المخلوقات، وإنما فائدة الطاعة تعود على الطائعين أنفسهم، فأجدر بهم أن يطيعوه، وأولى بهم أن يعبدوه، بل يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه؛ لأن كل المكلفين في السماء والأرض عبيده، وهو الخالق لهم، والمنعم عليهم بأصناف النعم.
توبيخ المشركين وإثبات الوحدانية
﴿أَمِ اِتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٢٩)﴾
الإعراب:
﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ صفة لآلهة، أو متعلقة بالفعل، على معنى الابتداء، وفائدتها التحقير لا التخصيص.
стр. 5007
﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ﴾: ﴿إِلاَّ﴾: في موضع (غير) وهي وصف ل ﴿آلِهَةٌ﴾ وتقديره: غير الله، ولهذا أعربت إعراب الاسم الواقع بعد ﴿إِلاَّ﴾ وهو الرفع. ولا يجوز أن يكون الرفع على البدل؛ لأن البدل إنما يكون في النفي لا في الإثبات، وهذا في حكم الإثبات. وذهب الفراء إلى أن ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى «سوى».
﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ ذكر غير منون: مضاف إلى ﴿مِنْ﴾ الذي هو مضاف إليه. ويقرأ بتنوين على تقدير محذوف، أي ذكر ذكر من معي.
﴿لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ منصوب بيعلمون. وقرأ الحسن ﴿الْحَقَّ﴾ بالرفع بتقدير مبتدأ محذوف، أي هو الحق.
﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿عِبادٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: بل هم عباد مكرمون.
وأجاز الفراء: بل عبادا مكرمين على تقدير: بل خلقهم عبادا مكرمين.
البلاغة:
﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ طباق السلب.
﴿قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ تبكيت للخصم.
﴿أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ فيهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ أي بل اتخذوا، للانتقال، والهمزة لإنكار اتخاذهم ﴿آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي آلهة كائنة من الأرض، كحجر وذهب وفضة ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ أي الآلهة يحيون الموتى من قبورهم، من أنشره: أي أحياه؟ لا، فلا يكون إلها إلا من يحيي الموتى، فالنشر: إحياء الموتى من قبورهم، والحشر: سوقهم إلى أرض المحشر.
﴿لَوْ كانَ فِيهِما﴾ أي في السموات والأرض ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ غيره ﴿لَفَسَدَتا﴾ لبطلتا وخربتا وخرجتا عن نظامهما المشاهد؛ لما يكون بينهما من الاختلاف والتمانع، على وفق العادة، فإنه عند تعدد الحاكم والاتفاق في المراد، يحدث التنافر في القدرات، إذ بأي قدرة لهما سيوجد؟! وعند الاختلاف يحدث التمانع في الشيء وعدم وجوده، مثلا لو اختلفا في تحريك زيد وتسكينه، فلا يمكن حدوث المرادين لاستحالة الجمع بين الضدين، ولا يمكن حدوث أحد المرادين لمعارضة الآخر، وإذا حدث كان أحد الإلهين قادرا والآخر عاجزا، والعجز نقص، وهو على الله محال.
стр. 5008
﴿فَسُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها لله عما وصفوه به ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ خالق الكرسي ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزيها لله عما يصف الكفار الله به من الشريك له، وغير ذلك.
﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ لعظمته وقوة سلطانه وتفرده بالألوهية والسلطنة الذاتية ﴿وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ عن أفعالهم؛ لأنهم مملوكون مستعبدون، والضمير للآلهة المزعومة أو للعباد.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ أي بل اتخذوا من دون الله تعالى أي سواه آلهة، وفيه استفهام توبيخ، وكرره استعظاما لكفرهم، وتبكيتا، وإظهارا لجهلهم، والمعنى: أوجدوا آلهة ينشرون الموتى، فاتخذوهم آلهة، لما وجدوا فيهم من خواص الألوهية، أو وجدوا في الكتب الإلهية الأمر بإشراكهم، فاتخذوهم تنفيذا للأمر، ثم أبان فساد الأول عقلا، والثاني نقلا، فقال:
﴿قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أي أحضروا برهانكم على ذلك من العقل أو النقل، فإنه لا يصح القول بما لا دليل عليه.
﴿هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ أي هذا هو القرآن المنزل على من معي أي على أمتي أي عظة لهم ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ أي والكتب السماوية المنزلة على الأمم قبلي وهي عظة لهم، وهي التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله، ليس في واحد منها أن مع الله إلها، مما قالوا. وإنما فيها الأمر بالتوحيد، والنهي عن الإشراك. وإضافة الذكر إليهم؛ لأنه عظتهم.
﴿لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ أي توحيد الله، ولا يميزون بين الحق والباطل ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن التوحيد واتباع الرسول من أجل ذلك، وعن النظر الموصل إليه.
﴿فَاعْبُدُونِ﴾ أي وحدوني ﴿وَلَداً﴾ من الملائكة ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيه له عن ذلك. ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أي بل هم ﴿عِبادٌ﴾ مخلوقون، عنده ﴿مُكْرَمُونَ﴾: مقربون لديه، والعبودية تنافي الولادة، فليسوا بأولاد.
﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي لا يتكلمون حتى يأمرهم، ولا يأتون بقولهم إلا بعد قوله ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ لا يعملون قط ما لم يأمرهم به، ويعملون بعد أمره ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم ما عملوا وما هم عاملون، لا يخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا، وهو كالعلة لما قبله، والتمهيد لما بعده، وبذلك يضبطون أنفسهم، ويراقبون أحوالهم. ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ أن يشفع له، مهابة منه ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ أي من عظمته ومهابته تعالى ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون مرتعدون.
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ من الملائكة أو من الخلائق ﴿إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ أي غير الله وهو إبليس، دعا إلى عبادة نفسه، وأمر بطاعتها ﴿فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ هذا تهديد للمشركين بتهديد مدعي الربوبية ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ المشركين أي من أظلم بالإشراك وادعاء الربوبية.
стр. 5009
المناسبة:
ما تقدم من أول السورة إلى هنا كان في النبوات، وما يتعلق بها سؤالا وجوابا، وأما هذه الآيات فإنها في بيان التوحيد، ونفي الشريك.
التفسير والبيان:
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ أي بل اتخذ المشركون آلهة من الأرض من دون الله يحيون الموتى من قبورهم، أي لا يقدرون على شيء من ذلك، فكيف جعلوها لله ندا وعبدوها معه؟! قال الزمخشري: و ﴿أَمِ﴾ هنا-أي مع الاستفهام-هي المنقطعة الكائنة بمعنى «بل» الإضرابية، والهمزة قد آذنت بالإضراب عما قبلها، والإنكار لما بعدها، وهو اتخاذهم آلهة ينشرون الموتى.
والمراد بالآية التذكير بخواص الألوهية التي منها إحياء الموتى من قبورهم، فإن المشركين وإن لم يصرحوا بذلك، فإنهم بادعائهم الألوهية لها يثبتون تلك الصفة لها. ووصف الآلهة بكونها من الأرض إشارة إلى أنها من الأصنام المعبودة في الأرض. وهذا تهكم بهم وتوبيخ وتجهيل لهم.
ثم أثبت الله تعالى التوحيد ونفي وجود إله غير الله، فقال:
﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ أي لو كان في السموات والأرض آلهة غير الله لخربتا وفسد نظامها؛ لأنهما إذا اختلفا وقع الاضطراب والخلل والفساد، وإن اتفقا في التصرف في الكون، فلا داعي للتعدد؛ لأنه يؤدي إلى وجود الخلق والأمر والمقدور من خالقين قادرين على مخلوق واحد، وهذا محال؛ لأنه يجعل وقوع المقدور والمراد للاثنين، لا لواحد منهما، وهذا لا يصح؛ لأن لكل منهما إرادة مستقلة بالتأثير، فلا يعقل وقوع مخلوق لخالقين.
وبناء عليه يكون جميع ما في هذا العالم العلوي والسفلي من المخلوقات دليل وحدانية الله تعالى، لذا قال:
стр. 5010
﴿فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزه الله تعالى وتقدس عن الذي يفترون ويقولون: إن له ولدا أو شريكا، وتعالى عما يأفكون علوا كبيرا، فهو رب العرش المحيط بهذا الكون.
ونظير الآية: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ، وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ، وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ، سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون ٩١/ ٢٣].
وتأكيدا لهذا التنزيه قال تعالى:
﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ أي لا يسأل تعالى عن أفعاله، فهو الحاكم الذي لا معقّب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد، لعظمته وجلاله وكبريائه، وعلمه وحكمته، وعدله ولطفه، وإنما يسأل خلقه عن أفعالهم، ما عملوا وما سيعملون، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر ٩٢/ ١٥ - ٩٣] وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون ٨٨/ ٢٣].
ثم كرر تعالى الإنكار على المشركين استفظاعا لشأنهم، واستعظاما لكفرهم فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ: هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أي أيصح بعد هذه الأدلة أن يتخذوا آلهة دون الله، ويصفوا الله بأن له شريكا؟ فإن وصفتم الله تعالى بأن له شريكا، فهاتوا برهانكم على ذلك، إما من العقل وإما من الوحي، فإنكم لا تجدون كتابا من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل إلا وفيه تقرير توحيد الله وتنزيهه عن الشركاء، كما أن العقل كما تقدم يرفض وجود إلهين، وأشار فيما يأتي إلى الدليل النقلي فقال:
﴿هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ أي هذا الوحي الوارد في معنى توحيد الله ونفي الشركاء عنه، ورد علي، كما ورد على جميع الأنبياء، فهو ذكر
стр. 5011
أي عظة للذين معي أي أمتي، وعظة للذين من قبلي أي أمم الأنبياء السابقين ﵈. وبذلك اتفق القرآن وجميع الكتب السماوية السابقة على الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وهذا تبكيت للمشركين يتضمن نقيض مدّعاهم.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ أي بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعرفون الحق، ويعرضون عنه، ولا يميزون بين الحق والباطل، فلا تنفع فيهم الأدلة والبراهين.
﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي فهم لجهلهم معرضون عن قبول الحق وعن النظر المؤدي إليه. وهذا دليل على أن الجهل أو عدم العلم هو أصل الشر والفساد كله، وأنه يترتب على عدم العلم الإعراض عن استماع الحق وطلبه.
وتأكيدا لمضمون الكتب والرسالات السماوية بالتوحيد ونبذ الشرك قال:
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ.﴾. أي لم نرسل رسولا سابقا من عهد آدم ﵇ إلى قومه إلا أوحينا إليه ألا معبود إلا الله، فاعبدوه مخلصين له العبادة، وخصوه بالألوهية، فرسالات جميع الأنبياء قائمة على التوحيد، وكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا، أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف ٤٥/ ٤٣] وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ، وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦/ ١٦].
والخلاصة: أنه لا دليل للمشركين على ما زعموا، فلا برهان لهم، وحجتهم داحضة؛ لأن الفطرة تشهد بتوحيد الله، وكذلك العقل السليم، ورسالات جميع الأنبياء متحدة في دفع الشرك وإقرار التوحيد.
وبعد التنزيه عن الشريك، نفى تعالى اتخاذ الولد فقال:
стр. 5012
﴿وَقالُوا: اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً﴾ أي وقال بعض العرب وهم بطون من خزاعة وجهينة وبني سلمة: الملائكة بنات الله، فرد الله عليهم بقوله:
﴿سُبْحانَهُ﴾ أي تنزيها له عن الولد، فإن الولد يشبه أباه في شيء، ويخالفه في أشياء، فلو كان لله ولد لأشبهه من بعض الوجوه، وخالفه من وجوه أخرى، فيقع التركيب في ذات الله تعالى، والله سبحانه منزه عن مشابهة الحوادث، ولا مجانسة بين الخالق والمخلوق.
ولما نزه سبحانه نفسه عن الولد، أخبر عن الملائكة بقوله:
﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أي ليس الملائكة بنات الله، بل هم عباد مخلوقون له، مقربون لديه، والعبودية تنافي الولادة، إلا أنهم مفضلون على سائر العباد.
ومن خصائصهم أنهم:
١ - ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم، ولا يخالفونه فيما أمرهم به، بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى عالم محيط علمه بهم، فلا يخفى عليه منهم خافية، كما قال:
٢ - ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم ما تقدم منهم من عمل، وما هم عاملون في المستقبل، أي كما أن قولهم تابع لقول الله، فعملهم أيضا مبني على أمره، لا يعملون عملا ما لم يؤمروا به، وجميع ما يأتون ويذرون في علم الله واطلاعه، وهو مجازيهم عليه، فلا يزالون يراقبونه في جميع أحوالهم، ويضبطون أنفسهم عن أي مخالفة لأمره.
٣ - ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ أي لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله، وأهّله للشفاعة، فلا تعلقوا الآمال على شفاعتهم بغير رضا الله تعالى.
стр. 5013
٤ - ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أي إنهم مع هذا كله من خوف الله ورهبته خائفون حذرون مراقبون ربهم.
وبعد أن وصف كرامتهم عليه وقرب منزلتهم عنده، ووصفهم بتلك الأفعال السنية، فاجأ من أشرك منهم بالوعيد الشديد، وأنذرهم بعذاب جهنم، فقال:
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ: إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ، فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ أي ومن يدّعي منهم على سبيل الافتراض أنه إله من دون الله، أي مع الله، كإبليس حيث ادعى الألوهية، ودعا إلى عبادة نفسه، فجزاؤه جهنم على ما ادّعى. وأما الملائكة فلم يقل أحد منهم: إني إله غير الله.
﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أي مثل ذلك الجزاء نجزي كل من ظلم نفسه، وقال ذلك، وهم المشركون. قال ابن كثير: وهذا شرط، والشرط لا يلزم وقوعه، كقوله: ﴿قُلْ: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ، فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١/ ٤٣]. وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الزمر ٦٥/ ٣٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - الإنكار الشديد على من اتخذ آلهة أخرى مع الله، وتوبيخ المشركين على اتخاذهم آلهة ليس لها خواص الألوهية، ومنها الإحياء بعد الإماتة وهو النشر.
٢ - إن تعدد الآلهة سبب مؤد لفساد نظام العالم والكون من السموات والأرض، وتخريبها وهلاك من فيهما بوقوع التنازع والاختلاف الواقع بين الشركاء عادة، لذا نزّه الله تعالى نفسه، وأمر العباد أن ينزهوه عن أن يكون له شريك أو ولد.
стр. 5014
وقد استدل الرازي بأدلة أخرى عقلية ونقلية على وحدانية الله تعالى، وهي اثنان وعشرون دليلا، أربعة عشر منها عقلية، وثمانية نقلية سمعية، وأقوى الأدلة العقلية: أنه لو فرضنا وجود إلهين، لافتقر أحدهما إلى الآخر؛ لأنه يصبح مركبا من ذاته ومما يشاركه به الآخر، وكل مركب هو مفتقر إلى جزئه، وكل مفتقر إلى غيره ممكن، والإله واجب الوجود لذاته غير ممكن لذاته، فإذن ليس واجب الوجود إلا الواحد، وكل ما عداه مفتقر إليه، وكل مفتقر إلى غيره فهو محدث، فكل ما سوى الله تعالى محدث.
ومن الأدلة النقلية هذه الآية: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ وهو كقوله: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون ٩١/ ٢٣] وقد صرح الله تعالى بكلمة: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في سبعة وثلاثين موضعا من القرآن، وصرح بالوحدانية في موضعين فقط، وهما قوله تعالى: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة ١٦٣/ ٢] وقوله: ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١/ ١١٢] (١).
٣ - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، أي لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه، وهو يسأل الخلق عن عملهم؛ لأنهم عبيد. وهذا يدل على أن من يسأل غدا عن أعماله، كالمسيح والملائكة لا يصلح للألوهية، وعلى كون المكلفين مسئولون عن أفعالهم.
روي عن علي ﵁ أن رجلا قال له: يا أمير المؤمنين: أيحب ربنا أن يعصى؟ قال: أفيعصى ربّنا قهرا؟ قال-أي الرجل-: أرأيت إن منعني الهدى، ومنحني الردى أأحسن إليّ أم أساء؟ قال: إن منعك حقك فقد أساء، وإن منعك فضله، فهو فضله يؤتيه من يشاء، ثم تلا: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾.
стр. 5015
وعن ابن عباس قال: لما بعث الله موسى وكلّمه، وأنزل عليه التوراة، قال: اللهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت ألا تعصى ما عصيت، وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا يا ربّ؟ فأوحى الله إليه: إني لا أسأل عما أفعل، وهم يسألون.
٤ - أعاد الله تعالى في الآيات التعجب من اتخاذ الآلهة من دون الله، مبالغة في التوبيخ، على وصفهم المتقدم في الإنشاء والإحياء، فتكون ﴿أَمِ﴾ بمعنى هل، أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من دون الله؟ فليأتوا بالبرهان على ذلك.
وقيل: إن التعجب الأول: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ احتجاج من حيث المعقول؛ لأنه قال: ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ أي يحيون الموتى.
والثاني ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ احتجاج بالمنقول، أي هاتوا برهانكم من الكتب السماوية، ففي أي كتاب نزل هذا؟ في القرآن، أم في الكتب المنزلة على سائر الأنبياء؟! ٥ - إن الجهل هو المصدر الأصيل في فساد عقائد المشركين: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾.
٦ - جميع الرسل والأنبياء أوحى الله إليهم أنه لا إله إلا الله، فأدلة العقل شاهدة أنه لا شريك له، والنقل عن جميع الأنبياء موجود، والدليل إما معقول وإما منقول. قال قتادة: لم يرسل نبي إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة والإنجيل والقرآن، وكل ذلك على الإخلاص والتوحيد. أي إن دعوة الرسل جميعا جاءت لبيان التوحيد.
٧ - ردّ الله تعالى على بعض العرب الذين كانوا يقولون: الملائكة بنات الله بتنزيه نفسه عن اتخاذ الولد، قيل: نزلت آية ﴿وَقالُوا: اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
стр. 5016
سُبْحانَهُ﴾ في خزاعة، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وكانوا يعبدونهم طمعا في شفاعتهم لهم.
وبعد التنزيه ذكر الله خمس صفات للملائكة تدل على العبودية ونفي الولادة وهي:
أ-المبالغة في طاعة الله، فهم لا يقولون قولا ولا يفعلون فعلا إلا بأمر الله، وهذه صفات العبيد، لا صفات الأولاد.
ب-إن الله تعالى يعلم أسرارهم، وهم لا يعلمون أسراره، فهو المستحق للعبادة، لا هم.
ج -إنهم لا يشفعون إلا بإذن الله ورضاه، ومن كان إلها لا يحتاج لإذن أحد.
د-إنهم أشد الخلق خوفا من الله، وذلك من صفات العبيد.
هـ -الملائكة وإن أكرموا بالعصمة، فهم كسائر المكلفين مسئولون موجه لهم الوعد والوعيد، فلا يتصور كونهم آلهة. وهذه الآية تدل على كون الملائكة مكلفين، وعلى أنهم معصومون، وعلى أنهم متوعدون.
٨ - كما يجزي الله تعالى بالنار كل من ادعى الشركة مع الله، ودعا إلى عبادة نفسه كإبليس، فكذلك يجزي الظالمين الواضعين الألوهية والعبادة في غير موضعهما.
стр. 5017
توبيخ آخر للمشركين على عدم تدبر آيات الكون
الدالة على وجود الإله الواحد
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾
الإعراب:
﴿رَتْقاً﴾ قال ذلك، ولم يقل: رتقين؛ لأنه مصدر، وتقديره: كانتا ذواتي رتق.
﴿سُبُلاً﴾ بدل.
﴿يَسْبَحُونَ﴾ أتى بالواو والنون، وهي إنما تكون لمن يعقل؛ لأنه أخبر عنها بفعل من يعقل، فأجراها مجرى من يعقل، كقوله تعالى: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ و ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وجملة: ﴿يَسْبَحُونَ﴾: خبره، والجملة منهما حال من ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.
البلاغة:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ استفهام معناه التعجب والإنكار.
﴿كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما﴾ بين الرتق والفتق طباق.
﴿يَهْتَدُونَ﴾، ﴿يَسْبَحُونَ﴾ بينهما سجع لطيف.
стр. 5018
﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ التنكير للتعميم.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ التفات من المتكلم إلى الغائب بعد قوله: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ﴾ للفت النظر إلى النعم الجليلة والاعتناء بها.
المفردات اللغوية:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أولم يعلموا. ﴿رَتْقاً﴾ الرتق: السد والضم والالتحام، والمراد:
ذات رتق، أي ملتزقتين. والمعنى: كانتا شيئا واحدا، أو حقيقة متحدة. ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ أي فصلناهما بالتنويع والتمييز، فجعلنا السماء سبعا والأرض سبعا. والفتق: الفصل بين الشيئين الملتصقين. ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ﴾ أي وخلقنا من الماء كل حيوان سواء النازل من السماء والنابع من الأرض. ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء، لا يحيا دونه، سواء النبات وغيره، فالماء سبب لحياته. ﴿أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ بتوحيدي، مع ظهور الآيات.
﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ أي جبالا ثوابت. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي لئلا تتحرك بهم، أو كراهة أن تميل بهم وتضطرب. ﴿وَجَعَلْنا فِيها﴾ أي في الرواسي. ﴿فِجاجاً سُبُلاً﴾ أي مسالك وطرقا نافذة واسعة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي ليهتدوا بها إلى مصالحهم ومقاصدهم في الأسفار والزراعة.
﴿سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ أي سقفا للأرض، مثل سقف البيت، محفوظا من الوقوع بقدرته، أو من الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيئته. ﴿وَهُمْ عَنْ آياتِها﴾ أي عن أحوالها الدالة على وجود الله ووحدته وكمال قدرته وروعة حكمته، بما اشتملت عليه من الشمس والقمر والنجوم.
﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يتفكرون فيها، فيعلمون أن خالقها لا شريك له.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ بيان لبعض تلك الآيات. ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ أي كل واحد منهما له مدار مستدير، والتنوين: بدل من المضاف إليه، أي كل من الشمس والقمر وتابعهما وهو النجوم. والمراد بالفلك: الجنس، وهو مدار الشمس والقمر والنجوم.
﴿يَسْبَحُونَ﴾ يسيرون على سطح الفلك بسرعة، كالسابح في الماء، وللتشبيه به، وإنما جمع الفعل باعتبار جنس الطوالع المتكاثرة كل يوم وليلة، وهو سبب جمعهما بالشموس والأقمار، وإلا فالشمس واحدة والقمر واحد. وعوملوا معاملة العقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة.
المناسبة:
بعد أن وبخ الله تعالى المشركين الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى، والذين قالوا: اتخذ الله ولدا من الملائكة، وبخهم على عدم تدبر الآيات الكونية الدالة
стр. 5019
على وجود الله، وعلى التوحيد وتنزيهه من الشرك، وأنه لا يصح لعاقل عبادة الأصنام والأوثان لعجزها وعدم الجدوى من عبادتها.
التفسير والبيان:
أورد الله تعالى في هذه الآيات ستة أدلة تدل على وجود الإله الواحد القادر ذي القدرة التامة والسلطان العظيم في خلق الأشياء وقهر جميع المخلوقات، وهي ما يلي:
١ - فتق السموات عن الأرض:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما﴾ أي أو لم يعلم الجاحدون لألوهية الله، العابدون معه غيره أن الله هو المستقل بالخلق، المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره، أو يشرك به ما سواه، ألم يعلموا أن السموات والأرض كانتا متصلتين ببعضهما، تلاصقت أجزاؤهما، وتراكم بعضها فوق بعض، ثم فصلناهما، وجعلنا بين السماء الدنيا والأرض طبقة من الهواء؟! وهذه هي نظرية السديم عند علماء الفلك الذين يثبتون أن الشمس والكواكب والأرض كانت قطعة واحدة، وأن الشمس كانت كرة نارية، وفي أثناء سيرها السريع انفصلت عنها أرضنا والكواكب السيارة الأخرى، وهي تسعة مرتبة بحسب قربها من الشمس: عطارد، والزّهرة، والأرض، والمرّيخ، والمشتري، وزحل، وأورانوس، ونبتون، وبلوتوه. ولكل منها مدار بحسب تأثير الجاذبية، وهي تجري في الفلك، وهي تسعة أفلاك دون السموات المطبقة التي يعيش فيها الملائكة. والفلك: استدارة في السماء تدور بالنجوم مع ثبوت السماء، أو هو مجراها وسرعة سيرها.
وهذا السبق العلمي الذي أعلنه القرآن دليل واضح قاطع على أن القرآن
стр. 5020
كلام الله ووحيه المنزل على عبده محمد ﷺ النبي الأمي الذي يستحيل أن يكون عالما بمثل ذلك لولا الوحي الإلهي.
٢ - جعل الماء أساس الحياة:
﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي وخلقنا من الماء كل حيوان، أي فيه حياة، كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ﴾ [النور ٤٥/ ٢٤] فكل حيوان من النطفة التي هي ماء، ولا ينبت النبات إلا بالماء.
وهذا موافق لما يراه بعض العلماء: أن كل حيوان خلق أولا في البحر، ثم انتقل بعض الحيوان إلى البر، وتطبع بطباع البر مع مرور الزمن.
﴿أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ أي ألا يتدبرون هذه الأدلة، وهم يشاهدون عيانا حدوث المخلوقات شيئا فشيئا، فيؤمنون بالخالق، ويتركون منهج الشرك؟!
وفي كل شيء له آية... تدل على أنه واحد
٣ - جعل الجبال رواسي الأرض:
﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي وخلقنا في الأرض جبالا لإرساء الأرض بها وتثبيتها، لئلا تضطرب بالناس وتتحرك، فلا يحصل لهم قرار عليها، والرواسي: الجبال، والراسي: هو الداخل في الأرض.
والأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، وقد أثبت العلماء أن الأرض كانت نارا ملتهبة، ثم بردت قشرتها، وصارت صوّانية صلبة، وذلك منذ حوالي ثلاث مائة مليون سنة بل حوالي خمسة مليارات سنة كما يرى المعاصرون. ويؤكد ذلك وجود حمم النيران التي تخرجها البراكين. ونسبة الجبال إلى الأرض هي بنسبة مليمتر ونصف من المتر.
وهذا دليل ثالث على أن القرآن وحي من عند الله، لا من عند بشر.
стр. 5021
٤ - إيجاد الطرق مسالك بين الجبال:
﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي وخلقنا في الأرض بين الجبال طرقا واسعة نافذة، يسلكها الناس بسهولة من مكان إلى آخر، أو من قطر أو إقليم إلى آخر، ليهتدوا بها إلى مقاصدهم ومصالحهم المعيشية في البلاد، وقيل: ليهتدوا إلى وحدانية الله تعالى بالاستدلال. والفج: الطريق الواسع، والسبيل: الطريق السالك. وقدمت الفجاج وهي صفة على السبل، ولم تؤخر، كما في قوله تعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً﴾ [نوح ٢٠/ ٧١] لتجعل حالا، والفرق من جهة المعنى أن قوله: ﴿سُبُلاً فِجاجاً﴾ إعلام بأنه جعل فيها طرقا واسعة، وأما قوله: ﴿فِجاجاً سُبُلاً﴾ فهو إعلام بأنه حين خلقها خلقها على تلك الصفة، فهذه الآية بيان لما أبهم في الآية الأولى.
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ معناه: لكي يهتدوا؛ إذ الشك لا يجوز على الله تعالى.
والضمير في قوله: ﴿فِيها﴾ عائد إلى الجبال، أي وجعلنا في الجبال التي هي رواسي فجاجا سبلا، أي طرقا واسعة، وقيل: إنه عائد إلى الأرض، أي وجعلنا في الأرض فجاجا وهي المسالك والطرق.
- جعل السماء سقفا للأرض:
﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ أي وجعلنا السماء كالسقف على الأرض وكالقبة عليها، وذلك السقف محفوظ من الوقوع والاضطراب، ومن الشياطين التي تسترق السمع، كما قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج ٦٥/ ٢٢] وقال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم ٢٥/ ٣٠] وقال: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر ٤١/ ٣٥]. وحفظها من الشياطين إما بالملائكة وإما بالنجوم.
стр. 5022
﴿وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أي لا يتفكر المشركون وغيرهم فيما خلق الله في السموات من الأدلة والعبر الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته، من الشمس والقمر وسائر الكواكب الثابتة والسيارة، ليتعاقب الليل والنهار، وتظهر المنافع بالحر والبرد، وللإرشاد إلى الحساب القويم والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة. وذلك كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف ١٠٥/ ١٢].
٦ - خلق الليل والنهار والشمس والقمر:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي والله خلق الليل والنهار، نعمة منه، ودليلا على عظمة سلطانه، بواسطة دوران الأرض حول نفسها، لتتحقق الفائدة المرجوة من كليهما بالظلام والسكون، والضياء والأنس، والتفاوت في الطول والقصر أو التساوي بينهما في مدار السنة، وخلق أيضا الشمس والقمر، للإضاءة وإمداد الأحياء بحرارة الشمس، وإفادة بعض المزروعات والثمار بضوء القمر، وكل من الشمس والقمر والنجوم والأرض يدور في فلكه، دوران المغزل في الفلكة، فلا يدور المغزل إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك الشمس والقمر والنجوم لا تدور إلا بالفلك، ولا يدور إلا بهن، كما قال تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام ٩٦/ ٦].
وقوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ بالجمع يشمل النجوم، فهي وإن لم تكن مذكورة نصا فهي مذكورة ضمنا.
ودوران الشمس والقمر والأرض في الفضاء اللانهائي يثبته أيضا العلم الحديث، مما يدل على أن هذا القرآن معجز للأبد، دال على كونه وحيا صادرا منه، وأنه النعمة الكبرى لبني الإنسان.
стр. 5023
فقه الحياة أو الأحكام:
الآيات كما لاحظنا تتضمن أدلة كافية على وجود الإله الصانع الواحد الأحد، المنزه عن الشريك والولد، وهي أدلة تثير الإعجاب، وتوحي باتصاف الموجد الخالق بالقدرة التامة، والسلطان العظيم.
وقد عرفنا أنها أدلة ستة هي:
أولا-فتق السموات عن الأرض، وجعل طبيعة خاصة لكل منهما، فالأرض بهوائها ومائها تتناسب مع وجود الحياة الإنسانية والحيوانية والنباتية، ومع ما يتطلبه الاستقرار والثبات عليها، والسموات تتلاءم مع وجود المجرّات والكواكب والنجوم والشمس والقمر، لنشر الحرارة، وإلقاء الضوء، والسموات سبع، وكذا الأرض سبع.
وثانيا-جعل الماء سببا للحياة، فالله تعالى خلق كل شيء من الماء، وحفظ حياة كل شيء بالماء، وأوجد الإنسان من ماء الصلب.
روى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، إذا رأيتك طابت نفسي، وقرّت عيني، أنبئني عن كل شيء؛ قال: «كل شيء خلق من الماء». وما أروع لفت النظر بعد هذه الآية حين قال تعالى: ﴿أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ أي أفلا يصدقون بما يشاهدون، وأن ذلك لم يكن بنفسه، بل لمكوّن كوّنه، ومدبر أوجده، ولا يجوز أن يكون ذلك المكوّن محدثا، بل لا بدّ من أن يكون أزليا قديما؛ لأن صفة الألوهية تقتضي عقلا عدم المشابهة للحوادث.
وثالثا-خلق الله الجبال رواسي أي جبالا ثوابت، لتكون مثبتة للأرض، حتى لا تتحرك بمن عليها، وليتم القرار والاطمئنان عليها، أو كراهية أن تميد، والميد: التحرك والدوران.
стр. 5024
ورابعا-أوجد الله في الأرض وبين هامات الجبال مسالك وطرقا واسعة، لتكون منافذ يسهل على الناس اختراقها وتجاوزها من مكان لآخر، ومن قطر إلى قطر أو إقليم إلى إقليم. والفجاج جمع فجّ: وهو الطريق الواسع بين الجبلين، ثم فسر تلك الفجاج بالسبل، أي الطرق النافذة السالكة؛ لأن الفج قد يكون طريقا نافذا مسلوكا، وقد لا يكون، ووجود الطرقات للاهتداء بها إلى السير في الأرض نعمة عظمي، وندرك هذه النعمة إذا لاحظنا ما تنفقه الدولة الحديثة من النفقات الباهظة على تعبيد الطرق وشقها، لربط الأقاليم والأمصار وأجزاء البلاد بشبكة من الطرق، تسهل الانتقال بينها والاتصال معها.
وخامسا-جعل السماء سقفا للأرض، محفوظا من الوقوع والسقوط على الأرض، فلا تمكن الحياة في الأرض بدون هذا السقف، كما لا يمكن العيش في بيت أو دار بدون سقف، ولأن حفظ طبقة الهواء بهذا السقف أمر ضروري محتم لحياة الإنسان، كما أن الحفاظ على هذا السقف من التداعي والسقوط على الأرض أمر أساسي لصون الحياة الإنسانية، ومنع الضرر عن الناس، فإذا سقط على الناس بعض الكتل النارية أو الأجرام السماوية، كان الدمار والهلاك الجزئي، فكيف إذا سقطت السماء كلها؟! ومما يدعو إلى الأسف والعجب أن الكفار معرضون عن آيات السماء من الشمس والقمر والنجوم وغيرها. وقد أضاف الله تعالى الآيات في قوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آياتِها..﴾. إلى السماء؛ لأنها مجعولة فيها، وفي مواضع أخرى أضاف تعالى الآيات إلى نفسه؛ لأنه الفاعل لها.
وهذا دليل على أن المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاكها ورياحها وسحابها، وما فيها من قدرة الله تعالى؛ إذ لو نظروا واعتبروا، لعلموا أن لها صانعا قادرا واحدا، فيستحيل أن يكون له شريك.
стр. 5025
وسادسا-خلق الليل والنهار، وهذا تذكير بنعمة أخرى على الناس، فالله جعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليتصرفوا فيه وينطلقوا لمعايشهم، وجعل الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، لتعلم الشهور والسنون والحساب، وكل من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار يجرون ويسيرون بسرعة في فلك خاص، كالسابح في الماء.
موت جميع الخلائق ومجيء القيامة أو عذاب النار بغتة
﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١)﴾
الإعراب:
﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ حقّ همزة الاستفهام إذا دخلت على حرف الشرط كما هنا: أن
стр. 5026
تكون رتبتها قبل جواب الشرط. وفي هذه الآية دليل على أنّ إن إذا دخلت عليها همزة الاستفهام، لا تبطل عملها، كقولك: إن تأتني آتك؛ لدخول الفاء في فهم وفاء ﴿فَهُمُ﴾ لتعلق الشرط بما قبله، والهمزة لإنكاره، بعد ما تقرر ذلك.
﴿فِتْنَةً﴾ مفعول لأجله.
﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ فيه محذوف تقديره: قائلين: أهذا الذي يذكر آلهتكم، وهو في موضع الحال، وحذف القول كثير في كلامهم.
﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ الجملة في موضع الحال، أي يتخذونك هزوا، وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية، وهي الكفر بالله تعالى.
البلاغة:
﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ﴾ التنكير للتعميم.
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ يوجد طباق بين الشر والخير.
﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ مبالغة في وصف الإنسان، جعل لفرط استعجاله، كأنه مخلوق من العجل نفسه، كقول العرب لمن لازم اللعب: هو من لعب.
﴿الْخالِدُونَ﴾ ﴿كافِرُونَ﴾ ﴿تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿يُنْصَرُونَ﴾ ﴿يُنْظَرُونَ﴾ ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ بينها سجع لطيف.
المفردات اللغوية:
﴿الْخُلْدَ﴾ الخلود والبقاء في الدنيا. ﴿فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ في الدنيا؟ لا، وهذه الجملة محل الاستفهام الإنكاري. ﴿ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ في الدنيا، والذوق هنا: الإدراك، والمراد من الموت:
مقدماته من الآلام الشديدة، والمدرك: هي النفس المفارقة للبدن. وجملة ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ برهان على ما أنكره من الخلود للنفوس في الدنيا. ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ نختبركم أي نعاملكم معاملة المختبر. ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ بالبلايا والنعم، أو المحبوب والمكروه، كفقر وغنى، وسقم وصحة، وذلّ وعزّ. ﴿فِتْنَةً﴾ أي ابتلاء، وهو مصدر من غير لفظ الفعل المتقدم، أي لننظر: أتصبرون وتشكرون أم لا؟ ﴿وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ فنجازيكم حسبما يوجد منكم من الصبر والشكر. وفيه إيماء بأن المقصود من هذه الحياة الابتلاء.
﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً﴾ أي ما يتخذونك إلا مهزوءا به، مسخورا منه. ﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ؟﴾ أي يقولون: أهذا الذي يعيب آلهتكم؟ ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ أي إذا ذكر الإله
стр. 5027
الرحمن الواحد. ﴿هُمْ﴾ الثانية تأكيد كفرهم. ﴿كافِرُونَ﴾ به، إذ قالوا: ما نعرفه، أي لا يصدقون به أصلا، فهم أحق منك بأن يتخذوا هزوا، فإنك محق وهم مبطلون. وقيل: معنى بذكر الرحمن: قولهم ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة. وقيل: بذكر الرحمن: معناه بما أنزل عليك من القرآن.
﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي أنه لكثرة عجله في أحواله، كأنه خلق منه، ومن عجلته:
مبادرته إلى الكفر. ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي﴾ أي مواعيدي بالعذاب، في الدنيا كوقعة بدر، وفي الآخرة عذاب النار. ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فيه أو بالإتيان به.
﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ؟﴾ أي بالقيامة. ﴿صادِقِينَ﴾ فيه، يعنون النبي ﷺ وأصحابه.
﴿لا يَكُفُّونَ﴾ يدفعون. ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون منها في القيامة. وجواب ﴿لَوْ﴾: ما قالوا ذلك. ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ القيامة أو النار. ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ أي تحيرهم، أو تغلبهم.
﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يمهلون لتوبة أو معذرة.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسلية لرسول الله ﷺ . ﴿فَحاقَ﴾ نزل أو أحاط.
﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي العذاب، وهو وعد للنبي ﷺ بأن ما يفعلونه به يحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا أي جزاءه.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٤):
﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ.﴾. نزلت هذه الآية، لما قال الكفار: إن محمدا سيموت، قائلين: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور ٣٠/ ٥٢]. و
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: نعي إلى النبي ﷺ نفسه، فقال: يا رب، فمن لأمتي؟ فنزلت: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية.
نزول الآية (٣٦):
﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. أخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي قال: مرّ النبي ﷺ على أبي جهل وأبي سفيان، وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك، وقال لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف، فغضب أبو سفيان،
стр. 5028
وقال: أتنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبي؟ فسمعنا النبي ﷺ ، فرجع إلى أبي جهل، فوقع به، وخوّفه، وقال: ما أراك منتهيا حتى يصيبك ما أصاب عمك الوليد بن المغيرة، وقال لأبي سفيان: أما إنك لم تقل ما قلت إلا حميّة، فنزلت الآية: ﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً﴾.
نزول الآية (٣٧):
﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ نزلت هذه الآية في استعجالهم العذاب، روي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث، وهو القائل: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨].
المناسبة:
بعد أن أقام الله تعالى أدلة ستة على وجود الخالق المتصف بالوحدانية، أبان أن مصير الدنيا إلى فناء وزوال، وأنها خلقت للابتلاء والامتحان، ولتكون جسرا إلى الآخرة دار الخلود، وأن مصير الخلائق جميعا إلى الله تعالى للحساب والجزاء، ثم ذكر أن مجيء القيامة أو العذاب بالنار آت بغتة لا محالة، فلا يغترن أحد بطول البقاء في الدنيا، ولا يسخرن برسول من عند الله، فإنه سيلقى جزاء سخريته واستهزائه، وهذا زجر واضح شديد التأثير.
التفسير والبيان:
ينفي الحق تعالى الخلود في الدنيا لأحد من المخلوقات، فيقول:
﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ أي قضى الله تعالى ألا يخلد في الدنيا بشرا، فلا أنت يا محمد ولا أحد ممن سبقك أو عصاك أو يأتي بعدك إلا عرضة للموت، وقد قدّر لك أن تموت كسائر الرسل المتقدمين قبلك.
стр. 5029
﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ أي هل إذا متّ أنت أيبقى هؤلاء المشركون بربهم؟ لا، بل الكل ميتون، فلا يؤملون أن يعيشوا بعدك.
وهذا رد على المشركين الذين كانوا يتمنون موت رسول الله ﷺ ، وكانوا يقدرون أنه سيموت، فيشمتون بموته، فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذا.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن ٢٦/ ٥٥ - ٢٧].
أخرج البيهقي وغيره عن عائشة ﵂ قالت: دخل أبو بكر على النبي ﷺ ، وقد مات، فقبّله وقال: وا نبياه، وا خليلاه، وا صفيّاه، ثم تلا:
﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية.
واستدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر ﵇ مات، وليس بحي إلى الآن؛ لأنه بشر، سواء كان وليا أو نبيا أو رسولا.
وتأكيدا لبيان موت جميع البشر، قال تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي كل مخلوق إلى الفناء، وكل نفس ذائقة مرارة الموت قبل مفارقتها الجسد،
جاء في الحديث: «إن للموت لسكرات» (١) فلا يفرح أحد بموت أحد، ولا يشمت أو يتشفى لوفاته، فالكل متجرع كأس المنون. والذوق هنا: مجاز عن الإدراك. والمراد بالموت هنا: مقدماته من الآلام العظيمة.
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أي نبتليكم ونختبركم بالبلايا والنعم، أو بالمحبوب والمكروه، بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، اختبارا وامتحانا، لنعلم أتصبرون وتشكرون أم لا؟ وقوله ﴿فِتْنَةً﴾ مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه
стр. 5030
والمراد من ذلك: أنا نعاملكم معاملة من يختبركم، لنعرف الصابر في الشدائد، والشاكر في الرخاء.
﴿وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أي ومرجعكم ومصيركم في النهاية إلينا، أي إلى حكمنا ومحاسبتنا ومجازاتنا، فنجازيكم بأعمالكم. وفي هذا وعد بالثواب، ووعيد بالعقاب.
والابتلاء لا يكون إلا بعد التكليف، والتكليف لا يكون إلا بعد البلوغ والعقل، فالآية دالة على حصول التكليف، والتكليف لا يقتصر بالمكلف على ما أمر به ونهي عنه، بل ابتلاه بأمرين:
أحدهما-ما سماه خيرا: وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور.
والثاني-ما سماه شرا: وهو المضارّ الدنيوية من الفقر والآلام وسائر الشدائد النازلة بالمكلفين.
وإنما سمي ذلك ابتلاء، والله عالم بما سيكون من أعمال العالمين قبل وجودهم؛ لأنه في صورة الاختبار.
﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً﴾ أي وإذا رآك كفار قريش كأبي جهل وأشباهه، ما كان همهم إلا السخرية منك، وما يتخذونك إلا مهزوءا به، فيستهزءون بك وينتقصونك، وكان جديرا بهم التفكير في سلوكك وأخلاقك، وفيما ينزل عليك من وحي فيه عظة وذكرى للعقلاء، وهم الذين حمى الله نبيهم منهم بقوله: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر ٩٥/ ١٥].
وهم القائلون: ﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ أي يقولون تعجبا واستنكارا:
أهذا الذي يعيب آلهتكم ويسفّه أحلامكم؟! ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ﴾ أي والحال أنهم كافرون بالله الذي خلقهم
стр. 5031
وأنعم عليهم، وإليه مرجعهم، و ﴿هُمْ﴾ الثانية توكيد كفرهم أي فهم الكافرون، مبالغة في وصفهم بالكفر. والمراد أنهم كيف يعجبون منك ومن صنيعك بنبذ آلهتهم ووصفها بالسوء، وهم أشد عجبا، إذ يكفرون بالله، ويستهزئون برسول الله ﷺ ، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً، أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً. إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا، لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها، وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان ٤١/ ٢٥ - ٤٢].
والخلاصة: أنهم يعيبون على النبي ذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء، مع أنهم كافرون بالرحمن الذي هو المنعم الخالق المحيي المميت، ولا فعل أقبح من ذلك، فالهزء والذم يعود عليهم من حيث لا يشعرون، وهم أحق بالاستهزاء والسخرية؛ لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه.
وبالرغم من هذا فهم أناس حمقى طائشون متهورون يستعجلون بمجيء العذاب الذي تهددهم به يا محمد، فقال تعالى:
﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي خلق عجولا، أو فطر الإنسان على العجلة، والمراد نوع الإنسان، وقيل: إنه شخص معين، حتى لكأن التعجل جزء من تكوينه وفطرته، وسجيته وطبعه كما قال تعالى: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً﴾ في الأمور [الإسراء ١١/ ١٧]، فاستعجل هؤلاء المشركون عذاب الله وآياته الملجئة إلى الإيمان والإقرار بالعبودية، وبرسالة محمد ﷺ ، فالمراد بالآيات: أدلة التوحيد وصدق الرسول، أو الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة، ولذلك قال: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي أنها ستأتي لا محالة في وقتها، ثم حكى الله تعالى قولهم:
﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي إنهم يستعجلون أيضا
стр. 5032
بوقوع العذاب بهم تكذيبا وجحودا، وكفرا وعنادا، واستبعادا لحدوثه، فيقولون على سبيل الاستهزاء للنبي ﷺ ولأصحابه المؤمنين لجهلهم وغفلتهم: متى وقت حدوث عذاب النار الذي تهددوننا به إن كنتم صادقين في وعدكم وقولكم؟! فقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي يا معشر المؤمنين.
أراد تعالى نهيهم عن الاستعجال وزجرهم، فقدّم أولا ذمّ الإنسان على إفراط العجلة، وأنه مطبوع عليها، ثم نهاهم وزجرهم عن استبطاء الموعود به بقصد إنكار وقوعه وعدم تصوره أصلا، ثم بيّن مدى حماقتهم بهذا الطلب فقال:
﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ.﴾. أي لو تيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة، لما استعجلوا، ولو علموا أحوال عذاب النار التي تحيط بهم من الأمام والخلف وجميع الجهات، وحين يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فلا يستطيعون ردّ النار عن وجوههم، ولا دفعها عن ظهورهم، ولا يجدون ناصرا لهم ينصرهم ويمنعهم من العذاب وينقذهم منه كما قال تعالى: ﴿وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ [الرعد ٣٤/ ١٣]، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي لو علموا وقت الوعيد، لما أصروا في البقاء على كفرهم، ولما استعجلوا هذا العذاب الشديد.
والعلم في قوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ﴾ بمعنى المعرفة، فلا يقتضي مفعولا ثانيا، مثل ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ، اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال ٦٠/ ٨].
وإنما خص الوجوه والظهور؛ لأن شدة تأثرها بالعذاب أكثر.
ونظير الآية: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦/ ٣٩]، وقوله أيضا: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف ٤١/ ٧]، وقوله كذلك: ﴿سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ، وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم ٥٠/ ١٤] فالعذاب محيط بهم من جميع جهاتهم.
стр. 5033
ثم أبان الله تعالى كما هو المعتاد في قرآنه أن وقت مجيء العذاب مجهول فقال:
﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها، وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي بل إن الساعة تأتيهم فجأة، فتحيرهم وتغلبهم، فلا يجدون حيلة لردها، ولا هم يمهلون ويؤجلون لتوبة أو معذرة، لفوات الوقت. وهذا تذكير بإمهاله إياهم، وإعطائهم فرصة واسعة للتذكر والإيمان، والعدول عن الكفر والضلال، فلا يمهلون بعد طول الإمهال.
والسبب في عدم العلم بمجيء الساعة هو جعل العبد أشد حذرا، وأقرب إلى تدارك الأخطاء، فلا يتكل ولا يتوانى لحين حدوث العذاب.
ورجوع الضمير المؤنث في قوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ هو إلى النار، أو إلى الوعد؛ لأنه في معنى النار، أو إلى الحين؛ لأنه في معنى الساعة (القيامة).
ثم سلا رسوله ﷺ عن استهزائهم به وتكذيبهم له، فقال:
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ.﴾. أي إن لك في الأنبياء ﵈ أسوة، فقد استهزئ برسل كثيرين من قبلك، فنزل بالساخرين المستهزئين العذاب جزاء ما فعلوا، وسينزل أيضا بمن استهزأ بك العذاب والبلاء جزاء استهزائهم، كما حدث بأسلافهم من الأمم المكذبة لرسلها، ذلك العذاب الذي كانوا يستبعدون وقوعه، كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ، فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا، وَأُوذُوا، حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا، وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ، وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الإنعام ٣٤/ ٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - لا خلود لأحد من المخلوقات في دار الدنيا، وكل من عليها فان، وكل
стр. 5034
نفس ذائقة الموت، فإن مات النبي محمد ﷺ ، أفهم الخالدون إن مات؟! ٢ - الدنيا دار ابتلاء واختبار، والاختبار كما يكون بالشر يكون بالخير، فيختبر الناس بالشدة والرخاء، والحلال والحرام، وينظر كيف شكرهم وصبرهم، ثم يكون المرجع والمآل إلى الله تعالى للجزاء بالأعمال.
والابتلاء لا يكون إلا بعد التكليف، فتدل الآية على حصول التكليف، ولا يقتصر الابتلاء على المأمور به والمنهي عنه، وإنما يشمل ما سماه خيرا وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور، وما سماه شرا وهو المضار الدنيوية من الفقر والآلام وسائر الشدائد النازلة بالمكلفين، والعبد يتردد بين هاتين الحالتين، لكي يشكر على المنح والنعم، ويصبر في المحن.
٣ - العموم في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ من قبيل العموم المخصوص، فإنه تعالى نفس؛ لقوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇:
﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي، وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة ١١٦/ ٥] مع أن الموت لا يجوز عليه، وكذا الجمادات لها نفوس، وهي لا تموت. والعام المخصوص حجة، فيبقى معمولا به فيما عدا هذه الأشياء.
٤ - الكفار المستهزئون بالنبي ﷺ الذي يعيب اتخاذ الأصنام آلهة أحق وأجدر بالاستهزاء والسخرية لكفرهم بالإله الحق الخالق المنعم المتفضل على الناس بأصناف النعم الكثيرة.
٥ - ركّب الإنسان على العجلة، فخلق عجولا، وصار طبع الإنسان العجلة، ولكن في العجلة أحيانا حماقة وطيش وجهل وغفلة، كما في حال استعجال المشركين نزول العذاب الموعود.
٦ - إن مجيء الساعة أو وقت العذاب بالنار محقق، ولكنه يأتي فجأة، فلا يبقى مجال لتوبة واعتذار.
стр. 5035
٧ - إن الاستهزاء بالرسل ديدن الكفار قديما وحديثا، فلا بد من الصبر، وسيلقى المستهزئون جزاء استهزائهم.
حراسة الله وحفظه للإنسان وعدل الحساب
﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)﴾
الإعراب:
﴿وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ ﴿مِثْقالَ﴾: خبر ﴿كانَ﴾ الناقصة، واسمها مضمر فيها، وتقديره: وإن كان الظلم مثقال حبة. وقرئ بالرفع على أن تجعل ﴿كانَ﴾ التامّة، فيكون مرفوعا على أنه فاعل.
البلاغة:
﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ استعارة، استعار الصمّ للكفار، لأنهم كالبهائم لا يسمعون النداء إلى الإيمان سماع تدبر وتفهم.
стр. 5036
﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ كناية عن العمل القليل.
المفردات اللغوية:
﴿يَكْلَؤُكُمْ﴾ يحرسكم ويحفظكم، والفعل الماضي: كلأ: حفظ، والمصدر: الكلاءة: الحراسة والحفظ. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ﴾ أي من بأسه وعقابه الذي تستحقونه إن أراده بكم. وفي لفظ ﴿الرَّحْمنِ﴾ تنبيه على ألا كالئ غير رحمته العامة. ﴿ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾ أي القرآن. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يتفكرون فيه. ﴿مِنْ دُونِنا﴾ من غيرنا ومن عذابنا. ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يجأرون من عذابنا، يقال: صحبك الله أي حفظك.
﴿أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ من الله، لا من قبل نفسي. ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ إنما سماهم الصم لتركهم العمل بما سمعوه من الإنذار كالصم. ﴿نَفْحَةٌ﴾ نصيب قليل أو أدنى شيء، وأصل النفح: هبوب رائحة الشيء. ﴿يا وَيْلَنا﴾ يا هلاكنا، و ﴿يا﴾: للتنبيه. ﴿إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ بالإشراك وتكذيب محمد ﷺ .
﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ﴾ أي ذوات العدل، توزن بها صحائف الأعمال. ﴿لِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي فيه أو لجزاء يوم القيامة. ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ من نقص حسنة أو زيادة سيئة.
﴿وَإِنْ كانَ مِثْقالَ﴾ أي وإن كان العمل أو الظلم مقدار حبة، وحبة الخردل مثل في الصغر.
﴿أَتَيْنا بِها﴾ أحضرناها وأتينا بموزونها. ﴿حاسِبِينَ﴾ محصين كل شيء؛ إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أن الكفار لا يستطيعون أن يكفوا النار عن وجوههم ولا عن ظهورهم، أتبعه ببيان أنهم في الدنيا أيضا، فلولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا سالمين.
ثم أردفه ببيان أنهم معرضون لا يتفكرون بالأدلة التي ترشدهم إلى الإيمان وترك عبادة الأصنام، كما أنهم لا يرون آثار قدرة الله في إتيان الأرض من جوانبها، بأخذ الواحد بعد الواحد، وفتح البلاد والقرى حول مكة، وفي ذلك عبرة، فيؤمنوا برسول الله ﷺ .
стр. 5037
ثم ذكر وظيفة الرسل التي هي التبليغ والإنذار، لا الإلزام والقبول، لكفاية أدلة القرآن على الإيمان. ثم بيّن سبحانه أن جميع ما يتعرض له الكفار في الآخرة لا يكون إلا عدلا، فهم وإن ظلموا أنفسهم في الدنيا فلن يظلموا في الآخرة، فموازين الحساب قائمة على العدل والقسط.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: مَنْ يَكْلَؤُكُمْ.﴾. أي قل أيها الرسول لأولئك الذين يسخرون منك ويستهزئون: من يحفظكم ويحرسكم ليلا في نومكم ونهارا في عملكم من بأس الله وعذابه إن أتاكم أو أراد إنزاله بكم؟! وفي تعبير ﴿الرَّحْمنِ﴾ إشارة إلى أن تأخير العذاب عن الكفار والعصاة هو من رحمة الله ونعمته وفضله، كي يعود الإنسان إلى ربه من نفسه.
﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي بل إن هؤلاء المشركين، بالرغم من وجود الأدلة الكثيرة العقلية والمذكورة في القرآن الدالة على فضل الله ونعمته بالحفظ والكلاءة، معرضون عن تلك الأدلة، ولا يتفكرون فيها، ولا يعترفون بنعمة الله عليهم وإحسانه إليهم.
وفي ذكر الرب دلالة على أنهم خاضعون لسلطانه، وأنهم يعيشون في رعايته وتربيته وإمداده بالنعم الوفيرة.
ثم بعد بيان اتصافهم بالإعراض، وبخهم الله تعالى على عبادتهم آلهة لا تضر ولا تنفع فقال:
﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا﴾؟ أي هل لهؤلاء المستهزئين المعرضين عن بيان الله آلهة قادرة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ، وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أي إن تلك الآلهة
стр. 5038
المزعومة لا تتمكن من نصر أنفسهم، ولا دفع الضر والبلاء عنهم، ولا هم منا يجأرون أو يمنعون؛ لأنهم في غاية العجز والضعف، فكيف ينصرون غيرهم، ويدفعون الضر عنهم، أو يجلبون النفع لهم؟! ثم أخبر تعالى عن مزيد فضله عليهم فقال:
﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي إن الذي غرهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال أنّهم متّعوا في الحياة الدنيا، ونعموا بها، وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء، والحقيقة أنهم مع طول الزمان في غفلة، حتى اغتروا بنعمتنا، ونسوا شكرها.
والخلاصة: أنه ما حملهم على الإعراض عن آيات الله إلا الاغترار بطول المهلة.
ثم قال تعالى واعظا لهم:
﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ أي أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه، وإهلاكه الأمم المكذبة، والقرى الظالمة، وإنجائه لعباده المؤمنين، وفتح البلاد حول مكة، وتناقص رقعة بلاد أهل الشرك؟! وبعبارة أخرى: أفلا يرون أنا ننقص أرض الكفر ودار الحرب، ونحذف جوانبها وأطرافها بتسليط المسلمين عليها، وتغلبهم على أهلها، وضمّها إلى دار الإسلام.
والفائدة في قوله: ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ تصوير ما كان يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تفتح أرض المشركين المعتدين، وتأتيها غالبة عليها، ناقصة من أطرافها. ومعنى نقص أطرافها:
دخول المسلمين فيها، واتساع نفوذ الإسلام شيئا فشيئا، وانحسار أرض الكفار،
стр. 5039
بدليل قوله بعدئذ: ﴿أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ أي هل نحن الغالبون أم هم؟ فكيف يتوهمون غلبتهم؟ فهم المغلوبون الأخسرون، وهو استفهام بمعنى التقرير والتقريع.
ويرى بعض علماء العصر أن في الآية دلالة واضحة على نقص أطراف الكرة الأرضية في الشمال والجنوب، وأنها غير كاملة التكوير والاستدارة، وذات تفلطح، وهو ما يعبر عنه بالخط الإهليلجي في القطب الشمالي والجنوبي، مما يدل على قدرة الله تعالى، وقوة سلطانه، وتحكمه في الأرض أثناء دورانها.
وبعد أن كرر تعالى إيراد الأدلة في القرآن على وجود الله وقدرته وتوحيده، وبالغ في التنبيه عليها، أتبعه بقوله:
﴿قُلْ: إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ أي قل أيها النبي: إني إنما أنذركم بالقرآن الذي هو كلام ربكم، وإنما أنا مبلّغ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب والنكال، فلا تظنوا أن ذلك من قبلي، بل الله آتيكم به، وأمرني بإنذاركم، وعملي هو مجرد التبليغ لا الإلزام بالقبول، فإن لم تجيبوا دعوتي، فعليكم الوبال والنكال، لا عليّ.
﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ أي لا يجدي هذا الوحي من أعمى الله بصيرته، وختم على سمعه وقلبه، وما مثلهم حين لم ينتفعوا بما سمعوا من الإنذار، على كثرته وتتابعه، إلا مثل الصم الذين لا يسمعون شيئا أصلا؛ إذ ليس الغرض من الإنذار مجرد السماع، بل العمل بما يسمع، والتمسك به، بالإقدام على فعل الواجب، والتحرز عن المحرّم، ومعرفة الحق، فإذا لم يتحقق هذا الغرض فلا فائدة في السماع. ثم بيّن تعالى أن حالهم سيتغير، فيصبحون سريعي التأثر بما ينذرون، ويعترفون بما لا ينتفعون، فقال:
﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ: يا وَيْلَنا، إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أى ولئن مس أو أصاب هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب الله يوم القيامة،
стр. 5040
ليعترفن بذنوبهم، وأنهم كانوا ظالمين أنفسهم في الدنيا، ويظهرون الندامة على ما فرط منهم، ويتنادون بالويل والهلاك، ولا فائدة من ذلك. قال الزمخشري في الكشاف: وفي المس والنفحة ثلاث مبالغات: لفظ المس، وما في النفح من معنى القلة والنزارة، ولفظ المرة.
ثم بيّن الله تعالى أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلا عدلا، فقال:
﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ أي ونضع الموازين العدل التي توزن بها صحائف الأعمال في يوم القيامة، أو لأهل يوم القيامة، فلا يلحق نفسا أي ظلم، فهم إن ظلموا أنفسهم في الدنيا، فلن يظلموا في الآخرة، وقوله: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ تأكيد عدالة الميزان، وأنه لا ينقص ثواب أي نفس ما تستحقه.
والأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه. ووصفت الموازين بأنها عادلة، لأن الميزان قد يكون مستقيما وقد يكون بخلافه.
والمراد بوضع الموازين: إرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال بالعدل والإنصاف، من غير أن يظلم أحد مثقال ذرة، أي أن المقصود من الوزن العدل بين الخلائق، وقد مثل ذلك بوضع الموازين لتوزن بها الموزونات. وفي قول آخر هو الأرجح: المراد أنه تعالى يضع الموازين الحقيقة، ويزن بها الأعمال. قال الحسن البصري: هو ميزان له كفتان ولسان. فمن رجحت حسناته على سيئاته، كان من الناجين، ومن غلبت سيئاته على حسناته، كان من الهالكين. والقسط: العدل أي ليس في الموازين بخس ولا ظلم كما يكون في وزن الدنيا.
﴿وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي وإن كان العمل أو الظلم مقدار
стр. 5041
زنة حبة الخردل، فنجازي عليه الجزاء الأوفى، حسنا أو سيئا.
﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ أي وكفى بنا محصين لأعمال العباد، فلا أحد أعلم بأعمالهم منا، ولا أحد أضبط ولا أعدل في تقويم الأعمال منا. وفي هذا تحذير شديد، ووعيد أكيد للكفار والعصاة على تفريطهم أو تقصيرهم فيما يجب عليهم نحو الله تعالى؛ لأن العالم الذي لا يشتبه عليه شيء، القادر الذي لا يعجزه شيء، جدير بأن يكون الناس في أشد الخوف منه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن من فضل الله ورحمته الكلاءة: الحراسة والحفظ للناس من عذاب الله تعالى بالليل حال النوم، وفي النهار حال التصرف في الأمور، ولكن الناس لاهون غافلون عن موعظة القرآن ومواعظ ربهم ومعرفته حق عليهم.
٢ - إن الآلهة الذين زعم الكفار أنهم ينصرونهم لا يستطيعون نصر أنفسهم، فكيف ينصرون عابديهم؟! وكيف يمنعون ويجأرون من عذاب الله تعالى؟! ٣ - إن تقلب أهل مكة وأمثالهم في نعيم الدنيا، وظنهم أن النعمة لا تزول عنهم هو سبب اغترارهم وإعراضهم عن تدبر حجج الله ، وكان عليهم التأمل في متابعة انتصارات النبي ﷺ وغلبته عليهم، وتمكين الله له من فتح البلاد بلدا بعد بلد، مما حول مكة.
٤ - إن مهمة النبي ﷺ إنذار الكفار وتحذير هم بالقرآن الموحى إليه من عند الله، لا من قبله، ولكنهم إذا لم ينتفعوا بما سمعوا من الإنذار، صاروا كالصم الذين لا يسمعون أصلا، وسيتغير خالهم إذا مسّهم أدنى شيء من عذاب الله،
стр. 5042
فعندئذ يسمعون ويعتذرون ويعترفون حين لا ينتفعون، أي يعترفون بظلم أنفسهم وبكفرهم حين لا ينفعهم الاعتراف.
٥ - لا عدل أدق وأضبط وأحكم فوق عدل الله، فموازينه لأهل يوم القيامة أو في يوم القيامة غاية العدل، فلا ينقص من إحسان محسن، ولا يزاد في إساءة مسيء، وإن كان العمل أو الشيء الذي قدمه المحسن مثقال حبة الخردل، ومثقال الشيء: ميزانه من مثله، وكفى بالله مجازيا على ما قدم الناس من خير أو شر، وكفى به محصيا عادا لأعمال عباده، وألا أحد أسرع حسابا منه، والحساب:
العد، والغرض من ذلك التحذير.
والغرض من قوله: ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ المبالغة في أن الشيء مهما صغر أو كبر غير ضائع عند الله تعالى.
٦ - الذي وردت به الأخبار وعليه أكثر العلماء هو أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة. قال حذيفة ﵁: «صاحب الميزان يوم القيامة: جبريل ﵇».
وقيل عن مجاهد وقتادة والضحاك: ذكر الميزان مثل، وليس ثمّ ميزان، وإنما هو العدل.
القصة الأولى-قصة موسى ﵇
مقارنة بين خصائص التوراة وخصائص القرآن
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾
стр. 5043
الإعراب:
﴿وَضِياءً﴾ فيه محذوف تقديره: ذا ضياء، فحذف المضاف، وأدخل واو العطف على ﴿ضِياءً﴾ وإن كان في المعنى وصفا دون اللفظ، كما يدخل على الوصف إذا كان لفظا، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأنفال ٤٩/ ٨] وكقولهم: مررت بزيد وصاحبك أي مررت بزيد صاحبك، فدل هذا وغيره على أن الواو تدخل على الوصف إذا كان لفظا أو كان وصفا في المعنى. وقرئ ضياء بغير واو على أنه حال من الفرقان.
﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ صفة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أو مدح لهم.
﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من الفاعل أو المفعول.
المفردات اللغوية:
﴿الْفُرْقانَ﴾ التوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام، وهي أيضا ضياء تنير طرق الهدى، والذكر، أي الموعظة التي يوعظ بها، لما فيها من عبرة. ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي يخافون عذابه. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ في حال الخفاء عن الناس. ﴿وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ﴾ أي من أهوالها.
﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.
﴿وَهذا ذِكْرٌ﴾ أي وهذا القرآن أيضا ذكر أي تذكير وعظة. ﴿مُبارَكٌ﴾ أي كثير الخير غزير النفع. ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي أفتنكرونه، وهو في غاية الجلاء والوضوح؟ والاستفهام فيه للتوبيخ.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقول لقومه: ﴿إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ أتبعه ببيان أن هذه سنة الله تعالى في أنبيائه، فقد أنزل الوحي عليهم ليكون ما تضمنه من الشريعة والأحكام سببا لهداية البشر.
وبعد أن أبان تعالى أدلة التوحيد والنبوة والمعاد شرع في التذكير بقصص الأنبياء ﵈ تسلية لرسوله ﷺ فيما يناله من قومه، وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر عليها، وهذه هي القصة الأولى-قصة موسى وهارون ﵉.
стр. 5044
التفسير والبيان:
كثيرا ما يقرن الله تعالى بين الحديث عن موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وبين كتابيهما، ليبين امتداد صلة النبوة وصلة الوحي، وليشير إلى وجود الشبه الكثير بين التوراة في أصلها الصحيح وبين القرآن الكريم في كمال الشريعة الشاملة للدين والدنيا، والعقيدة والعبادة، فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي وو الله لقد أعطينا موسى وهارون كتابا شاملا لأحكام الشريعة، وهو التوراة الذي هو كتاب فرق الله فيه بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وهو أيضا منار يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة للتوصل إلى طريق الهداية والنجاة، وهو كذلك عظة وتذكير يتعظ به المتقون ربهم وهم ذوو الأوصاف التالية:
١ - خشية الله في السر:
﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي الذين يخافون عذاب ربهم، فيأتمرون بأمره، وينتهون بنهيه، في حال الخفاء والسر والخلوات حيث لا يطلع عليهم أحد من الناس، قال الرازي: وهذا هو أقرب المعاني.
وقد تكرر في القرآن الكريم التركيز على هذا المعنى، كما في قوله تعالى:
﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ، وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق ٣٣/ ٥٠] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك ١ ٢/ ٦٧].
٢ - الخوف من يوم القيامة:
﴿وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أي وهم من القيامة وأهوالها وسائر ما يحدث فيها من الحساب والسؤال خائفون وجلون. وفي تصدير الضمير وبناء الحكم عليه مبالغة وتعريض.
стр. 5045
وكما أن هذه خصائص التوراة، فكذلك خصائص القرآن مثلها فقال تعالى:
﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أي وهذا القرآن العظيم المنزل عليك تذكير وعظة، ومبارك فيه بكثرة منافعه وغزارة خيره.
﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾؟ أي فمثل هذا الكتاب مع كثرة منافعه كيف يمكنكم إنكاره؟ وكيف تنكرونه وهو في غاية الجلاء والوضوح؟ وهو أيضا معجز لاشتماله على النظم العجيب والبلاغة البعيدة، والأدلة العقلية، وبيان الشرائع، فكيف تنكرون إنزاله من عند الله، وأنتم خير من يقدّر روعة الكلام وفصاحة اللسان وإحكام البيان؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
اقتصر البيان في قصة موسى وهارون ﵉ على كتاب التوراة ليقرن الكلام عنه مع الكلام عن القرآن الكريم.
وقد تبين من الآيات أن التوراة فرقان بين الحق والباطل والحلال والحرام والغي والرشاد، وضياء يستضاء بها لسلوك طريق الهداية والنجاة، مثل قوله عنها في آية أخرى ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ﴾ [المائدة ٤٤/ ٥] وعظة وتذكير للمتقين.
وهي أيضا أوصاف القرآن في آيات أخرى، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ، وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ [آل عمران ٤/ ٣]. ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان ١/ ٢٥]. وقال سبحانه: ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥/ ٥] ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف ١٥٧/ ٧]. وقال ﷻ : ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤/ ١٦] ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ