهم وضلالهم،
стр. 4989
وترددهم في وصف القرآن، واختلافهم في ذلك، فقال:
﴿بَلْ قالُوا: أَضْغاثُ أَحْلامٍ، بَلِ افْتَراهُ، بَلْ هُوَ شاعِرٌ﴾ أي إنهم وصفوا رسول الله ﷺ أولا بأنه ساحر وأن ما يقوله سحر، ثم أضربوا عن قولهم: هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام رآها في المنام، ثم إلى أنه كلام مفترى مختلق من عنده، ثم إلى أنه قول شاعر.
وهذا الاضطراب والتردد والتحير دليل على أن قولهم باطل، يشوه الحق، ويزيف الحقائق، فهم إما جاهلون بحقيقة ما جاء به محمد ﷺ ، أو عارفون الحقيقة، ولكنهم مكابرون يائسون يأس المهزوم المغلوب، فقالوا: إنه سحر وكذب.
ولما فرغوا من تعداد هذه الاحتمالات، وترداد هذه المزاعم قالوا:
﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي إن كان محمد صادقا في أنه رسول من عند الله، وأن القرآن الموحى به إليه كلام الله، فليأتنا بآية جلية غير القرآن، لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات، كالآيات المنقولة عن الأنبياء السابقين، مثل ناقة صالح، وآيات موسى كالعصا واليد، وعيسى كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، ونحو ذلك من المعجزات الحسية التي تثبت النبوة والرسالة.
وقوله: ﴿كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ يدل على أن تلك الآيات مسلّم بها عندهم، وتحقّق المقصود.
ثم أجابهم تعالى عن هذا السؤال الأخير مفندا كذبهم، ومشيرا إلى عدم إفادة الآيات المنزلة، بسبب إمعانهم في الكفر، فقال:
﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها، أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾؟ أي ما أتينا أهل
стр. 4990
قرية من القرى الذين بعث إليهم الرسل آية على يدي نبيهم، فآمنوا بها، بل كذبوا، فأهلكناهم بذلك، أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رأوها دون أولئك؟ والمعنى: أنهم أشد عتوا من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات، ووعدوا أنهم يؤمنون عند مجيئها، فلما جاءتهم نكثوا العهد، وخالفوا، فأهلكهم الله، فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أشد نكثا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ، حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧].
والخلاصة: أن عدم تلبية اقتراحاتهم هو في صالحهم، إذ لو أجابهم تعالى لما طلبوا، ثم بقوا على كفرهم وعنادهم، لنزل بهم عذاب الاستئصال، إلا أن حكمة الله اقتضت تأخير العذاب عنهم إلى الآخرة.
وأما سؤالهم فهو سؤال تعنت، والله يعلم أنهم لا يؤمنون.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن قيام الساعة أمر محتم لا ريب فيه، وهو قريب الحصول، وأما مرور القرون السالفة من عهد البعثة إلى يومنا هذا وإلى ما شاءالله من أزمان، فلا يدل على طول المدة؛ لأن هذه القرون قصيرة جدا في عمر الدهر والتاريخ، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى.
٢ - الناس مع الأسف وبالرغم من قرب القيامة في غفلة وإعراض، أما الغفلة: فهي السهو عن الحساب وعن التفكر في العاقبة المحتومة، مع أن عقولهم تقتضي أنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء.
стр. 4991
وأما الإعراض: فهو الإمعان في البعد عن القرآن وترك آياته وعدم الإيمان بالله، بالرغم من الانتباه من الغفلة والجهالة.
٣ - لقد عطل كفار قريش مفاتيح الهداية والانتفاع بنور القرآن، وهزؤوا وسخروا من آيات الله التي تأخذ بيدهم إلى السعادة الدنيوية والأخروية.
٤ - احتج المعتزلة على حدوث القرآن بقوله تعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ.﴾. فقالوا: القرآن ذكر، والذكر محدث، فالقرآن محدث.
وأجابهم أهل السنة بأن المقصود بالإحداث: هو ما يسمع من حروف القرآن وأصواته، فهذا حادث لا شك. أما القرآن الذي هو كلام الله تعالى فهو قديم بقدم الله سبحانه وصفاته الحسنى.
٥ - طعن كفار قريش في نبوة النبي محمد ﷺ بأمرين:
أحدهما-أنه بشر مثلهم.
والثاني-أن الذي أتى به سحر.
وكلا الطعنين مردود؛ لأن النبوة تثبت بالمعجزات والدلائل، لا بالصور، فكونه بشرا لا يمنع نبوته، ولو بعث إليهم الملك لما علم كونه نبيا لمجرد صورته، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشرا؛ لأن الإنسان يأنس بأمثاله، وهو أقرب إلى قبول الشيء من أشباهه.
ثم إن ما أتى به الرسول ﷺ من القرآن وغيره لا تمويه فيه ولا تلبيس، وليس فيه شيء من ظواهر السحر، فقد تحداهم ﷺ بالقرآن، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، فلو قدروا على المعارضة لأتوا بما يشبه القرآن، فلما لم يأتوا بمثله، دل ذلك على كونه معجزة في نفسه.
٦ - الحق أن قلوب الكفار ساهية معرضة عن ذكر الله، متشاغلة عن التأمل
стр. 4992
والتفهم لمعاني القرآن، وقد تناجوا فيما بينهم بالتكذيب، وتشاوروا، فما صدر عن مشاوراتهم أعجب من موقفهم، فوصفوا محمدا ﷺ بأنه ساحر، وبأن ما أتى به سحر، وقالوا: فكيف تجيئون إليه وتتبعونه، وأنتم تشاهدون أنه إنسان مثلكم؟! ٧ - أطلع الله نبيه ﷺ على ما تناجوا به، وأعلمهم بأن الله لا يخفى عليه شيء مما يقال في السماء والأرض، فسواء أسروا القول أم جهروا به، فإن الله به عليم.
٨ - صور القرآن الكريم اضطراب كفار قريش وترددهم وحيرتهم في وصف النبي محمد ﷺ وفي وصف القرآن بأشد أنواع الاستهجان، فقالوا: إنه ساحر وما أتى به سحر، ثم قالوا: إن ما أتى به أخلاط كالأحلام المختلطة، رآها في المنام، ثم قالوا: إنه افتراء، ثم قالوا: إنه شاعر، فهم متحيرون لا يستقرون على شيء، قالوا مرة: سحر ومرة أضغاث أحلام، ومرة افتراء، ومرة شاعر.
ثم عدلوا عن ذلك إلى المطالبة بالآيات على صدق نبوته كالآيات التي ظهرت على يد موسى كالعصا واليد، ومثل ناقة صالح، ومثل إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بوساطة عيسى، وإنما كان سؤالهم تعنتا، فقد أعطاهم الله ما فيه الكفاية.
٩ - اقتضت حكمة الله ورحمته تأخير العذاب عن الكفار المنكرين للبعث ولبعثة محمد ﷺ ، إذ لو أجابهم تعالى إلى مطلبهم، لعجل لهم عذاب الاستئصال، كما فعل بأهل القرى المتقدمين مثل قوم صالح وقوم فرعون، فإنهم ما آمنوا بالآيات، فاستؤصلوا، فلو رأى هؤلاء ما اقترحوا لما آمنوا؛ لما سبق من القضاء في علم الله بأنهم لا يؤمنون أيضا؛ وإنما تأخر عقابهم لعلمه تعالى بأن في أصلابهم من يؤمن.
стр. 4993
بشرية الرسل وإنجاز الوعد لهم وجعل القرآن عظة
﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾
الإعراب:
﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ ﴿ذِكْرُكُمْ﴾: مرفوع بالظرف، ويجوز كونه مبتدأ، و ﴿فِيهِ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب؛ لأنها وصف كتاب.
﴿جَسَداً﴾ على حذف مضاف أي ذوي جسد، فتوحيد الجسد على حذف مضاف، أو لإرادة الجنس أو لأنه مصدر في الأصل.
﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ صفة لجسدا.
البلاغة:
﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾؟ إنكار توبيخي.
المفردات اللغوية:
﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ هم هنا أهل الكتاب العلماء بالتوراة والإنجيل ﴿جَسَداً﴾ الجسد هو الجسم، إلا أنه لا يطلق على غير الإنسان ﴿خالِدِينَ﴾ باقين دائمين في الحياة الدنيا ﴿صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ﴾ أي نصرناهم على أعدائهم وأنجيناهم، والمراد: صدقناهم في الوعد ﴿فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ﴾ يعني المؤمنين المصدقين لهم، ومن في إبقائه حكمة كمن سيؤمن هو أو أحد من ذريته، ولذلك حمى الله العرب من عذاب الاستئصال ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ في الكفر والمعاصي، المكذبين.
стр. 4994
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ﴾ يا قريش ﴿كِتاباً﴾ يعني القرآن ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي فيه سمعتكم وصيتكم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤/ ٤٣] أو فيه موعظتكم ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تتدبرون ما فيه من المواعظ والعبر، فتؤمنوا به.
المناسبة:
هذه الآيات جواب لقول كفار قريش: ﴿هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وهو أن سنة الله تعالى في الرسل قبل محمد ﷺ إرسال رجال من البشر أنبياء، فلا يكون الرسول إلا بشرا، خلافا لما ينكرون، فلا يصح اعتراضهم في كون محمد بشرا.
التفسير والبيان:
يرد الله تعالى على من أنكر بعثة الرسل من البشر بقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ..﴾. أي إن جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالا من البشر، ولم يكن فيهم أحد من الملائكة، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف ١٠٩/ ١٢] وقوله سبحانه: ﴿قُلْ:﴾
﴿ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩/ ٤٦] وقوله حكاية عمن تقدم من الأمم الذين قالوا: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾؟ [التغابن ٦/ ٦٤].
﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي إن كنتم في شك من كون جميع الرسل بشرا، فاسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين أتوهم بشرا أو ملائكة؟ فالله يأمرهم أن يسألوا علماء الكتب السابقة عن حال الرسل المتقدمة، لتزول عنهم الشبهة، وليعلموا أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشرا، ولم يكونوا ملائكة كما اعتقدوا.
وإنما أحالهم على أولئك؛ لأن المشركين كانوا يشاورونهم في أمر النبي ﷺ ، ويثقون بقولهم، ويلتقون معهم في معاداته؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
стр. 4995
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً﴾ [آل عمران ١٨٦/ ٣].
وإنما كانوا بشرا ليتمكن الناس من تلقي الوحي عنهم، والأخذ بيسر بما نزل عليهم. وهذا نص صريح في بشرية الرسل وفي كونهم رجالا لا نساء.
﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ أي وما جعلنا الأنبياء ذوي جسد غير طاعمين كالملائكة، بل كانوا أجسادا يأكلون الطعام، وما كانوا مخلّدين باقين في الدنيا، ونظير الآية: ﴿وَقالُوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾ [الفرقان ٧/ ٢٥] وقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ [الفرقان ٢٠/ ٢٥].
وهذا نفي لما اعتقدوا أن من صفات الرسل الترفع عن الحاجة إلى الطعام، فهم كانوا بشرا يأكلون الطعام، ويتصفون بكل الصفات الإنسانية، ويطرأ عليهم الحزن والسرور، والمرض، والنوم واليقظة، والحياة والموت، فلا خلود لهم في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء ٣٤/ ٢١].
﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ..﴾. أي إننا نصون حياة الرسل وكراماتهم، ونصدقهم في الوعد الذي نعدهم به من النصر على أعدائهم، وإهلاك الظالمين، وننجيهم ومن نشاء من أتباعهم المؤمنين بهم، ونهلك المكذبين لهم، المسرفين على أنفسهم بالكفر والمعاصي، المكذبين بما جاءت به الرسل.
وبعد إثبات بشرية الرسل للرد على المشركين الذين اعتقدوا بأن الرسالة من خواص الملائكة، نبّه تعالى على شرف القرآن وفضله ونفعه للناس، وحرض على معرفة قدره، فقال:
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي لقد أعطيناكم هذا القرآن العظيم
стр. 4996
المشتمل على دستور الحياة الإنسانية الفاضلة، فيه شرفكم وصيتكم وسمعتكم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤/ ٤٣] أو فيه عظتكم وتذكيركم بمحاسن الأخلاق ومكارم الشيم، والأخذ بأيديكم إلى عز الدنيا وسعادة الآخرة.
﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تتدبرون أمركم، وتقدرون هذه النعمة، وتتلقونها بالقبول، وتتفكرون بما اشتمل عليه هذا القرآن من العظات والعبر، فتأخذوا بما فيه، وتتجنبوا ما حذره وما نهى عنه.
وفي هذا حث شديد على تدبر أحكام القرآن وتعقل ما جاء فيه من أمور الدنيا والدين والحياة.
فقه الحياة أو الأحكام:
اشتملت الآيات على ما يأتي:
١ - الأنبياء والرسل من جنس البشر، وليسوا من الملائكة، ليسهل الأخذ عنهم، ومناقشتهم وتفهم الموحى به إليهم، فقد ثبت بالتواتر والاستقراء والتتبع أن الرسل كانوا من البشر.
٢ - إن سؤال أهل العلم واجب، وعلى العامة تقليد العلماء، وقد أجمع علماء الأمة الإسلامية على أن الأعمى لا بدّ له من تقليد غيره ممن يثق به في الاتجاه إلى القبلة إذا أشكلت عليه، وكذلك كل من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به، لا بد له من تقليد أحد العلماء. ولا يجوز للعامة الفتيا في الدين، للجهل بالمعاني التي يرتكز عليها التحليل والتحريم.
٣ - لم يجعل الله تعالى الرسل بصفات منافية لطباع البشر، لا يحتاجون إلى طعام وشراب، بل هم كغيرهم من البشر يأكلون الطعام، ويشربون الماء، ويمشون في الأسواق، ويتعاطون شؤون الحياة والمكاسب المتعددة.
стр. 4997
٤ - يصون الله تعالى حياة الأنبياء ويعصمهم من الناس، وينجز لهم وعده بإنجائهم ونصرهم وإهلاك مكذبيهم، وينجي معهم المؤمنين المصدقين برسالاتهم، ويهلك الله المشركين المكذبين لهم.
٥ - إن القرآن الكريم سبب لرفعة شأن العرب؛ لأنه نزل بلغتهم، وفيه أحكام الشرع، وبيان مصير الناس في الآخرة، وما يلقونه من ثواب وعقاب.
وهو أيضا عظة وعبرة، يرغب ويبشر، ويحذر وينفر، ويأمر وينهى، ويرشد إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويوضح ما فيه سعادة الدارين، ويرشد البشرية كافة إلى اتباع النظام الأصلح.
٦ - يحث القرآن الكريم دائما على تدبر ما جاء فيه من أحكام، وتفهم ما تضمنه من نظام سديد في الدين والدنيا والآخرة.
الإنذار بعذاب الاستئصال والتذكير بعجائب الخلق
﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَاِرْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾
стр. 4998
الإعراب:
﴿فَما زالَتْ تِلْكَ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ مرفوع أو منصوب اسما أو خبرا، وكذلك ﴿دَعْواهُمْ﴾.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ.﴾. ﴿مَنْ﴾: مبتدأ، ﴿وَلَهُ﴾: خبره. وذهب الأخفش إلى أنه في موضع رفع بالظرف.
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ.﴾. مبتدأ وخبر، وليس معطوفا على ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ﴾.
فإن جعل معطوفا كان قوله: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ في موضع الحال، أي غير مستكبرين، وكذلك ﴿لا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي غير مستحسرين.
البلاغة:
﴿حَصِيداً خامِدِينَ﴾ تشبيه بليغ، أي جعلناهم كالزرع المحصود، وكالنار الخامدة.
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ في قوله: ﴿نَقْذِفُ﴾ استعارة تمثيلية، شبّه الحق بشيء صلب جامد، والباطل بشيء رخو، وأستعير لفظ القذف لغلبة الحق على الباطل بطريق التمثيل، كما يرمي الإنسان شيئا فيتلفه.
المفردات اللغوية:
﴿وَكَمْ﴾ خبرية تفيد كثرة وقوع ما بعدها، فهي صيغة تكثير ﴿قَصَمْنا﴾ أهلكنا وأصل القصم: كسر بتفريق الأجزاء وإبانة تلاؤمها، وهو يدل على غضب عظيم. أما الفصم فلا يدل على تفريق الأجزاء، فهو كسر من غير إبانة ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي أهل قرية ﴿كانَتْ ظالِمَةً﴾ كافرة، وهي صفة لأهلها، ووصف بها القرية؛ لأنها أقيمت مقام أهلها ﴿وَأَنْشَأْنا بَعْدَها﴾ بعد إهلاك أهلها ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ مكانهم.
﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا﴾ أي أدركوا شدة عذابنا إدراك المشاهد المحسوس، والضمير عائد لأهل القرية المحذوف، أي شعر أهل القرية بالإهلاك. والإحساس: الإدراك بالحاسة، وهو هنا الإدراك بحاسة البصر، والبأس: الشدة ﴿يَرْكُضُونَ﴾ يهربون مسرعين، والركض: الفرار والهرب بسرعة،
стр. 4999
وأصله: ضرب الدابة وكدّها بالرجل، ومنه قوله تعالى: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص ٤٢/ ٣٨].
﴿أُتْرِفْتُمْ﴾ أي نعمتم، والإتراف: التنعم والتلذذ، أو إبطار النعمة. ﴿وَمَساكِنِكُمْ﴾ التي كانت لكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ أي لتسألوا غدا عن أعمالكم أو تعذبون، فإن السؤال من مقدمات العذاب ﴿يا وَيْلَنا﴾ يا هلاكنا، ويا: للتنبيه ﴿ظالِمِينَ﴾ بالكفر ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ﴾ الكلمات ﴿دَعْواهُمْ﴾ أي دعوتهم التي يردّدونها، أي ما زالوا يكررون تلك الكلمة ﴿حَصِيداً﴾ محصودين، كما يحصد الزرع بالمناجل، بأن قتلوا بالسيف ﴿خامِدِينَ﴾ ميتين، كخمود النار إذا طفئت.
﴿لاعِبِينَ﴾ عابثين، بل دالين على قدرتنا ومرشدين عبادنا ﴿لَهْواً﴾ ما يلهى به من زوجة أو ولد. والفرق بين اللعب واللهو: أن الأول لا يقصد به هدف صحيح، والثاني يقصد به الترويح عن النفس ﴿مِنْ لَدُنّا﴾ من عندنا من الحور العين والملائكة ﴿إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ ذلك، لكنا لم نفعله فلم نرده.
﴿نَقْذِفُ﴾ نرمي رميا بعيدا ﴿بِالْحَقِّ﴾ الإيمان ﴿عَلَى الْباطِلِ﴾ الكفر ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ يذهبه ويقهره ويهلكه، وأصل الدمغ: كسر الشيء الرخو، وإصابة الدماغ بالضرب، وهو مقتل ﴿فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ ذاهب وهالك وزائل ﴿وَلَكُمُ﴾ يا كفار مكة ﴿الْوَيْلُ﴾ العذاب الشديد ﴿مِمّا تَصِفُونَ﴾ الله به من الزوجة أو الولد.
﴿وَلَهُ﴾ لله تعالى ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ملكا ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ لا يتعظمون ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لا يكلون ولا يعيون ولا يتعبون ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ ينزهونه ويعظمونه دائما ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ لا يضعفون.
المناسبة:
هذه الآيات مبالغة في زجر الكفار عن عصيانهم وكفرهم، فبعد أن أبان الله تعالى أنه أهلك المسرفين في تكذيبهم وكفرهم بالله، ونصر الأنبياء المرسلين عليهم، وأسقط اعتراضاتهم التي أظهرت إعجاز القرآن، وأوضحت أن إيراد تلك الاعتراضات كان لحب الدنيا وحب الرياسة فيها، بالغ تعالى في زجرهم عن ذلك، فقال:
﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً، وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي كثيرا ما أهلكنا من أهل القرى الذين كانوا ظالمين أنفسهم بالكفر بالله وتكذيب
стр. 5000
الرسل، وأوجدنا وأحدثنا بعد إهلاكهم قوما آخرين مكانهم، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء ١٧/ ١٧] وقال تعالى:
﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها، وَهِيَ ظالِمَةٌ، فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [الحج ٤٥/ ٢٢].
والمراد بالقرية: مدائن كانت باليمن، وقال أهل التفسير والأخبار: إنه أراد أهل حضور، وكان بعث إليهم نبي اسمه شعيب بن ذي مهدم، وقبر شعيب هذا باليمن بجبل يقال له: ضنن كثير الثلج، وليس بشعيب صاحب مدين؛ لأن قصة «حضور» قبل زمن عيسى ﵇، وبعد مئات من السنين من زمن سليمان ﵇، لكنهم قتلوا نبيهم، وكانت «حضور» بأرض الحجاز من ناحية الشام (١).
﴿فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ﴾ أي فلما تيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة، كما وعدهم نبيهم، إذا هم يفرون هاربين منهزمين من قريتهم، لما أدركتهم مقدمة العذاب.
﴿لا تَرْكُضُوا، وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ..﴾. أي يقال لهم تهكما واستهزاء:
لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة التي أبطرتكم والسرور، والمعيشة الرغيدة، والمساكن الطيبة، لعلكم تسألون عما كنتم فيه، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو يسألكم الناس: لماذا نزل هذا العذاب؟! وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ تهكم بهم وتوبيخ، فأجابوا:
﴿قالُوا: يا وَيْلَنا، إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أي إنهم اعترفوا بذنوبهم حين
стр. 5001
لا ينفعهم ذلك، فقالوا: يا هلاكنا، إنا ظلمنا أنفسنا بكفرنا بربنا. وهذا اعتراف صريح منهم بالكفر الموجب للعذاب.
﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ﴾ أي فما زالوا يرددون تلك المقالة، وهي الاعتراف بالظلم، حتى حصدناهم حصدا، وخمدت حركاتهم، وسكنت أصواتهم خمودا كالنار التي أصبحت خامدة لا حياة فيها.
فقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى قولهم: ﴿يا وَيْلَنا.﴾. إلخ؛ لأنها دعوى، كأنه قيل: فما زالت تلك الدعوى دعواهم. والدعوى هنا بمعنى الدعوة أي المطلب، قال تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [يونس ١٠/ ١٠] وسميت دعوى؛ لأنهم كانوا دعوا بالويل فقالوا: ﴿يا وَيْلَنا﴾ والمولول كأنه يدعو الويل، فيقول: تعال يا ويل، فهذا وقتك. والحصيد: الزرع المحصود، أي جعلناهم مثل الحصيد، تشبيها لهم به في استئصالهم، كما تقول: جعلناهم رمادا، أي مثل الرماد، فهم يشبهون الحصيد والخمود.
وعقابهم هذا حق وعدل جزاء إنكار هم النبوة، وجعلهم معجزات النبي عبثا ولعبا، لذا أبان تعالى أنه ما خلق السماء والأرض وما بينهما إلا بالعدل فقال:
﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ أي وما أوجدنا السموات والأرضين إلا بالحق، أي بالعدل والقسط، لا للهو واللعب، فإنا خلقناها لفائدة دينية هي أن تكون دليلا على معرفة الخالق لها، ولمنافع أخرى دنيوية وغيرها، وليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وأنه لم يخلق ذلك عبثا ولعبا.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً، ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص ٢٧/ ٣٨] ثم أكد تعالى نفي اللعب فقال:
стр. 5002
﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ أي لو شئنا أن نتخذ ما يلهو كما يتخذ العباد من الزوج والولد، لاتخذناه مما لدينا من الملائكة والحور العين، إن كنا نقصد اللهو ونفعل اللعب. واللهو: المرأة بلسان أهل اليمن، والولد أيضا؛ لأنه ملازم للمرأة.
وهو كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً، لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ، سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [الزمر ٤/ ٣٩]. وهذا رد على من اتخذ المسيح أو عزيرا ابنا لله تعالى.
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ أي بل إننا نبين الحق، فيدحض الباطل ويزيله، فإذا هو زائل مبدّد، ذاهب مضمحل.
و ﴿بَلْ﴾ هنا إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب، وتنزيه منه لذاته، فليس من صفاتنا وحكمتنا اللعب، وإنما تغليب الجد على اللهو، ودحض الباطل بالحق، كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب، بل من عادتنا تغليب الجد على اللهو، ودحض الباطل بالحق.
وقد استعار القذف والدمغ لضياع الباطل وفنائه، لتصويره بالصورة الحسية المؤثرة التي ترسخ في الأذهان، وتدل على قوة الحق، وضعف الباطل، حتى لكأنه غير موجود.
وإذا كان هذا من شأننا فكيف لا نبين الحق وننذر الناس، وإلا كنا لاهين لاعبين. فقوله: ﴿إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ معناه: ما كنا فاعلين، مثل ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣/ ٣٥] أي ما أنت إلا نذير. و ﴿أَنْ﴾ بمعنى الجحد، وقيل:
إنها بمعنى الشرط، أي إن كنا فاعلين ذلك ولكن لسنا بفاعلين ذلك؛ لاستحالة أن يكون لنا ولد.
﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ أي ولكم أيها القائلون: لله ولد، أو أيها
стр. 5003
المشركون الظالمون الهلاك والدمار والعذاب الشديد؛ لوصفكم ربكم بما ليس من صفته، وتقولكم وافترائكم عليه أنه اتخذ صاحبة أو زوجة، وولدا، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي وكيف يكون لله شريك خاص، وهو مالك جميع من في السموات والأرض، وكيف تتنكرون لطاعته، وله تعالى جميع المخلوقات ملكا وخلقا وعبيدا؟! الكل ومنهم الملائكة طائعون خاضعون له، دأبهم الطاعة ليلا ونهارا، لذا قال:
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي وجميع من عنده من الملائكة لا يترفعون عن عبادته، ولا يعيون ولا يتعبون ولا يملون.
والعندية هنا ليست مكانية، وإنما هي عندية مكانة وتشريف. وتخصيص الملائكة بالذكر هنا لإبانة رفعة شأنهم.
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، لا يَفْتُرُونَ﴾ أي يعبدون الله وينزهونه في الليل والنهار، فهم دائبون في العمل ليلا ونهارا، مطيعون قصدا وعملا، قادرون عليه، لا ينقطعون عن الطاعة ولا يفترون ساعة عنها، كما قال تعالى:
﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦/ ٦٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - الإنذار الشديد الأكيد لأهل الكفر والعصيان الذين أنكروا النبوات بحال أهل القرى الظالمة الكافرة، حيث دمرها الله تعالى تدميرا شديدا بمن فيها، لظلمهم، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر موضع الإيمان.
٢ - عند دنوّ العذاب تقع الحيرة والاضطراب، وتحدث محاولات الفرار من
стр. 5004
القرية، فيركض أهلها هاربين منها، والركض: العدو بشدة الوط ء، فتناديهم الملائكة استهزاء: لا تركضوا ولا تفرّوا، وارجعوا إلى مواطن الترف والنعم التي كانت سبب بطركم، لعلكم تسألون شيئا من دنياكم، استهزاء بهم.
ولما قالت لهم الملائكة: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ ونادت: يا لثارات الأنباء! ولم يروا شخصا يكلمهم، عرفوا أن الله هو الذي سلط عليهم عدوهم، بقتلهم النبي الذي بعث فيهم، فقالوا: ﴿يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وهذا اعتراف منهم بأنهم ظلموا، حين لا ينفع الاعتراف.
وما زالوا يقولون: ﴿يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ حتى أصبحوا أثرا بعد عين، وجثثا هامدة لا حراك فيها، وتم استئصالهم، وحصدوا بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل، وصاروا خامدين ميتين.
٣ - لما بيّن الله تعالى إهلاك أهل القرية لأجل تكذيبهم، أتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلا منه، ومجازاة على ما فعلوا، وهو خلق السموات والأرض بالعدل والقسط: ﴿ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٩/ ٤٤] فهو تعالى خلقها لفوائد دينية ودنيوية، أما الدينية: فليتفكر المتفكرون فيها، كما قال تعالى:
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٩١/ ٣] وأما الدنيوية: فلما يتعلق بها من المنافع التي لا تعدّ ولا تحصى.
وبما أن خلق السموات والأرض حق لا لعب فيه، فإن المعجزات التي ظهرت على يد النبي ﷺ هي حق أيضا لا لعب فيها، تقرر صحة نبوته، وترد على منكريها.
٤ - إن خلق السموات والأرض للتنبيه على أن لها خالقا قادرا يجب امتثال أمره، وأنه يجازي المسيء والمحسن، وليس خلقها ليظلم بعض الناس بعضا،
стр. 5005
ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا ولا يجازوا، فذلك هو اللعب بعينه.
٥ - تعالى الله وتقدس وتنزه عن اتخاذ الزوجة والولد، فذلك من اللهو، ولو أراد الله أن يتخذ لهوا من زوجة أو ولد لاتخذه من عنده لا من عند الناس.
وهذا رد واضح على من قال: المسيح أو عزير ابن الله، والأصنام أو الملائكة بنات الله تعالى.
٦ - يبين الله تعالى الحق ومنهجه لدحر الباطل وزخارفه، والحق هنا:
القرآن، والباطل: الشيطان وكذب الكفار ووصفهم الله بغير صفاته من الولد وغيره. وللكفار الويل، أي العذاب في الآخرة بسبب وصفهم الرب بما لا يجوز وصفه وهو اتخاذه سبحانه الولد.
٧ - إذا كان كل من في السموات والأرض لله خلقا وملكا، فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه؟! وأما الملائكة الذين ذكر المشركون أنهم بنات الله فلا يأنفون عن عبادة الله والتذلل له، ولا يعيون ولا يتعبون ولا يملون، وهم دائما في الليل والنهار يصلون ويذكرون الله وينزهونه دائما، لا يضعفون ولا يسأمون، يلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النّفس. سئل كعب عن تسبيح الملائكة: أما لهم شغل عن التسبيح، أما يشغلهم عنه شيء؟ فقال: يا بان أخي، هل يشغلك شيء عن النّفس؟ إن التسبيح لهم بمنزلة النفس. وقد استدل بهذا من قال: إن الملائكة أفضل من بني آدم (١).
وهذا دليل على استغناء الله تعالى عن طاعة الكفار؛ لأنه هو المالك لجميع
стр. 5006
المخلوقات، وإنما فائدة الطاعة تعود على الطائعين أنفسهم، فأجدر بهم أن يطيعوه، وأولى بهم أن يعبدوه، بل يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه؛ لأن كل المكلفين في السماء والأرض عبيده، وهو الخالق لهم، والمنعم عليهم بأصناف النعم.
توبيخ المشركين وإثبات الوحدانية
﴿أَمِ اِتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٢٩)﴾
الإعراب:
﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ صفة لآلهة، أو متعلقة بالفعل، على معنى الابتداء، وفائدتها التحقير لا التخصيص.
стр. 5007
﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ﴾: ﴿إِلاَّ﴾: في موضع (غير) وهي وصف ل ﴿آلِهَةٌ﴾ وتقديره: غير الله، ولهذا أعربت إعراب الاسم الواقع بعد ﴿إِلاَّ﴾ وهو الرفع. ولا يجوز أن يكون الرفع على البدل؛ لأن البدل إنما يكون في النفي لا في الإثبات، وهذا في حكم الإثبات. وذهب الفراء إلى أن ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى «سوى».
﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ ذكر غير منون: مضاف إلى ﴿مِنْ﴾ الذي هو مضاف إليه. ويقرأ بتنوين على تقدير محذوف، أي ذكر ذكر من معي.
﴿لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ منصوب بيعلمون. وقرأ الحسن ﴿الْحَقَّ﴾ بالرفع بتقدير مبتدأ محذوف، أي هو الحق.
﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿عِبادٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: بل هم عباد مكرمون.
وأجاز الفراء: بل عبادا مكرمين على تقدير: بل خلقهم عبادا مكرمين.
البلاغة:
﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ طباق السلب.
﴿قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ تبكيت للخصم.
﴿أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ فيهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ أي بل اتخذوا، للانتقال، والهمزة لإنكار اتخاذهم ﴿آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي آلهة كائنة من الأرض، كحجر وذهب وفضة ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ أي الآلهة يحيون الموتى من قبورهم، من أنشره: أي أحياه؟ لا، فلا يكون إلها إلا من يحيي الموتى، فالنشر: إحياء الموتى من قبورهم، والحشر: سوقهم إلى أرض المحشر.
﴿لَوْ كانَ فِيهِما﴾ أي في السموات والأرض ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ غيره ﴿لَفَسَدَتا﴾ لبطلتا وخربتا وخرجتا عن نظامهما المشاهد؛ لما يكون بينهما من الاختلاف والتمانع، على وفق العادة، فإنه عند تعدد الحاكم والاتفاق في المراد، يحدث التنافر في القدرات، إذ بأي قدرة لهما سيوجد؟! وعند الاختلاف يحدث التمانع في الشيء وعدم وجوده، مثلا لو اختلفا في تحريك زيد وتسكينه، فلا يمكن حدوث المرادين لاستحالة الجمع بين الضدين، ولا يمكن حدوث أحد المرادين لمعارضة الآخر، وإذا حدث كان أحد الإلهين قادرا والآخر عاجزا، والعجز نقص، وهو على الله محال.
стр. 5008
﴿فَسُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها لله عما وصفوه به ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ خالق الكرسي ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزيها لله عما يصف الكفار الله به من الشريك له، وغير ذلك.
﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ لعظمته وقوة سلطانه وتفرده بالألوهية والسلطنة الذاتية ﴿وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ عن أفعالهم؛ لأنهم مملوكون مستعبدون، والضمير للآلهة المزعومة أو للعباد.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ أي بل اتخذوا من دون الله تعالى أي سواه آلهة، وفيه استفهام توبيخ، وكرره استعظاما لكفرهم، وتبكيتا، وإظهارا لجهلهم، والمعنى: أوجدوا آلهة ينشرون الموتى، فاتخذوهم آلهة، لما وجدوا فيهم من خواص الألوهية، أو وجدوا في الكتب الإلهية الأمر بإشراكهم، فاتخذوهم تنفيذا للأمر، ثم أبان فساد الأول عقلا، والثاني نقلا، فقال:
﴿قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أي أحضروا برهانكم على ذلك من العقل أو النقل، فإنه لا يصح القول بما لا دليل عليه.
﴿هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ أي هذا هو القرآن المنزل على من معي أي على أمتي أي عظة لهم ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ أي والكتب السماوية المنزلة على الأمم قبلي وهي عظة لهم، وهي التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله، ليس في واحد منها أن مع الله إلها، مما قالوا. وإنما فيها الأمر بالتوحيد، والنهي عن الإشراك. وإضافة الذكر إليهم؛ لأنه عظتهم.
﴿لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ أي توحيد الله، ولا يميزون بين الحق والباطل ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن التوحيد واتباع الرسول من أجل ذلك، وعن النظر الموصل إليه.
﴿فَاعْبُدُونِ﴾ أي وحدوني ﴿وَلَداً﴾ من الملائكة ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيه له عن ذلك. ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أي بل هم ﴿عِبادٌ﴾ مخلوقون، عنده ﴿مُكْرَمُونَ﴾: مقربون لديه، والعبودية تنافي الولادة، فليسوا بأولاد.
﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي لا يتكلمون حتى يأمرهم، ولا يأتون بقولهم إلا بعد قوله ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ لا يعملون قط ما لم يأمرهم به، ويعملون بعد أمره ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم ما عملوا وما هم عاملون، لا يخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا، وهو كالعلة لما قبله، والتمهيد لما بعده، وبذلك يضبطون أنفسهم، ويراقبون أحوالهم. ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ أن يشفع له، مهابة منه ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ أي من عظمته ومهابته تعالى ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون مرتعدون.
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ من الملائكة أو من الخلائق ﴿إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ أي غير الله وهو إبليس، دعا إلى عبادة نفسه، وأمر بطاعتها ﴿فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ هذا تهديد للمشركين بتهديد مدعي الربوبية ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ المشركين أي من أظلم بالإشراك وادعاء الربوبية.
стр. 5009
المناسبة:
ما تقدم من أول السورة إلى هنا كان في النبوات، وما يتعلق بها سؤالا وجوابا، وأما هذه الآيات فإنها في بيان التوحيد، ونفي الشريك.
التفسير والبيان:
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ أي بل اتخذ المشركون آلهة من الأرض من دون الله يحيون الموتى من قبورهم، أي لا يقدرون على شيء من ذلك، فكيف جعلوها لله ندا وعبدوها معه؟! قال الزمخشري: و ﴿أَمِ﴾ هنا-أي مع الاستفهام-هي المنقطعة الكائنة بمعنى «بل» الإضرابية، والهمزة قد آذنت بالإضراب عما قبلها، والإنكار لما بعدها، وهو اتخاذهم آلهة ينشرون الموتى.
والمراد بالآية التذكير بخواص الألوهية التي منها إحياء الموتى من قبورهم، فإن المشركين وإن لم يصرحوا بذلك، فإنهم بادعائهم الألوهية لها يثبتون تلك الصفة لها. ووصف الآلهة بكونها من الأرض إشارة إلى أنها من الأصنام المعبودة في الأرض. وهذا تهكم بهم وتوبيخ وتجهيل لهم.
ثم أثبت الله تعالى التوحيد ونفي وجود إله غير الله، فقال:
﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ أي لو كان في السموات والأرض آلهة غير الله لخربتا وفسد نظامها؛ لأنهما إذا اختلفا وقع الاضطراب والخلل والفساد، وإن اتفقا في التصرف في الكون، فلا داعي للتعدد؛ لأنه يؤدي إلى وجود الخلق والأمر والمقدور من خالقين قادرين على مخلوق واحد، وهذا محال؛ لأنه يجعل وقوع المقدور والمراد للاثنين، لا لواحد منهما، وهذا لا يصح؛ لأن لكل منهما إرادة مستقلة بالتأثير، فلا يعقل وقوع مخلوق لخالقين.
وبناء عليه يكون جميع ما في هذا العالم العلوي والسفلي من المخلوقات دليل وحدانية الله تعالى، لذا قال:
стр. 5010
﴿فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزه الله تعالى وتقدس عن الذي يفترون ويقولون: إن له ولدا أو شريكا، وتعالى عما يأفكون علوا كبيرا، فهو رب العرش المحيط بهذا الكون.
ونظير الآية: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ، وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ، وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون ٩١/ ٢٣].
وتأكيدا لهذا التنزيه قال تعالى:
﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ أي لا يسأل تعالى عن أفعاله، فهو الحاكم الذي لا معقّب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد، لعظمته وجلاله وكبريائه، وعلمه وحكمته، وعدله ولطفه، وإنما يسأل خلقه عن أفعالهم، ما عملوا وما سيعملون، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر ٩٢/ ١٥ - ٩٣] وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون ٨٨/ ٢٣].
ثم كرر تعالى الإنكار على المشركين استفظاعا لشأنهم، واستعظاما لكفرهم فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أي أيصح بعد هذه الأدلة أن يتخذوا آلهة دون الله، ويصفوا الله بأن له شريكا؟ فإن وصفتم الله تعالى بأن له شريكا، فهاتوا برهانكم على ذلك، إما من العقل وإما من الوحي، فإنكم لا تجدون كتابا من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل إلا وفيه تقرير توحيد الله وتنزيهه عن الشركاء، كما أن العقل كما تقدم يرفض وجود إلهين، وأشار فيما يأتي إلى الدليل النقلي فقال:
﴿هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ أي هذا الوحي الوارد في معنى توحيد الله ونفي الشركاء عنه، ورد علي، كما ورد على جميع الأنبياء، فهو ذكر